← Фатава

Фатава · id 12033

عيون الرسائل والأجوبة على المسائل

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (983 стр.). Показаны 946–983 · переход к 951.

стр. 946

الجهاد، وأنه ركن من أركان الإسلام، وذرة سنامه ١ كما هو مقرر في محله، والآيات القرآنية لا يتسع هذا الموضع لسياقها. بقي أن يقال: هل الجهاد في هذه القضية جهاد في سبيل الله؟ وهذه مسألة لا يحتص بها طالب العلم، بل كل من كان له نصيب من نور الفطرة، ونور الإسلام يعرف هذه المسألة، ولا تلتبس عليه. ومن المقرر في عقائد أهل السنة، أن الجهاد ماض مع كل إمام بر أو فاجر ٢؛ وأبوك وغيره يعلمون أن المسلمين بايعوا عبد الله، وسعود من جملة من بايع، وأن البيعة صدرت عن مشورة من المسلمين على يد شيخهم وإمامهم في الدين، -والدنا - قدس الله روحه، ونور ضريحه - فأي شيء نسخ هذا؟ وأنت وأبوك تعرفون حال عبد الله معنا فيما سلف. والمؤمن يعامل ربه، ولا يتشفى بما يفسد دينه. نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه، الذي ارتضاه لنفسه؛ ونعوذ بالله من اتباع خطوات الشيطان، والرغبة عن سبيل/أهل السنة والقرآن/٣. وذكر أباك حديث ابن عباس في استفتاحه ﷺ صلاته، إذا قام من الليل ٤. وذاكره بما ظهر لك فيه من حقائق العلم والإيمان، واعرف جلالة هذا المطلوب وعظم قدره، وقدر ما توسل به السائل إلى مطلوبه. والمقام يقتضي البسط لحاجة السائل وغيره، ولعل الله يمن بذلك. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 947

الرسالة الخامسة والتسعون: إلى أهل الحوطة ... الرسالة الخامسة والتسعون١ قال جامع الرسائل: وله أيضا – رحمه الله تعالى وعفا عنه - رسالة إلى أهل الحوطة، وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الإخوان المكرمين من أهل الحوطة – سلمهم الله تعالى وهداهم - سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأوصيكم بتقوى الله وطاعته والاعتصام بجبله، وترك التفرق والاختلاف، ولزوم جماعة المسلمين ٢. فقد قامت الحجة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعرفتم أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة. وقد أناخ ساحتكم من الفتن والمحن ما لا نشكوه إلا إلى الله، فمن ذلك: الفتنة الكبرى والمصيبة العظمى؛ الفتنة بعساكر المشركين ٣ أعداء الملة والدين، وقد اتسعت وأضرت، ولا ينجو المؤمن منها إلا بالاعتصام بحبل الله، وتجريد التوحيد، والتحيز إلى

стр. 948

أولياء الله وعباده المؤمنين، والبراءة كل البراءة ممن أشرك، وعدل به غيره، ولم ينزهه مما انتحله المشركون، وافتراه المكذبون. وأفضل القرب إلى الله، مقت/أعدائه/١ المشركين، وبغضهم وعداوتهم وجهادهم، وبهذا ينجو العبد من توليهم من دون المؤمنين، وإن لم يفعل ذلك فله من ولايتهم بحسب ما أخل به وتركه من ذلك. فالحذر الحذر مما يهدم الإسلام ويقلع أساسه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢ وانتفاء الشرط يدل على انتفاء الإيمان بحصول الموالاة. ونظائر هذه الآية في القرآن كثير. وكذلك الفتنة بالبغاة والمحاربين، توجب من الاختلاف والتفرق والبغضاء، وسفك الدماء، ونهب الأموال، وترك أوامر الله ورسوله، والإفساد في الأرض ما لا يحصيه إلا الله، وذلك مما لا يستقيم معه إسلام، ولا يحصل بملابسته من الإيمان، ما ينجي العبد من غضب الله وسخطه. وهذه الحالة وتلك الطريقة بها ذهاب الإسلام وأهله، وتسلط أعداء الله وتمكنهم من بلاد/المسلمين،٣ وهدم مبانيه والإعلام. فكيف يسعى فيها من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويؤمن بالجنة والنار، ويخاف سوء الحساب. فاتقوا الله عباد الله، ولا تذهب بكم الدنيا والأهواء وشياطين الإنس والجن، إلى ما يوجب الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي، والطرد عن بابه، والخروج عن جملة أوليائه وأحبابه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ

стр. 949

اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ١. فتدبروا هذه الآيات الكريمات، وسارعوا إلى ما يحبه الرب ويرضاه، من الجماعة والطاعات، وائتموا بالقرآن، وقفوا عند عجائبه، وما فيه من الحجة والبرهان، فإن الله تكفل لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه، أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ٢ وهو حبل الله المتين، ونور المبين، فيه نبأ من كان قبلكم، وفصل ما بينكم، لا يضل مُتَّبعه ٣ ولا يطفأ نوره فيما هذه المشاقة؟ وما هذا الاختلاف والتفرق، وقد جاءتكم النصائح وتكررت إليكم المواعظ؟ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٤/و/٥ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٦،

стр. 950

وقد خرج الإمام أحمد من حديث الحارث الأشعري ١ بعد أن ذكر ما أمر به يحيى بن زكريا، قال رسول الله ﷺ : " ... وآمركم بخمس الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد ٢ في سبيل الله؛ فإنه من خرج /من/٣ الجماعة قيد شبر، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، إلا أن/يرجع/٤؛ ومن/دعا بدعوى/٥ الجاهلية فهو /جُثاء/٦ جهنم قالوا:" يا رسول الله، وإن صام /وإن صلى/ ٧ قال: "وإن صلى، وص ام، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم/بما/٨ سماهم الله – /٩ المسلمين المؤمنين عباد الله" ١٠، وهذه الخمس المذكورة في الحديث ألحقها بالأركان الإسلامية، التي لا يستقيم /بناؤه/١١ ولا يستقر إلا بها، خلافا لما كانت عليه الجاهلية من ترك الجماعة والسمع والطاعة. نسأل الله لنا ولكم الثبات على دينه، والاعتصام بحبله، والامتثال لأمره، واتقاء غضبه وسخطه.

стр. 951

فاحذروا الاختلاف ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢ ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ٣. وصلى الله على/عبده ورسوله محمد/٤ النبي الأمي العربي الهاشمي وآله وصحبه وسلم.

стр. 952

الرسالة السادسة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان ... الرسالة السادسة والتسعون١ قال جامع الرسائل: وله – قدس الله روحه ونور ضريحه - رسالة أيضا إلى زيد بن محمد آل سليمان، وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم المحب زيد بن محمد – حفظه الله من طوائف الشيطان، وجعلنا وإياه من أوعية العلم، وحرسنا وإياه من مضلات الفتن وتلاعب الشيطان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير، وأساله اللطف بنا وبكم وبكافة المسلمين عند كل كرب عسير. وقد بلغكم خبر الوقعة التي جرت على إخوانكم وتفصيلها عن ألسن القادمين وقد لطف الله بنا، ودفع ما هو أشد من استباحة البيوت والمحارم حين صارت الهزيمة، وجنب عبد الله الديرة، وكتبت لسعود خطا، ونادى في مُخَيَّمه بالكف عن الرياض، وأن البلد سلَّمت. فدفع الله بذلك شرا عظيما. وثاني يوم وصلته في مخيمه، وأكثرت عليه في أمر المسلمين، وأظهر القبول، وكف عن كثير من الناس، وأُدخل له طارفة ٢ في القصر، واستقر أمره. وهذه الفتن أصاب الإسلام منها بلاء عظيم، قلعت قواعده، وانهدمت أركانه، واجتثت بنيانه. وهل عند رسم دارس من مغول. فالواجب مساعدة إخوانكم بصالح الدعاء، ونشر العلم، وبذل النصائح، وتقديم خوف الله على مخافة خلقه. وما منكم

стр. 953

من أحد إلا على ثغر من ثغور الإسلام، فلا يؤتى الإسلام من قِبَلِه. كذلك الشبهة التي حصلت، والمكاتبات التي رُسمت في شأن هذه الفتن، ممن ينتسب إلى العلم والدين، لا يسوغ لمثلك السكوت عليها، وعدم التنبيه على ما فيها، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ ١ فاكتب لي بما يسر عن مثلك وما هو الظن بك ولقومك – يحمد الله - موقع في نفوس المسلمين. كذلك لا تدخر نصح سعود بالمكاتبة والنصائح والتذكير، وابسط القول. وبلغ سلامنا الشيخ حسين، وأخبره أن حمولته بعافية، ما بهم سوء. ولا تنسانا من صالح دعائك، عبد الله، وعبد العزيز ما بهم جراح/٢ /، وهم يبلغون السلام. والسلام.

стр. 954

الرسالة السابعة والتسعون: إلى زيد بن محمد آل سليمان ... الرسالة السابعة والتسعون١ قال جامع الرسائل: وله أيضا – ﵀ رحمة الأبرار، وجمعنا به في دار القرار - رسالة إلى زيد بن محمد آل سليمان، وهذا نصها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم زيد بن محمد، لا زال من العلم في مزيد، مناضلا عن الإيمان والتوحيد. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والخط وصل – وصلك الله ما يرضيه، والأخبار عن سلامتك وعافيتك تسرنا، لا سيما في وقت الهرج والفتن، وتتابع الزلازل والمحن - عصمنا الله وإياك بالإسلام على كل حال وفي كل حال. وما ذكرت من وصول الخط وتدبر ما فيه، صار معلوما، نسأل الله أن ينفعنا وإياك بمواعظ كتابه، وزواجر خطابه. وتذكر أن ما اعترض على حمد بن عتيق إلا/ ... /٢ وبعض إخوان الحوطة، وأنهم ما نقموا إلا الميل مع أحد الرجلين. فلا يخفاك أن المقام مقام ضنك واشتباه، لا يتخلص منه إلا من كان له نصيب وافر من نور الوحي والوراثة النبوية. ومن سلم من الهوى وأدركته العناية الربانية. وفي حديث حذيفة: "فهل بعد هذا الخبر من شر؟ قال: فتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا، تأتيكم مشتبهة كوجوه البقر، لا تدرون أيا من أي" انتهى ٣. ومن أشرت إليه من أهل الاعتراضات، عامتهم قد عرف قصورهم عن مقاومة

стр. 955

الخصوم الفضلاء، وأنى يدرك الضالع شأوى الضليع١ وترجيح أحد الرجلين لا يذم مطلقا، إلا إذا خلا من مرجح شرعي. فالواجب عليك سد الباب عما يوهن الإسلام والتوحيد، ويقوي جانب الشرك والتنديد. فمن هذا الباب دخل من كاتب العساكر، ووالاهم، وساكنهم، وجامعهم، ولله ما استبيح بهذه الشبه من عرض ومال ودم، وما أصاب الإسلام منم نقص وهدم وهضم. ومثلك لو سد هذا الباب، وأغلظ في الخطاب والجواب، حتى تتفق الكلمة، ويجتمع أهل الإسلام على جهاد عدو الله وعدوهم، لكان خيرا وأقوم قيلا، وأهدى عند الله منهجا وسبيلا. والشيخ محمد بن عجلان رسالته عندي، أظنها بقلم ولده، فجحدها مكابرة، والأولى لنا وله التوبة ظاهرا من تلك الظاهرة، لئلا يضل الغاوي ويحق القدر السماوي ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢ وقد عرفت ما جرى بين إسماعيل وخالد، وما قيل فيمن ركن إليهم واستنصر بهم وقاتل تحت رايتهم. بل قد عرفت ما قيل وما أفتى به المشايخ فيمن أقام بين ظهرانيهم ٣ وإن لم يحصل منه غير ذلك، ولكن الإسلام يخلق كما يخلق الثوب، وتضمحل حقائقه من القلوب حتى لا تعرف معروفا، ولا تنكر منكرا. والفتنة بالسكوت عن نصر دين الله من هؤلاء المنتسبين إلى العلم، أضر على الإسلام من بعض كلام غيرهم من العامة. والله المسئول المرجو الإجابة، أن يعيذنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يمن علينا بالثبات على دينه وسلوك سبيل /رسله/٤ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ ٥. وبلغ سلامنا الأولاد والشيخ حسين، وحسين بن علي، ومن لدينا عبد العزيز وإخوانه وأعمامه بخير وينهون السلام، والسلام.

стр. 956

رسالة ملحقة رسالة الرد على الصحاف ... رسالة الرد على الصحاف١ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين ٢ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله وسراجا منيرا. أما بعد: فإن بعض الإخوان ناولني كراسة أنشأها عبد اللطيف بن عبد المحسن الصحاف، فيما تعرض لعيب الموحدين، وذم لما هم عليه من الملة والدين، ومدح ٣ لبعض شيوخه

стр. 957

المارقين، وأنهم من جلة العلماء العاملين، الذين لهم لسان صدق في الآخرين، وفيها غير ذلك مما هو مستبين للواقفين عليها والناظرين. وقد طلب مني من ناولنيها، أن أكتب شيئا في بيان ما تضمنته من الأباطيل، مع الاختصار وترك البسط والتطويل، إلا لإيراد حجة أو كشف دليل./ونسأل/١ الله الإعانة على ذلك، والهداية إلى ما هنالك. فأما المقدمة التي قدمها الصحاف أمام مقصوده، وجعلها طالعة نثره وعقوده، ففيها من الدلالة على جهله وقصوره، ما يعرف بأول نظر في جمعه ومسطوره. من ذلك: أنه يصف بالعلم من ليس من أهله، ويكذب على المعصوم في عزوه ونقله، يحتج في فضل العلم بالضعيف/و/٢ الموضوع، لجهله بما صح من المرسل والمرفوع، ليست له ملكة في نقد الثابت من الموضوع ٣، يتأول كل حاذق فقيه عند سماع خلطه وما يبديه، حديث عبد الله بن عمرو في قبض العلم٤، ورياسة الغمر. وكلامه من أظهر الأدلة/ على ما قلناه عند كل من وقف عليه من أهل الفقه عن الله، فلذلك اكتفينا بالإشارة عن بسط القول والعبارة. فأما قوله في المقدمة التي مدح بها أشياخه المذكورين في رسالته: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"٥.

стр. 958

وقوله: "نظرك إلى وجه العالم خير لك من ألف فرس تتصدق بها ١ في سبيل الله، وسلامك على العالم خير لك من عبادة ألف سنة"٢. كذلك قوله: "إن العالم/أوالمتعلم/٣ إذا مر على قرية، فإن الله يرفع العذاب عن مقبرة تلك القرية أربعين صباحا"٤. وقوله: "إن الله يغفر للعالم أربعين ذنبا قبل أن يغفر للجاهل". فهذه الآثار ونحوها، ليست بشيء عند أهل العلم بالحديث، ولا يحتج بها ويعول عليها من له أدنى تمييز /أو ممارسة/٥؛ وإنما يلتفت إليها ويحكيها أهل الجهالة والسفاهة من القصاصين والكذابين. وأما أهل العلم والدين: فمجرد النظر إليها، والوقوف عليها، يعرفون أنها من الأخبار الموضوعة المكذوبة التي لا تروج إلا على سفهاء الأحلام، وأشباه الأنعام وقد ورد في فضل العلم والعلماء من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ما ينيف ٦ على مائة وخمسين دليلا، كما قرره صاحب "مفتاح دار السعادة"٧ وقد مر ﷺ في رهط من أصحابه، وهم سادات العلماء والمتعلمين على قبرين يعذبان، فشق

стр. 959

جريدة ووضعها عليهما وقال: "لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا" ١ ولم يقل لمروري ومرور أصحابي عليهما يخفف عنهما، كما زعمه هذا الجاهل. وكأي من قرية عُذبت، وأتاها أمر الله بغتة، وأنبياؤهم وعلماؤهم قبل ذلك يدعونهم، وهم ينظرون إلى وجوههم، ويخاطبونهم، ويسمعون كلامهم، فما أغنى عنهم ذلك إذ لم يؤمنوا بآيات الله، وأصابهم من العذاب ما أصابهم ٢. وكان الأولى بهذا الرجل أن لا يخوض فيما لا يدريه، وأن يعطي القوس باريه ٣. شعرا/ لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها وأما قوله: إن في الحديث: " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" ٤. فهذا الحديث لم يثبته الحفاظ من أهل العلم؛ بل ذكروا أنه موضوع. قال ابن عبد البر إمام المغرب في وقته، وحامل لواء المالكية في زمانه: "حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد ٥

стр. 960

أن أبا عبد الله بن مفرج حدثه قال: حدثنا محمد بن أيوب الصموت ١ قال: قال لنا البزار: وأما ما يروى عن النبي ﷺ "أصحابي كالنجوم ... " فهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ . وقال ابن قيم ٢ الجوزية بعد أن ذكر طرق هذا الحديث: "لا يثبت شيء منها"٣ ٤. ثم قال ما معناه: "إن الأخذ بعمومه يقتضي أن الاهتداء يحصل بالاقتداء بكل صحابي، ولو تخالفت أقوالهم، وتباينت آراؤهم، وأن الشخص مخير بين الأخذ بالقول وضده، فيخبر في مسألة الجد والإخوة بين مذهب أبي بكر ومن خالفه، وفي مسألة جعل الطلاق الثلاث واحدة بين رأي عمر" وغيره، وفي مسألة المتوفى عنها زوجها ٥ بين الاعتداد بالوضع وتربص أقصى الأجلين، وفي مسألة استرقاق المرتدات بين مذهب أبي بكر وعمر، ويخير في بيع أمهات الأولاد بين مذهب من يقول بجوازه، كعلي، ومن يقول بمنعه؛ كعمر ومن وافقه. وبالجملة، فإطلاق هذا يوجب أن الاهتداء يحصل بأحد الضدين، ولا نعلم قائلا به من أهل العلم، والحق واحد في نفسه لا يتعدد، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٦. والخطاب عام لجميع الأمة الصحابة وغيرهم، وهي نص في أن الاهتداء لا يحصل مع النزاع والاختلاف إلا بالرد إلى الله والرسول، لا بالإقتداء بأحد من الخلق كائنا من

стр. 961

كان، وأما مع عدم النص المخالف فالاقتداء بمن هدى الله من النبيين هو الواجب، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١. وأما ثناء الصحاف على مشايخه الستة الذين سماهم، وادعى أنهم من أهل العلم والفضل، وقدمهم على من سواهم. فيقال له: هذه دعوى، وهذا الثناء، هو بحسب ما عندك وما ظهر لك، ومن تجاوزت به الغفلة والجهالة إلى أن يجعل عباد الله الموحدين من أهل الضلالة، الذين يكفرون أهل "لا إله إلا الله" ويجعل عباد الأولياء والصالحين، الذين يفزعون إليه بالدعوة من دون رب العالمين، هم أهل "لا إله إلا الله" كيف يعرف العلم والإيمان؟ أو يرجع إليه في تحقيق هذا الشأن؟ شعرا: ما أنت بالحكم الترضى حكومته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل ٢ وشهادة من لا يعرف العلم أو النحو أو الهندسة أو الطب مثلا، لشخص بأنه عالم أو نحوي أو مهندس أو طبيب: شهادة زور، وقول بلا علم، وفي المثل: "لا يعرف الفضل إلا ذووه" ولو عرف هذا الرجل الفضل وأهله، والعلم ومحله، لأحجم عن هذا الهذيان. وقد نقل لنا عن بعض هؤلاء الستة الذين سماهم واختارهم ما يقتضي – إن صح - أن يحكم على صاحبه بأنه من المعطلة الضالين. ويقال لهذا ٣ أيضا: هذه الدعوى قد ادعاها كل أحد لشيخه ومتبوعه؛ فادعتها الجهمية، والقدرية، والخوارج، والمعتزلة، والروافض، والنصيرية، ونحوهم من كل مبتدع ضال، فكل أحد يدعي أن شيخه وإمامه أولى بالعلم والإيمان من خصومه، والدعاوى المجردة لسنا منها في شيء، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا

стр. 962

مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١. فإسلام الوجه لله هو عبادته، والكفر بعبادة من سواه، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وهذه/الكلمة تتضمن العلم والعمل مع القول، فلا يكتفى ببعض ذلك، بل لا بد من العلم والعمل والشهادة. وأما الإحسان: فهو أن تعبد الله بما شرع لا بالأهواء والبدع وهذا هو حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله، فإنها تقتضي وتتضمن وجوب متابعة، وتحريم معصيته، وأن السير إلى الله من طريقه ومحجته، هذا هو حقيقة اتباع الرسول، والشهادة له، بالرسالة. والدين كله يدخل في هذه الجملة الشريفة وبسط الكلام عليها يستدعي أسفارا. والسؤال الذي أجاب عنه هذا الرجل في رسالته، يلزم المفتي ويجب عليه التفصيل في جوابه، ولا يجوز له إطلاق القول؛ لأن الحكم يختلف باختلاف الحال. وإطلاق القول بتكفير كل صالح من صلحاء الأمة من غير تعيين يدخل فيه كل موصوف بهذه الصفة من حين مبعثه ﷺ إلى يوم الدين. وما أظن هذا يقع من عاقل يتصور ما يقول، مسلما كان أو كافرا، سُنيا أو بدعيا؛ لأن الكافر لا يرى الحكم بالكفر ٢ أو الإسلام؛ إذ هي أحكام شرعية، لا يقول بها إلا أهل الشريعة. وأما المسلم، فلا يتصور أن يكفر صلحاء أهل المدينة، وكذلك السني والبدعي كل منهما يدعي موالاة صلحاء الأمة، ويرى أنهم هم أسلافه وأئمته، وكل طائفة تدعي موالاة الصلحاء والبراءة من الفساق ونحوهم. وأما إن كان قصد السائل من يكفر معينا من هذه الأمة: فعليه أن يعبر بغير هذه

стр. 963

العبارة الموهومة، والمجيب عليه أن يستفصل؛ لأن ترك الاستفصال؛ فيه إيهام ولا شك أن تكفير بعض صلحاء الأمة ممكن الوقوع؛ بل قد وقع من الخوارج وغيرهم من أهل البدع. فيقال حينئذ ١: إن كان المكفر لبعض صلحاء الأمة متأولا مخطئا وهو ممن يسوغ له التأويل. فهذا وأمثاله ممن رفع عنه الحرج والتأثيم لاجتهاده، وبذل وسعه، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة ٢، فإن عمر – ﵁ وصفه بالنفاق واستأذن رسول الله ﷺ /في قتله، فقال له رسول الله ﷺ : "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"٣. ومع ذلك فلم يُعنف عمر على قوله لحاطب: إنه قد نافق. وقد قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٤، وقد ثبت أن الرب – ﵎ قال بعد نزول هذه الآية وقراءة المؤمنين لها: "قد فعلت"٥. وأما إن كان المكفر لأحد هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفرا بواحا؛ كالشرك بالله وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته أو رسوله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحود الحق ٦، أو جحد صفات الله – تعالى - ونعوت جلاله ونحو ذلك فالمكفر بهذا مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله، قال الله – تعالى - ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ

стр. 964

وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ١. فمن لم يكن من أهل عبادة الله – تعالى-، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، مؤمنا بما جاءت به رسله، مجتنبا لكل طاغوت يدعو إلى خلاف ما جاءت به الرسل، فهو ممن حقت عليه الضلالة، وليس ممن هدى الله للإيمان به، وبما جاءت به الرسل عنه. والتكفير بترك هذه الأصول، وعدم الإيمان بها من أعظم دعائم الدين، يعرفه كل من كانت له نهمة في معرفة دين الإسلام، وغالب ما في القرآن إنما هو في إثبات ربوبيته تعالى، وصفات كماله، ونعوت جلاله، ووجوب عبادته وحده لا شريك له، وما أعد لأوليائه الذين أجابوا رسله في الدار الآخرة، وما أعد لأعدائه الذين كفروا به وبرسله، واتخذوا من دونه الآلهة والأرباب، وهذا بين بحمد الله. وقد يصدر التكفير لصلحاء الأمة من أعداء الله ورسله، أهل الإشراك به، والإلحاد في أسمائه، فهؤلاء يكفرون المؤمنين بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويعيبون أهل الإسلام، ويذمونهم/على إخلاص الدين، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ ، بل قد يقاتلونهم على ذلك، ويستحلون دماءهم وأموالهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ ٢. فمن كفر المسلمين أهل التوحيد أو فتنهم بالقتال أو التعذيب: فهو من شر أصناف الكفار، ومن الذين بدلوا نعمة الله كفرا، وأحلوا قومهم دار البوار، جهنم يصلونها وبئس القرار، وفي الحديث: "من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما" ٣. وأما من أطلق لسانه بالتكفير لمجرد عداوة أو هوى، أو لمخالفة في المذهب – كما يقع

стр. 965

لكثير من الجهال. فهذا من الخطأ البين، والتجاسر على التكفير والتفسيق ١ والتضليل، لا يسوغ إلا لمن رأى كفرا بواحا عنده، فيه من الله برهان. والمخالفة في المسائل الاجتهادية التي قد يخفى الحكم فيها على كثير من الناس، لا تقتضي كفرا ولا فسقا، وقد يكون الحكم فيها قطعيا جليا عند بعض الناس، وعند آخرين يكون الحكم فيها مشتبها خفيا، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها. والواجب على كل أحد: أن يتقي الله ما استطاع، وما يظهر لخواص الناس من الفهوم والعلوم، لا يجب على من خفيت عليه عند العجز عن معرفتها، والتقليد ليس بواجب؛ بل غايته أن يسوغ عند الحاجة وقد قرر بعض مشايخ الإسلام أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ وقيام الحجة، ولا يحل لأحد أن يكفر أو يفسق بمجرد مخالفة للرأي والمذهب. وبقي قسم خامس، هم الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب، كالسرقة والزنا وشرب الخمر. هؤلاء هم الخوارج، وهم عند أهل السنة ضُلال مبتدعة، قاتلهم أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأن الحديث قد صح بالأمر بقتالهم، والترغيب فيه، وفيه: "أنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم"٢. وقد غلط كثير من المشركين في هذه الأعصار، وظنوا أن من كفر من تلفظ بالشهادتين فهو من الخوارج، وليس كذلك؛ بل التلفظ بالشهادتينن/لا يكون مانعا من التكفير إلا لمن عرف معناهما، وعمل بمقتضاهما، وأخلص العبادة لله، ولم يشرك به سواه، فهذا تنفعه الشهادتان. وأما من قالهما ولم يحصل منه انقياد لمقتضاهما، بل أشرك بالله، واتخذ الوسائط والشفعاء من دون الله، وطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وقرب لهم القرابين،

стр. 966

وفعل لهم ما يفعله أهل الجاهلية من المشركين، فهذا لا تنفعه الشهادتان بل هو كاذب في شهادته، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ١. ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله هو: عبادة الله، وترك عبادة ما سواه، فمن استكبر عن عبادته ولم يعبده، فليس ممن يشهد أن لا إله إلا الله، ومن عبده وعبد معه غيره، فليس هو ممن يشهد أن لا إله إلا الله. وأما قول السائل في سؤاله: "ويعتقد أن أهل القسم ٢ كلهم كفار معطلون، كاليهود والنصارى، ومن لم يكفرهم فهو كافر، وإذا لقيه أحد من المسلمين وسلم عليه قال: عليكم". إلى آخر ما قال. فاعلم أن أهل "القسم" يخفى حالهم علينا، ولا ندري ما هم عليه من الدين، وفيهما تقدم من التفصيل كفاية، فالمكفر لهم لا يخرج عن الأقسام المتقدمة. والصحاف قد خلط هنا، وأطال الهذيان، وزعم أن من كفرهم بكفر ولا يصلى خلفه، وقد عرفت أن المسألة فيها تفصيل كما قدمناه، وبه يعرف حكم الصلاة خلفه، وأنها لا تصح خلف من أشرك بالله، أو جحد أسماءه وصفاته لكفره، وأهم شروط الصلاة والإمامة هو الإسلام معرفة والعمل به. ومن كفر المشركين ومقتهم، وأخلص دينه لله، فلم يعبد سواه فهو أفضل الأئمة وأحقهم بالإمامة؛ لأن التكفير بالشرك والتعطيل هو أهم ما يجب من الكفر بالطاغوت. وأما من كفَّر من ليس من أهل الكفر لكنه متأول يسوغ تأويله، فهو أيضا من الأئمة المرضيين، إذا تمت له شروط الإمامة، وخطؤه مغفور له بنص الحديث.

стр. 967

وأما من يكفر لهوى أو عصبية أو لمخالفة في المذهب، أو لأنه يرى رأي الخوارج، فهو/ فاسق لا يصلى خلفه إذا أمكنت الصلاة مع غيره، إلا إن كان ذا سلطان تخشى سطوته، فصلى خلفه كما يصلي خلف أئمة الظلم والجور. إذا عرفت هذا، فاعلم أن الصحاف ذكر في جوابه ما لا يتعلق بالسؤال؛ كمسبته وعيبه من يعيب مشايخه الذين ذكرهم، وترضى عنهم، كابن كمال، وعبد الله البصري، وحسين الدوسي وغيرهم ممن ذكر، وحكمه على من عابهم أنه من الجهال المبتدعة، أكلة الحرام الذين لا هم لهم في الدين، وأنهم ممن قال فيهم صاحب الزبد: وعالم يعلمه لم يعملن ... معذب من قبل عباد الوثن وأن همهم في جمع الدراهم والدينار، يعملون في تحصيلها أنواع الحيل بالليل والنهار. فهذا الكلام مجرد دعوى ومسبة، ينزه العاقل نفسه عن مثلها، ويكفي في ردها منعها وتكذيبها، ويمكن خصم الصحاف أن يقابلها ويعارضها بما هو محق فيه، كقوله: بل أنتم أهل الجهل بما بعث الله به رُسله، وأنزل به كتبه، لم تعرفوه بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله من صفات الكمال ونعوت الجلال، ولكنكم أخذتم العقيدة في ذلك عن أفراخ الفلاسفة واليونان الذين هم من أعظم الخلق مناقضة لما نطق به القرآن، وما وصف به الرب نفسه في كتابه العزيز، وكذلك أنتم في باب معرفة حق الله وتوحيده، من أضل الناس وأهلهم، تجعلون عبادة غير الله، ودعاءه، والاستغاثة والاستعاذة به، والذبح والنذر له ١، والحب مع الله، توسلا بالصالحين وتشفعا بهم، وقد صرح بهذا أشياخ هذا الصحاف وأشياعه، وكتبوا به إلينا وإلى شيخنا – رحمه الله تعالى - وعنهم أن الإنسان لا يكفر ولا يكون مشركا، إلا اعتقد التأثير له من دون الله ولم يفقهوا أن الله حكى عن المشركين في غير موضع من كتابه، أنهم يعترفون له بأنه هو المختص بالإيجاد والتأثير والتدبير، وأن غيره لا يستقل بشيء من ذلك ولا

стр. 968

يشاركه فيه، وحكى عن المشركين أنهم ما قصدوا بعبادة من سواه إلا القربان والشفاعة، كما ذكر ذلك في غير موضع من كتابه. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ ١. ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢. ومثل هذا كثير في القرآن، يخبر فيه – تعالى - أن المشركين يعترفون بأن الله هو المتفرد بالإيجاد والتأثير والتدبير. وقال تعالى في صفة شرك المشركين وبيان قصدهم: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣. وقال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤ وقال: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٥. فأبيتم علينا هذا كله، وقلتم هذا دين الوهابية، ونعم، هو ديننا بحمد الله؛ ورضي الله عن الشافعي إذ يقول: يا راكبا قف بالمحصب من منى ... واهتف بقاعد ٦ خيفها والناهض

стр. 969

إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي "فصل" قال الصحاف: "وأنهم إذا سمعوا من يذكر الله جهرا بأنواع الأذكار، ويصلي على الرسول جهرا خصوصا على المنار – كما يفعله سائر أهل الأمصار - أنكروا ذلك ونفروا عنه وفروا". فيقال: أما ذكر الله جهرا بأنواع الأذكار، فلا نعلم أحدا من المسلمين بحمد الله – تعالى - ١ ينكره أو يُنَفِّر عنه، وإطلاق هذه العبارة من الكذب البين، والبهت الظاهر الذي لا يمتري فيه من عرف حال من يشير إليهم هذا الرجل، وليس هذا بعجيب من جرأته وظلمه، وقد قال – تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢. نعم، قد أنكروا ما يفعله كثير من جهلة أهل الطرائق المبتدعة، من الاجتماعات على السماع الشيطاني، وقيامهم/بين يدي المنشد يميلون ويرقصون. وبعضهم يذكر الله بمجرد الاسم الظاهر ٣ أو المضمر ٤، ويزعم أن هذا هو ذكر الخواص أهل المعرفة والتحقيق، فهؤلاء مبتدعة ضلال، وما فعلوه ليس بذكر شرعي، بل هو د ين مبتدع غير مرض، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦.

стр. 970

وفي الحديث: "إن أصد ق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بعدة ضلالة"١. ووكل عالم يعرف أن هذا السماع الشيطاني مبتدع، لم يحدث إلا بعد القرون المفضلة، وقد أنكره عامة أئمة الإسلام، وأشهدهم في ذلك أتباع الإمام مالك بن أنس، الذي ينتسب هذا الرجل إلى مذهبه، وكفى به جهلا وضلالا أن يعيب ما عليه قدماء أئمته وفضلاؤهم، ونصوصهم موجودة بأيدينا، في إنكار هذا السماع الشيطاني، وتضليل فاعله وتفسيقه. وقد صنف ابن قيم الجوزية في هذا الذكر المبتدع كتابا مستقلا ٢ قرر فيه مذاهب الأئمة في حكم هذا السماع، وأنه محرم لا يجوز. وإن كان قصد هذا المعترض: خصوص رفع الصوت بالصلاة على الرسول ﷺ بعد الأذان، كما يفعله أهل الأمصار، فقد صدق في حكاية إنكار هذا عنه ٣، وهم لا ينازعون في مشروعية الصلاة على الرسول ﷺ سرا وجهرا، بل يستحبونها ويوجبونها في الصلاة، ويرون أنها من جملة الأركان فيها. لكنهم يرون أن ما يفعله أهل الأمصار، على المنائر ٤ بعد الأذان مبتدع محدث في القرن الخامس والسادس، وسبب إحداثه رؤيا رآها بعض ملوك مصر، على ما ذكره بعض المؤرخين، وقد أنكره بعض الأئمة، وقالوا: هو بدعة لم يفعله ﷺ مع التمكن من فعله، ولم يفعله أحد من أئمة الهدى بعده، ولا غيرهم من

стр. 971

أهل القرون المفضلة، وقد أمرنا بالاتباع، ونهينا عن/الابتداع. قال ابن مسعود "اتبعوا ولا تبتدعوا، ومن كان منكم مستنا فعليه بأصحاب محمد ﷺ ١، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، والقيام بدينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم"٢، أو كما قال. وقد تقدم من الآيات والأحاديث ما يدل لقوله ويشهد له، وكتب قدماء أهل المذاهب الأربعة، وجمهور متأخريهم ليس فيها استحباب هذا، ولا الأمر به، بل فيها ما يدل على منعه، وأن الواجب هو ما شرعه الله. قالوا: وأما الصلاة والسلام عليه سرا بعد الأذان، وسؤال الله له الوسيلة والفضيلة، فهذا مشروع قد ورد به الخبر، وصح به الأثر ٣، مع من خالفهم من الأدلة ما يجب المصير إليه، وإنما يعيب على من منع البدع واختار السنن، أهل الجهالة والسفاهة ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ ٤. ثم إن المفتري ٥ الصحاف أطلق لسانه بالمسبة، وأطال في ذلك، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ

стр. 972

ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ١، وقد قيل في المثل: وقال العلي: أنا ذاهب إلى المغرب، فقالت الحماقة: وأنا معك. وقد ذكر في جوابه من الحشو والكلام الذي لا يقتضيه المقام، ما يدل على قصوره وعجزه، وعدم ممارسته لصناعة العلم، كما ذكر قضيته مع راشد بن عيسى في مسألة الهبة واختلافها في لزومها، ومسألة العقد على اليتيمة، فلقد أبدى بذلك ما خفي من جهله، ورب كملة تقول دعني. وكلامهم في الهبة ولزومها كلام غير محقق، والناس يختلفون في الهبة ولزومها، هل هو بالعقد فقط، أو لا بد من القبض؟ وعن بعضهم ما يقتضي التفرقة بين المكيل والموزون وغيرهما. واختلف الناس أيضا؛ هل تبطل بالموت قبل القبض أو لا؟ واختلف القائلون باشتراط القبض، هل يشترط فيما وهبه لزوجته أو لا يشترط؟ /وأدلة هذه الأقوال ومآخذها، والرد على المخالف مبسوط في المطولات، ولا غرض لنا في ذكره، وإنما قصدنا أن حكم هذا الصحاف على أحد الأقوال بالصحة. مع قصوره عن معرفتها ومعرفة أدلتها، والتزامه التقليد. حكم باطل لا يجوز، وما للأعمى ونقد الدراهم؟. وحكمه على الذي أفتى بخلاف قوله، بأنه ضال عن سبيل الرشاد، حكم باطل، أوجبه ما بينهما من التنافس والعناد، ومثل هذه المسائل الاجتهادية لا يجوز لأحد أن ينكر فيها على خصمه بمجرد التقليد، وحكاية فروع المذهب، بل لا بد من الدليل على ذلك من الكتاب، أو شنة أو إجماع أو قياس صحيح، ومن كلام شيخ الإسلام: "من ترك الدليل ضل السبيل". وجميع ما ذكره إنما هو مجرد نقل لأقوال بعض المالكية؛ كالشيخ خليل، وعبد الباقي، وابن عرفة وأمثالهم، وتقليد هؤلاء إنما يسوغ عند الضرورة، والمقلد لهم أو

стр. 973

لغيرهم ليس من أهل العلم بالإجماع، كما حكاه ابن عبد البر أو إمام المالكية عمن يحفظ قوله من أهل العلم، فكيف والحال هذه يحكم هذا الجاهل الذي ليس هو من أهل العلم عند أئمة مذهبه وغيرهم بصحة جوابه، وفساد قول خصمه وضلاله؟ وهل يعلم هذا إلا بالنص من كلام الله، أو كلام رسوله، أو إجماع الأمة؟ فما للمقلد والحكم بالصحة والصواب، وقد جهل نصوص السنة والكتاب؟ ومن تشبَّع بما لم يعطي فهو كلابس ثوبي زور ١. وقوله: فلا شك في أن الطاعن في أهل القسم من أهل النار بعيد عن الهدى، وأنه لا يفلح أبدا في الدنيا خاسر أي خاسر، وفي الآخرة إلى النار صائر، إلى آخر عبارته.. فهذا الكلام لا يصدر ممن عاقل، يعرف ما خرج من بين شفتيه، نعوذ بالله من الجهل المردي، والهوى المعمي، وهذه المسبة والحكم على المخالف في هذه المسألة بالنار، مما تقشعر منه جلود الذين آمنوا، وما أشبهها بأخلاق أهل المجون، وأصحاب الوقاحة والجنون. وكان ينبغي لنا أن نعد هذه الفتوى من جملة هذيان/الضالين، وأن نكف القلم عن إجابة هذا النوع من المفترين، ولكن الضرورة اقتضت، فلا إله إلا الله، ما أشد غربة الدين، وما أقل العارفين له والمميزين، كيف يقر مثل هذا بين ظهراني من له عقل يميز به الخبيث من الطيب، ويفرق به بين الآجن والصيب؟ وأصحاب رسول الله ﷺ لم يكفروا من كفرهم من الخوارج الحرورية، وقد سُئل علي ﵁ ٢، فقيل له: أكُفارٌ هم؟ فقال: "من الكفر فروا"٣.

стр. 974

وفي الحديث: "أن رجلا فيمن قبلنا رأى من يعمل بالمعاصي فاستعظم ذلك وقال: والله لن يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألَّى علي أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له، وأحبطت عملك" ١. وأما قوله: ومن تسمَّى بالإسلام، وأحب محمدا سيد الأنام، وأحب أصحابه الكرام، واتبع العلماء الأعلام، لا يكفر أحدا من سائر المسلمين، فضلا عن هداتهم في الدين، اللهم إلا أن يكون من الغلاة الذين اسقطوا حرمة "لا إله إلا الله" وسؤال لهم الشيطان وأملى لهم، حيث استباحوا دماء المسلمين – إلى آخر رسالته. فيقال في جوابه: هذا الجاهل يظن أن من أشرك بالله واتخذ معه الأنداد والآلهة، ودعاهم مع الله لتفريج الكربات وإغاثة اللهفان، يحكم عليه والحال هذه بأنه من المسلمين؛ لأنه يتلفظ بالشهادتين، ومناقضتهما٢ ن لا تضره، ولا توجب عند كفره، فمن كفَّره فهو من الغلاة الذين أسقطوا حرمة "لا إله إلا الله" وهذا القول مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم، ويتوكل عليهم كفر إجماعا"٣. انتهى. ومجرد التلفظ من غير التزام لما دلت عليه كلمة الشهادتين لا يجدي شيئا، والمنافقون يقولونها وهم في الدرك الأسفل من النار. نعم، إذا قاله المشرك ولم يتبين منه ما يخالفها، فهو ممن يكف عنه بمرد القول، ويحكم بإسلامه، وأما إذا تبين منه تكرر عدم التزامه ما دلت عليه من الإيمان بالله

стр. 975

وتوحيده والكفر بما يعد من/دونه، فهذا لا يحكم له بالإسلام ولا كرامة له، ونصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة تدل ١ على هذا. فمن تسمى بالإسلام حقيقة، وأحب محمدا، واقتدى به في الطريقة وأحب أصحابه الكرام، ومن تبعهم من علماء الشريعة، يجزم ولا يتوقف بكفر من سوى بالله غيره، ودعا معه سواه من الأنداد والآلهة، ولكن هذا الصحاف يغلط في مسمى الإسلام ولا يعرف حقيقته، وكلامه يحتمل أنه قصد الخوارج الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب وحينئذ يكون له وجه، ولكنه احتمال بعيد، والظاهر الأول. وقد ابتلي بهذه الشبهة، وضل بها كثير من الناس، وظنوا أن مجرد التكلم بالشهادتين مانع من الكفر، وقد قال – تعالى-: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ٢. وقال – تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣. وقال – تعالى-: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ ٤ فالتكفير بدعاء غير الله: هو نص كتاب الله، وفي الحديث: "من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار" ٥. وفي الحديث أيضا أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ٦،

стр. 976

وفي رواية: "إلا بحق الإسلام" ١. وأعظم حق الإسلام وأصله الأصيل هو: عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، وهذا هو الذي دلت عليه كلمة الإخلاص، فمن قالها وعبد غير الله، أو استكبر عن عبادة الله فهو مكذب لنفسه، شاهد عليها بالكفر والإشراك. وقد عقد كل طائفة من أتباع الأئمة، في كتب الفقه باب مستقلا في حكم المرتد، ويذكر أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان، ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله، وقد قال – تعالى - في النفر الذين قالوا في غزوة تبوك بعض القول الذي فيه ذم لرسول الله ﷺ ومن معه من أصحابه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٢، فكفَّرهم بعد إيمانهم بالاستهزاء ولو كان على وجه المزح واللعب، ولم يمنع ذلك قوله "لا إله إلا الله". وكذلك: إجماع الأمة على كفر من صدق مسيلمة الكذاب، ولو شهد "أن لا إله إلا الله" وقد كفَّر الصحابة أهل مسجد بالكوفة بكلمة ذُكرت عنهم في احتمال صدق مسيلمة الكذاب، ولم يلتفت أصحاب رسول الله ﷺ إلى أنهم يشهدون "أن لا إله إلا الله". لأنه قد وجد منهم ما ينافيها، ويناقضها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ٣ وبالجملة فالذي يقوم بحرمة "لا إله إلا الله": هم الذين جاهدوا الناس عليها، ودعوهم إلى التزامها علما وعملا، كما هي طريقة رسل الله وأنبيائه، ومن تبعهم بإحسان، كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى - وأما من أباح الشرك بالله وعبادة غيره، وتولى المشركين، وذب عنهم، وعادى

стр. 977

الموحدين وتبرأ منهم فهو الذي أسقط حرمة "لا إله إلا الله"، ولم يعظمها، ولا قام بحقها، ولو زعم أنه من أهلها القائمين بحرمتها. وأما ما ساقه هذا الصحاف من كلام شيخه حسين الدوسري: فالخصم يعارضه ويمنعه، وما ذكره ١ ليس – بحمد الله تعالى - من أوصاف أهل التوحيد، ولكنه وصف أهل الشرك والتنديد. والذي أنكر الطاعة، وعصى ربه في كل ساعة، واتبع هوى نفسه الخداعة، وشذ عن السنة وفارق الجماعة، ووافق الشبهة وأهل الإضاعة، هو من كانت طريقته عبادة غير الله، والاستعانة بغير مولاه، وصرف الوجه لغير من خلقه وسواه، والتعبد بغير الذي شرعه الله على لسان عبده الذي اصطفاه، من أهل التعطيل والتضليل، والإلحاد والتمثيل، الذين اختلفوا وخالفوا الكتاب، وضلوا عن الصواب. وأما الصحاف نقلا عن شيخه الدوسري: "أما كفروا العلماء؟ أما سفكوا الدماء؟ أما استحلوا المحرمات؟ أما روعوا المسلمين والمسلمات؟ أما أسخطوا رب السموات؟ أما رجفوا أهل الحرم؟ أما تجاسروا على حجرة منْ ﷺ ؟ فلا أفلح من ظلم. فالجواب عن هذا يقال: كل عاقل يعرف سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – ﵀ يعلم أنه من أعظم الناس إجلالا /للعلم والعلماء، ومن أشد الناس نهيا عن تكفيرهم وتنقصهم وأذيتهم، بل هو ممن يدين بتوقيرهم وإكرامهم والذب عنهم، والأمر بسلوك سبيلهم عملا بقوله – تعالى-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ٢. وبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ ٣ الآية

стр. 978

وبقوله – تعالى-: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ١. فالإيمان والتقوى هما أصل العلم بالله وبدينه وشرعه، فكيف يظن بمسلم فضلا عن شيخ الإسلام أنه يكفر العلماء؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ . والشيخ – ﵀ لم يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأجمعت الأمة على كفره؛ كمن اتخذ الآلهة والأنداد لرب العالمين، ولم يلتزم ما جاءت به الرسل من الإسلام والدين، أو جحد ما نطق به الكتاب المبين، من صفات الكمال، ونعوت الجلال لرب العالمين، وكذلك من نصب نفسه لنصرة الشرك والمشركين، وزعم أنه توسل بالأنبياء والصالحين، وأنه مما يسوغ في الشرع والدين، فالشيخ وغيره من جميع المسلمين، يعلمون أن هذا من أعظم الكفر وأفحشه. ولكن هذا الجاهل، يظن أن من زعم أنه يعرف شيئا من أحكام الفروع وتسمى بالعلم، وانتسب إليه، ويصير بذلك من العلماء، ولو فعل ما فعل، ولم يدر هذا الجاهل أن الله كفَّر علماء أهل الكتاب والتوراة والإنجيل بأيديهم، وكفَّرهم رسوله لما أبوا أن يؤمنوا بما جاء به محمد ﷺ من الهدى ودين الحق. ولا ضير على الشيخ بمسبة هؤلاء الجهال، وله أسوة بمن مضى من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن بعدهم ن أهل الإيمان والاهتداء. قال الشافعي – ﵀: "ما أرى الناس ابتلوا بسب أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم الله ثوابا عند انقطاع أعمالهم"، وما أحسن ما قيل: شعرا قدمت لله ما قدمت من عمل ... وما عليك بهم ذموك أو شكروا عليك في البحث أن تُبِدي غوامضه ... وما عليك إذا لم تفهم البقر وقد اعترضت اليهود والنصارى على عبد الله ورسوله بالقتال، وسفك الدماء

стр. 979

وسبي الذرية وقالوا إنما يفعل هذا الملوك المسلطون، وحكاياتهم في ذلك معروفة مشهورة عند أهل العلم، ويكفي في ذلك قوله – تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١ الآية. وأما قوله: "أما رجفوا أهل الحرم". فلا يخفى أن الذي جرى في الحرمين، من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو: هدم القباب التي أسست على معصية الله ورسوله، وصارت من أعظم وسائل الشرك وذرائعه، وكسروا آلات التنباك وسائر المسكرات وألزموا الناس المحافظة ٢ على الصلوات في الجماعات، ونهوا عن لبس الحرير، وألزمهم بتعلم أصول الدين، والالتفات إلى ما في الكتاب والسنة من أدلة التوحيد وبراهينه، وقرروا الكتب المصنفة في عقائد السلف أهل السنة والجماعة في باب عرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، وقرروا ٣ إثبات ذلك من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، وأنكروا على من قال بقول الجهمية في ذلك، وبدَّعوه وفسَّقوه، فإن كان هذا إرجافا للحرم فحبذا هو، وما أحسن ما قيل: وعيَّرني ٤ الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارفا وقد أمر الله – تعالى - من خاض في مثل هذا أن يتكلم بعلم وعدل، كما قال – تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ ٥ الآية. وهذا الرجل كلامه جهل محض وجور ظاهر، وأصله الذي يرجع إليه هو الانتصار للنفس والهوى، لا لنصر الحق والهدى.

стр. 980

وأما التجاسر على حجرة رسول الله ﷺ فكأنه يشير به إلى المال الذي استخرجه الأمير سعود من الحجرة الشريفة، وصرفه في أهل المدينة ومصالح الحرم، وهو – ﵀ لم يفعل هذا إلا بعد أن أفتاه علماء المدينة من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، فاتفقت فتواهم على أنه يتعين ويجب على ولي الأمر إخراج المال الذي في الحجرة، وصرفه في حاجة أهل المدينة وجيران الحرم؛ لأن المعلوم السلطاني قد منع في تلك السنة، واشتدت الحاجة والضرورة إلى استخراج هذا المال وإنفاقه، ولا حاجة لرسول الله ﷺ إلى إبقائه في حجرته وكنزه لديه، وقد حرم كنز الذهب والفضة وأمر بالإنفاق في سبيل الله، لا سيما إذا كان المكنوز مستحقا لفقراء المسلمين، وذوي الحاجة منهم، كالذي بأيدي الملوك والسلاطين. فلا شك أن استخراجها على هذا الوجه، وصرفها في مصارفها الشرعية أحب إلى الله ورسوله من إبقائها واكتنازها، وأي فائدة في إبقائها عند رسول الله ﷺ ، وأهل المدينة في أشد الحاجة والضرورة إليها؟ وتعظيم الرسول وتوقيره: إنما هو في اتباع/ أمره والتزام دينه وهديه، فإن كان عند علينا دليل شرعي يقتضي تحريم صرفها في مصالح المسلمين فليذكره لنا، ولم يضع هذا المال أحد من علماء الدين الذين يرجع إليهم، وليس عند هؤلاء إلا اتباع عادة أسلافهم ومشايخهم، ويعرف هذا من ناظرهم ومارسهم، ودعواهم عريضة وعجزهم ظاهر. وقد أطال هذا الصحاف فيما نقله عن شيخه حسين الدوسري، وأكثر فيه من النصيحة، ولا بأس بالنصائح لمن أراد الحق وتوخاه، ونهى عما يسخطه الرب ولا يرضاه، ولم يلحد في أسمائه، ولم يعبد سواه، فهذا هو الصادق في نصحه وقوله الذي أبداه. بخلاف من توهم الأمر على خلاف ما هو عليه، ولبس الحق بالباطل لديه، واعتقد أن المجاهد لإعلاء كلمة الله يشار بالذم إليه، فعمل مثل هذا ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ

стр. 981

عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ، أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١. نسأل الله – تعالى - أن يمن علينا بالهداية إلى صراطه المستقيم، والفوز لديه بجنات النعيم ﷺ ٢. أملاه ٣ الفقير إلى اله عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى وعفا عنه.

стр. 982

جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم ... لا يوجد

стр. 983

ملحق (جدول يبين أمراء آل سعود وفترة إماراتهم) ... جدول يبين أمراء آل سعود، وفترة إمارتهم، والأدوار التي مرت بها الدولة السعودية ﴿الدور الأول﴾ * اسم الأمير ... فترة إمارته: من ... إلى ١- محمد بن سعود ... ١١٣٩هـ ... ١١٧٩هـ ٢- عبد العزيز بن محمد ... ١١٧٩هـ ... ١٢١٨هـ ٣- سعود (الكبير) بن عبد العزيز ... ١٢١٨هـ ... ١٢٢٩هـ ٤- عبد الله بن سعود الكبير ... ١٢٢٩هـ ... ١٢٣٣هـ ٥- مشاري بن سعود الكبير ... ١٢٣٣هـ ... ١٢٣٥هـ ﴿الدور الثاني﴾ ٦- تركي بن عبد الله بن محمد ... ١٢٣٥هـ ... ١٢٤٩هـ ٧- فيصل بن تركي (للمرة الأولى) ... ١٢٥٠هـ ... ١٢٥٤هـ ٨- خالد بن سعود (الكبير) ... ١٢٥٤هـ ... ١٢٥٧هـ ٩- عبد الله بن ثنيان ... ١٢٥٧هـ ... ١٢٥٩هـ ١٠- فيصل بن تركي (للمرة الثانية) ... ١٢٥٩هـ ... ١٢٨٢هـ ١١- عبد الله بن فيصل ... ١٢٨٢هـ ... ١٢٨٨هـ ١٢- سعود بن فيصل ... ١٢٨٨هـ ... ١٢٩١هـ ١٣- عبد الرحمن بن فيصل ... ١٣٠٧هـ ... ١٣٠٩هـ ﴿الدور الثالث﴾ ١٤- عبد العزيز بن عبد الرحمن ... ١٣١٩هـ ... ١٣٧٣هـ ١٥- سعود بن عبد العزيز ... ١٣٧٣هـ ... ١٣٨٤هـ ١٦- فيصل بن عبد العزيز ... ١٣٨٤هـ ... ١٣٩٥هـ ١٧- خالد بن عبد العزيز ... ١٣٩٥هـ ... ١٤٠٢هـ ١٨- فهد بن عبد العزيز ... ١٤٠٢هـ ... (١)