← Фатава

Фатава · id 12033

عيون الرسائل والأجوبة على المسائل

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (983 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الزوال ١. وأما صلاة الفذ ركعة خلف الصف: فمقتضى كلام الفقهاء، أنه يستأنف الصلاة ولا يبني ٢. ويدخل في ذلك تكبيرة الإحرام. والله – أعلم.

стр. 807

الرسالة الحادية والستون: في مسألة الرهن ... الرسالة الحادية والستون١ قال جامع الرسائل: وله –قدس الله روحه، ونور ضريحه - في مسألة الرهن ٢ ما نصه: حاصل ما ذكره العلماء في صحة الرهن وفساده ولزومه وعدمه. اتفقوا على أن من شرطه: أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن ٣. وذهب مالك إلى أنه يجوز أن يؤخذ الرهن في جميع الأثمان الواقعة في جميع /البيعات/٤ إلا الصرف ٥ ورأس مال السَّلم ٦ المتعلق

стр. 808

بالذمة ١، وعنده يجوز الرهن في السلم وفي القرض ٢ وفي الغصب وفي قيم المتلفات، وأرش الجنايات في الأموال وفي الجراح التي لا قود فيها. ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة ٣. /واشترط/٤ الشافعية في/المرهون فيه/٥ ثلاثة شروط: أحدها: /أن يكون دينا/٦، [فإنه لا يرهن في عين] ٧

стр. 809

الثاني: أن يكون واجبا، فلا يرهن قبل الوجوب ١؛ مثل أن يسترهنه فيما استقرضه ٢. ويجوز عند مالك ٣. الثالث: أن لا يكون لزومه متوقعا ٤. وأما/ شروط/٥ الرهن: فالمنطوق بها في الشرع ضربان: شروط الصحة، وشروط الفساد: وأما شروط الصحة: فشرطان: أحدهما متفق عليه في الجملة، [ومختلف في الجهة التي هو شرط وهو القبض] ٦، والثاني مختلف في اشتراطه ٧. أما القبض ٨: فاتفقوا في الجملة على أنه شرط في الرهن ٩؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ

стр. 810

مَقْبُوضةٌ﴾ ١. واختلفوا، هل هو شرط للتمام أو شرط للصحة؟ وفائدة/ الفرق/٢: أن من قال: شرط للصحة، قال: ما لم يقع القبض لم يلزم الرهن ٣. وقال مالك: القبض شرط لتمام الرهن، قال: يلزم بالعقد ٤، ويجبر الراهن الإقباض، إلا أن يتراخى المرتهن عن المطالبة. وذهب الشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر، إلى أنه من شروط الصحة ٥. وعمدتهم: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضةٌ﴾ ٦. وعند مالك أن/من شروط/٧ صحة الرهن استدامة القبض ٨، وأنه متى عاد إلى يد الراهن بإذن المرتهن، بعارية أو وديعة أو غير ذلك فقد خرج من اللزوم ٩.

стр. 811

وقال الشافعي: ليس استدامة القبض من شرط الصحة ١. فمالك عمّ الشرط على/ ظاهر/٢ ما لزم من قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبوُضةٌ﴾ ٣، وشرط وجود القبض والاستدامة ٤. والشافعي يقول: إذا وُجد القبض، فقد صح الرهن والعقد، فلا يحل ذلك بإعارته ولا غير ذلك من التصرف ٥. وقد كان الأولى بمن يشترط القبض في صحة العقد، أن يشترط الاستدامة، ومن لم /يشترطه/٦ في الصحة، أن لا يشترط الاستدامة ٧. وأما الشرط المحرم الممنوع بالنص فهو: أن يرهن الرجل رهنا، على أنه إن جاءه بحقه عند أجله، وإلا فالرهن له. فاتفقوا على أن هذا الشرط يوجب الفسخ ٨، وأنه معنى قوله ﷺ : "لا يغلق الرهن" ٩.

стр. 812

ومن مسائل هذا الباب المشهورة: اختلافهم في المنفصل، مثل الثمرة في الشجر المرهون، ومثل الغلة، هل يدخل في الرهن أو لا؟ فذهب قوم إلى أن نماء الرهن المنفصل، لا يدخل شيء منه في الرهن –أعني الذي يحدث منه في يد المرتهن - وهذا قول الشافعي ١. وذهب آخرون إلى أن جميع ذلك يدخل، وبه قال أبو حنيفة والثوري ٢. وأما مالك، ففرق فقال: ما كان –من نماء الرهن المنفصل - على خلقه المرهون وصورته، فإنه داخل في الرهن كولد الجارية. وأما ما لم يكن على خلقته، فإنه لا يدخل في الرهن، متولدا عنه كثمرة النخل، أو غير متولد ككراء الدار، وخراج الغلام ٣، انتهى ما لخصته ٤. فتبين من هذا، أن ما اعتمده القاضي حسين ٥ لنفسه من دعواه أنه ٦ أحق بالثمرة

стр. 813

من سائر الغرماء، لكونها أو أصلها رهنا له، فلا يتمشى على قول أحد من العلماء. فإن الشافعي يشترط لصحة الرهن ولزومه، القبض حال العقد، وفي واقعة القاضي المذكور لا قبض ١ فلا يصح الرهن ولا يلزم. وأما مالك فيصح الرهن بالعقد، لكن لا يتم ولا يلزم إلا بالقبض والاستدامة عنده٢. وهذا هو الصحيح المعتمد في مذهب الإمام أحمد ٣. ومذهب مالك أن الثمرة الحادثة في يد المرتهن، لا تتبع ٤، وفي هذه القضية التي وقعت من قاضي الحريق، إنما حدثت الثمرة فيما لم يقبض، فتكون الثمرة لا يصح رهنها على قول مالك، وعلى قوله وقول الجمهور، ليس صحيحا في الأصل ولا في الثمرة. وعلى كل حال، فهذا الرهن، إما صحيح غير لازم، فيكون أسوة الغرماء، أو يكون/ فاسدا/٥، وعلى كلا الحالتين، فلا يختص بشيء من ثمرة/ المدين/٦، أعاذه الله من التدحمل ٧ والتدعثر ٨. آخرها. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على/ عبده ورسوله/٩ محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 814

الرسالة الثانية والستون: أجوبة على مسائل متعددة ... الرسالة الثانية والستون١ قال جامع الرسائل: وله –﵀ وعفا عنه - رسالة إلى إبراهيم بن عبد الله بن عمار، جوابا لسبع مسائل: الأولى: عن رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول. الثانية: عن صوم يوم الثلاثين من شعبان، إذا حال دون منظره غيم أو قتر. الثالثة: هل القبض والاستدامة شرط لزومه وصحته أو لا؟ الرابعة: عن الحكم في قطع يد السارق. الخامسة: عن الطلاق في الحيض والطهر الذي جامعها فيه. السادسة: عن الرفق على الضعيف. السابعة: عن عاق والديه، هل عليه حد مقدر؟ فأجابه –﵀ عن مسائله، بأصح عبارة وأوجزها، وقرر في مسألة صيام /يوم/٢ الشك، ما عليه المحققون، وما تضمنته الأحاديث الصحيحة، بخلاف ما اعتمده المقلدون، وأن من صامه من السلف، لم يوجبه، ولم يأمر به الناس، ولم يوقع بمن تركه العقوبات، كما فعله أهل الجهل والإفلاس، فإنهم في هذه الأزمان يوجبونه، ويأمرون الناس بالتزامه، ومنهم من ضرب وأجلى من نهى عن صيامه. فيا ليت شعري أين وجدوا ذلك؟ وأي الكتب اعتمده أولئك؟ نعم، قد وجدوا في بعض الروايات الوجوب/ أو الاستحباب/٣، فأين وجدوا الضرب والجلاء

стр. 815

والسباب؟ وإذا قيل لأحدهم: قال رسول الله ﷺ ، قال: قال المذهب كذا وكذا، /وبه/١ قال الإمام المعظم ٢. فيا ليت شعري، كيف ساغ لهم تقليده في هذه وغيرها من المسائل؟ ولم يسغ لهم تقليده –﵀ في قوله: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان ٣، والله –تعالى - يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا ردَّ بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ٥.

стр. 816

وإذا عرفت هذا، فقد صح الخبر عن رسول الله ﷺ بذلك، كما رواه البخاري في صحيحه، أن رسول الله ﷺ قال: " صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما" ١. والمقصود من هذا الكلام، إيقاع بعضهم بمن نهى عن صيامه أنواع العقوبات، وردهم أحاديث رسول الله ﷺ ، لبعض هذه الروايات، وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم إبراهيم بن عبد الله بن عمار، سلمه الله تعالى، وصرف عنا وعنه عذاب النار. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فوصل خط المسائل. المسألة الأولى /و/٢ الجواب عن مسألة رفع اليدين إذا قام في التشهد الأول، فهو في هذا الموضع ثابت في الصحيح من حديث عبد الله بن عمر ٣، وثابت أيضا من حديث علي

стр. 817

ابن أبي طالب –﵁ ١. عند الإمام أحمد، خرجه في المسند، وكذلك هو في سنن أبي داود والنسائي ٢ وابن ماجه ٣، وهو أصح الروايتين عند أصحاب الإمام أحمد. "المسألة الثانية" وأما مسألة السنة لمن يصوم الثلاثين من شعبان، إذا حال ليلة الثلاثين دون الهلال غيم أو قتر، فالقائلون يصومه وجوبا أو استحبابا، يجزيه عندهم إذا نواه من ٤. والصحيح الذي عليه المحققون، أنه لا يجب صومه، ولا يؤمر به ٥، ومن صامه من السلف لم يوجبه؛ والحجة لمن منع صومه مطلقا، /لما/٦ في صحيح البخاري، أنه قال ﷺ : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فأكملوا عدة

стр. 818

شعبان ثلاثين يوما" ١، انتهى. وليس لأحد بلغَته سنة رسول الله ﷺ ، وصح عنده الحديث، أن يعدل إلى غيره، لرأي أحد من الناس كائنا من كان. أقول ٢: وله في هذه المسألة كلام مبسوط، رد على عثمان بن منصور ٣، أوضح فيه كلام الأئمة، وجلي غياهب ٤ الشبه/ فيه/٥ عن الأمة، فأبصروا بنور الله حقائق التحقيق، ومدارك الأحكام، وانجلى عن بصائرهم ذلك القتر والقتام، وذكر فيه عن الإمام أحمد سبع روايات، أوردها بعض الأصحاب، والصحيح منها الاستحباب من غير شك ولا ارتياب. فراجعه إن كنت مشتاقا إلى ذلك التحقيق، واسم يهمَّتك إلى معالم ذلك المهيع والطريق. "المسألة الثالثة" هل القبض والاستدامة شرط للزوم وصحته أولا؟ /ثمّ/٦ قال –﵀: وأما مسألة الرهن، فاعلم أن القبض والاستدامة، شرط للزومه، لا لصحته، فيصح ولو لم يحصل قبض ولا استدامة ٧. لكن لو تصرف الراهن أو ببيع أو هبة، صح ذلك، بخلاف المقبوض المستدام، فلا يتصرف فيه إلا بإذن المرتهن، ولمصلحة وفائه ٨.

стр. 819

"المسألة الرابعة: عن الحكم في قطع يد السارق" وأما السارق فلا تقطع يده إلا بإذن الإمام أو نائبه في الحكم. "المسالة الخامسة: عن الطلاق في الحيض والطهر الذي جامعها فيه". وأما مسألة الطلاق في الحيض، وفي الطهر الذي جامعها فيه، فمسألة معروفة مشهورة، وجمهور أهل العلم يوقعون الطلاق فيها ١، ويرون أنه طلاق بدعة، محرم فاعله مستهزئ بآيات الله. "المسألة السادسة: الوقف على الضعيف" وأما الوقف على الضعيف، فكثير من الناس يستعمل الضعيف بمعنى الفقير، والفقير عندهم من لا يجد كفاية سنة، ولا قدرة له على اكتساب ما يكفيه، والغني من يجد كفايته، ولو بالقدرة على الكسب ٢. والفقراء متفاوتون، بعضهم أحوج من بعض، فيلزم الناظر أن يعطي كلا بحسبه. "المسألة السابعة: عاق والديه هل عليه حد مقدر" وأما عاق والديه فليس عليه حد مقدر لكن يعزر بقدر ما يردعه، ويردع أمثاله. [وبلغ سلامنا الجماعة، والسلام/ عليكم ورحمة الله وبركاته] ٣. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم/٤.

стр. 820

الرسالة الثالثة والستون: إلى عبد الله بن محمد بن عتيق في السؤال عن نهائب الأعراب ... الرسالة الثالثة والستون١ قال جامع الرسائل: وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه - رسالة إلى عبد الله بن محمد بن عتيق، وقد سأله عن نهائب الأعراب. فأجابه –﵀ بما ستقف عليه. وذكر –﵀ أن من التزم الأحكام في التحليل والتحريم، وتحاشى من الاعتداء - إلا على من اعتدى عليه - أنه لا يعجبه أكل ما أخذ منهم على هذا الوجه؛ فإذا عدمت هذه الأمور في بادية من البوادي، قحطان أو غيرهم/ أو وجدت/٢، فالحكم بحاله في جواز شرائه أو عدمه على استحباب. وهذا نص الرسالة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ عبد الله بن محمد بن عتيق، سلمه الله تعالى؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله على نعمه. والخط وصل، وما ذكرت من السؤال، فالذي جاءكم مع الخشل ٣ هو مما نهبوا من مال قحطان، ولا يخفاكم أن كثيرا من قحطان يلتزم الأحكام في التحليل والتحريم، ويتحاشى من الاعتداء/إلا على من اعتدى عليه/٤. ولا يعجبني أكل ما أخذ منهم على هذا الوجه. وأما نهائب الأعراب التي لا يعرف حل أهلها، فلبعض أهل العلم كلام في جواز شرائها وتملكها؛ وأما استحباب اجتناب ذلك كله، فهو طريقة جمهور أهل العلم. وأنت سالم والسلام.

стр. 821

الرسالة الرابعة والستون: إلى عبد الرحمن بن عدوان ... الرسالة الرابعة والستون١ قال جامع الرسائل: وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه، /وعفا عنه/٢ - رسالة إلى الشيخ عبد الرحمن بن عدوان ٣، وقد سأله عن قول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، إلا أن يشاء الله. فأجاب –﵀ بما عليه أهل التحقيق في هذه المسألة، وبين له أن/الواجب/ ٤ على المفتي والقاضي، أن يتبصر ويتعقل معاني الألفاظ /والتراكيب/٥ قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها. وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ عبد الرحمن بن عدوان؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فاعلم أن قول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي إلا أن يشاء الله، إن فعلت كذا وكذا، ظهار، لا يمنع وجوب الكفارة ما ذكر من الاستثناء، بغير خلاف ٦. وقول بعضهم: إنما فيه كفارة كاليمين بالله والظهار، لا يحنث إن استثنى فيه وقال: إن شاء الله، محله إذا رجع الاستثناء إلى الفعل أو الترك، لا على نفس اليمين ٧.

стр. 822

قال ابن مفلح ١ ﵀ في هذا المبحث: وكلامهم يقتضي أن رده –أي الاستثناء - إلى يمينه لم ينفعه لوقوعها، ولتبين مشيئة الله - وبه احتج الموقع في: أنتِ طالق إن شاء الله ٢. وقال أبو يعلى الصغير ٣ في اليمين بالله ومشيئة الله: تحقيق مذهبنا: أنها تقف على إيجاد فعل أو ترك، فالمشيئة معلقة على الفعل، فإذا وجد تبينا أن الله شاءه، وإلا فلا؛ وفي الطلاق:/المشيئة/٤ انطبقت على اللفظ بحكمة الموضوع وهو الوقوع. انتهى ٥. وقال شيخ الإسلام: الاستثناء إذا رجع إلى فعل أو ترك محلوف عليه، إنما يفيد أن الفعل المعلق أو الترك، لا يتعين فعله لتعليقه؛ لأن الجزاء إذا وقع لا كفارة فيه. وقال ﵀: الاستثناء/ لما عُلق/٦ إنما يقع على ما علق به الفعل؛ فإن الأحكام التي هي الطلاق والعتاق ونحوها، لا تعلق على مشيئة الله بعد وجود أسبابها؛ فإنها واجبة بوجوب أسبابها، فإذا انعقدت أسبابها، فقد شاء الله تعالى، وإنما يُعلق على المشيئة، الحوادث التي قد/ يشاؤها/٧ الله، وقد لا يشاؤها. وقال في هذا المبحث أيضا: المشيئة تعود عند الإطلاق إلى الفعل المحلوف عليه. والمعنى: إني حالف على هذا الفعل إن شاء الله فعله، فإذا لم يفعله لم يكن قد شاءه، فلا يكون ملتزما له، وإلا فلو نوى عوده إلى الحلف بأن يقصد: إني حالف إن شاء الله

стр. 823

أن أكون حالفا، كان معنى هذا، معنى الاستثناء في الاستثناءات؛ كالطلاق والعتاق، وعلى مذهب الجمهور لا ينفعه ١. وأيضا فإنها بفعل المحلوف عليه يتبين إن شاء الله، فوقع ما علق عليه. ومن فقه هذا، عرف معنى كلام الفقهاء، وما المراد بالاستثناء المانع من الحنث. والواجب على المفتي والقاضي أن يتبصر ويتعقل معاني الألفاظ والتراكيب قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، وما أحسن ما قيل: والعلم ليس بنافع أربابه ... ما لم يفد نظرا وحسن تبصر ٢ وأيضا فإن المظاهر في مثل هذه الصورة لا يقبل منه دعوى الاستثناء، ولو كان راجعا إلى الفعل، إلا ببينة عادلة؛ لأن الظهار/ثبت/٣، بشهادة الغير، فلا بد من شاهد على الاستثناء. ثم لو سلمنا أنه ثبت بإقراره، أو من جهته، فدعواه الاستثناء لا تقبل أيضا؛ لأنها له، وإقراره بالظهار عليه. وفي الحديث: "لو يعطى الناس بدعواهم ... " الحديث ٤، وقال شيخ الإسلام: والتحقيق أن يقال: إن المخبر إن أخبر بما على نفسه /لغيره/٥، فهو مقر، وإن أخبر بما لنفسه على غيره، فهو مدَّعٍ ٦.

стр. 824

قال جامع الرسائل: هذا آخر ما/وجدت/١ من هذه الرسالة. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 825

الرسالة الخامسة والستون١ سؤال عن بيع عقار الميت لوفاء دينه قال جامع الرسائل: وله أيضا –قدس الله روحه/ونور ضريحه/٢ - جواب سؤال عن بيع عقار الميت لوفاء دينه. قال السائل: ما قولكم في بيع عقار الميت لوفاء دينه، إذا خيف عليه التلف؟ وهل للمسغبة ٣ تأثير في البيع وتركه؟ وهي يجوز للحاكم مع الغرماء عن استيفاء الدين حتى تزول المسبغة وتعود الرغبة أم لا؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله الجنة. فأجاب –رحمه الله تعالى - فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بيع العقار إذا خيف عليه التلف، خير وأولى من تلف. والمسغبة لا تأثير لها في البيع وتركه، وعبارة بعضهم: إذا كسد العقار كسادا ينقصه عن مقاربة ثمن المثل، ويضر/بالمالك/٤، فلا يباع حتى تعود الرغبة، وعلى القول به محله/ إذا أمن التلف/٥ / ولم يرج/٦ زوال الرغبة مع حياة المدين. وأما مع موته فلا حق للورثة، إلا فيما أبقته الديون ٧ والوصايا؛ وليس للحاكم منعهم من استيفاء الدين.

стр. 826

والحالة هذه، والله أعلم. قاله كاتبه عبد اللطيف بن عبد الرحمن. وصل الله وسلم/ على عبده ورسوله/١ محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 827

الرسالة السادسة والستون: سؤال عن تركة الميت قسم ماله بين أولاده وأوصى لصغارهم ... الرسالة السادسة والستون١ سؤال عن تركه الميت، فسّم ماله بين أولاده وأوصى لصغارهم قال جامع الرسائل: وله أيضا –قدس الله روحه ونور ضريحه - جواب سؤال عن قسمة الوالد بين ورثته قبل موته، هل هي قسمة شرعية أم لا؟ وكذلك ما أوصى به لأولاده الصغار القاصرين، على سبيل التعديل بينهم وبين المرشدين؛ قال السائل: بسم الله الرحمن الرحيم. ما قول علماء الإسلام –أدام الله نفعهم للأنام - في رجل مات، وقبل/ مماته/٢ حُرر له وصية، وعين له وصيا على ما خلف، وعلى القاصرين من أولاده؛ وأوصى أن الذي يخص القاصرين من أولاده، يبقى بيد فلان –رحل معين - على نظر الوصي؛ وسلم قبل مموته بعضا من إريل ٣ بيد هذا الرجل المعين المذكور أعلاه؛ هذا الوكيل الذي هو الوصي، ليس بحاضر، فلما حضر أخذ في جمع المال، وقبض ما هنالك من المال، ودفع بيد الرجل المذكور أعلاه شطرا من المقبوض، وكتب الوصي عليه ورقة قبض ما استلمه من يده بنظره. وبعد ذلك اختلف الحال، ووقع على الوصي جبر من الحاكم، وأخذ المال من يده، ومن عند غيره، ولم/يبق/٤ من المال –يعني من بعد المدفوع لذلك الرجل المذكور أعلاه - إلا شيء يسير لم يعلمه الحاكم، والمال الذي بيد الإنسان المعين؛ حيث إنه بعيد عنه، ولم يتمكن من /أخذ/ ٥ المال منه؛ لكونه بعيدا عنه، وليس من أهل حكومته. ثم بعد مضي بضع من السنين مات الحاكم المجبر، ورجع الوصي على وكالته الأصلية، ومراد/ الموصى/٦ الآن

стр. 828

يعمل العمل الذي تخلص به ذمته، ولم يكن على أحد من الورثة حيف ولا ضرر، ويخرج الثلث الموصى به. فهل يجمع ما تحصل من المال الموروث - قليلاً كان أو كثيراً - ويضيفه على المال الغائب عند الرجل المذكور أعلاه؟ وتقع المقاسمة حينئذ على الوجه المشروع، من إخراج الثلث، وما بعده على جملة الورثة/للمكلف/١ منهم والقاصر، قسمة مبتدأة، كأن الميت مات الآن بناء على أن التركة ما قُسمت /أبدا/٢، ولأن الجبر الصادر من الحاكم قبل القسم؟ أ, أن التالف من نصيب المرشدين والثلث، وإن كان عليهم/أضرار ظاهر/٣ وحيف من القسمة، والسالم هناك من نصيب القاصرين، كما أراد الموصي أولا، ظانا سلامة ماله كله، وأنه لا يقع/حيف/٤ ولا جور، فهل له إفراز سهم القاصرين خاصة في حياته قبل مماته، ويعتبر ذلك بحيث لا مشاركة للورثة لهم، وإن تلف المال قبل المقاسمة كما وقع أولا؟ فأي الوجهين الموافق للحق ليعمل به الوصي وتبرأ ذمته؟ أفتونا مأجورين، فإن الحاجة داعية إليه، والوصي متحير، وكل ذي حق من الورثة يطالب/ بحقه/٥، لا زلتم أهلا لكل فضيلة. فأجاب –رحمه الله تعالى - بما نصه: الحمد لله وحده. قسمة الوالد/ماله قبل موته/٦ بين ورثته، قسمة غير لازمة؛ لوقوعها قبل انتقال المال واستحقاقهم له إرثا، وقسمة الولي الشرعي، وتعيينه ما بيد الرجل المودع للصغار القاصرين قبل تلف ما بيده، قسمة شرعية، تثبت بالإفراز ولتعيين، فما تلف بعدها فهو مختص بمستحقه من القسمة الصادرة من الولي، وتعيين حصة الصغار فقط قسمة شرعية، وإن تلف الباقي

стр. 829

قبل قسمته بين الثلث، والكبار المرشدين. والحيف والأضرار يعتبر حال القسمة، ويرجع إلى العدل والتسوية. وأما النظر للتلف أو الكساد الحادث بعد القسمة، فلا حيف ولا ضرر في الإفراز والقسمة والحالة هذه. أملاه الفقير إلى رحمة ربه، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن.

стр. 830

الرسالة السابعة والستون١ قال جامع الرسائل: وله أيضا –قدس الله روحه، ونور ضريحه - رسالة إلى عبد العزيز بن حسن ٢ قاضي المحمل، وقد سأله عن حديث جابر بن عبد الله ٣ لما توفي أبوه، وعليه ثلاثون وسقا لرجل من اليهود، وفي الحديث: "فجاء رسول الله ﷺ وكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له فأبى" ٤. قال السائل: وظاهر هذا: إباحة المجهول بالمعلوم في الجنس، وهو ممنوع شرعا. فأجاب –﵀ وذكر تراجم الأئمة ٥، وتعددها بحسب ما تضمن من الفقه، وأن قول السائل: "وهو ممنوع شرعا" عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهو خطأ منه في التعبير وغفلة. وقد بين الشيخ/ ﵀/٦ أيضا فسادها في نفسها، وهذا نص الرسالة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن، سلمه الله /تعالى/٧ وهداه. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على نعمه. والخط وصل،/وصل/٨

стр. 831

الله حبلك، وأعلى مجدك، وما ذكرته قد علم، وحديث جابر/ حديث صحيح/١ مشهور، خرجه الجماعة، وتُرجم له تراجم متعددة، بحسب ما تضمن من الفقه. فقال البخاري: باب إذا قاصه وجازفه في الدين تمرا بتمر وغيره؛ وغيره ٢. وقال: باب إذا قضى دون حقه فهو جائز ٣. وكذلك أهل السنن، وسياقهم متقارب ٤. وقال البخاري في باب المقاصة والمجازفة: قال وهب بن كيسان ٥ إن جابر بن عبد الله أخبره أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له، فجاء رسول الله ﷺ /فكلم/٦ اليهودي ليأخذ تمر نخلة/ بالتي/٧ له، فأبى، فدخل رسول الله ﷺ /النخل/٨ فمشى/فيها/٩، ثم قال لجابر: "جُدّ له فأوفِ له الذي له" فجده بعد ما رجع رسول الله ﷺ ، فأوفاه

стр. 832

وفي حديث كعب ١: "ضع الشطر"٢، وأن تمنع هذه المسألة لما فيه ضرر أو غرر من البياعات ٣ والمعاملات. هذا ما ظهر لي وهو المعروف من القواعد الشرعية فانتبه، لا زالت قريحتك وقادة ذكية ٤. /وبلغ سلامنا الأولاد والأخ، وعبد العزيز بن تركي ٥. ولدينا الوالد المكرم والعيال بخير وينهون السلام، وأنت سالم. والسلام/٦. ٧/وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم/٨.

стр. 833

الرسالة السابعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن قاضي محمل ... ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر،/فجاء جابر رسول/١ الله ﷺ ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، فقال: "أخبر بذلك ابن الخطاب". /فذهب/٢ جابر إلى عمر/ فأخبره/٣، فقال /له/٤ عمر: فقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ ، ليباركن فيها"٥. وقبل هذا قال –﵀: باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز. وساق الحديث مختصرا من طريق آخر، لكن ذكر فيه شاهدا للترجمة، وهو قوله: "فأتيت النبي ﷺ ، فسألهم أن يقبلوا تمر حائطي ويحللوا أبي"٦. إذا عرف هذا بطل قول السائل: "وظاهر هذا إباحة المجهول بالمعلوم في الجنس"، فلا جهالة والحالة هذه؛ لأن الحديث صريح في أن تمر الحديقة دون الثلاثين، وإنما بورك فيه لما مشى فيه ﷺ . وقول السائل: "وهو ممنوع شرعا"، عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهل الشرع إلا ما جاء عن الله وعن رسوله؟ وأيضا فهي فاسدة في نفسها؛ فإن الاعتياض بالمجهول عن المعلوم في الجنس جائز في غير ربا الفضل، إذا حصل التراضي؛ لأن للمدين أن يزيد، و"خيركم أحسنكم قضاء"٧؛ ولرب الدين أن يضع من دينه ما شاء.

стр. 834

الرسالة الثامنة والستون: إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن ... الرسالة الثامنة والستون١ قال جامع الرسائل: /وله أيضا –قدس الله روحه، ونور ضريحه - رسالة إلى الشيخ عبد العزيز بن حسن ٢ وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن بن يحيى، سلمه الله تعالى، ورزقه الفقه في الدين. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على سوابغ نعمه. والخط وصل يوم ركوبنا، ولا كتبت جوابه إلا بعد تثويرتنا ٣. وأما الأول، فلم ألتفت إلى جوابه، لما كنت بصدده من الاشتغال بالحج. إذا عرفت هذا، فاعلم أن المسألة الأولى التي هي: استعمال الماضي موضع المضارع، /لهم فيها وجهان/٤:

стр. 835

أحدهما: أن في استعمال الصيغة الماضية بدل المضارعية، تنبيه وإشارة إلى تحقيق النفي في الحال والاستقبال، كتحقق مُضي الماضي من الأفعال والأحوال، وذلك باستعارة وضع للماضي، لما قصد به الحال والاستقبال، تقوية وتأكيدا لمضمون الجملة المنفية، وذلك شائع في لسانهم. وفي التنزيل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ ١،٢ ﴿وَإذْ قَالَ اللَّه﴾ ٣، والمعنى: يأتي، ويقول ٤. ومنه استعمال المضارع بدل الماضي إشارة إلى التجدد والاستمرار شيئا فشيئا، كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ٥، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ ٦ ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ ٧؛ والمعنى: قد علمنا ٨. ومنه قول الأعشى ٩. /فأرى/١٠ من عصاك أصبح/مخذو ... لا/١١، وكعب الذي يطيعك عالٍٍ ١٢

стр. 836

وقد أسبي الفتاة فتعصى ... كل واشٍ يريد صرم حبال ١ يريد: رأيت وأسبيت. /والوجه الثاني /٢: أن الكلمة إن دلت على معنى في نفسها واقترنت بزمان، ففعل، فإن كان الزمان الذي دلت عليه ماضيا، فالفعل ماض، وإن كان للحال والاستقبال، فالفعل مضارع، وإن كان مستقبلا فقط، فالفعل أمر، كما هو مقرر في موضعه ٣. فلو عبَّر بالمضارع وقال: لا ألبس ممتثلا، لاحتمل ٤ أنه قصد النفي في الحال فقط، أو فيما يستقبل فقط؛ لن ذلك جرى في لسانهم، ومنه: ﴿لا أَجِدُ مَا آَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ﴾ ٥ ﴿وَنَضَع اَلْمَوَازِينَ اَلْقِسْطَ﴾ ٦، ولاحتمل وقوع استثناء يعقبه، فلما عبر بالماضي/اندفع/٧ الاحتمال، وانقطع التوقع، وقصد المعنى الأصلي، وهو المعنى في الماضي، لا يتوهم؛ لأن "لا" للنفي في الحال والاستقبال، تقول: لا لبست لا ضربت لا ظلمت؛ قاصدا الحال والاستقبال، بخلاف: ما ضربت ما لبست، فإنها للنفي في الماضي. أما المسألة الثانية: وهي قولك: ما معنى النفي في قولهم: /لا قتلت/٨ الميت؟ فالذي في الحلف بالطلاق، وتعليقه بالمستحيل "لأقتلنّ" بلام التوكيد الموطئة

стр. 837

للقسم، والفعل بعدها مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، ولا نفي فيها فتنبه./وبلغ سلامي من لديك من الإخوان. ومن لدينا يسلمون والسلام/١./وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم/٢.

стр. 838

الرسالة التاسعة والستون: إلى عبد العزيز بن حسن بن مزروع ... الرسالة التاسعة والستون١ قال جامع الرسائل: وله أيضا –قدس الله روحه، ونور ضريحه - جواب سؤال ورد عليه من عبد العزيز بن حسن بن مزروع، وذلك في شأن القهوة ٢، طلب فيه من الشيخ الجواب عما أورده من السؤال، ومقصوده أن يوافقه على الحكم والجزم بالتحريم، وعدم الإحلال، لما أورده بزعمه في سؤاله من استيفاء التعليل والاستدلال. وكان الأليق بالسائل طلب بيان ما هو الأرجح في شأنها من الأقوال. إذ كان للعلماء فيها كلام، وحل للنظر ومجال، لكنه في سؤاله أصل وفضل، واستدل وعلل، وانتضى ٣ لتحريمها صارما عضبا، وارتقى لذلك من الشريعة مرتقا صعبا. فلأجل ذلك عدل الشيخ عن ذكر أقوال العلماء هنالك، وعما هو الأعدل والأرجح في ذلك، وأخذ في إبطال ما علله،/وهد/٤ ما فعله وأصله. ثم بعد ذلك أرشده إلى ما هو اللائق بصرف الهمة إليه، من الحض على رفع ما تعطل من أصول الدين ودعائم الملة، وقبض العلم وارتفاع /الجهال/٥ وترك الالتفات إلى تربية أهل الملة بتعليم ما يحتاجونه من أصول دينهم، وما جاء به نبيهم ﷺ . وهذا نص السؤال، قال السائل:

стр. 839

تفهم أن مدار الشريعة على رفع المفاسد وجلب المنافع، ومنها ما صرح به الكتاب والسنة، /ومنها/١ ما هو في ضمنه ويشهد له./وبنو/٢ آدم لهم مألوفات، إذا درجوا /عليها/٣ أحبوها وألفوها ولو فيها ضرر. ومن البلاوي على أهل القوت عامة، وعلى أهل نجد خاصة في دنياهم، القهوة، مع/ضعف/٤ معايشهم. وفي الماضي ما يستعملها إلا القليل، للبلد مجمع، وبعض القرى ما تعرفها. واليوم هذا الذي ترون، الغني والفقير، والمرأة والصغير، ولا يحصى ما يصرف فيها من /الأموال/٥؛ ولو كان ما فيها إلا /ضررا مفردا/٦، كيف وأول مضارها في الأبدان؟ وإذا كان الخمر يزيل العقل شربه، فهي شاهدناها تُخامر العقل عند فقدها، كذلك إضاعة المال، وفي مجالسها القليل والقال، وتُحوج/٧ الفقراء إلى السؤال، وتُلهي كثيرا من الناس عن الصلاة، وتضيع عليهم الأوقات، هذا، ولا تُروي ولا تغني من جوع، ومزرعها ومخرجها من بلد/الكفار/٨. وأما من/مضارها/٩ على أهل/ الجهاد/١٠ فظاهر معلوم إذا لاقوا العدو، /وأمرار/١١ تكون على شُرابها ويصرف فيها من بيت المال ما لو يصرف

стр. 840

في آلة الجهاد والفقراء والمساكين، كان هو الواجب. وتفهم أن عند خروجها حصل من أهل العلم فيها خوض، ومقتها بعض، وحرمها بعض، وهي ما بلغت/هذا/١ المبلغ. ومصرف أهل نجد فيه اليوم، وما يتعلق بها، ألوف، لو يضعها عليهم واضع ما حملتها عقولهم. والمطلوب تجيبون عن هذا، وتوضحون ما يجب فيها من حكم، ولا هو أول محظور/مُنع/٢ منه أهل نجد وامتنعوا، وهم –ولله الحمد - لهم قابلية، وإذا عرضت مضارها على العاقل منهم، شهد بها وعابها. وبعضهم يقول: نصرف فيها أكثر مما نصرف بالزاد. والإمام ٣ - أطال الله بقاءه، ووفقه لما يرضاه - قد حصل عنده فيها مجال، ويود سببا برفعها به عن رعيته. هذا، وإن وزنتها العقول السليمة، لا شك أنها لهو ولعب. وفقك الله للصواب. انتهى سؤاله. فأجاب –﵀ على سؤاله فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم عبد العزيز بن حسن، سلك الله به أهدى السنن. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على نعمه. والخط وصل، والسؤال عن القهوة وصل، مع اشتماله على الجزم بالحكم، واستيفاء الدليل بالتعليل/والتدليل/٤، وهذا

стр. 841

غاية ما يطلب من الجواب. ومن كانت له ملكة وعنده معرفة توجب الجزم بالحكم واليقين، والاستدلال على الأحكام والدين، فليس به حاجة إلى سؤال المستضعفين والقاصرين. نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه، والعصمة من القول عليه بلا علم. والكلام على القهوة قد سُبقنا إليه. وأفاضل أهل العلم كل منهم أبدى ما عنده وما لديه، وحسبنا السير على منهاجهم، واقتفاء آثارهم. وذكر المنقور ١ في مجموعة ٢ طرفا من ذلك ٣، والمجموع عند ابن مانع٤. وما ذكرت من أن مدار الشريعة على رفع المفاسد، وجلب المنافع، فنعم، هو ذاك، ولكن ينبغي أن يعلم أن المفاسد ما عارضت الأمر والنهي/الشرعيين/٥ بالفعل أو بالوسيلة، والمنافع المطلوبة مايحصل بها مقصود الشارع من الأمر والنهي بالفعل أو بالوسيلة، وبهذا تعلم فساد التعبير بقولك: رفع المفاسد؛ فإن هذا لا يرتفع، فالصواب

стр. 842

دفع المفاسد، لا رفع المفاسد. وقولك: منها ما صرح به الكتاب والسنة، ومنها ما /هو/١ في ضمنه؛ تقسيم فاسد، بل الكتاب والسنة صرحا بذلك وأوضحاه. قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٢، ولم يخرج فرد من ذلك. ولو قلت: فقد /صرح/٣ بذلك الكتاب والسنة أو /تضمناه/٤ لصلح التعبير. وقولك: ومن البلاوي على أهل الوقت عامة، وعلى أهل نجد خاصة في دنياهم، القهوة، مع ضعف معائشهم: فلا أدري ما يراد بالبلوى هنا، أهي الابتلاء في الدين، /أم/٥ هي الابتلاء بالنفقة فقط؟ فإن كان الأول، فلا يسلم بمجرد الدعوى، وإن كان الثاني، فالناس درجات وطبقات في اليسر والعسر والمعيشة، وتوسع الأغنياء إنما يذم لوجوه لا تختص بالقهوة أيضا، بل يجري في غير ذلك من سائر المباحات. وأما التعليل بأن فيها مضار للأبدان، فلا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه، فإن الأبدان الدموية والبلغمية تنتفع بها بلا نزاع، والسوداوي والصفراوي يمكنه التعديل بالتمر الذي هو غالب /غذاء/٦ أهل نجد. وقد قال داود في تذكرته: بعد لها كل حلو. وأما قولك: وإذا كان الخمر يزيل العقل عند شربه، فهي شاهدناها تخامر العقل عند فقدها، فهذا الكلام لا ينبغي أن يقال؛ لأن الخمر يزيل العقل بمخامرته أي تغطيته، وهي لا تزيل العقل ولا تخامره، بل ربما كان شاربها أقوى الذهن، حاد الإدراك، جيد الحافظة. والموجود عند فقدها لا يسمى مخامرة، وإنما هو كسل.

стр. 843

وفتور لها، لا بها، فافهم أيها الأخ، "واعط القوس باريها" ١. وأما قولك: وإذا عرضت مضارها على العاقل منهم شهد بها وعابها: فيقال: أي عاقل يراد هنا؟ أما العامة ومن لا عناية له بمعرفة الأحكام الشرعية والأصول الدينية، فعقولهم لا تصلح أن تكون ميزانا ٢ أو أن تستقل بحكم. وأما أهل العلم والدين وأهل البصائر من ورثة سيد المرسلين، فعقولهم يُرجع إليها مع اتفاقهم ٣. وإن اختلفوا فالميزان هو الكتاب والسنة. وقولك: وإذا وزنتها العقول السليمة، لا شك أنها لهو ولعب: فاللهو واللعب ما لا يعود بمنفعة أصلا، أو يعود بمضرة رجحت على مصلحته، وإدخال القهوة في هذا التعريف يحتاج إلى أصول ومقدمات؛ "لو يعطى الناس بدعواهم ... " الحديث ٤. وما ذكرت من التعاليل قد يجري في كل مباح؛ كإضاعة المال، والاجتماع على القيل والقال، والحاجة إلى السؤال. وليس ذلك الوصف لازما للقهوة. وكذلك تُلهي كثيرا من الناس عن الصلاة، وتضيع عليهم الأوقات، فهذا قد يجري لأهل الشهوات والمبايعات والمزاورات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية ٥.

стр. 844

وأما كونها لا تغني من جوع ولا تروي، فهذا الوصف يأتي على كثير مما تتعاطونه من المباحات ولم تأت الشريعة بتحريم ما لا يغني من جوع ولا يروي ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ ١. وأما كون مزرعها من بلاد الكفار، فمتى كان عندكم امتناع عما زرعه الكفار، ونسجه الكفار، وخرج من بلاد الكفار، وجمهور أموالكم ومأكلكم من هذا الضرب، " ثكلتك أمك يا معاذ" ٢ أو "ويح عمار" ٣، قد كانت. /المدينة/٤ في عهد النبوة، يجلب إليها من بلاد الكفار أنواع المآكل والأدهان والملابس التي نُسجت وصبغت ببلاد الكفار، كما لا يخفى على من له أدنى نظر في الأخبار. وأما ما زعمت من ضررها على أهل الجهاد، فمن الظرائف التي لا يستظرفها

стр. 845

إلا فقيه النفس، ذكي الطبع، وربما قبل بعكس القضية ١ لما فيه من تنشيف البلغم وتجفيف المواد المكسلة الرديَّة. وأما قولك: ويصرف فيها من بيت المال كيت وكيت، فمتى صار النظر –أصلحك الله - منصرفا إلى توفير/هذه/٢ الجهة، ووضعها في مواضعها الشرعية، والصرف في المباح أولى من الصرف في المحرم الصرف. وأما اختلاف أهل العلم عند خروجها، لو قيل: عند حدوثها، لكان أليق باللغة الشرعية، فنعم هو ذاك، ولكن لا دليل فيه على المنع. وقد قيل: تخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلا على شجب والخلف في الشجب ٣ وأما صرف الأموال العظيمة من أهل نجد، فهذا القول من جنس ما قبله، فإن مجاوزة الحد في كل مباح، داخلة في حقيقة السرف، والمحرم/نفس/٤ السرف، ولو في المآكل الضرورية. ولو صرف الأخ النجيب فكرته ونظر إلى ما تعطل من أصول الدين، ودعائم الملة، وما تلاعب به الجهال من الأحكام الشرعية الدينية، وما دهم أهل نجد في هذه السنين من قبض العلم، وارتفاع الجهال، وترك الالتفات إلى تربية أهل الملة، بتعليم ما يحتاجونه من أصول دينهم، وما جاء به عن نبيهم ﷺ ، والتفطن لذلك، والاهتمام به، وصرف الهمة إلى تحصيله، وأن لا يطلب على الفضلة إن طُلب؛ لكان هذا أولى وأجدر أن تقع المذاكرة فيه، والسؤال عنه. وأما أمر القهوة، فقد كفانا شأنه من سلف من أهل العلم والدين ٥.
следующие страницы →