← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

حديث غرامي فيك لا زال شايعاً ... وأنت اشتريت النفس مذ كنت بايعا فجد لي بأمن منك لا أك رايعاً ... إلهي لئن لم ترعني كنت ضايعا وإن كنت ترعاني فلست أضيع عليك ثنائي من جميعي بألسن ... على كل فعل من فعالك بي سني أتيت بذنب لي عن الغير مرسن ... إلهي إذا لم تعف عن غير محسن فمن لمسيء الهوى يتمتع هو العبد من مولاه بالمنة ارتقى ... غداة له كأس المحبة قد سقى عليك اتكالي قد عدمت لك البقا ... إلهي لئن قصرت في طلب التقى فلست سوى أبواب فضلك أقرع دفعت عذول الحب عني بالتي ... وفيك فتى أصبحت نحوك ما فتي فإن عثرت رجلي وجلت خطيئتي ... إلهي أقلني عثرتي وامح زلتي فإني مقر خائف متضرع محبك لما أنت جدت له فنب ... فهيهات أن تلقاه بالخير معتنب وها أنا راجي الفضل ما عنك أنثني ... إلهي لئن خيبتني وطردتني فما حيلتي يا رب أم كيف أصنع جمالك باه في الملاحة باهر ... ومنك يواقيت بدت وجواهر أأبقى ومنه قد تجلت مظاهر ... إلهي حليف الحب بالليل ساهر يناجي ويبكي والقفول يهجع مقامك أضحى بانتسابي عالياً ... فأخرجت من أصداف علمي لئاليا وحزني أولوا التحقيق راموا مرامياً ... وكلهم يرجو نوالك راجيا وإلا فبالذنب المدمر أصرع لوجهك قوم أولعوا بجماله ... وكل تفاني طامعا ًبوصاله

стр. 1052

فبدل لنا نقص الهوى بكماله ... إلهي بعلم الهاشمي وآله وتوحيد أبرارهم لك أخشع ظهورك بي عندي أراه علامة ... على أنك المسدي إلي كرامة وإن رامت الأغيار مني انتقامة ... إلهي أنلني من رجائي سلامة وقبح خطيئاتي علي يشنع مقام الترجي للنوال هو الذي ... أقام فؤادي بالتردد يغتذي وإن لساني في ثنا مدحه بذي ... إلهي لئن تعفو فعفوك منقذي وإني يا رب الورى لك أخضع إمام الهدى إني وراءك مقتدي ... ولي فيك قلب من تشوقه صدى وقد بت أستجدي بأحشاء مكمد ... إلهي فانشرني على دين أحمد منيباً تقياً قانتاً لك أضرع سماء العطايا قد رفعت لها يدي ... وأصبحت أرجو زهر روضتها الندي وأشهدت هذا الباب في كل مشهد ... فلا تحرمني يا إلهي وسيدي شفاعته الكبرى فذاك المشفع هو المصطفى المختار طه محمد ... نبي الهدى رؤياه للعين أثمد سلامك من عبد الغني له يد ... وصل عليه ما دعاك موحد وناجاك أحياء ببابك ركع وللزمخشري المفسر الشهير- مع أنه كان يرمى بالاعتزال- مناجياً مولاه ومستغيثاً بالله- وهكذا فليكن من يدعي التوحيد، ويعتقد أنه على الرأي السديد-: يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها ... والمخ في تلك العظام النحل ويرى مكان المشي من أقدامها ... وخطيطها في مشيها المستعجل

стр. 1053

ويرى مكان الدم من أعضائها ... متنقلاً من مفصل في مفصل ويرى ويسمع حس ما هو صوتها ... في قعر بحر غامض متجدول أصواتها مرفوعة عند الندا ... أرزاقها مقسومة للسؤل اغفر لعبد تاب عن فرطاته ... ما فات منه في الزمان الأول وقد استشهد ببعض هذه الأبيات في تفسير سورة البقرة من الكشاف، وهذه الأبيات تشرق بأنوار التوحيد. وكان الشيخ شهاب الدين السهروردي يواظب على قراءة حذه الاستغاثة، وذكروا لها خواص كثيرة وفوائد عظيمة لمن يداوم على قراءتها، وهي: سبحانك لا إله إلا أنت، يا رب كل شيء ووارثه، يا إله الآلهة الرفيع جلاله، يا الله المحمود في كل حال فعاله، كل يوم هو في شأن، يا حي لا حي في ديمومية ملكه وبقائه، يا قيوم فلا يفوت شيء من علمه ولا يؤوده، يا واحد الباقي أول كل شيء وآخره، يا صمد من غير شبهة ولا شيء كمثله، يا بادىء النفوس فلا شيء كفؤه يدانيه ولا إمكان لوصفه، يا كبير أنت الذي لا تهتدي العقول لوصف عظمته، يا بارىء النفوس بلا مثال خلا من غيره، يا زاكي الطاهر من كل آفة تقدس جلاله، يا كافي الموسع لما خلق من عطايا فضله، يا نقيا من كل جور لم يرضه ولم يخالطه فعاله، يا حنان أنت الذي وسعت كل شيء رحمة وعلماً، يا منان ذو الإحسان قد عمّ كل الخلائق منه، يا ديان للعباد كل يقوم خاضعاً لرهبته ورغبته، يا خالق من في السموات والأرض كل إليه معاده، يا تام فلا تصف الألسن كنه جلالة ملكه وعزه، يا رحيم كل صريخ ومكروب وعياذه وغياثه وملاذه، يا مبدع البدائع لم يبغ في إنشائها عوناً، يا علام الغيوب فلا يؤوده شيء من حفظه، يا حليم ذا الإنابة فلا يعادله شيء من خلقه، يا معيد لما أفناه إذا برز الخلائق لدعوته، يا حميد الفعال ذا المن على جميع خلقه بلطفه، يا عزيز المنع الغالب على أمره فلا يعادله، يا قاهر ذا البطش الشديد أنت الذي لا يطاق انتقامه، يا قريب، يا متعال فوق كل شيء علو ارتفاعه، يا مذل كل جبار بقهر عزيز سلطانه، يا نور كل شيء وهداه أنت الذي فلق الظلمات بنوره، يا علي الشامخ فوق كل شيء علو ارتفاعه،

стр. 1054

يا قدوس الطاهر من كل سوء فلا شيء يعادله، يا مبدىء البرايا ومعيدها بعد فناء خلقه، يا جليل المتكبر عن كل شيء فالعدل أمره والصدق وعده، يا محمود فلا تبلغ الأوهام كل كنه ثنائه وعزه ومجده، يا كريم ذو العفو والعدل أنت الذي ملأ كل شيء عدله، يا عظيم ذو الثناء الفاخر والعز والمجد والكبرياء، فلا يذل عزه، يا مجيب، يا عزيز فلا تنطق الألسن بكل آلائه وثنائه ومجده وعزه، يا غياثي عند كل كربة، ومجيبي عند كل شدة- أسألك أماناً من عقوبات الدين والدنيا والآخرة، وأن تصرف عني كل سوء ومحذور، برحمتك يا أرحم الراحمين اهـ. وله حزب مشهور وهو استغاثة والتجاء بالله سبحانه، أوله: إلهي وإله جميع الموجودات. فيه من المناجاة والتضرع إلى الله وطلب الغوث منه والاستعانة به ما يليق بحال العارفين والصفوة والمتبعين. وللشيخ الدمياطي قصيدة طويلة دعا الله تعالى بأسمائه الحسنى فيها واستغاثه بها، ومنها قوله في آخرها: بأسمائك الحسنى دعوتك سيدي ... وجئت بها يا خالقي متوسلا ومبتهلاً ربي إليك بفضلها ... وأرجو بها كل الأمور مسهلا فقابل إلهي بالرضا منك واكفني ... صروف زماني مكثراً ومقللا وجد واعف وارحم وانصر على العدى ... وتب واهد وأصلح كل حال تخلخلا وفي كتاب (شفاء العليل) : كما أن من صفات الكمال وأفعال الحمد والثناء أنه يجود ويعطي ويمنح، فمنها أن يعيذ وينصر ويغيث، فكما يحب أن يلوذ به اللائذون يحب أن يعوذ به العائذون، وكمال الملوك أن يلوذ بهم أولياؤهم ويعوذوا بهم، كما قال أحمد بن حسين الكندي في ممدوحه: يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ... ولا يهيضون عظماً أنت جابره ولو قال ذلك في ربه وفاطره لكان أسعد به من مخلوق مثله. والمقصود: أن ملك الملوك يحب أن يلوذ به ممالكيه وأن يعوذوا به كما أمر

стр. 1055

رسوله أن يستعيذ به من الشيطان الرجيم في غير موضع من كتابه اهـ. وقد رأيت أحزاباً كثيرة لجماعة من الصالحين، وليس فيها طلب شيء من مخلوق، بل كلها مناجاة لله واستغاثة به سبحانه، نعم رأيت في بعضها توسلاً بالنبي ﷺ نحو قول قائلهم: أسألك إلهي بجاه المصطفى ﷺ أو حقه أو نحو ذلك، وهذا ليس استغاثة، فاستشهد بكل كلام رأى فيه توسلاً وصلاة ونحو ذلك يظن أنه استغاثة وذلك من الجهل بمكان. وقد أبطلنا بحمد الله كلامه وأظهرنا من جهله ما أصبح به بين الأنام مثلة وفضيحة. فقل للعيون الرمد للشمس أعين ... سواك تراها في مغيب ومطلع وقد أورد أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال في كتاب (المستغيثين بالله عند الحاجات والمهمات والمتضرعين إلى الله بالرغبات) ما يضيق هذا المقام عن ذكره فعلى طالب الحق أن يراجعه ويجعله مرآة عمله، وبه يعلم أن النبهاني كذب على عباد الله الصالحين. قال النبهاني: (الباب الثامن) فيما ورد من النظم في استغاثة العلماء والفضلاء به ﷺ ، ومن قرأها أو بعضها بنية قضاء حاجاته يرجى له حصول المقصود ببركة الاستغاثة به ﷺ ، قال: ومعظم هذه الاستغاثات أخذتها من بعض قصائد المجموعة النبهانية، وما لم يكن منها نبهت عليه. ثم أورد الشعر مرتبا على حروف الهجاء وأورد في كل حرف كثيراً من الأبيات لشعراء متفرقين، ولا حاجة بنا إلى نقله في هذا المقام لكون كتابه منتشراً. والجواب عن جميع ما أورده في هذا الباب من وجوه كثيرة يستوجب ذكرها طولاً، بل نقتصر على بعضها طلباً للاختصار، على أنه قد سبق غير مرة ما يعلم منه الجواب أيضاً فنقول:

стр. 1056

الوجه الأول: أن ما يستدل به على مثل هذه المطالب إنما هو الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وقد سبق أن كل ذلك يدل دلالة صريحة أن ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا يطلب من سواه سبحانه، بل إن من طلب ذلك من غيره فقد ابتغى غير سبيل المؤمنين، وذكرنا حكم من كان كذلك، وأن كل أحد ما سوى الرسول يؤخذ منه ما يوافق الكتاب والسنة، وغير الموافق ينبذ به بوجه قائله كائناً من كان، خصوصاً إذا كان جاهلاً ككثير ممن أورد شعره النبهاني، فإنهم لا يعدون من العير ولا من النفير، ومنهم هو، فإن النبهاني أورد في كثير من الأحرف أبياتاً من شعره الركيك، وجعله حجة على أهل الحق ودليلاً على مقصده، وهكذا أورد كثيراً من شعر أمثاله من الجهلة الغلاة، فذلك بحمد الله لا يدفع الحق ولا يعارضه. الوجه الثاني: أنه قد ذكرنا سابقاً كثيراً من كلام العارفين من النظم والنثر ما يقتضي أن يوحد الله بالسؤال، وأن يفرد سبحانه بالاستعانة والالتجاء إليه، وهو الموافق لما ورد من ذلك في الكتاب والسنة، وما كان عليه الصحابة والأئمة الهداة، وذكرنا أن في كتاب المستغيثين بالله عند الملمات والمهمات البحر الذي ليس له ساحل، فمن يلتفت بعد هذا لمثل ما ذكره هذا الزائغ؟ ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ ، والحق يعلو على الباطل، وليس بعد الحق إلا الضلال البعيد. الوجه الثالث: أن قول النبهاني في شأن ما استشهد به من الشعر والأبيات من قرأها أو بعضها بنية قضاء حاجاته يرجى له حصول المقصود ببركة الاستغاثة ... إلخ، دعوى كاذبة، ليس عليها دليل سوها حكايات يرويها الغلاة وهم بيت الكذب، وإن سلم صحتها فليس فيها دليل على ما ادعاه النبهاني، فإن إجابة الدعاء عند القبور للسائلين لا دليل فيه على أنه دين الله، وأنه يحبه ويرضاه، وأكثر ما يدعو هؤلاء الغلاة إلى دعاء القبور والصالحين ما يحكونه من أن فلاناً دعا فاستجيب له واستغاث فأغيث، وفلان رد عليه بصره، وعند السدنة وعباد القبور

стр. 1057

من هذا شيء كثير، قد أورد منه النبهاني شيئاً كثيراً جعله من قواعد مذهبه، وأدلة شركه، وقد ذكرنا سابقاً أن أسباب المقاصد قد تكون محرمة كالسحر ونحوه، وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها ديناً بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذه من الأمور المحدثة فلا يستحب وإن اشتملت أحياناً على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها. الوجه الرابع: أن الشرك وقع كثيراً من دعاء غير الله كالشرك بأهل القبور، من دعائهم والتضرع إليهم والرغبة إليهم ونحو ذلك، فإذا كان النبي ﷺ نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله وحده خالصاً عند القبور لئلا يفضي ذلك إلى نوع من الشرك بربهم، فكيف إذا وجد ما هو نوع الشرك من الرغبة إليهم؟ سواء طلب منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله، بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك وإن لم يكن عند القبر، كما لا يقسم بمخلوق مطلقاً، وهذا القسم منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ على قولين؛ أصحهما أنه نهي تحريم، ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي ﷺ خاصة، فإن فيه قولين في مذهب الإمام أحمد، وبعض أصحابه- كابن عقيل- طرد الخلاف في الحلف بسائر الأنبياء، لكن القول الذي عليه جمهور الأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا يقسم بمخلوق البتة، وهذا هو الصواب، والإقسام على الله بنبيه محمد ﷺ الذي اشتمل عليه كثير من الشعر الذي أورده النبهاني في هذا الباب ينبني على هذا الأصل، ففيه هذا النزاع، وقد نقل عن أحمد في التوسل بالنبي ﷺ في منسك المروذي ما يناسب قوله بانعقاد اليمين به، لكن الصحيح أنه لا تنعقد اليمين به فكذلك هذا، وأما غيره فما علمت بين الأمة فيه نزاعاً، بل قد صرح العلماء بالنهي عن ذلك، واتفقوا على أن الله يسأل ويقسم عليه بأسمائه وصفاته كما يقسم على غيره بذلك، كالأدعية المعروفة في السنن: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال

стр. 1058

والإكرام"١. وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"٢. فهذه الأدعية ونحوها مشروعة باتفاق العلماء، وأما إذا قال: أسألك بمعاقد العز من عرشك؛ فهذا فيه نزاع، رخص فيه غير واحد لمجيء الأثر به، ونقل عن أبي حنيفة كراهته، قال أبو الحسين القدوري في شرح الكرخي: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك، وهو قول لأبي يوسف. قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا، وأكره بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام، بهذا الحق يكره، قالوا جميعاً فالمسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا يجوز أن يسأل بما ليس مستحقاً، ولكن معقد العز من عرشك هل هو سؤال بمخلوق أو بالخالق؟ فيه نزاع بينهم، فلذلك تنازعوا فيه، وأبو يوسف بلغه الأثر فيه (أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى، وكلماتك التامة) فجوزه لذلك. وقد نازع في هذا بعض الناس، وقالوا: في حديث أبي سعيد الذي رواه ابن ماجه عن النبي ﷺ في الدعاء الذي يقوله الخارج إلى الصلاة: "اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا رياءً، ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي"٣ وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ٤ على قراءة الجر كما يقال سألتك بالله وبالرحم.

стр. 1059

ومن زعم من النحاة أنه لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار فإنما قاله لما رأى غالب الكلام بإعادة الجار، وإلا فقد سمع من الكلام العربي نثره ونظمه العطف بدون ذلك، كما حكى سيبويه: ما فيها عيره وفرسه، ولا ضرورة هنا كما يدعى مثل ذلك في الشعر، ولأنه قد ثبت في الصحيح أن عمر ﵁ قال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون". وفي النسائي والترمذي وغيرهما حديث الأعمى الذي صححه الترمذي "أنه جاء إلى النبي ﷺ فسأله أن يدعو الله أن يرد بصره عليه، فأمره أن يتوضأ فيصلي ركعتين، ويقول: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد يا نبي الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه فيّ ودعا الله فرد الله تعالى عليه بصره". والجواب عن هذا؛ أن يقال أولاً: لا ريب أن الله جعل على نفسه حقاً لعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ وكما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية٢. وفي الصحيحين أنه ﷺ قال لمعاذ بن جبل- وهو رديفه-: "يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حقهم عليه أن لا يعذبهم"٣ فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق. وقد اتفق العلماء على وجوب ما يجب بوعده الصادق، وتنازعوا هل يوجب الله بنفسه على نفسه على قولين، ومن جوز ذلك احتج بقوله سبحانه:

стр. 1060

﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وبقوله في الحديث الصحيح: "إني حرمت الظلم على نفسي" إلخ.. والكلام على هذا مبسوط في موضع آخر. وأما الإيجاب عليه تعالى والتحريم بالقياس على خلقه؛ فهذا قول مبتدع، مخالف لصحيح المنقول، وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئاً، ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب قال إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرم الظلم على نفسه، لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئاً، كما يكون للمخلوق على المخلوق، فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير، فهو الخالق لهم، وهو المرسل إليهم الرسل، وهو الميسر لهم الإيمان والعمل الصالح، ومن توهم من القدرية والمعتزلة ونحوهم أنهم يستحقون عليه من جنس ما يستحق الأجير على المستأجر فهو جاهل في ذلك، وإذا كان كذلك لم تكن الوسيلة إليه إلا بما من به من فضله وإحسانه، والحق الذي لعباده هو من فضله وإحسانه ليس من باب المعاوضة ولا من باب ما أوجبه غيره عليه، فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك. وإذا سئل بما جعله هو سبباً للمطلوب من الأعمال الصالحة التي وعد أصحابها بكرامته وأنه يجعل لهم مخرجاً ويرزقهم من حيث لا يحتسبون فيستجيب دعاءهم، ومن أدعية عباده الصالحين ومن شفاعة ذوي الوجاهة عنده- فهذا سؤال وتسبب بما جعله هو سبباً. وأما إذا سئل بشيء ليس هو سبباً للمطلوب؛ فإما أن يكون إقساماً عليه به فلا يقسم على الله بمخلوق، وإما أن يكون سؤالاً بما لا يقتضي المطلوب فيكون عديم الفائدة. فالأنبياء والمؤمنون لهم حق على الله بوعده الصادق لهم وبكلماته التامة ورحمته لهم أن ينعمهم ولا يعذبهم، وهم وجهاء عنده يقبل من شفاعتهم ودعائهم ما لا يقبله من دعاء غيرهم، فإذا قال الداعي أسألك بحق فلان وفلان لم يدع ربه،

стр. 1061

وهو لم يسأله باتباعه لذلك الشخص ومحبته وطاعته بل بنفس ذاته وما جعله له ربه من الكرامة لم يكن قد سأله بسبب يوجب المطلوب. وحينئذ فيقال: أما التوسل والتوجه إلى الله وسؤاله بالأعمال الصالحة التي أمر بها كدعاء الثلاثة الذين آووا إلى الغار بأعمالهم الصالحة، وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم؛ فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ١ وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٢. فإن ابتغاء الوسيلة إليه هو طلب ما يتوسل أي يتوصل ويتقرب به إليه سواء كان على وجه العبادة والطاعة وامتثال الأمر أو كان على وجه السؤال له والاستعاذة به رغبة إليه في جلب المنافع ودفع المضار. ولفظ الدعاء في القرآن يتناول هذا وهذا، الدعاء بمعنى العبادة، والدعاء بمعنى المسألة، وإن كان كل منهما يستلزم الآخر، لكن العبد قد تنزل به النازلة فيكون مقصوده طلب حاجاته وتفريج كرباته، فيسعى في ذلك بالسؤال والتضرع، وإن كان ذلك من العبادة والطاعة، ثم يكون من أول الأمر قصده حصول ذلك المطلوب من الرزق والنصر والعافية مطلقاً، ثم الدعاء والتضرع يفتح له من أبواب الإيمان بالله ومعرفته ومحبته والتنعم بذكره ودعائه ما يكون هو أحب إليه وأعظم قدرا عنده من تلك الحاجة التي أهمته، وهذا من رحمة الله بعباده يسوقهم بالحاجات الدنيوية إلى المقاصد العلية الدينية، وقد يفعل العبد ابتداء ما أمر به لأجل العبادة لله والطاعة له ولما عنده من محبته والإنابة إليه وخشيته وامتثال أمره، وإن كان ذلك يتضمن حصول الرزق والنصر والعافية، وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣ وقال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أهل السنن أبو داود وغيره: "الدعاء هو العبادة" ثم قرأ قوله تعالى:

стр. 1062

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقد فسر هذا الحديث مع القرآن بكلا النوعين، قيل ادعوني أي اعبدوني وأطيعوا أمري أستجب دعاءكم، وقيل سلوني أعطكم، وكلا النوعين حق. وفي الصحيحين في قول النبي ﷺ في حديث النزول: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر". فذكر أولاً إجابة الدعاء، ثم ذكر إعطاء السائل، ثم ذكر إعطاء المغفرة للمستغفر، فهذا جلب المنفعة، وهذا دفع المضرة، وكلاهما مقصود الداعي المجاب، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١. وقد روي أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. فأخبر أنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ثم أمرهم بالاستجابة له والإيمان به، كما قال بعضهم فليستجيبوا لي إذا دعوتهم، وليؤمنوا بي أني أجيب دعوتهم. قالوا: وبهذين الشيئين تحصل إجابة الدعوة بكمال الطاعة لأولهيته، وبصحة الإيمان بربوبيته، فمن استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه حصل مقصوده من الدعاء وأجيب دعاؤه، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢ أي يستجيب لهم، يقال استجابه واستجاب له، فمن دعاه موقناً أنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه أجابه، وقد يكون مشركاً وفاسقاً، فإنه سبحانه هو القائل: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ

стр. 1063

كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ١ وهو سبحانه القائل: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ ٢ وهو سبحانه القائل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٣ لكن هؤلاء الذين يستجاب لهم- لإقرارهم بربوبيته وأنه يجيب دعاء المضطر- إذا لم يكونوا مخلصين له الدين في عبادته ولا مطيعين له ولرسله، كان ما يعطيهم بدعائهم متاعاً في الحياة الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ ٤ وقد دعا الخليل ﵊ بالرزق لأهل الإيمان، فقال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٥. فليس كل من متعه الله برزق ونصر- إما إجابة دعائه وإما بدون ذلك- يكون ممن يحبه الله ويواليه، بل هو سبحانه يرزق المؤمن والكافر والبر والفاجر، وقد يجيب دعاءهم ويعطيهم سؤالهم في الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق، وقد ذكر أن بعض الكفار من النصارى حاصروا مدينة للمسلمين فنفد ماؤهم العذب فطلبوا من المسلمين أن يزودوهم بماء عذب ليرجعوا عنهم، فاشتور ولاة أمر المسلمين وقالوا بل ندعهم حتى يضعفهم العطش فنأخذهم، فقام أولئك فاستسقوا ودعوا الله فسقاهم، فاضطرب بعض العامة، فقال الملك لبعض العارفين: أدرك الناس، فأمر بنصب منبر له، وقال: اللهم إنا نعلم أن هؤلاء من الذين تكفلت بأرزاقهم كما قلت في كتابك: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٦ وقد دعوك مضطرين وأنت

стр. 1064

تجيب المضطر إذا دعاك فأسقيتهم لما تكفلت به من رزقهم، ولما دعوك مضطرين، لا لأنك تحبهم ولا تحب دينهم، والآن فنريد أن ترينا فيهم آية تثبت بها الإيمان في قلوب عبادك المؤمنين، فأرسل الله عليهم ريحاً أهلكتهم، أو نحو هذا. ومن هذا الباب من قد يدعو دعاء اعتدى فيه؛ إما بطلب ما لا يصلح، أو بالدعاء الذي فيه معصية لله بشرك أو غيره، فإذا حصل بعض غرضه ظن أن ذلك دليل على أن عمله صالح بمنزلة من أملي له وأمد بالمال والبنين فظن أن ذلك مسارعة له في الخيرات، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣ والإملاء إطالة العمر وما في ضمنه من رزق ونصر، وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ٤ وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٥. والمقصود هنا؛ أن دعاء الله قد يكون دعاء عبادة لله يثاب العبد عليه في الآخرة مع ما يحصل له في الدنيا، وقد يكون دعاء مسألة تقضى به حاجته، ثم قد يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، وقد يكون سبباً لضرر دينه فيعاقب على ما ضيعه من حقوق الله تعالى وتعداه من حدوده، فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته، فالتوسل إليه

стр. 1065

بالأعمال الصالحة التي أمر بها وبدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم ليس هو من باب الإقسام عليه بمخلوقاته. ومن هذا الباب، استشفاع الناس بالنبي ﷺ يوم القيامة، فإنهم يطلبون منه أن يشفع لهم إلى الله كما كانوا في الدنيا يطلبون منه أن يدعو لهم في الاستسقاء وغيره. وقول عمر ﵁: "إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا". معناه: نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وسؤاله وشفاعته، ليس المراد به أنا نقسم عليك به أو ما يجري هذا المجرى مما يفعل بعد موته وفي مغيبه، كما يقول بعض الناس أسألك بجاه فلان عندك، ويقولون: نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه، ويروون حديثاً موضوعاً: "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عريض"١. فإنه لو كان هذا هو التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه كما ذكر عمر ﵁ لفعلوا ذلك بعد موته ولم يعدلوا عنه إلى العباس مع علمهم بأن السؤال به والإقسام به أعظم من العباس، فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو مما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره. وكذلك حديث الأعمى، فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليرد الله عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته، وأن قوله: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي: بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: "كنا نتوسل إليك بنبينا" فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: "يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه فيّ". فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه، وقوله: "يا محمد يا نبي الله ". هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، فيخاطب المشهود بالقلب، كما يقول

стр. 1066

المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". والإنسان يفعل مثل هذا كثيراً يخاطب من يتصوره في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة، يراد به التسبب به لكونه داعياً وشافعاً مثلاً، أو لكون الداعي محباً له مطيعاً لأمره مقتدياً به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الإقسام به والتوسل بذاته فلا يكون التوسل لا بشيء منه ولا بشيء من السائل بل بذاته أو بمجرد الإقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه. وكذلك لفظ السؤال بشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب به لكونه سبباً في حصول المطلوب وقد يراد به الإقسام. ومن الأول: حديث الثلاثة الذين آووا إلى الغار وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما "فإن الصخرة انطبقت عليهم، فقالوا: "ليدع كل رجل منكم بأفضل عمله، فقال أحدهم: اللهم إنه كانت لي بنت عم فأحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء وأنها طلبت مني مائة دينار، فلما أتيتها بها قالت: يا عبد الله" اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فتركت الذهب وانصرفت، فإن كنت إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا" فانفرجت لهم فرجة رأوا منها السماء. وقال الآخر: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنآ بي طلب الشجر يوماً فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما غبوقاً فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا فشربا غبوقهما؛ اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة؛ فافنرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها. وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجورهم، غير رجل

стр. 1067

واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجرته حتى كثرت منه أموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله؟ أد إلي أجري. فقلت له: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله؛ لا تستهزىء بي. فقلت: إني لا أستهزىء بك. فأخذه كله، فاستاقه فلم يترك منه شيئاً؛ اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه؛ فافنرجت الصخرة، فخرجوا يمشون" ١. فهؤلاء دعوا الله سبحانه بصالح الأعمال، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله تعالى ويتوجه به إليه ويسأله به، لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٣ وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح وسؤاله والتضرع إليه. ومن هذا ما يذكر عن الفضيل بن عياض أنه أصابه عسر البول فقال: بحبي إياك إلا فرجت عني ففرج عنه. وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ولدها لما قالت: اللهم إني آمنت بك وبرسولك، وهاجرت في سبيلك. وسألت الله أن يحيي ولدها، وأمثال ذلك. وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ٤.

стр. 1068

فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه وفعل ما يحبه من العبودية والطاعة هو من جنس فعل ذلك رجاء لرحمة الله وخوفاً من عذابه، وسؤال الله بأسمائه وصفاته- كقوله: "أسألك بأن لك الحمد، أنت الله المنان بديع السموات والأرض، وأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" ونحو ذلك- يكون من باب التسبب، فإن كونه المحمود المنان يقتضي منته على عباده وإحسانه الذي يحمد عليه، وكونه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد يقتضي توحده في صمديته، فيكون هو السيد المقصود الذي يصمد الناس إليه في حوائجهم المستغني عما سواه، وكل ما سواه مفتقرون إليه لا غنى بهم عنه، وهذا سبب لقضاء الحاجات والمطلوبات، وقد يتضمن معنى ذلك الإقسام عليه بأسمائه وصفاته. وأما قوله في حديث أبي سعيد: "أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا" فهذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب؛ فإن حق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثيبهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به والتوجه به والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسماً بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله، فصار هذا كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: " أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك". والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك مما استدلوا به على أن كلام الله عير مخلوق، ولأنه قد ثبت في الصحيح وغيره عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق". قالوا: والاستعاذة لا تكون بمخلوق فأورد بعض الناس لفظ المعافاة، فقال جمهور أهل السنة المعافاة من الأفعال. وجمهور المسلمين من أهل السنة وغيرهم يقولون: إن أفعال الله قائمة به، وإن الخلق ليس هو المخلوق، وهذا قول جمهور أصحاب الشافعي وأحمد ومالك، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، وقول عامة أهل الحديث والصوفية

стр. 1069

وطوائف من أهل الكلام والفلسفة، وبهذا يحصل الجواب عما أوردته المعتزلة ونحوهم من الجهمية نقضاً، فإن أهل الإثبات من أهل الحديث وعامة المتكلمة الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية وغيرهم استدلوا على أن كلام الله غير مخلوق، بأن الصفة إذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره، واتصف به ذلك المحل لا غيره، فإذا خلق الله لمحل علماً أو قدرة أو حركة أو نحو ذلك كان هو العالم به القادر به المتحرك به، ولم يجز أن يقال إن الرب المتحرك بتلك الحركة، ولا هو العالم القادر بالعلم والقدرة المخلوقين بل بما قام به من العلم والقدرة، قالوا فلو كان قد خلق كلاماً في غيره كالشجرة التي نادى منها موسى لكانت الشجرة هي المتصفة بذلك الكلام، فتكون الشجرة هي القائلة لموسى ﴿إنني أنا الله﴾ ولكان ما يخلقه الله من إنطاق الجلود والأيدي وتسبيح الحصى وتأويب الجبال وغير ذلك كلاماً له كالقرآن والتوراة والإنجيل، بل كان كلام في الوجود كلامه لأنه خالق كل شيء، وهذا قد التزمه مثل صاحب الفصوص وأمثاله من هؤلاء الجهمية الحلولية والاتحادية، فأوردت المعتزلة صفات الأفعال كالعدل والإحسان، كأنه يقال إنه عادل محسن بعدل خلقه في غيره وإحسان خلقه في غيره، فأشكل ذلك على من يقول ليس لله فعل قائم به، بل فعله هو المفعول المنفصل عنه وليس خلقه إلا مخلوقه. وأما من طرد القاعدة وقال أيضاً إن الأفعال قائمة به ولكن المفعولات المخلوقة هي المنفصلة عنه وفرق بين الخلق والمخلوق فاطرد دليله واستقام. والمقصود هنا؛ أن استعاذة النبي ﷺ بعفوه ومعافاته من عقوبته- مع أنه لا يستعاذ بمخلوق- كسؤال الله بإجابته وإثابته وإن كان لا يسأل بمخلوق، ومن قال من العلماء لا يسأل إلا به لا ينافي السؤال بصفاته، كما أن الحلف لا يشرع إلا به، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" وفي لفظ للترمذي: "من حلف بغير الله فقد أشرك" قال الترمذي حديث حسن. ومع هذا فالحلف بعزة الله ولعمر الله ونحو ذلك مما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1070

الحلف به، لم يدخل في الحلف بغير الله، لأن لفظ الغير قد يراد به المباين المنفصل، ولهذا لم يطلق السلف وسائر الأئمة على القرآن وسائر صفات الله أنها غيره ولا أنها ليست غيره، لأن لفظ الغير فيه إجمال قد يراد به المباين المنفصل فلا يكون صفة الموصوف أو بعضه داخلاً في لفظ الغير، وقد يراد به ما يمكن تصوره دون تصور ما هو غير له فيكون غيراً بهذا الاصطلاح، ولهذا تنازع أهل النظر في مسمى الغير، والنزاع في ذلك لفظي، ولكن بسبب ذلك حصل في مسائل الصفات من الشبهات ما لا ينجلي إلا بمعرفة ما وقع في الألفاظ من الاشتراك والإبهامات، كما قد بسط في غير هذا الموضع، ولهذا يفرق بين قول القائل: (الصفات غير الذات) وبين قوله: (صفات الله غير الله) . فإن الثاني باطل؛ لأن مسمى اسم الله يدخل فيه صفاته، بخلاف مسمى الذات فإنه لا يدخل فيه الصفات، ولهذا لا يقال: صفات الله زائدة عليه؛ وإن قيل الصفات زائدة على الذات، لأن المراد هي زائدة على ما أثبته المثبتون من الذات، والله تعالى هو الذات الموصوفة بصفاته اللازمة، فليس اسم الله متناولاً لذات مجردة عن الصفات أصلاً، ولا يمكن وجود ذلك، ولهذا قال أحمد في مناظرته للجهمية: لا نقول الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره، ولكن نقول الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد. وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. وأما قول الناس: أسألك بالله وبالرحم، وقراءة من قرأ: ﴿تَسَّاءَلونَ بهِ والأرحَامِ﴾ ١ فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته، فسؤال السائل بالرحم لغيره توسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الإقسام ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب، كالتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم والصلاة عليهم. ومن هذا الباب ما يروى عن عبد الله بن جعفر أنه قال: كنت إذا سألت علياً

стр. 1071

شيئاً فلم يعطنيه، قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه؛ فيعطينه، أو كما قال. فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الإقسام عليه بجعفر، أو من قولهم: أسألك بحق أنبيائك ونحو ذلك، وليس كذلك، بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله هو ابنه، وله عليه حق الصلة، فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث: "إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه بعد أن يولي" ١. وقوله: "إن من برهما بعد موتهما الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة رحمك التي لا رحم لك إلا من قبلهما". ولو كان هذا من الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعلي بحق النبي وإبراهيم الخليل ونحوهما أولى من سؤاله بحق جعفر، ولكان علي إلى تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته وإجابة السائل به أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره، لكن بين المعنيين فرق، فإن السائل بالنبي طالب به متسبب به، فإن لم يكن في ذلك السبب ما يقتضي حصول مطلوبه أو كان مما لا يقسم به كان باطلا، وإقسام الإنسان على غيره بشيء يكون من باب تعظيم المقسم للمقسم به، وهذا هو الذي جاء به الحديث من الأمر بإبرار المقسم، وفي مثل هذا قيل: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" ٢، وقد يكون من باب تعظيم المسؤول به. فالأول؛ يشبه ما ذكره الفقهاء في الحلف الذي يقصد به الحظر والمنع. والثاني؛ سؤال للمسؤول بما عنده من محبة المسؤول به وتعظيمه ودعائه وحقه، فإن كان ذلك مما يقتضي حصول مقصود السائل حسن السؤال كسؤوال الإنسان بالرحم. ومن هذا سؤال الله بالأعمال الصالحة وبدعاء أنبيائه وشفاعتهم. وأما بمجرد الأنبياء والصالحين ومحبة الله لهم وتعظيمه لهم ورعايته لحقوقهم التي أنعم بها عليهم فليس فيها ما يوجب حصول مقصود السائل إلا

стр. 1072

بسبب بين السائل وبينهم، أما محبتهم وطاعتهم فيثاب على ذلك، وأما دعاؤهم له فيستجيب الله شفاعتهم فيه. والتوسل بالأنبياء والصالحين يكون بأمرين: إما بطاعتهم واتباعهم، وإما بدعائهم وشفاعتهم، فمجرد دعائه بهم من غير طاعة منه لهم ولا شفاعة منهم له لا ينفعه وإن عظم جاه أحدهم عند الله تعالى، وقد بسطت هذه المسائل في غير هذا الموضع. والمقصود هنا؛ أنه إذا كان السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما ذكر فكيف بسؤال المخلوق الميت، سواء سئل أن يسأل الله أو سئل قضاء الحاجة ونحو ذلك مما يفعله بعض الناس إما عند قبر الميت، وإما مع غيبته. وصاحب الشريعة ﷺ حسم المادة، وسد الذريعة، بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلي عندها لله، ولا يسأل إلا الله، وحذر أمته ذلك، فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك وأسباب الشرك؟ كل هذا نقلناه من كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" ومنه علم ما اشتمل عليه الشعر الذي أورده النبهاني، فإن جميعه قد اشتمل على القسم الذي فيه محذور، بل بما فيه شرك ظاهر، كقول عبد الرحيم البرعي مخاطباً للرسول ﷺ : مولاي مولاي فرج كل معضلة ... عني فقد أثقلت ظهري الخطيئات عد علي بما عودتني كرماً ... فكم جرت لي بخير منك عادات وامنع حماي وهب لي منك تكرمة ... يا من مواهبه خلد وخيرات واعطف علي وخذ يا سيدي بيدي ... إذا دهتني الملمات المهمات وكقول الشاب الظريف: فيا خاتم الرسل الكرام ومن به ... لنا من مهولات الذنوب تخلص أغثنا أجرنا من ذنوب تعاظمت ... فأنت شفيع للورى ومخلص وقول القلقشندي:

стр. 1073

أنت الذي لم يخف في الناس قاصده ... وليس عندك تسويف وتسويل قصدت جاهك لا أرجو سواك ولي ... في باب عزك ترديد وتطفيل وقال محمد البكري الكبير من أبيات: يا أكرم الخلق على ربه ... وخير من فيهم به يسأل قد مسني الكرب وكم مرة ... فرجت كرباً بعضه يذهل وقال الشيخ عبد الرحمن الدمشقي من أبيات: أقلني مما فيه أمسيت واهناً ... ونفسي بقيد الكرب أمست مكبله وعجل بكشف الضر عمن لك التجا ... لأن الضنا قد هاض ظهري وأثقله انظر إلى قوله: وعجل بكشف الضر إلخ ... والله يقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُو﴾ ١. وهكذا كثير من الأبيات التي أوردها النبهاني كما لا يخفى على من راجع كتابه، ولا بدع فهو المبتدع الذي ختم الله على قلبه. الوجه الخامس: إن أجل من تمسك بشعره النبهاني؛ الصرصري، والبوصيري، وأما غيرهما- كالبرعي، والوتري، والشهاب، وأمثالهم- فليسوا من المعروفين بعلم ولا دين، ولا زهد ولا فضيلة، ولا شيء يذكر. والصرصري والبوصيري اعترض أهل العلم ومن له بصيرة في الدين على ما كان في شعرهما من الغلو الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ، كقول الصرصري في قصيدته اللامية التي استشهد بأبيات منها النبهاني: يا رسول الله يا من مدحه ... في القوافي أقوم الألفاظ قيلا مسني ضر عناه ثابت ... من ذنوب غادرت قلبي كليلا أنا منها تائب مستغفر ... فاسأل الرحمن لي صبراً جميلا

стр. 1074

وقوله: لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة ... إليه بها في الحادثات تنصل وقوله: وتسأل رب العالمين بميتة ... على السنة البيضاء غير مبدل إلى غير ذلك مما قاله في قصائده المشهورة كقوله: وأنت على كل الحوادث لي ولي. وقوله: على تربها خديك عفر. وقد استشهد بكثير من شعره النبهاني في كتابه. وكذلك البوصيري حيث يقول في همزيته: يا أبا القاسم الذي ضمن أقسا ... مي عليه مدح له وثناء الأمان الأمان إن فؤادي ... من ذنوب أتيتهن هواء إلى آخر ما أورده النبهاني منها، وقال أيضاً: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم وقد ذكر الشيخ تقي الدين أن شعر يحيى الصرصري وقع فيه من الغلو والإطراء ما لا ينبغي أن يصدر مثله في حق مخلوق، وأنكر على من استغاث بغير الله أو دعاه. قال ﵀ في رده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة: "وإنه حرف الكلم عن مواضعه، وتمسك بمتشابهه وترك المحكم، كما يفعله النصارى، وكما فعل هذا الضال- يعني ابن البكري- أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي والميت، والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه، فجعل حكم ذلك كله واحداً، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة، ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب منه إنما طلب من الله لا منه فالمستغيث به مستغيث

стр. 1075

بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، فدخل عليه الخطأ من وجوه. منها: أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغاثاً به، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازاً مع دعواه الإجماع على ذلك. فإن المستغاث هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به. الثاني: ظنه أن توسل الصحابة في حياته كان توسلاً بذاته ﷺ لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك وهذا غلط. الثالث: أنه أدرج السؤال أيضاً في الاستغاثة به، وهذا صحيح جائز في حياته، وهو قد سوى في ذلك بين محياه ومماته، وهذا أصاب في لفظ الاستغاثة لكن أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيي الصرصري، ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان له كتاب المستغيث بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وهؤلاء ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم- ولهم فضل وعلم وزهد- إذا نزل به أمر خطا إلى الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس، ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام بل مشابهة لعباد الأصنام"انتهى. وقال ﵀ في أثناء كلام له: "ونحن نعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات، لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم

стр. 1076

يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن بها، وقال هذا أصل دين الإسلام، وإن بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول هذا أعظم ما بينت لنا، لعلمه أن هذا أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم، لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعون دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه أو الدعاء به أو الدعاء عند قبره، بخلاف عباداتهم لله فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى أن العدو الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض الشعراء: يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر أو قال: عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر فقلت لهم: إن هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك الرمة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله. فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة بالله، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً لم يتقدم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك، لما صح من تحقيق التوحيد لله وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" انتهى ما هو المقصود من كلامه ﵀. ولم يقتصر فيه على مجرد الإنكار بل جعله شركاً وكفراً بعد قيام الحجة والعلم بكفر فاعله، وجعله من ضرورات الدين، بل جعله أصل الدين، وجعل

стр. 1077

وجود هذا الشرك مانعاً من القتال الشرعي وسبباً للهزيمة وعدم النصر، فأي إنكار أبلغ من هذا؟ وقد أنكر الشيخ شعر الصرصري، ونص على أنه يقع منه ما لا يسوغ ولا يجوز، على أن بعضهم أول بعض أقواله فقال: لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة. ليس فيه استغاثة كما زعم من استشهد به على ذلك، بل المقصود أنه ﷺ هو الواسطة بين العباد وبين الله تعالى في إبلاع شرعه ودينه، وبيان ما يحب ويرضى، وما يكرهه وعنه ينهى، فهو وسيلة لمن سار على سبيله وتمسك بهديه وقبله، وقوله: سل الله رب العالمين يميتني ... على السنة البيضاء غير مبدل ليس صريحاً في أن السائل لله هو النبي ﷺ ، إذ يحتمل أنه أراد سل أيها المذنب وأيها العبد ولكنه التفت عن التكلم إلى الخطاب وإحسان الظن بمثله أولى. وأما قوله: وأنت على كل الحوادث لي ولي. فالمراد أنه يوالي رسول الله ﷺ ويتولاه على كل الحوادث في اليسر والعسر، والرخاء والشدة، والضيق والسعة، لا يوالي غير أولياء الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ١ فليس المراد بالولي المستغاث المعبود، فإن هذا فهم جاهلي شركي، وأهل الإسلام يفهمون من موالاة رسول الله ﷺ محبته، وتعزيره، وتوقيره، وطاعته، والتسليم لأمره، والوقوف عند نهيه، وتقديم قوله على قول كل أحد، هذه موالاة أهل الإسلام. لكن يبقى باقي الأبيات التي استشهد بها النبهاني من شعر الصرصري فإن تأويلها مشكل.

стр. 1078

وصنف الشيخ ﵀ أيضاً مجلداً في حكم الاستغاثة بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والصالحين، وقرر أدلة المنع من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، وأكثر الكلام في المنع من هذا. قال رحمه الله تعالى: "ومما يبين حكمة الشريعة وأنها كسفينة نوح أن الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك، وطائفة منهم يصلون ويدعو أحدهم الميت فيقول اغفر لي وارحمني، ومنهم من يستقبل القبر ويصلي إليه مستدير الكعبة، ويقول: القبر قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة، وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهداً، وهو شيخ متبوع، فلعله أمثل أصحاب شيخه يقوله عن شيخه، وأخرج من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد، وأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل عليها، وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد، وآخرون يحجون إلى القبور، وطائفة صنفوا كتباً وسموها مناسك حج المشاهد، وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموها منسكاً وحجاً، فالمعنى واحد. وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والصلاح صنف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة وجعل هذا من مناقبه. وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض الشيوخ- ممن يقصده بعض العلماء والقضاة قيل عنه أنه كان- يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبله الذي بالهند، الذي للمشركين، لأنه يعتقد أن دين اليهود والنصارى حق. قال: وجاء بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال: أريد أن أسلك على يديك، فقال له: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال له:

стр. 1079

واليهود والنصارى ليسوا كفاراً، قال: لا تشدد عليهم ولكن الإسلام أفضل. ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ كعرفات، يسافرون إليها وقت الموسم فيعرفون بها كما يفعل بالمغرب والمشرق. وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله، فليسوا على ملة إبراهيم. والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته موجودة في كلام بعض الناس، مثل يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم صلاح ولكن ليسوا من أهل العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم- وله فضل وعلم وزهد- إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس، وهؤلاء مستندهم مع العادة قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرس، ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان، فإن الشياطين تتمثل لهم، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال المقام". ثم قال "حاكياً عن البكري الذي صنف في جواز الاستغاثة بالنبي ﷺ : "وقد طاف هذا بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقون، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه، مع أن قوماً كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياماً عظيماً، واستعانوا بمن له غرض من ذوي السلطان مع فرط عصبيتهم وكثرة جمعهم وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم" انتهى. فتأمل هذا الكلام فإنه يستبين منه ضلال النبهاني وأضرابه من الغلاة، وقد صرح شيخ الإسلام أن السنة كسفينة نوح، ومعلوم أن دعاء الأنبياء ليس من السنة، بل هو من البدع الشركية. ومنها: أن بعضهم أفضى به ذلك إلى أن يصلي للميت ويقول اغفر لي وارحمني وهذا جائز عند النبهاني وإخوانه من عباد القبور سائغ لا ينكر.

стр. 1080

ومنها: أن بعض المستغيثين يعكف على القبر عكوف أهل التماثيل وهذا واقع منهم أيضاً وهذا من لوازم قولهم بجواز الاستغاثة. ومنها: أن جمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادتها من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد. ومنها: أن بعضهم يحج إلى القبور، وهذا عند النبهاني ومن على شاكلته من الفضائل التي لا تنكر. ومنها: إنكار الشيخ على من صنف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وأن هذا المصنف حج مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وفاعل ذلك عند الغلاة أفضل من الحاج. ومنها: أن ذلك أفضى ببعضهم إلى أن قال: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والصنم الذي في الهند، وبعضهم لا يرى ذلك للصنم الذي في الهند ويراه لمن يعتقده وما يتأله به من المشايخ. ومنها: أن بعضهم يعرف عند مقابر الشيوخ كما يفعل بعرفة، وإن هذا وقع في المغرب والمشرق. ومنها: أن الشيخ نفى العلم عمن يستغيث بالنبي ﷺ ، كالصرصري وابن النعمان، وأنهم جروا على عادة العامة الذين يستغيثون بالمشايخ في الشدائد ويدعونهم. ومنها: أن من له فضل وعلم وزهد قد يقع منه الشرك والاستغاثة بغير الله، وأن مستندهم مع العادة قول طائفة قبر معروف أو غيره ترياق مجرب. ومن المعلوم أن هذا القول صدر عن غير معصوم، وجمهور أهل العلم والإيمان قد ردوه وأنكروا على فاعله، وقد مضى فيما مر من عبارات شيخ الإسلام أن هذا لا يعرف في عهد القرون المفضلة، وكفى بهذا ذماً. ومنها: قوله إن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى

стр. 1081

بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة، أو الأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان، فجزم بأن قضاء الحوائج قد يحصل لعباد الملائكة، أو الأنبياء، أو الكواكب، أو الأوثان، ولو حكى الوقائع الموجودة في زمانه لطال المقام. ومنها قول الشيخ وهو ثقة فيما يحكيه بالإجماع أن علماء مصر لم يوافقوا من صنف في جواز الاستغاثة بالنبي ﷺ فيما لا يقدر عليه إلا الله، وأبوا أن يخالفوا ما كتبه شيخ الإسلام من المنع، فالحمد لله لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده الصالحون. وأما ما انتقده أهل العلم والدين على كلام البوصيري فكثير جداً، من ذلك قوله: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم قال العلامة الشيخ عبد اللطيف في كتابه (منهاج التأسيس) : إن قول البوصيري هذا أشنع وأبشع من قول الصرصري، لما تضمنه من الحصر، ولما فيه من اللياذ بغير الله في الخطب الجلل، والحادث العمم، وهو قيام الساعة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١. فدعاء غير الله في الأمور العامة الكلية أبشع من دعاء غيره في الأمور الجزئية، ولذلك أخبر أن عباد الأصنام لا يدعون غيره عند إتيان العذاب أو إتيان الساعة التي هي الحادث العمم. وأما من قال من الغلاة في الاعتذار عنه أن مقصوده الشفاعة والجاه فهذا لا يفيده شيئاً، لأن عامة المشركين إنما يقصدون هدا ولم يقصد الاستقلال إلا معطلة الصانع، وعامة المشركين إنما قصدوا الجاه والشفاعة كما حكاه القرآن في غير

стр. 1082

موضع. وأما قول الغلاة وتلبيسهم بأنه ﷺ أعطى الشفاعة يوم القيامة، وأنزل عليه ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ١ فهذا تلبيس منهم وتشبيه على من لا يدري الحقائق ولم يتفطن لمسألة النزاع، فإن الخصومة والنزاع في طلب الشفاعة أو غيرها من الشفعاء في حال مماتهم وقصدهم لذلك ونحوه من المطالب المهمة. وأما حصول الشفاعة وسؤاله ﷺ يوم القيامة فهذا لا ينكر، وهو من جنس ما كان يطلب منه في حياته ﷺ ، وأما بعد موته فلم يعرف عن أحد من أصحابه ولا عن أئمة الإسلام بعدهم أنه دعاه وطلب منه شفاعة أو غيرها، وإنما فعله بعض الخلوف الذين لا يرجع إليهم في مسائل الأحكام، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ومن ذلك قول البوصيري أيضاً في قصيدته البردة في شأن معجزات النبي ﷺ : لو ناسبت قدره آياته عظماً ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم يقول: لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله تعالى وكمال قربه وزلفاه عنده؛ لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره، حيث يتيمن به في الدعوات، ويتوصل به في المهمات، وذلك لأن الملوك المجازية إذا توسل عندهم باسم من له قرب ومكانة لديهم وتوصل بذكره لقضاء المآرب وإنهاء المطالب يقضون الأوطار الرفيعة تنويهاً بذكره وتنبيهاً على قدره، فمالك الملوك وإن كان أحق بذلك وأولى لكن حكمته ما اقتضته صونا للضعفة عن المداحض، وعوناً على العوام في مزالق الأقدام، وخص إحياء الموتى لكونه أرفع المطالب وأنفعها، ولأنه كما أحيى ببركة المسمى موتى القلوب والأرواح، فالمناسب أن يحيي ببركة الاسم تلك العظام والأشباح، انتهى ما قاله بعض شراح هذه القصيدة.

стр. 1083

ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو، فإن من جملة آياته ﷺ القرآن العظيم الشأن، وهو الكتاب الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١. وهو الكتاب الذي أنزله نوراً وجعله مهيمناً على كل كتاب، وهو الكتاب الذي أنزله وفضله على كل حديث قصه، وجعله فرقاناً فرق به بين الحلال والحرام، وقرآناً أعرب به عن شرائع الأحكام، وكتاباً فصله لعباده تفصيلاً، ووحياً أنزله على نبيه محمد ﷺ تنزيلاً، وجعله نوراً يهتدى به من ظلم الضلالة والجهالة باتباعه، وشفاء لمن أنصت بفهم التصديق إلى استماعه، وميزان قسط لا يحيف عن الحق لسانه، ونور هدى لا يطفأ عن الشاهدين برهانه، وعلم نجاة لا يضل من أم قصد سنته، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته، وكيف يحل لمسلم أن يقول: إن القرآن لا يناسب قدر النبي ﷺ ، بل هو منحط عن قدره! وهو كلام الله وكلام الله غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود. ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لم تحيي دارس الرمم فههنا أمران عظيمان: انحطاط قدر القرآن الذي هو صفة من صفات الله عن قدر النبي ﷺ ، وأن المناسب لقدره أن يحصي اسمه حين يدعى دارس الرمم، وليس هذا بجائز عند أحد من فرق المسلمين فضلاً عن أهل السنة، فإنه ليس وراء هذا الغلو غلو أعظم منه، ولهذا ذهب المتعصبون للناظم في كل واد من أودية التأويل. ففي كتاب "غرائب الاغتراب": أن مما جرى البحث عنه بيت البوصيري هذا وهو مشكل، وأمر معضل، فإن مقتضى لو وكون القرآن داخلاً في آياته ﷺ أن لا يكون القرآن العظيم مناسباً قدره عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم، وذلك مما لا يكاد يقال، لما أن القرآن كلام الملك المتعال. ثم أجاب بأجوبة غير مرضية، إلى أن قال: الجواب يتوقف على تحقيق

стр. 1084

المراد بالقرآن الذي لا يسوغ أن يفضل عليه النبي أو أي إنسان أهو الكلام النفسي الذي هو من صفاته تعالى الذاتية؟ أم الكلام اللفظي الذي ذهب إلى أنه مخلوق- كالمعتزلة- معظم الأشاعرة والماتريدية، فإن كان الأول فالقول به غير مناسب قطعاً، بل هو باطل بلا شبهة عقلاً وسمعاً وإن كان الثاني فالقول بعدم مناسبة عدم المناسبة مما تتردد فيه الأذهان، لقول معظم أهل السنة أنه عليه الصلاه والسلام أفضل المخلوقات ما يكون أو كان. وحيث أن البوصيري عبر بالآيات أي المعجزات أراد بالقرآن المعنى الثاني من المعنيين، إذ الكلام النفسي ليس بمعجزة، ولم يتحد به سيد الكونين، والظاهر أنه أشعري يقول: إن الكلام اللفظي مخلوق، ضرورة اشتماله على بداية ونهاية وسابق ومسبوق، وأنه ممن يفضل النبي ﵊ على جميع المخلوقات، ممن مضى منهم ومن هو آت، فقد قال وأحسن في المقال: فمبلغ العلم فيه أنه بشر ... وأنه خير خلق الله كلهم إلى أن قال: وأنا أقول الآن مستعيناً بالملك المنان، قد ظفرت بنحو ما ذكرته في مختصر شرح المرزوقي للقصيدة، ونصه- بعد كلام في هذا البيت-: قال الشارح: لم يزل الناس يعترضون هذا البيت لاقتضائه أن ليس فيما أعطيه ﷺ من الآيات ما يناسب قدره، لأن (لو) حرف امتناع لامتناع، أي امتنعت الخاصة المذكورة لامتناع أن يناسب قدره العظيم شيء من آياته ﷺ ، وهذا باطل فإن من آياته القرآن العظيم، وهو كلام الله تعالى، والكلام صفة، وشرف الصفة بشرف الموصوف. ثم قال: وعنه أجوبة. وأقول: السؤال مغاطة، فإن القرآن يراد به كلام الله الذي هو صفة الذات وهو لمعنى القائم به، وهذا لم يعطه ﷺ ، لأن الذي أعطيه معجزة والمعجزة فعل لله تعالى خارق للعادة وهو غير صفة الذات، ويراد به أيضاً الحروف الملفوظة والأصوات المسموعة، وهذا هو الذي أعطيه ﷺ ، وهو المعجزة، وإطلاق القرآن عليه بمعنى القراءة، ومدلولها المعنى القائم بالذات، وإطلاق القرآن على الحروف والأصوات شائع، وحينئذ لا نسلم أن تكون الحروف

стр. 1085

والأصوات مناسبة لقدره ﵊، انتهى. فانظر إلى هذا الجواب الركيك، والقول بالكلام النفسي قد بين بطلانه في غير هذا الموضع. والمقصود؛ أن من أشهر من استشهد النبهاني الزائغ بشعره الصرصري والبوصيري وقد سمعت ما قال أهل العلم فيهما، فالباقون على هذا القياس فلا حاجة إلى أن نتعب القلم. أحسن ما في خالد وجهه ... ووجهه الغاية في القبح الوجه السادس: أن من الغلاة من اعتذر عن هؤلاء الشعراء وغيرهم ممن دعا غير الله وطلب منه حوائجه ومقاصده، قال: إن أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية لا يقولون بتأثير الأسباب ولا بالتعليل، فلا مؤثر في الوجود إلا الله، والتأثير إنما هو عند الأسباب لا بها، فإذا طلب أحدهم شيئاً من نبي أو ولي فالله هو المعطي لمن سأل عند الطلب، ومن أسند التأثير لغير الله فقد أشرك، فمن استغاث بالنبي ﷺ كالبوصيري والصرصري وسائر من استشهد بشعره النبهاني لا لوم عليهم، فإن ما ذكر مقصودهم. وسمعت من بعض أغباء الغلاة وجهلتهم من أهل الثياب المعلمة والأقفاء المورمة والألقاب المفخمة قال: مررت أثناء سفري إلى الحجاز على جبل حائل وأهله من عرب نجد على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأميرهم يومئذ محمد آل رشيد، قال الأمير: إن أهل بلادكم يغالون في الصالحين بما لا يرضى الله به، ويبنون على قبورهم المساجد والمشاهد، ويوقدون السرج، إلى غير ذلك من البدع، ثم إنهم يندبونهم في المهمات ويستغيثون بهم عند طلب الحاجات، وكل ذلك وأمثاله مما لا يرضى به الله ولا رسوله ولا أهل العلم والدين، فإنه من أفعال مشركى العرب في الجاهلية، بل هو أدهى وأمر، قال: فقلت للأمير- والله يعلم أنه من الكاذبين- إن أهل بلادنا يقولون عنكم وعمن يسلك مسلككم من عرب نجد وغيرهم إنكم مشركون، قال فبهت الأمير من هذا الكلام واستعظمه، ثم قال: ولم

стр. 1086

يقولون عنا أنا مشركون ونحن من أخلص الناس توحيداً له سبحانه؟! قال: فقلت له: إن أهل بلادنا لا يثبتون للأسباب تأثيراً، وأنتم تثبتون التأثير والعلل والحكم والمصالح، فإذا كان الأمر كذلك فقد أشركتم مع الله مؤثراً في الوجود، وهذا هو الشرك الأكبر، قال: وأما أصحابنا فعندهم أن السكين عند إمرارها على شيء لا تقطع بل يخلق الله القطع عند ذلك، وليس في الماء قوة الري مودعة فيه بل الري يخلق عند شربه لا به، والنار ليست بمحرقة بل الإحراق عندها لا بها، والعين ليست بمبصرة والأذن ليست بسامعة بل الإبصار والسماع عندهما لا بهما، وهكذا في جميع ما يعتقد أنه سبب في الظاهر. فإذا قال القائل مستغيثاً بأحد من الأموات: يا فلان افعل كذا وكذا فالمقصود الطلب من الله أن يقضي حاجته. وبعد أن فرغ من هذا الهذيان وسكت، قلت له: فما أجابك الأمير؟ قال: لم يجبني بشيء، فقلت: كان ينبغي أن يجيبك ويسألك من قال هذا الكلام الذي ذكرته؟ وعمن نقلته؟ وأي دليل لك عليه من الكتاب والسنة وسلف الأمة، وينبغي على قولك هذا أن يطلب من المخلوق كل شيء يطلب من الخالق، وينبغي أن لا يعترض على عبدة الأصنام وطلبهم من أصنامهم ما يطلب من الله، فإنهم أيضاً كانوا يعتقدون أن أصنامهم وسائط ووسائل وشفعاء، وكانوا يقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ونحو ذلك من الكلام، وإذا سئلوا من يرزقكم ومن خلق السموات والأرض ليقولن الله. وقد سبق في هذا الكتاب في عدة مواضع بيان ذلك، وأن كلام الغلاة هذا وكلام عبدة الأصنام من واد واحد، وقد تشابهت قلوبهم، وأوردت له عدة آيات ونصوص في إثبات الحكمة والتعليل، وأن الله هو خالق السبب والمسبب، وأن هذا هو ما اقتضاه الكتاب والسنة وكلام السلف، فلم يزده ذلك إلا نفوراً واستكباراً عن قبول الحق، فإنه كان من قوم ظروفهم من الظرف خالية، وغرفهم من العقل خاوية، وصحنهم من العلوم بيضاء صافية، وجيفهم فوق الماء طافية، في الأنعام، لا في الأنام، ومثله بلاء على الإسلام.

стр. 1087

وقد بسط الكلام على مسألة الأسباب العلامة الحافظ الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشهير بابن قيم الجوزية في كتابه (شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل) قال في أثناء كلامه: "إنه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعاً وقدراً، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني والشرعي، وأمره الكوني القدري، ومحل ملكه وتصرفه، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء، فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطاً بالأسباب قائماً بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسببات، والشرع كله أسباب ومسببات، والمقادير أسباب ومسببات، والقدر جار عليها متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر، والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، كقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ١ ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ٢ ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ ٣ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ٤ وسرد آيات كثيرة، إلى أن قال: وهذا أكثر من أن يستوعب. وكل موضع تضمن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء، وهو أكثر من أن يستوعب كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ ٥ وقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٦. وكل موضع رتب فيه الحكم على ما قبله بحرف أفاد التسبب وقد تقدم،

стр. 1088

وكل موضع ذكرت فيه الباء تعليلاً لما قبلها بما بعدها أفاد التسبب، وكل موضع صرح فيه بأن كذا جزاء لكذا، أفاد التسبب، فإن العلة الغائية علة للعلة الفاعلية، ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة، ويكفي شهادة الحس والعقل والفطر، ولهذا قال من قال من أهل العلم تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الرب ونعوت كماله، وعلوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلمه بكتبه، وتكليمه لملائكته وعباده، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد، فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسوله وتنزيهه عن كل كمال، ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل، ونظير من نزه الله في أفعاله وأن يقوم به فعل البتة، وظن أنه ينصر بذلك حدوث العالم وكونه مخلوقاً بعد إن لم يكن، وقد أنكر أصل الفعل والخلق جملة، ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب، فإذا رأي العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الرب سبحانه إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتاباً من الكتب أعظم إثباتاً للأسباب من القرآن. ويالله العجب! إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سبباً لهذا والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة لحكمه إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم وإغراق الماء على كليمه وقومه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلى بينها وبين اقتضائه لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا، فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد؟ وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه؟ ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تحرق والماء لا يغرق والخبز لا يشبع والسيف لا يقطع ولا تأثير لشيء من ذلك البتة ولا هو سبب لهذا الأثر وليس فيه قوة وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا

стр. 1089

لكذا- قالوا هذا هو التوحيد، وإفراد الرب بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به، كما تراه عياناً في كتبهم ينفرون به الناس عن الإيمان، ولا ريب أن الصديق الجاهل قد يضر مالا يضره العدو العاقل، قال تعالى عن ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ١ ثم ذكر تفسير الآية وذكر آيات أخر، وشفى بذلك صدور المؤمنين، ومن أراد الوقوف على تفصيل ذلك فليراجع هذا الكتاب. والمقصود؛ أن قول ذلك الزائغ الذي أجراه مع أمير الجبل هو كذب لا أصل له، وإني أعلم أنه من أكذب الناس وأكثرهم رياء، وأنه لو كان صادقاً فيما نقله فالكلام مع العوام لا يترتب عليه شيء، وأن مسألة الأسباب سواء قلنا فيها بقول السلف أم لا، لا تعلق لها مع الدعاء والعبادة، فإن ذلك من خصائص الله تعالى باتفاق العقلاء وأهل المعرفة، وأن الأشاعرة القائلين بعدم تأثير الأسباب لا يقولون بجواز عبادة غير الله، فلا يسجد لغير الله، ولا يذبح لغير الله، ولا ينذر لغير الله، ولا يحلف بغير الله، ولا يستغاث ولا يستعان بغير الله. وكل هذا يفعله قوم ذلك الزائغ فما حجتهم في هذا العمل الباطل؟ فليجب عن هذا ثم ليفتخر بما كان منه مع أمير حائل العامي، وأنه يتبجح بإلزامه وإفحامه، ألا لعنة الله على الكاذبين. الوجه السابع: أن الشعراء الذين أورد النبهاني من شعرهم في الاستدلال على جواز الاستغاثة بغير الله والاحتجاج على مشروعية دعاء سواه سبحانه- بل كل من كان على هذا المنهج من الغلاة- فهو إما من القائلين بالحلول والاتحاد وهو الذي سوغ له ذلك الدعاء والالتجاء إذ الكل واحد، وعلى ذلك قول قائلهم: وتلتذ إن مرت على جسدي يدي ... لأني في التحقيق لست سواه

стр. 1090

وقال آخر: الرب عبد والعبد رب ... يا ليت شعري من المكلف وعندهم الوجود واحد، ولذلك قال من قال سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها، فإذا كان الله عين كل شيء فله أن يعبد كل شيء إذ هي عين الحق، وفي كتاب فصوص الحكم ما تقشعر منه جلود المؤمنين. قال شرف الدين إسماعيل المعروف بابن المرقىء من قصيدة: فقال بأن الرب والعبد واحد ... فربي مربوب بغير تغاير وأنكر تكليفاً إذ العبد عنده ... إله وعبد فهو إنكار حاير وخطأ إلا من يرى الخلق صورة ... وهوية لله عند التناظر وقال يحل الحق في كل صورة ... تجلى عليها وهو إحدى المظاهر وأنكر أن الله يغني عن الورى ... ويغنون عنه لاستواء المقادر إلى آخر ما قال. والقصيدة طويلة في ديوانه، وهو الذي قال ما قال الشيخ محيي الدين الذي يقول: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه والمقصود؛ أن من يذهب مذهب الغلاة في أهل القبور فريقان: (الفريق الأول) من يقول بالاتحاد والحلول، إذ لا فرق حينئذ بين الخالق والمخلوق، ولا بين التراب ورب الأرباب، ومنهم النبهاني الزائغ على ما أشعر كلامه واعتقاده في النبي ﷺ مع ما هو عليه من المسلك، وقد ذكرنا ذلك أول الكتاب، ومثله كثير ممن أورد شعره. (الفريق الثاني) الجهال بحقائق الدين ودقائقه، وهم أكثر من نقل النبهاني شعره، فهم لا يعلمون ما في كلامهم من المحاذير، ولو نبهوا عليها لانتبهوا، وهم في شعرهم وما قالوه في النبي ﷺ من الغلو يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وقد رأينا من يعمل في قبور الأصفياء ما يعمل من المنكرات والأعمال التي لم تشرع
следующие страницы →