← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إذا نظرت تفسير الرازي والبيضاوي وأبي السعود تعلم حقيقة هذا الكلام. ومنها ما اشتمل على قصص بني إسرائيل وأكاذيبهم وأقوالهم التي تحيلها العقول وتنفر عنها الطباع، ومنها تفاسير لا يدل عليها نقل ولا عقل ولا لغة من اللغات، كالتفسير الشهير بأنه من باب الإشارة، ومنها مما لا يحيط به العد والإحصاء. وقد تكلم على التفسير كلام منصف واقف على الحقيقة العلامة السيد محمد بدر الدين الحلبي- فسح الله تعالى في مدته وبارك في حياته- في كتاب (التعليم والإرشاد) فقال- سلمه الله تعالى بعد أن تكلم على علم التفسير وأن أهل العلم لم يعطوه حقه-: "والذي ينظر فيما طبع من نحو قرن في مصر- وهي محط رحال العلوم الدينية وكعبة العلوم التي يَفِدُ إليها الحجاج من جميع الآفاق، والقدوة لكافة أهل الأمصار؛ يرى العجب العجاب، يرى أن الذي طبع منها إلى الآن "تفسير الخازن"، "تفسير الجلالين" بحاشية الصاوي وبحاشية الجمل، "البيضاوي" بحاشية الشهاب بقطعة من حاشية السيد، "تفسير فخر الدين الرازي"، "تفسير أبي السعود"، "تفسير النسفي"، "تاج التفاسير"، ابن جرير الطبري، "الدر المنثور" للسيوطي، تفسير ابن عباس، وبعض تفاسير ضئيلة، هذه هي كتب التفاسير التي تتداولها أيدي الناس اليوم، وهي التي يعتمد عليها طلاب العلوم الشرعية في تفسير كتاب الله جل شأنه، والوقوف على مراده منه. فأما تفسير الخازن؛ وهو أكثر كتب التفاسير تداولاً، وأعظمها انتشاراً بين عامة المسلمين وطلبة العلوم الشرعية، فهو الكتاب الذي يقف القلم حائراً عند وصفه، لا يدري ما يقول فيه، وما الذي يحذر به المسلمين منه، وخير ما يقال فيه إنه مجموعة الأكاذيب، ولا أرى إلا أن الإنسان لو جرد ما فيه من الأكاذيب الموضوعة على لسان رسول الله ﷺ ، والأقاصيص الكاذبة التي وضعها اليهود -كقصة بابل والغرانيق وإرم ذات العماد وغيرها- لكانت فوق نصف الكتاب، وبعد ذلك فأشياء إن لم تضر لم تنفع.

стр. 107

وهو على اشتماله على هذين الوصفين اللذين هما من أقبح أوصاف المؤلفات فهو العمدة لعامة المسلمين، وأكثر طلبة العلوم الشرعية، وأكثر انتشاراً بينهم، ولقد أرى أن نسخه التي نشرت في مصر لا تقل عن مائة ألف نسخة، فسد بواسطتها عشرة أضعاف هذا العدد من المسلمين، ودخل عليهم في دينهم ما ليس منه من حديث موضوع وتفسير مفترى. ومن العجيب أن لا يوجد في علماء الإسلام من ينهى الناس عن نشر مثل هذه الكتب المفسدة للعلوم والشرائع، المضرة بالأخلاق والعقائد، وقد لا يخلو بلد من بلاد الإسلام عن قوم من أهل العلم -ولو قليلين- يعرفون ما في هذه الكتب من المفاسد، ولا يحظرون على الناس استعمال هذه الكتب لاتقاء شرها، بل ربما سُئلوا عنها فأثنوا عليها خيراً مسايرة لأميال العامة، ومصانعة لهم فيما هو من أهم مهمات الدين". قال: "وهذا البحث موعدنا به إن شاء الله القسم الثاني من هذا الكتاب، وهو قسم الإرشاد، وإنما غرضنا في هذا القسم النظر في طرق التعليم، وكتب العلم المستعملة، وبيان جيدها من رديئها. وأما "تفسير الجلالين" بحاشيتيه الجمل والصاوي فهما يساويان "تفسير الخازن" انتشاراً وكثرة تداول، إلا أن انتشار الخازن بيد العوام أكثر، وانتشار هذين بيد الخاصة- يعني طلاب العلوم الشرعية- أكثر، فأما الشرح فهو غاية في الاختصار لا يمكن الاستقلال به في فهم كتاب الله تعالى، مع علل فيه أخر يعلمها من جمع بينه وبين بعض تفاسير المتقدمين الموثوق بها وبمؤلفيها، وأما حاشيتاه الضخمتان فهما من مؤلفات متأخري أهل العلم بمصر، وحسبك هذا في معرفة منزلتيهما بين المؤلفات". ثم إنه سلّمه الله عقد فصلاً في انحطاط العلم، ثم قال: وأما الكشاف ومختصره للقاضي البيضاوي فهما المشكلة التي لا تحل إجمالاً وإغلاقاً وغموضاً، ولشدة عراقتها في ذلك أكثر المتأخرون من تعليق الحواشي والشروح عليهما، لبيان عبارتهما وتوضيح مقاصدهما، حتى لو جمعت الحواشي والشروح التي

стр. 108

عليهما لأربت على ألف مجلد، وما ذكره صاحب (كشف الظنون) مما كتب عليهما قليل من كثير، ولولا أنهما بحيث يخفيان إلا على من ألف حل الرموز والطلاسم واستخراج المخبآت لم يعتن من جاء بعدهما بالتوسع في الكتابة عليهما، والمبالغة في توضيح غوامضهما، وفوق هذا كله اشتمالهما على مسائل كثيرة خارجة عن التفسير بالمرة، لا ترتبط فيه بوجه من الوجوه، كالمسائل الكلامية التي حشيا بها كتابيهما، وهي ليست من فن التفسير ولا من متعلقاته، وإنما كان الغرض من ذكرها بيان معتقديهما والاستشهاد له بكتاب الله. ويلحق تفسير أبي السعود بهذين التفسيرين، فإنه صورة أخرى لهما مع بعض تغييرات قليلة جداً، ويلحق تاج التفاسير بتفسير الجلالين، ونسبته إليه كنسبة تفسير أبي السعود إلى تفسيري الكشاف والبيضاوي، وإن اختلف عنه فيسير. وأما تفسير فخر الدين الرازي- وهو كتاب العامة والخاصة وعمدة الناس في هذا الموضوع- فأبو حيان المفسر يقول في تفسيره: تفسير الإمام فخر الدين فيه كل شيء إلا التفسير. وما أحسن ما ترجم به أبو حيان هذا التفسير الكبير، بل البحر العميق، ولقد يفتح الإنسان جزءً من أجزاء هذا التفسير للمراجعة والكشف فيه عن تفيد آية من آي كتاب الله فلا يشعر إلا وقد توسط بحراً لجياً لا يخلص الإنسان منه إلى ساحل. ويظهر مما كتبه الإمام فخر الدين في مقدمة كتابه أنه قد أودع كتابه كثيراً مما لا تعلق له بعلم تفسير كتاب الله، ولا ارتباط له فيه بوجه من الوجوه، وإنما كان غرضه مما جمعه في تفسيره من هذه المسائل الغريبة- مع أن الكتاب في تفسير كتاب الله خاصة على ما يظهر من كلامه في أول كتابه- أن يبرهن على حقيقة ما قاله لبعض مناظريه من أن كتاب الله- جل ثناؤه وعلا سلطانه- لا يمكن استقصاء ما فيه من الأسرار، ولا الإحاطة بما فيه من المعاني والحكم، ولو كتب في ذلك مئات من المجلدات، وإن فاتحة الكتاب يمكن أن يكتب فيها مجلد ضخم في أحكامها وأسرارها ومعانيها، ولذلك وضح في تفسير الفاتحة مجلداً لرد ما أنكره المنكروه عليه، وإن كان لم يصنع شيئاً بالرد عليهم بحشو كتابه بهذه

стр. 109

المسائل التي ذكرها، ولا ارتباط لها بتفسير كتاب الله بوجه من الوجوه، وكل كلام مؤلف كلام الله أو غيره يمكن للعالم أن يتوسع في الكتابة عليه إلى مثل ما توسع به الإمام فخر الدين في تفسير كتاب الله، والمؤلف إذا أغمض عينه وتسامح في تأليفه وراعى المناسب والمجاور ومجاوره استطال في يده حبل الكلام، فلم يقف به عند حد. ولقد رأينا لمتأخر من متأخري المصريين يدعى السحيمي حاشية على شرح عبد السلام على جوهرة التوحيد تقع في أربع مجلدات ضخام، على أن الأمير وهو أطول باعاً منه في علم الكلام وأدق نظراً استوعب الكلام على شرح عبد السلام في مجلد صغير، وكان في قدرة السحيمي أن يضيف إلى مجلداته الأربع أربعة أخر، ولكن رأى أن الاقتصار على هذا المقدار كاف في البلاغ إلى ما قصد من البرهان على سعة إطلاعه". ثم تكلم على تفسير "روح المعاني" وأن مصنفه أخذه من تفسير الإمام فخر الدين، إلا أنه حذف منه كثيراً من الزوائد، وأضاف إليه وأحسن غاية الإحسان، وضم شيئاً من أقوال سلف المفسرين ومتقدميهم، وإن لم يميز بين ما قوي سنده من هذه الأقاويل وما وهي، فبقي في الأمر بعض لبس وإشكال، وأضاف إليه أيضاً جملة كبيرة من تفاسير المتصوفة، فلم يكتف ﵀ بجمع تأويلات المتكلمين التي تأولوا بها القرآن للاستدلال على عقائدهم وتطبيقها على ما أدتهم إليه عقولهم منها عملاً بقاعدتهم المشهورة عندهم من وجوب تأويل النقل إذا عارض العقل حتى يرجع إلى العقل، فأضاف إلى ذلك تأويلات المتصوفة التي صرفوا بها القرآن عن ظاهره إلى معان لا تدل الألفاظ العربية عليها بوجه من وجوه الدلالات المعروفة عند الناس فجاء كتابه جامعاً للطرق الثلاثة: طريقة السلف، وطريقة المتكلمين، وطريقة المتصوفة؛ إلا أن طريقة السلف لم يتعرض فيها لبيان طرق نقلها وتمييز صحيحها من سقيمها، ولذلك كان ككتب الحديث التي لا يبين فيها سند الحديث وحال رجاله لا تقع الثقة به، سيما إذا تعارض مع غيره ولم يقع الترجيح بينهما بوجه من وجوه الترجيح.

стр. 110

وأما تفسير "الدر المنثور" للجلال السيوطي فقد زعم أنه اختصر به -على حسب عادته- تفسير ابن جرير، الذي جمع فيه صحاح الأحاديث المتعلقة بتفسير كتاب الله تعالى، وبيان أسباب النزول، وأضاف السيوطي في مختصره أحاديث واهية الإسناد في هذا الموضوع نفسه، ومزجها بتلك الأحاديث -أحاديث الأصل- فاختلطت بها حتى لا يمكن التمييز بينها، وقلّت الثقة في الجميع. وربما استبعد أحد أن يضع السيوطي في تفسيره "الدر المنثور" أحاديث واهية الإسناد، أو موضوعة مع ما له من المؤلفات في موضوعات الأحاديث -فنقول إن من علم طريقة السيوطي في التأليف لم يستنكر هذا الذي قلناه، وطريقته- ﵀ على ما علمنا من استقراء كتبه- أنه كلما وقع إليه كتاب من الكتب في أي فن من الفنون واستحسنه اختصره ونسبه إلى نفسه بدون تمييز بين غث وسمين، ولا وقوف على حقائق العلوم، ولذلك تراه مضطراً في كتبه، لأنه لا يُحَكّم فِكْرَ نفسه، وإنما يُحكّم في كل كتاب فكر ملفه هو، فيضيفه إلى نفسه ببعض تصرف يحدثه في الكتاب. وإن كنت قد قرأت في كتابه الذي سماه (الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير) ١ وكتابه الذي سماه (اللآلىء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) ورأيت في (الجامع الصغير) كثيراً من الأحاديث التي نصّ في كتابه اللآلىء على أنها موضوعة على لسان رسول الله ﷺ لم تصح عنه بطريق من الطرق، جزمت بصحة هذا الذي قلنا، وعلمت أنه لا يؤلف، وإنما يلخص كتب الناس وينسبها لنفسه. ثم أطال الكلام في السيوطي وابن كمال باشا، وأنهما على منهج واحد في انتحال الكتب بعد الاختصار إلى أن قال سلمه الله:

стр. 111

وأما تفسير محيى الدين فهو مسخ للقرآن، ونقض للدين من أساسه، ويرى بعض الباحثين أنه ليس من مؤلفات محيي الدين، وإنما هو من مؤلفات القاشاني أحد الملاحدة الباطنية، نسبه لمحيي الدين ليروجه بين عوام المسلمين، ومن يستميتون إلى ما يقول محيي الدين مهما كان حاله، والظن بمحيي الدين أنه لا يضع مثل هذا الكتاب، ولا يذهب هذه المذاهب الفاسدة في تفسير كتاب الله تعالى. وسواء كان من مؤلفات محيي الدين أو غيره فإن انتشاره بين المسلمين بحت ضرر، سيما ولا موقف يوقف الناس على الصحيح والفاسد من هذه الكتب. وأما تفسير ابن عباس؛ فهو من مؤلفات مجد الدين الفيروز آبادي صاحب "القاموس"، جمع فيه رواية محمد بن السائب الكلبي عن ابن عباس. قال: وقد علمت مما ذكرناه في المقدمة حال ابن السائب الكلبي وضعفه، وقلة ثقة العلماء بمروياته. قال: هذه كتب التفسير التي نقرأها اليوم، وإن كان قد فاتنا ذكر شيء منها فإنه لا يخرج عن مضارعة واحد من هذه الكتب التي ذكرناها، فلم يبق بيدنا ما يصح الاعتماد عليه والثقة به غير تفسير ابن جرير، وهو الحسنة الوحيدة للمطابع الإسلامية بعد قرن وأكثر من ظهور المطابع في الممالك الإسلامية، ولولا أن بعض أمراء العرب- من سكان الجزيرة العربية- راسل بعض تجار الكتب بمصر في شأنه، وأعانه على ذلك بمساعدات جليلة، لم يظهر له ظل في عالم المطبوعات، اكتفاء منه (بالخازن والجمل) . وإن أردتَ معرفة تفاسير الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وعلماء القرن الثالث فارجع إلى ما كتبناه في المقدمة على هذا العلم، فقد بسطنا هناك مؤلفات القرون الثلاثة، والباحث عليها إن لم يجدها كلها وجد منها ما يكفي لحاجة الناس. ثم إنه اعتذر عما كتبه بأنه لم يرد انتقاص أحد بذلك، بل إن غرضه بيان أن

стр. 112

هذه التفاسير المتداولة قاطعة عن العلوم الإسلامية، وإن ضرورة المحافظة على الدين تقتضي باختيار الكتب النافعة. قال: فكل ما نذكره فإنما الغرض منه تمحيص الحقيقة والتماس الأنفع لنا في علوم ديننا، وهذا عذرنا في كل ما نسطره عن هذه المؤلفات التي ابتلينا بها اليوم وابتليت بنا إلخ". انتهى المقصود مما ذكره هذا الفاضل المنصف. وبه يعلم حال المتداول من التفاسير على الإجمال، فكيف يقال إن تفسير القرآن قد فرغ منه العلماء، مع أنهم هم الذين قالوا في شأن علم التفسير علم لا نضج ولا احترق، وقالوا: المراد بنضج العلم تقرير قواعده وتفريع فروعها وتوضيح مسائله، والمراد باحتراقه بلوغه النهاية في ذلك؟!. وقد ذكر الإمام السيوطي في (الإتقان) أن القرآن في اللوح المحفوظ كل حرف منه بمنزلة جبل قاف، وكل آية تحتها من التفاسير ما لا يعلمه إلا الله تعالى. انتهى. فمتى أعطاه العلماء حقه حتى يقال أنهم قد فرغوا منه؟ فهل هذا إلا قول من قد بلغ من الجهل بدينه إلى الغاية؟ وأي ذنب لمن طلب في هذا العصر، أو تمنى أن يفسر القرآن تفسيراً نافعاً للعامة والخاصة بعبارة سلسة، يفهمها كل أحد، كعبارات ببناء هذا العصر، وكتّابه النابغين فيه، لا كعبارات الكتاب الماضين من الأعاجم وغيرهم، فإنهم كانوا يتفاخرون بدقة العبارات وصعوبتها وعدم فهمها ويعيبون الواضح منها، مع أن البلغاء المتقدمين والكتبة السابقين على العكس من ذلك، فقد رأيت في بعض كتب أصول الحديث ما نصه: "ويكره كراهة تنزيه الخط الدقيق لفوات الانتفاع أو كماله به لمن ضعف نظره، وربما ضعف نظر كاتبه بعد ذلك فلا ينتفع به، كما قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق بن حنبل- ورآه يكتب خطاً دقيقاً-: فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه" انتهى. فكتب عليه الوالد ﵀ في هامش الكتاب: "انظر إذا كانت الدقة في الخط هكذا فكيف بها في عبارات العلوم الشرعية؟ وقد عدوا ذلك وجعلوه من

стр. 113

الفضائل العلية، وجعلوا فهمها من أقصى مراتب العلم، حتى أهلموا حفظ العلوم والمسائل، بل لا يعدون ذلك شيئاً، وليت شعري هل كان علم المتقدمين في الصدور أم في السطور؟ وكيف كان علماء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين؟ قال: وقد رأيتُ بعض المؤلفين -وأنا أقابل معه تأليفه وقد دقق فيه- يتوقف في فهم بعض العبارات، ولا يهتدي لها إلا بتأمل طويل، فهل ينبغي لمسلم ذلك؟ وليت شعري إذا اشتغل المتعلم في فهم العبارة فمتى يشتغل بحفظ المعنى فأنصف. ثم قال: وما أحوجهم إلى ذلك إلا عبارات الأعاجم الركيكة القاصرة عن مقاصدهم، وكم رأينا ممن رسخ في فهم ذلك ولا يستطيع إعراب بيت من الشعر العربي، فهل يليق ذلك بالعلماء أمناء الدين"؟ انتهى. وشكوى الناس في كل عصر من الكتب المتداولة بين الأيدي قد عرفها كل أحد، فأي ذنب لمن تمنى أن يؤلف في هذا العصر- عصر ظهور كنوز العلم وانتشار الكتب العجيبة -تفسيراً يفصل فيه محاسن الشريعة الغراء، ويطبق فيه أحوال العصر، ويوافق فيه بين القواعد التي ثبتت بالبرهان وبين الآيات الكريمة، مما يستوجب ميل العامة لمطالعته ومراجعته، فإنه الكتاب الذي قال الله تعالى في شأنه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ١ وقال عزَّ اسمه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ٢ فهذه الآية شملت جميع ما خلق الله تعالى من العرش إلى الفرش، ولمن تكلم على هذه الآية له مجال واسع في البحث عن سائر الفنون، ولهذا كانت هذه السورة من أحب السورة إلى رسول الله ﷺ ، وقال سبحانه لما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. وهنا ذكر المفسرون أن من

стр. 114

جملة حِكَم خلق الإنسان وتخليفه في الأرض إبراز ما أودع الله في الأرض من خواص النبات والحيوان والمعدن على يدي هذا الخليفة، لما أودع فيه من الشهوات وحوائج المأكل والملبس وغير ذلك مما استنتجه بأفكاره ووصل إليه ببصيرته. فدخل في هذا الباب من العلوم ما لا يحيط به دوائر الأمكان، ولا يقوم به قلم ولا لسان. فالاشتغال بمثل هذا التفسير أليس أولى من صرف العمر بذكر القبور وأهلها وتشويق الجهلة وحثهم على عبادتها؟ والالتجاء إليها؟ مع أنهم لم يقصروا في ذلك وهي لديهم من أعظم الواجبات، بل ليس لهم سوى هذا الكمال من أمور الدنيا والآخرة، فتراهم مفلسين من كل فضيلة. ويقال للنبهاني الجاهل القبوري: هلاّ رأيتَ كتاب الفاضل الشيخ حسين الجسر الطرابلسي؟ وقد كتب ما نصه: "وقد خطر لي حيث وجدت مجالاً للكلام، وسميعاً للنداء، أن أحرر رسالة يستبان منها حقيقة الدين الإسلامي، وكيفية تحققه لمتبعيه على أسلوب جديد سهل الفهم، لا تمله الأنفس ولا تستوعره الأفكار، يروق العقول الحرة، ويعجب الأذهان المطلقة عن قيود التعصب إن شاء الله". انتهى المقصود من نقله. فيقال: إن الكتاب الذي ألفه فيه مغمز لثالب؟ كلا، بل هو كتاب من أجل الكتب المصنفة في هذا الفن -إن لم نقل أحسنها- فأي فائدة في الكلام مع الفلاسفة الأولين؟ وأي نفع يترتب على الكلام في عقائد المعتزلة وإبطال دلائلهم، مع تقلص ظل وجودهم من هذا العالم. وفلاسفة العصر لهم فنون أخرى غير فنون أسلافهم، وسلاحهم الذي يحملونه على أهل الدين غير سلاح أوائلهم، فينبغي للحازم أن يعد لهم ما ينخذلون له وينقادون إليه، فأي ذنب لمن تمنى تفسيراً على هذا المنهج والمسلك الذي سلكه الفاضل الطرابلسي؟! وهلا شد النبهاني رواحله إلى هذا الفاضل وتعرف منه دينه، وداوى أدواء جهله بعقاقير معارفه؟ أو سافر إلى الفاضل السيد

стр. 115

بدر الدين الحلبي؟ فتعلم منه ما يخرجه من ظلمات جهالته، وينور قلبه بأنوار علومه، فإن الرجل ممن ابتلي بداء (النوك) والجهل، فلا بد له من طبيب حاذق وإن قيل إن داء النوك ليس له دواء١. نرى كثيراً من المفسرين يؤول آيات الله تعالى المحكمة ليوافقها مع قواعد هيئة اليونان، ويطبقها على أصول الحكمة الإلهية، أو الطبيعية اليونانية، مع مكابدة المشاق وتحمل الصعوبات، مع أن ما ظهر من الفنون الجديدة التي قام على صحتها البرهان يمكن تطبيقها وتوفيقها مع النصوص من غير كلفة لموافقة صحيح المعقول لصريح المنقول. فلم لم يعترض النبهاني على مثل تفسير الإمام فخر الدين الرازي؟ وقد شحنه من كلام المتكلمين وفلاسفة اليونانيين، ومتى كانت هذه المباحث لدى المسلمين قبل أن تترجم كتب الفلاسفة، فإذا لم يعترض على مثل ذلك فلم يعترض على من يسلك ذلك المسلك في الفلسفة الجديدة التي هي أصح وأولى بالاعتبار من هذيان اليونانيين؟ فهل هذا الكلام منه إلا تحكم وترجيح بلا مرجح؟! ثم إن هذا القبوري لم يعترض على تفاسير القوم التي فسروا بها كلام الله تعالى ولم يقصدها -من كلامه- رب العالمين، بل عد مثل هذه التفاسير من أجلّ المآثر، وأعظم التحف والمفاخر، ولم يتكلم بها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم، فلم يعترض على من تمنى أن يصنف تفسير يدلى عليه كلام الله دلالة صريحة ويصدقه العيان ويؤيده البرهان؟! فأي ذنب لمن يطلب تصنيف مثل هذا التفسير؟! (نعم) المذنب هو الذي يطلب تصنيف ذلك من هذا الجاهل القبوري الغبي أحد الغلاة، ويتكلم معه مثل هذا الكلام، وهو- على ما سمعنا به ممن رآه- من قراء المولد، والتهاليل للأموات، فأين هو من مثل هذه المطالب العالية؟ فلا شك أن الذي تكلم معه بذلك الكلام، وطلب منه أن يفسر

стр. 116

القرآن، ومدح كتبه هو من العوام ومن أجهل الناس، فأي كتاب من كتبه يمدح مع كونها مشحونة بالأكاذيب والمغالاة في الدين، ويأسف الناظر إن نظر فيها لحظة على فوات جزء من حياته في العبث، بل ربما بخس تصوره وذهنه بما عقل منها.

стр. 117

[الكلام على قول النبهاني: إن الذي يتصدّى لطلب تفسير مشتمل على العلوم العصرية ملحد] قد سبق منا بيان مقصد هذا المتصدي، وذكرنا أنه ليس من المذنبين بهذا الأمل والمقصد، ولم يكن مقصده إلا توفير سواد المسلمين، وحسن دعوة أعداء الدين، وتفهيم العوام أجل مقاصد الإسلام، فكيف يكون مثل هذا هو من الملحدين، والسالكين غير سبيل المؤمنين، والنبهاني لا يحكم بالابتداع والإلحاد على من يفسر التراث برأيه، ويقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ الذي هو الفعل الجميل الموجب لصفاء القلب وذكاء النفس، ولا تفعلون ما ترتقون به من مقام تجلي الأفعال إلى تجلي الصفات (وأنتم تتلون) كتاب فطرتكم الذي يأمركم بالدين السالك بكم سبيل التوحيد (أفلا تعقلون) فتقيدون مطلقات صفاتكم الذميمة بعقال ما أفيض عليكم من الأنوار القديمة، واطلبوا المدد والعون ممن له القدرة الحقيقية (بالصبر) على ما يفعل بكم لكي تصلوا إلى مقام الرضا (والصلاة) التي هي المراقبة وحضور القلب لتلقّي تَجَلِّيَاتِ الرَّبّ، وإن المراقبة لشاقة إلا على المنكسرة قلوبهم اللينة أفئدتهم لقبول أنوار التجليات اللطيفة، واستيلاء سطواتها القهرية، فهم الذين يتيقنون أنهم بحضرة ربهم وأنهم إليه راجعون بفناء صفاتهم ومحوها في صفاته، فلا يجذون في الدار إلا شؤون الملك اللطيف القهار" انتهى. وهذا تفسير قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ١. فانظر أيها المنصف العارف باللغة ومدلولاتها،

стр. 118

فمتى دلت ألفاظ هذه الآيات على ما ذكروه من المعاني، وهل هو إلا تفسير بما تهوى الأنفس؟! وحيث انجر الكلام بنا إلى هذا المقام وجب أن نذكر هنا بعض القواعد الأصولية المتعلقة بفن التفسير، ليتميز به الحق من الباطل، ويعرف الخطأ من الصواب، ومن الله نستمد الإعانة والتوفيق. قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني- قدس الله روحه- في كتابه الذي صنفه في أصول التفسير- وهو كتاب مفصل حافل لم يؤلف مثله في هذا الفن- ما نصه: "يجب أن يُعلم أن النبيَّ ﷺ بيَّنَ لأصحابه معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ١ يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: حدثنا الذين كانوا يقرؤون القرآن؛ كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلّموا من النبي ﷺ آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها [من العلم] ٢ والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً٣. ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة. وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وال عمران جل في أعيننا، رواه أحمد في مسنده٤. وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثمان سنين، أخرجه في الموطأ٥. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ٦.

стр. 119

وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ١. وتدبّر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن. وأيضاً فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتاباً في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحونه، فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جداً، وهو إن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم. ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال. والخلاف بين السلف في التفسير قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان: أحدهما: أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمّى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم (الصراط المستقيم) بعضٌ بالقرآن؛ أي: اتباعه، وبعض بالإسلام، فالقولان متفقان، لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ (صراط) يشعر بوصف ثالث. وكذلك قول من قال هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله، وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها. الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه. مثاله: ما نقل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ ٢ الآية. فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات، والمنتهك للمحرمات،

стр. 120

والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، والمقتصدون أصحاب اليمين ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ١ ثم إن كلاً منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار. أو يقول: السابق المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم مانع الزكاة. قال: وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، وهو الغالب في تفسير سلف الأمة الذي يظن أنه مختلف. ومن التنازع -الموجود منهم- ما يكون اللفظ فيه محتملاً للأمرين، إما لكونه مشتركاً في اللغة، كلفظ (القسورة) الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد. ولفظ (عسعس) الذي يراد به إقبال الليل وإدباره. وإما لكونه متواطئاً في الأصل لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين كالضمائر في قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ٢. وكلفظ: الفجر والشفع، والوتر، وليال عشر، وأشباه ذلك، فمثل ذلك قد يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك. فالأول إما لكون الآية نزلت مرتين فأريد بها هذا تارة وهذا تارة، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه، وإما لكون اللفظ متواطئاً فيكون عاماً إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان كان من الصنف الثاني. ومن الأقوال الموجودة عنهم -ويجعلها بعض الناس اختلافاً- أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، كما إذا فسر بعضهم (تُبْسَل) بتحبس، وبعضهم بترتهن، لأن كلاًّ منهما قريب من الآخر.

стр. 121

ثم قال: (فصل) والاختلاف في التفسير على نوعين: منه ما مستنده النقل فقط، ومنه ما يعلم بغير ذلك، والمنقول إما عن المعصوم أو غيره، ومنه ما يمكن معرفة الصحيح منه من غيره، ومنه ما لا يمكن ذلك، وهذا القسم الذي لا يمكن معرفة صحيحه من ضعيفه عامته مما لا فائدة فيه، ولا حاجة بنا إلى معرفته، وذلك كاختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف واسمه، وفي البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، وفي قدر سفينة نوح وخشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك، فهذه الأمور طريق العلم بها النقل، فما كان منه منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي ﷺ قُبِلَ، ومالا- بأن نقل عن أهل الكتاب ككعب ووهب- وقف عن تصديقه وتكذيبه، لقوله ﷺ : "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم"١. وكذا ما نقل عن بعض التابعين وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن الصحابة نقلاً صحيحاً فالنفس إليه أسكن مما يُنقَل عن التابعين، لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ أو من بعض من سمعه منه أقوى، ولأن نقل الصحابة عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين، ومع جزم الصحابي بما يقوله كيف

стр. 122

يقال: إنه أخذه عن أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم؟! وأما القسم الذي يمكن معرفة الصحيح منه فهذا موجود كثير ولله الحمد، وإن قال الإمام أحمد: ثلاثة ليس لها أصل؛ التفسير والملاحم والمغازي١. وذلك لأن الغالب عليها المراسيل، وأما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين- حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم يإحسان، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفاً لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل تفسير عبد الرزاق، والفريابي، ووكيع، وعبد، وإسحاق، وأمثالهم- إحداهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. والثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به، فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان. والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم ولسياق الكلام. ثم هؤلاء كثيراً ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما

стр. 123

يغلط في ذلك الذين قبلهم. كما أن الأولين كثيراً ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون. وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الاخرين إلى اللفظ أسبق. والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلاً، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقاً فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول، فالذين أخطؤوا فيهما مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذاهب باطلة، وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا في رأيهم ولا تفسيرهم، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم، والجُبّائي، وعبد الجبار، والرماني، والزمخشري، وأمثالهم. ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة، يدس البدع في كلامه وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب "الكشاف"ونحوه، حتى أنه يَرُوج على خلق كثير من أهل السنة كثيراً من تفاسيرهم الباطلة، وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبع للسنة، وأسلم من البدعة، ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن، فإنه كثيراً ما ينقل من تفسير ابن جرير الطبري- وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدراً- ثم إنه يدع ما ينقله ابن جرير عن السلف ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام، الذين قرّروا أصولهم بطرق من جنس ما قرّرت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة، لكن ينبغي أن يُعطى كل ذي حق حقه، فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في الآية تفسير وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين؛ صار مشاركاً للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئاً في ذلك بل مبتدعاً؛ لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله.

стр. 124

وأما الذين أخطؤوا في الدليل لا في المدلول- كمثل كثير من الصوفية، والوعاظ، والفقهاء، يفسّرون القرآن بمعان صحيحة في نفسها، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره السّلمي في الحقائق- فإن كان فيما ذكروه معانٍ باطلة دخل في القسم الأول". انتهى كلام شيخ الإسلام ملخصاً١. فقد عُلِمَ من كلامه- رحمه الله تعالى- أن من فسَّر القرآن تفسيراً لا يخرج به عن السنة، ولا يذكر فيه شيئاً يناقض المنصوص، ويذكر ما دل عليه لفظ القرآن بأوجز عبارة، وألطفها وأوضحها، ويُبيّن محاسن ما اشتمل عليه الكتاب الكريم من الأحكام، وأما أخبر به من أمور الدنيا والآخرة، وبيان الحكم المشتمل عليها مما ينطبق على الفنون الصحيحة على ممر الأعصر والأيام- فكيف يكون المتصدي لمثل هذا التفسير والطالب له ملحداً أو مبتدعاً، ويكون النبهاني الذي يحكم بغير ما أنزل الله من قوانين محاكم العدلية مسلماً على المنهج المستقيم؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! قال الله عز ذكره: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢ ومحبة الرسول باتباعه لا بالعمل على خلاف شريعته، ولا بالغلوّ فيه كما غلا النبهاني، حيث اعتقد أن النبي ﷺ لا يخلو منه زمان ولا مكان، يريد بذلك أنه ما من زمان إلا وهو فيه موجود، وما من مكان إلا وهو فيه موجود، وهذه مقالة شنيعة في الغلو في النبي ﷺ ، وإنزال له فوق منزلته التي أنزله الله فيها، فإن هذا إشراك للنبي ﷺ في أخص أوصاف الباري جل شأنه، فكيف يدّعي محبته من يقول بهذه المقالة، ثم يصرف عمره في الحكم بغير ما أنزل الله، ويذب عن البدع ويحث عليها، ويشتم المحامين عن السنة النبوية، والمحافظين على التوحيد، وسائر ما وردت به الشريعة الغراء، كشيخ الإسلام ابن تيمية وأضرابه؟! فهل يتردد المنصف في أن مثل النبهاني أعدى الأعداء لرسول الله ﷺ .

стр. 125

[الكلام على قول النبهاني أن الوهابية مبتدعة غير أن ضررهم دون من قبلهم] وأخذ يشم المسلمين بكل ما هو أهل له، ولا بد من الكلام على حقيقة ما عليه أهل نجد، وبيان حال خصومهم وعقائدهم، ليتبين الناظر المنصف من المبتدع ومن الزائغ عن المحجة البيضاء. قال العلامة الشيخ عبد اللطيف النجدي١- من أحفاد الإمام الشيخ محمد عليهما الرحمة- في كتابه (منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس) : "ونقصّ عليك شيئاً عن سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ونذكر طرفاً من أخباره وأحواله، ليعلم الناظر فيه حقيقة أمره، فلا يروج عليه تشنيع من استحوذ عليه الشيطان، وأغراه، وبالغ في كفره واستهواه، فنقول: قد عُرِفَ واشتهر واستفاض من تقارير الشيخ ومراسلاته، ومصنفاته المسموعة المقروءة عليه، وما ثبت بخطه، وعرف واشتهر من أمره ودعوته، وما عليه الفضلاء النبلاء من أصحابه وتلامذته؛ أنه على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الدين أهل الفقه والفتوى في باب معرفة الله تعالى، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، التي نطق بها الكتاب العزيز، وصحّت بها الأخبار النبوية، وتلقّاها أصحاب رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم، يثبتونها ويؤمنون بها ويُمِرُّونها كما جاءت، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، وقد درج على هذا من بعدهم من التابعين وتابعيهم من أهل العلم والإيمان، وسلف الأمة وأئمتها؛ كسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وطلحة بن عبيد الله، وسليمان بن يسار وأمثالهم، ومن الطبقة الثانية؛ كمجاهد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وابن سيرين، وعامر الشعبي، وجنادة بن أبي أمية،

стр. 126

وحسان بن عطية، وأمثالهم، ومن الطبقة الثالثة؛ علي بن الحسين، وعمر بن عبد العزيز، ومحمد بن مسلم الزهري، ومالك بن أنس، وابن أبي ذئب، وابن الماجشون، وكحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، والفضيل بن عياض، وعبد الله بن المبارك، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت، ومحمد بن إدريس، وإسحق بن إبراهيم، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، وإخوانهم وأمثالهم ونظرائهم من أهل الفقه والأثر في كل مصر وعصر. وأما توحيد العبادة والإلهية؛ فلا خلاف بين أهل الإسلام فيما قاله الشيخ وثبت عنه من المعتقد الذي دعا إليه، يوضح ذلك أن أصل الإسلام وقاعدته شهادة أن لا إله إلا الله، وهي أصل الإيمان بالله وحده، وهي أفضل شعب الإيمان. وهذا الأصل لا بد فيه من العلم والعمل والإقرار بإجماع المسلمين، ومدلوله: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه كائناً من كان. وهذا هو الحكمة التي خلقت لها الإنس والجن، وأرسل لها الرسل، وأنزلت بها الكتب، وهي تتضمن كمال الذل والحب، وتتضمن كمال الطاعة والتعظيم، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وهو يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً، ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢. وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣ وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤

стр. 127

وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٢ وذكر عن رسله نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣. وقال عن أهل الكهف: ﴿فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ٤ وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ٥ في موضعين من كتابه، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٦. قال ﵀: والشرك المراد بهذه الآيات ونحوها يدخل فيه شرك عباد القبور، وعباد الأنبياء، والملائكة، والصالحين، فإن هذا هو شرك جاهلية العرب الذين بعث فيهم عبد الله ورسوله ﷺ ، فإنهم كانوا يدعونها، ويلتجئون إليها، ويسألونها على وجه التوسل بجاهها وشفاعتها، لتقربهم إلى الله، كما حكى الله ذلك عنهم في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٨. وقال

стр. 128

تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ١. قال ﵀: ومعلوم أن المشركين لم يزعموا أن الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة شاركوا الله في خلق السموات والأرض، واستقلوا بشيء من التدبير والتأثير والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٢. فهم معترفون بهذا مقرون به لا ينازعون فيه، ولذلك حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر ولا يمسك الرحمة، ولا يخفى ما في التنكير من العموم والشمول المتناول لا قل شيء وأدناه من ضر أو رحمة، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٤. ذكر فيه السلف- كابن عباس وغيره- إيمانهم هنا بما أقروا به من ربوبيته وملكه، وفسر شركهم بعبادة غيره. قال ﵀: وقد بين القرآن في غير موضع أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ومنهم من أشرك بالأصنام، وقد رد عليهم جميعهم وكفّر كل أصنافهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ

стр. 129

مَرْيَمَ﴾ ١ الآية. وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٢. ونحو ذلك في القرآن كثير، وبه يعلم المؤمن أن عبادة الأنبياء والصالحين كعبادة الكواكب والأصنام من حيث الشرك والكفر بعبادة غير الله. قال ﵀: وهذه العبادات التي صرفها المشركون لآلهتهم هي أفعال العبد الصادرة منه؛ كالحب، والخضوع، والإنابة، والتوكل، والدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، والخوف، والرجاء، والنسك، والتقوى، والطواف ببيته رغبة ورجاء، وتعلّق القلوب والآمال بفيضه ومده وإحسانه وكرمه، فهذه الأنواع أشرف أنواع العبادة وأجلّها، بل هي لبّ سائر الأعمال الإسلامية وخلاصتها، وكل عمل يخلو منها فهو خِدَاج مردود على صاحبه، وإنما أشرك وكفر من كفر من المشركين بقصد غير الله بهذا وتأهيله لذلك، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ﴾ ٥ الآية. وحكى عن أهل النار أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٦. ومعلوم أنهم ما سوّوهم به في الخلق والتدبير والتأثير، وإنما كانت التسوية في الحب والخضوع، والتعظيم والدعاء، ونحو ذلك من العبادات. قال ﵀: فجنس هؤلاء المشركين وأمثالهم ممن يعبد الأولياء والصالحين نحكم بأنهم مشركون، ونرى كفرهم إذا قامت عليهم الحجة الرسالية،

стр. 130

وما عدا هذا من الذنوب التي دونه في الرتبة والمفسدة لا نكفر بها، ولا نحكم على أحد من أهل القبلة -الذين باينوا عباد الأوثان والأصنام والقبور- بكفر بمجرد ذنب ارتكبوه، وعظيم جرم اجترحوه، وغلاة الجهمية والقدرية والرافضة ونحوهم ممن كفرهم السلف لا نخرج فيهم عن أقوال أئمة الهدى والفتوى من سلف هذه الأمة، ونبرأ إلى الله مما أتت به الخوارج وقالته في أهل الذنوب من المسلمين. قال ﵀: ومجرد الإتيان بلفظ الشهادة من غير علم بمعناها ولا عمل بمقتضاها لا يكون به المكلف مسلماً، بل هو حجة على ابن آدم، خلافاً لمن زعم أن الإيمان مجرد الإقرار كالكرّامية١، ومجرد التصديق كالجهمية٢، وقد أكذب الله المنافقين فيما أتوا به وزعموه من الشهادة، وسجل على كذبهم مع أنهم أتوا بألفاظ مؤكدة بأنواع من التأكيدات، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٣. فأكدوا بلفظ الشهادة وأن المؤكدة واللام والجملة الاسمية، فأكذبهم وأكد تكذيبهم بمثل ما

стр. 131

أكدوا به شهادتهم سواء بسواء، وزاد التصريح باللقب الشنيع والعلم البشيع الفظيع، وبهذا تعلم أن مُسمّى الإيمان لا بد فيه من الصدق والعمل، ومن شهد أن لا إله إلا الله وعبد غيره فلا شهادة له وإن صلّى وزكّى وصام وأتى بشيء من أعمال الإسلام، قال تعالى لمن آمن ببعض الكتاب ورد بعضاً: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ١ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً﴾ ٢ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ ٣ الآية. والكفر نوعان؛ مطلق ومقيد، فالمطلق: أن يكفر بجميع ما جاء به الرسول، والمقيد: أن يكفر ببعض ما جاء به الرسول. حتى أن بعض العلماء كفّر من أنكر فرعاً مجمعاً عليه- كتوريث الجد والأخت- وإن صلى وصام، فكيف بمن يدعو الصالحين، ويصرف لهم خالص العبادة ولبّها، وهذا مذكور في المختصرات من كتب المذاهب الأربعة، بل كفروا ببعض الألفاظ التي تجري على ألسن بعض الجهال، وإن صلّى وصام من جرت على لسانه. قال ﵀: والصحابة كفّروا من منع الزكاة وقاتلوهم مع إقرارهم بالشهادتين، والإتيان بالصلاة والصوم والحج. قال ﵀: واجتمعت الأمة على كفر بني عبيد القداح مع أنهم يتكلمون بالشهادتين ويصلّون ويبنون المساجد في قاهرة مصر وغيرها. وذكر ابن الجوزي أنه صنف كتاباً في وجوب غزوهم وقتالهم، سماه (النصر على مصر) قال: وهذا يعرفه من له أدنى إلمام بشيء من العلم والدين، فتشبيه عباد القبور بأنهم يُصَلّون ويصومون ويؤمنون بالبعث مجرد تعمية على العوام

стр. 132

وتلبيس ليتفق شركهم، ويقال بإسلامهم وإيمانهم، ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون. وأما مسائل القدر والجبر والإرجاء والإمامة والتشيع ونحو ذلك من المقالات والنحل فهو أيضاً فيها على ما كان عليه السلف الصالح، وأئمة الهدى والدين يبرأ مما قالته القدرية النفاة والقدرية المجبرة، وما قالته المرجئة والرافضة، وما عليه غلاة الشيعة والناصبة، يوالي جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، ويكف عما شجر بينهم، ويرى أنهم أحق الناس بالعفو عما يصدر منهم، وأقرب الخلق إلى مغفرة الله وإحسانه، لفضائلهم وسوابقهم وجهادهم، وما جرى على أيديهم من فتح القلوب بالعلم النافع والعمل الصالح، وفتح البلاد، ومحو آثار الشرك، وعبادة الأوثان والنيران، والأصنام والكواكب، ونحو ذلك مما عبده جهال الأنام. ويرى البراءة مما عليه الرافضة، وأنهم سفهاء لئام، ويرى أن أفضل الأمة بعد نبيها؛ أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ويعتقد أن القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين وخاتم النبيين، كلام الله غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود، ويبرأ من رأي الجهمية القائلين بخلق القرآن، ويحكي تكفيرهم عن جمهور السلف أهل العلم والإيمان. ويبرأ من رأي الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد ابن كلاب، القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفس الباري، وأن ما نزل به جبريل حكاية أو عبارة عن المعنى النفسي، ويقول هذا من قول الجهمية، وأول من قسَّم هذا التقسيم هو ابن كلاب، وأخذ عنه الأشعري وغيره كالقلانسي، ويخالف الجهمية في كل ما قالوه وابتدعوه في دين الله، ولا يرى ما ابتدعه الصوفية من البدع والطرائق المخالفة لهدي رسول الله ﷺ وسنته في العبادات والخلوات والأذكار المخالفة للمشروع، ولا يرى ترك السنن والأخبار النبوية لرأي فقيه، ومذهب عالم خالف ذلك باجتهاده، بل السنة أجل في صدره وأعظم عنده من أن تترك لقول أحد كائناً من كان. قال عمر بن عبد العزيز: "لا رأي لأحد مع سنة رسول الله ﷺ ". نعم عند الضرورة وعدم الأهلية

стр. 133

والمعرفة بالسنن والأخبار وقواعد الاستنباط والاستظهار يصار إلى التقليد -لا مطلقاً- بل فيما يتعسّر ويخفى. ولا يرى إيجاب ما قاله المجتهد إلا بدليل تقوم به الحجة من الكتاب والسنة، خلافاً لغلاة المقلدين. ويوالي الأئمة الأربعة، ويرى فضلهم وإمامتهم، وأنهم من الفضل والفضائل في غاية ورتبة يقصر عنها المتطاول. ويوالي كافة أهل الإسلام وعلماءهم، من أهل الحديث والفقه والتفسير وأهل الزهد والعبادة. ويرى المنع من الانفراد عن أئمة الدين من السلف الماضين برأي مبتدع أو قول مخترع، فلا يحدث في الدين ما ليس له أصل يتبع وما ليس من أقوال أهل العلم والأثر. ويؤمن بما نطق به الكتاب وصحّت به الأخبار وجاء الوعيد عليه من تحريم دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، ولا يبيح من ذلك إلا ما أباحه الشرع وأهدره الرسول. ومن نسب إليه خلاف هذا فقد كذب وافترى وقال ما ليس له به علم، وسيجزيه الله ما وعد به أمثاله من المفترين. وأبدى رحمه الله تعالى من التقارير المفيدة، والأبحاث الفريدة على كلمة الإخلاص والتوحيد -شهادة أن لا إله إلا الله- ما دل عليه الكتاب المصدق، والإجماع المستبين المحقق، من نفي استحقاق العبادة والإلهية عما سوى الله، وإثبات ذلك لله سبحانه على وجه الكمال المنافي لكليات الشرك وجزئياته، وأن هذا هو معناها وضعا ًومطابقة، خلافاً لمن زعم غير ذلك من المتكلمين؛ كمن يفسر ذلك بالقدرة على الاختراع، أو بأنه تعالى غني عما سواه، مفتقر إليه ما عداه، فإن هذا لازم المعنى، إذ الإله الحق لا يكون إلا قادراً غنياً عما سواه، وأما كون هذا هو المعنى المقصود بالوضع فليس كذلك والمتكلمون خفي عليهم هذا وظنوا أن تحقيق توحيد الربوبية والقدرة هو الغاية المقصودة، والفناء فيه هو تحقيق التوحيد، وليس الأمر كذلك، بل هذا لا يكفي في الإيمان وأصل الإسلام إلا إذا أضيف إليه واقترن به توحيد الإلهية، وإفراد الله بالعبادة، والحب،

стр. 134

والخضوع، والتعظيم، والإنابة، والتوكل، والخوف، والرجاء، وطاعة الله وطاعة رسوله. هذا اصل الإسلام وقاعدته، والتوحيد الأول توحيد الربوبية والقدرة والخلق والإيجاد هو الذي بني عليه توحيد العمل والإرادة، وهو دليله الأكبر، وأصله الأعظم، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ ١ إلى آخر الآيات. قال العلامة ابن القيم ﵀: إن كان ربك واحداً سبحانه ... فاخصصه بالتوحيد مع إحسان أو كان ربك واحداً أنشاك لم ... يشركه إذ أنشاك ربٌّ ثان فكذاك أيضاً وحده فاعبده لا ... تعبد سواه يا أخا العِرْفان وهذه الجمل منقولة عن السلف والأئمة من المفسرين وغيرهم من أهل اللغة إجمالاً وتفصيلاً. وقد قرر ﵀ على شهادة أن محمداً رسول الله- من بيان ما تستلزمه هذه الشهادة وتستدعيه وتقتضيه من تجريد المتابعة، والقيام بالحقوق النبوية من الحب والتوقير والنصرة والمتابعة والطاعة، وتقديم سنته ﷺ على كل سنة وقول، والوقوف معها حيث ما وقفت والانتهاء حيث انتهت، في أصول الدين وفروعه، باطنه وظاهره، خفيه وجليه، كليه وجزئيه -ما ظهر به فضله، وتأكد علمه ونبله، وأنه سباق غايات، وصاحب آيات، لا يشق غباره، ولا تدرك في البحث والإفادة آثاره، وأن أعداءه ومنازعيه، وخصومه في الفضل وشانيه، يصدق عليهم المثل السائر بين أهل المحابر والدفاتر: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً، إنه لذميم

стр. 135

وله ﵀ من المناقب والمآثر ما لا يخفى على أهل الفضائل والبصائر، ومما اختصه الله به من الكرامة تسلط أعداء الدين وخصوم عباد الله المؤمنين على مسبّته، والتعرض لبهته وغيبته. قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ما أرى الناس ابتلو بشتم أصحاب رسول الله ﷺ إلا ليزيدهم الله بذلك ثواباً عند انقطاع أعمالهم". وأفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر؛ وقد ابتليا من طعن أهل الجهالة والسفاهة بما لا يخفى. وما حكيناه عن الشيخ حكاه أهل المقالات عن أهل السنة والجماعة مجملاً ومفصلاً، قال: وهذه عبارة أبي الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين) قال أبو الحسن الأشعري: "جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردُّون من ذلك شيئاً. والله تعالى إله واحد فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وأن الله تعالى على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٢ وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣ وأن له عينين بلا كيف [كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٤] ، وأن له وجهاً جلَّ ذكره، كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ٥ وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج. وأقروا أن لله علماً، كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٦. وكما قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ

стр. 136

إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ ١. وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك كما نفته المعتزلة. وأثبتوا لله القوة كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ٢. وقالوا: إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٣ وكما قال المسلمون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقالوا: إن أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله، أو يكون أحد يقدر على أن يخرج عن علم الله، أو أن يفعل شيئاً علم الله أنه لا يفعله. وأقروا أنه لا خالق إلا الله، وأن أعمال٤ العباد يخلقها الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً. وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته، وخذل الكافرين بمعصيته، ولطف للمؤمنين، ونظر لهم وأصلحهم وهداهم، ولم يلطف للكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم، ولو أصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين. وأن الله تعالى يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف لهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وخذلهم وأضلهم وطبع على قلوبهم. وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره. ويؤمنون بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره. ويؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله كما قال. ويُلجئون أمرهم إلى الله، ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت، والفقر إلى الله في كل حال. ويقولون: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ، من قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق. ويقولون: إن الله تعالى يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر،

стр. 137

ويراه المؤمنون ولا يراه الكافرون، لأنهم عن الله محجوبون، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ١. وأن موسى سأل الله سبحانه الرؤية في الدنيا، وأن الله تعالى تجلّى للجبل فجعله دكاً، فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة. ولم يُكفّروا أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنا والسرقة، وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر. والإيمان عندهم هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم. والإسلام هو أن يشهد أن لا إله إلا الله على ما جاء في الحديث. والإسلام عندهم غير الإيمان. ويقرُّون بأن الله مقلب القلوب، ويقرُّون بشفاعة رسول الله ﷺ ، وأنها لأهل الكبائر من أمته، وبعذاب القبر، وأن الحوضَ حق، والمحاسبة من الله للعباد حق، والوقوف بين يدي الله حق. ويقرُّون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق. ويقولون أسماء الله هي الله، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار، ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله تعالى ينزلهم حيث شاء، ويقولون أمرهم إلى الله؛ إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم. ويؤمنون بأن الله تعالى يخرج قوماً من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ . وينكرون الجدل والمراء في الدين، والخصومة في القدر، والمناظرة فيما

стр. 138

يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من أمر دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة، ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ . ولا يقولون كيف؟ ولا لم؟ لأن ذلك بدعة. ويقولون إن الله لم يأمر بالشر، بل نهى عنه، وأمر بالخير، ولم يرض بالشر وإن كان مريداً له. ويعرفون حق السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ ، ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم. ويقدمون أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علياً رضي الله تعالى عنهم، ويقرّون أنهم الخلفاء الراشدون المهديّون، وأنهم أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ . ويصدّقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر؟ كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم١. ويأخذون بالكتاب والسنة، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ٢ ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، وأن لا يبتدعوا في دينهم ما لم يأذن به الله. ويقرّون أن الله تعالى يجيء يوم القيمة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ٣. وأن الله تعالى يقرب من خلقه كيف يشاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٤. ويرون العيد والجمعة والجماعة خلف كل إمام بر وفاجر. ويثبتون المسح على الخفين سنة، ويرونه في الحضر والسفر. ويثبتون فرض الجهاد للمشركين

стр. 139

منذ بعث الله نبيه ﷺ إلى آخر عصابة تقاتل الدجال. وبعد ذلك يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وأن لا يُخْرَج عليهم بالسيف، وأن لا يقاتلوا في الفتنة. ويصدّقون بخروج الدجال، وأن عيسى ابن مريم يقتله. ويؤمنون بمنكر ونكير، والمعراج والرؤيا في المنام. وأن الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل إليهم. ويصدّقون بأن في الدنيا سحرة، وأن الساحر كافر، كما قال الله تعالى، وأن السحر كائن موجود في الدنيا. ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم. ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات مات بأجله، وكذلك من قتل قتل بأجله. وأن الأرزاق من قبل الله تعالى يرزقها عباده حلالاً كانت أو حراماً. وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه، وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات تظهر عليهم، وأن السنة لا تنسخ القرآن١. وأن الأطفال أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء فعل بهم ما أراد. وأن الله عالم ما العباد عاملون، وكتب أن ذلك يكون، وأن الأمور بيد الله تعالى. ويرون الصبر على حكم الله تعالى، والأخذ بما أمر الله به، والانتهاء عما نهى الله عنه، وإخلاص العمل والنصيحة لجماعة المسلمين، واجتناب الكبائر والزنا وقول الزور والمعصية٢ والفخر والكبر والإزراء على الناس والعجب.

стр. 140

ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الفقه، مع التواضع والاستكانة، وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكفّ الأذى، وترك الغيبة والنميمة والسعاية، وتفقد المأكل والمشرب. فهذه جملة ما يأمرون به، ويعتقدونه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل" انتهى١. هذا ما يعتقده أهل نجد ومن يوافقهم، فكيف يقال: إنهم مبتدعون؟ ولكن الأمر كما قيل: ومن يك ذا فم مُر مريض ... يجد مراً به الماء الزلالا وهذا النبهاني الجاهل من أشد الناس عداوة للذين آمنوا، ولذلك يرميهم بكل منكر، وإذا ذكر إخوانه المبتدعة ذكرهم بكل تعظيم. ثم إن الشيخ عبد اللطيف لما ذكر في منهاجه معتقد جده وأتباعه ذكر طرفاً من حال هذا المبتدع وإخوانه، وعقد فصلاً لذلك، فقال: "ونذكر لك طرفاً من معتقد عباد القبور والصالحين، وحقيقة ما هم عليه من الدين ليعلم الواقف عليه أي الفريقين أحق بالأمن، إن كان الواقف ممن اختصه الله تعالى بالفضل والمن، ولئلاّ يلتبس الأمر بتسميتهم لكفرهم ومحالهم تشفعاً وتوسلاً واستظهاراً، مع ما في التسمية من الهلاك المتناهي عند من عقل الحقائق: من ذلك محبتهم مع الله محبة تأله وخضوع ورجاء، ودعاؤهم مع الله في المهمات والملمات والحوادث التي لا يكشفها ولا يجيب الدعاء فيها إلا فاطر الأرض والسموات، والعكوف حول أجداثهم، وتقبيل أعتابهم، والتمسح بآثارهم؛ طلباً للغوث، واستجابة الدعوات، وإظهار الفاقة، وإبداء الفقر والضراعة، واستنزال الغيوث والأمطار، وطلب السلامة من شدائد البر والبحار، وسؤالهم تزويجهم الأرامل والأيامى، واللطف بالضعفاء واليتامى، والاعتماد عليهم في المطالب

стр. 141

العالية، وتأهيلهم لمغفرة الذنوب والنجاة من الهاوية، وإعطاء تلك المراتب السامية، وجماهيرهم لما ألفت ذلك طباعهم، وفسدت به فطرهم، وعز عنه امتناعهم، لا يكاد يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال آحاد المسلمين من قصد الله تعالى، والإنابة إليه، بل ليس لذلك عندهم إلا الولي الفلاني، ومشهد الشيخ فلان، حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضاً عن الخروج للاستسقاء، والإنابة إلى الله في كشف الشدائد والبلوى، كل هذا رأيناه وسمعناه عنهم. قال: وقد حدث الشيخ مصطفى البولاقي أن بعض رؤساء الجامع الأزهر عاده لما اشتكى عينيه وقال له: هلاّ ذهبت إلى مولد الشيخ أحمد البدوي؟ فقد حُكي أن إنساناً شكا إليه ذهاب بصره، فسمع قائلاً يقول من الضريح أعطوه عين كذا وكذا!. فانظر إلى ما خطر ببال هذا المتكلم من تعظيم هذا الميت، وتأهيله لتلك المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله القاهر الغالب، وقصد الوساطة هنا على ما فيها ما أظنها تخطر بباله أصلاً، فهل سمعت عن جاهلية العرب مثل هذه الغرائب، التي ينتهي عندها العجب؟ والكلام مع زكي القلب يقظ الذهن قوي الهمة العارف بالحقائق، ومن لا ترضى نفسه بحضيض التقليد في أصول الديانات والتوحيد، وأما ميت القلب، بليد الذهن، وضيع النفس، جامد القريحة، ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق على ما يُحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر والتنديد؛ فذاك فاسد الفطرة معتل المزاج، وخطابه محض عناء ولجاج. قال: ومما بلغنا عن بعض علماء زبيد أن رجلين قصدا الطائف فقال أحدهما لصاحبه- والمسؤول ممن يترشح للعلم-: أهل الطائف لا يعرفون الله إنما يعرفون ابن عباس، فأجابه بأن معرفتهم لابن عباس كافية لأنه يعرف الله! فأي ملة- صان الله ملة الإسلام- لا تمانع هذه الكفريات ولا تدافعها؟ وذكر الزبيدي أيضاً أن رجلاً كان بمكة عند بعض المشاهد قال لمن عنده:

стр. 142

أريد الذهاب إلى الطواف، فقال بعض غلاتهم: مقامك ههنا أكرم!. ومن وقف على كتاب مناقب الأربعة المعبودين بمصر -وهم البدوي والرفاعي والدسوقي ورابعهم فيما أظن أبو العلاء- فقد وقف على ساحل كفرهم، وعرف صفة إفكهم. وبلغنا عن بعض الثقات أن جماعة من المدعين للعلم بزبيد كانوا يقرؤون صحيح البخاري فإذا فرغوا منه -إما أحياناً أو مطلقاً- ذهبوا إلى قبر الجبيرتي أو غيره، فوقفوا عاكفين -ما شاء الله- وعليهم السكينة والوقار، وضرب من الخضوع لنازل الحفرة، قال من نقله: فالله أعلم أهو شيء وجدوه في صحيح البخاري أو غيره أو ما هو؟ قال: ورأيت في حاشية الشيخ إبراهيم البيجوري على السنوسية نقلاً عن الدردير- فيما أظن- عن الشعراني أن الله وكل بقبر كل ولي ملكاً يقضي حاجة من سأل ذلك الولي! فقف هنا وانظر ما آل إليه شركهم وإفكهم، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ١. وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ٢ وقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٥ الآية. وأي حجة في هذا الذي قال الشعراني لو كانوا يعلمون؟ ولكن القوم أصابهم داء الأمم قبلهم، فنبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تتلوا الشياطين. ومن هذا الجنس ما ذكره الشعراني في ترجمة الملقب شمس الدين الحنفي،

стр. 143

أنه قال في مرض موته: "من كانت له حاجة فليأت قبري ويطلب أن أقضيها له، فإنما بيني وبينه ذراع من تراب، وكل رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب فليس برجل"! انتهى. وقد اجتمع جماعة من الموحّدين من أهل الإسلام في بيت رجل من أهل مصر وبقربه رجل يدّعي العلم، فأرسل إليه صاحب البيت فسأله بمجمع من الحاضرين، فقال له: كم يتصرف في الكون؟ قال: يا سيدي سبعة، قال: من هم؟ قال: فلان، وفلان وعد أربعة من المعبودين بمصر. فقال صاحب الدار لمن بحضرته من الموحدين: إنما بعثتُ لهذا الرجل وسألته لأعرفكم قدر ما أنتم فيه من نعمة الإسلام، أو كلاماً نحو هذا. وباب تصرّف المشائخ والأولياء قد اتسع حتى سلكه جمهور من يدّعي الإسلام من أهل البسيطة، وخرقه قد هلك في بحاره أكثر من سكن الغبراء وأظلته المحيطة، حتى نسي القصد الأول من التشفع والوساطة، فلا يعرج عليه عندهم إلا من نسي عهود الحمى، وقد ذكر هذا شيخ الإسلام في" منهاجه"١ عن غلاة الرافضة في عليّ، فعاد الأمر إلى الشرك في توحيد الربوبية والتدبير والتأثير، ولم يبلغ شرك الجاهلية الأولى إلى هذه الغاية، بل ذكر الله جل ذكره أنهم يعترفون له بتوحيد الربوبية ويقرون به، ولذلك احتج عليهم في غير موضع من كتابه بما أقروا به من الربوبية والتدبير على ما أنكروه من الإلهية. ومن ذلك -وهو من عجيب أمرهم- ما ذكره حسين بن محمد النعمي اليمني في بعض رسائله: أن امرأة كفّ بصرها؛ فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى ولم يبق إلا حسبك!! انتهى. وحدثني سعد بن عبد الله بن سرور الهاشمي ﵀ أن بعض المغاربة قدموا مصر يريدون الحج، فذهبوا إلى الضريح المنسوب٢ إلى الحسين رضي الله

стр. 144

عنه بالقاهرة، فاستقبلوا القبر وأحرموا، ووقفوا وركعوا وسجدوا لصاحب القبر، حتى أنكر عليهم سدنة المشهد وبعض الحاضرين، فقالوا: هذا محبة في سيدنا الحسين رضي الله تعالى عنه. وذكر بعض المؤلفين من أهل اليمن أن مثل هذا وقع عندهم. وقد حدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يدق وتد في القاهرة إلا بإذن السيد أحمد البدوي، قال فقلت له: هذا لا يكون إلا لله أو كلاماً نحو هذا. فقال: حبي في سيدي أحمد البدوي اقتضى هذا. وحُكي أن رجلاً سأل الآخر: كيف رأيت الجمع عند زيارة الشيخ الفلاني؟ فقال: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات، إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الثلاثة أيام. فقال السائل: قد تحملها الشيخ! قال بعض الأفاضل: وباب تحمل الشيخ مصراعاه ما بين بصرى وعدن قد اتسع خرقه، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد، انتهى. وقد اشتهر ما يقع من السجود على أعتاب المشهد وقصد التبرك مع ما فيه لا يمنع حقيقة العبادة الصورية. ومن المعروف عنهم شراء الولدان من الولي بشيء معين، يبقى رسماً جارياً يؤدّى كل عام، وإن كانت امرأة فمهرها أو نصف مهرها، لأنها مشتراة منه، ولا يمانع هذا إلا مكابر، لأنه استفاض واشتهر فلا ينكره إلا مكابر في الحسيات، وإن فقد بعض أنواعه في بعض البلاد فكم له من نظائر، وهذا أشد، وأشنع مما ذكر جل ذكره عن جاهلية العرب بقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ ١ الآية، وكذلك جعل السوائب باسم الولي لا يحمل عليها لا تذبح، وسوق الهدايا والقرابين إلى مشاهد الأولياء وذبحها حباً للشيخ وتقرباً إليه، وهذا وإن ذكر اسم الله عليه فهو أشد تحريماً مما ذبح اللحم وذكر عليه اسم غير الله كعيسى مثلاً، فإن

стр. 145

الشرك في العبادة أكبر من الشرك بالاستعانة، ومن ذلك ترك الأشجار والكلأ والعشب إذا كان بقرب المشهد وجعله من ماله. ومنها الحج إلى المشاهد في أوقات مخصوصة مضاهاة لبيت الله، فيطوفون حول الضريح، ويستغيثون، ويَهْدُون لصاحب القبر ويذبحون، وبعض مشائخهم يأمر الزائر بحلق رأسه إذا فرغ من الزيارة، كما يفعلون في بيت الله الحرام بعد الأداء، وقد صنف بعض غلاتهم كتاباً سماه "حج المشاهد" وهو متداول. ومنها التعريف في بعض البلاد عند من يعتقدونه من أهل القبور، فيصلّون عشية عرفة عند القبر خاضعين سائلين. والعراق فيه من ذلك الحظ الأكبر، والنصيب الأوفى الأوفر، بل فيه البحر الذي لا ساحل له، والمهامة التي لا ينجو سالكها ولا يكاد، ومن نحوه عرف الكفر وظهر الشرك والفساد، كما يعرف ذلك من له إلمام بالتواريخ ومبدأ الحوادث في الدين. ومن شاهد ما يقع منهم عند مشهد الحسين ومشهد عليّ والكاظم عند رافضتهم، وعبد القادر والحسن البصري والزبير وأمثالهم عند سنتهم، من العبادات، وطلب العطايا والمواهب والتصرفات، وأنواع الموبقات؛ علم أنهم من أجهل الخلق وأضلهم، وأنهم في غاية من الكفر والشرك ما وصل إليها من قبلهم ممن ينتسب إلى الإسلام، والله المسؤول أن ينصر دينه، ويعلي كلمته بمحو هذه الأوثان، حتى يُعبَدَ وحده، فتسلم الوجوه له، وتعود البيضاء كما كانت ليلها كنهارها. ومن ذلك -وإن كان يعلم مما تقدم- اتخاذها أعياداً ومواسم مضاهاة لما شرعه الله ورسوله من الأعياد المكانية والزمانية. ومنها ما يقع ويجري في هذه الاجتماعات من الفجور والفواحش، وترك الصلوات، وفعل الخلاعات، التي هي في الحقيقة خلع لربقة الدين، والتكليف، ومشابهة لما يقع في أعياد النصارى والصابئة والإفرنج ببلاد فرنسا وغيرها من
следующие страницы →