الرسالة الثانية والثمانون: الكلام على البسملة
...
الرسالة الثانية والثمانون١
قال جامع الرسائل:
وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن أيضا كلام على بسم الله الرحمن الرحيم وجده الكاتب بعد الرسائل التي في الهامش، قال –قدس الله روحه ونور ضريحه-:
في بسم الله الرحمن الرحيم أربعة مواضع، تدل على وجوب توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له.
الأول: في متعلق الباء، إذا قُدر متأخرا فإنه يفيد الحصر والاختصاص، وتقديره: بسم الله أُؤَلِّف لا باسم غيره. لأن المشركين يستعينون بأسماء آلهتهم، كالمسيح ومريم واللات والعزى ونحو ذلك.
والموحد يخص الله –سبحانه - ويفرده باستعانته، كما يخصه ويفرده بركوعه وسجوده، وغير ذلك من عباداته.
والموضع الثاني: في اسمه الله. فإنه دال على أنه –سبحانه - هو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، بما فيه من المعنى الموضوع له وهو عَلَمِيتَّه على ذي الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. فسره به حبر الأمة ابن عباس ٢. وكلام غيره يدل على ذلك أيضا.
والموضع الثالث: في وصفه –تعالى - بالرحمن؛ فإنه صفة دلت على أنه –تعالى - اتصف بغاية الرحمة ومنتهاها. ومَنْ هذا وصفه وهذا رحمته فقصد غيره وعبادة سواه ورجاؤه من أضل الضلال وأبطل الباطل وأسفه السفه، وهكذا الاستدلال بجميع صفات الكمال كالعلم والقدرة وغير ذلك.
الموضع الرابع: في اسمه الرحيم؛ فإن معناه: الذي أوصل ويوصل إلى عباده غاية
стр. 877
الرحمة ومنتهاها، وكل ما في الموجودات من أنواع النعم والهداية والخيرات فمن رحمته وفضله وإحسانه. فمن هذا فعله بعبيده، وهذه رحمته لهم هو الذي يستحق ويجب أن يعبد ويقصد ويرجى ويناب إليه، والعدول إلى غيره ضلال بعيد، وجهل عظيم، وشرك وخيم. ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ١. ومن تأمل ما في الكتاب والسنة من صفات الكمال ونعوت الجلال، فتح له باب عظيم في معرفة الله وحقه، ووجوب توحيده –تعالى - وتقدس عن أن يكون له شريك. والله أعلم.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
стр. 878
ثالثا: الرسائل الخاصة بالفتن
الرسالة الثالثة والثمانون: إلى عبد الرحمن بن إبراهيم
...
الرسالة الثالثة والثمانون١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا ﵀ وعفا عنه - رسالة إلى عبد الرحمن بن إبراهيم "ابا الغنيم" يعظه فيها عن مجالسه من افتتن بموالاة أعداء الله ورسوله، من العساكر الهاجمة على بلاد المسلمين. والتحذير من رسالة ابن عجلان. وقد سماها الشيخ – ﵀: "حبالة الشيطان" وذكر أنها دهليز يفضي إلى استباحة موالاة المشركين، والاستنصار بهم، وكذلك ذكر فيها حكم المتغلب إذا كان مسلما، وأن ما وقع منه من الظلم والغشم وسفك الدماء ونهب الأموال، كل ذلك لا يوجب الخروج عليه، ولا نزع اليد من طاعته. وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ عبد الرحمن بن إبراهيم "أبا الغنيم"، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
والخط وصل – وصلك الله بالفقه والبصيرة، وأصلح لك العمل والسريرة - وما ذكرت من المحبة والمودة، فما كان لله يبقى وإن طال الزمان به، ويذهب ما سواه.
والذي أوصيك به تقوى الله – ، والنظر في سبب ما جرى عند هذه الفتنة الظلماء، من المهاجرة بيننا والمقاطعة، وشرحه لك فيه تذكرة وموعظة.
لما وقعت الفتنة نأيت بجانبك عن الاسترشاد والاستفادة، واستحسنت المراء في الدين واللجاج، صدر منك ذلك في غير ما مجلس، حتى أسأت الأدب في السوق، وخاطبتني خطب من لا يدري الحقائق، ولا يهتدي لأوضح المسالك والطرائق، ونظرت بعين، وغمضت الأخرى، ونكبت عما هو أولى بالإصابة وأخرى، وأقبلت في
стр. 879
تلك الأيام على الملإ المفتونين بخطوط العساكر التي وصلت إلى بلدتنا، وأنت تدري ما فيها من الصد عن سبيل الله وهدم دينه، ومطاردة أوليائه، والتنويه بذكر أعداء الله، والدعوة إلى طاعتهم، والدخول تحت أمرهم، وتخويف المسلمين منهم. وقد صرح كثير من الناس بالدخول تحت أمرهم، وظهر الفرح والسرور من كثير ممن يدعي الإسلام، وأنت أيها الرجل ممن يتردد إلى هؤلاء المفتونين، ويأنس ببعضهم، ويصغي إلى شبهاتهم وجهالاتهم، ولم تلتفت إلى بحث ومحاقة ولا استرشاد، كما هو الواجب لله عند تلك الفتنة والشبهات، لكنك غلَّبت جانب الهوى، وأكثرت تلك الأيام من مجالسة من يضر ولا ينفع، ولا يني ١ /من/٢ إغوائه ولا ينزع، وقد جاء الأثر: أن من جالس صاحب البدعة نزعت من العصمة ٣. فكيف بما هو أكبر من البدعة وأعظم؟!.
ولم يبلغني عنك تلك الأيام ما يسرني، من قيام لله، ونصرة لدينه، اللهم إلا ما جرى على لسانك من دعوى البراءة من الشرك وأهله على سبيل الإجمال، لا التفصيل. وقد علم الله أن العبرة بالحقائق،/و/٤ ليس الإيمن بالتمني ولا
стр. 880
بالتحلي، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ١.
ولم تزل على ما وصفنا، تطير مع من طار، وتغير علينا بالتخطئة، والمراء مع من أغار، ومثلك كان يظن به الخير، ويأسى عليه الصاحب، وأنت وإن لم تكن كل الفقيه والطالب، فقد حنكتك التجارب، وقعدتك الحوادث والمذاهب، لولا ما عارضها من صحبة جلساء السوء، الذي يدعونك إلى أهوائهم وأغراضهم الفاسدة، لا سيما أخصهم لديك وأحبهم إليك، فإنه – كما قيل: "المس مس أرنب، والطبع طبع ثعلب" ٢. وقد اتهم في السعي فيما يقوي عضد المشركين، ويوهن عزم الموحدين، وإلى الله المصير، وهو الحكم بيننا وبين من أعان على هدم الإسلام من صغير وكبير، ومأمور وأمير.
стр. 881
وأيضا، فأهل الإحساء قد اشتهر حالهم، وأنهم ألقوا لسلم إلى عساكر الدولة ١ واختاروا ولايتهم، وصرحوا بطاعتهم، ونصروهم بالقول، وعاملوهم معاملة الأخ مع أخيه، بل جاءت خطوط التجار المترفين أولي النعمة بتزكيتهم والثناء عليهم، وانتصب ولدك لخدمتهم، وقضاء حوائجهم، ولم يظهر لي منك قيام بحق الله عند هذه الدواهي العظام، التي تمانع الإيمان والقرآن والإسلام، وتنتثر منه عقد النظام، والله أعلم بسرك، وهو الرقيب عليك، لكني أحكي ما ظهر لي منك ذاك الوقت، وقد ظهر أثر ما ذكرنا، وعقوبة ما أليه أشرنا، بإقبالك واشتغالك بحبالة الشيطان "رسالة ابن عجلان"، فطرت بها طيران من لا يلوي على أهل ولا صاحب، كأنها العهد الرباني، والوصية النبوية، واشتغلت بقراءتها وسماعها مع جماعة من العوام والصبيان. وتلك الرسالة دهليز ٢ يفضي إلى استباحة موالاة المشركين، والاستنصار بهم على المسلمين، والحكم على عصر شيخ الإسلام ابن تيمية – من أهل مصر والشام - بالشرك والمكفرات.
وفيها ٣ أ، جلب عباد الأصنام إلى بلد الإسلام، والاستعانة بهم على من خرج عن الطاعة، ليس بذنب. ولولا أن حجاب الجهل والهوى من أكثف الحجب وأغلظها، لتبين شناعة ما فيها للناظرين من أول وهلة، وبمجرد الفطرة. "شعر":
أَكُل امرئ تحسبين أمرّأ ... ونار تُوقد في الليل نارا ٤
ثم هنا مسألة أخرى، وداهية كبرى، دهى بها الشيطان كثيرا من الناس، فصاروا
стр. 882
يسعون فيما يفرق جماعة المسلمين، ويوجب الاختلاف في الدين، وما ذمه الكتاب المبين،/ويقتضي الإخلاد/ ١ إلى الأرض، وترك الجهاد، ونصرة رب العالمين، ويقضي إلى منع الزكاة، وشب نار الفتن والضلالات، فتلطف الشيطان في إدخال هذه المكيدة ونصب لها حججا ومقدمات، وأوهم أن طاعة بعض المتعلِّبين، فيما أمر الله به ورسوله /من/٢ واجبات الإيمان، وفيما فيه دفع عن الإسلام وحماية لحوزته؛ لا تجب – والحالة هذه - ولا تشرع.
/ولم يدر/٣ هؤلاء المفتونين، أن أكثر غلاة أهل الإسلام من عهد يزيد بن معاوية ٤ -حاشا عمر بن عبد العزيز ﵀ ٥، ومن شاء الله من بني أمية-٦ قد وقع منهم ما وقع من الجرأة والحوادث العظام، والخروج والفساد في ولاية أهل الإسلام، ومع ذلك، فسيرة الأئمة الأعلام والسادة العظام معهم، معروفة مشهورة، لا ينزعون يدا من طاعة، فيما أمر الله به ورسوله من شرائع الإسلام، وواجبات الدين. وأضرب لك مثلا بالحجاج بن يوسف الثقفي ٧، وقد اشتهر أمره في الأمة بالظلم
стр. 883
والغشم والإسراف في سفك الدماء، وانتهاك حرمات الله، وقتل من قتل من سادة الأمة؛ كسعيد بن جبير١، وحاصر ابن الزبير ٢، وقد عاذ بالحرم الشريف. واستباح الحرمة، وقتل ابن الزبير ٣، مع أن ابن الزبير قد أعطاه الطاعة، وبايعه أهل مكة والمدينة واليمن، وأكثر سواد العراق، والحجاج نائب عن مروان ٤ ثم عن ولده عبد الملك ٥ ولم يعهد أحد من الخلفاء إلى مروان، ولم يبايعه أهل الحل والعقد، ومع ذلك، لم يتوقف أحد من أهل العلم في طاعته، والانقياد له، فيما تسوغ طاعته فيه، من أركان الإسلام وواجباته.
وكان ابن عمر ٦ ومن أدرك الحجاج من أصحاب رسول الله ﷺ لا ينازعونه، ولا يمنعون من طاعته فيما يُقومُ به الإسلام، ويكمل به الإيمان، وكذلك
стр. 884
من في زمنه من التابعين؛ كابن المسيب، ١ والحسن البصري، ٢ وابن سيرين، ٣ وإبراهيم التيمي، ٤ وأشباههم من سادات الأمة. واستمر العمل على هذا بين علماء الأمة من سادات الأمة وأئمتها، يأمرون بطاعة الله ورسوله ﷺ ، والجهاد في سبيله مع كل إمام بر وفاجر، كما هو معروف في كتب أصول الدين، والعقائد ٥.
وكذلك بنو العباس، استولوا على بلاد المسلمين، قهرا بالسيف، لم يساعدهم أحد من أهل العلم والدين، وقتلوا خلفا كثيرا، وجما غفيرا من بني أمية وأمرائهم ونوابهم، وقتلوا ابن هبيرة ٦ أمير العراق، وقتلوا الخليفة مروان ٧، حتى نقل أن السفاح ٨ قتل
стр. 885
في يوم واحد نحو الثمانين من بني أمية، ووضع الفرش على جثثهم وجلس عليها، ودعا بالمطاعم والمشارب١، ومع ذلك فسيرة الأئمة، كالأوزاعي ٢ ومالك ٣ والزهري ٤، والليث بن سعد ٥، وعطاء بن أبي رباح ٦، مع هؤلاء الملوك، لا تخفى على من له/أدنى/٧ مشاركة في العلم/ والإطلاع/٨. والطبقة الثانية من أهل العلم؛ كأحمد بن حنبل ٩، ومحمد بن إسماعيل ١٠،
стр. 886
محمد بن إدريس،١ /ومحمد بن نوح،/٢ وإسحاق بن راهوية،٣ وإخوانهم؛ وقع في عصرهم من الملوك ما وقع من البدع العظام وإنكار الصفات ٤ ودعوا إلى ذلك وامتحنوا فيه، وقُتل من قتل، كمحمد بن نصر ٥ ومع ذلك فلا يعلم أن أحدا منهم نزع يدا من طاعة، ولا رأى الخروج عليهم.
وإلى الآن يبلغني عنك أنتك تميل إلى ذلك الضرب من الناس الذين ويصفنا حالهم، فرضيت بهم في أمر دينك، وضربت عن سيرة الأئمة صفحا، وطويت على هجرها كشحا ٦. فإن تبين لك هذا، ومَنَّ الله عليك بمعرفته، فأنت أخونا وصاحبنا القديم العهد، والجرح جبار، ولا حرج ولا عار، وإن بقيت عندك شبهة أو جادل مجادل، فاكتب واسأل كشفها، ولا تكتمها، فإني أحشى عليك قطاع الطرق، لا سيما عند
стр. 887
فقد رفق الرفيق والعدة. فإن حاك في صدرك شيء فأكثر من التضرع إلى الله، والتوسل بالأدعية المأثورة، ومنها ما في حديث الاستفتاح ١ وكرر النظر فيما اشتمل عليه تاريخ ابن غنام ٢ من كلام شيخ الإسلام – ﵀ ٣، فقد بسط القول في هذه المسألة في رسائله واستنباطه، ورأيت له عبارة يحسن ذكرها، قال – ﵀:
"لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان، وبإجماع أهل العلم/أنهم/٤ لا يقال فيهم إلا الحسنى، مع أنهم عثوا في دمائهم، ومعلوم أن كلا من الطائفتين [أهل العراق وأهل الشام] ٥ معتقدة أهها على الحق والأخرى ظالمة، ونبغ من أصحاب علي من أشرك بعلي، وأجمع ٦ الصحابة على كفرهم وردتهم وقتلهم، [ولكن حرقهم علي، وابن عباس يرى قتلهم بالسيف] ٧ أَتُرى أهل الشام لو حملتهم مخالة علي على الاجتماع بهم والاعتذار عنهم، والمقاتلة معهم – لو امتنعا - أترى/إن/٨ أحدا من الصحابة شك في كفر من التجأ إليهم، ولو أظهر البراءة من اعتقادهم؟ وإنما التجأ إليهم [وزيّن مذهبهم] ٩؛ لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان.
قال – ﵀:
فتفكر في هذه/القضية/١٠ فإنا لا بتقي شبهة إلا على من أرادالله فتنته".
стр. 888
انتهى كلامه ١ والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 889
الرسالة الرابعة والثمانون: إلى زيد بن محمد وصالح بن محمد الشثري
...
الرسالة الرابعة والثمانون١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا -/﵀/٢ - رسالة إلى زيد بن محمد ٣ وصالح/بن محمد/٤ الشتري ٥ /-رحمهما الله تعالى-/٦ وهي من آخر ما كتب – رحمه الله تعالى وعفا عنه.
ثم اعلم أن كل من دعا إلى الله، وجاهد في الله/ولله/٧، فلا بد أن يؤذى وينال منه، والعاقبة للمتقين،/وهذا نصها/٨:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخوين المكرمين زيد بن محمد، وصالح/بن محمد/٩ الشتري،/سلمهما/١٠ الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
стр. 890
فأحمد /إليكما/١ الله الذي لا إله إلا هو، على نعمه، والخط وصل، وصلكم الله ما يرضي÷ وما/ذكرتما/٢ كان معلوما، وموجب تحرير هذا، ما بلغني بعد قدوم عبد الله ٣ وغزوه، من أهل الفرع، وما جرى ليدكم من تفاصيل الخوص في أمرنا والمراء والغيبة، وإن كان قد يلغني أولا كثيرا من ذلك، لكن بلغني من ذكر تفاصيل ما ظننتها.
فأما ما صدر في حقي من الغيبة والقدح والاعتراض والمسبة، ونستبي إلى الهوى والمعصية، فتلك أعراض انتهكت وهُتكت في ذات الله، أعدها لديه جل وعلا ليوم فقر ي وفاقتي، وليس الكلام فيها.
والقصد بيان ما أشكل على الخواص، والمنتسبين من طريقتي في هذه الفتنة العمياء الصماء. فأول ذلك مفارقة سعود ٤ لجماعة المسلمين، وخروجه على أخيه. وقد صدر منا من الرد عليه وتسفيه رأيه، ونصيحته ولد عايض ٥ وأمثاله من الرؤساء، عن متابعته والإصغاء إليه، ونصرته، وذكرناه بما ورد من الآثار النبوية، والآيات القرآنية، بتحريم ما فعل، والتغليظ على من نصره، ولم نزل على ذلك إلى أن وقعت وقعة جودة ٦، فثل عرش الولاية، وانتشر نظامها وحبس محمد بن فيصل ٧. وخرج الإمام عبد الله شاردا، وفارقه أقاربه وأنصاره ٨ وعند وداعه وصته بالاعتصام بالله، وطلب النصر منه
стр. 891
وحده، وعدم الركون إلى الدولة الخاسرة ١.
ثم قدم علينا سعود ٢ بمن معه من العجمان ٣ والدواسر ٤ وأهل الفرع، وأهل الحريق، وأهل الأفلاج، وأهل الوادي ٥، ونحن في قلة وضعف، وليس في بلدنا من يبلغ الأربعين مقاتلا.
стр. 892
فخرجت إليه، وبذلك جهدي، ودافعت عن المسلمين ما استطعت؛ خشية استباحة البلدة، ومعه من الأشرار وفجار القراء، من يحثه على ذلك/ ويتفوه/١ بتكفير بعض رؤساء أهل بلدتنا، وبعض الأعراب يطلقه بانتسابهم إلى عبد الله بن فيصل. فوقى الله شر ذلك الفتنة، ولطف بنا، ودخلها بعد صلح وعقد، وما جرى من المظالم والنكث دون ما كنا نتوقع، وليس الكلام بصدده وإنما الكلام في بيان ما نراه ونعتقده.
وصارت له ولاية بالغلبة والقهر، تنفذ بها أحكامه، وتجب طاعته في المعروف، كما عليه كافة أهل العلم على تقادم الأعصار، ومر الدهور. وما قيل من تكفيره لم يثبت لديَّ. فسرتُ على آثار أهل العلم، واقتديت بهم في الطاعة في المعروف، وترك الفتنة، وما توجب/من/٢ الفساد على الدين والدنيا؛ والله يعلم أني بار راشد في ذلك، ومن أشكل عليه شيء من ذلك، فليراجع كتب الإجماع؛ كمصنف ابن جزم ٣ ومصنف ابن هبيرة ٤ وما ذكره الحنابلة وغيرهم. وما ظننت أن هذا يخفى على من له أدنى
стр. 893
تحصيل وممارسة، وقد قيل:"سلطان ظلوم، خير من فتنة تدوم" ١ وأما الإمام عبد الله فقد نصحت له – كما تقدم - أشد النصح، وبعد مجيئه لما أخرج شيعة عبد الله سعودا، وقدم من الإحساء، ذاكرته في النصيحة وتذكيره بآيات الله وحقه، وإيثار مرضاته، والتباعد عن أعدائه وأعداء دينه، أهل التعطيل والشرك والكفر، البواح/٢؛ وأظهر التوبة والندم ٣.
واضمحل أمر سعود، وصار مع شرذمة من البادية حول آل مرة ٤، والعجمان. وصار لعبد الله غلبة، ثبتت بها ولايته، على ما قرره الحنابلة وغيرهم، كما تقدم أن عليه عمل الناس، من أعصار متطاولة.
ثم ابتلينا بسعود، وقدم إلينا مرة ثانية، وجرى ما بلغكم من الهزيمة على عبد الله وجنده ٥، ومر بالبلدة منهزما، لا يلوي على أحد، وخشيت من البادية، وعجلت إلى سعود كتابا في طلب الأمان لأهل البلدة، وكف البادية عنهم، وباشرت نفسي مدافعة الأعراب مع شرذمة قليلة، من أهل البلد؛ ابتغاء ثواب الله ومرضاته، فدخل
стр. 894
البلد، وتوجه عبد الله إلى الشمال، وصارت الغلبة لسعود، والحكم يدور مع علته ١.
وأما بعد وفاة سعود ٢، فقدم الغزاة ومن/ معهم/٣ من الأعراب العتاة، والحضر الطغاة، فخشينا الاختلاف، وسفك الدماء، وقطيعة الأرحام بين حمولة ٤ آل مقرن ٥، مع غيبة عبد الله، وتعذر مبايعته ٦، بل ومكاتبته؛ ومن ذكره يخشى على ماله ونفسه. أفيحسن أن يُترك المسلمون وضعفاؤهم نهبا وسبيا للأعراب والفجار وقد تحدثوا بنهب الرياض قبل البيعة، وقد رامها من هو شر من عبد الرحمن ٧ وأطغى، ولا يمكن ممانعتهم ومراجعتهم، ومن توهم أنِّي وأمثالي أستطيع دفع ذلك، مع ضعفي، وعدم سلطاني وناصري، فهو من أسفه الناس، وأضعفهم عقلا وتصورا.
ومن عرف قواعد الدين، وأصول الفقه، وما يطلب من تحصيل المصالح، ودفع
стр. 895
المفاسد، لم يشكل عليه شيء من هذا، وليس الخطاب مع/ الجهلة/١، والغوغاء، وإنما الخطاب معكم معاشر القضاة والمفاتي، والمتصدون لإفادة الناس، وحماية الشريعة المحمدية. وبهذا ثبتت بيعته، وانعقدت ٢، وصار من ينتظر غائبا لا تحصل به المصالح، فيه شبه ممن يقول بوجوب طاعة المنتظر، وأنه لا إمامة إلا به ٣.
ثم إن حمولة آل سعود، صارت بينهم شحناء وعداوة، والكل يرى له الأولوية بالولايةوصرنا نتوقع كل يوم فتنة، وكل ساعة محنة، فلطف الله بنا وخرج ابن جلوي ٤ من البلدة، وقتل ابن صنيتان ٥ وصار لي إقدام على محاولة عبد الرحمن في
стр. 896
الصلح وترك الولاية لأخيه عبد الله، فلم آل جهدي في تحصيل ذلك، والمشورة عليه، مع أني قد أكثرت فيذلك حين ولايته، [ولكن رأيته ضيعف العزم، لا يستبد برأيه] ١ فيسر الله قبل قدوم عبد الله بنحو أربعة أيام، أنه وافق على تقديم عبد الله، وعزل نفسه بشروط اشترطها، بعضها غير سائغ شرعا.
فلما نزل الإمام عبد الله ساحتنا، اجتهدت إلى أن محمد/بن/٢ فيصل ٣ يظهر إلى أخيه ويأتي بأمان لعبد الرحمن وذويه، وأهل البلد، وسعيت في فتح الباب واجتهدت في ذلك، ومع ذلك كله، لما ٤ خرجت للسلام عليه، وإذا أهل الفرع وجهلة البوادي، ومن معهم من المنافقين، يستأذنونه في نهب نخيلنا وأموالنا. ورأيت معه بعض التغيير والعبوس، ومن عامل الله ما فقد شيئا، ومن ضيع الله ما وجد شيئا، ولكنه بعد ذلك أظهر الكرامة ولين الجانب، وزعم أن الناس قالوا ونقلوا، "وبئس مطية الرجل زعموا"٥، وتحقق عندي دعوى التوبة، فأظهر لديّ الاستغفار والتوبة والندم، وبايعته على كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
هذا مختصر القضية ٦، ولولا أنكم من طلبة العلم، والممارسين الذين يكتفون بالإشارة، وأصول المسائل، لكتبت رسالة مبسوطة، ونقلت من نصوص أهل العلم
стр. 897
وإجماعهم، ما يكشف الغمة، ويزيل اللبس. ومن بقي عليه إشكال، فليرشدنا ﵀. ولو أنكم أرسلتم بما عندكم مما يقرر هذا أو يخالفه، وصارت المذاكرة، لا تكشف الأمر من أول وهلة، ولكنكم صممتم على رأيكم، وترك النصيحة/ممن/١ كان عنده علم، واغتر الجاهل، ولم يعرف ما يدين الله به في هذه القضية، وتكلم بغير علم، ووقع اللبس/والخلط/٢ والمراء والاعتداء في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وهذا بسبب سكوت الفقيه، وعدم البحث، واستغناء الجاهل بجهله، واستقلاله بنفسه.
وبالجملة، فهذا الذي نعتقد وندين به، والمسترشد يذاكر ويبحث، والظالم والمتعدي حسابنا وحسابه إلى الله، الذي تنكشف عنده السرائر، وتظهر فيه مخبآت الصدور والضمائر، يوم يبعث ما في القبور، ويحصَّل ما في الصدور.
وأما ما ذكرتم من التنصل والبراءة، مما نسب في حقي إليكم، فالأمر سهل، والجرح جبار، ولا حرج ولا عار. وأوصيكم بالصدق مع الله، واستدراك ما فرطتم فيه من الغلظة على المنافقين ٣، الذين فتحوا للشرك كل باب، وركن إليهم كل منافق كذاب، وتأملوا قوله تعالى بعد نهيه عن موالاة الكافرين: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ/٤﴾ الآية ٥.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، /إلى يوم الدين/٦.
стр. 898
الرسالة الخامسة والثمانون: إلى علي بن محمد وابنه في شأن الفتنة
...
الرسالة الخامسة والثمانون١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا/-قدس الله روحه، ونور ضريحه-/٢ رسالة/أرسلها/٣ إلى علي بن محمد وابنه محمد آل موسى ٤ وقد ذكروا له في أمر هذه الفتنة والحوادث، وما حصل في ضمنها من عظيم الكوارث، فبين لهما – ﵀ مبدأ هذه الفتنة، والحكم في أهلها وجندها؛ لأنه قد خفي على بعض المنتسبين إلى العلم والدين، حقيقة الحكم الشرعي، والقول الصواب المرضي؛ /وهو/:٥ أن من استولى على المسلمين بالغلبة والسيف، فالبيعة ثابتة له؛ تنفذ أحكامه، وتصح إمامته، باتفاق أهل العلم والدين، وأئمة الإسلام، لا يختلف في ذلك منهم اثنان ٦. وأنهم يرون المنع من الخروج عليه بالسيف، وتفريق الأمة، وإن/كانت/٧ الأئمة ظلمة فسقة، ما لم يرو/كفرا/٨ بواحا ٩.
وقد جرى في تلك الفتنة، من الخوض، والمراء، والجدال، والاضطراب، والإعراض عن منهج السنة والكتاب، ما عم ضرره، وطار في الأقطار شرره، وصار سببا وسلمّا، لولاية المشركين، وارتداد المرتدين، وخفض أعلام الملة والدين، وذريعة إلى استباحة دماء المسلمين، وهتك أعراض عباده المؤمنين، وهذا نص الرسالة:
стр. 899
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخوين المكرمين علي بن محمد وابنه محمد بن علي، سلمهما الله تعالى من الأهواء، وحماهما نم طوارق المحن والبلوى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فأحمد إليكما الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، والخط وصل، وصلكما الله ما يرضيه، وجعلكما ممن يحبه ويتقيه، وما ذكرتما صار معلوما.
و/ها/ ١ الحوادث والفتن أكثر مما وصفتم، وأعظم مما إليه أشرتم، كيف لا وقد تلاعب الشيطان بأكثر المنتسبين،/وصار/٢ سُلَّما لولاية المشركين، وسببا لارتداد المرتدين، وموجبا لخفض أعلام الملة والدين، وذريعة إلى تعطيل توحيد رب العالمين وإلى استباحة دماء المسلمين، وهتك أعراض عباده المؤمنين. فتنة لا يصل إليها حديث ولا قرآن ٣ ولا يرعوى أبناؤها عما يهدم الإسلام والإيمان، يعرف ذلك من منَّ الله عليه بالعلم والبصيرة، وصار على حظ من أنوار الشريعة المطهرة المنيرة، وعلى نصيب من مراقبة عالم السر والسريرة.
وقد عرفتم مبدأ هذه الفتنة، وأولها، والحكم في أهلها وجندها، ثم صار لهم دولة
стр. 900
بالغلبة والسيف، واستولوا على أكثر بلاد المسلمين، وديارهم، وصارت الإمامة لهم بهذا الوجه، ومن هذا الطريق، كما عليه العمل عند كافة أهل العلم من أهل الأمصار في أعصار متطاولة.
وأوّل ذلك ولاية آل مروان، لم تصدر لا عن بيعة، ولا عن رأي، ولا عن رضا من أهل العلم والدين بل بالغلبة؛ حتى صار على ابن الزبير ١ ما صار، وانقاد لهم سائر أهل القرى والأمصار.
وكذلك مبدأ الدولة العباسية، ومخرجها من خراسان، وزعيمها رجل فارسي يُدعى أبا مسلم ٢، صال على من يليه، ودعا إلى الدولة العباسية، وشهر السيف وقتل من امتنع عن ذلك، وقاتل عليه، وقتل ابن هُبيرة ٣ أمير العراق، وقتل خلقا/ كثيرا/٤ لا يحصيهم إلا الله، وظهرت الرايات السود العباسية، وجاسوا خلال الديار قتلا ونهبا، في أواخر القرن الأول ٥، وشاهد ذلك أهل القرن الثاني والثالث من أهل العلم والدين وأئمة الإسلام؛ كما لا يخفى على من شم رائحة العلم، وصار على نصيب من معرفة التاريخ وأيام الناس.
وأهل العلم مع هذه الحوادث، متفقون على طاعة من تغلَّب عليهم في المعروف، يرون نفوذ أحكامه، وصحة إمامته، لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج
стр. 901
عليهم بالسيف، وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة ظلمة فسقة، ما لم يروا كفرا بواحا. ونصوصهم في ذلك موجودة عند الأئمة الأربعة، وغيرهم ١، وأمثالهم ونظرائهم.
إذا عرفت هذا، فالحاصل في هذا العصر، بين أهل نجده، حكم أمثاله من الحوادث السابقة، في زمن أكابر الأئمة؛ كما قدمنا. وصارت ولاية المتغلب ثابتة، كما إليه أشرنا، ووقع اتفاق ممن ينتسب إلى العلم لديكم على هذا؛ كالشيخ إبراهيم الشتري في الحوطة، وحسين ٢ وزيد ٣ في الحريق؛ وخطوطهم عندنا محفوظة معروفة، فيها تقرير إمامة سعود ٤، ووجوب طاعته ودفع الزكاة إليه، والجهاد معه، وترك الاختلاف عليه، كل هذا موجود بخطوطهم، فلا جرم، قد صار العمل على هذا والاتفاق.
стр. 902
ثم تَوَقَّى الله/ سعودا/١، واضطرب أمر الناس، وخشينا الفتنة، واستباحة /الحرمات/٢؛ من باد وحاضر، وتوقعنا حصول ذلك، وانسلاخ أمر المسلمين، فاستصحبنا ما ذكر وبنينا عليه ٣، واختار أهل الحل والعقد. من حمولة آل سعود ومن غيرهم ومن يليهم – نصب عبد الرحمن بن فيصل ٤، وذلك صريح في عدم الالتفات منهم إلى ولاية غير/آل/٥ سعود؛ ولذلك كتبنا في الرسائل التي فيها الإخبار بالبيعة، والنهي عن سلوك طريق الفتن والاختلاف، وأن يكون المسلمون يدا واحدة، وذكَّرناهم بالبيعة، والنهي عن سلوك طريق الفتن والاختلاف، وأ، يكون المسلمون يدا واحدة، وذكرناهم قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٦، ونحو ذلك من الآيات، وبعضا مما ورد من الأحاديث الصحيحة ٧.
فترك بعض من لديكم هذا المنهج، وسلكوا طريقا وعرة، تفضي إلى سفك الدماء، واختلاف الكلمة، وتضليل من خالفهم، ودعا بعضهم إلى ذلك واستحسنه، من غير مشورة ولا بينة، ولم ينصحوا إخوانهم ويوضحوا لهم وجه الإصابة، فيما اختاروه وما
стр. 903
ارتضوه، وكان الواجب على من عنده تعلم أن ينصح الأمة، بل وينصح أولا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ١. ويكرر الحجة، وينظر في الدليل، ويرشد الجاهل، ويهدي الضال، بحسن البيان وتقرير صواب المقال. لكنهم أحجموا عن ذلك كله، ولم يلتفتوا إلى المحاقة ٢، والله هو ولي الهداية، الحافظ الواقي من موجبات الجهل والغواية.
وقد أوجب البيان، وترك الكتمان، وأخذ الميثاق على ذلك ٣ على من عنده علم وبرهان.
وهذا هو صورة الأمر وحقيقة الحال، وقد عرفتموه أولا وآخرا في المكاتبات الواردة عليكم، فلا يلتبس/ عليكم/٤ الحال، ولا يشتبه سبيل الهدى بالجهل والضلال/واذكروا /٥ قوله/تعالى/٦ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ ٧.
إذا رضي الحبيب فلا أبالي ... أقام الحي أم جد الرحيل ٨
وأما الصلح بين المسلمين؛ فهو من واجبات الإيمان والدين، ولكن يحتاج
стр. 904
/إلى قوة/١ وبصيرة، يحصل بها نفوذ ذلك والإجبار عليه، فإن/ وجدت/٢ إلى ذلك سبيلا، فاذكره/٣ لي، /ولا آلو/٤ جهدا -إن شاء الله - فيما يكف الفتن، ويصلح به بين المسلمين.
وأسأل الله أن يَمُنَّ بذلك، ويوفق لما هنالك./وبلغوا سلامنا من لديكم من خواص الجماعة. ومن لدينا العيال بخير، وينهون إليكم السلام والسلام/٥.
[وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم] ٦.
стр. 905
الرسالة السادسة والثمانون: إلى الشيخ إبراهيم ورشيد بن عوين في شأن الفتنة
...
الرسالة السادسة والثمانون١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا/-قدس الله روحه ونور ضريحه - رسالة إلى الأخوان: الشيخ إبراهيم ورشيد بن عوين وعيسى بن إبراهيم، وإخوانهم ٢. مضمونها التحريض على لزوم الجماعة والإمامة، لأن إضاعتها من أسباب الخزي والندامة، وبالتزامها تحصل السلامة والاستقامة.
وعرفهم في هذه الرسالة ما سبق منه في أول هذه الفتنة من المكاتبات، وما منَّ الله عليه به من المذاكرة والمناصحات، من لزوم بيعة الإمام عبد الله ٣ والتصريح بأن راية أخيه سعود، راية جاهلية عمية.
ثم لما صدر من عبد الله ما صدر من جلب الدولة ٤ إلى البلاد الإسلامية، والجزيرة العربية، وإعطائهم الإحساء والقطيف والخط؛ تبرأ مما تبرأ الله منه ورسوله، واشتد نكيره ليه شفاها ومراسلة. كما مر ذكر ذلك فيما سبق من الرسائل ٥. وثبتت لأخيه سعود البيعة بالغلبة والقهر.
ثم بعد ذلك قدم عبد الله من الإحساء وادعى التوبة والندم وأكثر من التأسف والتوجع فيما صدر منه، وبايعه البعض. وكتب الشيخ إلى الشيخ حمد بن عتيق ٦
стр. 906
أنَّ الإسلام يجب ما قبله ١، وأن التوبة تهدم ما قبلها.
وذكر له أن الواجب السعي فيما يصلح الإسلام والمسلمين.
ثم إنه تغلب سعود على جميع البلاد النجدية، وبايعه الجمهور، وسموه باسم الإمامة. وقد علمت أن الحكم يدور مع علته ٢؛ يثبت بثباتها، وينتفي انتفائها. وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم الشيخ إبراهيم، ورشيد بن عوين، وعيسى بن إبراهيم، ومحمد بن علي، وإبراهيم بن راشد، وعثمان بن رقيب وإخوانهم سلك الله بنا وبهم سبيل الاستقامة، وأعاذنا وإياهم من أسباب الخزي والندامة.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
تفهمون أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة؛ وقد حصل من التفرق والاختلاف، والخوض في الأهواء المضلة، ما هدم من الدين أصله وفرعه، وطمس من الدين أعلامه الظاهرة وشرعه. وهذه الفتنة يحتاج الرجل فيها إلى بصر ناقد عند ورود الشبهات، وعقل راجح عند حلول الشهوات. والقول على الله بغير علم، والخوض في دينه من غير دراية، ولا فهم، فوق الشرك واتخاذ الأنداد معه.
وقد صار لديكم، وشاع بينكم ما يعز حصره واستقاؤه؛ فينبغي للمؤمن الوقوف عند كل همة وكلام، فإن كان لله مضى فيه، وإلا فحسبه السكوت، وقد عرفتم حالنا
стр. 907
في أول هذه الفتنة، وما صدر إليكم من المكاتبات والنصائح؛ وفيها الحزم بإمامة عبد الله ولزوم بيتعه، والتصريح بأن راية أخيه، راية جاهلية عمية، وأوصيناكم بما ظهر لنا من حكم الله ورسوله، ووجوب السمع والطاعة. فلما صدر من عبد الله ما صدر من جلب الدولة إلى البلاد الإسلامية، والجزيرة العربية، وإعطائهم الإحساء والقطيف والخط، تبرأنا مما يرى الله منه ورسوله، واشتد النكير عليه شفاها ومراسلة، لمن يقبل مني، ويأخذ عني؛ وذكرت لكم أن بعض الناس جعله ترسا، تدفع به النصوص والأحاديث والآثار، وما جاء من وجوب جهادهم، والبراءة منهم، وتحريم موادّتهم، ومؤاخاتهم؛ من النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية.
والقول بأنهم جاءوا لنصرة إمام أو دين، قول يدل على ضعف دين قائله وعدم بصيرته، وضعف عقله، وانقياده لداعي الهوى، وعدم معرفته بالدول والناس، وذلك لا يروج إلا على سواسية الأعراب، ومن نكب عن طريق الحق والصواب، وأعجب من هذا نسبه جوازه إلى أهل العلم، والجزم بإباحة ذلك، والصواب، والصورة المختلف فيها - مع ضعف القول بجوازها، وإباحتها، والدفع في صدرها؛ كما هو مبسوط في حديث: "إنا لا نستعن بمشرك" ١ - هي صورة غير هذه، ومسألة أخرى، وهذه الصورة حقيقتها تولية وتخلية وخيانة ظاهرة، كما يعرفه من له أدنى ذوق ونهمة في العلم.
لكن بعد أن قدم عبد الله من الإحساء، ادعى التوبة والندم، وأكثر من التأسف والتوجع فيما صدر منه، وبايعه البعض؛ وكتب إلى ابن عتيق أن الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تهدم ما قبلها، فالواجب السعي فيما يصلح الإسلام والمسلمين، ويأبى الله إلا ما أراد ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢ والمقصود كشف حقيقة الحال، في أول الأمر وآخره.
وقد تغلب سعود على جميع البلاد النجدية، وبايعه الجمهور، ووسموه باسم
стр. 908
الإمامة. وقد عرفتم أن أمر المسلمين لا يصلح إلا بإمام، وأنه لا إسلام إلا بذلك، ولا تتم المقاصد الدينية، ولا تحصل الأركان الإسلامية، ولا تظهر الأحكام القرآنية إلا مع الجماعة والإمامة. والفرقة عذاب، وذهاب في الدين والدنيا، ولا تأتي شريعة بذلك قط، ومن عرف القواعد الشرعية، عرف ضرورة الناس، وحاجتهم في أمر دينهم، ودنياهم، إلى الإمامة والجماعة.
وقد تغلب من تغلب في آخر عهد أصحاب رسول الله ﷺ ، وأعطوه حكم الإمامة ١ ولم ينازعوه، كما فعل ابن عمر وغيره، مع أنها أُخِذت بالقهر والغلبة.
وكذلك بعدهم في عصر الطبقة الثالثة، تغلب من تغلب، وجرت أحكام الإمامة والجماعة ٢، ولم يختلف أحد في ذلك، وغالب الأئمة بعدهم على هذا القبيل، وهذا النمط، ومع ذلك فأهل العلم والدين يأتمرون بما أُمروا به بمن المعروف، وينتهون عما نهوا عنه من المنكر، ويجاهدون مع كل إمام؛ كما هو منصوص عليه في عقائد أهل السنة ٣ ولم يقل أحد منهم بجواز قتال المتغلب، والخروج عليه، وترك الأمة تموج في مائها، وتستبيح الأموال والحرمات، ويحوس العدو الحربي خلال ديارهم، وينزل بحماهم؛ هذا لا يقول بجوازه وإباحته إلا مصاب في عقله، موتور ٤ في دينه وفهمه، وقد قيل:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا ٥
стр. 909
بل هذا الحكم الديني يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١؛ لأنه لا يحصل القيام بهذا الواجب إلا بما ذكرنا، وتركه مفسدة محضة، ومخالفة صريحة. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ٢، وفي الحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"٣. لا سيما وقد نزل العدو بأطرافكم، واستخف الشيطان أكثر الناس، وزين لهم الموالاة، واللحاق بالمشركين، وإسناد أمر الرئاسة إليهم، وأنهم ولاة أمر/يعزلون/٤ ويولون، وينصرون وينصبون، وأنهم جاءوا لنصرة فلان، وكما الشيطان على ألسنة المفتونين، وصاروا بعد التوسم بالدين من جملة أعوان المشركين/المبيحين/٥ لترك جهاد أعداء رب العالمين فما أعظمها من مكيدة، وما أكبرها من خطية، وما أبعدها عن دين الله ورسوله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وصدر من بعض الإخوان، من الرسائل المشعرة بجواز الاستنصار بهم، وتهوين
стр. 910
فتنتهم ١، والاعتذار عن بعض أكابرهم، زلة لا يُرقى سليمها، وورطة قد هلك وضل زعيمها، وما أحسن قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ٢، فأقبلوا وامتثلوا موعظة ربكم، وجاهدوا في الله حق جهاده.
وقد أجمع المسلمون على جهاد عدوهم، مع الإمام سعود -وفقه الله - وقد قرر أهل السنة في عقائدهم، أن الجهاد ماضٍ مع كل إمام، وهو فرض على المشهور ٣ أو ركن من أركان الإسلام، لا يبطله جور جائر. وقد قال بعض السلف لما لامه بعض الناس على الصلاة خلف المبتدعة: إن دعونا إلى الله أجبنا، وإن دعونا إلى الشيطان أبينا ٤.
وفي الحديث: "جاهدوا المشركين بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم" ٥. وفقنا الله
стр. 911
وإياكم، للجهاد في سبيله والإيمان بوعده وقيله. واحذروا المراء والخوض في دين الله بغير علم، فإنه من أسباب الهلاك؛ كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ ١.
وبلغوا/سلامنا/٢ سائر الإخوان. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ٣.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه/وسلم/٤.
стр. 912
الرسالة السابعة والثمانون: إلى الأخوان من بني تميم يعزيهم في وفاتهالشيخ عبد الملك
...
الرسالة السابعة والثمانون١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا – قدس الله روحه ونور ضريحه - رسالة إلى الإخوان من بني تميم ٢، يعزيهم في الشيخ عبد الملك ٣ -رحمه الله تعالى-، ويخبرهم بالصلح الذي وقع بينه وبين سعود الفيصل ٤ لما خرج من الإحساء يريد نجد، بعد "وقعة الجودة" ٥ ورجوع عبد الله إلى الرياض، وليس معه إذ ذاك إلا نزر قليل من البادية، والحاضرة، ومع سعود خلق كثير، وجم غفير.
فلما رأى – رحمه الله تعالى - كثرة تلك البوادي، وشدة الحنق، والغيظ مع أولئك الأعادي، وخشي على البلد من الدمار، وخراب الدين والدنيا، وهتك الأستار؛ سعى في الصلح، ودافع عن الإسلام والمسلمين، وبذل الجهد، وأخذ العهد على ضعفة المسلمين عن أولئك المعتدين. وهذا نص الرسالة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف عبد الرحمن، إلى الإخوان من بني تميم، سلمهم الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، وعلى أقداره وحكمه. ونسأل الله
стр. 913
أن يحسن عزاءنا، وعزاءكم، في الأخ الشيخ عبد الملك بن حسين، غفر الله ذنبه، ورحمه ورفع في المقربين درجته.
وما ذكرتم من جهة حالكم مع عبد الله، وصدقكم معه، صار معلوما، نسأل الله لنا، ولكم التوفيق.
وقد بذلنا الاستطاعة في نصرته، حتى نزل بالناس ما لا قبل لهم به، وخشينا على كافة المسلمين من أهل البلد، من الشيء، وهتك الأستار، وخراب الدين والدنيا والدمار. ونزلنا وسعينا بالصلح، بإذن من عبد الله في الصلح، /وألجأتنا/١ إليه الضرورة، ودفعنا عن الإسلام والمسلمين ما لا قبل لهم به. فإن يك صوابا، فمن الله، وإن يك خطأ، فمنا، ومن الشيطان.
وفي السير ما يؤيد ما فعلناه، وينصر ما انتحلناه. وقد صالح أهل الدرعية، وآل الشيخ، وعلماؤهم، وفقهاؤهم، على الدرعية، لما خيف السَّبي والاستئصال، وعبد الله ظهر بمرجلة البلد، ونزل الحائر، ولم يحصل منه نصر، ولا دفاع. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
ثم بلغنا أن الدولة، ومن والهم من النصارى وأشباههم، نزلوا على القطيف يزعمون نصرة عبد الله، وهم يريدون الإسلام وأهله، وحضَّينا/ سعودا/٣ على جهادهم، ورغبناه في قتالهم، وكتبنا/ لبلاد المسلمين/٤ بذلك. قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ٥.
والعاقل يدور مع الحق، أينما دار، وقتال الدولة، والأتراك، والإفرنج، وسائر الكفار،
стр. 914
من أعظم الذخائر المنجية من النار. ﴿يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ١ والسلام.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 915
الرسالة الثامنة والثمانون: منظومة في الفتنة التي وقعت بين المسلمين
...
الرسالة الثامنة والثمانون١
قال جامع الرسائل:
وله أيضا – قدس الله روحه ونور ضريحه - منظومة أنشأها/ ﵀/٢ لما اشتدت الكربة، واستحكمت الغربة، وقلَّ المعاون والمساعد، وكثر المخالف والمعاند، ودهمت فوادح معضلات الحوادث، وهجمت بكلاكلها الخطوب الأثائث ٣ التي تشيب من أهوالها النواصي، ويعجز عن حمل بعاعها ٤ الجبال الرواسي.
فأول ذلك الفتنة التي وقعت بين المسلمين، وانثل بها عرش الملة والدين، وانهدم/بها/٥ سور الإسلام وصار الأمر بأيدي البوادي الطغام، فانفرجت ذات البين، وانكشفت العورة لأهل الكفر والمين ٦.
فعند ذلك، فحدتنا المعضلات العظام، وانهدمت أصول الدين والإسلام، وانطمست المعالم والأحكام؛ فقدمت العساكر إلى البلاد الإسلامية، فانكشفت شمس الرسالة المحمدية، وافتتن كثير من جهلة الناس، بفتوى من ينتسب إلى العلم، من أهل الجهل والإفلاس، بأن تلك العساكر التي هجمت على بلاد أهل الإسلام، إنما جاءوا لنصرة ذلك الإمام ٧.
فأنشأ هذه المنظومة، من حرارة الجوى ٨، وخوفا على الناس، من سلوك المفاوز