← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله ﷺ وتبرأ منها؟ فقل له: لا أنكرها ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع المشفع وأرجو شفاعته، لكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ١ ولا تكون إلا من بعد إذنه سبحانه، كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٢ ولا يشفع لأحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه، كما قال ﷻ : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣ وهو لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٤. فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد؛ تبين أن الشفاعة كلها لله، وأطلبها منه، وأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه فيَّ، وأمثال هذا. فإن قال: إن النبي ﷺ أعطي الشفاعة وأنا أطلب مما أعطاه الله. فقل له: إن الله تعالى أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا، وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٥. وأيضاً: فإن الشفاعة أعطيها غير النبي ﷺ ، فقد صح أن الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة وأنا أطلبها منهم؟ فإن قلت هذا؛ رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وإن قلت: لا، بطل قولك إن الله تعالى أعطاه الشفاعة وأنا أطلب مما أعطاه الله.

стр. 387

فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً- حاشا وكلا- والالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك. فقوله: إذا كنت تقر أن الله تعالى قد حرم الشرك أعظم من تحريمه الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي عظمه الله وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري. فقل له: كيف تبرىء نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟ أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه؟ أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا. فإن قال: الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام. فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم كانوا يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن. وإن قال: هو قصد خشبة أو حجر أو بنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون أنه يقربنا إلى الله زلفى ويدفع عنا ببركته! فقل له: صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار، والأبنية التي على القبور وغيرها، فهذا قد أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام. ويقال له أيضاً: قولك: الشرك عبادة الأصنام؛ هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا وأن الاعتماد على الصالحين ودعائهم لا يدخل في هذا؟ فهذا يرده ما ذكره الله تعالى في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة وعيسى والصالحين، فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين. فهو الشرك المطلوب في القرآن وهذا هو المطلوب. وسر المسألة؛ أنه إذا قال لك: أنا لا أشرك بالله فقل له: وما الشرك بالله فسره لي؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام. فقل له: وما معنى عبادة الأصنام؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرفه فكيف يدّعي شيئاً وهو لا يعرفه؟ وإن فسَّر ذلك بغير معناه؛ فبين له الآية الواضحة في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان مما يفعل في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون عليها ويصيحون كما صاح إخوانهم، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ

стр. 388

إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١. فإذا عرفت أن هذا الذي يُسمّيه خصوم الحق في وقتنا الاعتقاد هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل عصرنا من وجهين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله تعالى إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٥. فمن فهم هذه المسألة التي أوضحها الله تعالى في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضر والشدة فلا يدعون إلا الله تعالى وحده لا شريك له وينسون ساداتهم؛ تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهماً راسخاً، والله المستعان. والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله، إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، ويدعون أشجاراً وأحجاراً مطيعة لله ليست عاصية،

стр. 389

وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك، ومن يعتقد في الصالحين ومن يعبد ما لا يعصى كالخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به. إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم، فاصغ سمعك لجوابها؛ وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويكذبون الرسول وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فيكف تجعلوننا مثل أولئك؟ فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدّق رسول ﷺ في شيء وكذّبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقرّ بهذا كله وجحد الصوم أو أقر بهذا كله وجحد الحج. ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج أنزل الله تعالى في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ١. ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع وحل دمه وماله، كما قال ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ ٢. فإذا كان الله تعالى قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقاً زالت هذه الشبهة عن قلبه. ويقال: إذا كنت تقرُّ أن من صدّق الرسول في كل شيء وجحد وجوب

стр. 390

الصلاة أنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان لا يجحد هذا ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا، فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ ، وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كفر وإن عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله ما أعجب هذا الجهل؟! ويقال أيضاً: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويصلون ويؤذنون. فإن قال: إنهم يقولون أن مسيلمة نبي. قلنا: هذا هو المطلوب؛ إذا كان من رفع رجلاً في رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة فكيف بمن رفع ولياً أو صحابياً أو نبياً في مرتبة جبار السموات والأرض؟ سبحان الله ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ويقال أيضاً؛ إن الذين حرّقهم علي بن أبي طالب كلهم يدّعون الإسلام، وهم من أصحاب علي، وقد تعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في عليّ مثل الاعتقاد في الصلحاء، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟ أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في صلحاء العصر لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر؟ ويقال أيضاً: إن بني عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر أيام بني العباس كلهم كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويدّعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم

стр. 391

المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين. ويقال أيضاً: إذا كان الأولون لم يكفّروا إلا من جمع بين الشرك وتكذيب الرسول ﷺ والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكره الفقهاء من كل مذهب وهو باب حكم المرتد وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه؟ وذكروا أنواعاً كثيرة كل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب. ويقال أيضاً إن الذين قال تعالى فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ ١ أما سمعت الله تعالى كفّرهم بكلمة، ويزكّون ويحجّون ويوحّدون، وكذلك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٢. فهؤلاء الذين أخبر الله تعالى عنهم أنهم كفروا بعد إيمانهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك؛ قد قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح. فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم تكفّرون المسلمين أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلُّون ويصومون. ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق. ومن الدليل على ذلك أيضاً: ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٣. وقال ناس من الصحابة: "اجعل لنا ذات أنواط". فحلف ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل "اجعل لنا إلها"٤.

стр. 392

ولكن لخصوم الحق شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون إن بني إسرائيل لم يكفروا وكذلك الذين قالوا: "اجعل لنا ذات أنواط " لم يكفروا. فالجواب أن نقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ ، ولا خلاف أن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك ولو فعلوا ذلك لكفروا، وكذلك لا خلاف أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب. وهذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك وهو لا يدري، فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجاهل فهمنا التوحيد من أكبر الجهل ومن مكائد الشيطان، وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر- وهو لا يدري- فنبه على ذلك وتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ . وتفيد أيضاً أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله ﷺ . ولخصوم الحق وأعداء الدين شبهة أخرى، وهي أنهم يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله، وقال: "أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله" ١. وكذلك قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"٢. إلى

стр. 393

أحاديث أخر في الكف عمن قالها. ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل. فيقال لهم من المعلوم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وسباهم١، وهم يقولون لا إله إلا الله. وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويصلون ويدّعون الإسلام. وكذلك الذين حرّقهم علي بن أبي طالب بالنار. وهؤلاء الجهلة يقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله، وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقُتِلَ، ولو قالها؛ فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعاً من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل ورأسه؛ ولكن أعداء الله لم يفهموا معنى الأحاديث. فأما أحاديث أسامة؛ فإنه قتل رجلاً ادّعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبيّن منه ما يخالف ذلك، وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ ٢. أي: تثبتوا. فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت. فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله: "فتبينوا" ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى. وكذلك الأحاديث الأخر معناها ما ذكرناه، وأن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه، إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك. والدليل على هذا، أن رسول الله ﷺ هو الذي قال: "أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله"؟ وقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ". وهو الذي قال في الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" ٣. مع

стр. 394

كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً، حتى أن الصحابة ﵃ يحقرون أنفسهم عندهم، وقد تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم كلمة لا إله إلا الله، ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة. وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة ﵃ بني حنيفة. وكذلك أراد ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١. وكان الرجل كاذباً عليهم، وكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ بالأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه. ولهم شبهة أخرى؛ وهي أن النبي ﷺ ذكر أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ . قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً. والجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها، كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ٢. وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله، إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، مثل أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك، تقول له: ادع الله لي. كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا إنهم لم

стр. 395

يسألوا ذلك، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه ﷺ . ولهم شبهة أخرى؛ وهي قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار، اعترض له جبريل في الهواء، وقال له: ألك حاجة، فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا١. قالوا: فلو كانت الاستغاثة شركاً لم يعرضها على إبراهيم ﵇. والجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل ﵇ عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّةٍ﴾ ٢. فلو أذن له أن يأخذ نار إبراهيم ﵇ وما حولها ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره الله تعالى أن يضع إبراهيم ﵇ عنهم في مكان بعيد لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجاً فيعرض عليه أن يقرضه أو يهبه شيئاً يقضي به حاجته، فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟ هذا آخر ما قصدنا نقله من كتاب (كشف الشبهات) . وقد خطر لي بيتان من الشعر في قصة إبراهيم ﵇ نظمهما بعض الأدباء العصريين وهما: أصبحت ملة إبراهيم متبعاً ... لا أبتغي من سوى رب العلى بدلا لو قال لي الروح جبرائيل هل لك من ... حاج لقلت له أما إليك فلا وهذا هو التوحيد الذي يرغم أنف النبهاني وأضرابه من الغلاة الطغاة، وما نقلناه عن الشيخ كلام مفيد لذوي البصائر والأفهام، وقد سقط به ما ذكره النبهاني من توضيح مسألة الاستغاثة، فإن كلامه هنا مجرد إعادة عبارة سابقة

стр. 396

ليعظم لديه حجم كتابه، نسأله تعالى أن يهدينا سبلنا، ويصلح لنا أحوالنا بمنه وكرمه. ثم إن النبهاني الغبي ذكر في آخر الفصل الرابع تتمة زعم أنها اشتملت على كلام بعض أئمة أهل العلم والأولياء في زيارة قبور الصالحين والانتفاع بزيارتها وصفاء أرواحهم بعد مماتهم، ثم نقل عن ابن دحلان هذيانه الذي في كتابه، "تقريب الأصول لتسهيل الوصول" وهو قوله: قد صرّح كثير من العارفين أن الولي بعد وفاته تتعلق روحه بمريديه، فيحصل لهم ببركته أنوار وفيوضات، قال: وممن صرح بذلك قطب الإرشاد سيدي عبد الله بن علوي الحداد، فإنه قال: الولي يكون اعتناؤه بقرابته واللائذين به بعد موته أكثر من اعتنائه بهم في حياته، لأنه في حياته كان مشغولاً بالتكليف وبعد موته طرح عنه الأعباء وتجرد، والحي فيه خصوصية وبشرية، وربما غلبت إحداهما الأخرى، وخصوصاً في هذا الزمان فإنها تغلب البشرية، والميت ما فيه إلا الخصوصية فقط- ثم بقي يهذي إلى أن قال-: وكان الشيخ أبو المواهب أيضاً يقول: من الأولياء من ينفع مريده الصادق بعد مماته أكثر مما ينفعه حال حياته، ومن العباد من تولى الله تعالى تربيته بنفسه بغير واسطة، ومنهم من تولاه بواسطة بعض أوليائه ولو ميتاً في قبره فيربى مريده وهو في قبره ويسمع مريده صوته من القبر، ولله عباد يتولى تربيتهم النبي ﷺ بنفسه من غير واسطة لكثرة صلاتهم عليه ﷺ . ثم نقل كلام الإمام فخر الدين الرازي- الذي ذكره في الفصل الثالث عشر من كتابه "المطالب العالية في بيان كيفية الانتفاع بزيارة القبور والموتى"- وهو قوله: "إن الإنسان إذا ذهب إلى قبر إنسان قوي النفس كامل الجواهر ووقف هناك ساعة وحصل تأثير في نفسه حين حصل من الزائر تعلق بزيارة تلك التربة فلا يخفى أن لنفس ذلك الميت تعلقاً بتلك التربة أيضاً، فحينئذ يحصل لنفس الزائر الحي ولنفس ذلك الإنسان الميت تعلق بتلك التربة وملاقاة بسبب اجتماعهما بتلك التربة أيضاً، فصار هاتان النفسان شبيهتين بمرآتين صقيلتين متقابلتين بحيث ينعكس الشعاع من كل واحدة منهما إلى الأخرى، فكل ما حصل في نفس هذا الزائر الحي

стр. 397

من المعارف والبراهين والعلوم الكسبية والأخلاق الفاضلة من الخشوع لله تعالى والرضا بقضاء الله تعالى ينعكس منه نور إلى روح هذا الحي الزائر، وبهذه الطريقة تصير تلك الزيارة سبباً لحصول تلك المنفعة الكبرى والبهجة العظمى لروح هذا الزائر، فهذا هو السبب والأصل في مشروعية الزيارة، ولا يبعد أن يحصل منها أسرار أخرى أدق وأخفى مما ذكرنا، وتمام الحقائق ليس إلا عند الله تعالى". انتهى كلام الرازي. ثم قال: قال الشيخ أبو المواهب: قال بعض العارفين: وللأولياء عند زيارة الأولياء وقائع كثيرة تدل على اعتناء المزور بالزائر وتوجهه إليه بالكلية على قدر توجهه وقابليته. قال النبهاني: "انتهى ما نقلته من (تقريب الأصول) للسيد أحمد دحلان ". أقول: إنما نقلت كلام ابن دحلان الذي استدل به النبهاني على باطله من أوله إلى آخره- وإن كان فيه تضييع المداد والقرطاس ويؤسف على ما يصرف مدة نقله على الأنفاس- ليقف عليه المؤمن فيحمد الله على الإيمان والإسلام، ونجاته من ظلمات مثل هذه الأوهام، ولشناعتها وبشاعتها لدى ذوي العقول السليمة لا تحتاج إلى إقامة دليل ولا برهان، على ما حوته من بداهة البطلان، وجميع من نقل عنه ذلك الهذيان كانوا من غلاة الشافعية فقط. ومن الأسف على مثل هذا المذهب أن دنسه هؤلاء الغلاة وأضرابهم مع ما كان عليه الإمام الشافعي من الاتباع للسنة، وقد صان الله تعالى السادة الحنفية والمالكية والحنابلة عن مثل هذه العقيدة الزائغة والقول الباطل، ومن المعلوم لديك أن النبهاني عقد باباً لزيارة القبور، وباباً للسفر إليها، وهذى بما هذى في كلا البابين، وكأنه نسي أن يذكر هذا الكلام في موضعه فتداركه في هذا المقام، فإن له تعلقاً به من حيث الاستعداد والاستفاضة اللذان ادعاهما في الزيارة، قاتله الله ما أعظم جهله وغباوته. ثم إنا قد أسلفنا الكلام على الزيارة، وبينا ما فيه الكفاية لمن كان له قلب سليم، وقلنا: إن الزيارة منها ما هو سُنّي وهو الذي كان يعلمه الرسول ﷺ أصحابه من شأنها، ومنها ما هو بدعي لم ينزل الله به من سلطان، وأطنبنا الكلام على كل

стр. 398

ذلك، نقلنا ما كتبه شيخ الإسلام في (الجواب الباهر) وكتابه في الرد على المعترض المالكي وهو الذي لم يسبقه أحد إليه. ومنه يعلم أن ما كتبه ابن دحلان وما نقله عن الرازي كلام ساقط كل السقوط، وليس عليه دليلاً لا من كتاب ولا من سنة ولا من كلام السلف الصالح، وكان الذي قال يقول الرازي من المتقدمين والمتأخرين إنما أخذوه عن الإشراقيين من فلاسفة اليونان، ومن الأسف على مثل الرازي أن يتفوه بمثل ما نقل عنه ومنزلته في العلم ما تعلم، لكن الإمام الذهبي قد بين حقيقته ومبلغه من علوم الدين، وابن السبكي تأثر من شيخه الذهبي إذ بين حقيقته وأطال اللسان عليه في طبقاته في الكلام على ترجمة الرازي. وابن دحلان ليس مما يلام على جهله، وغباوته ودعواه في العلم معلومة، وعجبه وكبره مما يقتضي ما رأيت من جهله، والحاصل أنه لو لم يكن لنا دليل على بطلان ما نقله النبهاني عمن نقله سوى مخالفته للنقل الصحيح والعقل الصريح لكفانا ذلك، فكيف والأدلة على بطلانه كثيرة كما يعلم مما سبق. ثم إن النبهاني نقل كلام ابن دحلان في كتابه (خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام) وعقد له باباً وجعله ثالث الأبواب، وهو كلام ليس عليه أثارة من علم، ونقله النبهاني بأسره. فذكر الشبه التي تمسك به الوهابية على زعمه، فقال: "ينبغي أولاً أن نذكر الشبهات التي تمسك بها ابن عبد الوهاب في إضلال العباد، ثم نذكر الرد عليه ببيان أن كل ما تمسك به زور وافتراء وتلبيس على عوام الموحدين". قال: "فمن شبهاته التي تمسك بها؛ زعمه أن الناس مشركون في توسلهم. بالنبي ﷺ وبغيره من الأنبياء والأولياء والصالحين، وفي زيارتهم قبره ﷺ وندائهم له بقولهم: يا رسول الله نسألك الشفاعة، وزعم أن ذلك كله إشراك، وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الخواص والعوام من المؤمنين،

стр. 399

كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٦. وأمثال هذه الآيات كثيرة في القرآن كلها حملها على الموحدين".. إلخ. أقول- ومن الله أستمد التوفيق-: إن النبهاني لم يزل يكرر مباحث كتابه ويعيد حتى يعظم حجم كتابه، وما أدري ماذا قصد بنقل كلام ابن دحلان، فهل للاستدلال به على باطله وهو لا يفيد ذلك فإن الرجل ليس ممن يحتج بقوله، بل ولا ممن يوثق به فإنه مبتدع بل من الغلاة المشهورين، وإن كان نقله لكلامه ليبين للناس أنه له أمثالاً في الغلو والضلال فهذا مما لا يحتاج، فقد قيل: ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وعلى كل حال فإن ما نقله النبهاني عن صاحب مؤلف كتاب (خلاصة الكلام) وكتاب (الدرر السنية في الرد على الوهابية) قد رددناه سابقاً كما قد رد عليه من قبلي علماء أفاضل محققون، وقد انتشرت كتبهم، منها كتاب (صيانة

стр. 400

الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان) للعلامة المحدث الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ عبد الرحيم السندي رحمه الله تعالى، وقد أجاد في رده عليه وأظهر زيغه وعواره، فقد قال في خطبة كتابه: "أما بعد؛ فإني وقفت على الرسالة التي جمعها الشيخ أحمد بن زيني دحلان وسماها (الدرر السنية في الرد على الوهابية) ورأيت مؤلفها يدّعي في ديباجة رسالته الباطلة الساقطة الدنية الردية أنه جمع فيها ما تمسك به أهل السنة قي زيارة النبي ﷺ والتوسل به من الدلائل والحجج القوية، من الآيات والأحاديث النبوية، فتعجبت منه التعجب الصراح، كيف وليس في الباب حديث واحد حسن فضلاً عن الصحاح، فتأملتُ فيها تأمل الناقد البصير لكي أعلم به هل صدق في تلك الدعوى أم كذب كذب المجادل الضرير، فوجدت دعواها عارية عن لباس الصدق والحق المبين، محلاة بحلية الزور والكذب والباطل المهين، فإنه ليس فيها من الأحاديث إلا ما أورده التقي السبكي في "شفاء السقام " وهي دائرة بين الاحتمالات الثلاثة السقام، إما موضوعة عملتها أيدي الوضّاع اللئام، أو ضعاف واهية رواها من وسم بمثل كثرة الغلط والخطأ والأوهام، أو شيء يسير من الصحيح والحسن في زعمه قاصر عن إفادة المرام، كما بين ذلك كله الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في كتابه (الصارم المنكي) وليس فيها من الآيات والأحاديث الصحاح والحسان ما يدل على المطلوب المحكي، وكان حقاً على المؤلف تعاطي واحد مما يذكر، لئلا يعد كلامه مما يهجر وينكر، إما إيراده لأحاديث صحيحة أو حسنة دالة على المطلوب غير ما أورد في الشفاء، أو الإجابة عما تكلم به عليها صاحب الصارم وغيره من الأئمة الأذكياء، وإن لم يفعل هذا ولا ذاك فليس لها فائدة، ولا يؤول هذا الطول إلى منفعة وفائدة، ومن عجائب صنيعه أن المؤلف مع زعمه أنه من جملة المقلدين يستدل بالأدلة الشرعية وهو منصب المجتهدين، فعن لي أن أنبه على ما وقع فيها من مساوىء المفاهيم، وزخارف الأقوال، وأراجيف الاستدلال، لئلا يغتر بها من يقف عليها ممن لا خبرة له بحقائق علم السنة من المتون والرجال، فبالله أستعين وأقول: ... " إلى آخر ما قال.

стр. 401

فإذا عرفتَ ما كان من الردود على أقوال ابن دحلان فالتعرض لها في مثل هذا المقام فضول، ومع ذلك نشير إشارة إجمالية إلى الرد عليها، فنقول: قوله: فمن شبهاته التي تمسك بها زعمه أن الناس مشركون في توسلهم بالنبي ﷺ .. إلخ. لا أصل له، بل إن له دلائل قطعية من الكتاب والسنة على أن العبادة مختصة بالله تعالى لا يشركه غيره، لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وقوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: "إذا استعنت فاستعن بالله" إلخ. وبيّن أن مالا يقدر عليه إلا الله فطلبه منه مخ العبادة، فمن صرفه لغيره فلا شك أنه عبد الغير، ومن عبد الغير فقد أشرك على ما سبق فيما نقل عنه من كتاب (كشف الشبهات) . ثم إنه لم يقل إن زيارة النبي ﷺ أو قبور سائر الأنبياء والصلحاء الزيارة المشروعة شرك بل ندبها واستحبها. نعم إن الزيارة المخالفة لما ورد فهي ليست بمقبولة، كما أنها كذلك عند المحققين من الأئمة، وقد سبق بيان ذلك فيما نقلناه عن شيخ الإسلام، وكذلك التوسل به بمعنى جعله وسيلة والطلب من الله تعالى ليس مما نوزع فيه. وقوله: وندائهم له.. إلخ؛ قد أسلفنا لك فيما نقلناه من كتاب (كشف الشبهات) . ثم إنه لم يقل إن زيارة قبر النبي ﷺ أو قبور سائر الأنبياء والصلحاء الزيارة المشروعة شرك بل ندبها واستحبها. نعم إن الزيارة المخالفة لما ورد فهي ليست بمقبولة، كما أنها كذلك عند المحققين من الأئمة، وقد سبق بيان ذلك فيما نقلناه عن شيخ الإسلام، وكذلك التوسل به بمعنى جعله وسيلة والطلب من الله تعالى ليس مما نوزع فيه. وقوله: ونداهم له.. إلخ؛ قد أسلفنا لك فيما نقلناه من كتاب (كشف

стр. 402

الشبهات) أن الشفاعة تطلب من الله تعالى، وتقدم تفصيله. وقوله: وحمل الآيات القرآنية التي نزلت في المشركين على الخواص والعوام من المؤمنين.. إلخ. فقد تقدم أيضاً بيان ذلك مفصّلاً في (كشف الشبهات) ، وحاصل ما أسلفناه أن من عبد غير الله شملته نصوص المشركين وإن صام وإن صلى، فلا حاجة إلى تكرير الكلام في هذا المقام، وقد تكلم على هذه الاعتراضات على وجه البسط أيضاً الشيخ عبد الله السندي في رده على ابن دحلان فراجعه إن شئت فإنه مفيد. ثم إن النبهاني نقل كلام ابن دحلان بجملته، وهو عين ما هذى به في كتابه (الدرر السنية) وما فيها منقول عن (الجوهر المنظم) و (شفاء السقام) وقد عرفت ما كان من الكتابين، وما كان من الرد عليهما فلا نتعب البنان برده. ثم قال بعد كلام طويل: "إن الذين اعتنوا بالرد على محمد بن عبد الوهاب خلائق لا يحصون من مشارق الأرض ومغاربها من أرباب المذاهب الأربعة في كتب مبسوطة ومختصرة". ثم ذكر أحاديث الزيارة التي سبق الكلام عليها وبها ختم الباب. أقول: يجاب عن هذا الكلام من وجوه: الوجه الأول: أن كثيراً من العلماء المحققين انتصروا للشيخ، وردوا على من رد عليه بكتب مفضّلة مفيدة لا يسع المقام ذكرها١. الوجه الثاني: أن رد كثير من العلماء على الشيخ لا يقتضي بطلان ما كان عليه ولا حقية ما كان عليه خصومه، إنما معيار الحق شهادة الكتاب العزيز والسنة النبوية، وإذا كان قوله وعمله موافقاً للنقلين فلا مبالاة بمخالفة الغير كائناً من كان.

стр. 403

إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضباناً على لئامها الوجه الثالث: أن الأمة لم تزل بين راد ومردود، ولا يزالون مختلفين ولذلك خلقهم، وكثير من علماء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين قد خالفهم كثير من العلماء. هؤلاء المذاهب الأربعة كل واحد منهم له من المخالفين أكثر من الموافقين، وكل منهم قد رد عليه خصومه بردود مفصلة، وهذا من المسلّمات التي لا يسوغ النزاع فيها، فالشيخ الدحلاني كأنه غضّ طرفه عما جرى بين أئمته وأتباعهم، وما كان من خراب الديار بسبب تنازعهم، ورأى ما اعترض به خصوم ابن عبد الوهاب عليه لما أظهر زيفهم وزيغهم وباطلهم وضلالهم، والحق بيد الشيخ الدحلاني فإنه على جهله قد ادعى الرياسة على قوم لم يميزوا بين يمينهم وشمالهم، وأطاعوه لموافقته لهم على ما ألفوه من الضلال والغي. فإذا علمتَ أقوال هذا الرجل، وتبصّر بها من تبصر تقطعت حبائل ابن دحلان وأمثاله من حزب الشيطان، ثم إنه ليس هو بأول من رد عليه ولا أول من عودي وحسد، ففي البخاري: (أن رسول الله ﷺ لما أخبر ورقة بن نوفل ما رأى قال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً؛ إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : "أو مخرجي هم"؟ قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً"١. ولو أخذنا نذكر ما جرى على الأئمة طال الكلام. وقد ذكر الشيخ عبد اللطيف في كتابه (منهاج التأسيس في الرد على ابن جرجيس) كلاماً مفيداً يعلم منه السبب في معاداة الناس لجده الشيخ محمد، ولا بأس بذكره فإنه يرد به على الخصوم، قال عليه الرحمة: "أن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وكان الناس قبل مبعثه على أديان متفرقة، ونحل متباينة، وطرائق مختلفة، وضلال مستبين، كما في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار عن النبي ﷺ : "أن الله نظر إلى أهل

стр. 404

الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب". فقام ﷺ بأعباء النبوة والرسالة، وصدع بالإنكار على كافة أهل الجهالة والضلالة، ودعى الناس إلى معرفة الله تعالى وتوحيده، وأمرهم بإخلاص الدين لله وتجريده، ولم يزل ﷺ إلى الله داعياً، وإلى سبيله هادياً، حتى أظهره الله على سائر فرق المشركين، الأميين منهم والكتابيين، واستعلن الدين واستنار، وقهر الإسلام كل مشرك جبار، فأكمل الله للأمة الدين، وأتم النعمة بما جاء به رسوله الأمين، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، وأشرقت الأرض بنور النبوة واهتزت طرباً وابتهاجاً، ومحا الله آثار الأصنام والأوثان، وخمدت معابد الصلبان والنيران، ورفعت أعلام السنة والقرآن، حتى تركهم ﷺ على البيضاء ليلها كنهارها، لا يضل سالكها ولا تلتبس عليه مناهجها ومسالكها، ولم يزل خلفاؤه الراشدون ومن بعدهم من تلك الأعصار الفاضلة والقرون على هذا المنهج المنير متفقون، وبعروته مستمسكون، فاستمر الأمر على ذلك، ومضى الصالحون على تلك المناهج الواضحة والمسالك، ثم نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ولم يميز بين شعب الشرك والأصول الإسلامية، فانتقضت من الدين عراه، وعز خلاصه وعظمت بالجهال محنته وبلواه، وآلت الرياسة إلى الجهال والأغمار، وجاءت دولة غربة الدين واشتد الإدبار، فوقع الشرك بالصالحين وغيرهم صرفاً لم يشب، هرم عليه الكبير ونشأ الصغير وشب، واستحكم الأمر استحكاماً لا مزيد عليه، حتى جزم الأكثر بكفر من أنكر ذلك وأشير به إليه، وهذا من أعلام نبوة نبينا المصطفى، زاده الله تعالى صلاة وسلاماً وشرفاً، فقد روى الشيخان وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ١. وجاء نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وفيه زيادة: "وباعاً بباع" وفيه: "حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه، وحتى لو أن أحدهم

стр. 405

جامع أمه في الطريق لفعلتموه"١. وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه٢، وشداد بن أوس٣، وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده٤. فصار الأمر طبق ما أخبر به هذه الأمة نبيها، وظهر وجه الشبه بينهم وبينها، وانتهى الحال إلى أن قيل بالاتحاد والحلول، وكثرت في ذلك إشارات القوم والنقول، وصار هو مذهب الخاصة والخلاصة عند الأكثرين، ومن أنكره فهو عندهم ليس على شيء من العلم والدين، وعُبِدَتْ الكواكب والنجوم، وصُنّف في ذلك مثل أبي معشر وصاحب السر المكتوم، وعُظّمت القبور، وبُنيت عليها المساجد، وعُبدت تلك الضرائح والمشاهد، وجُعِلَتْ لها الأعياد الزمانية والمكانية، وصُرفت لها العبادات المالية والبدنية، ونُحِرَتْ لها النحائر والقرابين، وطاف بها الفوج بعد الفوج من الزائرين والسائلين، وحَلَقَتْ لأربابها رؤوس الوافدين، وهتف بدعائها ورجائها من حضر أو غاب من المعتقدين والمحبين، واعتمدوا عليها في المهمات من دون الله رب العالمين، وانتهكت بأعيادها وموالدها محظورات الشريعة والمحرمات، واسْتُبيح فيها ما اتفق على تحريمه جميع الشرائع والنبوات، وكثر المكاء والتصدية بتلك الفجاج والعرصات، وبارزوا بتلك القبائح والعظائم فاطر الأرض والسموات، وصنف في استحبابه بعض شيوخهم كابن المفيد، وظنه الأكثر من دين الإسلام والتوحيد، وأشير إلى من أنكره بالكفر الشديد، وقد ضمن الله تعالى لهذه الأمة أن لا تجتمع على ضلالة، وأن لا يزال فيها من يعبد الله تعالى قائماً على أي وصف وحالة، وجاء الحديث بأنه تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها أمر الدين، ويقوم من الحجة بالواضح المستبين، فمنهم من قص علينا نبؤه ووصل، ومنهم

стр. 406

من انقطع عنا خبره وما اتصل، وأحق أهل القرن الثاني عشر- عند من خبر الأمور وسبر، ووقف على ما قرره أهل العلم والأثر، من حصول الوصف الكاشف المعتبر- شيخ الإسلام والمسلمين، المجدد لما درس من أصول الملة والدين، السّلفي الأول- وإن تأخر زمانه- عند من عقل وتأمل؛ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى وأجزل له الثواب، وكان قيامه رحمه الله تعالى بعد الخمسين ومائة وألف من سني الهجرة المحمدية، وابتداء التواريخ الإسلامية، فشمر رحمه الله تعالى عن ساعدي جده واجتهاده، وأعلن بالنصح لله ولكتابه ولرسوله وسائر عباده، وصبر على ما ناقله من أعباء تلك الرتبة والدعوة، وما قصد به من أنواع المحنة والجفوة، وقرر رحمه الله تعالى أن الواقع الذي حكينا، والصنيع الذي رأينا وروينا، عن عباد القبور والصالحين، هو بعينه فعل الجاهلية الوثنيين، وهو الذي جاءت الرسل بمحوه وإبطاله، وتكفير فاعله ورد باطله ومحاله، وقال إن حقيقة دين الإسلام وزبدة ما جاءت به الرسل الكرام: هو إفراد الله تعالى بالقصد والعبادة، وإسلام الوجه له بالعمل والإرادة، وترك التعلق على الأولياء من دونه والأنداد، والبراءة من عبادة ما سواه من سائر المخلوقات والعباد، وهذا معنى كلمة الإخلاص والتوحيد، وهو الحكمة المقصودة بخلق جميع الكائنات والعبيد، وقرر ﵀ أن مجرد الإتيان بلفظ الشهادة مع مخالفة ما دلت عليه الأصول المقررة ومع الشرك الأكبر في العبادة لا يدخل المكلف في الإسلام، إذ المقصود من الشهادتين حقيقة الأعمال التي لا يقوم الإيمان بدونها، كمحبة الله وحده، والخضوع له، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وإفراده بالاستعانة، والاستغاثة فيما لا يقدر عليه سواه، وعدم الإشراك به فيما يستحقه من العبادات، كالذبح والنذر والتقوى والخشية ونحو ذلك من الطاعات. واستدل لذلك بنصوص قاطعة، وبراهين واضحة ساطعة، وحكى الإجماع على ذلك عن الأئمة الفضلاء، والسادة النبلاء، من سائر أهل الفقه والفتوى، وذكر عبارة من حكى الإجماع من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وألف في ذلك التأليف، وقرر الحجة وصنف التصانيف، وقد عارضه من الغلاة المارقين، ومن

стр. 407

الدعاة إلى عبادة الأولياء والصالحين أناس من أهل وقته، فباؤوا بغضب الله ومقته، وأظهره الله عليهم بعد الامتحان، وحقت كلمة ربك على أهل الكفر والطغيان، وهذه سنة الله التي قد خلت من قبل، وحكمته التي يظهر بها ميزان الفضل والعدل، وقد جمع أعداؤه شبهات في رد ما أبداه، وجحد ما قرره وأملاه، واستعانوا بملئهم من العجم والعرب، ونسبوه إلى ما يستحي من ذكره أهل العقل والأدب، فضلاً عن ذوي العلوم والرتب، وزعموا أنه خارجي مخالف للسنة والجماعة، كمقالة أسلافهم لرسول الله ﷺ أنه صابئي صاحب إفك وصناعة" انتهى ما قصدنا نقله من الكلام. ثم إن النبهاني عقد باباً رابعاً نقل فيه على زعمه أقوال علماء المذاهب الأربعة في الرد على ابن تيمية، والكلام على بعض كتبه، ومخالفته أهل السنة في بعض المسائل المهمة، ومنها اعتقاد الجهة في جانب الله تعالى وتقدس. قال: "فممن عاصره الإمام صدر الدين ابن الوكيل العروف بابن مرحل الشافعي١ وقد ناظره". أقول ومن الله المدد والإعانة: هذا الباب هو عمدة أبواب كتاب النبهاني وبيت قصيده، ولأجل ذكره ألّف كتابه، فإن الغلاة بغضهم لشيخ الإسلام ابن تيمية مما لا شبهة فيه، والنبهاني في هذا من حثالتهم وفضلاتهم، فلا شك أنه من أشد الناس عداوة لهذا الإمام، لأن غالب كتبه في الرد على المبتدعة وأهل الزيغ والضلال والإلحاد. ثم إنه ذكر ابن الوكيل قبل كل أحد من أعداء الشيخ لأنه كان عريقاً في البدع، مبغضاً للسنة النبوية، وكان من غلاة الشافعية أيضاً، وقعت بينه وبين شيخ الإسلام قدس الله روحه مناظرات، وقد أثار عليه فتناً كثيرة.

стр. 408

وقد رأيت أن أذكر ما كان من المناظرة بين الشيخ وخصومه ليتبين للناظر أعداؤه من محبيه، ورأيت رسالة من جملة "الرسائل الكبرى" التي طبعت حديثاً في مصر مشتملة على بيان مناظرته، ورأيت فيها تحريفاً كثيراً ونقصاناً، مع أن الشيخ ألف كتاباً فيما عقد له من المجالس وما جرى له فيها، فأحببت أن أذكر ما وجدته من ذلك، ليكون المصنف على بصيرة من أمره، وكلام صاحب الواقعة أصح من غيره، ولذلك أتحفت أهل العلم بذكرها لما اشتملت عليه من الفوائد الغزيرة، والمسائل الكثيرة.

стр. 409

(ذكر المجالس التي انعقدت لمناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية في عقيدته الواسطية) ١ (وهي من مصنفاته رضي الله تعالى عنه) قال بعد البسملة: "الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير ولا معين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي أرسله إلى الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وعلى سائر عباد الله الصالحين. أما بعد؛ فقد سئلت غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد، بمقتضى ما ورد من كتاب ذي السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد، لما سعى إليه قوم من الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد، فأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة، قضاة المذاهب الأربعة وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشايخ ممن له حرمة وبه اعتداد، وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة، فقال لي: هذا المجلس عقد

стр. 410

لك، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد، وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء ويتباحثون في ذلك. فقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله ﷺ وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم، وأما الكتب فما كتبت إلى أحد كتاباً ابتداء أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من سألني من أهل الديار المصرية وغيرهم، وكان قد بلغني أنه زوّر عليّ كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير أستاذ ذي السلطان يتضمن ذكر عقيدة محرفة ولم أعلم بحقيقته لكن علمت أنه مكذوب. وكان يرد علي من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في الاعتقاد فأجبته بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فقال: نريد أن تكتب لنا عقيدتك فقلت اكتبوا. فأمر الشيخ كمال الدين أن يكتب؛ فكتب له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر، ومسائل الإيمان، والوعيد، والإمامة، والتفضيل، وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة الإيمان بما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود، والإيمان بأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه أمر بالطاعة وأحبها ورضيها، وونهى عن المعصية وكرهها، والعبد فاعل حقيقة، والله خالق فعله، وأن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص، وأن لا نكفر أحداً من أهل القبلة بالذنوب، ولا نخلد في النار من أهل الإيمان أحداً، وأن أفضل الخلفاء بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ومن قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وذكرت هذا أو نحوه، فإني الآن قد بعد عهدي ولم أحفظ لفظ ما أمليته، لكنه كتب إذ ذاك.

стр. 411

ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقواماً يكذِبُونَ عليَّ كما قد كذبوا غير مرة، وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون كتم بعضه أو داهن ودارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة من نحو سبع سنين قبل أن يجيء التتر إلى لشام. وقلت قبل حضورها كلاماً قد بعد عهدي به، وغضضت غضباً شديداً، لكني أذكر أني قلت أنا أعلم أن أقواماً كذبوا عليَّ، وقالوا للسلطان أشياء وتكلمت بكلام احتجت إليه، مثل أن قلت من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيري، ومن الذي أوضح دلائله وبينه وجاهد أعداءه وأقامه لما مال حين تخلى عنه كل أحد، ولا أحد ينطق بحجته ولا أحد يجاهد عنه، وقمت مظهراً الحجة مجاهداً عنه مرغباً فيه، فإذا هؤلاء يطمعون في الكلام فيَّ فكيف يصنعون بغيري، ولو أن يهودياً طلب من السلطان الأنصاف لوجب عليه أن ينصفه، وأنا قد أعفو عن حقي وقد لا أعفو بل أطلب الأنصاف منه، وأن يحضر هؤلاء الذين يكذبون ليكافؤوا على افترائهم، وقلت كلاماً أطول من هذا الجنس لكن بعد عهدي به. فأشار الأمير إلى كاتب الدرج محي الدين بأن يكتب في ذلك، وقلت أيضاً: كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه، وما أدري هل قلت هذا قبل حضورها أو بعده، لكن قلت أيضاً بعد حضورها وقرائتها ما ذكرت فيها فصلاً إلا وفيه مخالف من المنتسبين إلى القبلة، وكل جملة فيها خلاف لطائفة من الطوائف، ثم أرسلت من أحضرها ومعه كراريس بخطي من المنزل، فحضرت العقيدة الواسطية، وقلت لهم: هذه كان سبب كتابتها أنه قدم عليَّ من أرض واسط بعض قضاة نواحيها شيخ يقال له رضي الدين الواسطي من أصحاب الشافعي، قدم علينا حاجاً وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد في دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته، فاستعفيت من ذلك، وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة فخذ بعض عقائد أئمة السنة، فألح في السؤال وقال ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت، فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر، وقد انتشرت بها نسخ

стр. 412

كثيرة في مصر والعراف وغيرهما، فأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا لرفع الريبة، وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين فقرأها على الحاضرين حرفاً حرفاً، والجماعة الحاضرون يسمعونها ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء، والأمير أيضاً سأل عن مواضع فيها، وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى ما قد علم الناس بعضه، وبعضه بسبب الاعتقاد وبعضه بغير ذلك، ولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات في هذه المجالس، فإنه كثير لا ينضبط لكن اكتب ملخص ما حضرني من ذلك مع بعد العهد بذلك، ومع أنه كان يجري رفع أصوات ولغط لا ينضبط. فكان مما اعترض عليه بعضهم لما ذكر في أولها: ومن الإيمان بالله؛ الإيمان بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل. فقال: ما المراد بالتحريف والتعطيل؟ ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي أثبته أهل التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره إما وجوباً وإما جوازاً، فقلت: تحريف الكلم عن مواضعه، كما ذمه الله تعالى في كتابه، وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى، مثل تأويل بعض الجهمية لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ١ جرحه بأظافير الحكمة تجريحاً، ومثل تأويلات القرامطة والباطنية وغيرهم من الجهمية والرافضة والقدرية وغيرهم، فسكت وفي نفسه ما فيها. وذكرت في غير هذا المجلس أني عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه، وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة، فبينت ما ذمه الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا إثبات، لأنه لفظ له عدة معان، كما بينته في موضعه من القواعد، فإن معنى لفظ التأويل في كتاب الله غير معنى لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين من أهل الأصول والفقه، وغير معنى [لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير] ،

стр. 413

وكان أحب إليّ من لفظ ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، وإن كان قد يعني بنفيه معنى تسمى تأويلاً ما هو صحيح منقول عن بعض السلف فلم أنف ما تقوم به الحجة على صحته، إذ ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن السلف فليس من التحريف. وقلت لهم أيضاً: ذكرت في النفي التمثيل ولم أذكر التشبيه لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه، حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١. وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ ٢. وكان أحب إليّ من لفظ ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، وإن كان قد يعنى بنفيه معنى صحيح كما قد يعني به معنى فاسد، ولما ذكرت أنهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه ويحرفون الكلم عن مواضعه ويلحدون في أسماء الله وآياته جعل بعض الحاضرين يتمعض من ذلك لاستشعاره ما في ذلك من الرد الظاهر عليه، ولكن لم يتوجه له ما يقوله، وأراد أن يدور بالأسئلة التي أعلمها فلم يتمكن لعلمه بالجواب. ولما ذكرت آية الكرسي أظنه سأل الأمير عن قولنا: لا يقر به شيطان حتى يصبح؛ وذكرت حديث أبي هريرة في الذي كان يسرق صدقة الفطر، وذكرت أن البخاري رواه في صحيحه٣. وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم، ويطنبون في هذا، ويعرضون لما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك. وقلت: قولي من غير تكييف ولا تمثيل ينفي كل باطل، وإنما اخترتُ هذين الاسمين لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف، كما قال ربيعة ومالك وابن عيينة وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" فاتفق هؤلاء السلف على أن التكييف غير معلوم لنا، فنفيت ذلك اتباعاً لسلف الأمة، وهو أيضاً منفيٌّ بالنص، فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف وحقيقة صفاته، وهذا من التأويل الذي

стр. 414

لا يعلمه إلا الله، كما قد قررت ذلك في قاعدة مفردة ذكرتها في التأويل، والفرق بين علمنا بمعنى الكلام وبين علمنا بتأويله. وكذلك التمثيل منفيّ بالنص، والإجماع القديم، مع دلالة العقل على نفيه ونفي التكييف، إذ كنه الباري غير معلوم للبشر، وذكرت في ضمن ذلك الخطأ الذي نقل أنه مذهب السلف وهو إجراء الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف؛ فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات تكييف. وقال أحد كبار المخالفين: فحينئذ يجوز أن يقال هو جسم لا كالأجسام. فقلت له أنا وبعض الفضلاء الحاضرين: إنما قيل أنه يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم حتى يلزم هذا السؤال. وأخذ بعض القضاة المعروفين بالديانة يريد إظهار أن ينفي عنا ما يقول وينسبه البعض إلينا فجعل يريد المبالغة في نفي التشبيه والتجسيم، فقلت: ذكرت فيها في غير موضع من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وقلت في صدرها: ومن الإيمان بالله؛ الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصف به رسوله محمد ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ثم قلت: وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك. إلى أن قلت: إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ بما أخبر به، فإن الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل هم وسط في فرق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط

стр. 415

في الأمم، فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية وبين أهل التمثيل المشبهة. ولما رأى هذا الحاكم العدل ممالأتهم وتعصّبهم، ورأى قلة العارف الناصر وخافهم؛ قال: أنت صنفت اعتقاد الإمام أحمد، فتقول هذا اعتقاد أحمد؟ يعني والرجل يصنف على مذهبه فلا يعترض عليه، فإن هذا مذهب متبوع، وغرضه بذلك قطع مخاصمة الخصوم. فقلت: ما جمعت إلا عقيدة السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا، والإمام أحمد إنما هو مبلغ العلم الذي جاء به النبي ﷺ ، ولو قال أحمد من تلقاء نفسه ما لم يجيء به الرسول لم نقبله، وهذه عقيدة سيدنا ومولانا محمد ﷺ . وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ حيث قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"- يخالف ما ذكرناه فأنا أرجع عن ذلك، وعلى أن آتي بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرناه، من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث والصوفية وغيرهم. وقلت أيضاً في غير هذا المجلس: الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه لما انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله ﷺ أكثر مما انتهى إلى غيره، وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره؛ كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره، فصار إماماً في السنة أظهر من غيره، وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة العلماء الصلحاء، قال: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل، يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من الزيادة أو البيان أو إظهار الحق ودفع الباطل ما ليس لبعض. ولما جاء فيها: وما وصف به النبي ﷺ ربه في الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل العلم بالقبول، ولما جاء حديث أبي سعيد- المتفق عليه في

стр. 416

الصحيحين عن النبي ﷺ : "يقول الله يوم القيامة: يا آدم؛ فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثاً إلى النار" الحديث-١ سألهم الأمير: هل الحديث صحيح؟ فقلت: نعم هو في الصحيحين، ولم يخالف في ذلك أحد، واحتاج المنازع إلى الإقرار به ووافق الجماعة على ذلك. وطلب الأمير الكلام في مسألة الحرف والصوت، لأن ذلك طلب منه، فقلت: هذا الذي يحكيه كثير من الناس عن الإمام أحمد وأصحابه أن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي- كما نقله مجد الدين الخطيب وغيره- كذب مفترى، لم يقل ذلك أحمد، ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم، وأخرجت كراساً قد أحضرته مع العقيدة فيه ألفاظ أحمد مما ذكره الشيخ أبو بكر الخلال في (كتاب السنة) عن الإمام أحمد، وما جمعه صاحبه أبو بكر المروزي من كلام الإمام أحمد، وكلام أئمة زمانه وسائر أصحابه، فإن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. قلت: وهذا هو الذي نقله الأشعري في كتاب "المقالات" عن أهل السنة وأصحاب الحديث. وقال: إنه يقول به. قلت: فكيف بمن يقول لفظي قديم؟ فكيف بمن يقوله صوتي غير مخلوق؟ فكيف بمن يقول صوتي قديم؟ ونصوص الإمام أحمد: في الفرق بين تكلم الله بصوت وبين صوت العبد، كما نقله البخاري صاحب الصحيح في كتاب (خلق أفعال العباد) وغيره من أئمة السنة. وأحضرت جواب مسألة، كنت سئلت عنها قديماً فيمن حلف بالطلاق في مسألة الحرف والصوت، ومسألة الظاهر في العرش، فذكرت من الجواب القديم في هذه المسألة وتفصيل القول فيها وإن إطلاق القول إن القرآن هو الحرف والصوت أو ليس بحرف ولا صوت كلاهما بدعة حدثت بعد المائة الثالثة، وقلت: هذا جوابي، وكانت هذه المسألة قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضراً في المجلس، فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم، وكانوا قد

стр. 417

ظنوا أنه إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله حصل مقصودهم من الشناعة، وإن أجبت بما يقولونه هم حصل مقصودهم من الموافقة، فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة وليس هو كما يقولونه هم ولا ما ينقلونه عن أهل السنة أو قد يقوله بعض الجهال بهتوا لذلك، وفيه أن القرآن كله كلام الله حروفه ومعانيه، ليس القرآن اسماً لمجرد الحروف ولا لمجرد المعاني. وقلت في ضمن الكلام لصدر الدين ابن الوكيل- لبيان كثرة تناقضه وأنه لا يستقر على مقالة واحدة، وإنما يسعى في الفتن والتفريق بين المسلمين- عندي عقيدة للشيخ أبي البيان فيها أن من قال إن حرفاً من القرآن مخلوق فقد كفر، وقد كتبت عليها بخطك أن هذا مذهب الشافعي وأئمة أصحابه، وأنك تدين الله بها، فاعترف بذلك، فأنكر عليه الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني ذلك. فقال ابن الوكيل: هذا نص الشافعي وراجعه في ذلك مراراً، فلما اجتمعنا في المجلس الثاني ذكر لابن الوكيل أن ابن درباس نقل في كتاب "الانتصار" عن الشافعي مثل ما نقلت، فلما كان في المجلس الثالث أعاد ابن الوكيل الكلام في ذلك، فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين بن الوكيل: قد قلت في ذلك المجلس للشيخ تقي الدين إنه من قال إن حرفاً من القرآن مخلوق فهو كافر، فأعاده مراراً، فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضباً شديداً ورفع صوته، وقال: هذا يكفّر أصحابنا المتكلمين الأشعرية، الذين يقولون إن حروف القرآن مخلوقة مثل إمام الحرمين وغيره، وما نصبر على تكفير أصحابنا، فأنكر ابن الوكيل أنه قال ذلك، وقال: ما قلت: إن من أنكر حرفاً من القرآن فقد كفر، فرد ذلك عليه الحاضرون، وقالوا: ما قلت إلا كذا وكذا، وقالوا: ما ينبغي لك أن تقول قولاً وترجع عنه. وقال بعضهم: ما قال هذا. فلما حرفوا؛ قال: ما سمعناه قال هذا، حتى قال نائب السلطان واحد يكذب، وآخر يشهد، والشيخ كمال الدين مغضب، فالتفت إلى قاضي القضاة نجم الدين الشافعي يستصرخه للانتصار على ابن الوكيل حيث كفر أصحابه، فقال القاضي نجم الدين: ما سمعت هذا، فغضب الشيخ كمال الدين وقال كلاماً لم أضبط لفظه إلا أن معناه: إن هذا غضاضة على الشافعي، وعار عليهم أن أئمتهم يكفرون ولا

стр. 418

ينتصر لهم، ولم أسمع من الشيخ كمال الدين ما قال في حق القاضي نجم الدين، واستثبت غيري ممن حضر هل سمع منه في حقه شيئاً فقالوا لا، لكن القاضي اعتقد أن التعبير لأجله ولكونه قاضي المذهب ولم ينتصر لأصحابه وأن الشيخ كمال الدين قصده بذلك فغضب قاضي القضاة نجم الدين، وقال اشهدوا عليّ أني عزلت نفسي، وأخذ يذكر ما يستحق به التقديم والاستحقاق وعفته عن التكلم في أعراض الجماعة، ويستشهد بنائب السلطان في ذلك، وقلت له كلاماً مضمونه تعظيمه واستحقاقه لدوام المباشرة في هذه الحال. ولما جاءت مسألة القرآن، ومن الإيمان به الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود؛ نازع بعضهم في كونه منه بدأ وإليه يعود وطلبوا تفسير ذلك. فقلت: أما هذا القول فهو المأثور الثابت عن السلف، مثل ما نقله عمرو بن دينار، قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق إلا القرآن؛ فإنه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. وقد جمع غير واحد ما في ذلك من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، كالحافظ أبي الفضل بن ناصر، والحافظ أبي عبد الله المقدسي. وأما معناه: فإن قولهم منه بدأ، أي: هو المتكلم به وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقوله الجهمية أنه خلق في الهواء أو غيره وبدا من عند غيره، وأما إليه يعود فإنه يسري به في آخر الزمان من المصاحف والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف، ووافق على ذلك غالب الحاضرين وسكت المنازعون. وخاطبت بعضهم في غير هذا المجلس بأن أريته العقيدة التي جمعها الإمام القادري وفيها: أنه كلام الله خرج منه، فتوقف في هذا اللفظ. فقلت: هكذا قال النبي ﷺ : "ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه" يعني القرآن١.

стр. 419

وقال خباب بن الأرت: يا هذا؛ تقرب إلى الله بما استطعت، فلن يتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه. وقال أبو بكر الصديق لما قرأ قرآن مسيلمة الكذاب: إن هذا الكلام لم يخرج من إلَّ؛ يعني: رب. وجاء فيها: ومن الإيمان به؛ الإيمان بأن القرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله تكلم به حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة، بل إذا قرأه الناس أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله، فإن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً. فتمعض بعضهم من إثبات كونه كلام الله حقيقة بعد تسليمه أن الله تعالى تكلم به حقيقة، ثم إنه سلم ذلك لما بين له أن المجاز يصح نفيه وهذا لا يصح نفيه، ولما بين له أن أقوال المتقدمين المأثورة عنهم وشعر الشعراء المضاف إليهم هو كلامهم حقيقة فلا يكون شبه القرآن بأقل من ذلك، فوافق الجماعة كلهم على ما ذكر في مسألة القرآن، وأن الله متكلم حقيقة، وأن القرآن كلام الله حقيقة لا كلام غيره. ولما ذكر فيها أن الكلام إنما يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئاً لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً؛ استحسنوا هذا الكلام وعظموه، وأخذ أكبر الخصوم يظهر تعظيم هذا الكلام كابن الوكيل وغيره، وأظهر الفرج بهذا التلخيص، وقال: إنك قد أزلت عنا هذه الشبهة، وشفيت الصدور، ويذكر شيئاً من هذا النمط. ولما جاء ما ذكر من الإيمان باليوم الآخر وتفصيله ونظمه استحسنوا ذلك وعظموه، وكذلك لما جاء ذكر الإيمان بالقدر وأنه على درجتين، إلى غير ذلك من القواعد الجليلة، وكذا لما جاء ذكر الكلام في الفاسق الملي وفي الإيمان، لكن اعترضه على ذلك بما سأذكره، وكان ما اعترض به المنازعون المعاندون بعد انقضاء قراءة جميعها والبحث فيها عن أربعة أسئلة. الأول: قولنا: ومن أصول الفرقة الناجية أن الإيمان والدين قول وعمل،

стр. 420

يزيد وينقص، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. قالوا: إذا قيل: إن هذا من أصول الفرقة الناجية خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل ذلك، مثل أصحابنا المتكلمين، الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق، ومن يقول الإيمان هو التصديق والإقرار، وإذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا هالكين. وأما الأسئلة الثلاثة؛ وهي التي كانت عمدتهم فأوردوها على قولنا: وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله الإيمان بما أخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسول الله ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه عليّ على خلقه، وهو معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١ وليس معنى قوله: (وهو معكم) أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته وهو موضوع في السماء وهو مع المسافر أينما كان وغير المسافر، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته، وكل هذا الكلام الذي ذكره الله تعالى من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة. السؤال الثاني: قال بعضهم: نقرّ باللفظ الوارد، مثل حديث س العباس، حديث الأوعال، والله فوق العرش، ولا نقول فوق السموات، ولا نقول على العرش استوى، ولا نقول مستو. وأعادوا هذا المعنى مراراً أن اللفظ الذي ورد يقال اللفظ بعينه، ولا يبدل بلفظ يرادفه، ولا يفهم له معنى أصلاً، ولا يقال إنه

стр. 421

يدل على صفة لله أصلاً، ويبسط الكلام في هذا في المجلس الثاني كما سنذكره إن شاء الله تعالى. السؤال الثالث: قالوا: التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء بكون القمر في السماء. السؤال الرابع: قالوا: قولك: حق على حقيقته؛ الحقيقة هي المعنى اللغوي، ولا نفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها، ولم تضع العرب ذلك إلا لها، فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم، ونفي التجسيم مع هذا تناقض ومصانعة. فأجبتهم عن الأسئلة؛ بأن قولي: اعتقاد الفرقة الناجية؛ هي الفرقة التي وصفها النبي ﷺ بالنجاة، حيث قال: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ١. فهذا الاعتقاد هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃، وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية، فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد وينقص. وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك. ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً، فإن المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد تكون هل من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجياً، وقد لا يكون ناجياً، كما يقال: "من صمت نجا". وأما السؤال الثاني؛ فأجبتهم أولاً: بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن

стр. 422

النبي ﷺ ، مثل لفظ فوق السموات، ولفظ على العرش، وفوق العرش. وقلت: اكتبوا الجواب، فأخذ الكاتب في كتابته، ثم قال بعض الجماعة قد طال المجلس اليوم فيؤخر هذا إلى مجلس آخر، وتكتبون أنتم الجواب وتحضرونه في ذلك المجلس، فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب، لئلا تنتشر أسئلتهم واعتراضهم، وكان الخصوم لهم غرض في تأخير كتابة الجواب، ليستعدوا لأنفسهم ويطالعوا ويحضروا من غاب من أصحابهم، ويتأملوا العقيدة فيما بينهم، ليتمكنوا من الطعن والاعتراض، فحصل الاتفاق أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة، وقمنا على ذلك، وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة ما أعز به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة. وفي نفوس كثير من الناس أمور لم تحدث في المجلس الثاني، وأخذا في تلك الأيام يتأملونها ما أجبت به في مسائل تتعلق بالاعتقاد مثل (المسألة الحموية في الاستواء والصفات الخبرية) وغيرها. قال عليه الرحمة: (فصل) فلما كان المجلس الثاني يوم الجمعة في اثني عشر رجب وقد أحضروا أكثر شيوخهم ممن لم يكن حاضراً ذلك المجلس، وأحضروا معهم زيادة صفي الدين الهندي، وقالوا: هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام، وبحثوا فيما بينهم، واتفقوا وتواطؤوا، وحضروا بقوة واستعداد للمخاطب الذي هو المسؤول والمجيب والمناظر. فلما اجتمعنا- وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة التي طلبوا تأخيره إلى اليوم- حمدت الله بخطبة الحاجة خطبة ابن مسعود ﵁، ثم قلت: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهانا عن الفرقة والاختلاف، وقال لنا في القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ٣.

стр. 423

وربنا واحد، وكتابنا واحد، ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت الأسرار، وهتكت الأستار، وبينت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور مالا أقوله في هذا المجلس، فإن للسلم كلاماً، وللحرب كلاماً. وقلت: لا شك أن الناس يتنازعون؛ يقول هذا: أنا حنبلي، ويقول هذا: أنا أشعري. ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها، وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته، وأحضرت كتاب (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري) ﵁، تأليف الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ﵀، وقلت: لم يصنف في أخبار الأشعري المحمودة كتاب مثل هذا، وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في كتابه (الإبانة) . فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة سأل الأمير عن معنى المعتزلة، فقلت: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملّي- وهو من أول اختلاف حدث في الملة- هل هو كافر أو مؤمن، فقالت الخوارج: إنه كافر، وقالت الجماعة: إنه مؤمن، وقالت طائفة: تقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر، ننزله منزلة بين المنزلتين، وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه رحمه الله تعالى فسموا معتزلة. وقال الشيخ الكبير بجبته وردائه: ليس كما قلت، ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون مسألة الكلام، وسمي المتكلمون متكلمين لأجل تكلمهم في ذلك، وكان أول من قالها عمرو بن عبيد، ثم خلف بعد موته عطاء بن واصل. هكذا قال، وذكر نحواً من هذا. فغضبت عليه، وقلت: أخطأت؛ وهذا كذب مخالف للإجماع. وقلت له:

стр. 424

لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب. ثم قلت: الناس اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون، وبعدها في أواخر المائة الثانية، وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير من زمن عمرو بن عبيد بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية، ولم يكن أولئك قد تكلموا في مسألة الكلام ولا تنازعوا فيها، وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل الأسماء والأحكام والوعيد. فقال: هذا ذكره الشهرستاني في كتاب (الملل والنحل) فقلت الشهرستاني ذكره في اسم المتكلمي لِمَ سموا متكلمين، لم يذكره في اسم المعتزلة، والأمير إنما سأل عن اسم المعتزلة. وأنكر الحاضرون عليه وقالوا: غلطت. وقلت في ضمن كلام: أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها. وأيضاً فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين، فإن المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء إنه متكلم، ويصفونه بالكلام، ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام، وقلت أنا وغيري: إنما هو واصل بن عطاء، أي: لا عطاء بن واصل كما ذكره المعترض. قلت: وواصل لم يكن بعد موت عمرو بن عبيد وإنما كان قرينه، وقد روي أن واصلاً تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد: لو بعث نبياً ما كان يتكلم بأحسن من هذا. وفصاحته مشهورة؛ حتى قيل: إنه كان ألثغ وكان يحترز عن الراء، حتى قيل له أمر الأمير أن يحفر بئر، فقال: أوعز القائد أن يقلب قليب. ولما انتهى الكلام إلى ما قاله الأشعري قال الشيخ المقدم فيهم: لا ريب أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر من أكبر أئمة الإسلام لكن قد انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء، فقلت: أما هذا فحق، وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام هو منهم بريء، قد انتسب إلى مالك أناس مالك بريء منهم، وانتسب إلى الشافعي أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى أبي حنيفة

стр. 425

أناس هو بريء منهم، وقد انتسب إلى موسى ﵇ أناس هو منهم بريء، وانتسب إلى عيسى ﵇ أناس هو منهم بريء، وقد انتسب إلى علي بن أبي طالب أناس هو بريء منهم، ونبينا ﷺ قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملحدة والمنافقين من هو بريء منهم. وذكر في كلامه أنه انتسب إلى أحمد من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلام. فقلت: المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، هؤلاء أصناف: الأكراد كلهم شافعية وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية، قلت: وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم، وكان من تمام الجواب أن الكرامية المجسمة كلهم حنفية. وتكلمت على لفظ الحشوية -ما أدري جواباً عن سؤال الأمير أو غيره أو غير جواب- فقلت هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة، فإنهم يسمون الجماعة والسواد الأعظم الحشو، كما تسميهم الرافضة الجمهور١، وحشو الناس هم عموم الناس وجمهورهم، وهم غير الأعيان المتميزين، يقولون هذا من حشو الناس، كما يقال هذا من جمهورهم، وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد، قال: كان عبد الله بن عمر ﵁ حشوياً، فالمعتزلة سموا الجماعة حشواً كما تسميهم الرافضة الجمهور. وقلت- لا أدري في المجلس الأول أو الثاني- أول من قال إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي. وقلت لهذا الشيخ: من في أصحاب الإمام أحمد ﵀ حشوي بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم، أبو داود، المروزي، الخلال، أبو بكر عبد العزيز، أبو الحسن التميمي، ابن حامد، القاضي أبو يعلى، أبو الخطاب، ابن عقيل؟ ورفعت
следующие страницы →