يدل على صفة لله أصلاً، ويبسط الكلام في هذا في المجلس الثاني كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
السؤال الثالث: قالوا: التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء بكون القمر في السماء.
السؤال الرابع: قالوا: قولك: حق على حقيقته؛ الحقيقة هي المعنى اللغوي، ولا نفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها، ولم تضع العرب ذلك إلا لها، فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم، ونفي التجسيم مع هذا تناقض ومصانعة.
فأجبتهم عن الأسئلة؛ بأن قولي: اعتقاد الفرقة الناجية؛ هي الفرقة التي وصفها النبي ﷺ بالنجاة، حيث قال: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي" ١. فهذا الاعتقاد هو المأثور عن النبي ﷺ وأصحابه ﵃، وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية، فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد وينقص. وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضر في ذلك.
ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكاً، فإن المنازع قد يكون مجتهداً مخطئاً يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد تكون هل من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجياً، وقد لا يكون ناجياً، كما يقال: "من صمت نجا".
وأما السؤال الثاني؛ فأجبتهم أولاً: بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن
стр. 422
النبي ﷺ ، مثل لفظ فوق السموات، ولفظ على العرش، وفوق العرش. وقلت: اكتبوا الجواب، فأخذ الكاتب في كتابته، ثم قال بعض الجماعة قد طال المجلس اليوم فيؤخر هذا إلى مجلس آخر، وتكتبون أنتم الجواب وتحضرونه في ذلك المجلس، فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب، لئلا تنتشر أسئلتهم واعتراضهم، وكان الخصوم لهم غرض في تأخير كتابة الجواب، ليستعدوا لأنفسهم ويطالعوا ويحضروا من غاب من أصحابهم، ويتأملوا العقيدة فيما بينهم، ليتمكنوا من الطعن والاعتراض، فحصل الاتفاق أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة، وقمنا على ذلك، وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة ما أعز به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة.
وفي نفوس كثير من الناس أمور لم تحدث في المجلس الثاني، وأخذا في تلك الأيام يتأملونها ما أجبت به في مسائل تتعلق بالاعتقاد مثل (المسألة الحموية في الاستواء والصفات الخبرية) وغيرها.
قال عليه الرحمة: (فصل) فلما كان المجلس الثاني يوم الجمعة في اثني عشر رجب وقد أحضروا أكثر شيوخهم ممن لم يكن حاضراً ذلك المجلس، وأحضروا معهم زيادة صفي الدين الهندي، وقالوا: هذا أفضل الجماعة وشيخهم في علم الكلام، وبحثوا فيما بينهم، واتفقوا وتواطؤوا، وحضروا بقوة واستعداد للمخاطب الذي هو المسؤول والمجيب والمناظر. فلما اجتمعنا- وقد أحضرت ما كتبته من الجواب عن أسئلتهم المتقدمة التي طلبوا تأخيره إلى اليوم- حمدت الله بخطبة الحاجة خطبة ابن مسعود ﵁، ثم قلت: إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف، ونهانا عن الفرقة والاختلاف، وقال لنا في القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ ٢ وقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ٣.
стр. 423
وربنا واحد، وكتابنا واحد، ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله، وإلا فمن خالفني بعد ذلك كشفت الأسرار، وهتكت الأستار، وبينت المذاهب الفاسدة التي أفسدت الملل والدول، وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأعرفه من الأمور مالا أقوله في هذا المجلس، فإن للسلم كلاماً، وللحرب كلاماً. وقلت: لا شك أن الناس يتنازعون؛ يقول هذا: أنا حنبلي، ويقول هذا: أنا أشعري. ويجري بينهم تفرق وفتن واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها، وأنا قد أحضرت ما يبين اتفاق المذاهب فيما ذكرته، وأحضرت كتاب (تبيين كذب المفتري فيما ينسب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري) ﵁، تأليف الحافظ أبي القاسم ابن عساكر ﵀، وقلت: لم يصنف في أخبار الأشعري المحمودة كتاب مثل هذا، وقد ذكر فيه لفظه الذي ذكره في كتابه (الإبانة) .
فلما انتهيت إلى ذكر المعتزلة سأل الأمير عن معنى المعتزلة، فقلت: كان الناس في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق الملّي- وهو من أول اختلاف حدث في الملة- هل هو كافر أو مؤمن، فقالت الخوارج: إنه كافر، وقالت الجماعة: إنه مؤمن، وقالت طائفة: تقول هو فاسق لا مؤمن ولا كافر، ننزله منزلة بين المنزلتين، وخلدوه في النار، واعتزلوا حلقة الحسن البصري وأصحابه رحمه الله تعالى فسموا معتزلة.
وقال الشيخ الكبير بجبته وردائه: ليس كما قلت، ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون مسألة الكلام، وسمي المتكلمون متكلمين لأجل تكلمهم في ذلك، وكان أول من قالها عمرو بن عبيد، ثم خلف بعد موته عطاء بن واصل.
هكذا قال، وذكر نحواً من هذا.
فغضبت عليه، وقلت: أخطأت؛ وهذا كذب مخالف للإجماع. وقلت له:
стр. 424
لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب.
ثم قلت: الناس اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون، وبعدها في أواخر المائة الثانية، وأما المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير من زمن عمرو بن عبيد بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية، ولم يكن أولئك قد تكلموا في مسألة الكلام ولا تنازعوا فيها، وإنما أول بدعتهم تكلمهم في مسائل الأسماء والأحكام والوعيد. فقال: هذا ذكره الشهرستاني في كتاب (الملل والنحل) فقلت الشهرستاني ذكره في اسم المتكلمي لِمَ سموا متكلمين، لم يذكره في اسم المعتزلة، والأمير إنما سأل عن اسم المعتزلة. وأنكر الحاضرون عليه وقالوا: غلطت.
وقلت في ضمن كلام: أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها. وأيضاً فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين، فإن المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء إنه متكلم، ويصفونه بالكلام، ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام، وقلت أنا وغيري: إنما هو واصل بن عطاء، أي: لا عطاء بن واصل كما ذكره المعترض.
قلت: وواصل لم يكن بعد موت عمرو بن عبيد وإنما كان قرينه، وقد روي أن واصلاً تكلم مرة بكلام فقال عمرو بن عبيد: لو بعث نبياً ما كان يتكلم بأحسن من هذا. وفصاحته مشهورة؛ حتى قيل: إنه كان ألثغ وكان يحترز عن الراء، حتى قيل له أمر الأمير أن يحفر بئر، فقال: أوعز القائد أن يقلب قليب.
ولما انتهى الكلام إلى ما قاله الأشعري قال الشيخ المقدم فيهم: لا ريب أن الإمام أحمد إمام عظيم القدر من أكبر أئمة الإسلام لكن قد انتسب إليه أناس ابتدعوا أشياء، فقلت: أما هذا فحق، وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام هو منهم بريء، قد انتسب إلى مالك أناس مالك بريء منهم، وانتسب إلى الشافعي أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى أبي حنيفة
стр. 425
أناس هو بريء منهم، وقد انتسب إلى موسى ﵇ أناس هو منهم بريء، وانتسب إلى عيسى ﵇ أناس هو منهم بريء، وقد انتسب إلى علي بن أبي طالب أناس هو بريء منهم، ونبينا ﷺ قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملحدة والمنافقين من هو بريء منهم.
وذكر في كلامه أنه انتسب إلى أحمد من الحشوية والمشبهة ونحو هذا الكلام.
فقلت: المشبهة والمجسمة في غير أصحاب الإمام أحمد أكثر منهم فيهم، هؤلاء أصناف: الأكراد كلهم شافعية وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنف آخر وأهل جيلان فيهم شافعية وحنبلية، قلت: وأما الحنبلية المحضة فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم، وكان من تمام الجواب أن الكرامية المجسمة كلهم حنفية.
وتكلمت على لفظ الحشوية -ما أدري جواباً عن سؤال الأمير أو غيره أو غير جواب- فقلت هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة، فإنهم يسمون الجماعة والسواد الأعظم الحشو، كما تسميهم الرافضة الجمهور١، وحشو الناس هم عموم الناس وجمهورهم، وهم غير الأعيان المتميزين، يقولون هذا من حشو الناس، كما يقال هذا من جمهورهم، وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد، قال: كان عبد الله بن عمر ﵁ حشوياً، فالمعتزلة سموا الجماعة حشواً كما تسميهم الرافضة الجمهور.
وقلت- لا أدري في المجلس الأول أو الثاني- أول من قال إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي.
وقلت لهذا الشيخ: من في أصحاب الإمام أحمد ﵀ حشوي بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم، أبو داود، المروزي، الخلال، أبو بكر عبد العزيز، أبو الحسن التميمي، ابن حامد، القاضي أبو يعلى، أبو الخطاب، ابن عقيل؟ ورفعت
стр. 426
صوتي، وقلت سمّهم، قل لي من هم؟ من هم؟ أبكذب ابن الخطيب وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟ كما نقل هو وغيره عنهم أنهم يقولون إن القرآن القديم هو أصوات القارئين ومداد الكاتبين، وإن الصوت والمداد قديم أزلي من قال هذا؟ وفي أيّ كتاب وجد هذا عنهم قل لي؟ وكما نقل عنهم أن الله لا يرى في الآخرة باللزوم الذي ادعاه والمقدمة التي نقلها، وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ من أنه كبير الجماعة وشيخهم وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه.
وأمرت بقراءة العقيدة جميعها عليه، فإنه لم يكن حاضراً في المجلس الأول، وإنما أحضروه في الثاني انتصاراً، وحدثني الثقة عنه بعد خروجه من المجلس؟ أنه اجتمع به وقال له: أخبرني عن هذا المجلس فقال: ما لفلان ذنب ولا لي، فإن الأمير سأل عن شيء فأجابه عنه فظننته سأل عن شيء آخر، وقال: قلت أنتم مالكم على الرجل اعتراض، فإنه نصر ترك التأويل وأنتم تنصرون قول التأويل، وهما قولان للأشعري وقال: أنا أختار قول ترك التأويل، وأخرج وصيته التي أوصى بها وفيها قولي ترك التأويل.
قال الحاكي لي: فقلت له بلغني عنك أنك قلت في آخر المجلس لما أشهد الجماعة على أنفسهم بالموافقة لا تكتبوا عني نفياً ولا إثباتاً فلم ذاك؟ فقال: لوجهين: (أحدهما) : أني لم أحضر قراءة جميع العقيدة في المجلس الأول. (والثاني) : لأن أصحابي طلبوني لينتصروا بي فما كان يليق أن أظهر مخالفتهم فسكت عن الطائفتين.
وأمرت غير مرة أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ، فرأى بعض الجماعة أن ذلك تطويل، وأنه لا يقرأ عليه إلا الموضع الذي لهم عليه سؤال، وأعظموه لفظ الحقيقة، فقرأوه عليه، فذكر هو بحثاً حسناً يتعلق بدلالة اللفظ، فحسنته ومدحته عليه، وقلت: لا ريب أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة، وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف، ولو نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك فلا ريب أن الله موجود
стр. 427
والمخلوق موجود، ولفظ الوجود سواء كان مقولاً عليهما بطريق الاشتراك الاشتراك اللفظي، أو بطريق التواطىء المتضمن للاشتراك لفظاً ومعنى، أو بالتشكيك الذي هو نوع من التواطىء، فعلى كل قول فالله موجود حقيقة، والمخلوق موجود حقيقة، ولا يلزم من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور، ولم أر أرجح في ذلك المقال قولاً من هذه الثلاثة على الآخر، لأن غرضي تحصل على كل مقصودي، وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته، فإنه قبل المجلس الثاني اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية وغيرهم من عظم خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه وخافوا على نفوسهم أيضاً من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته، ولم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها صارت فرقة وتعصب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم بما في ذلك من تمكن أعداؤهم من اعتراضهم، فإذا كان من أئمة مذهبهم من يقول ذلك وقامت عليه الحجة وبان أنه مذهب السلف أمكنهم إظهار القول به ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق، حتى قال بعض الأكابر من الحنفية- وقد اجتمع بي- لو قلت هذا مذهب أحمد وتثبت ذلك لانقطع النزاع، ومقصوده أنه يحصل دفع الخصوم عنك بأنه مذهب متبوع ويستريح المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة، فقلت: لا والله ليس لأحمد بن حنبل في هذا اختصاص، وإنما هذا اعتقاد سلف الأمة وأئمة أهل الحديث، وقلت أيضاً هذا: اعتقاد رسول الله ﷺ ، وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به آية أو حديثاً أو إجماعاً سلفياً، وأذكر من ينقل الإجماع عن السلف من جميع طوائف المسلمين والفقهاء الأربعة والمتكلمين وأهل الحديث والصوفية، وقلت لمن خاطبني من أكابر الشافعية لا تبين أن ما ذكرته هو قول السلف وقول أئمة أصحاب الشافعي وأذكر قول الأشعري وأئمة أصحابه التي ترد على هؤلاء الخصوم، ولينتصرن كل شافعي وكل من قال بقول الأشعري الموافق لمذهب السلف، وأبين
стр. 428
أن القول المحكي عنه في تأويل الصفات الخبرية قول لا أصل له في كلامه، وإنما هو قول طائفة من أصحابه، فللأشعرية قولان ليس للأشعري قولان.
فلما ذكرت في المجلس أن جميع أسماء الله التي سمي بها المخلوق كلفظ الوجود الذي هو مقول بالحقيقة على الواجب والممكن على الأقوال الثلاثة: تنازع كبيران هل هو مقول بالاشتراك أو بالتواطىء؟ فقال أحدهما هو متواطىء، وقال الآخر هو مشترك لتلازم التركيب، وقال هذا قد ذكر فخر الدين أن هذا النزاع مبني على أن وجوده هل هو عين ماهيته أم لا؟ فمن قال وجود كل شيء عين ماهيته قال إنه مقول بالاشتراك، ومن قال إن وجوده قدر زائد على ماهيته قال إنه مقول بالتواطىء، فقال الثاني مذهب الأشعري وأهل السنة أن وجوده عين ماهيته، فأنكر الأول ذلك فقلت: أما متكلموا أهل السنة فعندهم أن وجود كل شيء عين ماهيته، وأما القول الآخر فهو قول المعتزلة أن وجود كل شيء قدر زائد على ماهيته، وكل منهما أصاب من وجه، فإن الصواب أن هذه الأسماء مقولة بالتواطىء كما قد قررته في غير هذا الموضع، وأجبت عن شبهة التركيب بالجوابين المعروفين، وأما بناء ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيته أو ليس عينه فهو من اللغط المضاف إلى ابن الخطيب، فأنا وإن قلنا أن وجود الشيء عين ماهيته لا يجب أن يكون الاسم مقولاً عليه وعلى نظيره بالاشتراك اللفظي فقط، كما في جميع أسماء الأجناس، فإن اسم السواد مقول على هذا السواد وهذا السواد بالتواطىء، وليسر هذا السواد عين هذا السواد، إذ الاسم دال على القدر المشترك بينهما وهو المطلق الكلي، لكنه لا يوجد مطلقاً بشرط الإطلاق إلا في الذهن، ولا يلزم من ذلك نفي القدر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج، فإنه على ذلك تنتفي الأسماء المتواطئة وهي جمهور الأسماء في الغالب، وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق على الشيء وعلى كل ما أشبهه، سواء كان اسم عين أو اسم صفة، جامداً أو مشتقاً، وسواء كان جنساً منطقياً أو فقهياً أو لم يكن، بل اسم الجنس في اللغة يدخل فيه الأجناس والأصناف والأنواع ونحو ذلك، وكلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة.
стр. 429
وطلب بعضهم إعادة قراءة الأحاديث المذكورة في العقيدة ليطعن في بعضها فعرفت مقصوده، فقلت: كأنك قد استعددت للطعن في حديث الأوعال١ حديث العباس بن عبد المطلب -وكانوا قد تعبوا حتى ظفروا بما تكلم به زكي الدين عبد العظيم من قول البخاري في تاريخه: عبد الله بن عمرة لا يعرف له سماع من الأحنف- فقلت: هذا الحديث- مع أنه رواه أهل السنن كأبي داود وابن ماجه والترمذي وغيرهم فهو- مروي من طريقين من مشهورين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر. فقال: أليس مداره على ابن عميرة وقد قال البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف؟ فقلت: قد رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في (كتاب التوحيد) الذي اشترط فيه أنه لا يحتج فيه إلا بما نقله العدل عن العدل موصولاً إلى النبي ﷺ ، قلت: والإثبات مقدم على النفي، والبخاري إنما نفى معرفة سماعه من الأحنف لم ينف معرفة الناس بهذا، فإذا عرف غيره ما ثبت به الإسناد كانت معرفته وإثباته مقدماً على نفي غيره وعدم معرفته، ووافق الجماعة على ذلك، وأخذ بعض الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق أن أحكيه، وأخذوا يناظرون في أشياء لم تكن
стр. 430
في العقيدة، ولكن إنما تعلقوا بما أجبت به في مسائل وله تعلق بما قد يفهمونه من العقيدة.
فأحضر بعض أكابرهم (كتاب الأسماء والصفات) للبيهقي رحمه الله تعالى، فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السلف، فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١. فقال: نعم، قد قال مجاهد والشافعي: يعني قبلة الله. فقلت: نعم هذا صحيح عن مجاهد والشافعي وغيرهما وهذا حق، وليست هذه آية من آيات الصفات، ومن عدها في الصفات فقد غلط كما فعل طائفة، فإن سياق الكلام يدل على المراد حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والمشرف والمغرب الجهات، والوجه هو الجهة، يقال أي وجه تريد: أيّ: أقي جهة، وأنا أريد هذا الوجه أي هذه الجهة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ٢ ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أي تستقبلوا وتتوجهوا" انتهى.
هذا ما وجدناه منقولاً عمن نقل من خط المصنف شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه. وغرضنا من نقله أن يتبين للناظر في هذا الكتاب أن من ينقل عنهم الغبي النبهاني من مطاعن الشيخ كصدر الدين ابن الوكيل، وابن الزملكاني، وصفي الدين الهندي، والعز بن جماعة، والسبكي، ونحوهم من غلاة الشافعية، كلهم كانوا خصوماً ألدّاء للشيخ، فلا يلتفت إلى قدحهم وجرحهم. والشيخ قد كابد منهم ما كابد، وهؤلاء وأضرابهم الذين شيدوا أركان البدع، ونفثوا سم ضلالهم في أفواه متّبعيهم قاتلهم الله أجمعين، على أن ما ذكر في هذه المناظرة تنفع في مباحث كثيرة تأتي إن شاء الله، وبها يرتدع الخصم الألد.
قال النبهاني: "ومنهم الإمام أبو حيان وكان صديقاً له، فلما اطلع على بدعه رفضه رفضاً بتاً وحذّر الناس منه".
стр. 431
أقول: نعم، كان الشيخ أبو حيان من المثنين على ابن تيمية بالثناء الحسن الجميل، وله شعر جيد في مدحه نذكره في مناقبه المنقولة عن الشيخ مرعي الحنبلي١. وما ذكره من الرفض لم نعلمه ممن يوثق به، نعم ذكر الإمام الذهبي أنه بعد أن مدحه دار بينهما كلام، فجرى ذكر سيبويه، فأغلظ الشيخ ابن تيمية القول في سيبويه، فناظره أبو حيان بسببه، ثم عاد ذاماً له، وصيّر ذلك ذنباً لا يغفر.
ويقال: إن ابن تيمية قال له: ما كان سيبويه نبي النحو، ولا معصوماً، بل أخطأ في الكتاب في ثمانين موضعاً ما تفهمها أنت، فكان ذلك سبب مقاطعته إياه، وذكره في "تفسيره البحر" بكل سوء، وكذا في مختصره "النهر". انتهى ٢.
فمثن الممكن أن يقع بين العلماء مثل ذلك، ولكن من المعلوم أن طعن أبي حيان إنما كان بعد تخطئة ابن تيمية له والحط على سيبويه، وما ذكره النبهاني الجاهل أن رفضه كان بعد أن اطلع على بدعه قول ساقط، والسبب الذي كان من أجله المنافرة قد ذكره أهل العلم، وأي بدعة تنسب للشيخ تقي الدين حتى يهجره بسببها أبو حيان النحوي؟ وما ذهب إليه من الاختيارات كلها مبرهنة بالكتاب والسنة، كما في كتاب (الاختيارات) . ولكن النبهاني الجاهل الغافل ظن ذلك هيعة فطار إليها، ثم إن من مدح وذم فقد كذب مرتين، على أن قدح المعاصر معلوم حاله، والرجل ليس من أهل الجرح والتعديل حتى يعوّل عليه.
قال النبهاني: "ومنهم الإمام عز الدين بن جماعة رد عليه وشنّع عليه كثيراً".
جوابه: أن العز هذا كان من أعظم خصوم الشيخ وحسدته، وكانت أقواله في الشيخ تقي الدين وبهتانه عليه من أنكى سلاح ابن حجر المكي في الطعن على أهل
стр. 432
التوحيد وأعداء الغلاة. وقد عقد ابن السبكي ترجمة له في "طبقاته" فلا نتعب القلم بها.
قال النبهاني: ومنهم الإمام كمال الدين الزملكاني الشافعي المتوفي سنة سبع وعشرين وسبعمائة، ثم نقل ترجمته عن تاريخ ابن الوردي والثناء عليه، ثم نقل عن كتاب "كشف الظنون " كتاب "الدرة المضية في الرد على ابن تيمية" قال: وقد ناظره في مسائله التي شذّ بها عن المذاهب الأربعة. ثم قال: ومن أشنعها مسألة منعه شد الرحل وإعمال المطي لزيارة القبور، ومنعه الاستغاثة بغير الله، ثم أورد له أبياتاً التجأ فيها بغير الله" إلى آخر ما قال.
جوابه: أن كمال الدين هذا قد سبق ذكره في مجالس المناظرة، وأنه أحد خصوم الشيخ تقي الدين، ومثله لا يرجى منه أن يثني عليه، ومع ذلك فقد أثنى عليه كل الثناء، وسيأتي بيانه عند الكلام على مناقب الشيخ عليه الرحمة، ثم إن الرد على بعض مسائل ابن تيمية لا يقتضي الجرح فيه، فمن المعلوم ما ألف من الردود على العلماء والمجتهدين، هؤلاء الأئمة الأربعة كم ردوا عليهم وكم خالفهم من مخالف، حتى أن أصحاب الأئمة يردون على أئمتهم، ولم يقل أحد إن كل من يرد عليه كلامه يكون من المبتدعين والسالكين غير سبيل المؤمنين، كما يزعمه هذا الغبي وأضرابه من غلاة الشافعية.
قال النبهاني: ومنهم الإمام الكبير الشهير تقي الدين السبكي، ثم نقل عنه عبارته التي في كتاب (شفاء السقام) المشتملة على القدح في شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها قوله: وحسبك أن إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل قول لم يقله عالم قبله، وصار به بين أهل الإسلام مثله. إلى آخر ما قال مما هو على هذا المنوال.
أقول في الجواب عن هذا الهذيان والكلام العاري عن الدليل والبرهان: إن السبكي هذا شيخ أعداء ابن تيمية وعميدهم، وعليه يعتمد الطاعنون شقيهم وسعيدهم، والمناظرات التي كانت بين السبكي وبين الشيخ قد ملأت الدفاتر،
стр. 433
ونفذت منها المحابر، وما هذى به السبكي في حق الشيخ كله قد رد عليه وعاد وباله إليه، وما كتبه في مسألة الطلاق من الاعتراض قد رد شيخ الإسلام بمجلدات رأى ابن السبكي منها مجلداً. "وشفاء السقام" رد عليه الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي، وبرد السبكي على الشيخ في المسألتين السابقتين لم يزل يفتخر على أهل الحق نظمأ ونثراً، ومن نظمه في ذلك ما قاله في أبياته المشهورة:
لو كان حياً يرى قولي ويسمعه ... رددت ما قال رداً غير مشتبه
كما رددت عليه في الطلاق وفي ... ترك الزيارة أقفو أثر سبسبه
وبعده لا أرى للرد فائدة ... هذا وجوهره مما أضن به
والرد يحسن في حالين واحدة ... لقطع خصم قوي في تغلبه
وحالة لانتفاع الناس حيث به ... هدى وربح لديهم في تكسبه
وما أحسن ما رد عليه الإمام أبو المظفر الحنبلي معارضاً لأبياته هذه:
وقلت من بعد هذا قول ذي حسد ... أخطأ الهدي وتجارى في تنكبه
لو كان حياً يرى قولي ويسمعه ... رددت ما قال رداً غير مشتبه
كما رددت عليه في الطلاق وفي ... ترك الزيارة أقفو أثر سبسبه
فضحت نفسك في هذا المقال ولم ... تشعر وعجت عن المرعى وأخصبه
عرفتنا أن ما قد قلت ليس لوجـ ... ـه لله بل للمرا أقبح بمنصبه
إذ لو أردت بيان الحق فهت به ... في محضر الخصم إما في مغيبه
ما ذاك صدك بل خوف الجواب كما ... أجبت قبل بسهم من مصوبه
ذا شأن من لم يجرد صارماً ذكراً ... ماضي الغرارين غضباً من مجربه
لكن إذا الأسد الضرغام غاب عن الـ ... ـعرين تسمع فيه ضج ثعلبه
كذا الجبان خلا في البر صاح ألا ... مبارزٌ وتغالى في توثبه
ولو سمعت جواب الرد رحت فتى ... من أعظم الخلق عن جرم وأتوبه
وقد كفاني أبو العباس كلفته ... كذا أرحت لساني غير متعبه
ووافقته سراة الناس عن كثب ... من أهل مذهبه أو غير مذهبه
стр. 434
من أهل بغداد والآيات شاهدة ... لهم وللحق مصباح يبين به
عبت الذي قال ما فيه الخلاف من إيـ ... ـقاع الثلاث ولو أفتى بأغربه
وقلت تنكح زوجاً غيره ونكا ... حها مع الخلف باق في تذبذبه
وكيف تنكح من لم تبر عصمتها ... بلا خلاف لشخص مع تجنبه
وفي الزيارة لم تنصف رددت على ... ما لم يقله ولم تمرر بسبسبه
رداً ملخصه أشياء أذكرها ... إما حديث ضعيف عند مطلبه
إما صحيح ولكن لا دليل به ... على مرادك بل هدم لمنصبه
إما بمجمل لفظ قول خصمك من ... أقوى المقال به قسراً وأصوبه
إما بلا علم لي والجهل غايته ... أيعذر الشخص فيما لا أحاط به
فأي رد لعمري قد رددت وما ... ذا قلت إذ قلت أقفو أثر سبسبه
إن كان عندك في شد الرحال إلى الـ ...
ـقبور نقل فعارضه بموكبه
ليعرف الحق من كان أخا نظر ... خال عن العلم ناء عن تعصبه
أنى وذلك كالعنقاء في عدم ... وكالسمندل يحكي مع تغيبه
ما أنت إلا كما قد قيل في مَثَلٍ ... خَالِفْ لتُعْرَف مشهور لضرّبه
فشيخنا بصريح الحق حجته ... ونقد نقلك زيف في تقلبه
فمن أحق بحق القول أن ظهر الـ ... إنصاف مرتفعاً من فوق مرقبه
وقلت ما بعده للرد فائدة ... هذا وجوهره مما أضن به
ماذا الكلام وما معناه قله لنا ... أمدح أم هجو أعرب عن معربه
ما ذلك الجوهر المضنون ويحك هل ... تعني به الشيخ أو رداً لمذهبه
فإن يك ماذا الطعن فيه أو الـ ... ـجواب عن قوله نور بغيهبه
والرد يحسن في حالين واحدة ... لقطع خصم قوي في تغلبه
وحالة لانتفاع الناس حيث به ... هدى وربح لديهم في تكسبه
كتم العلوم حرام لا يجوز لذي ... علم يضن بعلم عند طلبه
والرد في الحالة الأولى مضي هدرا ... فاستدرك الحال الأخرى قبل مذهبه
فقل ورد إن اسطعت السبيل إذاً ...
وانفع به الناس كي تحظى بأثوبه
стр. 435
حاشا وكلا وإني بالسبيل إلى ... رد الصواب وقد وافى بكبكبه
قل كي ترى سنناً تستن في سنن الـ ... ـهدى تنكس جهماً عن توثبه
ورهطه وتريك الحق أظهر من ... شمس الضحى وهلالاً وسط غيهبه
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن جمال الدين الشافعي ﵀ من جملة قصيدته التي عارض السبكي بها:
وما رددت عليه في الطلاق فما ... حققت نقلاً ولا عقلاً ظفرت به
بل فاسد القصد أعمى الذهن منك ... كما هي عادة الله فيمن شان مذهبه
نزلت حول حماه كي تنازله ... فما علوت عليه بل علوت به
وقد أجابك فانظر في الجواب ترى ... سيفاً تجول المنايا عند مضربه
أخذت منه علوماً فانتصرت بها ... على سواه وكانت من مهذبه
وحزتها مجملات من مفصلة ... ففصل الآن ما أجملت تحظ به
وهكذا كل من سارت ركائبه ... يقفو خطاه فسائل من مجربه
وإن تبجَّحْت بالردين لست له ... كُفواً ولا أهل هذا العصر فانتبه
كم بحر علم أتاه عاد ساقية ... وكم جهول أتاه صار منتبه
وما نرى لكم في الخلق فائدة ... غير التنعم في النعماء من شبه
أين الثريا مكاناً في ترفعها ... من الثرى قال هذا كل منتبه
من ذا يقيس نقي الجلد من درن الـ ... ـدنيا وأمراضها يوماً بأجربه
لو كان عندك إنصاف ومكرمة ... لو كان عندك إنصاف ومكرمة
لكنت تقفو وراه قفو مجتهد ... علماً ودنيا وأمراً تفلحن به
لو وفق الله أهل الأرض قاطبة ... إلى الصواب لساروا خلف مذهبه
وما نسبتم إليه عند ذكركم ... ترك الزيارة أمر لا يقول به
فقد أجابكم عن ذا بأجوبة ... أزال فيها صدى الإشكال والشبه
وقد تبين هذا في مناسكه ... لكل ذي فطنة في القول معربه
رميتموه ببهتان يشان به ... والله ينصفه ممن رماه به
وفي الجواب أمور من تدبرها ... سقى الأنام بها من صفو مشربه
стр. 436
ولم يكن مانعاً نفس الزيارة بل ...
شد الرحال إليها فادر وانتبه
تمسكاً بصحيح النقل متبعاً ... خير القرون أولي التحقيق والنبه
مع الأئمة أهل الحق كلهم ... قالوا كما قال قول غير مشتبه
وقد علمت يقيناً حين وافقه ... أهل العراق على فتياه فافت به
هذا وقد قلت فيما قلت مرتجلاً ... فيما تقدم قولاً غير منجبه
لو كان حياً ترى قولي ويسمعه ... رددت ما قال رداً غير مشتبه
فابرز ورد ترى والله أجوبة ... مثل الصواعق تردي من تمر به
عقلاً ونقلاً وآيات مفصلة ... من كل أروع شهم القلب منتبه
ماضي الجنان كحد السيف فكرته ... يريك نثراً ونظماً في تأدبه
وقّاد ذهن إذا جالت قريحته ... يكاد يخشى عليه من تلهبه
يقابلون الذي يأتي بمشتبه ... من الكلام ولا يخشون ذا النبة
فنزل القوم في أعلى منازلهم ... فليس ذو منصب يحمى بمنصبه
وانظر إلى من طغى في الأرض من أمم ... ولا تكن سالكاً في أثر سبسبه
إن الإله يجازي كل ذي عمل ... بمثل إحسانه أو قبح مكسبه
هذا جوابك يا هذا موازنة ... بحراً وقافية في النظم والشبه
والحمد لله حمداً لا نفاد له ... جار على مرما يقضي وأطيبه
ثم الصلاة على خير الورى شرفاً ... محمد المصطفى الهادي بمذهبه
وآله والصحاب الغر كلهم ... ما أشرق الجو من أنوار كوكبه
وكلا القصيدتين مشهورتان.
وقد رأيت ما لقي السبكي من الويل والعطب بسبب مجاوزته حده في الجهل والحسد، وما أحسن ما وصف به الحافظ أبو عبد الله بن قدامة كتاب (شفاء السقام) وترجم مؤلفه السبكي.
أما وصف الكتاب فهو هذا: قال الحافظ: "أما بعد؛ فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية، في الرد على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية، في مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور، وذكر أنه
стр. 437
قد سماه "شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة" ثم زعم أنه اختار أن يسميه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) فوجدت كتابه مشتملاً على تصحيح الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة، والآثار القوية المقبولة وتحريفها عن مواضعها، وصرفها عن ظاهرها، بالتأويلات المستنكرة المردودة.
ثم أخذ يصف المؤلف ويترجم أحواله، فقال: ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلاً ممارياً معجباً برأيه، متبعاً لهواه، ذاهباً في كثير مما يعتقده إلى الأقوال الشاذة، والآراء الساقطة، صار في أشياء مما يعتمده إلى الشبه المخيلة، والحجج الداحضة، وربما خرق الإجماع في مواضع لم يُسْبَقْ إليها، ولم يوافقه أحد من الأئمة عليها، وهو في الجملة لون غريب وبناء عجيب، تارة يسلك فيما ينصره ويقويه مسلك المجتهدين فيكون مخطئاً في ذلك الاجتهاد، ومرة يزعم فيما يقوله ويدّعيه أنه من جملة المقلدين فيكون من قلده مخطئاً في ذلك الاعتقاد، نسأل الله سبحانه أن يلهمنا رشدنا ويرزقنا الهداية والسداد، هذا مع أنه إن ذكر حديثاً مرفوعاً أو أثراً موقوفاً- وهو غير ثابت- قبله إذا كان موافقاً لهواه، وإن كان ثابتاً رده إما بتأويل أو غيره إذا كان مخالفاً لهواه، وإن نقل عن بعض الأئمة الأعلام- كمالك وغيره- ما يوافق رأيه قبله وإن كان مطعوناً فيه غير صحيح عنه، وإن كان مما يخالف رأيه رده ولم يقبله؛ وإن كان صحيحاً ثابتاً، وإن حكى شيئاً مما يتعلق بالكلام على الحديث وأحوال الرواة عن أحد من أئمة الجرح والتعديل- كالإمام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي، وأبي حاتم البستي، وأبي جعفر العقيلي، وأبي أحمد بن عدي، وأبي عبد الله الحاكم صاحب "المستدرك"، وأبي بكر البيهقي، وغيرهم من الحفاظ، وكان مخالفاً لما ذهب إليه- لم يقبل قوله ورده عليه وناقشه فيه، وإن كان ذلك الإمام قد أصاب في ذلك القول ووافقه غيره من الأئمة عليه، وإن كان موافقاً لما صار إليه تلقاه بالقبول واحتج به واعتمد عليه، وإن كان ذلك الإمام قد خولف في ذلك ولم يتابعه غيره من الأئمة عليه، وهذا هو عين الجور والظلم وعدم القيام بالقسط، نسأل الله التوفيق ونعوذ به من
стр. 438
الخذلان واتباع الهوى، هذا مع أنه حمله إعجابه برأيه وغلبه اتباع هواه على أن نسب سوء الفهم والغلط في النقل إلى جماعة من العلماء الأعلام، المعتمد عليهم في حكاية مذاهب الفقهاء واختلافهم وتحقيق معرفة الأحكام، حتى زعم أن ما نقله الشيخ أبو زكريا النووي في "شرح مسلم" عن الشيخ أبي محمد الجويني من النهي عن شد الرحال، وإعمال المطيّ إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الأنبياء والصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك- هو مما غلط فيه على الشيخ أبي محمد، وأن ذلك وقع منه على سبيل السهو والغفلة، قال: ولو قاله يعني الشيخ أبا محمد أو غيره ممن يقبل كلامه الغلط لحكمنا بغلطه وأنه لم يفهم مقصود الحديث.
فانظر إلى كلام هذا المعترض المتضمن لرد النقل الصحيح بالرأي الفاسد، واجمع بينه وبين ما حكاه عن شيخ الإسلام من الافتراء العظيم، والإفك المبين، والكذب الصراح، وهو ما نقله عنه من أنه جعل زيارة قبر النبي ﷺ وقبور الأنبياء ﵈ معصية بالإجماع مقطوعاً بها، هكذا ذكر المعترض عن بعض قضاة الشافعية عن الشيخ أنه قال هذا القول الذي لا يشك عاقل من أصحابه وغير أصحابه أنه كذب مفترى، لم يقله قط ولا يوجد في شيء من كتبه ولا دل كلامه عليه، بل كتبه كلها ومناسكه وفتاويه وأقواله وأفعاله تشهد ببطلان هذا النقل عنه، ومن له أدنى علم وبصيرة يقطع بأن هذا مفتعل مختلق على الشيخ، وأنه لم يقله قط، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١.
وهذا المعترض يعلم أن ما نقله هذا القاضي المشهور- بما لا أحب حكايته عنه- في هذا المقام عن شيخ الإسلام من هذا الكلام كذب مفترى لا يرتاب في ذلك، ونكنه يطفف ويداهن ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، قال: ولقد أخبرني الثقة أنه ألّف هذا الكتاب لما كان بمصر قبل أن يلي القضاء بالشام بمدة كبيرة،
стр. 439
ليتقرب به إلى القاضي الذي حكى عنه هذا الكذب ويحظى لديه فخاب أمله ولم ينفق عنده، وقد كان هذا القاضي الذي جمع المعترض- أعني السبكي- كتابه هذا لأجله من أعداء الشيخ المشهورين، وقد زعم هذا المعترض أيضاً- مع هذا الأمر الفظيع الذي ارتكبه من التكذيب بالصدق، والتصديق بالكذب- أن الفتاوى المشهورة التي أجاب بها علماء أهل بغداد موافقة للشيخ مختلقة موضوعة، وضعها بعض الشياطين- هكذا زعم- مع علم الخاص والعام بأن هذه الفتاوى مما شاع خبرها وذاع، واشتهر أمرها وانتشر، وهي صحيحة ثابتة متواترة عمن أفتى بها من العلماء، وقد رأيت أنا وغيري خطوطهم بها، فانظر إلى تكذيب هذا المعترض بما لم يحط به علماً، وجرأته على إنكار ما اشتهر وتواتر، وكيف يحل لمن ينتسب إلى شيء من الدين أن ينسب أمراً مقطوعاً بكذبه إلى من لم يقله، ويقدح في أمر مشاهد مقطوع بصحته، ويزعم أنه مختلق من بعض الشياطين؟! هذه عثرة لا تقال وله مثلها كثيراً، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
قال: فلما وقفت على هذا الكتاب المذكور وهو (شفاء السقام) أحببت أن أنبه على ما وقع فيه من الأمور المنكرة، والأشياء المردودة، وخلط الحق بالباطل، لئلا يغتر بذلك بعض من يقف عليه ممن لا خبرة له بحقائق الدين، مع أن كثيراً مما فيه من الوهم والخطأ يعرفه خلق من المبتدئين في العلم بأدنى تأمل ولله الحمد، ولو نوقش مؤلف هذا الكتاب على جميع ما اشتمل عليه من الظلم والعدوان والخطأ والخبط والتخليط والغلو والتشنيع والتلبيس لطال الخطاب، ولبلغ الجواب مجلدات، ولكن التنبيه على القليل مرشد إلى معرفة الكثير لمن له أدنى فهم، والله المستعان" انتهى.
وقال الحافظ أبو عبد الله أيضاً في موضع آخر من كتابه (الصارم المنكي) : "وقد سمعت أخا شيخ الإسلام يذكر هذا النص الذي حكاه القاضي إسماعيل في "المبسوط" عن مالك لهذا المعترض بحضرة بعض ولاة الأمر، فغضب المعترض - وهو السبكي- غضباً شديداً ولم يجبه بأكثر من قوله هذا كذب على مالك. فانظر إلى جرأة هذا المعترض وإقدامه على تكذيب ما لم يحط بعلمه بغير برهان ولا
стр. 440
حجة بل بمجرد الهوى والتخرص، وليس هذا ببدع منه فإنه قد عرف منه مثل ذلك في غير موضع، وهو من أشد الناس مخالفة لمالك في هذه المواضع التي لا يعرف لأحد من كبار الأئمة أنه خالف مالكاً فيها، بل قد حمله فرط غلوه ومتابعته هواه على نسبة أمور عظيمة- لا أحب ذكرها- إلى من قال بقول مالك في هذه المواضع التي لا يعرف عن إمام متبوع مخالفته فيها، نعوذ بالله من الخذلان، ومن عجب أن هذا المعترض صحح الحكاية المنقولة عن مالك مع أبي جعفر المنصور لأن فيها ما يتابع هواه، مع أنها غير صحيحة، بل هي باطلة موضوعة، وكذب هذا النقل الثابت الذي ذكره القاضي إسماعيل في "المبسوط" لشدة مخالفته لهواه ومقصده وما ذهب إليه، وأعرض عما ذكره أيضاً في "المبسوط" من قول مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويمضي. لأنه مخالف لهواه، وتمسك بما في كتاب (الموازنة) لمتابعته هواه في ظنه، وهكذا عادته ودأبه يكذّب النصوص الثابتة أو يعرض عنها، ويقبل الأشياء الواهية التي لم تثبت والأمور المجملة الخفية ويتمسك بها بكلتا يديه، وليس هذا شأن من يقصد الحق وإيضاح الدين للخلق، نسأل الله تعالى التوفيق".
وذكر هذا الإمام الحافظ في أثناء كتابه كثيراً من أحوال السبكي التي لا ترضي الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، فلا بدع من هذا المبتدع بل القبوري وهو النبهاني أن يحتج على ترويج مقاصده بالسبكي وأمثاله من أسلافه غلاة الشافعية، بل الفرقة الزائغة الحلولية أعداء الحق وأهله، وخصوم الدين ومن أخذ به.
قال النبهاني: ورأيتُ للإمام السبكي عبارة موجودة الآن بخط يده هي المكتبة الخالدية في القدس، وقد أرسلت فاستكتبتها وهذه صورتها بحروفها: قال رحمه الله تعالى: في سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وقفت على كتاب "العقل والنقل" لابن تيمية، فوجدت فيه مواضع أنكرتها وكتبت على بعضها حواشي، فتحركت أنوف خلق له، ففكرت في انتشار أصحاب هذا الرجل وما يخشى من انتشار بدعته وعدم من يقاومهم، فكتبت ليلة السبت عاشر شوال سنة أحد وخمسين وسبعمائة رقعة إلى سيدنا محمد ﷺ أسأل الله فيها ذلك. (وفي آخرها) :
стр. 441
إن كنت مصيباً في اعتقادي فقوّني، وإن كنت مخطئاً فاهدني. ثم أصبحت ورفعتها للشيخ نور الدين السخاوي ليحملها فإنه عزم على الحج وكان ذلك قبل الظهر، فلما كان الظهر جاءني شخص فأخبرني عن ابن تيمية بخبر يوجب شوطي فيه، وكنت سمعت عنه من شخص مسألة من نحو أربعين سنة فلم أصدقها فلما تابعها هذا وقع في قلبي صحة ذلك، ثم جاء آخر وآخر وآخر بمثل ذلك، ثم نظمت قصيدة أرسلتها مع الشيخ نور الدين أيضاً، فلما أكملت نظمها في ليلة الاثنين ثاني عشر الشهر المذكور وقع في قلبي أن الله تعالى ما هيأ لي تلك الأخبار في ذلك اليوم إلا هداية وجواباً عما سألت رسول الله ﷺ ، فانظر هذه القضية مما أجبها، وفضل رسول الله ﷺ عليّ.
وها أنا أذكر نص ما كتبته في تلك الورقة وما نظمته إن شاء الله، والمرجو من الله إرسالهما ووصولهما إلى النبي ﷺ ونجحهما إن شاء الله، أما الورقة فنص ما فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم، إلى سيدنا رسول الله ﷺ ، يا رسول الله إني عبيد ضعيف عاجز مسكين، وجميع ما حصل لي من خير الدنيا والآخرة أنت كنت سببه، وأنت وسيلتي إلى الله سبحانه، وإني نشأت على دين الإسلام سالماً عن الشبه والبدع والأهوية والأغراض والميل إلى جانب من الجوانب، لا أعرف غير أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم اشتغلت بالقرآن، ثم بالفقه على مذهب الشافعي، لا أعرف غير ذلك، ولم أسمع ولم يدخل في قلبي شيء غير ذلك، لا من العقائد ولا من غيرها، ثم اشتغلت بنحو وأصول وفرائض، ثم بعلم الحديث ذا تصويب فيه إليك، ثم نظرت في شيء من العلوم العقلية، واشتغلت بعلم الكلام على طريقة الأشعري، لأنها المشهورة في بلادنا التي رأيت عليها أهلي وقومي، وبقيت أراها طريقة وسطى بين الحشو والاعتزال، ولا زلت على تلك حتى جاوزت عشرين سنة من عمري وأنا بالديار المصرية، فشاع عندنا خبر ابن تيمية وما يتفق له بدمشق، وكان بها إذ ذاك علماء يقاومونه وفي مصر القاهرة علماء وأكابر، فأحضروه واتفق له ما اتفق بسبب العقائد، ثم كتبت كلامه
стр. 442
في التوسل والاستغاثة، وتكلم معه من هو أكبر مني ورأيته واجتمعت به كثيراً، ثم عاد إلى الشام، ثم بلغنا كلامه في الطلاق وأن من علق الطلاق على قصد اليمين ثم حنث لا يقع عليه طلاق، ورددت عليه في ذلك، ثم بلغنا كلامه في السفر إلى زيارتك ومنعه إياه ورددت عليه في ذلك، ثم توفي وله أصحاب كثيرون يشيعون رأيه وينشرون تصانيفه، وجئت إلى دمشق كما يقال نائب شريعتك ومن لي برضاك بذلك، فأنا أقل عبيدك، مسكت عن الكلام في العقائد من الجانبين، لأني في نفسي أن عقولنا تضعف عن إدراك سبحات الحق ﷻ ، وأرى البقاء على الفطرة السليمة، والاكتفاء بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن لا ينبه العوام لشيء آخر، ومن كان عالماً ينظر بما ييسر له، والمعصوم من عصم الله، لكن الطلاق والزيارة أنا شديد الإنكار لقول ابن تيمية فيهما ظاهراً وباطناً، والعقائد لا يعجبني ما اعتمده فيها من تحريك قلوب العوام فيها.
قال النبهاني: انتهت عبارة الإمام السبكي بحروفها، وهي مكتوبة بخطه بلا نقط، وهكذا جاءتني صورتها فنقطتها، أما القصيدة التي ذكرها فغير موجودة". انتهى.
أقول- ومنه سبحانه المدد والتوفيق-: قد نقلت في هذا المقام ما ذكره النبهاني بحذافيره من غير تلخيص ولا اختصار- وإن كان في نقلها تضييع للمداد والقرطاس- فليعلم الناظر في هذا المقام ما خلق الله من العقول والأفهام، فيحمد الله تعالى من عوفي من داء هذا الجهل الوخيم، والضلال القديم، والنبهاني هذا رجل كذاب لا يؤمن على نقله ولا يصدق بروايته، فإنه من الغلاة والجهلة الغواة، ولكنه قد يصدق الكذوب، فإن صحت روايته هذه عن السبكي كفاه خزياً ذلك وهو الذي يناسب ما كان عليه من الغلو والابتداع الظاهر، وهذه المقالة عن السبكي قادحة في عدالته مسقطة له عن درجة أهل العلم، موصلة له إلى طبقة العوام السفلى، ومن العجيب أنه قال في أول مقالته ففكرت في انتشار أصحاب هذا الرجل وما يخشى من انتشار بدعته.. إلخ، فنسب البدعة إلى الشيخ ابن تيمية حافظ الأمة مع شهرة حاله في التعصب للسنة، فعبر عنه بالمبتدع وجعل نفسه هو
стр. 443
المتبع، وفي المثل السائر: "رمتني القرعى بدائها وانسلت" وهكذا تكون الوقاحة وعدم الحياء من الله ورسوله ﷺ ، وفي الحديث: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستِح فاصنع ما شئتَ" ١. وهذا هو الهوى المتّبع وإعجاب المرء بنفسه الذي ورد في الخبر، وليت النبهاني المثبور كان عنده شيء من البصيرة والفهم، فلم ينقل هذه المقالة الشنعاء عن السبكي حتى فضحه بها، وقد توفاه الله تعالى منذ مئات من السنين، ولكن أبى الله إلا أن يفضح من تنقّص خيار الأمة وسلفها بكشف عورات جهالاتهم.
ثم إن ما حكاه عن السبكي من المقالة الفظيعة مختلة المبنى والمعنى يرد على كل كلمة من كلماتها إيرادات ومؤاخذات لو بسطنا الكلام فيها لاستوجب أن يفرد له كتاب مفصل، والوقت يضيق عن الاشتغال بمثل ذلك فكان من الواجب علينا أن نتكلم عليها إجمالاً، ونذكر ما يرد على محصلها ومقصدها، ولولا سوء الأدب لأجبنا مقالته تلك على لسان رسول الله ﷺ ، وذكرنا له ما تعدى به طوره وتجاوز حده، ولكن نعوذ بالله من التجاسر على مقام النبوة والتفوه بما لم يقله، كما أنا نلجأ إليه أن يعصمنا من سوء الأدب.
ثم إن الكلام على ما قصده السبكي في مقالته من وجوه:
الوجه الأول: أن كتاب (العقل والنقل) ويسمى أيضاً (بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) ويسمى أيضاً (قسطاس الإنصاف والعدل في رد تعارض العقل والنقل) من مصنفات الآية الظاهرة، والحجة الباهرة، ماشطة العصر بل نادرة الدهر، بحر العلوم، وصدر القروم، الناسك العابد، والورع الزاهد؛ شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية ﵀، ألفه في الجواب عن سؤال ورد إليه، وهو: إذا تعارضت الأدلة السمعية والعقلية، أو السمع والعقل، أو العقل والعقل، أو الظواهر النقلية والقواطع العقلية أو نحو ذلك من العبارات، فهل يجمع بينهما وهو محال لأنه جمع بين النقيضين، وإما أن يرادا جميعاً، وإما
стр. 444
أن يقدم السمع وهو محال لأن العقل أصل النقل، فلو قدمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحاً في النقل والعقل جميعاً، فيجب تقديم العقل، ثم النقل إما أن يتأول، وإما أن يفوض، وإما إذا تعارضا تعارض الضدين امتنع الجواب عنهما ولم يمتنع ارتفاعهما؟.
فذكر في الجواب تسعة عشر وجهاً، مفصلة أتم تفصيل في بيان أن صريح المعقول لا يخالف صحيح المنقول. وفيه الذب عن الشريعة الغراء، وأنها وافية بكل ما يستوجب سعادة الدارين، ليس لها حاجة إلى إكمالها بالقواعد التي وضعها علماء الكلام من أعداء الله ورسوله ﷺ ، وأن جميع ما جاءت به الشريعة الغراء مما يوافق ما تقتضيه العقول السليمة، وأن نصوصها لا تؤول لأجل تطبيقها على ما اخترعوه من الآراء الفاسدة، والأقوال الكاسدة، وبسط الكلام كل البسط في كل وجه من تلك الوجوه، هذا موضوع الكتاب، وهو كتاب جليل ليس له نظير في بابه، ومن النعم العظمى على الأمة ظهور هذا الكتاب في هذا العصر وانتشاره بين الناس، وما أحسن ما قال فيه الشيخ ابن القيم في منظومته "الشافية الكافية"١، وقد عقد فصلاً في ذكر مؤلفات شيخ الإسلام:
واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثان
فجزى الله تعالى عن المسلمين كل خير من سعى في طبعه ونشره، ومثل هذا الكتاب كيف يشتكي منه إلى رسول الله ﷺ من له أدنى بصيرة في العلم أقل نظر في معرفة الشريعة، اللهم إلا إذا كان السبكي ممن ختم الله على قلبه فلم يفهمه، وتصدى للرد عليه والاستئذان من الرسول ﵇ لأجل ذلك وما بعد الحق إلا الضلال.
стр. 445
الوجه الثاني: أن الله تعالى أكمل الدين المبين قبيل وفاة النبي ﷺ ، فأصبحت الشريعة الغراء ليلها كنهارها، لم تغادر شيئاً من الأحكام ولا من بيان الحلال والحرام، وبسط الكلام عليها الأئمة ومجتهدوا الأمة فلم يبق حاجة إلى مراجعة النبي ﷺ بعد وفاته، بل إن عمر رضي الله تعالى عنه لم يوافق على كتابة الكتاب في مرضه- وقد طلب دواة وقرطاساً- والحديث مشهور. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ١. فإذا أشكل أمر على أحد راجع أهل الذكر إن كان ممن لا يعلم، أو فتش على مقصده كتب الشريعة ونصوصها فما دلت عليه واقتضته عمل بموجبه من غير حاجة إلى كتابة شيء إلى رسول الله ﷺ وكتابته عند قبره، وقال عز اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٢.
ذكر المفسرون: أن الخطاب عام للمؤمنين مطلقاً، والشيء خاص بأمر الدين بدليل ما بعده، والمعنى: فإن تنازعتم أيها المؤمنون أنتم وأولوا الأمر منكم في أمر من أمور الدين فردّوه إلى الله، أي: فارجعوا فيه إلى كتابه، والرسول، أي: إلى سنته. ولا شك أن هذا إنما يلائم حمل أولي الأمر على الأمراء دون العلماء، لأن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء، إذ المراد بهم المجتهدون، والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم، وجعل بعضهم الخطاب فيه لأولي الأمر على الالتفات ليصح إرادة العلماء لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضاً مجادلة ومحاجة، فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل. وبعضهم قال: يراد الأعم مع أنه يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين، وتكون المنازعة بينهم وبين أولي الأمر باعتبار بعض الأفراد وهم الأمراء.
والمقصود؛ أن الله تعالى أمر المؤمنين عند التنازع أن يراجعوا الكتاب
стр. 446
والسنة، لا أن يكتبوا كتاباً لقبر رسول الله ﷺ ويتلقى الجواب بمحض الأوهام كما فعله السبكي، وتمام الكلام على الآية يطلب من محله.
الوجه الثالث: أن الصحابة الكرام اختلفوا بعد وفاة رسول الله ﷺ في الخلافة اختلافاً كثيراً، وهو مذكور في محله، فلم يستفتوا رسول الله ﷺ في قبره، ولم يكتبوا له: أن الأنصار يا رسول الله يقولون منا أمير ومنكم أمير، وأن بعضهم يريد أبا بكر، ومنهم من يطلب علياً، ومنهم ومنهم.
ثم إنهم اختلفوا بعد ذلك في مسائل علمية ولم يستفتوا رسول الله ﷺ في قبره، ولم يجىء أحد منهم يسأله ماذا حكم الجد مع الإخوة، وأن فاطمة جاءت إلى أبي بكر تطلب إرث أبيها منه فأورد لها خبر: "نحن معاشر الأنبياء لا نورّث" فلم ترض بقوله وقامت وهي عليه غضبى١. ولم تستفتِ رسول الله ﷺ في قبره، ولا كتبت إليه ما فعل معها أبو بكر.
وخرج على عثمان أهل مصر وغيرهم فلم يستفتوا رسول الله ﷺ وهو في قبره عما كان من عثمان، ولا أن عثمان شكى عليه كما فعل السبكي.
وأن علياً ومعاوية تنازعا الأمر، وجرى بين الفريقين ما جرى؛ ولم يصدر عن أحد ما صدر عن السبكي من الشكوى والاستئذان، ومثل هذه المسائل مما لا يحيط به القلم.
الوجه الرابع: أن من اشتبه عليه أمر ولم يعلم هل هو خير أم شر ليعمل بموجبه يستخير الله تعالى، فإن الاستخارة مما درج عليه السلف وتجرى على منهاجهم الخلف، وقد تكلموا عليها في فصول:
منها: في الأمور التي هي محل الاستخارة، فقالوا: ما من شأنه أن يراد ينقسم أولاً إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما يعلم كونه خيراً قطعاً كالواجب المضيق.
стр. 447
الثاني: ما يعلم كونه شراً قطعاً كالمحرم المجمع على تحريمه.
الثالث: ما لا يعلم على القطع خيريته ولا شريته في وقت مخصوص كالواجب الموسع والمندوب كذلك، والمندوب المضيق الذي يعارضه مندوب آخر في ذلك الوقت من غير ظهور رجحان لأحدهما والمباحات كلها، ولما كان معناها طلب خير الأمرين من الفعل في وقت معين أو تركه فيه لم يكن الأولان محلين لها، إذ أولهما خير قطعاً فلا رخصة في تركه، وثانيهما شر قطعاً فلا رخصة في فعله، فليس محلاً لها إلا الثالث، فما يوهم العموم في بعض الأخبار كالأمور في خبر جابر الآتي عام مخصص، أو أن أل فيه للعهد.
ومنها: في سرد بعض أحاديثها؛ روى البخاري في (باب ما جاء من التطوع مثنى مثنى) من "صحيحه" عن جابر بن عبد الله، قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدِرُ ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري- أو قال- عاجل أمري، وآجله؛ فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي، وعاقبة أمري- أو قال- في عاجل أمري، وآجله؛ فاصرفه عني، واصرفني عنه، وأقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به، قال: ويسمّي حاجته"١.
وروى في (كتاب الدعوات) ٢ عن جابر أيضاً، قال: (كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كسورة من القرآن، إذا همّ أحدكم بالأ مر فليركع ثم يقول: "اللهم إني أستخيرك" وساق الدعاء، وقال في آخره أيضاً: ويسمي حاجته) .
стр. 448
وروى في (كتاب التوحيد) ١ من الصحيح عنه أيضاً قال: كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، إلى قوله: وأنت علام الغيوب- ولم يقل العظيم- اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر- ثم يسميه بعينه- خيراً لي في عاجل أمري وآجله قال: أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: في عاجل أمري وآجله فاصرفني عنه وأقدر لي الخير حيث كان ثم رضّني به".
وروى الطبراني في "المعجم الصغير"٢ عن ابن مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا أراد أحدكم أمراً فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كان في هذا الأمر خير في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاقدره لي، وإن كان غير ذلك خيراً لي فسهّل لي الخير حيث كان، واصرف عني الشرّ حيث كان، ورضّني بقضائك".
وروي في "الكبير" عنه أيضاً قال: علمنا رسول الله ﷺ الاستخارة، فقال: "إذا أراد أحدكم أمراً فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك- ولم يقل العظيم- وقال: فإن كان هذا الذي أريد خيراً في ديني وعاقبة أمري فيسره لي، وإن كان غير ذلك خيراً فاقدر لي الخير حيث كان، يقول: ثم يعزم".
وروى الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر في كتابه (موارد
стр. 449
الظمآن إلى زوائد ابن حبان) عن أبي أيوب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "اكتم الخطبة ثم توضأ فأحسن وضوءك، ثم صل ما كتب الله لك، ثم احمد ربك ومجده، ثم قل: اللهم إنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب، فإن رأيت لي فلانة تسميها باسمها خيراً لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها، وإن كانت غيرها خيراً لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي ذلك"١.
وروى فيه أيضاً عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أراد أحدكم أمراً، فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كان كذا وكذا خيراً لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي وأعنّي عليه، وإن كان كذا وكذا الأمر الذي تريد شراً لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري فاصرفه عني، ثم اقدر لي الخير أينما كان، ولا حول ولا قوة إلا بالله" ٢.
وروى فيه أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد أحدكم
стр. 450
أمراً فليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علاّم الغيوب، اللهم إن كان كذا وكذا خيراً لي في ديني وخيراً لي في معيشتي وخيراً لي في عاقبة أمري فاقدره لي وبارك لي فيه، وإن كان غير ذلك خيراً فاقدر لي الخير حيث كان ورضني بقدرك "١.
وروى الحافظ السخاوي في (كتاب الابتهاج بأذكار المسافر والحاج) أن النبي ﷺ قال لأنس ﵁: "إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك، فإن الخير فيه" وعزاه السيوطي إلى الديلمي في "مسند الفردوس"٢.
ومنها: في بيان كيفية صلاتها المذكور في كثير من الكتب إن من أراد الاستخارة يصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم يدعوه وهو المصرح به في حديث جابر، وقال الحافظ ابن حجر في، "فتح الباري"٣: قال النووي في "الأذكار": لو دعا بدعاء الاستخارة عقب راتبة الظهر مثلاً أو غيرها من الراتبة والمطلقة سواء اقتصر على ركعتين أو أكثر أجزأ، كذا أطلق وفيه نظر، ويظهر أن يقال: محله إن نوى تلك الصلاة بعينها وصلاة الاستخارة معاً، بخلاف ما إذا لم ينو، وتفارق تحية المسجد لأن المراد بها شغل البقعة بالصلاة، والمراد بصلاة الاستخارة أن يقع الدعاء عقبها. إلى آخرها قال اهـ.
ثم إن ظاهر ما في حديث أبي أيوب ثم صل ما كتب الله لك أن الركعة الواحدة يحصل بها المقصود، وكلام الفقهاء على هذه المسألة مفصل ى في كتب الفقه.
стр. 451
ومنها: إذا فرغ المستخير من الدعاء فليمض كما قال النووي لما انشرح له صدره.
قال الهيثمي: "فإن لم ينشرح صدره لشيء فالذي يظهر أنه يكرر الاستخارة بصلاتها ودعائها حتى ينشرح صدره لشيء وإن زاد على السبع، والتقييد بها في خبر أنس: "إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخير فيه". لعله جرى على الغالب إذ انشراح الصدر لا يتأخر عن السبع، على أن الخبر إسناده غريب. ووقع للشافعي أنه استخار في أمر سنة، والكلام في هذا الباب طويل، والمقصود أن السبكي ابتدع ما لم يسبق إليه أحد وترك الأمر المسنون وهو الاستخارة إن كان ما تصدى إليه من مواضعها.
الوجه الخامس: أن السبكي زعم أنه حصل له الإذن بالرد على كتاب (العقل والنقل) وأنه أمر بذلك أمراً معنوياً كما استنبطه هو بفكره الثاقب ورأيه الصائب، فلم لم يمتثله وأين رده الذي رد به على هذا الكتاب؟ وليته ألفه ليمزق بسهام الأقلام ويكون مثلة بين الأنام، فإن الذي مبلغه من العلم ما سمعت كيف يرد على شيء لا يفهمه ولا يعرفه، ثم إن ولده تاج الدين ذكر في طبقاته ترجمة والده، ونسب إليه كل فضيلة وعزا إليه كل منقبة جليلة، وذكر مصنفاته واختياراته وكلماته وهذياناته، ولم يذكر في كتبه هذا الرد، فعلم أنه بهتان مبين، وأنه لم يمتثل أمر النبي ﷺ على زعمه.
الوجه السادس: أن حديث عرض الأعمال في أيام مخصوصة على ما سبق بيانه في كلام شيخ الإسلام تقي الدين لا يقتضي كتابة شيء إلى الرسول ﷺ وهو في قبره، بل إن أعمال أمته تعرض عليه فإن رأى خيراً سره وإن رأى غير ذلك احتسب، ولم يقل أحد أن له قدرة على تغيير ما لا يرضى الله تعالى ولا رسوله ﷺ ، وحياته البرزخية ليست الحياة المتعارفة وإلا لاقتضت لوازمها وأنّى له ذلك، فكيف يعرض عليه مثل تلك الأمور وما ذلك إلا عثرة من السبكي لا تقال،
стр. 452
ولا يصدر مثلها حتى عن ضعفاء العقول من الجهال؟ فبطل كلامه وزال مقصده ومرامه.
الوجه السابع: أن النبي ﷺ يعلم- عند النبهاني وأسلافه الغلاة- ما كان وما يكون، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فما فائدة إعلامه بما أعلمه به السبكي من أنه رجل شافعي المذهب أشعري العقيدة إلى آخر ما هذى به، فإنه إذا علم ما كان وما يكون- ومنه أعمال السبكي وأفعاله- فلأجل أي شيء يخبره به؟ لا يقال: إن ذلك كإخبار امرأة عمران بما وضعت، وهو الذي حكاه سبحانه بقوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١ الآية. قالوا: إن الله عالم بما كان فَلِمَ أخبرته امرأة عمران بما أخبرته؟ أجابوا: إن الخبر تارة يُقْصَدُ به إفادة المخاطب الحكم إذا كان غير عارف به، وتارة يقصد به إفادة لازم من لوازمه المفصلة في علم المعاني، ولازم خبر امرأة عمران هو التحزن والتحسر على خيبتها وانعكاس أملها، وحمل السبكي كلامه على ذلك مما لا وجه له.
وهذا الذي ذكرنا هـ- من أن الغلاة يعتقدون في النبي ﷺ ما ذكرناه- هو مما لم يمكنهم إنكاره، كيف والنبهاني على ما أسلفناه يقول إن النبي ﷺ موجود في كل مكان وكل زمان، وقد تكلمت يوماً مع أحد غلاة الرفاعية الزنادقة ومشركيهم- إذ استغاث بالرفاعي قبل الشروع في ذكرهم- فقلت له: هل يسمع الآن نداءك الرفاعي وهو في قبره في أم عبيدة ويمدك؟.
قال: نعم.
قلت: فإذا اتفق مثلك في بلاد كثيرة ومواضع متعددة ألوف مؤلفة وإن كانوا
стр. 453
في أقطار شاسعة؛ فهل يسمعهم أحمد الرفاعي ويمدهم ويغيثهم؟
قال: نعم.
قلت: هذا هو الغلو الذي نهى الله عنه في كتابه الكريم.
قال: ليس هذا من الغلو بل هو مقتضى الدين، ألم تسمع حديث الأولياء وهو قوله ﷺ الذي رواه البخاري: "وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها" الحديث؟ فظن هذا الغبي الجاهل أن معناه ما يعتقده إخوانه أهل الزيغ والإلحاد من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى يصفى من الكدرات أنه يصير في معنى الحق تعالى الله عن ذلك، وأنه يفنى عن نفسه جملة حتى يشهد أن الله تعالى هو الذاكر لنفسه المحب لنفسه، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدماً صرفاً في شهوده وإن لم تعدم في الخارج.
أقول قد زلَّتْ أقدام أقوام في معنى هذا الحديث واستشكل كيف يكون الباري جل وعلا سمع العبد وبصره.
والجواب على ما ذكره العسقلاني في شرحه من أوجه:
أحدها: أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى: كنت سمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.
ثانيها: أن المعنى كليته مشغولة بي فلا يصغي بسمعه إلا ما يرضيني ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به.
ثالثها: أجعل له مقاصده كأنه ينالها بسمعه وبصره إلخ.
رابعها: كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه.
خامسها: قال الفاكهاني، وسبقه إلى معناه ابن هبيرة: هو فيما يظهر لي أنه
стр. 454
على حذف مضاف والتقدير كنت حافظ سمعه الذي يسمع به فلا يسمع إلا ما يحل استماعه وحافظ بصره كذلك إلخ.
سادسها: قال الفاكهاني: يحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله وهو أن يكون معنى سمعه مسموعه، لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول مثل فلان أملي بمعنى مأمولي، والمعنى: أنه لا يسمع إلا ذكري، ولا يلتذ إلا بتلاوة كلامي، ولا يأنس إلا بمناجاتي، ولا ينظر إلا لعجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيما فيه رضاي، ورجله كذلك" انتهى.
وقد ذكرت هذه المسألة في موضع آخر.
والمقصود؛ أن الغلاة يعتقدون أن الولي يعلم كما يعلم الله، ويبصر كما يبصر الله، ويسمع كما يسمع الله، فكيف بالنبي ﷺ وهو سيد الأولياء والأصفياء، فلا بد أنهم يعتقدون فوق اعتقادهم في الولي، فإذا كان الأمر على ما ذكر فلا وجه لما كتبه إلى النبي ﷺ ، وإن كان السبكي لا يعتقد ذلك الذي ذكرناه من الصفات التي لا تثبت إلا للخالق دون الخلوق فما وجه كتابة تلك المقالة ونظم القصيدة وإرسالهما مع الشيخ نور الدين السخاوي؟ فعلى كلا الوجهين أن السبكي قد أخطأ فيما فعله وأبان به جهله وغيه وضلاله.
هذا حال السبكي الذي أعده النبهاني المسكين سلاحاً في ميدان الطعن بشيخ الإسلام وجرحه، والحمد لله الذي جعل أعداء أهل الحق في كل عصر وزمان من أجهل الناس وأضلهم وأغواهم، ومن العجائب أن السبكي- مع هذه الأحوال التي سمعتها- قد جعله ابن حجر المكي من المجتهدين الاجتهاد المطلق، وأنه مما لم يخالف أحد في وصوله إلى هذه المرتبة، وأنه أمام أهل التحقيق، التدقيق، وأنه ليس له نظير ولا قرين في كل فن، إلى غير ذلك من الأوصاف الجليلة، فإذا جرى ذكر تقي الدين ابن تيمية وأصحابه من أهل الحديث الحفاظ المتقنين شتمهم بكل ما خطر له، وذمهم بكل ما يقع في تصوره، فانظر إلى هذا التعصب وعدم الإنصاف، وهذا أحد الأسباب التي أوجبت انحطاط الإسلام إلى ما نرى،
стр. 455
وأعظمها تطاول السفهاء وإناطة الأمر إلى غير أهله، وعنده يترقب الخراب العام.
وابن السبكي الذي جرى مجرى أبيه لم يدع منقبة من مناقب الأولين والآخرين إلا وأثبتها لوالده ظناً منه أن الحقائق تخفى، وما درى هذا المسكين أن الأمر كما قيل:
ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وفي المثل السائر: كل فتاة بأبيها معجبة.
والمقصود؛ أن قدح مثل السبكي بمثل الشيخ ابن تيمية كصرير باب، وطنين ذباب، ولولا التُّقى لقلنا: لا يضر السحاب نبح الكلاب.
قال النبهاني: ومنهم الحافظ ابن حجر العسقلاني، وذكر من فضله وغزارة علمه ما هو غني عن البيان، ونقل عنه عبارة ذكرها في "فتح الباري" عند الكلام على حديث: "لا تشد الرحال" إلخ، وهي قوله في مسألة تحريم شد الرحل والسفر إلى زيارة القبور: وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية إلخ، ثم نقل عنه ما قاله في تقريظه على كتاب (الرد الوافر) مما ليس فيه مطعن ولا مغمز لثالب.
جوابه أن الحافظ ابن حجر العسقلاني موالاته ومحبته للشيخ ابن تيمية مما لا ينكره إلا جاهل١، وقد تلّقى العلم عن تلامذة الشيخ وأصحابه وانتفع بكتبه وقرأ كثيراً منها درساً، وهذا هو اللائق به وبأمثاله من أهل الفضل والعلم، وقد قيل: إنما يعرف ذا الفضل ذووه. والعبارة التي نقلها النبهاني عنه وهي قوله عن منعه من سفر الزيارة: وهي من أبشع المسائل المنقولة عن ابن تيمية إلخ. أي طعن فيها وقدح في عدالة ابن تيمية؟ ومن المعلوم ما كان من الردود على كل من الأئمة، ولم يخل ذلك بشرفهم ولا خفض من منزلتهم، وقد قال غير واحد من أهل العلم: إن مسألة التزوج بالبنت من الزنا من أبشع المسائل المنقولة عن
стр. 456
الشافعي، وأن مسألة تزوج المغربي بالمشرقي أو بالعكس ثم ولدت الزوجة ولداً يلحق بالأب وإن لم يجتمع الزوجان قط من أبشع المسائل المنقولة عن أبي حنيفة، وإن جواز التيمم بالثلج من أبشع المسائل المنقولة عن الإمام مالك، وهكذا إلى ما لا يسعه المقام، وأي إمام من الأئمة لم ينسب إليه أقوال شاذة؟! هذا إذا قلنا إن مسألة المنع من سفر الزيارة من الشواذ، مع أن الأمر ليس كما ذكروا، كيف والأدلة القطعية قائمة على ما قاله؟ وقد سبقه إليه الأئمة المقتدى بهم وقد سبق بيان ذلك مفصلاً فيما نقلناه عن الشيخ من الكتابين، وما نقله النبهاني من كلام الحافظ العسقلاني على (الرد الوافر) هو رد عليه، لأنه ليس فيه إلا الثناء والمدح، وتبرئته عما يوجب اللوم والقدح، ولم ينقل العبارة بعينها لأن ذلك مناقض لغرضه الفاسد، ومخالف لما يرومه من التلبيس والتدليس قالته الله ما أجهله، وها نحن ننقلها بنصها ليتبين ما ذكرناه أنه كان من أخلص الناس مودة لشيخ الإسلام:
قال العلامة المحدث السيد صفي الدين الحنفي البخاري نزيل نابلس عليه الرحمة في كتابه (القول الجليّ في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي) صورة تقريظ للإمام الحافظ في عصره بل حافظ الدنيا العلامة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن العسقلاني قدس الله سره على (الرد الوافر) ١ لابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي رحمه الله تعالى ولفظه:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وقفت على هذا التأليف النافع، والمجموع الذي هو للمقاصد التي جمع لها جامع، فتحققت سعة اطلاع الإمام الذي صنفه، وتضلعه من العلوم النافعة بما عظمه بين العلماء وشرفه، وشهرة إمامة الشيخ تقي الدين ابن تيمية أشهر من الشمس، وتلقيبه بشيخ الإسلام باق إلى الآن على الألسنة الزكية ويستمر غداً كما كان بالأمس، ولا ينكر ذلك إلا من جهل مقداره وتجنب الإنصاف، فما أكثر غلط من
стр. 457
تعاطى ذلك وأكثر عثاره، فالله تعالى هو المسؤول أن يقينا شرور نفوسنا، وحصائد ألسنتنا بمنه وفضله.
ولو لم يكن من فضل هذا الرجل١ إلا ما نبه عليه الحافظ الشهير علم الدين البرزالي في تاريخه؛ أنه لم يوجد في الإسلام من اجتمع في جنازته لما مات ما اجتمع في جنازة الشيخ تقي الدين لكفى، وأشار إلى أن جنازة الإمام أحمد كانت حافلة جداً شهدها مؤون ألوف، لكن لو كان بدمشق من الخلائق نظير ما كان ببغداد بل أضعاف ذلك لما تأخر أحد منهم من شهود جنازته، وأيضاً فجميع من كان ببغداد إلا الأقل كانوا يعتقدون إمامة الإمام أحمد، وكان أمير بغداد وخليفة الوقت إذ ذاك في غاية المحبة له والتعظيم، بخلاف ابن تيمية، وكان أمير البلد حين مات غائباً، وكان أكثر من في البلد من الفقهاء قد تعصبوا عليه حتى مات محبوساً بالقلعة، ومع هذا فلم يتخلف منهم عن حضور جنازته والترحم والتأسف عليه إلا ثلاثة أنفس تأخروا خشية على أنفسهم من العامة، ومع حضور هذا الجمع العظيم فلم يكن لذلك باعث إلا اعتقاد إمامته وبركته لا بجمع سلطان ولا غيره، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "أنتم شهداء الله في الأرض"٢.
ولقد قام على الشيخ تقي الدين جماعة من العلماء مراراً بسبب أشياء أنكروها عليه من الأصول والفروع، وعُقِدَتْ له بسبب ذلك عدة مجالس بالقاهرة ودمشق، ولا يعلم عن أحد منهم أنه أفتى بزندقته، ولا حكم بسفك دمه، مع شدة المتعصب عليه حينئذ من أهل الدولة، حتى حبس بالقاهرة ثم بالإسكندرية، ومع ذلك فكلهم يعترف بسعة علمه وزهده ووصفه بالسخاء والشجاعة، وغير ذلك من قيامه في نصرة الإسلام، والدعاء إلى الله تعالى في السر والعلانية، فكيف لا ينكر على من أطلق أنه كافر بل من أطلق على من سماه شيخ الإسلام الكفر، وليس في تسميته بذلك ما يقتضي ذلك فإنه شيخ مشايخ الإسلام في عصره بلا ريب. والمسائل التي أُنكِرَتْ عليه ما كان يقولها بالتشهّي، ولا يصر على القول بها بعد
стр. 458
قيام الدليل عليه عناداً. وهذه تصانيفه طافحة بالرد على من يقول بالتجسيم والتبرّي منه. ومع ذلك فهو بشر يخطىء ويصيب، فالذي أصاب فيه- وهو الأكثر- يستفاد منه ويترحّم عليه بسببه، والذي أخطأ فيه لا يقلد فيه بل هو معذور، لأن علماء الشريعة شهدوا له بأن أدوات الاجتهاد اجتمعت فيه، حتى كان أشد المتعصبين عليه العاملين في إيصال الشر إليه- وهو الشيخ كمال الدين الزملكاني- شهد له بذلك، وكذلك الشيخ صدر الدين ابن الوكيل الذي لم يثبت لمناظرته غيره.
ومن أعجب العجب أن هذا الرجل كان من أعظم الناس قياماً على أهل البدع من الروافض والحلولية والاتحادية، وتصانيفه في ذلك كثيرة شهيرة، وفتاويه فيهم لا تدخل تحت الحصر، فيا قرة أعينهم إذا سمعوا تكفيره، ويا سرورهم إذا رأوا من يكفره من أهل العلم. فالواجب على من تلبس بالعلم وكان له عقل أن يتأمل كلام الرجل من تصانيفه المشهورة، أو من ألسنة من يوثق به من أهل النقل، فيفرد من ذلك ما ينكر، فليحذر منه على قصد النصح، ويثني عليه بفضائله فيما أصاب من ذلك كدأب غيره من العلماء الأنجاب.
ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق والمخالف؛ لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته، فكيف وقد شهد بالتقدم في العلوم والتميز في المنطوق والمفهوم أئمة عصره من الشافعية وغيرهم فضلاً عن الحنابلة؟
فالذي يطلق عليه مع هذه الأشياء الكفر أو على من سماه شيخ الإسلام لا يلتفت إليه ولا يُعَوَّلُ في هذا المقام عليه، بل يجب ردعه عن ذاك إلى أن يراجع الحق ويذعن للصواب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قال: وكتبه أحمد بن علي بن محمد بن حجر الشافعي عفا الله عنه، وذلك
стр. 459
التاسع من شهر ربيع الأول عام خمسة وثلاثين وثمانمائة، حامداً لله ومصلياً على محمد ومسلماً. هذا آخر كلامه.
فانظر أيها المنصف إلى كلام هذا الإمام في الذب عن شيخ الإسلام؛ هل تراه منتصراً له أم طاعناً عليه؟ وهل تجده مادحاً له أم موجهاً سهام الذم بين يديه؟
وانظر إلى تحريف النبهاني الذي سبق به تحريف أسلافه اليهود، فقد نقل منه ما ظن بزعمه أنه ينفعه، وترك ما هو شجي في فمه، كل ذلك لأجل ترويج ضلاله وهواه وباطله.
فبالله عليك أيها الواقف على مثل هذه الأحوال؛ هل يليق أن يولى هذا الرجل الحكم على أموال الناس وأعراضهم ودمائهم، وهو يخون- جهلاً واتباعاً لهواه- هذه الخيانة التي لم تخف على أحد من طلبة العلم فضلاً عن أكابر العلماء، ومحققي الفضلاء؟! فيا خسارة لمن تولى الحكم عليه هذا الغبي الجاهل، وعبث كما أداه إليه هواه في المحافل.
قال النبهاني: ومنهم السيد صفي الدين الحنفي البخاري نزيل نابلس ألف كتاباً مستقلاً سماه (القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي) ذكر فيه مناقبه وكلام العلماء في الثناء عليه، إلى أن قال: قال صفي الدين في كتابه المذكور: قد نص على أنه- أي ابن تيمية- بلغ رتبة الاجتهاد جمع من العلماء ولم يتفرد بمسألة منكرة قط، وإن كان قد خالف الأئمة الأربعة في مسائل فقد وافق فيها بعض الصحابة أو التابعين، ومن أشنع ما وقع له مسألة تحريم السفر إلى زيارة القبور، وقد قال به قبله أبو عبد الله بن بطة الحنبلي في "الإبانة الصغرى".
ثم قال صفي الدين في موضع آخر من كتابه: فإن قلت ما نقلته في هذا الجزء يدل على براءة الشيخ مما نسب إليه، فما بال عليّ القاري والتقي الحصني وابن حجر الهيتمي وغيرهم ينسبونه إلى أمور فظيعة.
قلت: اعلم- وفقك الله تعالى- أن ابن تيمية رحمه الله تعالى كان رجلاً
стр. 460
مشهوراً بالعلم والفضل وحفظ السنة، وكان مبالغاً في مذهب الإثبات، وكان يكره التأويل أشد الكراهة، وكان يرد على الصوفية ما ذكروه في كتبهم من وحدة الوجود وما شاكلها على عادة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين، فرد على الشيخ محي الدين ابن العربي، والشيخ عمر بن الفارض، وعبد الحي بن سبعين وأضرابهم، وكان قد خالف الأئمة الأربعة في بعض الفروع كمسألة الزيارة والطلاق، وكان يناظر عليهما فقام عليه ناس وحسدوه وأبغضوه وأشاعوا عنه ما لم يقله من التشبيه والتجسيم وغير ذلك، فدخل ذلك على بعض أهل العلم من الحنفية والشافعية وغيرهم ولم يطلبوا تحقيق ذلك من كتبه المشهورة، واعتمدوا على السماع فوقع منهم ما قد وقع، وقد وقع مثل هذا لغير واحد من أهل العلم والفضل.
ثم قال: وقد أنكروا على الشيخ أشياء لا بأس بذكر الجواب عنها والاعتذار؛ فأقول: قالوا يقول بحرمة السفر إلى زيارة القبور، وقد خالف في ذلك الإجماع، قال صفي الدين: قلت وهو مخطىء في ذلك أشد الخطأ، ولكن لا يلزم من القول به التفسيق فضلاً عن التكفير، لأنه صدر ذلك عن شبهة ولو كان ذلك الدليل خطأ عندنا". انتهى كلام صفي الدين البخاري. ومثله العلماء الذين أثنوا على ابن تيمية ذكروا خطأه الفاحش في مسائله التي خالف فيها الإجماع". انتهى كلام النبهاني.
والجواب: أن كلام النبهاني هذا على نمط ما قبله، فإن السيد صفي الدين الحنفي عليه الرحمة ألف كتابه (القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي) وذكر فيه أقوال أساطين العلماء الذين أثنوا عليه، وذب عنه وأجاب عما نسب إليه من الاختيارات بما لا مزيد عليه، وقال في خطبة كتابه:
"وبعد؛ فهذا جزء لطيف في ترجمة شيخ الإسلام، وبركة الأنام، علم الزهاد، وأوحد العباد، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، تقي الدين أبي العباس، وذكر نسبه إلى أن قال ابن تيمية الحراني نزيل دمشق ﵀، لخصته مما اجتمع عندي من كلام الفقهاء والمحدثين، رجاء للثواب ونفعاً للأحباب ".