يقولون عنا أنا مشركون ونحن من أخلص الناس توحيداً له سبحانه؟! قال: فقلت له: إن أهل بلادنا لا يثبتون للأسباب تأثيراً، وأنتم تثبتون التأثير والعلل والحكم والمصالح، فإذا كان الأمر كذلك فقد أشركتم مع الله مؤثراً في الوجود، وهذا هو الشرك الأكبر، قال: وأما أصحابنا فعندهم أن السكين عند إمرارها على شيء لا تقطع بل يخلق الله القطع عند ذلك، وليس في الماء قوة الري مودعة فيه بل الري يخلق عند شربه لا به، والنار ليست بمحرقة بل الإحراق عندها لا بها، والعين ليست بمبصرة والأذن ليست بسامعة بل الإبصار والسماع عندهما لا بهما، وهكذا في جميع ما يعتقد أنه سبب في الظاهر. فإذا قال القائل مستغيثاً بأحد من الأموات: يا فلان افعل كذا وكذا فالمقصود الطلب من الله أن يقضي حاجته.
وبعد أن فرغ من هذا الهذيان وسكت، قلت له: فما أجابك الأمير؟ قال: لم يجبني بشيء، فقلت: كان ينبغي أن يجيبك ويسألك من قال هذا الكلام الذي ذكرته؟ وعمن نقلته؟ وأي دليل لك عليه من الكتاب والسنة وسلف الأمة، وينبغي على قولك هذا أن يطلب من المخلوق كل شيء يطلب من الخالق، وينبغي أن لا يعترض على عبدة الأصنام وطلبهم من أصنامهم ما يطلب من الله، فإنهم أيضاً كانوا يعتقدون أن أصنامهم وسائط ووسائل وشفعاء، وكانوا يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ونحو ذلك من الكلام، وإذا سئلوا من يرزقكم ومن خلق السموات والأرض ليقولن الله.
وقد سبق في هذا الكتاب في عدة مواضع بيان ذلك، وأن كلام الغلاة هذا وكلام عبدة الأصنام من واد واحد، وقد تشابهت قلوبهم، وأوردت له عدة آيات ونصوص في إثبات الحكمة والتعليل، وأن الله هو خالق السبب والمسبب، وأن هذا هو ما اقتضاه الكتاب والسنة وكلام السلف، فلم يزده ذلك إلا نفوراً واستكباراً عن قبول الحق، فإنه كان من قوم ظروفهم من الظرف خالية، وغرفهم من العقل خاوية، وصحنهم من العلوم بيضاء صافية، وجيفهم فوق الماء طافية، في الأنعام، لا في الأنام، ومثله بلاء على الإسلام.
стр. 1087
وقد بسط الكلام على مسألة الأسباب العلامة الحافظ الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية في كتابه (شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل) قال في أثناء كلامه: "إنه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعاً وقدراً، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي، وأمره الكوني القدري، ومحل ملكه وتصرفه، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء، فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطاً بالأسباب قائماً بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسببات، والشرع كله أسباب ومسببات، والمقادير أسباب ومسببات، والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر، والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، كقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ٢ ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ٣ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٤ وسرد آيات كثيرة، إلى أن قال: وهذا أكثر من أن يستوعب.
وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء، وهو أكثر من أن يستوعب كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ ٥ وقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٦.
وكل موضع رتب فيه الحكم على ما قبله بحرف أفاد التسبب وقد تقدم،
стр. 1088
وكل موضع ذكرت فيه الباء تعليلاً لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب، وكل موضع صرح فيه بأن كذا جزاء لكذا، أفاد التسبب، فإن العلة الغائية علة للعلة الفاعلية، ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة، ويكفي شهادة الحس والعقل والفطر، ولهذا قال من قال من أهل العلم تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الرب ونعوت كماله، وعلوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لملائكته وعباده، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد، فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسوله وتنزيهه عن كل كمال، ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل، ونظير من نزه الله في أفعاله وأن يقوم به فعل البتة، وظن أنه ينصر بذلك حدوث العالم وكونه مخلوقاً بعد إن لم يكن، وقد أنكر أصل الفعل والخلق جملة، ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب، فإذا رأي العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتاباً من الكتب أعظم إثباتاً للأسباب من القرآن.
ويالله العجب! إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سبباً لهذا والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة لحكمه إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم وإغراق الماء على كليمه وقومه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلى بينها وبين اقتضائه لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا، فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد؟ وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟
ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق والماء لا يغرق والخبز لا يشبع والسيف لا يقطع ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ولا هو سبب لهذا الأثر وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا
стр. 1089
لكذا- قالوا هذا هو التوحيد، وإفراد الرب بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به، كما تراه عياناً في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان، ولا ريب أن الصديق الجاهل قد يضر مالا يضره العدو العاقل، قال تعالى عن ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ١ ثم ذكر تفسير الآية وذكر آيات أخر، وشفى بذلك صدور المؤمنين، ومن أراد الوقوف على تفصيل ذلك فليراجع هذا الكتاب.
والمقصود؛ أن قول ذلك الزائغ الذي أجراه مع أمير الجبل هو كذب لا أصل له، وإني أعلم أنه من أكذب الناس وأكثرهم رياء، وأنه لو كان صادقاً فيما نقله فالكلام مع العوام لا يترتب عليه شيء، وأن مسألة الأسباب سواء قلنا فيها بقول السلف أم لا، لا تعلق لها مع الدعاء والعبادة، فإن ذلك من خصائص الله تعالى باتفاق العقلاء وأهل المعرفة، وأن الأشاعرة القائلين بعدم تأثير الأسباب لا يقولون بجواز عبادة غير الله، فلا يسجد لغير الله، ولا يذبح لغير الله، ولا ينذر لغير الله، ولا يحلف بغير الله، ولا يستغاث ولا يستعان بغير الله.
وكل هذا يفعله قوم ذلك الزائغ فما حجتهم في هذا العمل الباطل؟ فليجب عن هذا ثم ليفتخر بما كان منه مع أمير حائل العامي، وأنه يتبجح بإلزامه وإفحامه، ألا لعنة الله على الكاذبين.
الوجه السابع: أن الشعراء الذين أورد النبهاني من شعرهم في الاستدلال على جواز الاستغاثة بغير الله والاحتجاج على مشروعية دعاء سواه سبحانه- بل كل من كان على هذا المنهج من الغلاة- فهو إما من القائلين بالحلول والاتحاد وهو الذي سوغ له ذلك الدعاء والالتجاء إذ الكل واحد، وعلى ذلك قول قائلهم:
وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواه
стр. 1090
وقال آخر:
الرب عبد والعبد رب ... يا ليت شعري من المكلف
وعندهم الوجود واحد، ولذلك قال من قال سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها، فإذا كان الله عين كل شيء فله أن يعبد كل شيء إذ هي عين الحق، وفي كتاب فصوص الحكم ما تقشعر منه جلود المؤمنين.
قال شرف الدين إسماعيل المعروف بابن المرقىء من قصيدة:
فقال بأن الرب والعبد واحد ... فربي مربوب بغير تغاير
وأنكر تكليفاً إذ العبد عنده ... إله وعبد فهو إنكار حاير
وخطأ إلا من يرى الخلق صورة ... وهوية لله عند التناظر
وقال يحل الحق في كل صورة ... تجلى عليها وهو إحدى المظاهر
وأنكر أن الله يغني عن الورى ... ويغنون عنه لاستواء المقادر
إلى آخر ما قال. والقصيدة طويلة في ديوانه، وهو الذي قال ما قال الشيخ محيي الدين الذي يقول:
وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
والمقصود؛ أن من يذهب مذهب الغلاة في أهل القبور فريقان:
(الفريق الأول) من يقول بالاتحاد والحلول، إذ لا فرق حينئذ بين الخالق والمخلوق، ولا بين التراب ورب الأرباب، ومنهم النبهاني الزائغ على ما أشعر كلامه واعتقاده في النبي ﷺ مع ما هو عليه من المسلك، وقد ذكرنا ذلك أول الكتاب، ومثله كثير ممن أورد شعره.
(الفريق الثاني) الجهال بحقائق الدين ودقائقه، وهم أكثر من نقل النبهاني شعره، فهم لا يعلمون ما في كلامهم من المحاذير، ولو نبهوا عليها لانتبهوا، وهم في شعرهم وما قالوه في النبي ﷺ من الغلو يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وقد رأينا من يعمل في قبور الأصفياء ما يعمل من المنكرات والأعمال التي لم تشرع
стр. 1091
كلهم من العوام وإن كان في زي العلماء الأعلام، فبطل جميع ما استشهد به من الشعر والحمد لله.
قال النبهاني: إن الشيخ محمد الأمير الكبير صاحب الثبت المشهور قد أجازني بثبته، وما اشتمل عليه من علوم الشريعة والطريقة، ومن كل معقول ومنقول شيخي الإمام العلامة الشيخ إبراهيم السقا المصري، عن الشيخ محمد الأمير الصغير، عن والده الأمير الكبير المذكور، ثم ذكر سنده بالطريقة الشاذلية إلى أن أوصلها إلى جبريل، عن إسرافيل، عن عزارئيل، عن اللوح، عن القلم، عن الجليل ﷻ ، ثم ذكر له إجازة أخرى من هذا القبيل.
ثم أردفها بتنبيه نزه فيه شيخه عما قيل فيه، ثم ذكر سنده في الطريقة البكرية الخلوتية، وأعقبها بهذيان وترهات تود الأذن المحمدية لو كانت عنها صماء.
الجواب عن جميع ما هذى به في هذا المقام أن يقال: أن ما عليه النبهاني من الجهل والضلال يكذب جميع ما ادعاه، أين علمه بالمعقول والمنقول الذي أجازه به شيوخه؟ بل أين آثار علم من العلوم فضلاً عن جميعها من العلوم العقلية والنقلية؟
ودعوة المرء تطفي نور بهجته ... هذا بحق فكيف المدعي زللا
ثم أين زهده وورعه وتقواه وقد صرف عمره في الأحكام القانونية في المحاكم الجزائية والبداية والحكم بغير ما أنزل الله؟ أما يستحي من هذا حاله أن يدخل نفسه في عداد المسلمين فضلاً عن عباد الله الصالحين والعلماء العاملين؟ وهو صفر اليدين من كل فضيلة، عار عن أردية المناقب الجميلة، ولكن شأن من لم يستح من الله ومن عباده أن يصنع ما يشاء، وليته ذكر أيضاً سنده بالطريقة الرفاعية، التي تلقاها عن شيخه وشيطانه، شيخ السوء ومقتدى الدجالين، خبيث النفس والأفعال، أبي البدع وعنوان الضلال، وهكذا غالب متصوفة زماننا، فمن
стр. 1092
باب الإشارة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ ١ وهي الشهوات الدانية واللذات الفانية، ويجعلون ما ورثوه ذريعة إلى أخذ ذلك: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ ٢ ولا بد، لأنا واصلون كاملون، وهذا حال كثير من متصوفة زماننا، فإنهم يتهافتون على الشهوات تهافت الفراش على النار، ويقولون إن ذلك لا يضرنا لأنا واصلون، وحكي عن بعضهم أنه يأكل الحرام الصرف، ويقول: إن النفي والإثبات يدفع ضرره، وهو خطأ فاحش وضلال بين، أعاذنا الله تعالى وإياكم من ذلك، وأعظم منه اعتقاد حل أكل مثل الميتة من غير عذر شرعي لأحدهم، ويقول كل منا بحر والبحر لا ينجس، ولا يدري هذا الضال أن من يعتقد ذلك أنجس من الكلب والخنزير، ومنهم من يحكي عن بعض الكاملين المكملين من أهل الله تعالى ما يؤيد به دعواه، وهو كذب لا أصل له، وحاشا ذلك الكامل مما نسب إليه. انتهى.
وقال الزمخشري عند الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ ٣. ما نصه: "محبة العباد لربهم طاعته وابتغاء مرضاته، وأن لا يفعلوا ما يوجب سخطه وعقابه، ومحبة الله تعالى لعباده أن يثيبهم أحسن الثواب على طاعتهم، ويعظمهم ويثني عليهم ويرضى عنهم، وأما ما يعتقده أجهل الناس وأعداهم للعلم وأهله وأمقتهم للشرع وأسوؤهم طريقة، وإن كانت طريقتهم عند أمثالهم من الجهلة والسفهاء شيئاً وهم الفرقة المفتعلة المنفعلة من الصوف، وما يدينون به من المحبة والعشق والتغني على كراسيهم خربها الله تعالى، وفي مراقصهم عطلها الله تعالى بأبيات الغزل المقولة في المردان الذين يسمونهم شهداء، وصعقاتهم التي أين منها صعقة موسى ﵇، ثم دك الطور فتعالى الله عنه علواً كبيراً، ومن كلماتهم كما أنه بذاته يحبهم، كذلك
стр. 1093
يحبون ذاته، فإن الهاء راجعة إلى الذات، دون النعوت والصفات، ومنها الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، ولو لم يكن ذلك لم تكن فيه حقيقة" انتهى كلامه.
وهؤلاء الطائفة الذين تسموا بالصوفية غاصبين له عن أهله، وقد ارتكبوا ما نقل الإمام عنهم، بل وزيادة أضعاف أضعافه مما نعلمه من هذه الطائفة في زماننا، وذلك لا ينافي حال المتسمين به حقيقة، ولا يؤاخذ الصالح بالطالح، ولا يضرب رأس البعض بالبعض، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
ثم إنه من المعلوم أن ما يقرأه الناس اليوم من العلوم العقلية أخذت من كتب اليونان بعد أن ترجمت بأمر المأمون الخليفة العباسي، فمن أين ساغ لمن أسندها في الإجازات الكاذبة إلى النبي ﷺ عن جبريل عن ميكائيل عن إسرافيل عن عزرائيل عن اللوح عن القلم كما ذكره النبهاني الكاذب في إسناده؟ وعلوم اليونان كلها خطأ وضلال وبهتان كما ظهر ذلك للعيان عند من مارس فنون الفلاسفة المتأخرين، فكيف تسند إلى من لا ينطق عن الهوى؟ وهكذا حكم الطرائق المبتدعة، فهي من وسوسة الشيطان لا من وحي الرحمن.
وأما علم الكلام الذي هو من جملة علم المعقول المختلط مع المنقول إن كان المراد به المخالف للكتاب والسنة فهو باطل، وقد نزه الله تعالى عنه من ذكره النبهاني في سند إجازته التي أجازه فيها شيوخه بالعلوم والطريقة، ولم يكن في الصحابة والتابعين أحد يستدل على حدوث العالم بحدوث الأجسام، ويثبت حدوث الأجسام بدليل الأعراض والحركة والسكون، والأجسام مستلزمة لذلك لا تنفك عنه، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث، ويبني ذلك على حوادث لا أول لها، بل أول ما ظهر هذا الكلام في الإسلام بعد المائة الأولى من جهة الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، ثم صار إلى أصحاب عمرو بن عبيد، كأبي الهذيل العلاف وأمثاله. وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء إنما كانا يظهران الكلام في إنفاذ الوعيد، وأن النار لا يخرج منها من دخلها، وفي التكذيب بالقدر، وهذا كله مما
стр. 1094
نزه الله عنه نبيه ﷺ وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، وتمام الكلام في كتاب المنهاج لشيخ الإسلام ﵀، فإن فيه ما يشفي صدور المؤمنين.
ثم إن ما ذكره النبهاني من أن سند الطرايق المبتدعة يتصل بالنبي ﷺ عن جبريل عن ميكائيل عن إسرافيل عن عزرائيل إلى آخر ما ذكره فهو كذب لا أصل له.
وتحقيق ذلك: أن أهل المعرفة وحقائق الإيمان المشهورين في الأمة بلسان الصدق إنما وصلوا إلى ما وصلوا إليه بالعمل بما في الكتاب والسنة لا بلباس الخرقة، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" ١. فأين حقائق القلوب من لباس الأبدان.
ويقال ثانياً: الخرق متعددة أشهرها خرقتان: خرقة إلى عمر، وخرقة إلى عليّ، كما حققه شيخ الإسلام، فخرقة عمر لها إسنادان: إسناد إلى أويس القرني، وإسناد إلى أبي مسلم الخولاني.
وأما الخرقة المنسوبة إلى عليّ؛ فإسنادها إلى الحسن البصري، والمتأخرون يصلونها بمعروف الكرخي، فإن الجنيد صحب السري والسري صحب معروفاً الكرخي بلا ريب، وأما الإسناد من جهة معروف فينقطع، فتارة يقولون: إن معروفاً صحب علياً وهو ابن موسى الرضا، وهذا باطل قطعاً، لم يذكره المصنفون لأخبار معروف بالإسناد الثابت المتصل، كأبي نعيم وأبي الفرج ابن الجوزي في كتابه الذي صنفه في فضائل معروف، ومعروف كان منقطعاً في الكرخ، وعلي بن موسى كان المأمون قد جعله ولي العهد بعده، وجعل شعاره لباس الخضرة، ثم
стр. 1095
رجع عن ذلك وأعاد شعار السواد، ومعروف لم يكن ممن يجتمع بعلي بن موسى ولا نقل عنه ثقة أنه اجتمع به أو أخذ عنه شيئاً، بل ولا يعرف أنه رآه، ولا كان معروف بوابه، ولا أسلم على يديه، وهذا كله كذب.
وأما الإسناد الآخر فيقولون: إن معروفاً صحب داود الطائي، وهذا أيضاً لا أصل له، وليس في أخباره المعلومة ما يذكر فيها.
وفي إسناد الخرقة أيضاً أن داود الطائي صحب حبيباً العجمي، وهذا أيضاً لم يعرف له حقيقة.
وفيها أن حبيباً العجمي صحب الحسن البصري، وهذا صحيح، فإن الحسن كان له أصحاب كثيرون، مثل أيوب السختياني، ويونس بن عبيد، وعبد الله بن عوف، ومثل محمد بن واسع، ومالك بن دينار، وحبيب العجمي، وفرقد السبخي وغيرهم من عباد البصرة.
وفيها أن الحسن صحب علياً، وهذا باطل باتفاق أهل المعرفة، فإنهم متفقون على أن الحسن لم يجتمع بعلي، وإنما أخذ عن أصحاب علي، أخذ عن الأحنف بن قيس، وقيس بن عباد وغيرهما عن علي، وهكذا رواه أهل الصحيح، والحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وقتل عثمان وهو بالمدينة، كانت أمه أمة لأم سلمة، فلما قتل عثمان حمل إلى البصرة، وكان علي بالكوفة، والحسن في وقته صبي من الصبيان لا يعرف ولا له ذكر، والأثر الذي يروى عن علي أنه دخل إلى جامع البصرة وأخرج القصاص إلا الحسن كذب باتفاق أهل المعرفة، ولكن المعروف أن علياً دخل المسجد فوجد قاصاً يقص، فقال: ما اسمك؟ قال أبو يحيي، قال تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال لا، قال: هلكت وأهلكت، إنما أنت أبو اعرفوني، ثم أخذ بأذنه فأخرجه من المسجد.
فروى أبو حاتم في كتاب "الناسخ والمنسوخ": حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: انتهى عليّ
стр. 1096
إلى قاص وهو يقص، فقال: أعلمت الناسخ والمنسوخ؟ قال لا، قال: هلكت وأهلكت.
قال وحدثنا زهير بن عباد الرواسي، حدثنا أسد بن حمران عن جويبر عن الضحاك، أن علي بن أبي طالب دخل مسجد الكوفة فإذا قاص يقص فقام على رأسه فقال: يا هذا! تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: أفتعرف مدني القرآن من مكيه؟ قال: لا، قال: هلكت وأهلكت. قال: أتدرون من هذا؟ هذا يقول: اعرفوني اعرفوني١.
وقد صنف ابن الجوزي مجلداً في مناقب الحسن البصري، وصنف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحي المقدسي جزءاً فيمن لقيه من أصحابه، وأخبار الحسن مشهورة في مثل "تاريخ البخاري".
قال شيخ الإسلام: "وقد كتبت أسانيد الخرقة، لأنه كان فيها أسانيد فبينتها ليعرف الحق من الباطل، ولهم أسانيد أخر بالخرقة المنسوبة إلى جابر، وهو منقطع جداً، وقد عقل بالنقل المتواتر أن الصحابة لم يكونوا يلبسون مريديهم خرقة، ولا يقصون شعورهم، ولا التابعون، ولكن هذا فعله بعض مشايخ المشرق من المتأخرين وأخبار الحسن مذكورة بالأسانيد الثابتة في كتب كثيرة يعلم منها ما ذكرنا.
وقد أفرد أبو الفرج ابن الجوزي له كتاباً في مناقبه وأخباره.
وأضعف من هذا نسبة الفتوة إلى علي، وفي إسنادها من الرجال المجهولين الذين لا يعرف لهم ذكر ما يبين كذبها.
وقد علم كل من له علم بأحوال الصحابة والتابعين أنه لم يكن فيهم أحد يلبس سراويل، ولا يسقي ملحاً، ولا يختص أحد بطريقة تسمى الفتوة، لكن كانوا
стр. 1097
قد اجتمع بهم التابعون وتعلموا منهم، وتأدبوا بهم، واستفادوا منهم، وتخرجوا على أيديهم، وصحبوا من صحبوه منهم، وكانوا يستفيدون من جميع الصحابة، وأصحاب ابن مسعود كانوا يأخذون عن عمر وعلي وأبي الدرداء وغيرهم، وكذلك أصحاب معاذ بن جبل ﵁ كانوا يأخذون عن ابن مسعود وغيره، وكذلك أصحاب ابن عباس يأخذون عن ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما، وكذلك أصحاب زيد بن ثابت يأخذون عن أبي هريرة وغيره، وقد انتفع بكل منهم من نفعه الله، وكل منهم متفقون على دين واحد وطريق واحدة وسبيل واحدة، يعبدون الله تعالى ويطيعون الله ورسوله ﷺ ، ومن بلغهم من الصادقين عن النبي ﷺ شيئاً قبلوه، ومن فهم من السنة والقرآن ما دل عليه القرآن والسنة استفادوه، ومن دعاهم إلى الخير الذي يحبه الله ورسوله أجابوه، ولم يكن أحد منهم يجعل شيخه رباً يستغيث به كالإله الذي يسأله ويرغب إليه، ويعبده ويتوكل عليه، ويستغيث به حياً وميتاً، ولا كالنبي الذي تجب طاعته في كل ما أمر، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، فإن هذا ونحوه دين النصارى، الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.
وكانوا متعاونين على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، متواصين بالحق متواصين بالصبر، والإمام والشيخ ونحوهما عندهم بمنزلة الإمام في الصلاة وبمنزلة دليل الحاج، فالإمام يقتدي به المأمون فيصلون بصلاته لا يصلي عنهم، وهو يصلي بهم الصلاة التي أمر الله ورسوله بها، فإن عدل عن ذلك سهواً أو عمداً لم يتبعوه، ودليل الحاج يدل الوفد على طريق البيت ليسلكوه ويحجوه بأنفسهم، فالدليل لا يحج عنهم، وإن أخطأ الدلالة لم يتبعوه، وإذا اختلف دليلان وإمامان نظر أيهما كان الحق معه فاتبع، فالفاصل بينهم الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ
стр. 1098
كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١.
وكل من الصحابة الذين سكنوا الأمصار أخذ عنه الناس الإيمان والدين، وأكثر المسلمين بالمشرق والمغرب لم يأخذوا عن علي شيئاً، فإنه ﵁ كان ساكناً بالمدينة، وأهل المدينة لم يكونوا يحتاجون إليه إلا كما يحتاجون إلى نظرائه كعثمان في مثل قضية يشاورهم فيها عمر ونحو ذلك، ولما ذهب إلى الكوفة كان أهل الكوفة قبل أن يأتيهم قد أخذوا الدين عن سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وحذيفة وعمار وأبي موسى وغيرهم ممن أرسله عمر إلى الكوفة، وأهل البصرة أخذوا الدين عن عمران بن حصين وأبي بكرة وعبد الرحمن بن سمرة وأنس وغيرهم من الصحابة وأهل الشام أخذوا الدين عن معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأبي الدرداء وبلال وغيرهم من الصحابة، والعباد والزهاد من أهل هذه البلاد أخذوا الدين عمن شاهدوه من الصحابة، فكيف يجوز أن يقال: إن طريق أهل الزهد والتصوف متصل به دون غيره، وهذه كتب الزهد- مثل الزهد للإمام أحمد، والزهد لابن المبارك، ولوكيع بن الجراح، ولهناد بن السري، ومثل كتب أخبار الزهاد، كحلية الأولياء، وصفوة الصفوة، وغير ذلك- فيها من أخبار الصحابة والتابعين أمور كثيرة، وليس الذي فيها لعلي أكثر مما فيها لأبي بكر وعمر ومعاذ وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي ذر وأبي الدرداء وأبي إمامة وأمثالهم من الصحابة ﵃ أجمعين " انتهى كلامه.
والمقصود من نقله، أن يعلم أن ما ذكره النبهاني من الثبت باطل من وجوه:
أما أولاً: فلأن ما يعرفه من العلم الشيطاني ليس مأخوذاً بالسند عن رسول الله ﷺ ، فإن العلم الذي جاء به الرسول لا يعرفه ولا يوفق له، فإنه نور ونور الله لا يوفق له العصاة الطغاة.
وأما ثانياً: فلأن الطرايق التي انتحلها لا أصل لها، وكلها بدع وضلالات،
стр. 1099
ولذلك لم تؤثر في قلبه شيئاً إن صدق أنه سلكها، بل هو من أضل الناس وأجهل الناس.
وأما ثالثاً: فلأن سنده مختل باطل، كما يعلمه من يطبقه على ما سبق من كلام شيخ الإسلام.
وبالجملة؛ فكلامه في كتابه هذا من أوله إلى آخره ظلمات بعضها فوق بعض، فسبحان من طبع على قلبه وعلى سمعه وبصره، ومع ما هو عليه من الحال الذي ينبغي أن يرثى له بسببه يتطاول على علماء المسلمين الربانيين ويفحش القول فيهم، قبحه الله تعالى ولعنه كما لعن أصحاب السبت، وما أحقه بقول أبي العلاء المعري:
إذا وصف الطائي بالبخل ما در ... وعير قسا بالفهاهة باقل
وقال السهى للشمس أنت خفية ... وقال الدجى للصبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدّي إن دهرك هازل
والكلام على بدع الطرائق وأهلها مفصل في غير هذا الموضع، وفي كتاب (كشف أحوال المشايخ الأحمدية وبيان أحوالهم الشيطانية) ما يشفي صدور المؤمنين، وتقر به عين الموحدين.
والنبهاني لم يزل يكرر قوله في التبجح والافتخار بالإجازات الكاذبة التي لا أصل لها، ويقول: وعندي بحمد الله إجازات بكثير من الطرق العلية غير الخلوتية والشاذلية، كالقادرية والرفاعية والنقشبندية، ولكن كل ذلك لأجل البركة باتصال سندي بالنبي ﷺ كما اتصل من طرق الفقهاء والمحدثين وسائر علماء الدين.. إلى آخر هذيانه.
ولا بدع إذا ما كان مجمع البدع والضلالات، وليت شعري ماذا نفعته تلك الإجازات، وأي بركة حصلت له ما هاتيك الخزعبلات، وهل هي إلا أن قضى شطراً من عمره في محاكم القوانين والنظامات، وصرف أيامه بالجهالات
(الكلام على سوء خاتمته)
قال النبهاني: الخاتمة في الجواب عما اعترض به ابن تيمية وأمثاله على بعض أولياء الله تعالى من الألفاظ الموهمة، ونقل عن كتاب (البحر المورود) للإمام الشعراني أنه قال أخذ علينا العهود أن نجيب عن أئمة الإسلام- من العلماء والصوفية- جهدنا، ولا نصغي قط لقول من طعن فيهم، لعلمنا أنه ما طعن فيهم إلا وهو قاصر عن معرفة مداركهم، ونقل كلامه في تبرئة الجنيد والغزالي، والشيخ محيي الدين بن عربي، ونقل أيضاً كلامه على ما اعترض عليه من كلمات القوم، كقول الشيخ: أبي يزيد طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك. وقول الجنيد: العارفون لا يموتون، وإنما ينقلون من دار إلى دار. وقول الشبلي: إن ذلي عطل ذل اليهود. وقول الغزالي: ليس في الإمكان أبدع مما كان. وقول الشيخ محيي الدين بن عربي: حدثني قلبي عن ربي، أو حدثني ربي عن قلبي، أو حدثني ربي عن نفسه!!
ثم إن الشعراني وجه هذه الأقوال بتوجيهات رآها، ثم نقل عن القوم أقوالاً ثبتت عنهم- ولم يعين قائلاً- كقولهم: اللوح المحفوظ هو قلب العارف، وقولهم: دخلنا حضرة الله، وخرجنا من حضرة الله! وأبدى لمثل هذه الأقوال معاني صحيحة، ثم إن بعض أقوال نسبت إلى بعض أولئك القوم، قال لم تصح نسبتها إليهم وكذبها، ونقل النبهاني أيضاً عن الفتاوى الحديثية بعض المسائل المتعلقة بمثل تلك الأقوال سئل عنها فأجاب بما أجاب وختم به كتابه.
والجواب عن ذلك كله أن يقال: إنه لم يسلم أحد من الاعتراض عليه،
стр. 1102
وإلقاء التهمة بين يديه، وكل أحد يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله ﷺ وهؤلاء الذين ذكر من أقوالهم ما ذكر إن لم يكن لها وجه، فهي لا تزري بعلو شأنهم، ومزيد عرفانهم، فهم لم يكونوا معصومين، ولا أنبياء ولا مرسلين، وقد قيل إن الصارم قد ينبو، والجواد قد يكبو، والسعيد من عدت سقطاته، وقلت غلطاته، وما أحسن ما قيل:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معائبه
هذا إذا لم يكن لما قالوه وجه وجيه، فكيف وغالب أقوالهم قد صححها بعض أهل العلم.
والنبهاني قد افترى على شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية في قوله: إن ابن تيمية اعترض على تلك الأقوال التي ذكرها، فعلى أي قول منها اعترض؟ وفي أي كتاب ذكر ذلك؟
والبهتان قد صار ديدناً وديناً للنبهاني، كما قد قررنا ذلك مراراً، وابن تيمية لم يزل يذب عن العلماء الربانيين، والعلماء العاملين، وألف كتاباً سماه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وآخر في الذب عن الأئمة الأربعة، وآخر في الانتصار للإمام أحمد، وآخر وآخر، مما سبق بيانه.
وقد كان ﵀ على جانب من الإنصاف عظيم، يعرف قدر أهل العلم، ويعطي كل ذي حق حقه، نعم اعترض على بعض مسائل لأبي حامد مخالفة للكتاب والسنة ذكرها في "الإحياء" وغيره من كتبه، كما هو شأن أئمة الأمة المحمدية، فإنهم كما وصفهم نبيهم لا يجتمعون على ضلالة، وقال فيه: إنه مات والبخاري على صدره، نعم إنه تكلم في الشيخ محيي الدين وأضرابه ممن قال بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، كما سبق بيانه، وله فيهم رد كبير، وذكر منه في كتابه (الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن) ما نقلنا بعضه فيما سبق، وهو ليس أول من قرع هذا الباب من أولي الألباب، فكم وكم له من سلف، وذلك من الواجب على مثله أن يقوم على ساق المناضلة والذب عن الشريعة الغراء،
стр. 1103
ومن أعطاه الله علماً فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ١. والشيخ محيي الدين قد ألف فيه كتب كثيرة، وردوا على أقواله التي في الفصوص والفتوحات وغيرهما.
وممن ألف في الرد عليه العلامة الثاني سعد الدين التفتازاني، والحافظ العسقلاني، والشيخ أبو عبد الله البخاري، والملا علي القاري، والعلامة العضد، وغيرهم ممن لا يحصون كثرة، وإنهم أصابوا في الرد عليه، ولولا أن يطول الكلام لذكرنا كلامهم فيهم، ولعلنا إن شاء الله نفرد له كتاباً يكون قسيماً لهذا الكتاب.
ثم إن ما نقله النبهاني عن الشعراني في توجيه قول الشيخ محيي الدين فهو غير مقبول، لأنه لا يدل اللفظ عليه لا حقيقة ولا مجازاً، ولقد تجرأ على القول به بعض من لا خلاق له ممن ينتسب إلى العلم والصلاح من الغلاة، فحصل منه من المفاسد ما حصل.
قال العلامة الشيخ عبد اللطيف في كتابه (منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس) عند الكلام على بدع القبوريين ما نصه:
"ومن المحن أن مشايخ المذاهب الأربعة وفقهاءهم جزموا بوجوب هدم القباب، ونهوا عن الطواف بالقبور ودعاء أربابها، بل ودعاء الله عندها، ومنعوا من الذبح لها والغلو فيها، بل وعن عبادة الله بالصلاة عندها، فإذا عُمل بمقتضى أقوالهم عامل وألزم بها الناس نسبة هؤلاء الجهال إلى الاستخفاف بالأنبياء والصالحين وإلى مخالفة العلماء، لأن العلم في عرفهم ما هم عليه من أقوال أسلافهم ومشايخهم من المتأخرين، قال وقد حدثني من يقبل حديثه أنه سمع هذا العراقي بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام يوم قدوم الحاج يقول
стр. 1104
في مجمع من الناس: إنما الرجل من يقول حدثني سري عن ربي، لا من يقول: حدثنا فلان وفلان.
فانظر هذا الاستخفاف العظيم برسل الله، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن من يأخذ عن الأنبياء المعصومين وعن رسل الله المبلغين أفضل وأكمل ممن يأخذ عن سره ووارده، بل هذه الواردات كلها موقوفة ومردودة إلا بشاهد عدل من رسول الله ﷺ يشهد لها بالصحة وأنها حق يؤخذ به.
وقد قال شيخ الطريق الجنيد بن محمد ﵀: إنه لتقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة.
وغالب هذه الواردات التي تخالف الشرعيات، ويشير إليها أهل التصوف والتعبدات- إنما هي من وحي الشيطان لا عن الله رب العالمين، وبهذا تعلم أن هذا العراقي وأمثاله هم أهل التنقص للرسل التاركون لما جاؤوا به، وحاصل أمرهم عزل الكتاب والسنة في باب الاعتقادات والعمليات، واتباع ما تهوى الأنفس من الغلو والإطراء والجهل والضلالات، وهذا الاعتراض محشو من ذلك لا تكاد تعد فيه كلمة واحدة سيقت على القانون الشرعي والمنهاج المرضي، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام فيما كتب على المحصل للرازي:
محصل في أصول الدين حاصله ... من بعد تحصيله جهل بلا دين
بحر الضلالات والإفك المبين وما ... فيه فأكثره وحي الشياطين
انتهى كلام صاحب المنهاج، ومنه يعلم أن قول محيي الدين إن صح عنه فهو قول باطل لا يفيد فيه ما ذكره الشعراني من التأويل العليل.
والإمام أبو حامد الغزالي اعترض على كتبه كثير من العلماء الربانيين، منهم الإمام أبو عبد الله المازري، قال تاج الدين ابن السبكي في "طبقاته" عند ذكره كلام الطاعنين على هذا الإمام ورده: قال الإمام أبو عبد الله المازري المالكي- مجيباً لمن سأله عن حال كتاب إحياء العلوم ومصنفه- هذا الرجل- يعني الغزالي-: وإن لم أكن قرأت كتابه فقد رأيت تلامذته وأصحابه، فكل منهم يحكي لي نوعاً من
стр. 1105
حاله وطريقته، فأتلوح بها من مذهبه وسيرته ما قام لي مقام العيان، فأنا أقتصر على ذكر حال الرجل وحال كتابه، وذكر جمل من مذاهب الموحدين والفلاسفة والمتصوفة وأصحاب الإشارات، فإن كتابه متردد بين هذه الطرائق لا يعدوها، ثم أتبع ذلك بذكر حيل أهل مذهب على أهل مذهب آخر، ثم أبين عن طرق الغرور، وأكشف عما دفن من حبال الباطل ليحذر من الوقوع في حباله صائده. ثم إنه أثنى على الغزالي في الكشف، وقال: هو أعرف بالفقه منه بأصوله، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين فإنه صنف فيه أيضاً وليس بالمستبحر فيها، ولقد فطنت لسبب عدم استبحاره وذلك أنه قرأ علم الفلسفة قبل استبحاره في فن أصول الدين، فأكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني، وتسهيلاً للهجوم على الحقائق، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها، وليس لها حكم شرعي ترعاه، ولا تخاف من مخالفة أئمة تتبعها، وعرفني بعض أصحابه أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا، وهي إحدى وخمسون رسالة، ومصنفها فيلسوف قد خاض في علم الشرع والعقل، فمزج ما بين العلمين، وذكر الفلسفة وحسنها في قلوب أهل الشرع بأبيات يتلوها عندها وأحاديث يذكرها، ثم كان في هذا الزمان المتأخر رجل من الفلاسفة يعرف بابن سينا ملأ الدنيا تآليف في علم الفلسفة، وهو فيها إمام كبير، وقد أدته قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره، وقد رأيت جملاً من دواوينه ورأيت هذا الغزالي يعول عليه في أكثر ما يشير إليه من الفلسفة.
ثم قال: وأما مذاهب الصوفية فلست أدري على من عول فيها، ثم أشار إلى أنه عول على أبي حيان التوحيدي.
ثم ذكر توهية أكثر ما في الإحياء من الأحاديث وقال: عادة المتورعين أن لا يقولوا قال مالك قال الشافعي فيما لم يثبت عندهم، ثم أشار إلى أنه يستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له، مثل قوله في قص الأظفار أن تبدأ بالسبابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها المسبحة إلى آخر ما ذكر من الكيفية، وذكر فيه أثراً، وقال: من مات بعد بلوغه ولم يعلم أن الباري قديم مات مسلماً إجماعاً،
стр. 1106
قال: ومن تساهل في حكاية هذا الإجماع الذي الأقرب أن يكون فيه الإجماع بعكس ما قال فحقيق أن لا يوثق بما نقل.
وقد رأيت له أنه ذكر أن في علومه هذه ما لا يسوغ أن يودع في كتاب، فليت شعري أحق هو أو باطل، فإن كان باطلاً فصدق، وإن كان حقاً وهو مراده بلا شك فلم لا يودع في الكتب؟ ألغموضة ودقته؟ قال: فإن كان هو فما المانع؟ (هذا ملخص كلام المازري على ما قاله ابن السبكي) .
(ومنهم أبو الوليد الطرطوشي) قال تاج الدين: وسبق المازري إلى قريب منه من المالكية أبو الوليد الطرطوشي، فذكر في رسالته إلى ابن مظفر: فأما ما ذكرت من أمر الغزالي فرأيت الرجل وكلمته فرأيته رجلاً من أهل العلم قد نهضت به فضائله واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول زمانه، ثم بدا له الانصراف عن طريق العلماء ودخل في غمار العمال، ثم تصوف فهجر العلوم وأهلها، ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين، ولقد كان ينسلخ من الدين، فلما عمل الإحياء عمد يتكلم في علوم الأحوال ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها ولا خبير بمعرفتها فسقط على أم رأسه وشحن كتابه بالموضوعات.
(ومنهم الشيخ تقي الدين ابن الصلاح) فقد تكلم أيضاً في الغزالي بكلام قادح فيه، وطعن على كتبه بأنها مشتملة على خرافات وأكاذيب وموضوعات، قال ابن السبكي: وللشيخ تقي الدين في حق الغزالي كلام لا نرتضيه، ذكره علماء المنطق، تكلمنا عليه في أوائل شرحنا للمختصر لابن الحاجب، ونقل عن عفيف الدين ما كتبه إليه من جملة رسالة: وأما ما ذكره الشيخ تقي الدين ابن الصلاح من عند نفسه ومن كلام يوسف الدمشقي والمازري فما أشبه هؤلاء الجماعة رحمهم الله تعالى إلا بقوم متعبدين سليمة قلوبهم، قد ركنوا إلى الهوينا، فرأوا فارساً عظيماً من المسلمين قد رأى عدداً عظيماً لأهل الإسلام، فحمل عليهم وانغمس في صفوفهم، وما زال في غمرتهم حتى فل شوكتهم وكسرهم، وفرق جموعهم شذر مذر، وفلق هام كثير منهم، فأصابه يسير من دمائهم وعاد سالماً، فرأوه وهو يغسل
стр. 1107
الدم عنه، ثم دخل معهم في صلاتهم وعبادتهم، فتوهموا أيضاً أثر الدم عليه فأنكروا عليه، هذا حال الغزالي وحالهم، انتهى ما هو المقصود.
ثم إن ابن السبكي أجاب عن بعض ما اعترض به المازري والطرطوشي بأجوبة ارتكب التعسف فيها كما هي عادته من التعصب لأهل مذهبه، ومع ذلك لم يمكنه إنكار جهل الغزالي بالحديث، فإنه قال: وأما ما عاب به الإحياء من توهية بعض الأحاديث فالغزالي معروف بأنه لم تكن له في الحديث يد باسطة، وعامة ما في الإحياء من الأخبار والآثار مبدد في كتب من سبقه من الصوفية والفقهاء، ولم يسند الرجل لحديث واحد، وقد اعتنى بتخريج أحاديث الإحياء بعض أصحابنا، فلم يشذ عنه إلا اليسير، قال وسأذكر جملة من أحاديثه الشاذة استفادة، ثم إنه بعد كلام استشهد بقوله:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
ثم قال بعد كلام طويل: ولقد وقعت في بلاد المغرب بسبب الإحياء فتن كثيرة وتعصب أدى إلى أنهم كادوا يحرقونه، وربما وقع إحراق يسير، قال والشيخ أبو الحسن لما وقف على الإحياء وتأمله قال هذا بدعة مخالفة للسنة، وكان شيخاً مطاعاً في بلاد المغرب، فأمر بإحضار كل ما فيها من نسخ الإحياء وطلب من السلطان أن يلزم الناس بذلك، فكتب إلى النواحي وشدد في ذلك وتوعد من أخفى شيئاً منه، فأحضر الناس ما عندهم واجتمع الفقهاء ونظروا فيه، ثم أجمعوا على إحراقه يوم الجمعة، وكان ذلك يوم الخميس، ثم ذكر ابن السبكي قصة رؤيا أبي الحسن المكذوبة وزعم أنه ترك إحراقه لتلك الرؤيا، وأنه بعد ذلك رغب فيه. انتهى كلامه ملخصاً.
(ومنهم العلامة الشيخ عبد اللطيف الحنبلي) قال رحمه الله تعالى في رسالة له كتبها لبعض أصحابه يحذره عن كتب أبي حامد الغزالي ويذكر له أنها مخالفة للكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وهي هذه بنص عبارته ولفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ في الله
стр. 1108
عبد الله بن معيذر سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فقد بلغني عنك ما يشغل كل من له حمية إسلامية وغيرة دينية على الملة الحنيفية، وذلك أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب الإحياء للغزالي، وجمعت عليه من لديك من الضعفاء والعامة الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة ووسائل الكفر والشقاوة، وأسمعتهم ما في الإحياء من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والشقاشق التي اشتملت على الداء الدفين، والفلسفة في أصل الدين، وقد أمر الله تعالى وأوجب على عباده أن يتبعوا رسله، وأن يلتزموا سبيل المؤمنين، وهذا الأصل المحكم لا قوام للإسلام إلا به، وقد سلك في الإحياء طريق الفلاسفة والمتكلمين في كثير من مباحث الإلهيات وأصول الدين، وكسا الفلسفة لحاء الشريعة حتى ظنها الأغمار والجهال بالحقائق من دين الله الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ودخل به الناس في الإسلام وهي في الحقيقة محض فلسفة منتنة يعرفها أولوا الأبصار، ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كافة في القرى والأمصار، قد حذر أهل العلم والبصيرة عن النظر فيها، ومطالعة خافيها وباديها، بل أفتى بتحريقها علماء المغرب ممن عرف بالسنة، وسماها كثير منهم إماتة علوم الدين، وقام ابن عقيل أعظم قيام في الذم والتشنيع وزيف ما فيه من التمويه والترقيع، وجزم بأن كثيراً من مباحثه زندقة خالصة لا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل.
قال شيخ الإسلام: "ولكن أبو حامد دخل في أشياء من الفلسفة، وهي عند ابن عقيل زندقة، وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة"..
ورد عليه شيخ الإسلام في "السبعينية" وذكر قوله في العقول والنفوس، وأنه مذهب الفلاسفة، فأفاد وأجاد، ورد عليه غيره من علماء الدين.
وقال فيه تلميذه ابن العربي المالكي: "شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة ثم أراد الخروج فلم يحسن، وكلام أهل العلم معروف في هذا لا يشكل إلا على من هو مزجي البضاعة، أجنبي عن تلك الصناعة- إلى أن قال: "سمعت بعض عباراته المزخرفة قلت كيف ينهانا عن هذا فلان؟ أو يأمر بالإعراض عن هذا
стр. 1109
الشان؟ كأنك سقطت على الدرة المفقودة، والضالة المنشودة وقد يكون ما أطربك وهز أعطافك وحركك فلسفة منتنة، وزندقة مبهمة، أخرجت في قالب الأحاديث النبوية، والعبارات السلفية- إلى أن قال-: ثم جمعت بعض أقوال أهل العلم وما أفتوا به في هذا الكتاب، وتحذيرهم للطالب والمسترشد".
ثم ذكر كلاماً طويلاً للذهبي في ترجمته للغزالي، قال: ومن معجم أبي علي الصدفي في تأليف القاضي عياض له، قال: الشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف الفظيعة، غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم، وصار داهية في ذلك، وألف فيه تأليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون الأمة والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب، وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها فامتثل ذلك.
وقال الذهبي أيضاً: "قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب "التهافت" وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظناً منه أن ذلك حق أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار، ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب رسائل إخوان الصفا، وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قاتل، ولولا أن أبا حامد من الأذكياء وخيار المخلصين لتلف.
فالحذر الحذر من هذه الكتب، واهربوا بدينكم من شبه الأوائل وإلا وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز فليلزم العبودية، وليكثر الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه في الثبات على الإسلام، وأن يتوفى على إيمان الصحابة وسادات التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم يغفر له، وينجو إن شاء الله " انتهى.
والكلام على أبي حامد١ وبيان ما اعترض به عليه لا يسع المقام تفصيله، وما ذكرناه كاف في المقصود، ومن العجب أن بعض الجهلة ممن يدعي العلم والصلاح وهو عار عنهما وقد تزيا بزي أهلهما، وقد كور عمامته وسرح لحيته:
стр. 1110
يحسبه الجاهل ما لم يعلما ... شيخاً على كرسيه معمما
قد راج سوقه على العوام، بما يقصه عليهم في الوعظ من الأكاذيب والأوهام، ورأي أنه لا معارض له من أولئك الأنعام، كما يتكلم المتكلم بين المقابر بما شاء من الكلام، حتى تخيل لذلك أنه من العلماء الأعلام، وما درى أنه أجهل من ابن ثلاثة أيام، قد ذكر "إحياء العلوم" وشرع يمدحه بأعظم المدائح ويقرظه بكل ما خطر له من الثناء، فقلت له: إنه اشتمل على أحاديث موضوعة ومسائل فلسفية خارجة عن الشريعة، وآراء محضة مخالفة للسنة النبوية، وبناء على ذلك أن أهل العلم الموثوق بعلمهم لا يقيمون لهذا الكتاب وزناً، حتى أن بعضهم ألف كتاباً في بيان حال ما فيه من الأحاديث.
فنظر إليَّ شزراً، وكادت تزهق روحه الخبيثة، فقال: كيف تقول هذا الكلام وقد شرحه العلامة الزبيدي، وخرّج أحاديثه، وبيّن أسراره؟
فقلت له: إن الزبيدي ليس من أهل هذا الفن، ولا هو من رجال هذا الميدان، إنما هو رجل له بعض الإطلاع على اللغة وبعض العلوم العربية، وكلام مثله في باب الجرح والتعديل غير ملتفت إليه، وكان من غلاة القبوريين والدعاة لمبتدعاتهم. فلما سمع ما سمع أعرض ونأى بجانبه، ولم يلتفت إلى ما قلته ولا أصغى إلى ما ذكرته، فقلت:
علي نحت القوافي من معادنها ... وما علي إذا لم تفهم البقر
والكلام الحق اليوم ثقيل على الأسماع، لاسيما على أهل الزيغ والابتداع، وعلى المنصف موافقة الحق والاتباع.
والمقصود من هذا الكلام كله أن الشيخ تقي الدين قدس الله روحه لم يتكلم في شأن أبي حامد كما تكلم غيره فيه، والنبهاني افترى عليه وكذب، بل إنه شهد له بحسن العاقبة والخاتمة، وقال في غير موضع من كتبه أنه في آخر عمره استقر أمره على الحيرة والوقوف بعد أن نظر فيما كان عنده من طرق النظار أهل الكلام والفلسفة، وسلك ما تبين له من طرق العبادة والرياضة والزهادة، وفي آخر عمره
стр. 1111
اشتغل بالحديث كصحيحي البخاري ومسلم، انتهى.
فانظر إلى هذه التزكية الحسنة، فإن الأعمال بخواتيمها، ولم يتكلم بمثل هذا الكلام في شأنه حتى من ينتصر له كتاج الدين وأضرابه، وقد سلكوا كل مسلك في تعديله والحث على كتبه، وارتكبوا التعسفات في تأويل ما زل به قلمه.
وأما قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن محمد القرطبي فقد قال: إن بعض من يعظ- ممن كان ينتحل رسم الفقه ثم تبرأ منه شغفاً بالشرعة الغزالية والنحلة الصوفية- قد أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد إمام بدعتهم، فأين هو من تشنيع مناكيره وتضليل أساطيره المبانية للدين، وشريعة سيد المرسلين، وزعم أن هذا من علم المعاملة المفضي إلى علم المكاشفة الواقع بهم على سر الربوبية، الذي لا يسفر عن قناعة ولا يفوز بإطلاعه إلا من تمطى إلى شيخ ضلالته، التي رفع لهم أعلامها وشرع أحكامها، قال أبو حامد: وأدنى من هذا العلم التصديق به، وأقل عقوبته أن لا يرزق المنكر منه شيئاً، فاعرض من قوله على قوله، ولا تشتغل بقراءة قرآن، ولا بكتب حديث، فإن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جيبه والتدثر بكسائه فيسمع نداء الحق، فهو يقول ذروا ما كان السلف عليه، وبادروا إلى ما آمركم به.
قال القاضي: وقال أبو حامد. وصدور الأحرار قبور الأسرار، ومن أفشى سر الربوبية كفر، ورأى مثل قتل الحلاج خيراً من إحياء عشرة لإطلاقة ألفاظاً، ونقل عن بعضهم أنه قال للربوبية سر لو ظهر لبطلت النبوة، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم، وللعلم سر لو كشف لبطلت الأحكام، ثم قال الغزالي: إن لم يرد إبطال النبوة بهذا في حق الضعفاء فما قال ليس بحق، فإن الصحيح لا يتناقض، وإن الكامل لا يطفىء نور معرفته نور ورعه.
وقال أيضاً: العارف يتجلى له أنوار الحق، وتنكشف له العلوم المرمورة والمحجوبة عن الخلق، فيعرف معنى النبوة وجميع ما وردت به ألفاظ الشريعة
стр. 1112
التي نحن منها على ظاهرها، قال عن بعضهم إذا رأيته في البدايه قلت صديقاً، فإذا رأيته في النهاية قلت زنديقاً، ثم فسره الغزالي فقال: إن اسم الزنديق لا يلصق إلا بمعطل الفرائض لا بمعطل النوافل.
وقال: ذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية، فيجلس فارغ القلب مجموع الهم يقول الله الله الله على الدوام فيفرغ قلبه ولا يشتغل بتلاوة ولا كتب حديث، فإذا بلغ هذا الحد التزم الخلوة ببيت مظلم ويدثر بكسائه، فحينئذ يسمع نداء الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت إنما سمع شيطاناً أو ما لا حقيقة له.
وقال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد كتاب الإحياء بالكذب على رسول الله ﷺ ، وما على بسيط الأرض أكثر كذباً منه، شبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني رسائل إخوان الصفا، وهم قوم يرون النبوة مكتسبة، وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق. انتهى.
هذا ما أورده صاحب كتاب البيان والله المستعان، وقد رأيت ما اشتمل عليه هذا الكلام من الهذيان، ونسأله تعالى أن يغفر له ويرحمه بسبب ما فاز به من حسن الخاتمة، واشتغاله آخر عمره بسنة رسول الله ﷺ ، فكان مسكي الختام.
وقد ذكر العلامة السيد صفي الدين في كتابه "القول الجلي" في الجواب عمن قال أن ابن تيمية تكلم في الأولياء كالغزالي وابن عربي وعمر بن الفارض وأضرابهم: أما سبب تكلمه في حجة الإسلام الغزالي فالله أعلم أنه ذكر في كتابه (المضنون) أشياء توافق عقايد الفلاسفة وتخالف الشرع، حتى أن بعض العلماء أنكر نسبة ذلك إليه، كذا ذكر بعضهم، وقد تكلم فيه القاضي عياض وابن الجوزي وغيرهما فله أسوة بهم، وإن كنا لا نسمع في الغزالي كلاماً بعد، كيف وهو حجة الإسلام وملك العلماء الأعلام.
وأما سبب تكلمه في ابن عربي فإنه ذكر أشياء في فصوصه وفتوحاته تقتضي
стр. 1113
الكفر، وقد كفره بذلك جماعة من العلماء، منهم الحافظ ابن حجر، وقد صنف بعض العلماء جزءاً حافلاً وجمع فيه كلام من ذم الشيخ ابن عربي، فمما قال في الجزء المذكور وذكره الذهبي في العبر وقال في ترجمته: صاحب التصانيف، وقدوة القائلين بوحدة الوجود، ثم قال الذهببي: وقد اتهم بأمر عظيم.
وقال في "تاريخ الإسلام ": هذا الرجل قد تصوف وانعزل، وجاع وسهر، وفتح عليه بأشياء امتزجت بعالم الخيال والفكرة، واستحكم ذلك حتى شاهد بقوة الخيال أشياء ظنها موجودة في الخارج، وسمع من طيش دماغه خطاباً واعتقده من الله تعالى ولا وجود له في الخارج إلى آخر ما قال.
قال في الجزء المذكور وذكره الذهبي في الميزان فقال: تصوف تصوف الفلاسفة، واحل الوحوة، وقال أشياء منكرة عدها طائفة من العلماء مروقاً وزندقة إلى آخر كلامه.
ومما قال في الجزء المذكور: أنبأني الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي، ونور الدين علي بن أبي بكر الهيتمي الشافعيان إذناً مشافهة، عن شيخ الإسلام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي إجازة إن لم يكن سماعاً، قال في كتابه شرح منهاج النووي في باب الوصية بعد ذكره حكم المتكلمين: وهكذا الصوفية منقسمون كانقسام المتكلمين فإنهما من واد واحد، فمن كان مقصوده معرفة الرب والتخلق بما يجوز المخلق به هنا والتحلي بأحوالها وإشراق المعارف الإلهية والأحوال السنية، فذلك من أعلم العلماء، ويصرف إليه من الوصية للعلماء والوقف عليهم، ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن عربي وأوتباعه فهم ضلال جهال خارجون عن طريقة الإسلام فضلاً عن العلماء.
ثم قال: وجاء في وسط الأمة قوم تكلموا -كالحارث المحاسبي ونظرائه- كلاماً حسناً وهو مقصودنا بالتصوف، ثم انتهى بالآخرة إلى قوم فيهم بقايا إن شاء الله تعالى، وآخرين تسموا باسم الصوفية استمروا من البدع المضلة والعقائد
стр. 1114
الفاسدة فيهم هم باسم الزندقة أحق منهم باسم الصوفية، نحن برآء إلى الله تعالى منهم، انتهى.
قال صاحب الجزء: والظاهر أنه أشار بقوله وآخرين تسموا إلى آخره إلى ابن عربي وأتباعه، قال: وقد سمعت صاحبنا الحافظ الحجة القاضي شهاب الدين أبا الفضل أحمد بن علي بن حجر الشافعي يقول: إنه ذكر لمولانا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني أشياء من كلام ابن عربي المشكل، وسأله عن ابن عربي فقال له شيخنا البلقيني هو كافر.
قال: وسمعت الحافظ شهاب الدين بن حجر يقول: جرى بيني وبين بعض المحبين لابن عربي منازعة كثيرة في أمر ابن عربي حتى تبرأت من ابن عربي بسوء مقالته، فلم يسهل ذلك بالرجل المنازع لي في أمره وهددني بالشكوى إلى السلطان بمصر بأمر غير الذي تنازعنا فيه يتعب خاطري، فقلت له. ما للسلطان في هذا مدخل، ألا تعال نتباهل وقلت ما تباهل اثنان فكان أحدهما كاذباً إلا وأصيب، فقال لي باسم الله، قال فقلت له: قل اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعني بلعنتك، فقال ذلك، فقلت أنا: اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعني بلعنتك، وافترقنا، قال: وكان سكن الروضة فاستضافه شخص من أبناء الهند جميل الصورة ثم بدا له أن يتركهم وخرج في أول الليل مصمماً على عدم المبيت، فخرجوا يشيعونه إلى الشختور، فلما رجع أحس بشيء مر على رجله، فقال لأصحابه: مر على رجلي شيء ناعم فانظروه، فنظروا فلم يروا شيئًا، وما رجع إلى منزله إلا وقد عمي، وما أصبح إلا ميتاً، وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وسبعين، وكانت هذه المباهلة في رمضان منها، وعند وقوع المباهلة عرقت أن السنة ما تمضي عليه، وكانت بمحضر من جماعته، انتهى "
فإذا عرفت ذلك كله علمت أن الشيخ تقي الدين ابن تيمية لم ينفرد بذم ابن عربي، انتهى كلام السيد صفي الدين رحمه الله تعالى.
والنبهاني عامله الله بعدله يتتبع من الكلام ما كان موافقاً لهواه، ولهذا لم يلتفت في هذا المقام إلى كلام إمامه السبكي، ولا لكلام الحافظ شهاب الدين بن
стр. 1115
حجر العسقلاني المحدث الشهير، بل أخذ بكلام ابن حجر المكي لموافقته إياه في الغلو والميل إلى البدع، فلذلك تراه يترنم بأقواله ويكرره مرة بعد أخرى، والكل من الشافعية.
وبعد ختم النبهاني كتابه بخاتمة السوء ذكر رسالة مختصرة للبكري في الرد على من منع الزيارة، وعبارة من كلام الشيخ زروق تعرض فيها لشيخ الإسلام، وكلاماً للنابلسي مختصراً مما يتعلق بالزيارة، ولما كان ذلك كله خارجاً عن كتابه وأن ما ذكرناه من الكلام على الزيارة يرد كل باطل يخالفه أعرضنا عن المناقشة فيها، ومن وقف على ما فيها من الجهل والضلال تحقق أن موحدي العرب في الجاهلية كزيد وقس بن ساعدة وأمية أسعد من هؤلاء حالاً، كما يدلك على ذلك شعرهم المذكور في كتب السير والتاريخ.
فعليك أيها الأخ المسترشد باتباع الكتاب والسنة فإنهما الإمامان اللذان أمرنا بالإقتداء بهما، والداعيان إلى سبيل الله فاشدد بيديك عليهما، ولا تنظر إلى ما ابتدعه أهل الأهواء، فإنه من أضر الأدواء، وقد سبق تفاصيل البدع بأنواعها وما ورد من النهي عنها، فمن تأملها وأمعن نظره فيما شرعه الله تعالى لنا مما تضمنه الكتاب وبينته السنة علم أن النبي ﷺ تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يحيد عنها إلا من مرض قلبه وطاش في مهاوي الضلال لبه، وأصل الاتباع المخرج عن الابتداع يحصل بمتابعة العبادات، ولا يحصل كمال الاتباع إلا في الإقتداء به في جميع حالاته سكونه وحركاته، عباداته وعاداته، وللسلف الصالح من هذا الكمال المشرب الأصفى، والحظ الوافر الأوفى.
روى أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا. قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات
стр. 1116
الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"١.
فقد أوصانا ﷺ بلزوم سنته وسنة خلفائه الراشدين الذين هم على طريقته، وحرض على ذلك بقوله: "عضوا عليها بالنواجذ" المراد به المسك بجميع الفم، إشارة إلى غاية التمسك، فكأنه قال ﷺ اجتهدوا على السنة والزموها واحرصوا عليها كما يلزم العاض على الشيء بنواجذه خوفاً من ذهابه وتفلته. أذاقنا الله حلاوة الاتباع، ووقانا بفضله شر الفضول والابتداع، وما أحسن ما قال بعفر الأدباء الأفاضل وقد أخلص النصح فيما هو قائل:
يا باغي الإحسان يطلب ربه ... ليفوز منه بغاية الآمال
انظر إلى هدي الصحابة والذي ... كانوا عليه في الزمان الخالي
واسلك طريق القوم أين تيمموا ... خذ يمنة ما الدرب ذات شمال
تالله ما اختاروا لأنفسهم سوى ... سبل الهدى في القول والأفعال
درجوا على نهج الرسول وهديه ... وبه اقتدوا في سائر الأحوال
نعم الرفيق لطالب يبغي الهدى ... فماله في الحشر خير مآل
القانتين المخبتين لربهم ... الناطقين بأصدق الأقوال
التاركين لكل فعل سيء ... والعاملين بأحسن الأعمال
أهواؤهم تبع لدين نبيهم ... وسواهم بالضد في ذي الحال
ما شابهم في دينهم نقص ولا ... في قولهم شطح الجهول الغالي
عملوا بما علموا ولم يتكلفوا ... فلذاك ما شابوا الهدى بضلال
وسواهم بالضد في أحوالهم ... تركوا الهدى ودعوا إلى الإضلال
فهم الأدلة للحيارى من يسر ... بهداهم لم يخش من إضلال
وهم النجوم هداية وإضاءة ... وعلو منزلة وبعد منال
يمشون بين الناس هوناً نطقهم ... بالحق لا بجهالة الجهال
حلماً وعلماً مع تقى وتواضع ... ونصيحة مع رتبة الإفضال
стр. 1117
يحيون ليلهم بطاعة ربهم ... بتلاوة وتضرع وسؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم ... مثل انهمال الوابل الهطال
في الليل رهبان وعند جهادهم ... لعدوهم من أشجع الأبطال
وإذا بدا علم الرهان رأيتهم ... يتسابقون بصالح الأعمال
بوجوههم أثر السجود لربهم ... وبها أشعة نوره المتلالي
ولقد أبان لك الكتاب صفاتهم ... في سورة الفتح المبين العالي
وبرابع السبع الطوال صفاتهم ... قوم يحبهم ذووا إذلال
وبراءة والحشر فيها وصفهم ... وبهل أتى وبسورة الأنفال
هذا آخر ما أردنا تحريره من الرد على كتاب النبهاني المشتمل على ما يخالف الكتاب والسنة من الهذيان والوحي الشيطاني، وقد عرفناه يومه من أمسه.
وكلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه
وكأني به إذا وقف على كتابي هذا ضاق صدره وازداد همه وكدره، وعضَّ بنان النادم الحصر حيث لا ينفعه ندمه، وهو الذي نكأ الجرح فكيف يتأوه ويتألم ويتظلم من مؤلم الجواب والبادي أظلم، ومن آثر أن يكون مقدماً معظماً وجب أن يكون مهذباً مقوماً، ومن أحب أن يكون مبجلاً مصدراً لزم أن يكون من الأفعال الدنية مطهراً، ومن رشح نفسه للأمور الجليلة صبر على الأعباء الثقيلة، ومن طمع في الأسباب العظيمة طالب نفسه باستعمال الأخلاق الكريمة، ودون المكارم مكاره لا يتلقاها إلا العود الباذل، وقبل المعالي عوال لا يغشاها إلا البطل الباسل، ومع المغانم مغارم لا يتحملها إلا الأكارم الأفاضل، وأمام العز الشامخ مذاهب لا تسلك إلا على جسر من التعب ممدود، وقدام الشرف الباذخ مراتب لا تنال إلا بمساورة أساود وأسود، وباني المجد يهون عليه أن يتجرع كؤوس الردى علاً ونهلاً، وجاني الشهد لا يبالي بأن يلقى دون اشتياره نحلاً، فأما الذي يشتهي الرياسة وهو خال من أبرارها ويتمنى الجلالة وهو سكيت في مضمارها، ويحب السيادة وهو عار عن أستارها، فبعيد عليه طريق منالها، ومستصعب له جد الارتقاء في ذرى جبالها.
стр. 1118
وقد كان ابتدائي به أول يوم من شهر رمضان من شهور سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف من هجرة سيد ولد عدنان، وختمته بحمد الله تعالى ليلة السبت نصف الليل لأربع وعشرين ليلة خلت من شوال تلك السنة المباركة أواخر فصل الخريف، وقد كل مني البصر، ووهن العظم طلباً لمرضاة الله تعالى، وصيانة لشرعه الشريف، ممن تصدى له- خذله الله- بالتبديل والتحريف، فأسألك اللهم أن تختم بعفوك أجلي، وأن تحقق في رجاء رحمتك أملي، وأن تسهل إلى بلوغ رضاك سبلي، وأن تحسن في جميع أحوالي عملي.
اللهم ونبهني لذكرك في أوقات الغفلة، واستعملني لطاعتك في أيام المهلة، وانهج بي إلى محبتك سبيلاً سهلة، واجمع لي بها خير الدنيا والآخرة.
اللهم لا تكلني إلى خلقك، بل تفرد بحاجتي وتول كفايتي، وانظر إليَّ في جميع أموري، فإنك إن وكلتني إلى نفسي عجزت عنها ولم أقم ما فيه مصلحتها، وإن وكلتني إلى خلقك تجهموني، وإن ألجأتني إلى قرابتي حرموني، فبفضلك اللهم فأغثني وبعظمتك فانعشني وبسعتك فابسط يدي وبما عندك فاكفني.
اللهم لا تجعل لغيرك عليّ منة، ولا له عندي يداً، ولا لي إليهم حاجة، بل اجعل سكون قلبي وأنس نفسي واستغنائي وكفايتي بك.
اللهم أنطقني بالهدى، وألهمني التقوى، ووفقني للتي هي أزكى، واستعملني بما هو أرضى.
اللهم اسلك بي الطريقة المثلى، واجعلني على ملتك أموت وأحي، اللهم ومتعني بالاقتصاد، واجعلني من أهل السداد، ومن أدلة الرشاد، ومن صالح العباد، وارزقني فوز المعاد، وسلامة المرصاد.
اللهم أنت عدتي إن حزنت، وأنت منتجعي إن حرمت، وبك استغاثتي إن كربت، وعندك مما فات خلف، ولما فسد صلاح، ومما أنكرت تغيير، واكفني مؤنة معرة العباد، وهب لي أمن يوم المعاد، وامنحني حسن الإرشاد، اللهم أظلني
стр. 1119
في ذراك، وجللني رضاك، ووفقني إذا أشكلت علي الأمور لأهداها، وإذا تشابهت الأعمال لأزكاها، وإذا تناقضت الملل لأرضاها.
اللهم توجني بالكفاية، وسمني حسن الولاية، وهب لي صدق الهداية، ولا تجعل عيشي كداً، ولا ترد دعائي رداً، فإني لا أجعل لك ضداً، ولا أدعو معك نداً، والحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والحمد له سبحانه كما يليق بجنابه، وكما حمد نفسه في كتابه، حمداً يكون وصلة إلى طاعته وعفوه، وسبباً إلى رضوانه، وذريعة إلى مغفرته، وطريقاً إلى جنته، وخفيراً من نقمته، وأمناً من غضبه، وظهيراً على طاعته، وحاجزاً عن معصيته، وعوناً على تأدية حقه ووظائفه. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد الذي نشر رايات الوحدانية، وبشر من أذعن للأحكام القرآنية، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحزابه الذين أقاموا على الخصوم دلائلهم البرهانية، صلاة وسلاماً نسعد بهما في السعداء من أوليائه، ونصير بهما في نظم الشهداء بسيوف أعدائه، إنه ولي حميد.
في ٢٤ شوال سنة ١٣٢٥هـ.