← Фатава

Фатава · id 12033

عيون الرسائل والأجوبة على المسائل

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (983 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وفي الصحيح عن أبي موسى ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فارتفعت أصواتنا بالتكبير فقال: "يا أيها الناس، اربعوا١ أنفسكم إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ٢. فهذا قرب خاص بالداعي دعاء العبادة والثناء والحمد. وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه واستوائه على عرشه٣، بل يجامعه ويلازمه، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض٤؛ تعالى الله علوا كبيرا. ولكنه نوع آخر، والعبد في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب وبينه وبينه مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، ويجده أقرب إليه من جليسه، كما قيل: ألا رب من يدنو ويزعم أنه ... يحبك والنائي أحب وأقرب٥ وأهل السنة أولياء رسول الله ﷺ وورثته وأحباؤه، الذين هو عندهم أولى بهم من أنفسهم، وأحب إليهم منها، يجدون نفوسهم أقرب إليه، وهم في الأقطار النائية عنه، من جيران حجرته في المدينة٦ والمحبون المشتاقون للكعبة البيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها ومن حولها، وهذا مع عدم تأتي القرب منها، فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء هو مستو على عرشه. وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك إلى شبهة المبطل بعيد من الله، خلي من محبته

стр. 562

ومعرفته١. والقصد أن هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة، وكلما ازداد حبا ازداد قربا، فالمحبة بين قربين: قرب قبلها وقرب بعدها. وبين معرفتين: معرفة قبلها حملت عليها، ودعت إليها، ودلت عليها؛ ومعرفة بعدها من نتائجها وآثارها. وأما مسألة الاشتقاق: فينبغي أولا أن يسأل هذا: ما معنى الاشتقاق، وما يراد به عند المحققين فإن زعم أنه أخذ الأسماء من مصادرها، وأن المصادر متقدمة، فهذا يلزم عليه سبق مادة أخذ منها الاسم، ومجرد القول بهذا، ولا يرتضي عند المحققين من أئمة الهدى. فإن عرف ذلك وأجابك عن معنى الاشتقاق على الوجه الذي أشرنا إليه، فأخبره أن البصريين والكوفيين اختلفوا في الاسم من حيث هو، هل هو مشتق من السمو أو من السّمة ذهب البصريون إلى الأول٢؛ والكوفيون إلى الثاني٣. وأصله عند البصريين: "سمو" على وزن فعل، فحذفت لام الكلمة وهي الواو، ثم سكن أوله تخفيفا، ثم أتى بهمزة الوصل توصيلا بالنطق بالساكن، فصار "اسم"، وعليه فوزنه "افع" /ففيه/٤ إعلالات ثلاثة، وهي الحذف ثم الإسكان والإتيان بهمزة الوصل. وأما على مذهب الكوفيين، فأصله: "وسم" على وزن "فُعَل"، حذفت فاء الكلمة وهي الواو اعتباطا٥ ثم عوض عنها بهمزة الوصل، وعلى هذا فوزنه

стр. 563

"إعل"١. ويسأل عن معنى الإعلال وما يقابله، وعن الاشتقاق الأكبر والأصغر والكبير ٢، وعن معنى الاشتقاق في الأكبر مع المباينة في أكثر الحروف، ما معناه. فإن أجابك عن هذا، فأجبه عن سؤاله؛ وإلا فكيف يسأل عن التفاصيل من أضاع القواعد والجمل. وأما سؤاله عن الفرق بين القدر والقضاء. فإن القدر في الأصل مصدر قدر، ثم استعمل في التقدير الذي هو التفصيل والتبيين ٣، واستعمل أيضا بعد الغلبة، في تقدير الله للكائنات قبل حدوثها ٤. وأما القضاء، فقد يستعمل في الحكم الكوني، بجريان الأقدار، وما كتب في الكتب الأولى ٥؛ وقد يطلق هذا على القدر الذي هو التفصيل والتمييز. ويطلق

стр. 564

القدر أيضا على القضاء الذي هو الحكم١ الكوني بوقوع المقدرات، ويطلق القضاء على الحكم الديني الشرعي، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ ٢. ويطلق القضاء على الفراغ والتمام٣ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ ٤، ويطلق على نفس الفعل٥ كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٦؛ ويطلق على الإعلام٧ والتقدم بالخبر كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٨، ويطلق على الموت، ومنه قولهم: قضى فلان، أي مات٩، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ١٠. ويطق على وجود العذاب، كقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ ١١. ويطلق على التمكن من الشيء وتمامه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ ١٢، ويطلق على الفصل والحكم، كقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ١٣، ويطلق

стр. 565

على الخلق، قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ١، ويطلق على الحتم كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً﴾ ٢، ويطلق على الأمر الديني، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ ٣، ويطلق على بلوغ الحاجة، ومنه: قضيت وطري. ويطلق على إلزام الخصمين بالحكم، ويطلق بمعنى الأداء، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ٤ والقضاء في الكل مصدر٥. واقتضى الأمر الوجوب، دل عليه. والاقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة. وقولهم/لا أقضي/٦ منه العجب، قال الأصمعي٧: يبقى ولا ينقضي. وقال السائل: ما معنى قوله ﷺ : "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" ٨، وأي شيء حقيقة البدعة، وهل/ يؤول/٩ الكلام أم لا فإذا قلت لا، فأكثر ما تستعملونه في شرب القهوة، وليس المحارم وغيرها بدعة، لا تثبت من الرسول ﷺ ولا ممن يعتبر بهم.

стр. 566

فجوابها١ أن يقال: هذا السؤال/دليل/٢ على جهل السائل بالرواية والدراية، وباللسان العربي، فكلام هذا الضرب من الناس، يكفي من هداه الله في بيان جهلهم وضلالهم. أما جهله بالدراية فمن وجوه: أحدها: قوله: "هل يؤول الكلام أم لا؟. والتأويل في عرف هؤلاء صرف الكلام عن ظاهره وعن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح٣، ومن سلك هذه الطريقة في أخبار الرسول ﷺ ونصوص القرآن، فقد فتح على نفسه باب الإلحاد والزندقة، وليس في كلام الله وكلام رسوله ما ظاهره ومعناه الراجح غير مراد٤، لن الظاهر هو اللائق بحال الموصوف، وبلغة المتكلم وعرفه، لا ما يظنه الأغبياء الجهال مما لا يصح نسبته إلى الله وإلى رسوله. وكذلك قوله: "أكثر ما تستعملونه من شرب القهوة وليس المحارم بدعة" وهذا من أدلة جهله، وعدم معرفته للأحكام الشرعية، والمقاصد النبوية، فإن الكلام في العبادات لا في العادات؛ والمباحث الدينية نوع، والعادات الطبيعية نوع آخر. فما اقتضته العادة من أكل وشرب ولبس ومركب ونحو ذلك، ليس الكلام فيه. والبدعة ما ليس لها أصل في الكتاب والسنة، ولم يرد بها دليل شرعي، ولم تكن من هديه ﷺ وهدي أصحابه٥. أما ما له أصل، كإرث ذوي الأرحام، وجمع المصحف، والزيادة في حد الشارب،

стр. 567

وقتل الزنديق، ونحو ذلك، فهذا وإن لم يفعل في وقته ﷺ فقد دل عليه دليل شرعي١. وبهذا التعريف تنحل إشكالات طالما عرضت في المقام. وأما ما فيه من جهة اللسان العربي: فإن "هل" لا تقابل ب"أم" لأن ما يقابل بأم همزة الاستفهام، كما يعلم من محله. ومنها قوله: "لا تثبت من الرسول": فإن الإثبات يتعدى ب"عن" لا ب"من". وكذلك قوله: "لا ممن يعتبر بهم"، فإن الاعتبار نوع والاعتداد نوع آخر، فيعتد بالصالحين وأهل العلم؛ والاعتبار لا يختص بهم، بل لما ذكر تعالى فعل. بني نضير٢ بأنفسهم وديارهم قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ ٣. وذكر السائل سؤالا عن الترشيح٤.

стр. 568

والإطلاق١، أيها أبلغ وكذلك الإطلاق والتجريد٢. فينبغي أن يسأل عن الترشيح والإطلاق والتجريد، ما يراد بهن عند أهل الفن فإن عبارته تفيد عدم معرفته؛ إذ لا مقابلة بين الترشيح والإطلاق. والتجريد في الأبلغية٣، فسؤاله نص ظاهر في جهله. فإن الترشيح: يراد به تقوية الشبه بين المشبه والمشبه به، بأن يذكر ما هو من خواص المشبه به، كقولك: أنشبت المنية أظفارها، فإن هذا فيه ذكر التقوية، بما هو من خواص

стр. 569

المشبه به، وهي الأظفار، فالترشيح قوى المعنى المراد. وأما الإطلاق في الاستعارة، فيقابله/ التقييد/١. والتجريد معناه: أن يجرد المتكلم من نفسه مخاطبا٢ كقول الشاعر: / ... ٣ ... /. وأيضا فالبلاغة تختلف باختلاف الأحوال، فتوصف بها الكلمة والكلام والمتكلم ٤. وحقيقتها: مطابقة الكلام مقتضى الحال٥؛ فإن كان الحال يقتضي الترشيح، فهو أبلغ، وإلا فلكل مقام مقال. وأما الإخبار عن الاسم بـ"الذي" فهو كثير في القرآن وغيره، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ٦، فأخبر بالذي عن اسمه الشريف، الذي هو أعرف

стр. 570

المعارف. و"الذي" اسم أيضا بخلاف ما يفيه السؤال. وأما الإخبار عن اسم بـ"أل" فكقول الشاعر: ما أنت بالحكم الترضى حكومته ١. وكذا كل فعل مضارع دخل عليه "أل". وأما الإخبار عن اسم من الأسماء بـ"الذي" فكقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢. وأما الإخبار بـ"اللذين" فكقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ ٤. وأما الكل والكليِّ، فالكل يراد به الجميع، كقوله: كل المؤمنين يدخلون الجنة. والكليِّ: ما يقع على الأكثر والغالب، كقولك:

стр. 571

كل بني تميم يحملون الصخرة العظيمة ١.

стр. 572

الرسالة الحادية والثلاثون: منظومة فيما جرى من مفاسد الساكر منظومة فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي ... "الرسالة الحادية والثلاثون" قال جامع الرسائل: وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه- منظومة فيما جرى من مفاسد العساكر والبوادي، وما حصل قبل ذلك من ظهور الإسلام، وسوابغ الأيادي، بدعوة شيخ محمد بن عبد الوهاب –أجزل الله له الأجر والثواب، الإسلام ونشرت أعلام الجهاد، وانمحت آثار الضلالة والفساد. ولما كانت هذه المنظومة من جملة الرسائل والأجوبة على المسائل، وكانت من غرر القصائد وبدائع الفوائد، وأشد ما يكون على الأعداء وثباتها. وقد أنشأها –﵀ وهو إذ ذاك في شدة مقاسات أهوال تلك الفتن، ومعانات أثقال تلك الحوادث والمحن، وقلة من المساعد، وكثرة من المعاند والمكابد، تغدو عليه الأراجيف وتروح، وتظهر أنياب النفاق إذا ذاك وتلوح، وثم من يقود المشركين ويؤزهم إلى عباد الله الموحدين. وقد ابتلى الناس مع ذلك بجور الأئمة والولاة، واستباح الأموال والدماء، طغاة الحضر والبوادي العتاة، وأصبح أهل الحق ما بين معاقب مكبل في الحديد، وما بين شريد في القبائل طريد، فاشتد البلاء، وأعضل البأس، وكثر الجهل وعظم الالتباس، وقلة الديانة في كثير من الناس، وساروا إلى البلاد التي هجمت عليها العساكر، وظهرت بها أنواع الفسوق والمناكر، وصار لأهل الرفض والشرك بها الصولة، وكان لهم في تلك الجهات الغلبة والدولة، وضيعت بها أحكام الشريعة المطهرة، وظهرت بها أحكام الكفرة الفجرة. فبذل الجد والاجتهاد بإرسال الرسائل والنصائح، وحذرهم أسباب الندم والفضائح كما قد مر عليك. ويأتي إن شاء الله من الرسائل/في/١

стр. 573

التغليظ/في السفر/١ والركون إليه/ بأوضح البراهين والدلائل. والمنظومة جواب أبيات وردت عليه نحوا من عشرين بيتا. فقال رحمه الله تعالى وعفا عنه: ورد من بعض الأدباء٢ ما صورته: رسائل شوق دائم متواتر ... إلى فرع شمس الدين بد ر المنابر٣ سلالة مجد من كرام عشائر ... يعيد بديعا من كنوز المحابر ويبدي لك التوحيد شمسا منيرة ... ولكن أهل الزيغ عمي البصائر سقيا لعهدكمو عهد الشريعة والتقى ... وتعظيم دين الله أزكى الشعائر مدارس وحي شرفت بأكابر ... على ملة بيضاء تبدو لسائر فيا راكبا سلامي وتحفة ... تعزية فيما قدم مضى والعشائر وأعظم من ذا يا خليلي كتائب ... تهدم من ريع الهدى كل عامر ويبدو بها التعطيل والكفر ... والزنا ويعلو من التأذين صوت المزامر فقد سامنا الأعداء في كل خطة ... وأصل من الإسلام سوم المقامر أناخ لدينا للضلالة شيعة ... أباحوا حمى التوحيد من كل فاجر وقابلهم بالسهل والرحب عصبة ... على ملة التوحيد أخبث ثائر يقولون لكنا رضينا تقية ... تعود على أموالنا والذخائر فضحك ولهو واهتزاز وفرحة ... وألوان مأكول/ ونشوة/٤ ساكر مجالس كفر لا يعاد مريضها ... يراح إليها في المسا والبواكر ويرمون أهل الحق بالزيغ ويحهم ... أما رهبوا سيفا لسطوة قاهر

стр. 574

وأما رباع١ العلم فهي دوارس ... تحن إلى أربابها والمذاكر مصاب يكاد المستجن٢ بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت هل من مثابر فجد لي بِرَدّ منك تبرد لوعتي ... ويحدي به في كل ركب وسامر وتنصر خلا في هواك مباعدا ... ولولاك لم تبعث له أم عامر فأكثر وأقل ما لها الدهر صاحب ... سواك فقابل بالمعنى والبشائر فأجاب –﵀ بما يثلج الصدور، ويبعث الانشراح والسرور، ويبلي القلوب الصوادي، ويحدى به في كل ركب ونادي، وهذا نصه: رسائل إخوان الصفا والعشائر ... أتتك فقابل بالثنا والبشائر ٣ تذكرني أيام وصل تقادمت ... وعهدا مضى للطيبين الأكابر ليالي كانت للسعود مطالعا ... وطائرها في الدهر أيمن طائر وكان بها ربع المسرة آهلا ... نُمتَّع في روض من العلم زاهر وفيها الهداة العارفون بربهم ... ذوو العلم والتحقيق أهل البصائر محابرهم تعلو بها كل سنَّة ... مطهرة أنعم بها من محابر مناقبهم في كل مصر شهيرة ... رسائلهم يغدو بها كل ماهر /وفيها/٤ من الطلاب للعمل عصبة ... إذا قيل من للمشكلات البوادر وفيها الحماة الناصرون لربهم ... معاقلهم شهب القنا والخناجر وهندية قد أحسن القين ٥ صقلها ... جَُرَّبة يوم الوغى والتشاجر

стр. 575

ورمية خضراء قد ضم جوفها ... من الجمر ما يفري صميم الضمائر وكانت بهم تلك الديار منيعة ... محصنة من كل خصم مقامر عدت بهمو تلك الفتون وشُتتوا ... فلست ترى إلا رسوما لزائر وحل بهم ما حل بالناس قبلهم ... أكابر عرب أو ملوك الأكاسر وبدَّلت منهم أوجها لا تسرني ... قبائل يام١ أو شعوب الدواسر يذكرنيهم كل وقت وساعة ... عصائب هلكى من وليد وكابر وأرملة تبكي بشجو /حنينها/٢ ... لها رنة بين الربى والمحاجر وهذا زمان الصبر من لك بالتي ... تفوز بها يوم اختلاف المصادر " فصل " فيا جرى من مفاسد العساكر والبوادي: ودارت على الإسلام أكبر فتنة ... وسُلت سيوف البغي من كل غادر وذلت رقاب من رجال أعزة ... وكانوا على الإسلام أهل تناصر وأضحى بنوا الإسلام في كل مأزق ... تزورهمو غرث٣ السباع الضوامر وهُتك ستر للحرائر جهرة ... بأيدي غواة من بواد وحاضر وجاءوا من الفحشاء ما لا يعده ... لبيب ولا يحصيه نظم لشاعر وبات الأيامى في الشتاء سواغبا ... يُبكين أزواجا وخير العشائر وجاءت غواش بشهد النص إنها ... بما كسبت أيدي الغواة الغوادر وجر زعيم القوم للشرك دولة ... على ملة الإسلام فعل المكابر

стр. 576

ووازره في رأيه كل جاهل ... يروح ويغدو آثما غير شاكر وآخر يبتاع الضلالة بالهدى ... ويختال في ثوب من الكبر وافر وثالثهم لا يعبأ الدهر بالتي ... تبيد من الإسلام عزم المذاكر ولكنه يهوى ويعمل للهوى ... ويصبح في بحر من الريب غامر وقد جاءهم فيما مضى خير ناصح ... إمام هدى يبني رفيع المفاخر وينقذهم من قعر ظلما مضلة ... لسالكها حر اللظى والمساعر ١ ويخبرهم أن السلامة في التي ... عليها خيار الصحب من كل شاكر فلما أتاهم نصر ذي العرش واحتوى ... أكابرهم كنز اللهى والذخائر سعوا جهدهم في هدم ما قد بنى لهم ... مشائخهم واستنصحوا كل/دامر/٢ وساروا لأهل الشرك واستسلموا لهم ... وجاءوا بهم مع كل إفك وساحر ومذ أرسلوها أرسلوها ذميمة ... تهدم من ربع الهدى كل عامر وباءوا من الخسران/بالصفقة/٣ التي ... يبوء بها من دهره كل خاسر وصار لأهل الرفض والشرك صولة ... وقام بهم سوق الردى والمناكر وعاد لديهم للواط وللخنا ... معاهد يغدوا نحوها كل فاجر وشُتَّت شمل الدين وانْبِتَّ حيلة ... وصار مضاعا بين شر العساكر وأذن بالناقوس والطبل أهلها ... ولم/يرض/٤ بالتوحيد حزب المزامر وأصبح أهل الحق بين معاقب ... وبين طريد في القبائل صائر فقل للغوي المستجير بضلهم ... ستحشر يوم الدين بين الأصاغر ويكشف للمرتاب أي بضاعة ... أضاع، وهل ينجو مجير أم عامر

стр. 577

ويعلم يوم الجمع أي جناية ... جناها وما يلقاه من مكر ماكر فيا أمة ضلت سبيل نبيها ... وآثاره يوم اقتحام الكبائر يعز بكم دين الصليب وآله ... وأنتم بهم ما بين راض وآمر وتهجر آيات الهدى ومصاحف ... ويحكم بالقانون وسط الدساكر هوت بكمو نحو الجحيم هوادة ... ولذات عيش ناعم غير شاكر سيبدو لكم من مالك الملك غير ما ... تظنون أن لاقي مزير ١ المقابر يقول لكم ماذا فعلتم بأمة ... على ناهج مثل النجوم والزواهر سللتم سيوف البغي فيهم وعطلت ... مساجدهم من كل داع وذاكر وواليتموا أهل الجحيم سفاهة ... وكنتم بدين الله أول كافر نستيم لنا عهدا أتاكم رسولنا ... به صارخا فوق الذرى والمنابر فسل ساكن الأحساء هل أنت مؤمن ... بهذا وما يحوى صحيح الدفاتر وهل نافع للمجرمين اعتذارهم ... إذا دار يوم الجمع سوء الدوائر وقال الشقي المفتري كنت كارها ... ضعيفا مضاعا بين تلك العساكر أماني تلقاها لكل متبر ... حقيقتها نبذ الهدى والشعائر تعود سرابا بعد ما كان لامعا ... لكل جهول في المهامه حائر فإن شئت أن تحظى بكل فضيلة ... وتظهر في ثوب من المجد باهر وتدنو من الجبار ﷻ ... إلى غاية فوق العلى والمظاهر فهاجر إلى رب البرية طالبا ... رضاه وراغم بالهدى كل جائر وجانب سبيل العادلين بربهم ... ذوي الشرك والتعطيل مع كل غادر

стр. 578

وبادر إلى رفع الشكاية ضارعا ... إلى كاشف البلوى عليم السرائر وكابد إلى أن تبلغ النفس عذرها ... وترفل في ثوب من العفو ساتر ولا تيأسن من صنع ربك إنه ... مجيب وأن الله أقرب ناصر ألم تر أن الله يبدي بلطفه ... ويعقب بعد العسر يسرا لصابر وأن الديار الهامدات يمدها ... بوبل من الوسمي١ هام٢ وماطر فتصبح في رغد من العيش ناعم ... وتهتز في ثوب من الحسن فاخر

стр. 579

الرسالة الثانية والثلاثون: إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع ... "الرسالة الثانية والثلاثون"١ قال جامع الرسائل: وله أيضا – قدس الله روحه، ونور ضريحه - رسالة إلى عبد الرحمن بن محمد بن جربوع، وقد راسله عبد الرحمن وسأله عن تفصيل ما يجب على الإنسان من التوحيد وأنواعه، وما يجب فيه من المعاداة والموالاة، وعن كيفية طلب العلم للمبتدئ، وما يكون سببا لتحصيله. فأجابه – ﵀ على سؤاله على طريق الإيجاز والإجمال، إذ التفصيل يستدعي طولا. فبين له –رحمه الله تعالى- الأصول والقواعد، وأرشده إلى تلك المعارف والمقاصد التي تندرج فيها كل عبادة، وينال بها من رام أسباب نجاته ما أمله وأراده. وبين له حقيقة الموالاة والمعاداة، التي هي على العباد من أوجب الواجبات، مع أنها قد سفت٢ عليها السوافي، فانمحت آثارها، وهجم/ عليها/٣ ليل الأهواء بكلاكله٤، لما أفلت أقمارها. فيا له من جواب، ما أجزله على إيجازه واختصاره، وما أعظم فائدته لمن ألقى السمع وأصغى بقلبه وأفكاره. وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم عبد الرحمن بن محمد بن

стр. 580

جربوع – سلمه الله تعالى، وسلك بن السبيل المشروع- سلام عليكم ورحمة الله وبركاته/وبعد/١: فالخط وصل، وصلك الله ما يرضيه. وتغتبط في خطك بنعمة الإسلام ومعرفة التوحيد في هذا الزمان، زادك الله اغتباطا، وأوزعك شكر هذه النعم التي أنعم بها علينا وعليكم، ووفقنا للعمل الصالح الذي يرضاه. وتسأل عن تفصيل ما يجب على الإنسان من التوحيد وأنواعه، وما يجب فيه من المعاداة والموالاة، وكيفية طلب العلم للمبتدئ، وما يكون سببا لتحصيله. فمعرفة التفاصيل تتوقف على معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. فالدين كله توحيد، لأن التوحيد إفراد الله بالعبادة، وأن تعبده مخلصا له الدين. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ٢؛ فيدخل في ذلك قول القلب وعمله، وقول اللسان وعمل الجوارح. وترك المحظورات والمنهيات داخل في مسمى العبادة. ولذلك فسر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣ بالتوحيد في العبادة؛ لأن الخصومة فيه. وهو تفسير ابن عباس ﵄ ٤. إذا عرفت هذا، عرفت أن على العبد أن يخلص أقواله وأعماله لله، وأن من صرف شيئا من ذلك لغيره، فقد أشرك في عبادة ربه، ونقص توحيده وإيمانه، وربما زال بالكلية إذا اقتضى شركه التسوية بربه والعدل/به/٥ وتضمن مسبَّة، الله ٦ فإن الشرك الأصغر يتضمنها؛ ولهذا ينزه الرب وتقدس نفسه عن ذلك الشرك في مواضع

стр. 581

من كتابه، كقوله/تعالى/١ ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ٣، ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤. ومحل تفاصيلها الكتب المصنفة في بيان الأحكام الشرعية وواجباتها ومستحباتها، سواء كانت في معرفة القلوب وعلمها، وعملها وسيرها. فالأول/علم/٥ العقائد وهو التوحيد العلمي. وقد صنف أهل السنة فيها مصنفات؛ من أحسنها كتب شيخ الإسلام ابن تيمية. وأما الثاني: وهو علم أعمال القلوب وسيرها، المسمى علم السلوك./فقد/٦ بسط القول فيه ابن القيم –رحمه الله تعالى- في شرح المنازل٧، وفي سفر الهجرتين٨. وأما أعمال الجوارح الظاهرة: فالمصنفات فيها أكثر من أن تحصر. وبالجملة فمعرفة جميع تفاصيل العبادة تتعذر، إذ ما من/عالم/٩ إلا وفوقه من هو أعلم منه، حتى ينتهي العلم إلى الله. وأما الموالاة والمعاداة: فهي من أوجب الواجبات، وفي الحديث: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله" ١٠. وأصل الموالاة الحب، وأصل المعاداة

стр. 582

البغض١،/ وينشأ/٢ عنهما من أعمال القلوب والجوارح ما يدخل في حقيقة الموالاة والمعاداة، كالنصرة والأنس والمعاونة، وكالجهاد والهجرة ونحو ذلك من الأعمال. والولي ضد العدو. وأما كيفية طلب العلم: ففي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث معاذا٣ إلى اليمن فقال: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب ... " الحديث٤.

стр. 583

ففيه بيان: كيفية/١ والبداءة/ بأصول الدين، وما تضمنته الشهادتان من الأصول الدينية، وبعد ذلك يبدأ/٢ بالأهم فالأهم من واجبات الإيمان وأركان الإسلام، وينتقل درجة درجة من الأعلى إلى ما دونه، ثم بعد/ ذلك/٣ يتعلم ما يجب/لله/٤ من الحقوق في الإسلام، بخلاف ما يفعله بعض الطلبة من الاشتغال بالفروع والذيول. وفي كلام شيخ الإسلام –قدس الله روحه-٥: من ضيع الأصول حرم الوصول ومن ترك الدليل ضل السبيل ٦. وأما السبب في تحصيله: فلا أعلم سببا أعظم وأنفع وأقرب في تحصيل المقصود من التقوى. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ ٧ وفي الأثر: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم٨.

стр. 584

قال الشافعي –رحمه الله تعالى-: شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي /وأخبرني/١ بأن العلم نور ... ونور الله/ لا يهدى/٢ لعاصي٣ ومن الأسباب الموجبة لتحصيله: الحرص والاجتهاد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ﴾ ٤. ومنها: إصلاح النية وإرادة وجه الله والدار الآخرة فإن النية عليها مدار الأعمال ولا يتم أمر ولا/ تحصل بركته/٥ إلا بصلاح القصد والنية٦. وهناك أسباب أخرى تذكر في الكتب المؤلفة في آداب العلم والتعلم ٧ ليس هذا محل بسطها. /وبلغ سلامنا الأخوين المحمدين وسائر الطلبة. ولدينا الشيخ الوالد المكرم، والأخوان والولاد ومحمد آل عثمان بخيير، وينهون السلام، والسلام/٨./وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم/٩.

стр. 585

الرسالة الثالثة والثلاثون: إلى علما الحرمين ... "الرسالة الثالثة والثلاثون"١ قال جامع الرسائل: وله أيضا –قدس الله روحه، ونور ضريحه- رسالة إلى علماء الحرمين الشريفين، زادهما الله تشريفا وتعظيما إلى يوم الدين. وسبب ذلك/أنه/٢ لما ورد أمر السلطان بأن يعطل الآذان في الحرمين الشريفين، وأن يكشف النساء عن وجوههن/للفجرة والفاسقين/٣؛ فحملته الحمية الإسلامية، والغيرة الحنيفية، والأنفة العربية، إلى مكاتبتهم في شأن هذا الفادح العظيم، والحدثان المفضع الذميم، ودفع مفاسد ما أراده أعداء الملة والدين/ من إظهار/٤ شعار عباد الصليب وإخوانهم من الكفرة المشركين/٥ وتغيير شعائر الإسلام، وهدم معالمه العظام. واعلم أن الشيخ/ قدس الله روحه، ونور ضريحه/ من أعظم الناس في الغلظة في شأن الشرك والمشركين، ومجاهدة من والاهم أو ركن إليهم، ممن ينتسب إلى الإسلام والمسلمين؛ لكنه تلطف بهذه الرسالة، لعل الله أن يبطل ما قصدوه من الضلالة، وأن/يمحو/٦ بذلك ما راموا أهل الغواية والجهالة. وانظر إلى ما أعطاه الله تعالى من حسن التخلص برسم التحية، لمن نكب عن الطريقة المرضية حيث قال بعد إهداء التحية لأنصار الملة الحنيفية، وحماة الشريعة المحمدية، ولم يعين إنسانا بعينه، من العلماء المترئسين والمتصدرين للتدريس في حرم

стр. 586

الرسول والبلد الأمين. وبهذا يندفع توهم إرادة السهولة واللين مع أولئك المغرضين عن ملة سيد المرسلين، وأن هذه مخالفة لما تقدم من الرسائل، من الغلظة والتخشين. فرحمه الله/وعفا عنه/١ ما أعظم غيرته، وما أحرصه على/إعلاء/٢ كلمة الله ولزوم كتابه وسنة رسوله. وهذا نص الرسالة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، وجعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يجددون من اندرس من أعلام الملة والدين تجديدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأكبره تكبيرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذير، وداعيا إلى الله فإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله/وأصحابه/٣ والذين آمنوا به وعزروه ونصروه، وسلم تسليما كثيرا. إلى جناب المفضل والشيخ المبجل شيخ المدرسين والمتصدرين بحرم الرسول ومن لديه من العلماء الأفاضل/الفحول/٤. بعد إهداء السلام والتحية لأنصار الملة الحنيفية، وحماة الشريعة المحمدية، صدرت هذه الرسالة، وسودت هذه العجالة، لما شاع في البلاد العربية اليمنية منها والعراقية/و/٥ التهامية والنجدية، ما دهم الإسلام وعراه، وأناخ بحرمه وحماه، من الخطب العظيم، والهول الجسيم والكفر الواضح

стр. 587

المستبين، والأمر بهدم/أظهر/١ شعار/٢ الملة والدين، وأن لا ينادى بالصلوات الخمس في أوقاتها بالتأذين، والأمر بهتك ستر حرم المسلمين وكشف وجوههن للفجرة والفاسقين، ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً﴾ ٣ وتطير قلوب أهل الإسلام إعظاماً لشناعته وكفره وردا؛ كيف تهدم قواعد الملة والإسلام، وتظهر شعار الكفر وعبادة الأصنام، وترفع راياتها بين الأنام بالحرم والبلدة الحرام؛ ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ٤. أما في الزوايا خبايا، أما للعلم والرجال بقايا، وقد ﷺ لعدي بن حاتم ٥ لما وفد عليه بعد أن فر على الشام هاربا: " ما يُفرُّك؟ / أتفرُّ من أن يقال لا إله إلا الله هل تعلم من إله غير الله؟ ما يفرك؟ /٦ أتفر من أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئا أكبر من الله؟ " ٧,. فتعسا لها من حادثة وقضية، جاءت بهدم الإيمان، والأركان الإسلامية وقلع القواعد النبوية. يكاد لهذا المستجن بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم وقد بلغنا عنكم ما تسر به نفوس المسلمين من رد ذلك الإفك المبين، والواجب

стр. 588

علينا وعليكم أعظم من ذلك، من الجد والاجتهاد في رفع أ‘لام أوضح الشرائع والمسالك. وقد تواترت عندنا –بحمد الله- الأخبار عن كافة العرب من جميع الأقطار بإنكار ذلك ورده، والحكم بأنه من أظهر شعار الكفار، ومن فعله وجب معاجلته/بالحرب/١ والدمار. والكل منهم يعاهد على أنه السابق في ذلك الحلبة والمضمار، فاستعينوا بالله واصبروا، واعلموا أن أنصاركم ومددكم جميع أهل الإسلام، وذوو البصائر من أهل النخوة والإقدام، فإياكم إياكم والمداهنة والتساهل في الجهاد والإنكار، فتزل قدم بعد ثبوتها، وتهوى إلى الدرك الأٍسفل من النار. كفى حزنا بالدين أن حماته ... إذا خذلوه قل لنا كيف ينصر٢ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ٣ فتدبروا هذه الآية الكريمة، وتفطنوا لما دلت عليه أداة الشرط، من نفي الإيمان عن من ترك التقوى ولم يأتمر بما أمر به، ولم ينته عما نهي عنه من موالاة أهل الكفر والردى والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ٤، كما هو مقرر عند أهل العلم والهدى. ونحن نعلم أن الله سينصر دينه، ويُعلي كلمته وأنه لا يصلح عمل المفسدين، ولكن نحب لكم الاعتصام بحبل الله، والدخول في جملة أنصاره، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٥. /والمعهود/٦ عن الدولة العثمانية، من عهد السلطان سليم بن السلطان با يزيد،

стр. 589

من وقت ولايتهم على الحرمين الشريفين، من أوائل القرن العاشر إلى وقتنا، وأوائل عصرنا، هو المبالغة في تعظيم الحرمين الشريفين –زادهما الله تشريفا وتكريما ومهابة وتعظيما- فلعل هذه الحوادث عن بعض النواب والوزراء، الذين لا خبرة لهم بسبيل الرشد والهدى، ولا علم لهم أسباب السعادة والشقاء. وصلى الله على إمام المتقين، وعلى آله وأصحابه والتابعين آمين.

стр. 590

الرسالة الرابعة والثلاثون:: إلى الشيخ أبي بكر بن محمد آل الملا ... "الرسالة الرابعة والثلاثون"١ قال جامع الرسائل: وله أيضا /﵀/٢ رسالة إلى الشيخ أبي بكر بن محمد٣ آل الملا، المعروفين ببلد الإحساء، وكان أبو بكر هذا وأشياعه متهمين بطريقة الأشاعرة٤ وكانوا في حال ظهور أهل الإسلام يخفون ذلك. فكتب هذا الشيخ ٥ رسالة إلى بعض إخوانه/ بخطه/٦. وكانت مشتملة على ما يمج سماعه من الزور والبهتان، والدفع لصريح السنة والقرآن، كقوله فيها: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه٧، وأن آيات الصفات وأحاديثها من المتشابه. فكتب عليها الشيخ المبجل والإمام الجليل المفضل، الشيخ عبد الرحمن بن حسن، جوابا بين فيه ما فيها من الزيغ والتعطيل، وأقام على ذلك البرهان والدليل؛ فزعم أنها ليست له، بل لبعض علماء الإحساء. وكان أشعري الاعتقاد، فحكم الشيخ بخط أبي بكر عليه، وأشار برد أباطيله إليه، لأن من اعتنى واشتغل بنسخ كتب الزندقة والتعطيل والتجهم، وأقره ما فيها من نفي إثبات الصفات المؤدي إلى التعطيل، وصمم بل زعم أنه لم يظهر له ما فهمه أهل الإثبات للصفات، على ما يليق بعظمة الله

стр. 591

وجلاله، ونعوت صفاته وكماله، ويدعي مع ذلك أنه لا يعتقد ما فيها، لكنه ما رد ولا أنكر ما اشتملت عليه من البدع والأهواء، ولم يسلك مناه أهل الحق والهدى؛ فدعواه دعوى باطلة جدلية، وسفسطة ظاهرة جلية. ثم إنه كتب يتظلم من تلك الرسالة، وأنها مخالفة لمعتقده ١ ومقاله. فكتب إليه الشيخ عبد اللطيف –قدس الله روحه- هذا الجواب، وأبان ما في كلامه من الزيغ والارتياب، وأن الأدلة والقرائن القوية تدل على استحسانه لتلك الاعتقادات الوبية. فنعوذ بالله من الخذلان ومخالفة السنة والقرآن. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي افترض تغيير المنكر باليد واللسان الجنان٢وأخذ الميثاق على ورثة الرسل بالبلاغ والبيان، وأن لا يداهنوا في دين الله مغرورا بحبائل الشيطان٣ وأن لا يركنوا إلى مفتون بزخارف الهذيان، وإن ظن أنه من أهل البصيرة والإيمان. من الفقير إلى الله سبحانه عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى الشيخ أبي بكر بن محمد، جمعنا الله وإياه على الطاعة، وجنبنا سبل الفتنة والشناعة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فقد وصلت إليَّ رسالتك إلى شيخنا الوالد –حفظه الله- ومتعنا والمسلمين بحياته. وقد أحسنت فيها بذكر المعتقد وبيانه، وأنك اقتديت/ فيها/٤، بكلام أئمة

стр. 592

الدين، كالإمام أبي حنيفة وغيره من السلف الماضين. وهذا القصد منكم. وقد أشرت به إليك وقت اجتماعنا، إذ/ بذكرك/١ معتقدك وتقريره، والتبري من أهل البدع كالجهمية٢ والمعتزلة٣ والأشعرية٤ والكرامية٥ والماتريدية٦ يحصل لنا نحن وإياك اتفاق الكلمة، وصلاح الطوية. نسأل الله أن يمن بذلك. لكنك أسأت بذكر أمور، يحصل منها تفور واشمئزاز، وهذه معاكسة ظاهرة لما أشرت به إليك شفاها، ومتابعة لغرض نفسي شيطاني، لا لقصد شرعي إيماني. من ذلك: أنك لما ذكرت أن الرسالة ليست لك، بل لبعض أسلافك من علماء الإحساء، وأنه كان أشعري الاعتقاد؛ اعترفت وصرحت بأنك نقلتها لبعض الإخوان بخطك، وهذا فيه ما لا يخفى من التهمة القوية، حيث أثبتها بخطك، وأشعتها في قومك ورهطك، غير ملتفت لرد ما فيها من الزور والبهتان، /والدفع لصريح السنة والقرآن، كقولك فيها: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه/٧ وأن آيات الصفات وأحاديثها من المتشابه، وغير ذلك مما ساق من خرافاته، وما نمق من غلطاته ووهلاته. وأنت مع ذلك لم تتحاش من نقلها وإهدائها إلى الإخوان. وكذلك سميت هذا الرجل وعددته –مع ما ارتكبه- من علماء المسلمين. وما هكذا المعروف من هدي أهل العلم والإيمان، فإنهم لا يكتبون الضلال والباطل والزور، إلا لرده ودفعه في نفس ذلك المزبور، وأنت قد خالفت هديهم، وخرجت عن طريقتهم، ومن سلك مسالك التهم فلا يلومنَّ من أساء به الظن.

стр. 593

ثم إن خط الرجل حجة عليه، ودعواه أنه ناقل، دعوى تفتقر إلى إثبات ودليل؛ فلا غرو أن حكم شيخنا الوالد بخطك عليك، وأشار برد أباطيله إليك. وقد ذكرت أنك كنت متأسيا حال النقل بما في الفقه الأكبر لأبي حنيفة، في العقيدة السليمة الحميدة، وعسى الله أن يحقق ذلك. وعلى تسليمه، كيف ساغ لك أن تكتب ضدها ولا تبين ما فيه ولو أخذت بواجب أمر الفرقان، وتخلقت بخلق أهل الإيمان المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ ١ لما وجه الوالد ولا غيره إليك ردا ولا ملاما، ولكن: عرضت نفسك للبلاء فاستهدف. ومن ذلك قولك: قد تمادى بنا الكلام حتى خرجنا عن المقام، تنبيها لأولي الأفهام ودفعا لكثير من الأوهام. وهذا تصريح منك بأن أخذك بخطك من باب الوهم، ومن المعلوم أنه لم يكن مما يفيد اليقين والثبوت، فأقل أحواله تنزيلا، أن يكون من باب الفراسة، والحكم بالقرائن القوية. ومن زعم أن الحكم بها من باب الأوهام،/فسفسطته وجدله/٢ مما لا يحتاج برهانه وتقريره لبسط كلام. ولا يشك من له أدنى مسكة من عقل، أن من اعتنى بنسخ كتب الزندقة والتعطيل والتجهم، مع دعواه أنه لا يعتقدها، فهو مخبول العقل، ليس عنده من وازع الدين ما يقتضي تركها. هذا لو سلمنا له هذه الدعوى، وتركنا الأدلة والقرائن على استحسانها واعتقادها, وأدهى من هذا وأمر وأوضح/ عند/٣ من نظر في خطك واعتبر أنك تقول أنه لم يظهر لك في حال نقلك لتلك الرسالة، من نفي إثبات الصفات، المؤدي إلى التعطيل، ما فهمه شيخنا الوالد حفظه الله، فإن كنت لا تفهم من قول هذا الرجل في ربه: أنه

стр. 594

لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه، وأن ما دل عليه حقائق صفات الله سبحانه، ونعوت جلاله، من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، معدود عند السلف من المتشابه، ونحو هذا من كلامه؛ فإن كنت لا تفهم من هذا نفيا ولا تعطيلا، فلتبك عقلك النوائح. أين أولو البصائر والأفهام أين المناضلون عن ملة الإسلام ما هذه إلا مكابرة جلية، وسفسطة جدلية، فإن صبيان المكاتب –فضلا عن أولي العلوم والمراتب يعلمون أن هذه العبارة صريحة في التعطيل، غير محتملة للتصحيح والتأويل. وقد كنت أظن بك دوهن هذه المكابرة، وأحسب أنك ترعوي عند المحاقة والمخابرة، لا سيما بعد إطلاعك على هذا الرد النفيس، وما تضمنه من براهين الإثبات والتقديس، فخلت أن همتك ترتفع به إلى فوق، وإنك لا ترضى سبل الميل والعوق، وأن أفراخ اليونان لا تعوقك عن الوصول، وأن أسلاف القوم لا يصدفنك عن سنن الرسول، لكن كما قيل: خفافيش أعشاها النهار بضوئه ووافقها قطع من الليل مظلم جوابه: إن الاتفاق والاختلاف، إنما يقع عند ذوي البصائر والعقول والإفهام السليمة في غير صرائح العبارات ومنطوقها، وفي غير الدلالة المطابقية. ولا يمتري عاقل –فضلا عن العالم- الذي خالف فهمك فهم شيخنا فيه، صريحه ومنطوقه، يرد زعمك وينافيه. ثم إنك ادعيت أولا أنك سليم العقيدة موافق لما في الفقه الأكبر لأبي حنيفة، ولما عليه الأئمة الذين حكيت أقوالهم. وهذا حسن جيد، لكن يعكر عليه ويناقضه قولك بعد: لكني وقفت بعد ذلك على كلام لبعض العلماء، ينافي بعض ما فيها، فملت إليه، وعولَّتُ لكونه أقرب للسلامة، وأشبه بهدي أهل الاستقامة. وهذا تصريح منك بالميل إلى خلافها، والتعويل على سواها بعد اعتقادها، وهو مخالف ومناقض لكلامك الأول، حيث زعمت أنك كنت في حال نقلك متأسيا بما

стр. 595

في الفقه الأكبر، ثم يا هذا، قد استدللت على رجوعك بقضية عمر في/ المشرَّكة/١ وبما صح من رجوع كثير من أئمة الاجتهاد عن أقوال ظهر لهم الحق في خلافها، والرجوع إلى الحق أولى وأحق، ولكن لا يخفي أن رجوعهم من اجتهاد إلى اجتهاد، بخلاف من رجع/عن/٢ ذنب يأثم به ولا يؤجر، بل غايته بعد التوبة أن يغفر، ولذلك قالوا بصحة الاجتهاد الأول، /إذا قضى به أو حكم به، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ٣. كما ذهب إليه عمر ومن تبعه من النقاد؛ بخلاف قضيتك

стр. 596

فإن الأخير مبطل للأول/١. فإن قلت: الشبه ليس من كل الوجوه، بل من حيث الرجوع إلى الحق؛ قلت: لأي شيء عدلت عن قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ ٢ والعدول عن الدليل الصريح المطابق من كل الوجوه، يقدح في فهم الرجل وتأليفه. ثم إنك تقول: اعلم أني –بحمد الله- غير مستنكف عن قبول الحق، ولا متسكبر ولا مستحقر. وأقول: أي كبر أعظم وأدهى من أنفة الرجل أن يدعي إلى الله ظاهرا، ويرد قوله الذي/قد/٣ شاع، ونسخ جهارا، ويعد هو خطاياه وذنوبه، من باب الاجتهاد، وقد اعرضنا عن غير ذلك من علامات بطر الحق. وأما كون شيخنا الوالد صرح باسمك في الرياض، فهو منه/اهتمام/٤ بالواجب الشرعي، فإن الرجل إذا خيف أن يفتتن به الجهال، ومن لا تمييز عندهم في نقد أقاويل الرجال، فحينئذ يتعين الإعلان بالإنكار، والدعوة إلى الله في السر والجهار، ليعرف الباطل فيحتنب، وتهجر مواقع التهم والريب. ولو طالعت كتب الجرح والتعديل، وما قاله أئمة التحقيق والتأصيل، فيمن التهم بشيء يقدح فيه، أو يحط من رتبة ما يحدث به ويرويه، لرأيت من ذلك عجبا، ولعرفت أن سعي الشيخ/محمود/٥ قولا وسببا. ثم إنك تذكر أن الرد صار للعوام والطغام سلما للوقيعة في أعراض علماء الإسلام. وفي هذا من تزكية نفسك والتنويه بذكرها ما لا يخفى، وما أظن عالما يقول أنا عالم. وقد قال عمر ﵁: من قال: أنا عالم، فهو جاهل؛ ومن قال: أنا مؤمن،

стр. 597

فهو كافر؛ ومن قال: أنا في الجنة، فهو في النار، انتهى١. والعالم من يخشى اله، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢ فإن الآية تقتضي حصر العلماء في أهل الخشية، كما تقتضي حصر الخشية في العلماء؛ وحقيقة العلم هو ما جاءت به الرسل من معرفة الله سبحانه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وإثباتا لا تعطيلا، وتنزيها لا تمثيلا، وذلك يقتضي من إسلام الوجه له، والتبتل إليه وحده لا شريك له، حبا وإجلالا وتعظيما وذلا وإخلاصا وانقيادا؛ وهو محسن في ذلك بعدم الانحراف عما جاءت به الرسل، طاعة لهم وتكريما، وهذا أيضا يقتضي العلم بالأوامر الشرعية، لأن الجاهل لا يحسن السير. ولا بد في العلم بهذا من النفوذ إلى ما جاءت به الرسل، فيعرف الحكم٣ من دليله. وأما غير ذلك من أنواع العلوم التي أحدثت بعد خير القرون، في العقائد والعبادة بما لم يشرعن كما عليه كثير ممن يدعي العلم في باب معرفة الله سبحانه/وتعالى/٤ فإنهم أخذوا العقيدة في هذا الباب عن أهل القوانين الكلامية كالجهمية وغيرهم ممن خرج عن العقائد السلفية. وكما عليه كثير من أهل الطريق والتصوف، فإنهم أحدثوا من التعبد بالذوق والعقول، ما لم ترد به هذه الشريعة، وكذلك من اقتصر على تقليد المتأخرين في الأحكام، ولم يلتفت إلى أخذ الحكم من هدي سيد الأنام؛ فهذا ونحوه-وإن جاز لهم التقليد- فليسوا من أهل العلم بالإجماع، كما حكاه الحافظ ابن عبد البر٥ ﵀. وبالجملة، لو عرفت حقيقة العلم، لأحجمت عن عد نفسك من أهله، ولأيقنت أن

стр. 598

من ابتغى معرفة الله سبحانه/ وتعالى/١ مما نصبه مشايخ اليونان والفلاسفة، من الأدلة العقلية، والموازين الكلامية وأخذ عن تلامذتهم الذين نشأوا على ملتهم، ودانوا ببدعتهم، ولم يلتفت إلى ما/ جاء به الوحي/٢ من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، زاعما/منه/٣ بأنها ظواهر لفظية، ومجازات لغوية، وأن قانون المنطق هو القواطع العقلية والبراهين الجلية، وأن ما جاءت به الكتب، وأخبرت به الرسل من صفات الله، معدود من متشابه الكلام، مصروف عن حقيقة عند ذوي البصائر والأفهام، فنفى لذلك صفات الكمال، وأغرب في سلب نعوت الجلال، وأصاف إلى ذلك تقليد مشايخه في الأحكام والفروع، فلم يأخذ من هدي الرسل العلم المتبوع. فهذا ونحوه من أضل الناس وأبعدهم عن هدي المرسلين، فضلا عن أن يكون من علماء المسلمين، وإن انضم إلى ذلك الضلال عن معرفة توحيد العباد، الذي هو فعل العبد وعمله وكسبه، فاتخذ الآلهة من دون الله/أربابا/٤ فأحبهم كحب الله، وذل وخضع واستغاث واستعان، وذبح لغير الله القربان، وحلف تعظيما وتفخيما، وجراء أن يكون الند له شفيعا وعونا. فهناك تشتد الرزية وتعظم البلية، ويعلم أن هؤلاء الضرب من الناس بينهم وبين الإسلام أبعد بون، وأن الأمر كما قيل: نزلوا بمكة من قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل٥ والمقام يستدعي أكثر من هذا، ولكن العاقل يسير فينظر. والسلف قد أنكروا على من سماهم علماء، فما بالك بمن سمى نفسه عالما، وتشبع بما لمي يعط! نعوذ بالله من الخذلان.

стр. 599

هذا، وفي رسالتك شيء من الهمز والتصنع والمداهنة، والغش والحقد وعدم التثبت. وأن الأولى الإسرار إليك وترك ما كتبته. وكذلك في تسمية من خاض في هذا –أعوام ١ أهل لغو- بالفضول ما لا يخفى على أرباب العقول، ولو شئت أن أبين لك من الأولى بذلك كله، فأقيم لك البراهين على انك متصف به لفعلت، وسجلت وقررت وحققت، ولكن سأترك ذلك ليوم تبدو فيه السرائر، ويظهر الله مكنون الضمائر. ولو صرحت بما في نفسك من الرد، وسجلت وناضلت، لكان أليق بك، فإن من أظهر ما في نفسه، حري بالرجوع إلى الحق، بخلاف من كتم وداهن، كما قيل: فلست أرى إلا عدوا محاربا ... /و/٢ آخر خيرا منه عندي المحارب٣ وكان قصدي منك أيها الشيخ أن تكتب ما تعتقده، وتدع التزكية والعتاب، وتطرح كل شك وارتياب، فغن ذلك أجمع للقلوب وأقرب للاتفاق، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ٤. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 600

الرسالة الخامسة والثلاثون: إلى بعض الولاة توسم فيه محبة الخير ... "الرسالة الخامسة والثلاثون"١ قال جامع الرسائل: وله أيضا/ -قدس الله روحه، ونور ضريحه-/٢ رسالة؛ وهذا صورة ما وجدته مرسوما، ووضع ما ألفيته مرقوما،/كتبه/٣ شيخنا عبد اللطيف بن عبد الرحمن –أدام الله إفادته –إلى بعض الولاة بسبب أنه توسم فيه محبة الخير. وقبولا للنصيحة: ما صورته٤ حفظه الله من طوائف الشيطان، ووفقه للعلم والإيمان: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ونحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، على ما أسبغ علينا من جزيل نعمائه./واعلم أنه ما حملني على مكاتبتك وابتدائك بالخطاب إلا/٥ ما بلغني عنك من الميل إلى الإسلام والسنة، ومحبة أهله ونصرتهم، وهذا من أجل النعم وأفضل العطايا الإلهية، والمنح الربانية، وأنت في مكان وزمان قل خيره، وكثر شره وقبض فيه العلم وفشا الجهل، وكثر الجدال والمراء وتطاولت أهل البدع والأهواء، فإن منَّ الله عليك بقبول الإسلام والسنة ونصرتهما، ومحبة أهلها والقيام بما أمر الله به من أداء الواجبات، وترك الفواحش والمنكرات؛ رجوت لك الظهور والنصر، والإقبال في الدنيا
следующие страницы →