← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ١. وهؤلاء قد صنف بعضهم كتاباً وقصائد على مذهبه مثل قصيدة ابن الفارض المسماة بنظم السلوك، ويقول فيها: لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل ركعة إلى أن يقول: وما زلت إياها لهاياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت إلا رسولاً كنت مني مرسلاً ... وذاتي بآياتي على استدلت إلى رسولاً كنت مني مرسلاً ... وذاتي بآياتي على استدلت فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ونبت إلى أمثال هذا الكلام، ولهذا كان القائل عند الموت ينشد: إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي أمنية ظفر تنفسي بها زمناً ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين له بطلان ما كان يظنه، وهؤلاء ممن قال الله سبحانه فيهم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ ٢. وقد قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فجميع ما في السموات وما في الأرض يسبح الله، ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم رب

стр. 527

السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن؛ أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر"١. ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٢. فلفظ مع لا تقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطاً بالآخر، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ ٥. ولفظة (مع) جاءت في القرآن عامة وخاصة، فالعامة في هذه الآية وفي آية المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٦. فافتتح الكلام بالعلم وختمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس، والضحاك، وسفيان الثوري، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم: هو معهم بعلمه. وأما المعية الخاصة ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ

стр. 528

مُحْسِنُونَ﴾ ١ وقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٢. وقال تعالى عن النبي ﷺ : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٣. يعني: النبي ﷺ وأبا بكر الصديق، فهو مع موسى وهارون دون فرعون، ومع محمد ﷺ وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، وهو مع الذين اتقوا وكانوا محسنين دون الظالمين المعتدين، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٤. أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٥. وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ٦. كما قرره أئمة العلم أنه المعبود في السموات والأرض. وأجمع سلف الأمة وأئمتها أن الرب تعالى بائن من مخلوقاته، يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيوصف بصفات الكمال دون صفات النقص، ويعلم أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في شيء من صفات الكمال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٧. قال ابن عباس: الصمد؛ العليم الذي كمل في علمه. العظيم الذي كمل في عظمته، القدير الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته، السيد الكامل في سؤدده.

стр. 529

وقال ابن مسعود وغيره: الصمد الذي لا جوف له، والأحد الذي لا نظير له، فاسمه الصمد يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، واسمه الأحد يتضمن أنه لا مثل له، وقد بسطنا الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة وكونها تعدل ثلث القرآن"١ انتهى المقصود نقله من كلام شيخ الإسلام قدس الله وهذه نبذة مما يتعلق بأهل الحلول والاتحاد. وللشيخ علي القاري، والسعد التفتازاني، والشيخ محمد البخاري، والشيخ عبد الباري، والعلامة عضد الملة والدين، كتب مفردة في الكلام عليهم وردهم، ولعلنا إن شاء الله تعالى نفرد في ذلك كتاباً نذكر فيه جميع ما قاله العلماء الربانيون فيهم، ونذكر بدع أهل الطرائق المبتدعة وما عندهم من المخالفات للشريعة. والمقصود مما نقلناه كله؛ أن قول النبهاني عن أهل الحلول والاتحاد أنهم أولياء الله كلام دل علي جهله واتباعه لهواه وغيه، وقد ذكر الشيخ على القاري في الرد على الفصوص من المنكرات والأوهام والغلطات ما تقشعر منها الجلود، وقال في آخر كتابه: "وما سبق من المنكرات في كلام ابن عربي لا سبيل إلى صحة تأويلها، فلا يستقيم اعتقاد أنه من أولياء الله مع اعتقاد صدور هذه الكلمات منه إلا باعتقاد أنها لم تصدر عنه، أو أنه رجع إلى ما يعتقده أهل الإسلام في ذلك، ولم يجىء بذلك عنه خبر ولا روي عنه أثر، فذمه جماعة من أعيان العلماء وأكابر الأولياء لأجل كلامه المنكر". وأما قول النبهاني عن كتب ابن تيمية: أنه بسبب كلامه على القائلين بالحلول والاتحاد وغير ذلك مما يدل على البطلان والفساد قلل الله النفع بها إلخ. فجوابه: أن الله تعالى لم يقلل الانتفاع بها، بل لم يزل الناس يلتقطون منها درر الفوائد، ويصححون بها أعمالهم والعقائد، وهي كما قال الحافظ ابن القيم تشترى بالغالي من الأثمان في كل عصر وزمان، فأي عالم من العلماء انتفع الناس

стр. 530

بكتبه كما انتفعوا بكتب شيخ الإسلام، وذلك من المعلوم بين الخاص والعام، ولكن الأمر كما قيل: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم وكتب المتأخرين من الحنابلة وغيرهم مشحونة بالنقل عن كتبه، والمنقولات عنها زينة للكتب وغرة محاسنها، وقد أودع الله تعالى فيها خاصية التأثير في القلوب فلا تجد أحداً يطالع فيها إلا وفتح الله عليه أبواب العلوم، وأفاض عليه من زلال عذب منطوقها والمفهوم، إلا من قسى قلبه وكشف حجابه، كما قال تعالى عن كتابه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١. قال النبهاني: "ومن كتبه (منهاج السنة) في الرد على الروافض وكتاب (العقل والنقل) في الرد على المتكلمين من أهل السنة، كالأشعري والماتريدي وأصحابهما، وهم معظم الأمة المحمدية. قال: و"منهاج السنة" وإن كان مؤلفاً في الرد على الروافض إلا أنه حشاه بالرد على أهل السنة، والرد على ساداتنا الصوفية ومن يعتقد فيهم، كقوله في جواب قول الرافضي: يجب في كل زمان إمام معصوم- بعد أن بين فساده- وهل هذا إلا أفسد عما يدعيه كثير من العامة في القطب والغوث ونحو ذلك من أسماء يعظمون مسماها بما هو أعظم من مرتبة النبوة من غير تعيين لشخص معين يمكن أن ينتفع به الانتفاع المذكور في مسمى هذه الأسماء، وكما يدّعي كثير منهم حياة الخضر مع أنهم لم يستفيدوا بهذه الدعوى منفعة لا في دينهم ولا في دنياهم، وإنما غاية من يدّعي ذلك أنه يدعي جريان بعض ما يقدر الله على يدي مثل هؤلاء، وهذا مع أنهم لا حاجة لهم إلى معرفته لم ينتفعوا بذلك لو كان حقاً فكيف إذا كان ما يدّعونه باطلاً؟ ومن هؤلاء من يتمثل له الجني في صورة ويقول أنا الخضر ويكون كاذباً، وكذلك الذين

стр. 531

يذكرون رجال الغيب ورؤيتهم إنما رأوا الجن وهم رجال غائبون وقد يظنون أنهم إنس، وهذا قد بيناه في مواضع تطول حكايتها مما تواتر عندنا. قال النبهاني في الاعتراض على الشيخ: وهكذا دأبه في إنكار ما لم يحط بعلمه، وجعله في درجة المستحيلات، مع أنه ثبت عند غيره من جماهير المسلمين- من الأولياء العارفين، والعلماء العاملين، والعباد والصالحين وغيرهم- ثبوتاً لا يحتمل وقوع الشك في صحته، ثم إنه استشهد على صحة دعواه بكلام اليافعي، وابن حجر المكي، ونجم الدين الأصفهاني وأضرابهم من الغلاة". أقول: جوابه من وجوه: الأول: إنّا تكلمنا سابقاً عن جميع كتب الشيخ، وذكرنا في مدحها وتقريظها ما ذكرنا، وقلنا إن (منهاج السنة) من أجل كتب الشيخ، وفيه من الفوائد الدينية ما يعز وجود نظيره في غيره، وما أحسن ما قرظ به الأديب الفهامة الشيخ طه بن محمود رئيس التصحيح في المطبعة الكبرى، وهو: بأقوم منهاج أتى القوم أحمد ... فمالي لا أثني عليه وأحمد إمام حباه الله علماً وحكمة ... وقلباً تقياً نوره يتوقد فقام بأمر الحق في الناس صادعاً ... بأوضح برهان له العقل يشهد وبدد أهواء تجمع شملها ... بها ضل قوم والضلال مبدد أتاهم وهم شتى المذاهب مالهم ... من العقل هاد أو من الدين مرشد أتاهم وليل الرفض والنصب حالك ... وقاعدة الطغيان فيهم توطد أتى معشراً للغي أهدى من القطا ... ولم يبصروا طرق الرشاد فيهتدوا أتى أمة بغض الصحابة دينهم ... وسب أبي بكر به قد تعبدوا فأنكر ماقد خالف الدين والتقى ... ومن ديننا إنكار ما ليس يحمد وأفشى كتاب الله فيهم وأنهم ... أباة عن الإذعان للحق شرد وناضل عن صحب النبي وحزبه ... ومن لهم رأي وقول مسدد فهل مثل هذا الحبر أولى بشكره ... على ما أتاه أم تراه يفند

стр. 532

ولكن أعداء الفضائل جمة ... وهل ساد إلا ذو الأيادي المحسد سأشكره دهري عن الناس إذ غدا ... عليهم جميعاً لابن تيمية اليد فلو كان تأليف الفتى مخلداً له ... لكان من المنهاج والله مخلد ولو كان في الدنيا جزاء لمحسن ... لكان له فيها النعيم المؤبد فأسألك اللهم هتان رحمة ... على قبره ما لاح في الأفق فرقد فانتقاد النبهاني على هذا الكتاب أشبه شيء بنبح الكلاب للسحاب، أبان للناس جهله وغباوته وضلاله، وعداوته للدين، وانحرافه عن سبيل المسلمين والمؤمنين. الوجه الثاني: أن النبهاني انتقد كتاب المنهاج واعترض على مصنفه في إنكاره الخضر، والأقطاب، والأوتاد، ورجال الغيب، وغيرهم مما ابتدعه المتصوفة والغلاة ترويجاً لمقاصدهم، وانتقاده هذا مما لا وجه له، لأن الرافضة لما أوجبوا اللطف على الله ومراعاة الأصلح وأن الأئمة منحصرون بزعمهم في اثني عشر إماماً وهم لا يستوعبون الزمان إلى قيام الساعة؛ لزمهم القول بالمنتظر، مع أن حجج الله لا تقوم بخفي مستور لا يقع العام له على خبر، ولا ينتفعون به في شيء أصلاً، فلا جاهل يتعلم منه، ولا ضال يهتدي به، ولا خائف يأمن به، ولا ذليل يتعزز به، فأي حجة لله قامت بمن لا يرى له شخص، ولا يسمع منه كلمة، ولا يعلم له مكان؟ ولاسيما على أصول القائلين به، فإن الذي دعاهم إلى ذلك؛ أنهم قالوا لا بد منه في اللطف بالمكلفين وانقطاع حجتهم عن الله، فيالله العجب أي لطف حصل بهذا المعدوم لا المعصوم؟ وأي حجة أثبتم للخلق على ربهم بأصلكم الباطل؟ فإن هذا المعدوم إذا لم يكن لهم سبيل قط إلى لقائه والاهتداء به فهل في تكليف ما لا يطاق أبلغ من هذا؟ وهل في العذر والحجة أبلغ من هذا؟ فالذي فررتم منه وقعتم في شر منه، وكنتم في ذلك كما قيل: المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار ولكن أبى الله إلا أن يفضح من تنقّص بالصحابة الأخيار، وبسادة هذه الأمة

стр. 533

الأبرار، وأن يُريَ الناس عورته، ويغريه بكشفها ونعوذ بالله من الخذلان، ولقد أحسن القائل: ما آن للسرداب أن يلد الذي ... ثلثتموه بزعمكم ما آن فعلى عقولكم العفاء فإنكم ... ثلثتم العنقاء والغيلانا ولقد بطلت حجج استودعها مثل هذا الغائب وضاعت أعظم ضياع، فهم أبطلوا حجج الله من حيث زعموا حفظها. فلما رد الشيخ على ابن المطهر الحلي القول بالمنتظر على أحسن وجه: أراد سد أبواب طرق مناظرتهم وحجاجهم ومعارضتهم على الخضر والأقطاب والأوتاد ونحوهم، وأبطل القول بوجودهم، وأنه ليس من الدين في شيء، ولولا ذلك لأمكن أن يقولوا إن القول بالمنتظر كالقول بالخضر والقطب والبدل والوتد وغيرهم، لاسيما وحياة الخضر أطول بكثير، والقائلون به أكثر، فما هو جوابكم فهو جوابنا، فكان من الواجب على الشيخ بيان الحقيقة في ذلك، وإقامة الدليل على نفي وجودهم، وكيف يمكن مخاصمة الروافض في المهدي المنتظر وإنكاره مع القول بحياة الخضر وإثبات الأقطاب ونحوهم، فلا شك أن انتقاد النبهاني هنا في غاية السقوط. الوجه الثالث: اعتراض النبهاني على الشيخ في تعرضه لبعض من يزعم أنه من أهل السنة من الأشعرية والماتريدية وساداته الصوفية. فنقول: إن الشيخ تكلم على كل من ابتدع وأحدث في الدين ما ليس منه، ولم يتخوف من الأسماء، فمن خالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة فهو ممن اتبع غير سبيل المؤمنين، فكيف لا يرد على المخالفين، وكل آخذ يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله ﷺ ، كما قال ذلك إمام دار الهجرة، وسنتكلم إن شاء الله تعالى على السنة وما هي ومن أهلها ليعلم ما في كلام النبهاني من الجهل والغلط. الوجه الرابع: أن القول بوجود الخضر وحياته والاعتقاد برجال الغيب وأمثاله؛ إن كان من واجبات الشريعة وأركان الديانة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه

стр. 534

ورسله واليوم الآخر ووجود الجن ونحو ذلك مما وردت نصوص الكتاب والسنة به، فلِمَ لم ينصّ عليها في القرآن ولم يرد فيها حديث صحيح؟ فإذا سأل رب العالمين عبداً من عباده وقال له: لم لم تؤمن بحياة الخضر الأبدية، وكذّبت بالأقطاب والأوتاد والأبدال؟ ونحوهم مما قال به الصوفية! ثم أجابه بقوله: يا رب العالمين، ويا خالق السموات والأرضين؛ إنك كلفت الناس أن يؤمنوا بك وإن لم تَرَكَ العيون ولم تحط بك الظنون، ولكن نصبت لهم دلائل في الآفاق والأنفس على وجودك عدا ما ورد من النصوص على لسان أنبيائك ورسلك، وأودعت في كل شيء آية تدل على أنك الواحد، بل كل ذرة من ذرات العوالم هي أعدل شاهد، ثم إنك ملأت كتابك الكريم من ذكر الملائكة والرسل والجن وغير ذلك مما لم نره، ثم إن نبيك ﷺ وسائر الأنبياء كلهم أخبروا بذلك، فلذلك اعترفنا وصدقنا بما ذكر، وأما الخضر ومن ذكر معه فلم نر في كتابك الكريم آية تدل على خلوده ولا وجوده ووجودهم، وأما ما رواه الكذابون عن نبيك ﷺ من ذلك فقال المحققون من أهل العلم: إنها كذب لا أصل لها، بل الوارد خلاف ذلك، فكيف يا إلهي أؤمن بأمور موهومة وأشخاص غير معلومة؟ وقد أنعمت علي بعقل أزن فيه الأمور وأجعله حكماً عدلاً، ودليلاً هادياً إذا أعضلت علي المقاصد، فإذا لم أنتفع يا إلهي بما أنعمت علي من نعمة العقل أكون إذاً كالنبهاني الغبي أخبط خبط عشواء ولا أفرق بين السماء والماء. ثم أقول: إلهي! ما فائدة القول بوجود الخضر والأقطاب والأبدال ونحوهم؟ لا جاهل يستفيد منهم العلم بدينه، ولا مظلوم يستصرخهم على دفع ظلمه، والشمس أنت تطلعها وتغيبها، والفلك أنت تديره، والقمر أنت تنيره، والكواكب أنت جعلتها زينة للسماء وحفظاً من كل شيطان ما رد، والسحاب أنت تنشئه، والغيث أنت تغيث به عبادك، والمريض أنت تشفيه، والجائع أنت تطعمه، والعطشان أنت تسقيه، وقد أودعت كتابك كل علم، وبيان كل حكم، وأنزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١ فالخضر وغيره حينئذ ماذا يفعلون إذا لم تكن لهم

стр. 535

وظيفة وعمل؟ والله المستعان على ما يصفون. الوجه الخامس: أدن النبهاني وأضرابه استدلوا على وجود من ذكر بقول ابن حجر المكي ونحوه، ومن المعلوم أن كلام أمثال هؤلاء لا يفيد في هذا الباب شيئاً، وقد تقدم أن العمدة عند أهل العلم في مسائل أصول الدين وفروعه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع أهل العلم من هذه الأمة، ولا تذكر أقوال أهل العلم إلا تبعاً وبياناً، لا أنها المقصودة بالذات والأصالة. ثم المسائل التي لا يلزم بها المجتهد غيره هي ما كان للاجتهاد فيه مساغ، ولم تخالف كتاباً ولا سنة صريحة ولا إجماعاً، وما خالف ذلك فهو مردود على قائله، ويلزمه أهل العلم بصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال إمام دار الهجرة مالك ابن أنس رحمه الله تعالى: "ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر"- يعني: رسول الله ﷺ ، وأحس منه قوله الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١. وقد قال النبي ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله؛ ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه"٢. فإذا كان رد السنة محرماً لا يجوز ولو ردها ظاناً أن القرآن لا يدل عليها؛ فكيف رد الكتاب والسنة وعدم الإلزام بهما لخلاف أحد من الناس كائناً من كان؟! والمقصود؛ أن النبهاني وأضرابه لم يورودا على إثبات مقصدهم بدليل يليق أن يتلقى بالقبول، وابن حجر المكي ونحوه من الغلاة هم خصوم الحق وأعداؤه، فكيف يسوغ أدن نستدل بكلامهم على ما لا يقول به أهل الحق؟!

стр. 536

الوجه السادس: أن ما ذكره الشيخ لم يذكره الخصم بتمامه، بل حرف فيه وغيَّرَ، وحذف منه ما يجب ذكره، ونحن ننقل هنا ما وجدناه من كلامه في مواضع متفرقة، وإذا جمعت في موضع واحد وتبين دليلها سلم المنصف كلامه وسقط عنده قول من أنكر عليه من الغلاة السالكين غير سبيل المؤمنين، ومن الله التوفيق: قال شيخ الإسلام- ﵀ في أثناء جواب سؤال سأله بعضهم عن الاستغاثة بأهل القبور والنذر لهم ونحو ذلك١-: "وأما سؤال السائل عن القطب الغوث الفرد الجامع: فهذا قد يقوله طوائف من الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام، مثل تفسير بعضهم أن الغوث الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى قد يقولون إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته، فهذا من جنس قول النصارى في المسيح والغالية في عليّ ﵇، وهذا كفر صريح يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق بواسطته، ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في العقول العشرة التي قد يزعمون أنها الملائكة، وما يقوله النصارى في المسيح، ونحو ذلك؛ كفراً صريحاً باتفاق المسلمين، وكذلك إن عني بالغوث ما يقول بعضهم إن في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وقد يسميهم النجباء، فينتقى منهم سبعون هم النقباء، ومنهم أربعون هم الأبدال، ومنهم سبعة هم الأقطاب، ومنهم أربعة هم الأوتاد، ومنهم واحد هو الغوث، وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابتهم نائبة في رزقهم ونصرهم فزعوا للثلاثمائة والبضعة عشر رجلاً، وأولئك يفزعون إلى السبعين، والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الواحد. وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب، فإن لهم فيها مقالات متعددة، حتى يقول بعضهم أنه ينزل من السماء على الكعبة ورقة خضراء باسم غوث الوقت واسم خضره على قول من يقول إن الخضر هو مرتبه،

стр. 537

وأن لكل زمان خضراً فإن لهم في ذلك قولين. وهذا كله باطل لا أصل له لا في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا من الشيوخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم، ومعلوم أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً كانوا خير الخلق في زمنهم وكانوا بالمدينة ولم يكونوا بمكة، وقد روى بعضهم حديثاً في هلال غلام المغيرة بن شعبة وأنه أحد السبعين، والحديث كذب باتفاق أهل المعرفة، وإن كان قد روى بعض هذه الأحاديث أبو نعيم في "حلية الأولياء"١ والشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في بعض مصنفاته، فلا نغتر بذلك فإنه يروي الصحيح والحسن والضعيف والموضوع والكذب. ولا خلاف بين العلماء في أنه كذب موضوع، وتارة يروونه على عادة أهل الحديث الذين يروون ما سمعوه ولا يميزون بين صحيحه من باطله، وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث لما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذّابين"٢. وبالجملة؛ فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل في الرغبة والرهبة- مثل دعائهم عند الكسوف والاعتداد لدفع البلاء وأمثال ذلك- إنما يدعون في مثل ذلك الله وحده، لا يشركون به شيئاً، لم يكن للمسلمين أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله، بل كان المشركون في جاهليتهم يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله، أفتراه بعد التوحيد الإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ ٣ الآية، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ٤ الآية. وقال تعالى:

стр. 538

﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ ١ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. والنبي ﷺ استسقى لأصحابه بصلاة الاستسقاء وبغير صلاة، وصلى بهم للاستسقاء وصلاة الكسوف، وكان يقنت في صلاته فيستنصر على المشركين، كذلك خلفاؤه الراشدون بعده، وكذلك أئمة الدين، ومشائخ المسلمين؛ ما زالوا على هذه الطريقة، ولهذا يقال ثلاثة أشياء مالها من أصل: باب النصيرية، ومنتظر الرافضة، وغوث الجهال. فإن النصيرية تدّعي في الباب الذي لهم ما هو من هذا الجنس، وأنه الذي يقيم العالم، فذاك شخصه موجود، لكن دعوى النصيرية فيه باطلة، وأما محمد بن الحسن المنتظر، والغوث المقيم بمكة، ونحو هذا؛ فإنه باطل ليس له أصل في الوجود ولا وجود، وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله ويعرفهم كلهم ونحو هذا فهذا باطل، فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله وعددهم، فكيف بهؤلاء الضالين المفترين الكذّابين؟ ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن يراهم بسيما الوضوء وهو الغرة والتحجيل، ومن هؤلاء من أولياء الله مالا يحصيه إلا الله، وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم، بل قال الله تعالى له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ٣. وموسى لم يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى، بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر وإني بأرضك السلام؟ فقال له: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال نعم. فكان قد بلغه اسمه وخبره ولم يكن يعرف عينه. ومن قال: إنه نقيب الأولياء وأنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل. والصواب الذي عليه المحققون، أنه ميت٤، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو

стр. 539

كان موجوداً في زمن النبي ﷺ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون بمكة والمدينة، وكان يكون حضوره مع الصحابة ﵃ للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى له من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن عن خير أمة خرجت للناس مختفياً، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم. ثم ليس للمسلمين به وبأمثاله حاجة لا في دينهم ولا دنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول ﷺ النبي الأمي، الذي علمهم الكتاب والحكمة، وقال لهم نبيهم ﷺ : "لو كان موسى حية ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم"١. وعيسى ابن مريم إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر أو غيره والنبي ﷺ قد أخبرهم بنزول عيسى من السماء، وحضوره مع المسلمين، وقال: "كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى فني آخرها"٢. فإذا كان هذان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل ومحمد ﷺ ولد آدم ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لعوامهم ولا خواصهم فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم؟ وإذا كان الخضر حياً دائماً فكيف لم يذكر النبي ﷺ ذلك قط؟ ولا أخبر به أمته ولا خلفاءه الراشدين. وقول القائل: إنه نقيب الأولياء. فيقال: من ولآه النقابة؟ وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﷺ وليس فيهم الخضر، وعامة ما يحكى في هذا الباب من حكايات " بعضها كذب وبعضها مبني على ظن رجال، مثل شخص رأى رجلاً ظن أنه الخضر أو قال إنه خضر، كما أن الرافضة ترى شخصاً تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم أو تدّعي ذلك، وروي عن الإمام أحمد أنه قال- وقد ذكر له الخضر- من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسن الناس إلا شيطان، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع.

стр. 540

أما إذا قصد القائل بقوله القطب الغوث الفرد الجامع، أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل وثلاثة وأربعة، ولا يجزم بأن لا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحداً، وقد يكون جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجوه، وتلك الوجوه إما متقاربة أو متساوية، ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان، فتسميته الغوث الفرد الجامع بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بها أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال السلف يظنون في بعض أنه أفضل أو من أفضل أهل زمانه ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، لاسيما من المنتحلين لهذا الاسم من يدّعي أن أول هؤلاء الأقطاب هو الحسن بن علي بن أبي طالب ﵉، ثم يتسلسل الأمر إلى ما دونه إلى بعض المشايخ المتأخرين، وهذا لا يصح على مذهب أهل السنة، ولا على مذهب الرافضة، فأين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والسابقون من المهاجرين والأنصار؟ والحسن عند وفاة النبي ﷺ قد كان قارب سنه الاحتلام، وقد حكي عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا الاسم؛ أن القطب الفرد الغوث الجامع ينطبق علمه على علم الله، وقدرته على قدرة الله، فيعلم ما يعلمه، ويقدر على ما يقدر عليه الله، وزعم أن النبي ﷺ كان كذلك، وأن هذا انتقل منه إلى الحسن، فتسلسل إلى شيخه" فبينتا له أن هذا كفر صريح، وجهل قبيح، وأن دعوى هذا في رسول الله ﷺ كفر دع من سواه، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٢ الآية. وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ

стр. 541

فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ١ والآية بعدها. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢. والله تعالى قد أمرنا أن نطيع رسوله فقد قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ٣. وأمرنا أن نتبعه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٤. وأمرنا أن نعززه ونوقره وننصره، وجعل له من الحقوق ما بينه في كتابه وسنة رسوله حتى أوجب علينا أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا، فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ ٦. وقال الرسول ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أن أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" وقال له عمر ﵁: يا رسول الله؛ والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال: فأنت أحب إلي من نفسي، قال: "الآن يا عمر"٧. وقال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار"٨. وقد بين في كتابه الحقوق التي لا تصلح إلا له، وحقوق رسول الله ﷺ ، وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض- كما قد بسطنا دلك في غير هذا الموضع- وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَن

стр. 542

يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ١. فالطاعة لله والرسول، والخشية والتقوى لله وحده، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ٢ فالإيتاء لله وللرسول، كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣ لأن الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله. وأما التحسب فهو لله وحده، كما قالوا حسبنا الله ولم يقولوا حسبنا الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤ أي: يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو المقطوع به في معنى هذه الآية، ولهذا كانت كلمة إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام "حسبنا الله ونعم الوكيل". الوجه السابع: في بيان حجج المنكرين لحياته- أعني الخضر- اليوم، ودلائل خصومهم، وبيان الحق الحقيق بالقبول من القولين. اعلم أن العلماء اختلفوا في حياته اليوم كما اختلفوا في نبوته، فذهب جمع إلى أنه ليس بحي اليوم، وسئل البخاري عنه وعن إلياس ﵉ هل هما حيان؟ فقال: كيف يكون هذا؟! وقد قال النبي ﷺ أي قبل وفاته بقليل: "لا يبقى على رأس المائة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" ٥. والذي في صحيح مسلم عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ قبل موته: "ما من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية"٦ وهذا أبعد عن التأويل. وسئل عن ذلك غيره من الأئمة

стр. 543

فقرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ١. وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: لو كان الخضر حياً لوجب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ ويجاهد بين يديه ويتعلم منه، وقد قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"٢ فكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، فأين كان الخضر حينئذ؟! وسُئِلَ إبراهيم الحربي عن بقائه، فقال: من أحال على غائب لم ينصف وما ألقى هذا بين الناس إلا الشيطان٣. ونقل في البحر عن شرف الدين أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي القول بموته أيضاً. ونقله ابن الجوزي عن علي بن موسى الرضا رضي الله تعالى عنهما أيضاً. وكذا عن إبراهيم بن إسحق الحربي، وقال أيضاً: كان أبو الحسين بن المنادي يقبح قول من يقول إنه حيّ. وحكى القاضي أبو يعلى موته عن بعض أصحاب محمد. وكيف يعقل وجود الخضر ولا يصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة والجماعة، ولا يشهد معه الجهاد مع قوله ﵊: "والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني"٤؟ وقوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٥ وثبوت أن عيسى ﵇ إذا نزل إلى الأرض يصلي خلف أمام هذه الأمة، ولا

стр. 544

يتقدم عليه في مبدأ الأمر، وما أبعد فهم من يثبت وجود الخضر وينسى ما في طي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة. ثم قال: وعندنا من المعقول وجوه على عدم حياته: أحدها: أن الذي قال بحياته قال إنه ابن آدم ﵇ لصلبه، وهذا فاسد لوجهين. الأول: إنه يلزم أن يكون عمره اليوم ستة آلاف سنة أو أكثر، ومثل هذا بعيد في العادات في حق البشر. والثاني: أنه لو كان ولده لصلبه أو الرابع من أولاده- كما زعموا أنه وزير ذي القرنين- لكان مهول الخلقة مفرط الطول والعرض، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خلق آدم وطوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص بعده"١. وما ذكر أحد ممن يزعم رؤية الخضر أنه رآه على خلقة عظيمة، وهو من أقدم الناس. والوجه الثاني: أنه لو كان الخضر قبل نوح ﵇ لركب معه في السفينة، ولم ينقل هذا أحد. الثالث: أن العلماء اتفقوا على أن نوحاً ﵇ لما خرج من السفينة مات من معه ولم يبق غير نسله ودليل ذلك قوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ ٢. الرابع: أنه لو صح بقاء بشر من لدن آدم إلى قرب خراب الدنيا لكان ذلك من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مذكوراً في مواضع، لأنه من آيات الربوبية، وقد ذكر سبحانه من استحياه ألف سنة إلا خمسين عاماً وجعله آية، فكيف لا يذكر جل وعلا من استحياه أضعاف ذلك؟! الخامس: أن القول بحياة الخضر قول على الله تعالى بغير علم، وهو حرام بنص القرآن، أما المقدمة الثانية فظاهرة، وأما الأولى: فلأن حياته لو كانت ثابتة لدل عليها القرآن أو السنة أو إجماع الأمة، فهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة

стр. 545

الخضر؟ وهذه سنة رسول الله ﷺ فأين ما يدل على ذلك بوجه؟ وهؤلاء علماء الأمة فمتى أجمعوا على حياته؟. السادس: أن غاية ما يتمسك به في حياته حكايات منقولة يخبر الرجل بها أنه رأى الخضر، فيالله تعالى العجب هل للخضر علامة يعرفه بها من رآه؟ وكثير من زاعمي رؤيته يغتر بقوله أنا الخضر، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا برهان من الله تعالى، فمن أين للرائي أن المخبر له صادق لا يكذب؟ السابع: أن الخضر فارق موسى بن عمران كليم الرحمن ولم يصاحبه، وقال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ١ فكيف يرضى لنفسه بمفارقة مثل موسى ﵇ ثم يجتمع بجهلة العباد الخارجين عن الشريعة، الذين لا يحضرون جمعة ولا جماعة ولا مجلس علم. وكل منهم يقول: قال لي الخضر، جاءني الخضر، أوصاني الخضر؟ فيا عجباً له يفارق الكليم، ويدور على صحبة جاهل لا يصحبه إلا شيطان رجيم، سبحانك هذا بهتان عظيم!. الثامن: أن الأمة مجمعة على أن الذي يقول أنا الخضر لو قال سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا لم يُلْتَفَتْ إلى قوله، ولم يحتج به في الدين ولا مخلص للقائل بحياته عن ذلك إلا أن يقول إنه لم يأت إلى الرسول ﵊ ولا بايعه، أو يقول إنه لم يرسل إليه، وفي هذا من الكفر ما فيه. التاسع: أنه لو كان حياً لكان جهاده الكفار ورباطه في سبيل الله تعالى ومقامه في الصف ساعة، وحضوره الجمعة والجماعة، وإرشاد جهلة الأمة؟ أفضل بكثير من سياحته بين الوحوش في القفار والفلوات إلى غير ذلك، وسيأتي إن شاء الله تعالى ماله وما عليه. وشاع الاستدلال بخبر: "لو كان الخضر حياً لزارني" وهو كما قال الحفاظ: خبر موضوع لا أصل له. ولو صحّ لأغنى عن القيل والقال، ولأنقطع به الخصام والجدال.

стр. 546

(الذاهبون إلى حياته) ومن الناس من قال بحياته، وهو موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية على ما قاله النووي، ونقل عن الثعلبي المفسر: أن الخضر نبي معمر على جميع الأقوال، محجوب عن أبصار أكثر الرجال. وقال ابن الصلاح: هو حي اليوم، وإنما ذهب إلى إنكار حياته بعض المحدثين، واستدلوا على ذلك بأخبار كثيرة. منها: ما يروى عن ابن عباس أنه قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال. ومثله لا يقال من قبل الرأي. ومنها: ما أخرجه ابن عساكر، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا أصحابنا أن آدم ﵇ لما حضره الموت جمع بنيه، فقال: يا بني إن الله تعالى منزل على أهل الأرض عذاباً فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوا بي وادفنوني بأرض الشام، فكان جسده معهم، فلما بعث الله تعالى نوحاً ضم ذلك الجسد، وأرسل الله تعالى الطوفان على الأرض فغرقت زماناً، فجاء نوح حتى نزل بابل، وأوصى بنيه الثلاثة أن يذهبوا بجسده إلى المغار الذي أمرهم أن يدفنوه به، فقالوا الأرض وحشة لا أنيس بها ولا نهتدي الطريف ولكن كف حتى يأمن الناس ويكثروا، فقال لهم نوح: إن آدم قد دعا الله تعالى أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة، فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه، فأنجز الله تعالى له ما وعده فهو يحيا إلى ما شاء الله تعالى له أن يحيا. وفي هذا سبب طول بقائه وكأنه سبب بعيد وإلا فالمشهور فيه أنه شرب من عين الحياة حين دخل الظلمة مع ذي القرنين وكان على مقدمته. ومنها: ما أخرجه الخطيب وابن عساكر، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ لما توفي وأخذنا في جهازه خرج الناس وخلا الموضع، فلما وضعته على المغتسل إذا بهاتف يهتف من زاوية البيت بأعلى صوته: لا تغسلوا محمداً، فإنه

стр. 547

طاهر مطهر، فوقع في قلبي شيء من ذلك وقلت ويلك من أنت فإن النبي ﷺ بهذا أمرنا وهذه سنته، وإذا بهاتف آخر يهتف بي من زاوية البيت بأعلى صوته غسّلوا محمداً فإن الهاتف الأول كان إبليس الملعون حسد محمداً ﷺ أن يدخل قبره مغسولاً. فقلت: جزاك الله تعالى خيراً قد أخبرتني بأن ذلك إبليس فمن أنت؟ قال: أنا الخضر حضرت جنازة محمد ﷺ . وعن علي كرم الله وجهه قال: بينما أنا أطوف بالبيت إذا رجل متعلق بأستار الكعبة يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم بالحجاج الملحين، أذقني برد عفوك، وحلاوة رحمتك. قلت: يا عبد الله أعد الكلام، قال: أسمعته؟ قلت: نعم. قال: والذي نفس الخضر بيده -وكان هو الخضر- لا يقولهن عبد دبر الصلاة المكتوبة إلا غفرت ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج، وعدد المطر، وورق الشجر. ومنها: ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن جابر، قال: لما توفي رسول الله ﷺ واجتمع الصحابة؛ دخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطى رقابهم فبكى، ثم التفت إلى الصحابة فقال: إن في الله تعالى عزاء من كل مصيبة، وعوضاً من كل فائت، وخلفاً من كل هالك، فإلى الله تعالى فأنيبوا، وإليه تعالى فارغبوا، وننهره سبحانه إليكم في البلاء؛ فانظروا فإنما المصاب من لم يجبر، فقال أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما: هذا الخضر عليه السلام١.

стр. 548

إلى غير ذلك مما لم يدل على حياته اليوم بل يدل على أنه كان حياً في زمنه ﷺ ، ولا يلزم من حياته إذ ذاك حياته اليوم. والنافون أجابوا عن هذه الأحاديث، وقالوا: إن الأخبار التي ذُكر فيها الخضر ﵇ وحياته كلها كذب، ولا يصح في حياته حديث واحد، ومن ادّعى الصحة فعليه البيان. ثم إن المشايخ لم يتفقوا على القول بحياته، فقد نقل الشيخ صدر الدين إسحق القونوي في كتابه (تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي) أن وجود الخضر ﵇ في عالم المثال. وذهب عبد الرزاق الكاشي إلى أن الخضر عبارة عن البسط وإلياس عن القبض. وذهب بعضهم إلى أن الخضرية رتبة يتولاها بعض الصالحين على قدم الخضر الذي كان في زمن موسى ﵉، إلى غير ذلك من الأقوال المذكورة في "روح المعاني". وفيه أيضاً: ثم اعلم بعد كل حساب أن الأخبار الصحيحة النبوية والمقدمات الراجحة العقلية تساعد القائلين بوفاته أي مساعدة، وتعاضدهم على دعواهم أي معاضدة، ولا مقتضى للعدول عن تلك الأخبار إلا مراعاة ظواهر الحكايات المروية -والله أعلم بصحتها- عن بعض الصالحين الأخيار. هذا ملخص ما في تفسير "روح المعاني" مما يرغم أنف لنبهاني، فتمسك بما قاله أئمة المحدّثين، فهم أعلم الناس بشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. الوجه الثامن من الوجوه الدالة على فساد قول النبهاني: أن ما نقله عن ابن حجر المكي وما وقع له مع شيخه وأبي يحيي زكريا الأنصاري وأن أبا يحيي قال لشيخ ابن حجر- وكان منكراً للأقطاب والأبدال-: هكذا يا شيخ محمد. وكرر ذلك عليه، حتى قال له الشيخ محمد: يا مولانا شيخ الإسلام آمنت بذلك وصدقت به وقد تبت. فقال: هذا هو الظن بك ... إلخ-؛ لا يقوم حجة على المنكرين، إذ مدار الاستدلال على الكتاب والسنة، لا بمثل قول أبي يحيي للشيخ

стр. 549

محمد عند إنكاره هكذا يا شيخ محمد مكرراً ذلك. ومثل هذه الخرافات يأنف عن نقلها أرباب العقول السليمة، ففي "روح المعاني"- عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ ١ بعد نقل عبارة الفتوحات في النقباء من أنواع الأولياء- قال: "وقد عد الشيخ أنواعاً كثيرة، والسلفيون ينكرون أكثر تلك الأسماء، ففي بعض فتاوى ابن تيمية: وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي بمكة، والأوتاد الأربعة، والأقطاب السبعة، والأبدال الأربعين، والنجباء الثلاثمائة "فهي ليست موجودة في كتاب الله تعالى، ولا هي مأثورة عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل، إلا لفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي كرم الله وجهه مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: "إن فيهم- يعني أهل الأبدال- أربعين رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلاً"٢ ولا توجد أيضاً في كلام السلف" انتهى. غير أني رأيت في موضع آخر من (روح المعاني) عند الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ٣: "ولهم في تعريفه عبارات شتى تقدم بعضها، وفي (الفتوحات) هو الذي تولاه الله تعالى في مقام مجاهدته الأعداء الأربعة: الهوى، والنفس، والشيطان، والدنيا، وفيها تقسيم الأولياء إلى عدة أقسام: منها الأقطاب، والأوتاد، والأبدال، والنقباء، والنجباء، وقد ورد ذلك مرفوعاً وموقوفاً من حديث عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وعبادة بن الصامت، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وابن مسعود، وعوف بن مالك، ومعاذ بن جبل، وواثلة بن الأسقع، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وأم سلمة، ومن مرسل الحسن، وعطاء،

стр. 550

وبكر بن خنيس، ومن الآثار عن التابعين ومن بعدهم ما لا يحصى، وقد ذكر ذلك الجلال السيوطي في رسالة مستقلة له، وشيد أركانه، وأنكره كما قدمنا بعضهم، والحق مع المثبتين، وأنا والحمد لله تعالى منهم، وإن كنت لم أشيد قبل أركان ذلك، والأئمة والحواريون والرجبيون والختم والملامية والفقراء وسقيط الرفرت بن ساقط العرش والأمناء والمحدثون إلى غير ذلك ". وفي موضع آخر من تفسير (روح المعاني) عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ١ قال بعد كلام طويل: "إن الآية متضمنة الوعد منه لأهل بيت نبيه ﷺ بأنهم إن ينتهوا عما ينهون عنه، ويأتمروا بما يأمرهم به؛ يُذْهِبْ عنهم- لا محالة- مبادىء ما يُسْتَهْجَن، ويحليهم أجل تحلية بما يستحسن، وفيه إيماء إلى قبول أعمالهم، وترتب الآثار الجميلة عليها قطعاً، ويكون هذا خصوصية لهم ومزية على من عداهم، من حيث أن أولئك الأغيار إذا انتهوا وائتمروا لا يقطع لهم بحصول ذلك، ولذا تجد عباد أهل البيت أتم حالاً من سائر العباد المشاركين لهم في العبادة الظاهرة، وأحسن أخلاقاً وأزكى نفساً، وإليهم تنتهي سلاسل الطرائق التي مبناها- كما لا يخفى على سالكيها- التخلية والتحلية، اللتان هما جناحان للطيران إلى حظائر القدس، والوقوف على أركان الأنس، حتى ذهب قوم إلى أن القطب في كل عصر لا يكون إلا منهم، خلافاً للأستاذ أبي العباس المرسي حيا ذهب- كما نقل عنه تلميذه التاج بن عطاء الله- إلى أنه قد يكون من غيرهم. قال: ورأيت في مكتوبات الإمام الفاروقي الرباني مجدد الألف الثاني ما حاصله: أن القطبية لم تكن على سبيل الأصالة إلا لأئمة أهل البيت المشهورين، ثم إنها صارت بعدهم لغيرهم على سبيل النيابة عنهم، حتى انتهت النوبة إلى السيد الشيخ عبد القادر الكيلاني، فنال مرتبة القطبية على سبيل الأصالة، فلما عرج بروحه القدسية إلى أعلى عليين نال من نال بعده تلك الرتبة على سبيل النيابة عنه،

стр. 551

فإذا جاء المهدي ينالها أصالة كما نالها غيره من الأئمة رضوان الله عليهم أجمعين" انتهى. ثم قال بعد ذلك: "وأقول إن السيد الشيخ عبد القادر قد نال ما نال من القطبية بواسطة جده ﵊ على أتم وجه وأكمل حال، فقد كان رضي الله تعالى عنه من أجلّة أهل البيت حسنياً من جهة الأب حسينياً من جهة الأم، لم يصبه نقص لو أن وعسى وليت، ولا ينكر ذلك إلا زنديق أو رافضي ينكر صحبة الصديق "انتهت عبارة "روح المعاني". وأنت تعلم مما أسلفناه إليك أن هذا الكلام ساقط عن الاعتبار عند المحققين من الحفاظ وأئمة المحدثين، إذ ليس لهم على ذلك دليل يعتمد عليه لا من الكتاب ولا من السنة النبوية الصحيحة، ولا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال، وقد تحصل من جميع ما ذكرناه أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الحق الذي اقتضاه الكتاب والسنة، وما يخالفه ساقط لا يلتفت إليه، والله ولي التوفيق.

стр. 552

[الكلام على كتاب "منهاج السنة" لشيخ الإسلام] قال النبهاني: وها أنا أرجع إلى الكلام على (منهاج السنة) للإمام ابن تيمية فأقول: لما كان كثير من طلبة العلم في هذا الزمان- فضلاً عن العوام- غير ماهرين في علم الكلام، ومعرفة ما يخالف أو يوافق العقيدة الصحيحة من أبحاثهم الدقيقة، التي لا يهتدي لمعرفتها والتفريق بين الحق والباطل منها إلا أكابر علماء الإسلام- الذين قضوا زمناً طويلاً من أعمارهم في مباحث علم الكلام -كان من الواجب على علماء أهل السنة والجماعة من الأشعرية والماتريدية- وهم أهل المذاهب الثلاثة وبعض الحنابلة أيضاً- أن يحذروا العوام وضعاف الطلبة من مطالعة هذين الكتابين، لكثرة ما فيهما من خلط الحق بالباطل، والرد على أهل السنة والجماعة بحجج مزخرفات، ربما لا يهتدي لدفعها القاصرون من طلبة العلم فضلاً عن العوام.

стр. 553

قال: وقد تقدم في كلام الإمام السبكي أنه رد على كتابه (العقل والنقل) فرده هو لا شك من الجهات التي خالف بها أهل السنة ورد عليهم مثل الإمام الأشعري وغيره. ثم إنه نقل عن الزبيدي ما يؤيد قوله من أن أهل السنة هم الأشاعرة ونحوهم، وعن التاج السبكي ووالده مثل ذلك، وأنه لا فرق بين الأشاعرة وبين الماتريدية إلا في مسائل. ثم إنه نقل أيضاً عن الزبيدي أيضاً أن للسبكي شرحاً على قصيدة ابن زفيل الحنبلي التي رد فيها على الأشاعرة وأضرابهم، وهي التي يقول فيها: إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فعليك إثم الكاذب الفتان جهم بن صفوان وشيعته الألى ... جحدوا صفات الخالق الديان بل عطلوا منه السموات العلى ... والعرش أخلوه من الرحمن والعبد عندهم فليس بفاعل ... بل فعله كتحرك الرجفان اعلم أن هذه الأبيات من نونية ابن القيم رحمه الله تعالى، وهي المسماة (بالكافية الشافية) ولم نسمع أن أحداً سماه ابن زفيل، وكلامه يوهم أنه شخص آخر، وهكذا شأن الغلاة ديدنهم ودينهم تحريف الكلام عن مواضعه. والسبكي ليس من رجال هذه المنظومة حتى يكتب عليها شيئاً، ومن ادّعى غير ما ذكرناه فعليه البيان حتى نتكلم عليه بما يجب. ثم نقل من شرح السبكي على هذه الأبيات ذم علم الكلام، وذم الشيخ ابن تيمية وأصحابه بسبب قولهم في المسائل المختارة للشيخ وما افتراه عليهم خصومهم. وبعد أن فرغ من عبارة السبكي التي نقلها الزبيدي، قال النبهاني: إذا علمت ذلك أيها المسلم الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي الصالح الموفق تعلم أنه يجب عليك الحذر التام من كتب الإمام ابن تيمية وجماعته المتعلقة بالعقائد، لئلا تهوى في مهواة الضلال، ولا ينفعك الندم بعدم ذلك بحال من الأحوال، وإياك أن تغتر بكلام السيد نعمان أفندي الألوسي البغدادي في كتابه

стр. 554

(جلاء العينين) وتظنه أنه حنفي من أهل السنة والجماعة، فهو بهذا الكتاب قد خرج عن حنفيته وسنيته، وصار من جماعة ابن تيمية ناصراً لمذهبه مذهب الوهابية- عفا الله عنه وعنهم أجمعين- فإنهم بلا شك من جملة المسلمين وإن كانوا فيما خالفوا أهل السنة مبتدعين، وهم إنما يغرون أهل الإسلام من ضعاف الطلبة والعوام بقولهم إنهم على مذهب السلف. ثم نقل بعض العبارات عن كتاب "المنهاج" زعم أن فيها إثبات الجهة، إلى آخر هذيانه. وحاصل كلامه الطويل السخيف العليل؛ أنه حذر طلبة العلم من مطالعة كتب ابن تيمية، ولاسيما كتاب "العقل والنقل"، و"المنهاج"، ومن كتاب "جلاء العينين"، فإن تلك الكتب مخالفة لعقائد أهل السنة، وأن مؤلف "جلاء العينين" بسبب الذب عن ابن تيمية وإبطال بهتان ابن حجر خرج عن حنفيته وسنيته، وله الفضل حيث لم يخرجه أيضاً عن حنيفيته، وأن ابن تيمية قائل بالجهة، هذا حاصل جميع هذيانه في هذا المقام، والله المستعان، وقد جعل الموافقين لابن تيمية مبتدعة، وقد كرر ذلك الكلام مراراً، وأعاده مرة بعد أخرى. أقول في الجواب عن غلطه: إنا قد قدمنا الكلام على كتب الشيخ ابن تيمية مفصلاً، وذكرنا ما ذكرنا من تقاريظ أهل العلم عليها، وما قالوه من الثناء الذي لم يكن لغيرها، وهي الكتب التي فتح الله بها عيوناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وكانت من بعض آيات نبوة النبي ﷺ إن كان فرد من أفراد أمته بلغ ما بلغ من العلم بحمد الله وتوفيقه، ويقال للنبهاني كما أنشدناه سابقاً: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد ... وينكر الفم طعم الماء من سقم ويقال له أيضاً: من أين لك علم بعلم الكلام، بل بعلم من العلوم؟ فإن كتابك هذا الذي نراه من أوضح الدلائل على جهلك لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. ويقال له أيضا: إن كان لك علم وفهم فلم لم تنصح نفسك وتردعها عن سلوك هذا المسلك الذي أنت متلوث به والنفس مقدمة على الغير؟

стр. 555

وما أحسن ما قيل: يا أيها الشيخ المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم ويقال له أيضاً: لم لم تنصح- إن كان لك فهم وذوق- عن مطالعة الكتب التي تصادم الشريعة الغراء وتناقضها، ككتب الشيخ محي الدين ابن العربي وأضرابه من المتصوفة، التي تقشعر من سماعها جلود المؤمنين، قال الشيخ محي الدين عند الكلام على تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية برواية أبي زرعة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ستروا محبتهم ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ ١ استوى عندهم إنذارك وعدم إنذارك لما جعلنا عندهم (لا يؤمنون) بك ولا يأخذون عنك، إنما يأخذون عنا. (ختم الله على قلوبهم) فلا يعقلون إلا عنه. (وعلى سمعهم) فلا يسمعون إلا منه. (وعلى أبصارهم غشاوة) فلا يبصرون إلا إليه، ولا يلتفتون إليك وإلى ما عندك بما جعلناه عندهم وألقيناه إليهم (ولهم عذاب) من العذوبة (عظيم) ! انتهى. ولكن النبهاني وأضرابه من الغلاة يذبون عن مثل هذه الكتب، ويحثون على مطالعتها، ويلمزون كتب السنة الداعية إلى توحيد الله، وهكذا شأن علماء أهل الكتاب وأحبارهم. فقد ناقل الحافظ ابن القيم في كتابه "هداية الحيارى" عند رده على من طعن في علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما نصه- من كلام طويل-: "وما يدريكم معاشر المثلثة وعُبّاد الصليب وأمة اللعنة والغضب؛ بالفقه والعلم، ومسمى هذا الاسم، حيث تسلبونه أصحاب محمد الذين هم وتلاميذهم كأنبياء بني إسرائيل؟ وهل يميز بين العلماء والجهال ويعرف مقادير العلماء إلا من هو من جملتهم، ومعدود في زمرتهم؟ فأما طائفة شبه الله علماءهم بالحمير التي تحمل الأسفار، وطائفة علماؤها يقولون في الله ما لا يرضاه أمة من الأمم فيمن تعظمه وتجله، وتأخذ دينها عن كل كاذب ومفتر على الله وعلى أنبيائه، فمثلها كمثل عريان

стр. 556

يحارب شاكي السلاح، ومن سقف بيته زجاج وهو يزاحم أصحاب القصور بالأحجار، ولا يستكثر على من قال في الله ورسوله ما قال أن يقول في أعلم الخلق إنهم عوام. فليهن أمة الغضب علم [المشنا] والتلموذ وما فيها من الكذب على الله وعلى كليمه موسى، وما يحدثه لهم أحبارهم وعلماء السوء منهم كل وقت، وليهنهم علوم دلتهم على أن الله ندم على خلق البشر حتى شق عليه، وبكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وغير ذلك. وليهن أمة الضلال علومهم التي فارقوا بها جميع شرائع الأنبياء، وخالفوا بها المسيح خلافاً يتحققه علماؤهم في كل أمره، وعلومهم التي قالوا بها في رب العالمين ما قالوا مما كادت السموات تنشق منه والأرض تتفطر، والجبال تنهد، لولا أن أمسكها الحكيم المصور، وعلومهم التي دلتهم على التثليث وعبادة خشبة الصليب والصور المدهونة، ودلتكم على قول عالمكم أن السيد التي جلبت طينة آدم هي التي علقت على الصلبوت، وأن الشبر الذي ذرعت به السموات هو الذي سمر على الخشبة، وقول عالمكم الآخر من لم يقل إن مريم والدة الله فهو خارج عن ولاية الله"١ انتهى ما قصدنا نقله وبقي منه كلام طويل من أراده فليرجع إليه. سمعت أيها النبهاني ما قال إخوانك وما قيل لهم، فوازن بين كلامهم وطعنهم على أهل الحق وعلومهم وبين كلامك وقدحك في كتب السنة والدين الخالص، ووازن بين ما أجابوا به وما أجبت به، ولقد تشابهت قلوبكم، وتوافقت مثالبكم وعيوبكم، كل ذلك أيها النبهاني من جهلك الذي أنت فيه، وهو الذي أوقعك في مهواة البلاء وعجبك بنفسك، وتكبرك الذي دعاك إلى أن ضربت بسهم مع الأفاضل وأرباب التقوى، مع أنك كما قال القائل: نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت في البيداء أبعد منزل ثم نقول: إن ما ادعاه النبهاني- تقليداً لأسلافه- أن الأشاعرة والماتريدية

стр. 557

هم أهل السنة وأن من كان على طريقة السلف- كشيخ الإسلام ابن تيمية- هم من المبتدعة كلام لا أظنه يصدر عن ذي فهم ولا معرفة، فلا بد من الكلام على تحقيق هذه المسألة وبيان المراد بالسنة والبدعة، ليتبين الحق من الباطل، ويعلم به أنه الأحق باسم المبتدع هو هذا الخصم الألد، ومن على منهجه من أسلافه الغلاة قبحهم الله تعالى وخذلهم. اعلم أن أهل السنة والجماعة هم أهل الإسلام والتوحيد، المتمسكون بالسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ في العقائد والنحل والعبادات الباطنة والظاهرة، الذين لم يشوبوها ببدع أهل الأهواء وأهل الكلام في أبواب العلم والاعتقادات، ولم يخرجوا عنها في باب العمل والإرادات، كما عليه جهال أهل الطرائق والعبادات. فإن السنة في الأصل تقع على ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وما سَنَّهُ أو أَمَرَ به من أصول الدين وفروعه، حتى الهَدْيَ والسمت، ثم خُصّت في بعض الإطلاقات بما كان عليه أهل السنة من إثبات الأسماء والصفات، خلافاً للجهمية المعطلة النفاة، وخُصّت بإثبات القدر ونفي الجبر خلافاً للقدرية النفاة، وللقدرية الجبرية العصاة، وتطلق أيضاً على ما كان عليه السلف الصالح في مسائل الإمامة والتفضيل، والكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا من إطلاق الاسم على بعض مسمياته، لأنهم يريدون بمثل هذا الإطلاق التنبيه على أن المسمى ركن أعظم وشرط أكبر، كقوله: "الحج عرفة"١ أو لأنه الوصف الفارق بينهم وبين غيرهم، ولذلك سمى العلماء كتبهم في هذه الأصول كتب السنة، ككتاب السنة للألكائي، والسنة لأبي بكر الأثرم، والسنة للخلال، والسنة لابن خزيمة، والسنة لعبد الله بن أحمد، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم. فما قاله النبهاني إن في كتب ابن تيمية التي ذكرها حكماً على أهل السنة والجماعة بالتكفير والإشراك؛ كذب ظاهر، وبهت جلي، ما قيل ولا صدر فضلاً عن كونه عرف واشتهر، وآحاد العامة فضلاً عن الخاصة لا يخفى عليهم أن الشيخ

стр. 558

وأصحابه كانوا من أكابر أهل السنة والجماعة، وأنهم تصدوا للرد على المبطلين والمشركين، من اليهود والنصارى، والصابئة والفلاسفة، وعباد القبور والمشائخ، ولم يكفروا غير هذه الطوائف ومن ضاهاهم، كغلاة الجهمية، والقدرية، والرافضة، هذا يعرفه كثير من العوام. فما قاله النبهاني من أن الشيخ ابن تيمية رد في كتابه "منهاج السنة" وكتاب "العقل والنقل" على أهل السنة لا أصل له، بل إنه رد على الغلاة من عبدة القبور. وتسمية هؤلاء أهل سنة وجماعة جهل عظيم بحدود ما أنزل الله على رسوله، وقلب للمسميات الشرعية وما يراد من الإسلام والإيمان، والشرك والكفر، قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ١. والنبهاني وأمثاله أجدر من أولئك بالجهل وعدم العلم بالحدود لغربة الإسلام وبعد العهد بآثار النبوة، كما أفاده العلامة الشيخ عبد اللطيف في منهاجه. وظن النبهاني أن دعاء غير الله والعمل بغير الشريعة الأحمدية والقول بالحلول والاتحاد؛ لا يخرجه عن جادة الحق مع الإتيان بالشهادتين، مع أنه لا يشترط في ذلك أن يكفر المكلف بجميع ما جاء به الرسول، بل يكفي في الكفر والردة- والعياذ بالله تعالى- أن يأتي بما يوجب ذلك ولو في بعض الأصول، وهذا ذكره الفقهاء من كل مذهب، وهو من عجيب جهل النبهاني وأمثاله من الغلاة، لأنه يعرفه المبتدئون في الفقه والعلم، ومن أراد الوقوف على جزئيات وفروع في الكفر والردة فعليه بما صنف في ذلك، كالأعلام لابن حجر، وما عقده الفقهاء من أهل كل مذهب في باب حكم المرتد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الرسالة السنية" لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من الدين وأمر النبي ﷺ بقتالهم قال: "فإذا كان عهد النبي ﷺ وخلفائه

стр. 559

ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عباداته العظيمة حتى أمر ﷺ بقتاله؛ فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام، وذلك بأسباب؛ منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١ الآية. وعليّ ﵁ حرَّق الغالية من الرافضة، فأمر بأخاديد خُدَّت لهم عند باب كندة فقُذِفُوا فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر الصحابة، وقصتهم معروفة عند العلماء. وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في عليّ بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعاً من الإلهية- مثل أن يقول: يا سيدي فلان! انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو أجرني أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال- فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل. فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا يجعل معه إلهاً آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى- مثل المسيح والملائكة والأصنام- لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، وتنزل المطر، وتنبت النبات، إنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢ ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣ فبعث الله رسوله ينهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٤. قال طائفة من السلف: "كان أقوام يدعون المسيح وعزيراً والملائكة فأنزل

стр. 560

الله هذه الآية، ثم ذكر آيات في المعنى". انتهى. وقال شيخ الإسلام أيضاً في "الفرقان بين الحق والباطل": "وأهل الضلال الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً هم كما قال مجاهد: أهل البدع والشبهات يتمسكون بما هو بدعة في الشرع ومشتبه في العقل. وكما قال فيهم الإمام أحمد، قال: هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يحتجون بالمتشابه من الكلام، ويضلون الناس بما يشبهون عليهم، والموافقة من أهل الضلال تجعل لها ديناً وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث فإن وافقه احتجوا به اعتقاداً لا اعتماداً، وإن خالفه: فتارة يحرفون الكلام عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه ويقولون نفوض معناه إلى الله، وهذا فعل عامتهم، وعمدة الطائفتين في الباطن غير ما جاء به الرسول، يجعلون أقوالهم البدعية محكمة يجب اتباعها واعتقاد موجبها، والمخالف إما كافر وإما جاهل لا يعرف هذا الباب، وليس له علم بالمعقول ولا بالأصول، ويجعلون كلام الله ورسوله الذي يخالفها من المتشابه الذي لا يعرف معناه إلا الله، أو لا يعرف معناه إلا الراسخون في العلم، والراسخون عندهم من كان موافقاً لهم على ذلك القول، وهؤلاء أضل ممن تمسك بما تشابه عليه من آيات الكتاب وترك المحكم، كالنصارى والخوارج وغيرهم، إذ كان هؤلاء أخذوا بالمتشابه من كلام الله وجعلوه محكماً وجعلوا المحكم متشابها، وأما أولئك -كنفات. الصفات من الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم كالفلاسفة- فيجعلون ما ابتدعوه هم برأيهم هو المحكم الذي يجب اتباعه، وإن لم يكن معهم من الأنبياء والكتاب والسنة ما يوافقه، ويجعلون ما جاءت في الأنبياء وإن كان صريحاً قد يعلم معناه بالضرورة ويجعلونه من المتشابه، ولهذا كان هؤلاء أعظم مخالفة للأنبياء من جميع أهل البدع، حتى قال يوسف بن أسباط، وعبد الله بن المبارك، وغيرهما كطائفة من أصحاب أحمد: إن الجهمية نفاة الصفات خارجون عن الثنتين والسبعين فرقة. قالوا: وأصولها أربعة: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والقدرية، وقد

стр. 561

ذكرنا في غير هذا الموضع أن قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ١ في المتشابهات قولان: أحدهما أنها آيات بعينها تتشابه على كل الناس، والثاني: وهو الصحيح- أن التشابه أمر نسبي فقد يتشابه عند هذا ما لا يتشابه عند غيره، ولكن ثم آيات محكمات لا تشابه فيها على أحد، وتلك المتشابهات إذا عرف معناها صارت غير متشابهة، بل القول كله محكم، كما قال: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ ٢ وهذا كقوله: "الحلال بيّن والحرام بيّن، وبين ذلك أمور لا يعلمهن كثير من الناس"٣ وكذلك قولهم: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ ٤. وقد صنف أحمد كتاباً في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله، وفسر تلك الآيات كلها، وذمهم على أنهم تأولوا ذلك المتشابه على غير تأويله، وعامتها آيات معروفة قد تكلم العلماء في تفسيرها، مثل الآيات التي سأل عنها نافع بن الأزرق لابن عباس، قال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيم أنزلت وماذا عنى بها، ومن قال من السلف إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله فقد أصاب أيضاً، ومراده بالتأويل ما استأثر الله بعلمه، مثل وقت الساعة، ومجيء أشراطها، ومثل كيفية نفسه، وما أعده في الجنة لأوليائه، وكان من أسباب نزول الآية احتجاج النصارى بما تشابه عليهم، كقوله: (أنا) و (نحن) وهذا يعرف العلماء أن المراد به الواحد المعظم الذي له أعوان، لم يرد به أن الآلهة ثلاثة، فتأويل هذا- الذي هو تفسيره- يعلمه الراسخون، ويفرقون بين ما قيل فيه (أنا) وما قيل فيه (إنا) بدخول الملائكة فيما يرسلهم فيه إذ كانوا رسله، وأما كونه هو المعبود الإله فهو له وحده، ولهذا لا يقول فإيانا فاعبدوا، ولا إيانا فارهبوا، بل متى جاء الأمر بالعبادة والتقوى والخشية والتوكل ذكر نفسه وحده باسمه الخاص، وإذا ذكر الأفعال التي يرسل فيها

стр. 562

الملائكة قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ ١ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ٢ ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ ٣ ونحو ذلك مع أن تأويل هذا وهو حقيقة ما دل عليه من الملائكة وصفاتهم وكيفية إرسال الرب لهم لا يعلمه إلا الله، كما قد بسط في غير هذا الموضع. والمقصود هنا؛ أن الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبر معناه، ويعقل ويعرف برهانه ودليله، إما العقلي وإما الخبري السمعي، ويعرف دلالة القرآن على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي قد توافقه وتخالفه متشابهة مجملة. فيقال لأصحاب هذه الألفاظ: يحتمل كذا وكذا ويحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول قُبِلَ وإن أرادوا بها ما يخالفه رد، وهذا مثل لفظ المركب، والجسم، والمتحيز، والجوهر، والجهة، والعرض، ونحو ذلك، ولفظ الحيز ونحو ذلك، فإن هذه الألفاظ لا توجد في الكتاب والسنة بالمعنى الذي يريده أهل هذا الاصطلاح، بل ولا في اللغة أيضاً، بل هم يختصمون بالتعبير بها على معان لم يعبر غيرهم عن تلك المعاني بهذه الألفاظ، فيفسر تلك المعاني بعبارات أخرى، ويبطل ما دل عليه القرآن من الأدلة العقلية والسمعية، وإذا وقع الاستفسار والتفصيل تبين الحق من الباطل، وعرف وجه الكلام على أدلتهم فإنها ملفقة من مقدمات مشركة يأخذون اللفظ المشترك في إحدى المقدمتين بمعنى، وفي المقدمة الأخرى بمعنى آخر، فهو في صورة اللفظ دليل وفي المعنى ليس بدليل، كمن يقول سهيل بعيد من الثريا لا يجوز أن يقترن بها ولا يتزوجها، والذي قال: أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان

стр. 563

أراد امرأة اسمها الثريا ورجلاً اسمه سهيل، ثم قال: عمرك الله.. إلخ. هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني وهذا لفظ مشترك، فجعل تعجبه وإنكاره مع الظاهر من جهة اللفظ المشترك، وقد بسط الكلام على أدلتهم المفصلة في غير موضع. والأصل الذي بنى عليه نفات الصفات وعطلوا ما عطلوا حتى صار منتهاهم إلى قول فرعون الذي جحد الخالق وكذب رسوله موسى في أن الله كلَّمَةُ؛ هو استدلالهم على حدوث العالم بأن الأجسام محدثة، واستدلالهم على ذلك بأنها لا تخلو من الحوادث ولم تسبقها، وما لم يخل من الحوادث ولم يسبقها فهو محدث، وهذا أصل قول الجهمية الذين أطبق السلف والأئمة على ذمهم، وأصل قول المتكلمين الذين أطبقوا على ذمهم. وقد صنف الناس مصنفات متعددة فيها أقوال السلف والأئمة في ذم الجهمية وفي ذم هؤلاء المتكلمين، والسلف لم يذموا جنس الكلام فإن كل آدمي يتكلم، ولا ذموا الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به رسوله، والاستدلال بما بينه الله ورسوله، بل ولا ذموا كلاماً هو حق بل ذموا الكلام الباطل وهو المخالف للكتاب والسنة، وهو المخالف للعقل أيضاً، وهو الباطل. فالكلام الذي ذمه السلف هو الكلام الباطل، وهو المخالف للشرع والعقل، ولكن كثيراً من الناس خفي عليه بطلان هذا الكلام، فمنهم من اعتقده موافقاً للشرع والعقل حتى اعتقد أن إبراهيم الخليل استدل به، ومن هؤلاء من يجعله أصل الدين ولا يحصل الإيمان أو لا يتم إلا به، ولكن من عرف ما جاء به الرسول وما كان عليه الصحابة علم بالاضطرار أن الرسول والصحابة لم يكونوا يسلكون هذا المسلك، فصار من عرف ذلك يعرف أن هذا بدعة، وكثير منهم لا يعرف أنه فاسد، بل يظن مع ذلك أنه صحيح من جهة العقل لكنه طويل أو بعيد المعرفة أو هو طريق مخيفة مخطر يخاف على سالكه، فصاروا يعيبونه كما يعاب الطريق الطويل والطريق المخيف، مع اعتقادهم أنه يوصل إلى المعرفة وأنه صحيح في

стр. 564

نفسه، وأما الحذاق العارفون تحقيقه فعلموا أنه باطل عقلاً وشرعاً، وأنه ليس بطريق موصل إلى المعرفة، بل إنما يوصل لمن اعتقد صحته إلى الجهل والضلال، ومن تبين له تناقضه أوصله إلى الحيرة والشك ولهذا صار حذاق سالكيه ينتهون إلى الحيرة والشك، إذ كان حقيقته أن كل موجود فهو حادث مسبوق بالعدم، وليس في الوجود قديم، وهذا مكابرة، فإن الوجود مشهود، وهو إما حادث وإما قديم، والحادث لا بد له من قديم، فثبت وجود القديم على التقديرين. وكذلك ما ابتدعه في هذه الطريق ابن سينا وأتباعه من الاستدلال بالممكن على الواجب أبطل من ذلك، كما قد بسط ذلك في غير هذا الموضع. وحقيقته؛ أن كل موجود فهو ممكن، ليس في الوجود موجود بنفسه، مع أنهم جعلوا هذا طريقاً لإثبات الواجب بنفسه، كما يجعل أولئك هذا طريقاً لإثبات القديم، وكلاهما يناقض ثبوت القديم والواجب، فليس في واحد منهما إثبات قديم ولا واجب بنفسه، مع أن ثبوت موجود قديم وواجب بنفسه معلوم بالضرورة، ولهذا صار حذاق هؤلاء إلى أن الموجود الواجب والقديم هو العالم بنفسه، وقالوا هو الله، وأنكروا أن لا يكون للعالم رب مباين للعالم، إذ كان ثبوت القديم الواجب بنفسه لا بد منه على كل قول، وفرعون ونحوه ممن أنكر الصانع ما كان ينكر هذا الوجود المشهود. فلما كان حقيقة قول أولئك يستلزم أنه ليس موجود قديم ولا واجب لكنهم لا يعرفون أن هذا يلزمهم، بل يظنون أنهم أقاموا الدليل على إثبات القديم الواجب بنفسه، ولكن وصفوه بصفات الممتنع، فقالوا لا داخل العالم ولا خارجه، ولا هو صفة ولا موصوف، ولا يشار إليه ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تستلزم عدمه، وكان هذا مما تنفر عنه العقول والفطر، ويعرف أن هذا صفة المعدوم الممتنع لا صفة الموجود، فدليلهم في نفس الأمر يستلزم أنه ما ثم قديم ولا واجب، ولكن ظنوا أنهم أثبتوا القديم والواجب، وهذا الذي أثبتوه ممتنع فما أثبتوا قديماً ولا واجباً.

стр. 565

فجاء آخرون من جهتهم فرأوا هذا مكابرة، وأنه لا بد من إثبات القديم والواجب، فقالوا هو هذا العالم، فكان قدماء الجهمية يقولون إنه بذاته في كل مكان، وهؤلاء قالوا هو غير الموجودات، والموجود القديم الواجب هو نفس الوجود المحدث الممكن، والحلول هو الذي أظهرته الجهمية للناس حتى عرفه السلف والأئمة وردوه. وأما حقيقة قولهم فهو النفي؛ أن لا داخل العالم ولا خارجه، ولكن هذا لم يسمعه الأئمة ولم يعرفوا أنه قولهم إلا من باطنهم، ولهذا كان الأئمة يحكون عن الجهمية أنه في كل مكان، ويحكون عنهم وصفه بالصفات السلبية، وشاع عند الناس أن الجهمية يصفونه بالسلوب حتى قال أبو تمام: جهمية الأوصاف إلا أنها ... قد حليت بمحاسن الأشياء وهم لم يقصدوا نفي القديم والواجب، فإن هذا لا يقصده أحد من العقلاء لا مسلم ولا كافر، إذ كان خلاف ما يعلمه كل واحد ببديهة عقله، فإنه إذا قدر أن جميع الموجودات حادثة عن عدم لزم أن كل الموجودات حدثت بأنفسها، ومن المعلوم ببداهة العقول أن الحادث لا يحدث بنفسه، ولهذا قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ١ وقد قيل: خلقوا من غير شيء من غير رب خلقهم وقيل من غير مادة، وقيل من غير عاقبة وجزاء. والأول مراد قطعاً، فإن كل ما خلق من مادة أو لغاية فلا بد له من خالق. ثم ذكر الشيخ ﵀ معرفة الفطر، ثم ذكر قول الأشعرية، والهشامية، والكرامية، وغيرهم، ثم أبطله بأوضح بيان وأجلى برهان. والمقصود، أن شيخ الإسلام لم يَرُدّ إلا على من خالف الشريعة وصادمها بقواعده، ولم يرد على أهل السنة وهم الذين كانوا على الصراط المستقيم ولم يخالفوا ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه ﵃، بل ذب عنهم وانتصر
следующие страницы →