العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية، وجماهيرهم لما ألفت ذلك طباعهم، وفسدت به فطرهم، وعز عنه امتناعهم، لا يكاد يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى، والإنابة إليه، بل ليس لذلك عندهم إلا الولي الفلاني، ومشهد الشيخ فلان، حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضاً عن الخروج للاستسقاء، والإنابة إلى الله في كشف الشدائد والبلوى، كل هذا رأيناه وسمعناه عنهم.
قال: وقد حدث الشيخ مصطفى البولاقي أن بعض رؤساء الجامع الأزهر عاده لما اشتكى عينيه وقال له: هلاّ ذهبت إلى مولد الشيخ أحمد البدوي؟ فقد حُكي أن إنساناً شكا إليه ذهاب بصره، فسمع قائلاً يقول من الضريح أعطوه عين كذا وكذا!.
فانظر إلى ما خطر ببال هذا المتكلم من تعظيم هذا الميت، وتأهيله لتلك المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله القاهر الغالب، وقصد الوساطة هنا على ما فيها ما أظنها تخطر بباله أصلاً، فهل سمعت عن جاهلية العرب مثل هذه الغرائب، التي ينتهي عندها العجب؟ والكلام مع زكي القلب يقظ الذهن قوي الهمة العارف بالحقائق، ومن لا ترضى نفسه بحضيض التقليد في أصول الديانات والتوحيد، وأما ميت القلب، بليد الذهن، وضيع النفس، جامد القريحة، ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق على ما يُحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر والتنديد؛ فذاك فاسد الفطرة معتل المزاج، وخطابه محض عناء ولجاج.
قال: ومما بلغنا عن بعض علماء زبيد أن رجلين قصدا الطائف فقال أحدهما لصاحبه- والمسؤول ممن يترشح للعلم-: أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون ابن عباس، فأجابه بأن معرفتهم لابن عباس كافية لأنه يعرف الله!
فأي ملة- صان الله ملة الإسلام- لا تمانع هذه الكفريات ولا تدافعها؟
وذكر الزبيدي أيضاً أن رجلاً كان بمكة عند بعض المشاهد قال لمن عنده:
стр. 142
أريد الذهاب إلى الطواف، فقال بعض غلاتهم: مقامك ههنا أكرم!.
ومن وقف على كتاب مناقب الأربعة المعبودين بمصر -وهم البدوي والرفاعي والدسوقي ورابعهم فيما أظن أبو العلاء- فقد وقف على ساحل كفرهم، وعرف صفة إفكهم. وبلغنا عن بعض الثقات أن جماعة من المدعين للعلم بزبيد كانوا يقرؤون صحيح البخاري فإذا فرغوا منه -إما أحياناً أو مطلقاً- ذهبوا إلى قبر الجبيرتي أو غيره، فوقفوا عاكفين -ما شاء الله- وعليهم السكينة والوقار، وضرب من الخضوع لنازل الحفرة، قال من نقله: فالله أعلم أهو شيء وجدوه في صحيح البخاري أو غيره أو ما هو؟ قال: ورأيت في حاشية الشيخ إبراهيم البيجوري على السنوسية نقلاً عن الدردير- فيما أظن- عن الشعراني أن الله وكل بقبر كل ولي ملكاً يقضي حاجة من سأل ذلك الولي!
فقف هنا وانظر ما آل إليه شركهم وإفكهم، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ١. وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ٢ وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٥ الآية.
وأي حجة في هذا الذي قال الشعراني لو كانوا يعلمون؟
ولكن القوم أصابهم داء الأمم قبلهم، فنبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين.
ومن هذا الجنس ما ذكره الشعراني في ترجمة الملقب شمس الدين الحنفي،
стр. 143
أنه قال في مرض موته: "من كانت له حاجة فليأت قبري ويطلب أن أقضيها له، فإنما بيني وبينه ذراع من تراب، وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل"! انتهى.
وقد اجتمع جماعة من الموحّدين من أهل الإسلام في بيت رجل من أهل مصر وبقربه رجل يدّعي العلم، فأرسل إليه صاحب البيت فسأله بمجمع من الحاضرين، فقال له: كم يتصرف في الكون؟ قال: يا سيدي سبعة، قال: من هم؟ قال: فلان، وفلان وعد أربعة من المعبودين بمصر. فقال صاحب الدار لمن بحضرته من الموحدين: إنما بعثتُ لهذا الرجل وسألته لأعرفكم قدر ما أنتم فيه من نعمة الإسلام، أو كلاماً نحو هذا.
وباب تصرّف المشائخ والأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدّعي الإسلام من أهل البسيطة، وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء وأظلته المحيطة، حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة، فلا يعرج عليه عندهم إلا من نسي عهود الحمى، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام في" منهاجه"١ عن غلاة الرافضة في عليّ، فعاد الأمر إلى الشرك في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله جل ذكره أنهم يعترفون له بتوحيد الربوبية ويقرون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية والتدبير على ما أنكروه من الإلهية.
ومن ذلك -وهو من عجيب أمرهم- ما ذكره حسين بن محمد النعمي اليمني في بعض رسائله: أن امرأة كفّ بصرها؛ فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى ولم يبق إلا حسبك!! انتهى.
وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي ﵀ أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج، فذهبوا إلى الضريح المنسوب٢ إلى الحسين رضي الله
стр. 144
عنه بالقاهرة، فاستقبلوا القبر وأحرموا، ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر، حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين، فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه.
وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن أن مثل هذا وقع عندهم. وقد حدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يدق وتد في القاهرة إلا بإذن السيد أحمد البدوي، قال فقلت له: هذا لا يكون إلا لله أو كلاماً نحو هذا. فقال: حبي في سيدي أحمد البدوي اقتضى هذا.
وحُكي أن رجلاً سأل الآخر: كيف رأيت الجمع عند زيارة الشيخ الفلاني؟ فقال: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات، إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الثلاثة أيام. فقال السائل: قد تحملها الشيخ! قال بعض الأفاضل: وباب تحمل الشيخ مصراعاه ما بين بصرى وعدن قد اتسع خرقه، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد، انتهى.
وقد اشتهر ما يقع من السجود على أعتاب المشهد وقصد التبرك مع ما فيه لا يمنع حقيقة العبادة الصورية. ومن المعروف عنهم شراء الولدان من الولي بشيء معين، يبقى رسماً جارياً يؤدّى كل عام، وإن كانت امرأة فمهرها أو نصف مهرها، لأنها مشتراة منه، ولا يمانع هذا إلا مكابر، لأنه استفاض واشتهر فلا ينكره إلا مكابر في الحسيات، وإن فقد بعض أنواعه في بعض البلاد فكم له من نظائر، وهذا أشد، وأشنع مما ذكر جل ذكره عن جاهلية العرب بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ ١ الآية، وكذلك جعل السوائب باسم الولي لا يحمل عليها لا تذبح، وسوق الهدايا والقرابين إلى مشاهد الأولياء وذبحها حباً للشيخ وتقرباً إليه، وهذا وإن ذكر اسم الله عليه فهو أشد تحريماً مما ذبح اللحم وذكر عليه اسم غير الله كعيسى مثلاً، فإن
стр. 145
الشرك في العبادة أكبر من الشرك بالاستعانة، ومن ذلك ترك الأشجار والكلأ والعشب إذا كان بقرب المشهد وجعله من ماله.
ومنها الحج إلى المشاهد في أوقات مخصوصة مضاهاة لبيت الله، فيطوفون حول الضريح، ويستغيثون، ويَهْدُون لصاحب القبر ويذبحون، وبعض مشائخهم يأمر الزائر بحلق رأسه إذا فرغ من الزيارة، كما يفعلون في بيت الله الحرام بعد الأداء، وقد صنف بعض غلاتهم كتاباً سماه "حج المشاهد" وهو متداول.
ومنها التعريف في بعض البلاد عند من يعتقدونه من أهل القبور، فيصلّون عشية عرفة عند القبر خاضعين سائلين.
والعراق فيه من ذلك الحظ الأكبر، والنصيب الأوفى الأوفر، بل فيه البحر الذي لا ساحل له، والمهامة التي لا ينجو سالكها ولا يكاد، ومن نحوه عرف الكفر وظهر الشرك والفساد، كما يعرف ذلك من له إلمام بالتواريخ ومبدأ الحوادث في الدين.
ومن شاهد ما يقع منهم عند مشهد الحسين ومشهد عليّ والكاظم عند رافضتهم، وعبد القادر والحسن البصري والزبير وأمثالهم عند سنتهم، من العبادات، وطلب العطايا والمواهب والتصرفات، وأنواع الموبقات؛ علم أنهم من أجهل الخلق وأضلهم، وأنهم في غاية من الكفر والشرك ما وصل إليها من قبلهم ممن ينتسب إلى الإسلام، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته بمحو هذه الأوثان، حتى يُعبَدَ وحده، فتسلم الوجوه له، وتعود البيضاء كما كانت ليلها كنهارها.
ومن ذلك -وإن كان يعلم مما تقدم- اتخاذها أعياداً ومواسم مضاهاة لما شرعه الله ورسوله من الأعياد المكانية والزمانية.
ومنها ما يقع ويجري في هذه الاجتماعات من الفجور والفواحش، وترك الصلوات، وفعل الخلاعات، التي هي في الحقيقة خلع لربقة الدين، والتكليف، ومشابهة لما يقع في أعياد النصارى والصابئة والإفرنج ببلاد فرنسا وغيرها من
стр. 146
الفجور والطبول والزمور والخمور، وبالجملة فما أحدثه عباد القبور يعزّ حصره أو استيفاؤه" انتهى كلام الفاضل الشيخ عبد اللطيف في منهاجه.
فيا أيها النبهاني الغافل! هذا حال إخوانك ومن هو على شاكلتك، ثم إنك لم ترض بهذه المصائب والمثالب والمعائب حتى زدت في الطنبور نغمة، وذلك اعتقادك أن النبي ﷺ موجود في كل مكان وزمان، ونظمت قصيدة من شعرك الركيك الفاسد في ذلك، ثم مع ذلك تدّعي أنك محب لرسول الله ﷺ ، كلا ثم كلا، وقد أرسله الله تعالى لمحق الشرك وإزالة الضلال، وأنت بجهلك تريد تبديل الأحوال ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ١.
فمن المبتدع؟ أمن يحافظ على السنة النبوية ويذب عنها من يحاول نقصها في كل كلية وجزئية، أم أمثالك الذين يدعون مع الله إلهاً آخر، ويطعنون على أخيار الأمة، وهداة المسلمين، ويذبون عن البدع وأهل الأهواء، ويحكمون بغير ما انزل الله، ويقدمون المواد القانونية على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟! أفلا يستحي من هذه بعض أوصافه أن يثلب أهل الإيمان، وحملة القرآن وحُفّاظ سنة سيد ولد عدنان؟! ولكن الأمر كما ورد في الحديث الصحيح: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى؛ إذا لم تستحِ فاصنَعْ ما شِئْتَ"٢.
ولهذا النبهاني عدة قصائد في الاستغاثة والالتجاء إلى غير الله، وهي مطبوعة مشهورة، ولولا أن يدنس القلم ذكرها لذكرتها، فإنها تؤيد ما ذكره الشيخ عبد اللطيف ﵀ عنهم، وها أنا أذكر شعر بعض الغلاة المشتمل على ما لهم من الغلو في القبور والمشاهد، من ذلك قول بعض العراقيين:-
نبا من بنات الماء للكوفة الغرا ... سبوح سرت ليلاً فسبحان من أسرى
تمد جناحا من قوادمه الصبا ... تروم بأكناف الغرى لها وكرا
стр. 147
كساها الأسى ثوب الحداد ومن حلي ... تجملها بالصبر لاعجها أعرى
جرت فجرى كل إلى خير موقف ... يقول لعينيه قفا نبك من ذكرى
كم غمرة خضنا إليه وإنما ... ويخوض عباب البحر من يطلب الدرا
نؤم ضريحاً ما الضراح وإن علا ... بأرفع منه لا وساكنه قدرا
حوى المرتضى سيف القضا أسد الشرى ... عليّ الذرى بل زوج فاطمة الزهرا
مقام علي كرم الله وجهه ... مقام علي رد عين العلى حسرى
أثير مع الأفلاك خالف دوره ... فمن فوقه الغبرا ومن تحته الخضرا
أحطنا به وهو المحيط حقيقة ... بنا فتعالى أن نحبط به خبرا
تطوف من الأملاك طائفة به ... فتسجد في محراب جامعه شكرا
وحزب من العالين يهتف بالثنا ... عليه بوحي كدت أسمعه جهرا
جدير بأن يأوى الحجيج لبابه ... ويلمس من أركان كعبته الجدرا
حري بتقسيم الفيوض وما سوى ... أبي الحسنين إلا حسنين بها أحرا
ثرى منه بالدنيا الثراء لمترب ... وللمذنب الجاني الشفاعة في الأخرى
بأهداب أجفان وأحداق أعين ... وحز وجوه عفرتها يد الغبرا
أمطنا القذى عن جفن سيف مذكر ... أجل سيوف الله أشهرها ذكرا
فوالله ما ندري وقد سطع السنا ... جلونا قراباً أم جلينا له قبرا
وجاء من العراقيين من خمس هذه الأبيات فقال:
سرينا لنمحوا الإثم أو نغنم الأجرا ... لزورة من تمحو زيارته الوزرا
وسارت وقد أرخى علينا الدجى ستراً ... نبا من نبات الماء للكوفة الغرا
سبوح سرت ليلاً فسبحان من أسرى
تخيرتها دون السفائن مركبا ... وأعددتها للسير شرقاً ومغربا
فكانت كمثل الطير إن رمت مطلباً ... تمد جناحاً من قوادمه الصبا
تروم بأكناف الغرى لها وكرا
стр. 148
وكانت تحلى قبل هذا تجملاً ... وقد غذيت فيما أمر الذي حلا
أظن على فقد الشهيد بكر بلا ... كساها الأسى ثوب الحداد ومن حلى
تجملها بالصبر لاعجها أعرى
إلى موقف سرنا بغير توقف ... يزيد بكائي عنده بتلهف
ولما تجارينا بفلك ومدنف ... جرت فجرى كل إلى خير موقف
يقول لعينيه قفا نبك من ذكرى
ترامت بنا فلك فيا نعم مرتمى ... إلى درة الفخر التي لن تقوما
فخضنا إليه البحر والبحر قد طما ... وكم غمرة خضنا إليه وإنما
يخوض عباب البحر من يطلب الدرا
إلى مرقد يعلو السماكين منزلا ... وقد نال ما نال الضراح من العلى
نسير ولا نلوي على السير معدلاً ... نؤم ضريحاً ما الضراح وإن علا
بأرفع منه ولا ساكنه قدرا
فزوج ابنة المختار كان غضنفراً ... علا وارتضته الطهر من سائر الورى
تعرف من هذا الذي طال مفخراً ... حوى المرتضى سيف القضا أسد الشرى
على الذرى بل زوج فاطمة الزهرا
عيون الورى إن لاحظت منه كنهه ... ترد عن التشبيه حسرى فينتهوا
وإن مقاماً لا ترى العين شبهه ... مقام عليّ كرم الله وجهه
مقام عليّ رد عين العلى حسرى
لقد صير الغبراء خضراء قبره ... وأشرق فيها في الحقيقة بدره
وقد وافق الأعجاز لله دره ... أثير مع الأفلاك خالف دوره
فمن فوقه الغبرا ومن تحته الخضرا
أحاط بنا علماً فليت سليقة ... تفيد علوماً عن علاه دقيقة
стр. 149
مجازاً وقد جزنا إليه طريقة ... أحطنا به وهو المحيط حقيقة
بنا فتعالى أن نحيط به خبرا
فطف في مقام حل فيه ولبه ... تر العالم الأعلى حفيفاً بتربه
كالمسجد الأقصى وأي تشبه ... تطوف من الأملاك طائفة به
فتسجد في محراب جامعه شكرا
فأثنى عليه من علا مثل من دنا ... وكل بما أثنى أجاد وأحسنا
فحزب من الدانين إذ ذاك أعلنا ... وحزب من العالين يهتف بالثنا
عليه بوحي كدت أسمعه جهرا
حججنا إلى بيت علا بجنابه ... عشية آوينا إلى باب غابه
ومن قد سمت أركان كعبتنا به ... جدير بأن يأوي الحجيج لبابه
ويلمس من أركان كعبته الجدرا
فيوض علوم الله من قدم حوى ... فقسم منها ما أفاد وما احتوى
ومن قبل ما يثوى ومن بعد ما ثوى ... حري بتقسيم الفيوض وما سوى
أبي الحسنين إلا حسنين بها أحرى
ظللننا وكم جان لديه ومذنب ... وذي حاجة منا وصاحب مطلب
نقبل والأجفان تهمى بصيب ... ثرى منه في الدنيا الثراء لمترب
وللمذنب الجاني الشفاعة في الأخرى
خدمنا أمير المؤمنين بموطن ... نعفر فيه الوجه قصد تيمن
ويخدم قبر المرتضى كل مؤمن ... بأهداب أجفان وأحداق أعين
وحر وجوه عفرتها يد الغبرا
أزلنا غباراً كان في قبر حيدر ... فلاح كغمد المشر في المشهر
ولا غرو في ذاك المكان المطهر ... أمطنا القذى عن جفن سيف مذكر
أجل سيوف الله أشهرها ذكرا
стр. 150
تبدي سنى أنواره وتبينا ... غداة جلونا قبره فتزينا
فحير أفهامها وأبهر أعينا ... فوالله ما ندري وقد سطع السنا
جلونا قراباً أم جلينا له قبرا
وقال صاحب الأصل وقد خمسها آخر من شعراء العراق أيضاً:
شمخت رفعة وعزت منالاً ... واستطالت فخامة وجلالا
واستخفت من الجبال الثقالا ... قبة المرتضى علي تعالى
شأنها عن موازن وعديل
بزغت في الدجى كبدر منير ... وتبدت تزهو بحسن نضير
فهي أكسير كل قلب كسير ... من نضار صيغت بغير نظير
في مثال منزه عن مثيل
قد صفا كالمرآة منها صقال ... فبدا للنجوم فيها مثال
فلك لا يحيط فيه خيال ... فوقها كالإكليل لاح هلال
رمقته السهى بطرف كليل
ملأت قبة العوالم بالضو ... واستقلت بنفسها في ذرى الجو
بعلى علت فما ضرها لو ... كبرت فاستقلت الفلك الدو
وأرعنها بأن يرى ببديل
حل فيها نور الهدى فتحلت ... ودنت فوق قبره فتدلت
ملئت هيبة فعزت وجلت ... جللت مرقداً جليلاً تجلت
فوقه هيبة المليك الجليل
سمكها سامت السماك مقاماً ... حين ضمت ذاك الإمام الهماما
أبداً شأو شأنها لن يسامى ... فعلى قبة السماء إذا ما
فضلوها أقول بالتفضيل
هي عين وللتجلي سجنجل ... كل ذات بعكسها تتمثل
стр. 151
وبمرآة فكر من يتخيل ... هي باء مقلوبة فوق تلك الـ
ـنقطة المستحيلة التأويل
دار مجد من بابها السعد يدخل ... دار في صحنها الهدى في تسلسل
في علاها مهما تشا أبداً قل ... هي فلك بل ما عليه استوى الفلـ
ـك ومن فوق لوحه من قبيل
كعبة نحوها قطعنا الفجاجا ... بحماها قد آوت الحجاجا
ما ترى عند بابها محتاجاً ... هي كهف النجاة طور المناجا
ة ثمال العفاة مأوى الدخيل
هي كنز لدرة الفخر موئل ... قد حوت كل جوهر متفضل
ليس فيها لعارض الدهر معقل ... هي حق للجوهر الخاص ماللـ
ـعرض العام عندها من مقيل
هي شمس الهدى لمن ضل دوماً ... ما رأى من بها اهتدى قط لوماً
كم هدت من غوى الجهالة قوماً ... هي ظل ما ضل من قال يوما
بحماها من تحت ظل ظليل
صدف قد غلت بدر ثمين ... وإمام للمؤمنين مبين
كنزها قد حوى لخير دفين ... هي غمد لذي فقار بطين
من سيوف الله العلي صقيل
حضرة فوقها الجلال تجلى ... أجمة في عرينها الليث حلا
كيف تدنو الأسود منه محلا ... هي غاب ثوي به أسد اللاه
عليّ بصدر اشرف غيل
هو سيف القضا بأيدي قدير ... نصله ينتضي بيوم عسير
حيدر يضرم الوغى بسعير ... ذاك ليث أردى العدى بزئير
وحسام أبادهم بصليل
стр. 152
هي روض ونعم مرعى ومنهل ... لأمير النحل الإمام المفضل
دار فيها كأس الرحيق المسلسل ... كورة لليعوب مازج صرف الـ
ـشهد منها أطالب الزنجبيل
فلك دائر منير بشهب ... نورها ظاهر بشرق وغرب
هونت في تدبيرها كل صعب ... كرة مستديرة فوق قطب
دبر الكائنات بالتعديل
صاغها الله من محاسن تعجب ... وطلاها من نوره المتلهب
فهي أسنى سبيكة لمذهب ... أفرغتها يمنى المفاخر من تبر
المعالي في قالب التبجيل
صبغة الله زينت بالتحلى ... وعليها الأملاك للوحي تملى
مذ دنا الروح نحوها بالتدلي ... صبغتها بالنور أيدي التجلي
بقدامى من خافقي جبرئيل
لا يحيط الخيال وقتاً فوقتاً ... بحلاها ولا يخيل نعتا
جمعت ذاتها فضائل شتى ... فغشاها النور الإلهي حتى
بخيال جلت عن التخييل
أحرزت من أزاهر الشرف الغض ... وأحاطت بالمجد في الطول والعرض
كل فضل من فضلهما يتبعض ... قد حوى فصل بابها جمل الفضـ
ـل التي قد غنين عن تفصيل
جليت تزدهي بجسم صقيل ... فهي زهراء ما لها من مثيل
منذ زفت لخير مولى جليل ... كعروس بدت بوجه جميل
تسبي شمس الضحى بخد أسيل
هي بدر الدجى بغير سرار ... هي شمس ضاءت بغير استتار
стр. 153
زندها في كلا الجديدين وار ... هي في الليل مثلها في نهار
وبوقت الضحى كوقت الأصيل
نالت النيرات من ذاك نيلاً ... يستميل المحب للحب ميلا
فتهاوت منها تقبل ذيلاً ... قابلتها البدور باللثم ليلا
وشموس النهار بالتقبيل
كسراج لنا تجلت مساء ... فاستعارت منها الدراري سناء
زينتها التبر يستنير ضياء ... صحنها كالقنديل يزهو صفاء
وهي تحكي ذبالة القنديل
هل محب يحنو على ما أقاسي ... من غرام دك الجبال الرواسي
ما لجرحي سواكما اليوم أسى ... يا خليلي والخليل المواسي
منكما من يحب نفع الخليل
بالغريبين حاجة أقتضيها ... وبكو فإن بلغة أرتجيها
فبحق الزهرا وحق بنيها ... عللاني بذكر من حل فيها
إن قلبي يطيب بالتعليل
ذو سجايا أصفى من الدر والدر ... ومزايا لم نحصها بالتفكر
أخبرت عن نعوته الكتب الغر ... نعته بالزبور جاء وبالفر
قان بل بالتوراة والإنجيل
هل أتى في سواه بالذكر تملى ... آي وحي بها تسامى محلا
وصفه بالقرآن قد جاء يتلى ... الإمام المبين أحصى به الله
جميع الأشياء في التنزيل
صدره نسخة لما كان في الكو ... ن قديماً من خطها الناس أملو
هو علم الكتاب في علمه أو ... فهو اللوح بل وما خط في اللو
ح لديه مقيد التسجيل
стр. 154
كم ثملنا منه بكأس رويّ ... فأمطنا برشفها كل غي
إن ترم أن تفوز منها بري ... سل سبيلاً لسلسبيل عليّ
فعلى ابن السبيل قصد السبيل
زره مهما أصابك الخطب مهما ... تلق غيثاً همى وبحراً خضما
فأجل في راحه عن القلب هما ... هو ساقي الحوض الذي ليس يظما
من حبته يداه بالتنويل
كم غليل روى بفيض مقيل ... ما رويناه عن فرات ونيل
كم أفاضت كفاه من سلسبيل ... هو ذات الشفا لكل عليل
وشفاء لذات كل غليل
صاغه الله من ندى وبراه ... وعلى فطرة السخا سواه
بحر جود ما للعفاة سواه ... عيلم كل قطرة من نداه
هي غيث لكل عام محيل
جئت أشكو إليه بثي وحزني ... حاش لله أن يخيب ظني
نلت من فضله قصارى التمني ... عرض حال لاغر وإن طال أني
لذت في جاهه العريض الطويل
غيث فضل يهمي بفيض غزير ... وغياث من كل أمر عسير
كيف أرضى منه بمن يسير ... طامع من نواله بكثير
ما أنا منه قانع بقليل
كم عديم أحيا بجود عميم ... وهدى حائراً لنهج قويم
ولا عتابه بقلب سليم ... جئت مستهدياً هدى من كريم
لست مستجدياً جدي من بخيل
لجناحي أراش بعد تلافي ...
بقدامى أفضاله والخوافي
стр. 155
قبره كعبة غداً للطوافي ... من ثراه لي ثروة وحذافي
ردعاني بهن أغنى معيل
كل من زار قبره أمن الهو ... ل وإن كان ذنبه يملأ الجو
ما تراني وقد أحاط بي السو ... زرته والدموع تنهل والأو
زار تنهال عن كثيب مهيل
حبه بارز بدا من ضميري ... وعلينا فرض ولاء الأمير
بولاه كم اغتنى من فقير ... ليس لي بعد حبه من نقير
يغن عني شيئاً ولا من فتيل
(وقال أيضاً الشاعر العراقي) :
حضرة الكاظمين منها المرايا ... قد حكت قلب صب أهل الطفوف
صبغتها يد التجلي بكف ... كبرت عن تشبيهها بالكفوف
وروت عن غدير خم صفاء ... فتراءت لطرفي المطروف
صور الكائنات فوجاً بفوج ... سابحات في موجها المكفوف
من قناديل عسجد زينوها ... بصفوف تلوح أثر صفوف
رسم تعليقها الأنيق تبدى ... كسطور منضودة من حروف
روضة للصدور فيها ورود ... بأكف الألحاظ ذات قطوف
قد أظلت شمساً بغير كسوف ... وأقلت بدراً بغير خسوف
وطوت كاظماً ولفت جواداً ... فازدهت بالمطوى والملفوف
شرفت فيهما وما كل ظرف ... حاز تشريفه من المظروف
وغدت للقلبين مثل شغاف ... رق لطفاً كقلبي المشغوف
وهي لما على السماء أنافت ... بهما قلت يا سما المجد نوفي
كلما زرتها أقول لعيني ... هذه كعبة الجلال فطوفي
بحماها كم من ألوف من الزو ... ار فازت من المنى بصنوف
فأخشى صروف دهري وإني ... بحماها يخشى الزمان صروفي
стр. 156
حرم آمن فمن كان فيه ... قاطناً كان آمناً من مخوف
ومطاف به استدارت فطافت ... زمر كاستدارة الخدروف
كم لرشد من حائري هدته ... وبرفدكم قد كفت من كوفي
شنفتها العلياء لما أصاخت ... لصرير الأقلام أبهى شنوف
شمخت عزة بأنف أشم ... مرغم بالتراب شم الأنوف
أرعفت مارن الصباح فأجرت ... دمه من بروقها بسيوف
ألفت نفسي الثناء عليها ... وهي لا تنثني عن المألوف
لا تلمني على الوقوف بباب ... تتمنى الأملاك فيه وقوفي
هو باب مجرب ذو خواص ... كان منها إغاثة الملهوف
ملجأ العاجزين كهف اليتامى ... كان منها إغاثة الملهوف
من يروم الفتوح مما سواه ... طرقت بابه أكف الحنوف
أنا عنه حياً وميتاً بدنيا ... ي وأخراي لست بالمصروف
هم بنو المرتضى وعترة طه ... سحب الفضل أبحر المعروف
فليلمني من شاء أني موال ... رافل من ولائهم بشفوف
فعليهم مني الثنا ما إليهم ... قطع المدلجون كل تنوف
وقال:
ألا أن صندوقاً أحاط بحيدر ... وذي إلعرش قد أربى إلى حضرة القدس
فإن لم يكن لله كرسي عرشه ... فإن الذي في ضمنه آية الكرسي
وقال وقد شاهد الزوار ليلاً تتهافت على الصندوق خلال الشموع الموقدة:
صندوق قبر المرتضى زواره ... بين الشموع لهم عليه تهافت
فكأنه بدربه قد أحدقت ... سيارة من أنجم وثوابت
(وقال لما زار موسى الكاظم) :
خلعنا نفوساً قبل خلع نعالنا ... غداة حللنا مرقداً منك مأنوسا
وليس علينا من جناح بخلعها ... لأنك بالوادي المقدس يا موسى
стр. 157
إلى غير ذلك من شعره الذي جمعه بمجموع سماه (الباقيات الصالحات) وكله على هذا المنهج، ومن العجب من يسلك هذا المسلك كيف يدعي أنه من أهل السنة وليس من الروافض.
وله أبيات في الشيخ عبد القادر الكيلاني وهي هذه وقد سلك فيها من الغلو مسلك ما نقلناه من شعره:
أبيات شعري حكت آيات تنزيل ... تتلى بحضرة ممدوحي بترتيل
وعت من الملأ الأعلى لها آذان ... فشنفتها بتكبير وتهليل
قد انطوى العالم الأسمى بأحرفها ... فعطر النشر منها طيب تأويل
عن حسنها قاصرات الطرف قد قصرت ... أحبب بكاعبة النهدين عطبول
ماست دلالاً تعاطيني الرضاب طلا ... فهمت ما بين عسال ومعسول
تاهت على اللؤلؤ المنثور إذ نظمت ... في مدح مولاي عبد القادر الجيلي
قطب عليه مدار العالمين له ... دور تسلسل لا في قيد تعطيل
غوث وغيث لراجيه وخائفه ... يحمى ويهمى بأفضال وتفضيل
سجنجل لتجلي ذاته ظهرت ... لعينه عينه من غير تمثيل
جلاء نقطة غين العين تربته ... كم فزت منها بتعفير وتكحيل
طوفان علم به نوح النبوة في ... فلك الفتوة ينجى كل محمول
خضم فيض بعيد العور فيه رست ... سفن الولاية لا في ساحل النيل
مصباح فضل بنبراس الجمال زهت ... مشكاته فيه لا في ضوء قنديل
نور بسيط على وجه البسيطة بل ... ببحر محيط بمعقول ومنقول
قرآن جمع لأشتات الهبات من الذر ... ات لا قبض بسط العرض والطول
فرقان فرق العلى آياته رسمت ... في جبهة كللت منه بإكليل
مفتاح غيب بلا ريب ببرزخه ... باب الشهود لديه غير مقفول
في عالم الغيب قد صحت مشاهدة ... له فجاء بكشف غير معلول
تواثت أولياء الله بعثته ... منذ الست ومن جيل إلى جيل
في النشأتين له حال تصرفه ...
تالله في كل معقود ومحلول
стр. 158
باب الرجاء وقطب الأولياء وفخر ... الأتقياء ومأوى كل مذلول
عين الكمال وسلطان الرجاء وممـ ... ـدوح الفعال وحامي كل مخذول
ملجا المريدين منجى اللائذين به ... كنز المقلين مذخوري ومأمولي
فخري وفيه غنى فقري ومدحته ... فخري أنال بحشري منه تنويلي
إلى موائده اللاتي حوت مدداً ... مددت باعاً به علقت كشكولي
تفصيل إجمال جزء من خوارقه ... عن حصرها كل إجمالي وتفصيلي
نلت البقا بغنائي في محبته ... فشاغلي فيه أضحى عين مشغولي
وبان صحوي بمحوي في هواه وعن ... وهمي بأني سواه بان تخييلي
أتى من العلم في مثل الذي أتيا ... موسى وعيسى بتوراة وإنجيل
ندب إذا عم خطب أو دجا حزن ... جلاه في سيف حزم غير مفلول
تهديك بهجته الغرا وغنيته ... تغنيك عن كل مقصود ومأمول
فناده عند نادية لفادحة ... وسله ما شنت تلقى خير مسئول
وقبل الترب من أعاب سدته ... وابد الخشوع بدمع منك مسبول
فسدرة المنتهى لا شك حضرته ... لقد تناهى إليها علم جبريل
ترى المحبين صرعى تحت قبته ... وقلبهم عن هواه غير مشغول
أما تراهم وفي أطمارهم ربضوا ... ببابه كأسود الغيل بالغيل
إليه من موصل قد جئت منقطعاً ... فيا لقطع بحبل الله موصول
كم ظن قوم قبولاً منه تم لهم ... وحققوا الظن أني غير مقبول
فدع رجالاً على جهل تعنفني ... فهل سمعت بصب غير معذول
وابغ رضا الله في مدح تقدمه ... لفارق بين مفضال ومفضول
عليه أزكى سلام الله تتبعه ... تحية الملأ الأعلى بتبجيل
ما دوخت ديمة الرضوان مرقده ... وجللته وغشته بمنديل
إلى غير ذلك من الشعر الكثير في هذا الباب، ولو استوعبناه لطال به الكتاب. وهذا حال خواصهم، وقد سمعت غلوهم فكيف حال عوامهم؟.
وقد حكى العراقيون أن قبر عبد القادر قد غدا اليوم قبلة يطوفون عليه طواف
стр. 159
الحجيج ببيت الله الحرام، وينذرون له النذور، ويوقدون السرج على رغم ما جاء به دين الإسلام، وقد اتخذ ذراري الشيخ ذلك غنيمة يرتعون فيها كما ترتع الأنعام، وبعض سفهاء العقول، وناقصوا الأحلام يتخذهم وسائل في الدنيا والآخرة، وحكى العراقيون أن الكيلانيين اليوم أشر أمة في العراق، وعائلتهم أصبحت بلاء على بغداد، ومن العجيب أن كبير تلك العائلة (النقيب) يدّعي أنه سلفيّ العقيدة، وهو من سدنة الأصنام، لم يزل يأكل النذور المحرمة من الهنديين وغيرهم، نسأله تعالى أن يطهر الأرض من أمثال هؤلاء المعادين لدين الله تعالى، والمضادين لرسول الله ﷺ ، وما أحق هذا النقيب بقول القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت في البيداء أبعد منزل
وقد سمعتُ أن بعض أدباء بلدته هجاه بقصائد كثيرة، منها قصيدة مطلعها:
أرجح بغداد وإني غريبها ... على جنة الفردوس لولا نقيبها
وإني أسأل الله تعالى أن يبصّر المسلمين من أهل الهند وغيرهم حتى لا تكون أموالهم غنيمة لهؤلاء السفهاء، ويصونهم من كيدهم، إنه على كل شيء قدير، ولولا ملاحظة أن يطول الكتاب لأتينا على مفصل أحوال هؤلاء السدنة وعباد الأصنام، وما ذكرناه كاف إن شاء الله تعالى في هذا المقام.
فظهر مما ذكرنا أن قول هذا الجاهل: إن الشيخ محمد ومن وافقه من أهل نجد وغيرهم أهل بدعة هو قول عاطل، بل هم الفرقة الناجية إن شاء الله، وهم أهل السنة والجماعة، وهم عصابة الحق، وأن المبتدعة هم هذا الجاهل الغبي ومن على شاكلته لما سمعتَ من جهلهم وضلالهم، ولكن الأمر كما قيل في المثل السائر: "رمتني بدائها وانسلّت".
وأما الكلام على ما ذكره من القدح والجرح في كتب الشيخين وأضرابهما فسيأتي البحث عنه مفصلاً فيما خصص له من فصول كتابه وعادته ودأبه تكرير الكلام من غير طائل، بل ليعظم حجم الكتاب فيفرح به.
أما قوله: "وقد طبعوا إلى الآن عشرة كتب"، ثم عددها مع الطعن والقدح
стр. 160
فيها- فيقال له: أخطأت في الحساب، كما قد زغت عن جادة الحق والصواب، بل إن الذي طبع من كتب الشيخين ونحوهما نحو مائة كتاب ما بين مختصر ومفصل، منها ما طبع في مصر، ومنها ما طبع في المطابع الهندية، ومنها ما طبع في مكة شرّفها الله، وكل هذه الكتب كنوز علم ومصابيح هدى والحمد لله، كما أنها شجى لأعداء الدين والمبتدعة الملحدين، وإني أبشرك أيها المبتدع أن جميع كتب شيخ الإسلام وأصحابه ستطبع قريباً، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، حيث يظهر بها زيغ الملحدين، وافتراء السبكي وابن حجر١ وأضرابهما من المتبعين لهواهم، الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.
ثم ختم كلامه على الكتب بذكر شيء من قصيدته التي سماها طيبة الغراء، وهي التي ذكر فيها أن النبي ﷺ موجود في كل مكان وكل زمان، غير أنه لم يأت بجميع أبياتها هنا، وزعم أنه حاكى بها قصيدة بانت سعاد.
فيقال له: لقد حكيت ولكن فاتك الشنب، وشعره ركيك جداً، وسنتكلم عليه فيما يناسب من مباحث الكتاب.
ثم نقول: إن هذه القصيدة التي ذكرها لا مناسبة لها مع البحث الذي هو بصدده، وهكذا مباحث كتابه كلها على هذا المنوال لم يزل يذكر مباحث غير متناسبة، ويورد أموراً لا تفيده شيئاً، ولم يكن قصده- والله أعلم- إلا انتفاخ كتابه، وبيان رعونته وجهله، نسأل الله تعالى العافية مما ابتلاه به.
ثم إن النبهاني ذكر القسم الثاني من المقدمة، وقال:" إنه يشتمل على اثني عشر تنبيهاً يلزم معرفتها لمن أراد مطالعة هذا الكتاب" وذكر التنبيه الأول، وفيه: "بيان أحوال ابن تيمية والتحذير عنه، وأنه ومن وافقه على ضلال" ثم ذكر التنبيه الثاني وهو بمعنى التنبيه الأول، غير أنه قال: "إنه لا يكفّر ابن تيمية وأصحابه لأنهم من أهل القبلة" وأطال الكلام في ذلك.
стр. 161
ثم ذكر التنبيه الثالث؛ وفيه ذكر رؤياه لابن السبكي وابن تيمية قائماً والسبكي قاعداً على عجزه مع رجل ثالث ظنه صاحب "الصارم المنكى" ولم يعلم مقصده من هذا التنبيه.
ثم ذكر التنبيه الرابع؛ وقد اشتمل على بيان منزلة الرسول ﷺ ، وأنه صاحب الشفاعة العظمى، والمقام المحمود، وأن أهل العلم حثوا على دعائه والاستغاثة به، وطلب ما يطلب من الله تعالى منه، وأنه لم يمنع منها سوى محمد بن عبد الوهاب وأصحابه، والسيد صديق حسن خان وحزبه، وأن هذا الرجل هو الذي طبع كتب السنن وأضل الناس بها.
ثم ذكر التنبيه الخامس؛ وفيه الثناء على ابن تيمية وابن القيم، ودفع التناقض بين ما كان منه من المدح والذم نظراً لاختلاف الحالات، وتغاير الجهات، وتأييد ذلك بما نقل من كتاب الصواعق الإلهية للشيخ سليمان بن عبد الوهاب الحنبلي.
ثم ذكر التنبيه السادس؛ وفيه اعتقاده في ابن تيمية وتلامذته أنهم من أئمة الدين وأكابر علماء المسلمين، وقد نفعوا الأمة المحمدية بعلمهم نفعاً عظيماً، وإن أساؤوا غاية الإساءة في بدعة منع الزيارة والاستغاثة وأضرّوا بها الإسلام والمسلمين، وهذا الذي استوجب رده عليهم حسماً لمادة الفساد. إلى آخر ما هذي به.
ثم ذكر التنبيه السابع؛ وفيه يقول: "إياك أيها المسلم أن يخدعك الشيطان بقبول أقوال ابن تيمية وأصحابه، ويقول لك إنهم من أكابر أهل العلم" إلى آخر هذيانه الذي أورده للتنفير عن أقوال الشيخ ومن يوافقه.
ثم ذكر التنبيه الثامن؛ وفيه: أنه لو كان كلام ابن تيمية حقاً في مسألة المنع من شد الرحل لزيارة القبور لترك الناس الزيارة وخربت المداينة.
ثم ذكر التنبيه التاسع؛ وفيه: أنه لم يقصد بما ألف ردع من يقول بأقوال ابن تيمية عن معتقده المبتدع، فإن هذا مما لا يفيد، بل مقصوده تنبيه الناس على فساد
стр. 162
عقائد هؤلاء القوم، وتحذير المسلمين عن اعتقاد قولهم.
ثم ذكر التنبيه العاشر؛ وفيه: أن ابن تيمية وكذلك أصحابه لم يقصدوا بمنعهم من سفر الزيارة الحط من رتبة النبي ﷺ حاشاهم من ذلك، فإنهم من أكابر علماء المسلمين، وحماة هذا الدين المبين، ولكن لهم مذهب فاسد في ذلك سلكوه بحسب ما ظهر لهم من الأدلة التي قامت عندهم، وما فهموه من الكتاب والسنة على حسب استعدادهم إلخ.
وهذه التنبيهات بعضها ينقض بعضاً.
ثم نقل عبارة ابن تيمية في كتاب (العقل والنقل) في تعظيم النبي ﷺ ثم تعجب من القائل بهذا القول كيف يمنع من سفر الزيارة والاستغاثة به إلخ.
ثم ذكر التنبيه الحادي عشر؛ وفيه: تحذير الناس من مخالطة من يوافق ابن تيمية في الاعتقاد، فإنهم مبتدعة، وتكلم عليهم بكل ما يستبشع.
ثم ذكر التنبيه الثاني عشر؛ وفيه: بيان أن ابن تيمية لم يخص أحداً بالرد والتضليل، ولكنه خاصم جميع المسلمين. إلى أن قال: "ويزيد على ذلك تكفير كثير من أئمة الصوفية، الذين هم سادات الأمة" إلخ..
أقول: هذا حاصل ما ذكر في تنبيهاته، ويكفي الواقف عليها معرفة مبلغ هذا الرجل من العلم، وخفّة عقله ورعونته، فإن جميع ما ذكره في هذه التنبيهات ضرب من الوسواس وكلام المعتوهين، أو نوع من هذيان المحموم، ومآل جميعها واحد؛ وهو الحط على ابن تيمية وأصحابه، وتحذير الناس من الميل إليه ومطالعة كتبه والأخذ بأقواله بسبب ما ظهر له من منع سفر الزيارة والاستغاثة بمخلوق، وبسبب قوله بهذه المسألتين قد قامت القيامة وفار التنور، وهذا والأمر لله تعالى من إدبار المسلمين وسوء طوالعهم في هذا العصر، عصر الترقي والأخذ بنواصي الكمالات، ونحن سنتكلم على كلا المسألتين في مقامهما، ونضرب صفحاً عن مؤاخذته في كل ما هذى به في هذه التنبيهات وسنبين أقوال أهل العلم في شأن ابن تيمية مما يلقم النبهاني وأضرابه حجر السكوت.
стр. 163
وذكر في التنبيه الثالث رؤياه ولم يعبرها فوجب تعبيرها له، وذلك أنه قال:
رأيت منذ ثلاث سنوات ونيف الإمام ابن تيمية والإمام السبكي في رؤيا وهما في مجلس واحد، والسبكي جالس وهو سمين أسمر عليه هيبة ووقار، وابن تيمية واقف أسمر أغبر نحيف الوجه والجسم عليه هيبة العلم، وقد كان أقرب إلي من السبكي فقصدته لأقبل يده، ويغلب على ظني أني قبلتها وسألته عن مقدار عمره فقال ستمائة سنة، ثم انتبهت".
فيقال له: إن صحت رؤياك أيها النبهاني -وإن كان ما تراه يقظة ومناماً أضغاث أحلام- دلت على أن الله تعالى كشف لك عن حال مقتداك، وشيخ بدعك وهو السبكي، فإنه كما هو المعلوم لدى كل منصف كان من ألد الخصوم لشيخ الإسلام، بل لكل أهل الحق، وحيث كان جالساً بين يدي خصمه فهو دليل على أن خصمه وهو ابن تيمية قد أقعده على عجزه، والأمر كما رأيت، فقد تكلم السبكي على ما أفتى به الشيخ ابن تيمية في مسألتي الطلاق والزيارة، فرد عليه الشيخ ابن تيمية بعدة مجلدات. يقول ابن السبكي: رأيت منها مجلداً. وأما سواد الوجه الذي لاح في السبكي فهو بيان ما ابتدعه، قال عز ذكره: ﴿تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ ١. وأما السمن الذي كان فيه فهو علامة غيظه وشقائه بين يدي خصمه، وأما وقوف ابن تيمية على ساقه فهو النصر على خصومه، وأنه لم يزل قائماً على ساق الهمة. وأما نحافة وجهه فهو ما كابده من عناء مخاصمة أهل البدع وأعداء الدين، وتعبير سمرته هو من السؤدد، وتقبيل يديه ذلك له وضراعتك للحق، وأما الرجل الذي رأيته وظننته ابن عبد الهادي أو ابن القيم فهو والله أعلم الأول، لأنه الذي رد على مقتداك السبكي بعد وفاة الشيخ ابن تيمية في كتاب (الصارم المنكى في الرد على السبكي) في كتابه (شفاء السقام) وأقعده على عجزه أيضاً، وبين جهله وغباوته، وقد رأيت ولله الحمد تعبير رؤياك من قبل، وأما قوله لك في جواب سؤال عن مدة عمره أنه ستمائة سنة فهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلا
стр. 164
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١ ومثل ابن تيمية لم يمت على تعاقب الأزمان.
وما دام ذكر العبد بالفضل باقياً ... فذلك حي وهو في الترب هالك
وقال آخر:
قد مات قوم وما ماتت مكارمهم ... وعاش قوم وهم في الناس أموات
فالعالم بما جاء به الرسول العامل به أطوع في أهل الأرض من كل أحد، فإذا مات أحيا الله ذكره، ونشر له في العالمين أحسن الثناء، فالعالم بعد وفاته ميت وهو حي بين الناس، والجاهل في حياته حي وهو ميت بين الناس، كما قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وأجسامهم قبل القبور قبور
وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور
ومن تأمل أحوال أئمة الإسلام -كأئمة الحديث والفقه- كيف هم تحت التراب وهم في العالمين كأنهم أحياء بينهم لم يفقدوا منهم إلا صورهم، وإلا فذكرهم وحديثهم والثناء عليهم غير منقطع، وهذه هي الحياة حقاً، حتى عد ذلك حياة ثانية، كما قال المتنبي:
ذكر الفتى عيشه الثاني وحاجته ... ما فاته وفضول العيش أشغال
ولكن النبهاني على ما حكى لي من رآه أنه كذاب، كثيراً ما يحدث بمنامات لا أصل لها، وفي الحقيقة أن غالب هؤلاء المبتدعة كذلك، وهم بيت الكذب، كما أنهم المنهمكون على الدنيا، وهذا من علائم دجاجلة العصر قبحهم الله تعالى.
هذا وما ذكره في باقي التنبيهات منه ما لا يستحق أن يُصغى إليه لأنه لا يخفى فساده حتى على صغار الطلبة، ومنه ما ذكره النبهاني في باب مختص به،
стр. 165
فأجلنا البحث عنه والكلام عليه إلى وصولنا إليه، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ثم إنه عقد باباً في إثبات مشروعية السفر إلى زيارة قبره الشريف ﷺ كسائر الأنبياء والصالحين، وجعله الباب الأول، وافتتحه بأرجوزة مدح بها النبي ﷺ ، ثم استدل على مشروعية هذا السفر بما ذكره ابن حجر في كتابه (الجوهر المنظّم) وقد أتى بأكثره، والكتاب مشهور، وبما ذكره ابن الحاج في "مدخله" وهو كذلك، ثم بما ذكره السبكي في (شفاء السقام) ثم بما ذكره الشيخ عبد القادر الكيلاني في "الغنية" ثم عقبه بكلام النووي، ثم بكلام ابن الهمام الحنفي في (فتح القدير) ثم بما في (مشارق الأنوار) للشيخ حسن العدوي ثم ذكر ما زوروه من مد اليد للرفاعي١، ثم ذكر أربعين حديثاً في فضل المدينة لأبي الحسن البكري، ثم ختم الباب بخاتمة ذكر اختلاف الناس في التفاضل بين مكة والمدينة، ثم ذكر فصلاً ذكر فيه شيئاً مما لا ينبغي فعله للزائر، نقله من كتاب (الجوهر المنظم) لابن الحجر المكي، ثم نقل عن العدوي كلاماً يتعلق بكرامات الأولياء وتصرفهم، وبه ختم الباب، وحيث أن هذه المباحث مشهورة، بل إنها قد ملتها الأسماع لم أذكرها في هذا المقام لطولها، بل أذكر حاصلها في أثناء الرد عليه، ومن الله التوفيق والهداية إلى أقوم طريق.
أقول: كان من الحزم عدم التعرض لهذه المسائل المفروغ عن تحقيقها، وقد سبق منا بيان العذر للكلام على هذيان النبهاني، مع العلم أنه لا يفيد في رد من ختم الله على قلبه وسمعه وجعل على بصره غشاوة، فإنه قد ألف في هذا الباب كتب مفصلة ومجملة، قد حقق فيها الكلام على هذه المسائل أتم تحقيق، ومع ذلك لم يؤثر شيئاً في فهم هذا الخصم وأضرابه، وأعاد وأبدى، واستدل بما هو مردود مراراً عديدة، فسبحان من طبع على قلبه.
стр. 166
وهنا كلام لابن القيم يناسب المقام، قال رحمه الله تعالى١: "ومن تأمل القرآن والسنة وسِيَر الأنبياء في أممهم ودعوتهم لهم، وما جرى لهم معهم؛ جزم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه، وعلم٢ أن القرآن مملوء من الإخبار عن المشركين عباد الأصنام أنهم كانوا يُقٍِرُّون بالله، وأنه هو وحده ربٌّهم وخالِقُهم، وأن الأرض وما فيها له وحده، وأنه ربّ السموات السبع ورب العرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وأنه هو الذي سخّر الشمس والقمر، وأنزل المطر وأخرج النبات. والقرآن مناد عليهم بذلك، محتج بما أقروا به من ذلك على صحة ما دعتهم إليه رسله، فكيف يقال: إن القوم لم يكونوا مقرّين قط بأن لهم رباً وخالقاً، هذا بهتان عظيم؛ فالكفر أمر وراء مجرد الجهل، بل الكفر الأغلظ هو ما أنكره هؤلاء وزعموا أنه ليس بكفر.
قالوا: والقلب عليه واجبان لا يصير مؤمناً إلا بهما جميعاً: واجب المعرفة والعلم، وواجب الحب والانقياد والاستسلام، فكما لا يكون مؤمناً إذا لم يأت بواجب العلم والاعتقاد؛ لا يكون مؤمناً إذا لم يأت بواجب الحب والانقياد والاستسلام، بل إذا ترك هذا الواجب مع علمه ومعرفته به كان أعظم كفراً، وأبعد عن الإيمان من الكافر جهلاً، فإن الجاهل إذا عرف وعلم فهو قريب إلى الانقياد والاتباع، وأما المعاند فلا دواء فيه، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٣.
قالوا: فحبُّ الله ورسوله- بل كون الله ورسوله أحب إلى العبد من سواهما- لا يكون العبد مسلماً إلا به، ولا ريب أن الحب أمر وراء العلم، فما كل من عرف الرسول أحبه كما تقدم.
قالوا: وهذا الحاسد يحمله بغض المحسود على معاداته، والسعي في أذاه
стр. 167
بكل ممكن، مع علمه بفضله وعلمه، وأنه لا شيء فيه يوجب عداوته إلا محاسنه وفضائله.
ولهذا قيل: الحاسد عدو للنعم والمكارم، فالحاسد لم يحمله على معادات المحسود جهله بفضله وكماله، وإنما حمله على ذلك فساد قصده وإرادته، كما هي حال الرسل وورثتهم مع الرؤساء الذين سلبهم الرسل ووارثوهم رياستهم الباطلة، فعادوهم وصدوا النفوس عن متابعتهم، ظناً أن الرياسة تبقى لهم وينفردون بها.
وسنة الله في هؤلاء أن يسلبهم رياسة الدنيا والآخرة، ويصغّرهم في عيون الخلق مقابلة لهم بنقيض قصدهم؛ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ١.
قال: فهذا موارد احتجاج الفريقين، ومواقف إقدام الطائفتين، فاجلس أيها المنصف منهما مجلس الحكومة، وتوخّ بعلمك وعدلك فصل هذه الخصومة، فقد أدلى كل منهما بحجج لا تُعَارَضُ ولا تُمَانَعُ، وجاء ببينات لا تُرَدُّ ولا تُدَافع، فهل عندك شيء غير هذا يحصل به فصل الخطاب، وينكشف به لطالب الحق وجه الصواب فيرضى الطائفين، ويزول به الاختلاف من البين، وإلا:
فخل المطي وحاديها ... وأعط القوس باريها
دع الهوى لأناس يعرفون به ... قد كابدوا الحب حتى لان أصعَبُه
ومن عرف قدره وعرف لذي الفضل فضله؛ فقد قرع باب التوفيق، والله الفتاح العليم، فنقول وبالله التوفيق:
كلا الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم، ولا عدلت عن سنن الحق، وإنما الاختلاف والتباين بينهما من عدم التوارد على محل واحد، ومن إطلاق ألفاظ مجملة بتفصيل معانيها يزول الاختلاف، ويظهر أن كل طائفة موافقة للأخرى على نفس قولها.
стр. 168
وبيان هذا؛ أن المقتضى قسمان: مقتضى لا يتخلف عنه موجبه ومقتضاه، لقصوره في نفسه عن التمام، أو لفوات شرط اقتضائه، أو قيام مانع منع تأثيره، فإن أريد بكون العلم مقتضياً للاهتداء والاقتضاء التام الذي لا يتخلف عنه أثره بل يلزمه الاهتداء بالفعل؛ فالصواب قول الطائفة الثانية، وأنه لا يلزم من العلم حصول الاهتداء المطلوب. وإن أريد بكونه موجباً أنه صالح للاهتداء مقتض له وقد يتخلف عنه مقتضاه لقصوره أو فوات شرط أو قيام مانع؛ فالصواب قول الطائفة الأولى.
قال: وتفصيل هذه الجملة أن العلم بكون الشيء سببا لمصلحة العبد ولذاته وسروره، قد يتخلف عنه عمله بمقتضاه لأسباب عديدة.
السبب الأول: ضعف معرفته بذلك.
السبب الثاني: عدم الأهلية، وقد تكون معرفته به تامة، لكن يكون مشروطاً بزكاة المحل وقبوله للتزكية، فإذا كان المحل غير زكي ولا قابل للتزكية كان كالأرض الصلدة التي لا يخالطها الماء، فإنه يمتنع النبات منها لعدم أهليتها وقبولها، فإذا كان القلب قاسياً حجرياً لا يقبل تزكية ولا تؤثر فيه النصائح لم ينتفع بكل علم يعلمه، كما لا تنبت الأرض الصلبة ولو أصابها كل مطر وبذر فيها كل بذر، كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣ وهذا في القرآن كثير. فإذا كان القلب قاسياً غليظاً جافياً لا يعمل فيه العلم شيئاً، وكذلك إذا كان مريضاً مهيناً مائياً لا صلابة
стр. 169
فيه ولا قوة ولا عزيمة لم يؤثر فيه العلم.
السبب الثالث: قيام مانع، وهو إما حسد أو كبر، وذلك مانع إبليس من الانقياد للأمر، وهو داء الأولين والآخرين إلا من عصم الله، وبه تخلّف الإيمان عن اليهود الذين شاهدوا رسول الله ﷺ وعرفوا صحة نبوته ومن جرى مجراهم، وهو الذي منع عبد الله بن أُبي من الإيمان، وبه تخلف الإيمان عن أبي جهل وسائر المشركين؛ فإنهم لم يكونوا يرتابون في صدقه وأن الحق معه، لكن حملهم الكبر والحسد على الكفر، وبه تخلف الإيمان عن أمية وأضرابه ممن كان عنده علم بنبوة محمد ﷺ .
السبب الرابع: مانع الرياسة والملك، وإن لم يقم بصاحبه حسد ولا تكبر عن الانقياد للحق، لكن لا يمكنه أن يجتمع له الانقياد وملكه ورياسته، فيضن بملكه ورياسته؛ كحال هرقل وأضرابه من ملوك الكفار الذين علموا نبوته وصدقه، وأقروا بها باطناً، وأحبوا الدخول في دينه، لكن خافوا على ملكهم، وهذا داء أرباب الملك والولاية والرياسة، وقلَّ من نجا منه إلا من عصم الله، وهو داء فرعون وقومه، ولهذا قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ ١ أنِفُوا أن يؤمنوا ويتّبعوا موسى وهارون وينقادوا لهما وبنوا إسرائيل عبيد لهم، ولهذا قيل: إن فرعون لما أراد متابعة موسى وتصديقَه شاور هامان وزيره، فقال: بينا أنت إله تُعبد تصير عبداً تعبُد غيرك! فأبى العبودية واختار الرياسة والإلهية المحال.
السبب الخامس: مانع الشهوة والمال؛ وهو الذي منع كثيراً من أهل الكتاب من الإيمان خوفاً من بطلان مأكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم، وقد كان كفار قريش يصدُّون الرجل عن الإيمان بحسب شهوته فيدخلون عليه منها، فكانوا يقولون لمن يحب الزنا [والفواحش] إن محمداً يُحرّم الزنا ويحرّم الخمر، وبه صدوا الأعشى الشاعر عن الإسلام.
стр. 170
قال: وقد فاوضتُ غير واحد من أهل الكتاب في الإسلام وصحّته، فكان آخر ما كلمني به أحدهم أنا لا أترك الخمر وأشربها أمناً، فإذا أسلمت حلتم بيني وبينها وجلدتموني على شربها!
وقال آخر منهم- بعد أن عرف ما قلت له-: لي أقارب أرباب أموال، وإني إن أسلمتُ لم يصل إليّ منها شيء، وأنا أؤمل أن أرثهم، أو كما قال.
ولا ريب أن هذا القدر في نفوس خلق كثير من الكفار، فتنفق قوة داعي الشهوة والمال، وضعف داعي الإيمان، فيجيب داعي الشهوة والمال ويقول لا أرغب بنفسي عن آبائي وسَلَفي.
السبب السادس: محبة الأهل والأقارب والعشيرة؛ يرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم، وأخرجوه من بين أظهرهم، وهذا سبب بقاء خلق كثير على الكفر بين قومهم وأهاليهم وعشائرهم.
السبب السابع: محبة الدار والوطن، وإن لم يكن له بها عشيرة ولا أقارب، لكن يرى أن في متابعة الرسول خروجه عن داره ووطنه إلى دار الغربة والنّوَى فيضنّ بوطنه.
السبب الثامن: تخيل أن في الإسلام ومتابعة الرسول إزراء، وطعناً منه على آبائه وأجداده وذماً لهم، وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام؛ استعظموا آبائهم وأجدادهم أن يشهدوا عليهم بالكفر والضلال، وأن يختاروا خلاف ما اختار أولئك لأنفسهم، ورأوا أنهم إن أسلموا سفّهوا أحلام أولئك، وضلّلوا عقولهم، ورموهم بأقبح القبائح وهو الكفر والشرك. ولهذا قال أعداء الله لأبي طالب عند الموت: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فكان آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب١. فلم يدعه أعداء الله إلا من هذا الباب، لعلمهم بتعظيمه أباه عبد المطلب، وأنه إنما حاز الفخر والشرف به، فكيف يأتي أمراً يلزم
стр. 171
منه غاية تنقيصه وذمه، ولهذا قال: لولا أن تكون مسبةً على بني عبد المطلب لأقررت بها عينك، أو كما قال١. وهذا شعره يصرح فيه بأنه قد علم وتحقق نبوة محمد ﷺ وصدقه، كقوله:
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية ديناً
لولا الملامة أو حذار مسبّة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً
وفي قصيدته اللامية٢:
فوالله لولا أن تكون مسبة ... تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جَدّاً غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذّبٌ ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل
والمسبة التي زعم أنها تُجَرُّ على أشياخه؛ شهادته عليهم بالكفر والضلال، وتسفيه الأحلام، وتضليل العقول، وهذا هو الذي منعه من الإسلام بعد تيقّنه.
السبب التاسع: متابعة من يعاديه من الناس للرسول، وسبقه إلى الدخول في دينه، وتخصصه وقربه منه، وهذا القدر منع كثيراً من اتّباع الهدى، يكون للرجل عدوّ ويبغض مكانه، ولا يحب أرضاً يمشي عليها، ويقصد مخالفته ومناقضته فيراه قد اتبع الحق فيحمله قصد مناقضته ومعاداته على معاداة الحق وأهله، وإن كان لا عداوة بينه وبينهم. وهذا كما جرى لليهود مع الأنصار، فإنهم كانوا أعداءهم وكانوا يتوعّدونهم بخروج النبي ﷺ ، وأنهم يتبعونه ويقاتلونهم معه فلما بدرهم إليه الأنصار وأسلموا حملهم معاداتهم على البقاء على كفرهم ويهوديتهم.
السبب العاشر: مانع الإلف والعادة والمنشأ؛ فإن العادة قد تقوى حتى تغلب حكم الطبيعة، كما يتربى لحمه وعظمه على الغذاء المعتاد، ولا يعقل نفسه إلا
стр. 172
عليها، ثم يأتيه العلم وهلة واحدة يريد إزالتها وإخراجها من قلبه، وأن يسكن موضعها فيعسر عليه الانتقال، ويصعب عليه الزوال. وهذا السبب وإن كان أضعف الأسباب معنىً فهو أغلبها على الأمم وأرباب المقالات والنَّحَل، ليس مع أكثرهم بل جميعهم، إلا ما عسى أن يشذ إلا عادة ومربى تربّى عليه طفلاً لا يعرف غيرها، ولا يحسّ به، فدين العوائد هو الغالب على أكثر الناس، فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة إلى طبيعة ثانية.
فصلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله خصوصاً على خاتمهم وأفضلهم محمد ﷺ ، كيف غيّروا عوائد الأمم الباطلة، ونقلوهم إلى الإيمان، حتى استحدثوا به طبيعة ثانية، خرجوا بها عن عادتهم وطبيعتهم الفاسدة، ولا يعلم مشقة هذا على النفوس إلا من زاول نقل رجل واحد عن دينه ومقالته إلى الحق، فجزى الله المرسلين أفضل ما جازى به أحداً من العالمين". انتهى المقصود من نقله.
وهذا كلام حَسَنٌ يُعْلَمُ به سبب عناد المبتدعة على بدعهم، وعدم تأثير الدعوة الحقّة فيهم، إذ هم على قدم أسلافهم الذين لم ينقادوا للحق، ولم يذعنوا لدعوة المرسلين.
وأظن أن هذا الرجل وهو النبهاني المبتدع المجادل بالباطل وكذلك أضرابه من غلاة الشافعية قد توفّرت فيهم الأسباب العشرة السابقة، ولاسيما السبب الأول والثاني؛ فإن اليهود قد أخبر الله تعالى عن حال قلوبهم بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
ونعود إلى كلام هذا المخذول فنقول: إن ما نقله عن ابن حجر والسُّبكي وغيره كله متّحد معنى، ومن بعد السبكي كلهم قلّدوه في رأيه الفاسد، واعتقاده الكاسد، الذي ذكره في كتابه (شفاء السقام) . وقد علمتَ حال هذا الكتاب، وما
стр. 173
جرى عليه من الرد والإبطال، فقد رده الإمام العالم العلامة الحافظ المحقق أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي قدس الله روحه، في كتابه الذي سماه (الصارم المنكي في الرد على السبكي) وقد حقق فيه المسائل المتعلقة بزيارة القبور، وبين ما كان فيها من حق وزور، وأظهر جهل السبكي بعلم الأثر والحديث، وعدم فهمه لمقاصد الشريعة.
ومن نظر إلى هذا الكتاب تبين له أن شهرة السبكي بالعلم كانت شهرة كاذبة، وأن نظره كنظر العوام، وأن منزلته من العلماء كقطرة من بحر ماء، ونغبة من داماه لا يعلم شيئاً من معقول ولا منقول، وأن إطراء غلاة الشافعية فيه من محض تعصبهم وقسوة قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة. ولهذا ترى هذا المخذول لم يزل يتمنى أن لم يكن ألف هذا الكتاب، أعني كتاب (الصارم المنكي) فإذا رد هذا الكتاب رد جميع ما ألف في هذه المسألة من كتب الغلاة، ولو لم يكن سوى (الصارم المنكي) لكفى في ذلك، مع أن كتب الرد عليهم لا تعد ولا تحصى، ولا تكاد تستقصى، ولو وقفت على ردود (الجوهر المنظم) لتبين لك أنه خزف لدى كل منصف يعلم، وكل هذه الكتب مشهورة متداولة بين الأيدي، فإذا تكلمنا على ما ذكر هذا المخذول كان عبثاً وتضييعاً للقرطاس.
ولما كانت كتب الخصوم كلها في الرد على شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكروا عنه ما لم يقل به وزوّروا عليه أموراً كثيرة لم يقل بها، ننقل جميع ما قاله في الزيارة من الكتب والفتاوى، ثم تنبه على بطلان قول الخصم المخذول بأوجز عبارة، ومن الله نستمد التوفيق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في كتابه (الجواب الباهر) ١، لمن سأل من أولياء الأمور عما أفتى به في زيارة المقابر ما نصه- بعد البسملة.
стр. 174
"قد ذكرتُ فيما كتبته من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره -كما يذكره أئمة المسلمين في مناسك الحج- عمل صالح مستحب. وقد ذكرت في عدة مناسك الحج السنة في ذلك، وكيف يُسلّم عليه، وهل يستقبل الحجرة أم القبلة؟ على قولين؛ فالأكثرون يقولون: يستقبل الحجرة، كمالك والشافعي وأحمد، وأبو حنيفة يقول: يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره في قول، وخلفه في قول، لأن الحجرة لما كانت خارجة المسجد وكان الصحابة يسلّمون عليه لم يكن يمكن أحد أن يستقبل وجهه ﷺ ويستدبر القبلة، كما صار ذلك ممكناً بعد دخولها في المسجد.
ثم قال: وأما ما ذُكِرَ في المناسك أنه بعد تحية النبي ﷺ وصاحبيه والصلاة والسلام يدعو، فقد ذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبره -وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام- ثم يدعو لنفسه، وذكروا أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبل وجهه بأبي هو وأمي ﷺ ، فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ودعا، وهذا مراعاة منهم لذلك، فإن الدعاء عند القبر لا يُكْرَهُ مطلقاً، بل يؤمر به، كما جاءت به السنة فيما تقدم ضمناً وتبعاً، وإنما المكروه أن يتحرى المجيء للقبر للدعاء عنده، وكذلك ذكر أصحاب مالك، قالوا: يدنو من القبر فيسلّم على النبي ﷺ ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره، فإنما اختلفوا لما فيه من استدباره، فإما إذ جعل الحجرة عن يساره فقد زال المحذور بلا خلاف، وصار في الروضة أو أمامها، ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإن ذلك قد ثبت النهي فيه عن النبي ﷺ ، فلما نهى أن يتخذ القبر مسجداً أو قبلة أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه كما لا يصلّى إليه، ولهذا والله أعلم حرفت الحجرة وثلثت لما بنيت، فلم يجعل حائطها الشمالي على سمت القبلة ولا جعل مسطحاً، ولذلك قصدوا قبل أن تدخل الحجرة في المسجد".
ثم إن الشيخ ﵀ أطال الكلام إلى أن ذكر مسألة السفر للصلاة في المسجد ثم قال: "والصلاة تقصر في هذا السفر المستحب بإجماع المسلمين، لم
стр. 175
يقل أحد من أئمة المسلمين إن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة، ولا نهى أحد عن السفر إلى مسجده، وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره ﷺ ، بل هذا من أفضل الأعمال الصالحة، ولا في شيء من كلامي وكلام غيري نهي عن ذلك، ولا نهى عن المشروع في زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا عن المشروع في زيارة سائر القبور، بل قد ذكرت في غير موضع استحباب زيارة القبور، كما كان النبي ﷺ يزور أهل البقيع وشهداء أحد، ويعقم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، ونسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتّنا بعدهم، واغفر لنا ولهم"١.
وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبور الأنبياء والصالحين أولى، لكن رسول الله ﷺ خاصية ليست لغيره من الأنبياء والصالحين، وهو أنا أُمِرْنا أن نصلّي ونسلّم عليه في كل صلاة، وشرع ذلك في الصلاة وعند الأذان وسائر الأدعية، وأن نصلّي ونسلّم عليه عند دخول مسجده وغير مسجده، وعند الخروج منه، وكل من دخل فلا بد أن يصلّي فيه ويسلّم عليه في الصلاة. والسفر إلى مسجده مشروع، لكن العلماء فرقوا بينه وبين غيره، حتى كره مالك أن يقال: زرت قبر النبي ﷺ ، لأن المقصود الشرعي بزيارة القبور السلام عليهم والدعاء لهم، وذلك السلام والدعاء قد حصل على أكمل الوجوه في الصلاة في مسجده وغير مسجده، وعند سماع الأذان، وعند كل دعاء، فشرع الصلاة عليه عند كل دعاء، فإنه ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ ولهذا يسلّم المصلي عليه في الصلاة قبل أن يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله الصالحين، فيقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ويصلّي عليه، فيدعو له قبل أن يدعو لنفسه، وأما غيره فليس عنده مسجد فيستحب السفر إليه كما يستحب السفر إلى مسجده، وإنما يشرع أن يزار قبره كما
стр. 176
شرعت زيارة القبور، وأما هو فيشرع السفر إلى مسجده وينهى عما يوهم أنه سفر إلى غير المساجد الثلاثة.
ويجب التفريق بين الزيارة الشرعية التي سنّها رسول الله ﷺ وبين البدعية التي لم يشرعها، بل نهى عن مثل اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، والصلاة إلى القبر واتخاذه وثناً. وقد ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"١.
حتى أن أبا هريرة سافر إلى الطور الذي كلم الله عليه موسى فقال له بصرة بن أبي بصرة الغفاري: لو أدركتك قبل أن تخرج لما خرجتَ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس"٢.
فهذه المساجد شُرِعَ السفر إليها لعبادة الله فيها بالصلاة والقراءة والذكر والدعاء والاعتكاف، والمسجد الحرام يختص بالطواف لا يطاف بغيره، وما سواه من المساجد إذا أتاها الإنسان وصلّى فيها من غير سفر كان ذلك من أفضل الأعمال، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة، والعبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث"٣.
ولو سافر من بلد إلى بلد مثل أن يسافر إلى دمشق من مصر لأجل مسجدها
стр. 177
أو بالعكس أو يسافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعاً باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، ولو نذر ذلك لم يف بنذره باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم، إلا خلاف شاذ عن الليث سعد في المساجد، وقال ابن مسلمة من أصحاب مالك في مسجد قباء فقط.
ولكن إذا أتى المدينة استُحِتَّ له أن يأتي مسجد قباء ويصلّي فيه، لأن ذلك ليس بسفر ولا بشد رحل، فإن النبي ﷺ كان يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً كل سبت ويصلي فيه ركعتين١. وقال: "من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء كان له كعمرة" ٢ رواه الترمذي وابن أبي شيبة. وقال سعد بن أبي وقاص وابن عمر: صلاة فيه كعمرة.
ولو نذر المشي إلى مكة للحج والعمرة لزمه باتفاق المسلمين. ولو نذر أن يذهب إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس ففيه قولان: أحدهما ليس عليه الوفاء، وهو قول أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، لأنه ليس من جنسه ما يجب بالشرع، والثاني عليه الوفاء بذلك، وهو مذهب مالك وأحمد بن حنبل والشافعي في قوله الآخر، لأن هذا طاعة لله، وقد ثبت في صحيح البخاري عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"٣. ولو نذر السفر إلى غير المساجد، أو السفر إلى مجرد قبر نبي أو صالح؛ لم يلزمه الوفاء بنذره باتفاقهم، فإن هذا السفر لم يأمر به النبي ﷺ ، بل قد قال: "لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد". وإنما يجب بالنذر ما كان طاعة، وقد صرح مالك وغيره بأن من نذر السفر إلى المدينة النبوية -إن كان مقصوده الصلاة في مسجد النبي ﷺ وفى بنذره، قال: لأن النبي ﷺ قال: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد". والمسألة ذكرها إسماعيل بن إسحق في "المبسوط"ومعناها في
стр. 178
"المدونة" و"الخلاف"١ وغيرهما من كتب أصحاب مالك. يقول: إن من نذر إتيان مسجد النبي ﷺ لزمه الوفاء بنذره، لأن المسجد لا يؤتى إلا للصلاة، ومن نذر إتيان المدينة النبوية فإن كان قصده الصلاة في المسجد وفّى بنذره، وإن قصد شيئاً آخر مثل زيارة من بالبقيع أو شهداء أحد لم يف بنذره، لأن السفر إنما يشرع إلى المساجد الثلاثة. وهذا الذي قاله مالك وغيره ما علمت أحداً من أئمة المسلمين قال بخلافه، بل كلامهم يدل على موافقته.
وقد ذكر أصحاب الشافعي وأحمد في السفر لزيارة القبور قولين: التحريم، والإباحة. وقدماؤهم وأئمتهم قالوا: إنه محرم، وكذلك أصحاب مالك وغيرهم. وإنما وقع النزاع بين المتأخرين لأن قوله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" صيغة خبر، ومعناه النهي، فيكون حراماً، وقال بعضهم: ليس بنهي؛ وإنما معناه أنه لا يشرع، وليس بواجب ولا مستحب، بل مباح كالسفر في التجارة وغيرها.
فيقال له: تلك الأسفار لا يقصد بها العبادة، بل يقصد بها مصلحة دنيوية مباحة، والسفر إلى القبور إنما يُقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب، فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبّد مبتدعاً مخالفاً للإجماع، والتعبد به بدعة ليس بمباح، لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر، فإذا تبينت له السنة لم يجز مخالفة النبي ﷺ ، ولا التعبد بما نهى عنه، كما لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند غروبها، وكما لا يجوز صوم يومي العيدين -وإن كانت الصلاة والصيام من أفضل العبادات- ولو فعل ذلك إنسان قبل العلم بالسنة لم يكن عليه إثم.
فالطوائف متفقة على أنه ليس مستحباً، وما علمتُ أحداً من أئمة المسلمين قال إن السفر إليها مستحب، وإن كان قاله بعض الأتباع فهو ممكن، وأما الأئمة المجتهدون فما منهم من قال هذا.
стр. 179
وإذا قيل: هذا كان قولاً ثالثاً في المسألة؛ وحينئذ فيبين لصاحبه أن هذا القول خطأ مخالف للسنة ولإجماع الصحابة، فإن الصحابة في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبعدهم إلى انقراض عصرهم لم يسافر أحد منهم إلى قبر نبي، ولا رجل صالح.
وقبر الخليل ﵇ بالشام لم يسافر إليه أحد من الصحابة، وكانوا يأتون بيت المقدس ويصلّون فيه، ولا يذهبون إلى قبر الخليل، ولم يكن ظاهراً بل كان في البناء الذي بناه سليمان ﵇. ولا كان قبر يوسف يعرف، ولكن أظهر ذلك بعد أكثر من ثلثمائة سنة من الهجرة، ولهذا وقع فيه نزاع، فكثير من أهل العلم ينكره، ونقل ذلك عن مالك وغيره، لأن الصحابة لم يكونوا يزورونه فيعرف. ولما استولى النصارى على الشام نقبوا البناء الذي كان على الخليل، واتخذوا المكان كنيسة، ثم لما فتح المسلمون البلد بقي مفتوحاً، وأما على عهد الصحابة فكان قبر الخليل ﵇ مثل قبر نبينا ﷺ . ولم يكن أحد من الصحابة يسافر إلى المدينة لأجل قبر النبي ﷺ ، بل كانوا يأتون فيصلون في مسجده ويسلمون عليه في الصلاة، ويسلم من سلم عند دخول المسجد والخروج منه، وهو مدفون في حجرة عائشة، فلا يدخلون الحجرة ولا يقفون خارجاً عنها في المسجد عند السور، وكان يقدم في خلافة أبي بكر وعمر أمداد اليمن الذين فتحوا الشام والعراق- وهم الذين قال الله فيهم: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ١. ويصلون في مسجده كما ذكرنا، ولم يكن أحد يذهب إلى القبر، ولا يدخل الحجرة ولا يقوم خارجها في المسجد، بل السلام عليه من خارج الحجرة، وعمدة مالك وغيره فيه على ما فعل ابن عمر.
وبكل حال فهذا القول لو قاله نصف المسلمين لكان له حكم أمثاله في مسائل النزاع، وأما أن يجعل هو الدين الحق ويستحل عقوبة من خالفه ويقال بكفره فهذا خلاف إجماع المسلمين، وخلاف ما جاء به الكتاب والسنة، فإن كان
стр. 180
المخالف للرسول في هذه المسألة يكفر؛ فالذي خالف سنته وإجماع الصحابة وعلماء أمته فهو الكافر. ونحن لا نكفر أحداً من المسلمين بالخطأ لا في هذه المسائل ولا في غيرها، ولكن إن قدر تكفير المخطىء فمن خالف الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والعلماء أولى بالكفر ممن وافق الكتاب والسنة والصحابة وسلف الأمة وأئمتها. فأئمة المسلمين فرقوا بين ما أمر به النبي ﷺ وبين ما نهى عنه في هذا وغيره، فما أمر به هو عبادة وطاعة وقربة، وما نهى عنه بخلاف ذلك، بل قد يكون شركاً، كما يفعله أهل الضلال من المشركين وأهل الكتاب ومن ضاهاهم؛ حيث يتخذون المساجد على قبور الأنبياء والصالحين، ويصلّون إليها، وينذرون لها، ويحجون لها، بل قد يجعلون الحج إلى بيت المخلوق أفضل من الحج إلى بيت الله الحرام، ويسمون ذلك الحج الأكبر، وصنّف لهم شيوخهم في ذلك مصنفات، كما صنف المفيد ابن النعمان كتاباً في مناسك المشاهد، سماه (مناسك حج المشاهد) وشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
وأصل دين الإسلام؛ أن تعبد الله وحده، ولا نجعل له من خلقه نداً ولا كفواً ولا سميا، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ١ وقال: وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٢. وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣. وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ ٤.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلتُ يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشيه أن يطعم معك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تُزَاني بحليلة جارك" ٥ وقال تعالى: