/حوض/١، وغالب ما في أيديكم من الأوقاف والريع والمآكل، إنما وصل إليكم من جهة من لا يعرف الدعوة الإسلامية، وليست لهم ولاية شرعية، كرؤساء الإحساء قبل المسلمين من آل حميد٢ والأتراك وتجار البحر، الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، فكيف تلمزون بأموال المسلمين وهذا حالكم، وهذه مأكلكم وما فرض/ من ذلك على/٣ الوجه الشرعي، فهو لا يباح إلا لمن قام في وظيفة التدريس والإمامة بما شرع الله ورسوله، من دعاء الخلق إلى توحيده، وتهيبهم عن الشرك، واتخاذ الأنداد معه،/ وقرر/٤ ما تعرف الرب به إلى عباده، من صفات كماله، ونعوت جلاله، وأظهر مسبة من جحدها وأحد٥ فيها، ونفى عن كتاب الله تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين، وزيغ الزائغين، وجرد المتابعة لرسول الله/ صلى الله
стр. 527
عليه وسلم/١، ولم يتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، ومن لم يكن هكذا فهو غاش للمسلمين، غير ناصح لهم، متشبع بما لم/ يعط/٢ كلابس ثوبي زور ٣، في/ انتصابه/٤ في المدارس والمساجد. والعلم معرفة الندى بدليله، وإدراك الحكم على ما هو عليه في نفس الأمر ليس إلا. وأما التزيي بالملابس، والتحلي بالمظاهر، والانتصاب في المدارس، من غير غيرة لدين الله، ولا نصرة لأوليائه، ولا مراغمة لأعدائه، ولا دعوة إلى سبيله، فما/ ذاك/٥ إلا حرفة الفارغين البطالين، الذين صحبوا الأماني، وقنعوا من الخلاق بالخسيس الفاني، وهذا لا يفيد إيمان الرجل، فضلا
стр. 528
عن كونه عالما، فلا يباح والحالة هذه لمن كان/ هكذا،١ أن يجوز أوقافا فصد بها التقرب إلى الله، والإعانة على إظهار دينه، والتماس مرضاته، والدعوة إلى سبيله، ومن أكل منها وهو مجانب لهذه الأوصاف، فقد أكل ما لا يحل له وما لا يستحقه. وهذا يستفاد من قول الفقهاء: "يشترط أن يكون الوقف على جهة الر، ولا يستحقه إلا من كان من أهل تلك الجهة".
وفي الحديث: "إن هذا المال حلوة خضرة، فمن أخذه بحقه، بورك له فيه، ورب متخوض في مال الله بغير حق، ليس له يوم القيامة إلا النار" ٢.
والأوقاف من مال الله/ /٣؛ ولهذا عزل الخليفة المتوكل٤ كل من بيتهم بشيء من بدعة الجهمية، عن المساجد والقضاء، وغيره من الوظائف الدينية، وذلك بأمر من الإمام أحمد –﵀/ تعالى/٥. فإنه –﵀ توجه إليه الفتح بن خاقان ٦ -وزير المتوكل- بورقة فيها أسماء القضاة والأئمة، ققرأها الفتح على الإمام، فأمر بعزل من يعرف منه شيء من ذلك، أو يتهم به/ فعزل خلق كثير/٧ وهو عند المسلمين في ذلك بار راشد متبع لأمر الله ورسوله.
стр. 529
فصل: فيما جاء في رؤيا طفيل
...
"فصل"
فيما جاء في رؤيا الطفيل١، أنه مر على نفر من اليهود فقال هلم: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله؛ فقالوا: وأنتم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ومر على ملأ من النصارى فقال: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله؛ فقالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون /والله/٢ والكعبة. فأخبر الطفيل برؤياه رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
فنهى الناس عن هذه الأقوال ٤، وقرر حكم هذه الرؤيا٥.
والغرض منها هنا، ذكر المشابهة بينكم وبينهم في /إدراك/٦ الخفي مما زعمتموه
стр. 530
عيبا، مع العمى والجهل بما أنتم عليه، فأعجب لها من نادرة.
قال حسان١:
تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم من ذا لو يرى الرشد راشد
صدودكمو عن مسجد الله أهله ... وإخراجكم من كان لله ساجد ٢
تنبيه: طول المعاشرة، وكثرة المخالطة، لها تأثير ظاهر، وفعل بين في الأخلاق والطباع، والشيم والعقائد والديانات، كما هو مشاهد محسوس، حتى عن الإنسان قد يسري إليه/من/٣ ما جُبل بعض الحيوانات عليه. كما يشير إليه قوله ﷺ : "الغلظة في الفدّادين٤ أهل الوبر والشعر، والسكينة في أهل الغنم" ٥.
стр. 531
ولا يخفى ما أنتم عليه من كثرة المعاشرة، وطول المزاولة لجيرانكم، الذين ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله ﷺ وخيار هذه الأمة، حتى رموهم بما يستحى.
من ذكره، وكثرت ثنائهم وموالاتهم للزنادقة والكفار من أعداء هذه الملة ولعل ما/جاء عنكم/١ من الذم والقيل هو من ذلك القبيل. شعر:
لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الحرب٢
/وما أعمى/٣ بصائركم عما من الله به على هذا الشيخ٤ من النعم الباطنة والظاهرة، وكونه نصب نفسه. بحمد الله ومنته. لحماية/ دين الله/٥ والذب عنه، ومراغمة أعدائه فقام في وجوه من أجاز دعاء غير الله، والاعتماد عليه والتوكل على غيره؛ وذم من حسن حالهم، وذب عنهم، وتصدى للرد عليه، وتجهيله وتضليله؛ وقام في وجوه أهل البدع المنكرة كالجهمية٦ والأشاعرة٧ والسالمية٨
стр. 532
والكرامية١؛ وقمعهم الله/تعالى/٢ به، وصاروا في/ بلدكم/٣ يستترون، وكذلك أهل الموالد والأعياد الجاهلية، كبتهم الله بما أبداه وقرره من عيبهم وتضليلهم.
وقد من الله عليه بنشر العلم، وانتفع الناس به، بعد ما كاد أن يعدم في البلاد النجدية٤، بعد المحنة المصرية٥، فجدد الله به آثار سلفه الصالح. وجمهور من له معرفة بالعلم، وما جاءت به الرسل، من أهل هذه البلاد النجدية، إنما تخرج عليه، وسمع منه، وتربى بين يديه٦. ومن لم يحظ بهذا، فهو دون غيره، كما لا يخفى على عارف. والمنصف من الأعداء يعترف بهذا. وقد عرف العامة والخاصة مناصحته، لولاة الأمور، وحثهم على ما ينتفعون به في الدنيا والآخرة، من تحكيم
стр. 533
كتاب الله، والجهاد/ لإعلاء/١ كلمته، ونصحهم عن الإصغاء إلى أهل الريب والشك، في الدعوة الإسلامية، والحقائق التوحيدية، الذين يبغونها عوجا، ولا يحبون ظهور هذا الدين وعلوه فهو قد نصح ولاة /الأمور/٢ عنهم، وكبت الله بسببه وأخزى منهم عددا كثيرا، وهو قائم على قضاء تلك البلاد في النظر في أحكامهم، يرد كثيرا مما أجمع على بطلانه منها، وينقضها بالقانون الشرعي/والمنهاج/٣ المرعي، وهذا مشهور لا ينكره إلا مكابر. شعر:
وما ضره عين الشمس إن كان ناظرا ... إليها عيون لم تزل دهرها عميا ٤
وقد عرف من كان له فضلوعلم، أن كلام أمثالكم، وبهت أشباهكم، مما يدل على فضله وجلالته وهيبته/وفطانته/٥، وأن ذلك مما يزيده الله به/إن شاء الله/٦ رفعة وشرفا في الدنيا والآخرة، ويوجب –إن شاء الله- حسن العاقبة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا
стр. 534
اكْتَسَبَ مِنَ الأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٢.
ومما يستحسن لشيخ الإسلام/قدس الله روحه/٣ ونور ضريحه/٤ قوله: شعر:
لو لم تكن لي في القلوب مهابة ... لم تكثر الأعداء في وتقدح
كالليث لما هيب خط له الزبى٥ ... وعوت لهيبته الكلاب النبح
يرمونني شرر العيون لأنني ... غلست في طلب العلى وتصبحو٦
وقال أبو الطيب:
وإذا أتتك مذمتي من ناقصي ... فهي الشهادة لي بأني/كامل ٧/٨
وقد أنطق الله ألسن المسلمين بالثناء والدعاء لهذا الشيخ، ونرجو أن الله يقبل شهادتهم،/ ويجيب له دعوتهم/٩ ويقيل عثرته وعثرتهم. الله اغفر لنا ما لا يعلمون، واجلعنا خيرا مما يظنون. والمغرور من اغتر بثناء الناس عليه، ولم يعرف
стр. 535
حقيقة مأمنه وما لديه، لكن الغرض تعريفك أن كلامكم زاده الله به/ شرفا ورفعة ١.
شعر:
كم كان في نكث أسباب العهود٢ بها ... إلى المخدرة العذراء من سبب٣
وأما من/بهته/٤، فقد أصبح بين أهل الإسلام والكمال، كقبر أبي رغال ٥ مرجوما بشهب المذمة والمقال، معدودا/ زمرة/٦ أهل الغي والضلال.
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه٧
عجيبة عبتم على الشيخ حرثه وطلبه الرزق، باتخاذه النخيل/والزروع/٨، مع أن هذا/هو/٩ حرفة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، جمهورهم أهل نخيل وحروث. ولما/فتح الله/١٠/خيبرا/١١ اقتسموها، وعاملوا عليها، وصار، وذم الكل بالدين لرسول الله ﷺ سهمه المعروف، ولما أجلى/ عمر
стр. 536
رضي الله عنه اليهود ١/٢ تولى المسلمون العمل فيها بأنفسهم، وهذا معدود من مناقبهم. ولم يذهبوا إلى ما ذهبت إليه اليهود والنصارى ومن شابههم، من هذه الأمة من الأكل بدينهم، وجعله ألة يكتسب/بها/٣ الدنيا، ويحتال بها على أكل الحبوس والأوقاف وكثير من علمائكم جزم بأن الحرث أفضل المكاسب، ونصوصهم موجودة عندكم، ولكن الهوى والعداوة أدَّياكم إلى أن جعلتم المناقب/مثالياً/٤؛ ولا ذنب للشيخ عندكم يقتضي هذا ويوجبه، لم يحل بينكم وبين مآكلكم، و/لا/٥ رئاستكم، ولكن يدعوكم إلى الرغبة عن تقليد الأشياخ الماضيين. شعر:
أصبحت بين معشار هجروا الهدى
وتقبلوا الأخلاق من أسلافهم
قوم أحاول رشدهم وكأنما
حاولت نتف الشعر من آنافهم٦
стр. 537
فصل: الإقتداء بإهل الخير والبر في العمل الصالح
...
"فصل"
بلغنا عن خدنك ومن يلوذ بك، أنهم أنكروا على الإمام بناء المسجد الجامع، فقيل لهم: إنه قد بناه سعود –﵀ أولا؛ فقالوا: هذا من باب قوله تعالى:
стр. 538
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١؛ وقالوا: ومن يصلي في هذا، وقد بُني من مال كيت وكيت.
وهذا يدل على ما قلناه، أن اعتقادكم في الإمام ٢ مثل اعتقادكم في ابن ثنيان سواء بسواء.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم٣
وهذا ثابت بنقل العدد الكثير من أهل نجد، وأهل الأحساء، وإنكاره مكابرة/وردّ/٤ للواضحات.
وقد علم أن الإقتداء بأهل الدين في البر والخير والعمل الصالح، كبناء المساجد رفع شأنها، من آكد ما شرع. ومن أفضل ما سُعي فيه، وصنع. والاستدلال عليه بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٥، أقرب للصواب.
والله أسأل أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويحسن العاقبة لعباده المؤمنين، وأوليائه المتقين. إنه ولي ذلك كله،/وهو/٦/ على كل شيء قدير/٧.
وصل اللهم على نبينا محمد، سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا/ إلى يوم الدين/٨.
стр. 539
الرسالة الثلاثون: إلى محمد بن عون
تقديم جامع الرسائل
...
"الرسالة الثلاثون"١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه- رسالة إلى محمد بن عون –رجل من أهل عمان- قد ألقيت إليه شبهات وضلالات من أضاليل الجهمية النفاة. فبعث بها إلى الشيخ الإمام، وقدوة العلماء الأعلام الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن. فأجابه عليها بأدل دليل، وأوضح برهان. وقد سأل هذا الجهمي٢ الكافر/محمدا/٣ عن هذه الأسئلة.
فمنها: هل لكلمة التوحيد لا إله إلا الله شروط وأركان وآداب؟.
ومنها: قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤ ما معناه استواؤه مختص بالعرش، أو به/و/٥ بغيره لأنه تعالى ما نفى استواءه من غيره، فإذا زعمت أن استواءه مختص بالعرش، فمن أي شيء علم ذلك وهل أتى سبحانه بحرف الحصر وحروف الاختصاص وهل تعرف حروف الاختصاص وحروف الحصر أم لا وما هي؟
فإذا قلت مثلا: زيد استوى على الماء، فهل علم منه أنه لا يستوي على غيره والعاقل يعلم ذلك بأدنى تأمل.
ومنها قوله: وإذا أقررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٦
стр. 540
وقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ١ وقد قال إنه قريب٢. وقال ﷺ : "حيثما كنتم فإنه معكم"٣؛ فإذا قلت: هذه الآيات مؤولة وأقررت بالتأويل، فالآية الأولى أولى به، لأنها بلا تأويل تخالف الإجماع، وتعارض الآيات والأحاديث. أما/ الآيات/٤ الأخيرة. فقد قيل في الأول٥ أنها ليست من المتشابهات، لأن الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وما نفى الاستواء عن غير العرش.
هذا كلامه بحروفه، نقله الشيخ على ما فيه من التحريف واللحن ليعتبر الناظر، ويعرف المؤمن المثبت، حال هؤلاء الجهال الضلال الحيارى.
وقد أجاب –﵀ إفادة لمحمد بن عون، إذ كان من أهل التوحيد والإثبات، وممن جاهد الجهمية في تلك الجهات؛ وإلا فليس هذا الجهمي الكافر كفا للجواب، لأنه من العجم الطغام، بل هو أضل من سائمة الأنعام، إذ لا فكرة ثاقبة، ولا روية كاسبة، ولا طريقة صائبة يتشبع بما لم يعط من العلم، ويتزيّى بزي أهل الذكاء والفهم، وليس له في ذلك ملكة ولا روية، ولا معرفة للعلوم ولا دراية، ولا يعرف من الإسلام أصلا ولا فرعا، بل هو ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
стр. 541
وقد موه هذا الجهمي الكافر بهذه السفسطة١ والجعجعة٢، وهرقع بهذه المحرقة والقعقعة٣، وظن أن ليس في حمى التوحيد من أهله ضيارم، ولا لتلك الشبه المتهافتة من عالم مصارم٤؛ كلا والله، إن الليث مفترش على براثنه، لحماية حمى التوحيد وقاطنه؛ فلا يأتي صاحب بدعة ليقلع من التوحيد الأواسي٥، ويهد الرعان٦ الشامخات الرواسي، إلا ودفع في صدره بالدلائل القاطعة، والبراهين المنيرة الساطعة، فرحمه الله من إمام جهبذ ألمعي، ومقول بارع لوذعي٧، أحكم وأبرم من الشريعة المطهرة أمراسها ٨ فضاء –بحمد الله- للورى نبراسها، وسقى عللا بعد نهل غراسها، فأورقت وبسقت أشجارها؛ وأينعت –بحمد الله- ثمارها، فجنى من ثمارها كل طالب مسترشد، وورد من معينها الصافي كل موحد.
إمام هدى فاضت ينابيع علمه ... فأم الأوام الواردون معينها
فبلوا الصدى من صفوها وتضلعوا ... وصعصع٩ تيار لهن معينها١٠
كهذا الذي أبدى معرة جهله ... وكان يرى أن قد أجاد رصينها
стр. 542
فضعضعها بالرد والهد جهبذ ... وأبدى عوارا قد رأى أن يزينها
وما هو إلا كالسراب بقيعة ... يلوح لظمآن فلاقى متونها
فإن كنت مشتاقا إلى كشف زهوها ... فإن الإمام الشيخ أبدى كمينها
وجلى ظلام الجهل بالعلم مدحضا ... ضلالات كفر غثها وسمينها
وأطلع شمس الحق للخلق جهرة ... وشاد لعمر للبرية دينها
وقد سمقت أنوار برهان علمه ... وقد بلغت غرب البلاد رصينها
ورد على من رد سنة أحمد ... ورام سقاها بالهوى أن يشينها
زمن ند من أتباع جهم ونحوهم ... وقد رام جهلا أن يهد مكينها
بنفي استواء الرب ﷻ ... على عرشه إذ رام أن يستهينها
وقد أوضحت بل صرحت بعلوه ... وقرر أعلام الهدى مستبينها
وفي سبع آيات ثبوت استوائه ... على العرش فاقرأ يا مهين رصينها١
وهذا جواب إحدى الورقتين/ اللتين أرسلهما/٢ محمد بن عون، وقد تقدم جواب الورقة الثانية فيما سبق٣، ولم أجدها تامة، ولكن لمسيس الحاجة إليها أثبتناها.
стр. 543
جهادك أهل البدع، والإغلاظ في الإنكار على الجهمية والمعطلة ومن والاهم، وهذا من أجل النعم وأشرف العطايا، وهو من أوجب الواجبات الدينية؛ فإن الجهاد بالعلم والحجة، مقدم على الجهاد باليد والقتال، وهو من أظهر شعار السنة وآكدها. وإنما هو تختص به في كل عصر ومصير، أهل السنة وعسكر القرآن، وأكابر أهل الدين والإيمان.
فعليك بالجد والاجتهاد به، من أفضل الزاد للمعاد، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ١.
هذا وقد ألقي إلي ورقة جاءت من نحوكم، سوَّدها بعض الجهمية المعطلة، مشتملة على إنكار علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه، كما هو رأي جهم وأشياعه، محتجا صاحبها بشبهات كسراب بقيعة، من نظر إليها من أهل العلم والمعرفة؛ تيقن أنه من الأدلة على أن قائله قد عدم العلم والإيمان، والمعرفة والحقيقة، وأنه ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا ٢.
وقد أبداه قائله ليتشبع بما لم يعط من العلم ٣ ويتزيى/ بغير زي العلماء/٤؛ فكشف الله سوءته، وأبدى خزيه، وصار كلامه دليلا على جهله وعماه، وضلاله عن سبيل رشده وهداه.
فأول ما رسم في هذه الورقة المشار إليها، قوله –وفقك الله إلى أقوم الطريق: هل لكلمة التوحيد- وهي لا إله إلا الله- شروط وأركان وآداب فإن قلت نعم، فما هي
стр. 544
هذا لفظه. وقد عرفت أن الرجل لبس من أهل هذا الفن، ولا يدري ما هنالك.
والتوحيد عند هذه الفرقة الجهمية، حقيقة١ تعطيل الأسماء والصفات؛ لأن عندهم تعدد الصفات يقتضي تعدد الموصوف، والوحدة عندهم والتوحيد ينافي ذلك، فيثبتون ذاتا مجردة، وحقيقة مطلقة غير موصوفة ثبوتية٢ ويفسرون الواحد بأنه الذي لا يقبل الانقسام.
وهذا كلام شيوخه وأسلافه من الجهمية الضالين، الذين ينكرون العلو والاستواء، ويزعمون أنه بذاته مستوٍ في كل مكان، فما نزهوه عن شيء من الأماكن القذرة التي يتنزه عنها آحاد خلقه. فما أجرأهم وما أكفرهم وما أضلهم عن سواء السبيل.
ومنكر الاستواء هذا توحيده، وهذا رأيه. وأما التوحيد الذي اشتملت عليه كلمة الإخلاص، فهذا أجنبي عنه، لا يدريه، وكيف يدري ذلك كمن أنكر أظهر الصفات التي بنيت عليها كلمة التوحيد، واستحق بها الرب ما له من صفات الإلهية والربوبية والكمال المطلق، فما للجهمية وهذا، وهم إنما يعيدون عدما وإنما يبحث عن هذا ويدريه من يعيد إلها واحدا فردا صمدا.
وشرط كلمة الإخلاص، يعرفها –بحمد الله- صغار الطلبة من المسلمين أهل الإثبات. ويتبين ذلك بتعريف الشرط: وهو أنه ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود لذاته٣. وإذا عرف هذا، فالعقل يلزم من عدمه العدم، والتمييز يلزم من عدمه العدم، والعلم يلزم من عدمه العدم؛ هذه شروط الصحة٤.
وأما شروط القبول: فالالتزام والإيثار والرضا. وإذا اجتمعت هذه الشروط، حصل
стр. 545
القول المنجي، والشهادة النافعة١. ومصدر هذه الشروط عن علم وعمله، وهناك يصدر التلفظ بها عن يقين وصدق. والجهمية لم يتصفوا بشروط من هذه الشروط، وقد صرح أهل السنة بذلك.
وحاجة معطلة الصفات إلى معرفة التوحيد في العبادات، كحاجة من عدم الرأس من الحيوانات إلى الرسن. قال أبو الطيب:
فقر الجهول بلا علم إلى أدب ... فقر الحمار بلا/ عقل/٢ إلى رسن٣
وله أيضا شروط:
منها: معرفة الإله الحق بصفات كماله، ونعوت جلاله، التي علوه وارتفاعه واستواؤه على عرشه من أظهرها وأوحيها. /وكذلك/٤ معرفة أمره ونهيه ودينه الذي شرعه، والوقوف مع أمر رسوله وحدوده. ومنها: كون الطبيعة لينة منقادة/ سلسة/٥ قابلة.
стр. 546
وهذه الشروط معدومة في الرسائل، قد اتصف بضدها ومعبوده مسلوب الصفات، لا وجود له في الحقيقة، وأمره ونهيه منبوذ عند هذه الطائفة، لا يهتدون بكتابه ولا يأتمرون بأمره؛ والمعول عندهم على شبهات منطقية، وخيالات كلامية يسمونها: قواطع عقلية، ومقدمات يقينية. ونصوص الكتاب والسنة عندهم، ظواهر لفظية، وأدلة ظنية.
وأما طبائعهم فأقسى الخلق وأعتاهم وأعظمهم ردا على الرسل، واعتمادا على أقوال الصابئة والفلاسفة وأمثالهم من شيوخ القوم، الذين لم يلتفتوا إلى ما جاءت به الرسل، ولم يرفعوا به رأسا، فضلا عن معرفته وقبوله، فما لهذا السائل وآداب كلمة الإخلاص.
وأما الأركان: فركناها: النفي والإثبات. نفي استحقاق الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله وحده على وجه الكمال.
وأما الآداب: فالدين كله يدخل في مدلولها وآدابها. وأرفع مراتب الآداب وأعلاها، مرتبة الإحسان، وهي أعلى مقامات الدين، وبَسْطُها يعلم من معرفة شعب الإيمان وواجباته ومستحباته. وعندهم أن الإيمان مجرد التصديق، فلا يشترط عمل القلب وعمل الأركان، في حصول الحقيقة المميزة بين المسلم والكافر. هذا رأي الجهمية الجبرية، فالأعمال ليست من مسماه، والتصديق والإخلاص/ليسا/١ من أركانه٢. وهذا يعرفه صغار الطلبة؛ فكيف يترشح هذا الجهمي لما ليس من فنه ولا من علمه وفي المثل: ليس هذا بعشك فادرجي ٣. والمقصود إفادة مثلك. وأما
стр. 547
السائل فليس كفا للرشاد والهدى. ثم قال الجهمي في ورقته قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ ما معناه٢؟ استواؤه مختص بالعرش أو به/و/٣ بغيره لأنه تعالى ما نفى استواءه/عن/٤ غيره، فإذا زعمت أن استواءه مختص بالعرش، فمن أي شيء علم ذلك وهل أتى سبحانه بحروف الحصر وحروف الاختصاص؟ وهل تعرف حروف الاختصاص وحروف الحصر أم/لا/٥ وما هي فإذا قلت مثلا: زيد استوى على الدار، فهل علم منه أنه لا يستوي على غيره والعاقل يعلم ذلك بأدنى تأمل.
وجوابه أن يقال: قد ثبت من غير طريق عن مالك بن أنس/ ﵀/٦ وعن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن٧ بل ويروى عن أم المؤمنين أم سلمة –﵂ أنهم قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول٨. وفي بعض طرقه: والكيف غير معقول والسؤال عنه بدعة ٩. وزاد مالك: فقال للسائل: وما أدراك إلا رجل سوء. وأمر به فأخرج١٠.
وعلى هذا درج أهل السنة من عهد رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا، ولم يخالف في ذلك إلا الطائفة الضالة الملعونة، الجهمية وأشياخهم من غلاة
стр. 548
الاتحادية والحلولية.
وأما أهل السنة، فعرفوا المراد وعقلوه، ومنعتهم الخشية والهيبة والإجلال والتعظيم، من الحوض والمراء والجدل والكلام الذي لم يؤثر ولم ينقل. وقد عرفوا المراد من الاستواء وصرح به أكابر المفسرين وأهل اللغة، فثبت عنهم تفسيره بالعلو والارتفاع١ وبعض أكابرهم صرح بأنه صعد٢. ولكنهم أحجموا عن مجادلة السفهاء الجهمية، تعظيما لله، وتنزيها لرب البرية.
وإذا أخبر جل ذكره أنه استوى على العرش، وعلا وارتفع، وكل المخلوقات وسائر الكائنات تحت عرشه، وهو بذاته فوق/ذلك/٣.
وفي الحديث: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" ٤. وإذا عرف هذا عرف معنى اختصاص العرش بالاستواء، وأن هذه الصفة مختصة بالعرش. وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال للرجل الذي قال له: إنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله
стр. 549
عليك قال: "الله أكبر، إن شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله، إنه على عرشه. وأشار بيده كالقبة، وأنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه"١. وهذا الحديث لا يستطيع سماعه الجهمي، ولا يؤمن به إلا أهل السنة والجماعة الذين عرفوا الله بصفات كماله، وعرفوا عظمته، وأنه لا يليق به غير ما وصف به نفسه من استوائه على عرشه، ونزهوه أن يستوي على ما لا يليق بكماله وقدسه من سائر مخلوقاته.
ومن أصول أهل السنة والجماعة، أنه سبحانه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه٢. ولم يصف نفسه بأنه استوى على شيء غير العرش. وكذلك رسله وأنبياؤه وورثتهم، لم يصفوه إلا بما وصف به نسفه. فإنكار هذا الجهمي اختصاص الاستواء بالعرش، تكذيب لما جاءت به الرسل، ورد لما فطر الله عليه بن آدم، من التوجه إلى جهة العلو وطلب معبودهم وإلههم فوق سائر الكائنات٣. ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٤.
وتخصيص العرش بالاستواء نص، لأنه/لا يستوي/٥ على غيره. والسائل أعجمي، لا خبرة له بموضوع الكلام ودلالته. قال الحسن في مثل هؤلاء: "دهتهم العجمة"٦. ونفي الاستواء عن غير العرش معلوم من السياق، مع دلالة النص
стр. 550
والإجماع والفطرة كذلك، ودلالة الأسماء الحسنى كالعلي والأعلى، والظاهر ونحو ذلك.
ولفظ العلو والارتفاع والصعود يشعر بذلك، ويستحيل أن يستوي على شيء مما دون العرش، لوجوب العلو المطلق، والفوقية المطلقة.
وأما قوله: وهل أتى سبحانه بحرف الحصر والاختصاص:
فدلالة الكلام على الحصر والاختصاص تارة تكون بالحروف١ وتارة تكون بالتقديم والتأخير٢، وتارة تكون من السباق وتارة تكون بالاقتصار على المذكور في الحكم، ولا يختص الاختصاص بالحروف. قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣ وهذا الضمير الظاهر ليس من حروف الحصر، وإنما عرف واستفيد من التقديم/ والتأخير/٤. وتارة يستفاد من الحروف كقوله: "إنما الأعمال بالنيات" ٥، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٦، وتارة من الاستثناء بإلا بعد النفي، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٧ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ٨. ونحو ذلك. والسائل حصرها يظنها مختصرة في الحروف، وهذا من جهله.
ثم يسأل عنا عن أقسام الحصر، كم هي وما الفرق بين حصر الأفراد وحصر القلب
стр. 551
والحصر الإدعائي ومقابله، ويسأل هل دلالة الحصر نصية أو ظاهرية وهل هي لفظية لغوية أو عقلية وما أظنه يحسن شيئا من ذلك، وإذا أخبر تعالى أنه استوى على العرش، فلا يجوز أن يقال: أنه استوى على غيره، لوجوه:-
منها: أنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه؛ والتجاسر على مقام الربوبية بوصفه بما لم يصف به نفسه، وزيادة/نعت/١ لم تعرف عنه ولا عن رسله، قول على الله بغير علم، وهو فوق الشرك في/عظم/٢ الذنب والإثم، وأكذب الخلق من كذب على الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٣ الآية.
الوجه الثاني: أن الله يستحق من الصفات أعلاها وأشرفها وأجلها. والعرش أعظم المخلوقات، هو سقفها الأعلى، وقد وصفه الله تعالى بالعظم، فقال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٤.
وقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٥؛ ووصفه بالسعة فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٦ فكيف يوصف بالاستواء على ما دونه، وقد تمدح وأثنى على نفسه بالاستواء عليه ووصفه بما لم يصف به غيره من مخلوقاته.
الوجه الثالث: أن تمثيله بقول القائل: زيد استوى على الدار، وأن ذلك لا يعلم منه أنه لا يستوي على غيرها:
فهذا جهل عظيم، والكلام يختلف باختلاف حال الموصوف، وما يليق له من
стр. 552
الصفات. وأصل ضلال هذه الطائفة، أنهم فهموا من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة، ما يليق بالمخلوق ويختص به، فلذلك أخذوا في الإلحاد والتعطيل، شبهوا أولا وعطوا ثانياً.
الوجه الرابع: أن هذا التمثيل الذي أبداه السائل، قد نص القرآن على إبطاله، قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ وأصل الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق.
стр. 553
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن الى محمد بن عون
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم محمد بن عون –سلمه الله وأعانه، وبالعلم كمله وزانه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، جعلنا الله وإياكم من عباده الشاكرين. وسبق إليكم مكاتبات قبل هذا، وقد بغلني ما منَّ الله به عليك من
стр. 554
فصل: قال الجهمي: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه اللَّه﴾
...
"فصل"
قال الجهمي في ورقته: وإذا قررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٢ وقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٣ وقال: إنه قريب ٤. وقال ﷺ : "حيثما كنتم فأنه معكم"٥ فإذا قلت: هذه الآيات مؤولة وأقررت بالتأويل، فالآية الأولى أولى به، لأنها بلا تأويل تخالف الإجماع وتعارض الآيات والأحاديث. أما الآيات الأخيرة، فقد قيل في الأولى ٦ إنها من المتشابهات، لأن الاستواء معلوم، والكيف مجهول؛ وما نفي الاستواء/عن/٧ غير العرش.
هذا كلامه بحروفه، نقلناه على ما فيه من التحريف واللحن ليعتبر الناظر، ويعرف المؤمن المثبت حال هؤلاء الجهال الضلال الحيارى.
стр. 555
فأما قوله: فإذا قررت لله مكانا معينا: فاعلم أن أهل السنة والجماعة، ورثة الرسل وأعلام الهدى لا يصفون الله إلا بما وصف به نسفه، وأو وصفه به رسوله، من غير زيادة ولا نقص، ينتهون حيث انتهى بهم، تعظيما للموصوف وخشية وهيبة وإجلالا.
وأما أهل البدع، فيخوضون في ذلك، ويصفونه بما لم يصف به نفسه، ويلحدون فيما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، ولا يتحاشون من الكلام في ذلك بالبدع التي لا تعرف.
وقد ذم الله هذا الصنف في كتابه، ووصفهم بما لم يأتهم عنه ولا عن رسوله. وذكر الله عن أصحاب النار أنهم لما قيل لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ ١؛ فوصفهم بالعتو عن طاعته، وعدم الانقياد لعبادته، بقوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ٢، ووصفهم بعدم الإحسان والمعروف بقوله: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ٣، ووصفهم بالخوض في شأن دينهم وما جاءت به رسلهم، وعدم وقوفهم مع ما أمروا به، وتعديهم إلى ما يرونه ويهوونه بقوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ ٤. وهذا حال أهل البدع والضلالات الذين لم يؤسسوا دينهم على ما جاءت به الرسل.
وإذا عرفت ذلك فلفظ المكان لم يرد لا نفيا ولا إثباتا، وقد يراد به معنى/ صحيح/٥ كالعلو والاستواء والظهور، وقد يراد به غير ذلك من الأماكن المحصورة. فالواجب ترك المشتبه، والوقوف مع نصوص الكتاب والسنة، فيقال لهذا الجهمي: نحن لا نقر لله من الصفات إلا ما نطق به الكتاب العزيز، وصحت به السنة النبوية، ولا يلزم من أثبت ذلك شيء من البدعيات والأوضاع المختلفة.
стр. 556
وأما قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ فسياق الآية الكريمة يدل على أنها في شأن القبلة. قال ابن عباس: خرج نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفر قبل تحويل القبلة فأصابهم الضباب، وحضرت الصلاة وصلوا وتحروا القبلة، فلما ذهب الضباب، استبان لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية٢.
وقال ابن عمر: نزلت في المسافر يصلي التطوع حيثما توجهت به راحلته٣. وقال عكرمة٤: نزلت في تحويل القبلة٥.
وقال أبو العالية ٦: عيرت اليهود المؤمنين لما صُرفت القبلة، فنزلت هذه الآية ٧، وقال
стр. 557
مجاهد ١ والحسن ٢: نزلت في الداعي يستقبل أي جهة كان، لأنهم قالوا لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣ أين ندعوه ٤.
قال الكلبي ٥: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ٦، فثمن الله يعلم ويرى، والوجه صلة، كقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ٧، أي إلا هو ٨.
وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان ٩: فثم قبلة الله. والوجه والوجهة والجهة القبلة ١٠.
стр. 558
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ١ ختم هذه الآية بهذين الاسمين الشريفين، يشعر بما قاله الكلبي، من أنه يعلم ويرى. ومن كان له أدنى شعور بعظمة الله وجلاله، عرف صغر المخلوقات بأجمعها في جنب ما له تعالى من الصفات المقدسة، ولم يخلتج في قلبه ريب ولا شك في الإيمان بهذه النصوص كلها، وعرف الجمع بينها وبين ما تقدم. فسبحان من جلت صفاته، وعظمت أن يحاط بشيمنها.
وأما قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٢ فهذا القرب لا ينافي علوه على خلقه واستواءه على عرشه ٣.
وفي الحديث: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"٤، ولا يعرف هذا من ضاق نطاقه عن الإيمان بما جاءت به الرسل وإنما يعرفه رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
ومن أسمائه العلى الأعلى؛ ومن أسمائه القريب المجيب؛ ومن أسمائه الظاهر الباطن. وكذلك قوله/تعالى/٥: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ ٦ وقد حرف السائل هذه الآية، وقال: إنه قريب، وهذا قرب خاص/بداعيه/٧.
وفي الحديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" ٨ حال السجود غاية في العبودية والخضوع، ولذلك صار له قرب خاص لا يشبهه سواه. وهذا مما يبن لك
стр. 559
بطلان قول الجهمي: إنه بذاته في كل مكان١ ولو كان المر كما قال الظالم، لم يكن للمصلي والداعي خصوصية بالقرب،/ولكان/٢ المصلي وعابد الصنم سواء في القرب إليه؛ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا
قال العلامة ابن القيم –﵀: المعية نوعان٣:
عامة وهي معية العلم والإحاطة ٤، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ٥ وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ٦.
وخاصة: وهي معية القرب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٧، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٨، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٩. فهذه
стр. 560
معية قرب تتضمن الموالاة والنصر والحفظ. وكلا المعيتين مصاحبة منه للعبد، لكن هذه مصاحبة إطلاع وإحاطة، وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة ١.
ف"مع" في لغة العرب للصحبة اللائقة، لا تشعر بامتزاج ولا اختلاط ولا مجاورة ولا محايثة، فمن ظن شيئا من هذا، فمن سوء فهمه أتي.
وأما القرب: فلم يقع في القرآن إلا خاصا٢ وهو نوعان: قربه من داعيه بالإجابة، وقربه من عابديه بالإثابة٣.
فالأول كقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٤ ولهذا نزلت جوابا للصحابة ﵃، وقد سألوا رسول الله ﷺ :/أ/٥ قريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية٦.
والثاني: كقول النبي ﷺ : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" ٧، "أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل" ٨، فهذا قربه من أهل طاعته٩.
стр. 561
وفي الصحيح عن أبي موسى ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال: "يا أيها الناس، اربعوا١ أنفسكم إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ٢. فهذا قرب خاص بالداعي دعاء العبادة والثناء والحمد.
وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه واستوائه على عرشه٣، بل يجامعه ويلازمه، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض٤؛ تعالى الله علوا كبيرا. ولكنه نوع آخر، والعبد في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب وبينه وبينه مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، ويجده أقرب إليه من جليسه، كما قيل:
ألا رب من يدنو ويزعم أنه ... يحبك والنائي أحب وأقرب٥
وأهل السنة أولياء رسول الله ﷺ وورثته وأحباؤه، الذين هو عندهم أولى بهم من أنفسهم، وأحب إليهم منها، يجدون نفوسهم أقرب إليه، وهم في الأقطار النائية عنه، من جيران حجرته في المدينة٦ والمحبون المشتاقون للكعبة البيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها ومن حولها، وهذا مع عدم تأتي القرب منها، فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء هو مستو على عرشه.
وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك إلى شبهة المبطل بعيد من الله، خلي من محبته
стр. 562
ومعرفته١.
والقصد أن هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة، وكلما ازداد حبا ازداد قربا، فالمحبة بين قربين: قرب قبلها وقرب بعدها. وبين معرفتين: معرفة قبلها حملت عليها، ودعت إليها، ودلت عليها؛ ومعرفة بعدها من نتائجها وآثارها.
وأما مسألة الاشتقاق: فينبغي أولا أن يسأل هذا: ما معنى الاشتقاق، وما يراد به عند المحققين فإن زعم أنه أخذ الأسماء من مصادرها، وأن المصادر متقدمة، فهذا يلزم عليه سبق مادة أخذ منها الاسم، ومجرد القول بهذا، ولا يرتضي عند المحققين من أئمة الهدى.
فإن عرف ذلك وأجابك عن معنى الاشتقاق على الوجه الذي أشرنا إليه، فأخبره أن البصريين والكوفيين اختلفوا في الاسم من حيث هو، هل هو مشتق من السمو أو من السّمة ذهب البصريون إلى الأول٢؛ والكوفيون إلى الثاني٣.
وأصله عند البصريين: "سمو" على وزن فعل، فحذفت لام الكلمة وهي الواو، ثم سكن أوله تخفيفا، ثم أتى بهمزة الوصل توصيلا بالنطق بالساكن، فصار "اسم"، وعليه فوزنه "افع" /ففيه/٤ إعلالات ثلاثة، وهي الحذف ثم الإسكان والإتيان بهمزة الوصل.
وأما على مذهب الكوفيين، فأصله: "وسم" على وزن "فُعَل"، حذفت فاء الكلمة وهي الواو اعتباطا٥ ثم عوض عنها بهمزة الوصل، وعلى هذا فوزنه
стр. 563
"إعل"١.
ويسأل عن معنى الإعلال وما يقابله، وعن الاشتقاق الأكبر والأصغر والكبير ٢، وعن معنى الاشتقاق في الأكبر مع المباينة في أكثر الحروف، ما معناه.
فإن أجابك عن هذا، فأجبه عن سؤاله؛ وإلا فكيف يسأل عن التفاصيل من أضاع القواعد والجمل.
وأما سؤاله عن الفرق بين القدر والقضاء.
فإن القدر في الأصل مصدر قدر، ثم استعمل في التقدير الذي هو التفصيل والتبيين ٣، واستعمل أيضا بعد الغلبة، في تقدير الله للكائنات قبل حدوثها ٤.
وأما القضاء، فقد يستعمل في الحكم الكوني، بجريان الأقدار، وما كتب في الكتب الأولى ٥؛ وقد يطلق هذا على القدر الذي هو التفصيل والتمييز. ويطلق
стр. 564
القدر أيضا على القضاء الذي هو الحكم١ الكوني بوقوع المقدرات، ويطلق القضاء على الحكم الديني الشرعي، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ ٢.
ويطلق القضاء على الفراغ والتمام٣ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ ٤، ويطلق على نفس الفعل٥ كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٦؛ ويطلق على الإعلام٧ والتقدم بالخبر كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٨، ويطلق على الموت، ومنه قولهم: قضى فلان، أي مات٩، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ١٠. ويطق على وجود العذاب، كقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ ١١. ويطلق على التمكن من الشيء وتمامه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ١٢، ويطلق على الفصل والحكم، كقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ١٣، ويطلق
стр. 565
على الخلق، قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ١، ويطلق على الحتم كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ ٢، ويطلق على الأمر الديني، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ٣، ويطلق على بلوغ الحاجة، ومنه: قضيت وطري. ويطلق على إلزام الخصمين بالحكم، ويطلق بمعنى الأداء، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ٤ والقضاء في الكل مصدر٥. واقتضى الأمر الوجوب، دل عليه. والاقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة.
وقولهم/لا أقضي/٦ منه العجب، قال الأصمعي٧: يبقى ولا ينقضي.
وقال السائل: ما معنى قوله ﷺ : "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ٨، وأي شيء حقيقة البدعة، وهل/ يؤول/٩ الكلام أم لا فإذا قلت لا، فأكثر ما تستعملونه في شرب القهوة، وليس المحارم وغيرها بدعة، لا تثبت من الرسول ﷺ ولا ممن يعتبر بهم.