← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

والغلو في المخلوق هو أعظم أسباب عبادة الأصنام والصالحين، كما كان في قوم نوح من عبادة نسر وسواع ويغوث ويعوق ونحوهم، وكما كان من عبادة النصارى للمسيح ﵇، وهذا هو القول على الله بغير الحق. والمقصود؛ أن مراعاة حقوق النبي ﷺ إنما تكون بالمحافظة على شريعته لا بما يقول النبهاني الغبي، ومن المعلوم ما كان عليه ابن تيمية من اتباع السنن، والمحافظة على الشريعة الغراء، ومزيد الأدب مع رسول الله ﷺ ، حتى أنه عقد فصلاً في كتابه (الصارم المسلول) لبذل الأموال وسفك الدماء في تعزير رسول الله ﷺ وتوقيره. وفصلاً آخر في فرض الله علينا تعزيره وتوقيره. وفصلاً آخر في أن قيام المدحة والتعظيم والثناء عليه ﷺ قيام الدين كله. وفصلاً آخر في أن شاتم الرسول ﷺ يتعين قتله. وفصلاً آخر في أن الله تعالى أوجب لنبيه ﷺ حقوقاً زائدة على القلب واللسان والجوارح، وأن سبه سب لجميع المسلمين، وطعن في دينهم. وفصلاً آخر في أن التعظيم والمحبة للرسول ﷺ لازم للإيمان. وفصلاً آخر في بيان حكم الطعن في نسبه أو خلقه أو خُلقه أو أمانته أو وفائه أو صدقه. وذكر فصولاً أخرى مهمة كلها تدل على ما انطوى عليه من مزيد حبه وأدبه لرسول الله ﷺ ، حتى إنه قال نقلاً عن القاضي عياض: "جميع من سب النبي ﷺ أو عابه أو ألحق به نقصاً في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به شبهة بشيء على طريق السب له والإزراء عليه أو البغض منه والعيب له؛ فهو سابٌّ له، والحكم فيه حكم الساب يقتل، ولا تستثن فصلاً من فصول هذا الباب عن هذا المقصد، ولا تمتر فيه تصريحاً كان أو تلويحاً، وكذلك من لعنه، أو تمنى مضرة له، أو دعا عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عيبه في جهة الغريزة بسخف من الكلام، وهجر ومنكر من القول وزوراً، أو عيره بشيء مما يجري من البلاء والمحنة عليه، أو غمضه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهود لديه، قال: وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن أصحابه، وهلم جراً. وقال ابن القاسم؛ عن مالك: من سب النبي ﷺ قُتل، ولم يُستتب. قال ابن

стр. 492

القاسم: أو شتمه أو عابه أو تنقّصه، فإنه يقتل كالزنديق، وقد فرض الله توقيره. وكذلك قال مالك في رواية المدنيين عنه من سب رسول الله ﷺ أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلماً كان أو كافراً ولا يستتاب. وروى ابن وهب عن مالك: من قال إن رداء النبي ﷺ وسخ وأراد به عيبه قتل. وروى بعض المالكية إجماع العلماء على من دعا على نبي من الأنبياء بالويل أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة. وذكر القاضي عياض أجوبة جماعة من فقهاء المالكية المشاهير بالقتل بلا استتابة في قضايا متعددة أفتى في كل قضية بعضهم وفصلها" انتهى ما قصدنا نقله من كتاب (الصارم المسلول) ١. وهو كتاب جليل يدل دلالة صريحة على ما كان عليه مؤلفه من المحبة بالاتباع، وبه يسقط كل ما هذى به النبهاني من الباطل والزور. قال النبهاني: ويقوي عدم اعتبار نقل ابن تيمية في بعض ما ينقله ما قاله في حقه الحافظ العراقي الكبير، وها أنا أنقله تتميماً للفائدة وتقوية للحجة، وإن لم يكن مما نحن فيه، فأقول: قد اطلعت على جزء لطيف تأليف الحافظ العراقي، شيخ الحافظ ابن حجر والإمام العيني، تكلم فيه على أكل الدجاج والحبوب والتوسعة على العيال يوم عاشوراء، رد به على الإمام ابن تيمية في منعه ذلك، ثم إنه أورد الرسالة بتمامها. جوابه: أن ما ذكرناه سابقاً بل ويأتي أيضاً من ثناء أهل العلم وأكابر المحدثين وعدهم له من أكابر الحفاظ يستوجب سقوط ما ذكره النبهاني من عدم اعتبار نقله، وهو الثقة الصدوق، شهد له بذلك أحباؤه وخصومه، ولم يخالف في ذلك أحد، حتى إن علماء الحديث قالوا: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فهو ليس بحديث، فانظر إلى هذه المنزلة العظيمة والدرجة العليا من الصدق، وما نقله عن العراقي- إن صح نقله- فهو دليل على جهله وعدم معرفته بأحكام الدين، فإن تخصيص يوم عاشوراء بشيء من الأمور الدينية والدنيوية مما لا أصل له، كما عليه

стр. 493

أئمة المذاهب وفقهاؤها والأحاديث التي أوردها منها ما هو موضوع، ومنها ما لا يدل على الغرض المقصود، وتفصيل الكلام فيها يخرجنا عن موضوع الكتاب١. ولقد تكثر النبهاني من ذكر خصوم الشيخ والطاعنين فيه مع أن الاعتماد على الكثرة والسواد الأعظم والاحتجاج على بطلان الشيء بقلة أهله من الجهل بمكان، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢ فالكثرة على خلاف الحق لا تستوجب العدول عن اتباعه لمن كان له بصيرة وقلب فالحق أحق بالاتباع وإن قل أنصاره، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ ٣. فأخبر الله عن أهل الحق أنهم قليلون غير أن القلة لا تضرهم، فإن من له بصيرة نظر إلى الدليل، وأخذ بما اقتضاه البرهان وإن قل العارفون به والمنقادون له، ومن أخذ بما عليه الأكثر وما ألفته العامة من غير نظر إلى دليل؛ فهو مخطىء سالك غير سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 494

[الكلام على كتب ومصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية] قال النبهاني: الكلام على بعض كتب ابن تيمية و"تلبيس إبليس" لابن الجوزي. قال: فمن كتب ابن تيمية (الجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح) وهو أربعة مجلدات متوسطة، وهو في غاية النفاسة لو خلا من التعرض لبدعه التي انفرد بها وشذّ عن المسلمين من منعه الاستغاثة به ﷺ كسائر الأنبياء

стр. 495

والصالحين، وكتعرضه لأكابر أولياء الله بالتكفير والتشنيع فضلاً عن التبديع، كسيدي محيي الدين بن العربي، وسيدي عمر بن الفارض وغيرهم ممن ذكر بعضهم في كتابه "الفرقان " وشنع عليهم وكفّرهم وجعلهم أولياء الشيطان، وهذا دأبه عفا الله عنه في كتبه، ولذلك قلل الله النفع بها، كما جرت عادته تعالى فيمن يتعرض لأوليائه بالسوء، إذ قد ورد في الحديث القدسي: "من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب" وأي أذية أعظم من تكفيرهم وإخراجهم من دائرة الإسلام بالكلية؟! أقول: جوابه: إن كتب شيخ الإسلام جميعها من الكتب التي أنعم الله تعالى بها على الأمة، وهي على اختلاف أنواعها وفنونها ليس لها نظير في بابها، وقد ذكرها الحافظ ابن القيم في "الكافية الشافية" وحث على مطالعتها فقال: فاقرأ تصانيف الإمام حقيقة ... شيخ الوجود العالم الرباني أعني أبا العباس أحمد ذاك الـ ... ـبحر المحيط بسائر الخلجان وأقرأ كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثان وكذاك منهاج له في رده ... قول الروافض شيعة الشيطان وكذاك أهل الاعتزال فإنه ... أرداهم في حفرة الجبان وكذلك التأسيس أصبح نقضه ... أعجوبة للعالم الرباني وكذاك أجوبة له مصرية ... في ست أسفار كتبن سمان وكذا جواب للنصارى فيه ما ... يشفي الصدور وإنه سفران وكذاك شرح عقيدة للأصبها ... ني شارح المحصول شرح بيان فيها النبوات التي إثباتها ... في غاية التقرير والتبيان والله ما لأولي الكلام نظيره ... أبداً وكتبهم بكل مكان وكذا حدوث العالم العلوي والـ ... ـسفلي فيه في أتم بيان وكذا قواعد الاستقامة إنها ... سفران فيما بيننا ضخمان وقرأت أكثرها عليه فزادني ... والله في علم وفي إيمان هذا ولو حدثت نفسي أنه ... قبلي يموت لكان غير الشان

стр. 496

وكذاك توحيد الفلاسفة الألي ... توحيدهم هو غاية الكفران سفر لطيف فيه نقض أصولهم ... بحقيقة المعقول والبرهان وكذاك تسعينية فيها له ... رد على من قال بالنفساني تسعون وجهاً بينت بطلانه ... أعني كلام النفس ذا الوجدان وكذا قواعدها الكبار فإنها ... أوفى من المائتين في الحسبان لم يتسع نظمي لها فأسوقها ... فأشرت بعض إشارة لبيان وكذا رسائله إلى البلدان والـ ... ـأطراف والأصحاب والإخوان هي في الورى مبثوثة معلومة ... تبتاع بالغالي من الأثمان وكذا فتاواه فأخبرني الذي ... أضحى عليها دائم الطوفان بلغ الذي ألفاه منها عدة الأ ... يام من شهر بلا نقصان سفر يقابل كل يوم والذي ... قد فاتني منها بلا حسبان هذا وليس يقصر التفسير عن ... عشر كبار ليس ذا نقصان وكذا المفاريد التي في كل مسأ ... لة فسفر واضح التبيان ما بين عشر أو تزيد بضعفها ... هي كالنجوم لسالك حيران وله المقامات الشهيرة في الورى ... قد قامها لله غير جبان نصر الإله ودينه وكتابه ... ورسوله بالسيف والبرهان أبدى فضائحهم وبين جهلهم ... وأرى تناقضهم بكل زمان وأصارهم والله تحت نعال أهـ ... ـل الحق بعد ملابس التيجان وأصارهم تحت الحضيض وطالما ... كانوا هم الأعلام في البلدان ومن العجائب أنه بسلاحهم ... أرداهم تحت الحضيض الداني كانت نواصينا بأيديهم فما ... منالهم إلا أسير عان فغدت نواصيهم بأيدينا فلا ... يلوننا إلا بحبل أمان وغدت ملوكهم مماليكا لأنـ ... ـصار الرسول بمنة الرحمن وأتت جنودهم التي صالوا بها ... منقادة لعساكر الإيمان يدري بهذا من له خبر بما ... قد قاله في ربه الفئتان

стр. 497

والفدم يوحشنا وليس هناكم ... فحضوره ومغيبه سيان وقلت في شرح هذه الأبيات: اعلم أن الناظم لم يذكر كتبه مرتبة أعني كتب كل فن على حدة لعدم مساعدة النظم على ذلك، ونحن نشرحها حسبما ذكرها فنقول: قوله: واقرأ كتاب العقل والنقل ... إلخ. هذا كتاب ألّفه في بيان أن الشريعة كافية بنصوصها، ولا حاجة بها إلى ما أحدث من القواعد الكلامية المأخوذة من الحكمة اليونانية، وأن الدليل النقلي يفيد اليقين، وهذا الكتاب متداول بين الأيدي، ونسخه كثيرة في الهند وبلاد العرب والفرس، وتوجد منه نسخة كاملة لا نقص فيها في خزانة كتب راغب باشا في دار السلطنة المحروسة. قو له: وكذاك منهاج له في رده ... إلخ.. هذا الكتاب أيضاً من كتب الشيخ المهمة، وهو أحسن كتاب ألف في الرد على الروافض، مشتمل على فنون كثيرة وعلم غزير، نسخه أيضاً كثيرة في البلاد، وكثير من خزائن الكتب الإسلامية مشتملة عليه. قوله: وكذلك التأسيس أصبح نقضه ... إلخ. إشارة إلى كتاب "نقض أساس التأسيس" وهو في الرد على "أساس التأسيس" للإمام فخر الدين الرازي اشتمل على مسائل مهمة في علم الكلام، ونسخته في خزانة كتب الملك العادل في دمشق الشام وهو في ست أسفار على ما نقل لي. وقوله: وكذاك أجوبة مصرية ... إلخ. هي أيضاً فتاوى مشتملة على مسائل مهمة في ست أسفار. وقوله: وكذا جواب للنصارى ... إلخ. يريد به (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) ولم يؤلف في الرد على

стр. 498

النصارى كتاب مثله وكتبت في شأنه بعض المجلات المصرية ما نصه: (الجواب الصحيح والدين الصريح) إذا أطلق الإنسان حريته، وجرّده عن عوامل التقييدات ومحض فطرته، وتأمل في جواهر الأديان ومد النظر في مجال ما حدث به كل نبي عن ربه يرى أن الحقيقة واحدة والأمنية لكل متحدة، فلباب الشرائع الإلهية واحد، ومقصد الشراعين متحد، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ١ وغير ذلك من الآيات الدالة على اتفاقهم في المقصد واتحادهم في الغرض، وقد اتفقت كلمتهم على التوحيد والنهي عن التفرق والاختلاف، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٢. ولكن أبى الإنسان الناقص بأصل فطرته القاصر عن فهم حكمة ربه البالغة إلا أن يجعل ما هو أصلاً في الاتفاق سبباً في الافتراق، وما هو أصل السعادة سبباً في الشقاء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين لجمع الكلمة وتوحيد الأمة، فتغلبت قوة الشر وطبيعة النقص على هذا الخير المحض والكمال المطلق، فمزقت هذه الجامعة الإنسانية، والوحدة الدينية، فتعددت فيهم المذاهب والنحل والآراء والملل، وقامت بينهم حروب الأقلام وتلتها معارك السنان، واشتغل كل فريق بالرد والاعتراض وانتصر لكل جماعات وأفراد، وهكذا كثر القيل والقال، والمشاغبة والجدال، وذهبت الحقيقة تحت أستار المغالبة، واحتجبت بحجاب المراء والمخاصمة، وما أتى فريق لكشف تلك الشبهات بجلاء، بل بعدوا عن الحقيقة بعد الأرض من السماء، إلى أن انبرى في القرون الوسطى لنصرة الحق لذاته شيخ الإسلام وقدوة الأنام تقي الدين أحمد بن تيمية، فكتب كتابه الموسوم (بالجواب الصحيح) سلك فيه مسلك العدل والإنصاف، وأظهر الحق وأبطل الباطل، وترفع عن المجادلة والمشاغبة وتنزه عن المشاتمة والمغالبة، فما نحى أحد منحاه، ولا سلك طريقته وهداه، وكان الباعث لتأليف هذا الكتاب الذي أوضح فيه الحقيقة لأولي الألباب، كتاباً

стр. 499

ورد من مدينة قبرص ألفه بولص الراهب أسقف صيدا الأنطاكي، جمع فيه جميع الاحتجاجات لدين النصارى التي يحتج بها علماؤهم وفضلاء ملتهم، وكان ما في ذلك الكتاب هو عمدتهم التي يعتمد عليها علماؤهم في كل زمان ومكان، وهو محصور في ستة مطالب هي دعائم الديانة المسيحية وأصول مذاهبهم الملية، وقد أجابهم على كل دعوى بما فيه لذوي البصيرة مقنع، ثم ذكر مشتملات الكتاب. ثم قال: فجاء هذا الإمام الجليل وطرح الآراء المذهبية، وترك التعصبات الدينية، وأظهر الحقيقة في ذاتها، وأبان كنهها لطالبها بما هيأتها، فأخذ أولاً في تفنيد تلك المطالب على طريقة أهل الجدل، وقلب هذه الأدلة الموهومة فجعلها منتجة ضد مطلوبها، فكانت عليه لا له، ثم استقام في الاستدلال ونهج منهج الاعتدال، وأرجع كل هذه الاختلافات إلى الاتفاق، والمخاصمات إلى الوفاق، وأبان أن أصل الأديان واحد، وأن ما يترآى من الاختلافات نشأ من حب الرياسة والشهوات حسب الأزمنة والأمكنة، وقد اطلع على هذا الكتاب بعض قسيسي المجمع العلمي المنعقد في بعض البلاد الإفرنجية، فقدروه قدره وأثنوا على مؤلفه خيراً، وقالوا لو جمع مؤلفه كتاباً آخر في محاسن دين الإسلام لدخل الناس فيه أفواجاً. وبالجملة؛ فهذا الكتاب جدير بالمطالعة والاقتناء، يحتاجه المسلم في إسلامه، والنصراني لنصرانيته، وكل معترف بدين أو كتاب.. إلخ. قوله: وكذلك شرح عقيدة للأصفهاني.. إلخ. أي: من جملة مصنفاته كتاب (شرح عقيدة الأصفهاني) وهو كتاب جليل القدر، مشتمل على مطالب مهمة، لاسيما مباحث النبوات وحدوث العالم العلوي والسفلي. قوله: وكذا قواعد الاستقامة. إلخ. وهو من أفيد كتبه، وهو مفصل يبلغ سفرين، توجد نسخه في بلاد العرب ودمشق وفي بعض بلاد الهند.

стр. 500

قوله: وكذاك توحيد الفلاسفة الآلي.. إلخ. يريد به الرد على الفلاسفة، وهو عدة أسفار، يقال: إن من نسخه في بعض خزائن كتب دار السلطنة، لكن الناظم يقول هو سفر لطيف إلخ. وهو أدرى به من غيره. قوله: وكذاك تسعينية. إلخ. هذا الكتاب كبير، وهو في الرد على من يقول بالكلام النفسي من تسعين وجهاً، وهو بين الأيدي. قوله: وكذا قواعده الكبار.. إلخ. هي على منهج قواعد القرافي وغيره إلا أنها أكثر فائدة، ونسخه في البلاد العربية. قوله: وكذا رسائله إلى البلدان.. إلخ. وقوله: وكذا فتاواه.. إلخ. وأما رسائله المختصرة وكتبه فلا يحيط بها الإحصاء، وفتاواه- كما قال الناظم- بلغت نحو ثلاثين سفراً. قوله: هذا وليس يقصر التفسير عن.. إلخ. هو لم يفسر القرآن مرتباً، ولكنه كتب على كثير من سوره ومواضعه المشكلة١، فله على الاستعاذة، وعلى البسملة وكلامه في الجهر بها، وكتب على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢ وكتب على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ ٣ وعلى قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً﴾ ٤ وعلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ٥ وعلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ وعلى آية الكرسي، وعلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٦

стр. 501

وعلى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ١ إلخ. وعلى قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٢ وعلى سورة المائدة، وعلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ ٣ الآية، وعلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ ٤. وعلى سورة يوسف، وعلى سورة النور، وعلى سورة القلم، وأنها أول سورة نزلت، وعلى سورة لم يكن، والكافرون، وتبت، والمعوذتين، وكتب على سورة الإخلاص وغير ذلك. قوله: وكذا المفاريد التي في كل مسألة إلخ.. منها الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية، وشرح بضعة عشر مسألة من الأربعين للرازي، وجواب ما أورده كمال الدين الشريشي، وشرح كتاب الغزنوي في أصول الدين، و"الرد على المنطق"٥، وكتاب الزواجر، وقاعدة قي القضايا الوهمية، وقاعدة في قياس ما لا يتناهى، وجواب الرسالة الصفدية، وجوابه عن قول بعض الفلاسفة إن معجزات الأنبياء ﵈ قوى نفسانية، والرد على ابن سينا في إثبات المعاد، وشرح رسالة ابن عبدوس في كلام الإمام أحمد في الأصول، وثبوت النبوات عقلاً ونقلاً، والمعجزات والكرامات، وقاعدة في الكليات، والرسالة القبرصية، ورسالته إلى أهل طبرستان وحلان في خلق الروح والنور، والرسالة البعلبكية، والرسالة الأزهرية القادرية البغدادية، وأجوبة القرآن والنطق، وجواب من حلف بالطلاق الثلاث، ورسالة في أن القرآن حرف وصوت، وكتاب في إثبات الصفات والعلو والاستواء، والمراكشية في صفات الكمال والضابط، جواب في الاستواء وإبطال تأويله بالاستيلاء، جواب من قال لا يمكن الجمع بين إثبات الصفات على ظاهرها مع نفي التشبيه، أجوبة كون جهة

стр. 502

السموات كرية، رسالة في سبب قصد القلوب العلو، جواب كون الشيء في جهة العلو مع كونه ليس بجوهر ولا عرض هل هو معقول أو مستحيل، جواب هل الاستواء والنزول حقيقة، وهل لازم المذهب مذهب، مسألة أهل الأربيلية، شرح حديث النزول، واختلافه باختلاف وقته، وباختلاف البلدان والمطالع، بيان حل إشكال ابن حزم الوارد على الحديث، قاعدة في قرب الرب من عابديه، الكلام على نقض المرشد، المسائل الإسكندرانية، في الرد على الحلولية والاتحادية، رسالة فيما تضمنه فصوص الحكم، جواب في لقاء الله ، جواب في رؤيا النساء ربهن في الجنة، الرسالة المدنية في إثبات الصفات النقلية الهلاوونية، جواب سؤال ورد على لسان ملك التتار، قواعد في الرد على القدرية والجبرية، جواب في خلق الله الخلق وإنشاء الأيام لعلة أم لا، شرح حديث فحج آدم موسى، تنبيه الرجل العاقل على تمويه المجادل، تناسي الشدائد في اختلاف العقائد، كتاب الإيمان، شرح حديث جبريل في الإيمان والإسلام، رسالة في عصمة الأنبياء ﵈ فيما يبلغونه عن ربهم، مسألة في العقل والروح، مسألة في المقربين هل يسألهم منكر ونكير أم لا، مسألة هل يعذب الجسد مع الروح في القبر أم لا، الرد على أهل الكسروان وهم من الروافض، فضل أبي بكر وعمر ﵄ على غيرهما، رسالة في معاوية بن أبي سفيان، تفضيل صالحي الناس على سائر الأجناس، رسالة مختصرة في كفر النصيرية، رسالة في جواز قتال الرافضة، الرد على تقي الدين السبكي في مسألة بقاء الجنة والنار وفي فنائهما، هذه كلها في أصول الدين. ومن مؤلفاته في أصول الفقه: قاعدة غالبها أقوال الفقهاء، قاعدة كل حمد وذم من الأقوال والأفعال لا يكون إلا بالكتاب والسنة، رسالة في شمول النصوص للأحكام، قاعدة في الإجماع وأنه ثلاثة أقسام، جواب في الإجماع والخبر المتواتر، قاعدة في كيفية الاستدلال على الأحكام بالنص والإجماع، والرد على من قال إن الدلالة اللفظية لا تفيد اليقين، قاعدة فيما نص من تعارض النص والإجماع، مؤاخذة على ابن حزم في الإجماع، قاعدة في تقرير القياس، قاعدة في

стр. 503

الاجتهاد والتقليد في الأحكام، رفع الملام عن الأئمة الأعلام، قاعدة في الاستحسان وفي وصف العموم والإلحاق والإطلاق، قاعدة في أن المخطىء في الاجتهاد لا يأثم، رسالة في أنه هل القاضي يجب عليه تقليد مذهب معين، جواب في ترك التقليد، رسالة فيمن يقول مذهبي مذهب النبي ﷺ وليس أنا محتاج إلى تقليد الأربعة، جواب من تفقه في مذهب ووجد حديثاً صحيحاً هل يعمل به أم لا، جواب تقليد الحنفي الشافعي في المطر والوتر، رسالة في الفتح على الإمام في الصلاة، تفضيل قواعد مالك وأهل المدينة، تفضيل الأئمة الأربعة وما امتاز به كل واحد منهم، قاعدة في تفضيل الإمام أحمد، جواب هل كان النبي ﷺ قبل الرسالة نبياً، جواب هل كان النبي ﷺ متعبداً بشرع من قبله، قواعد أن النهي يقتضي المضادة. ومن مؤلفاته في الفقه: شرح المحرر في مذهب الإمام أحمد، شرح العمدة لموفق الدين، جواب مسائل وردت من أصبهان، جواب مسائل وردت من الصلت، جواب مسائل وردت من بغداد، جواب مسائل وردت من الزرع، جواب مسائل وردت من طرابلس، قاعدة في المياه والمائعات وأحكامها، جواب أربعين مسألة وردت من الوجنة، الدرة المضية في فتاوى ابن تيمية، المردانية الطرابلسية، قاعدة في حديث القلتين وعدم رفعه، قواعد في الاستجمار وتطهير الأرض بالشمس والريح، جواز الاستجمار مع وجود الماء، نواقض الوضوء، قواعد في عدم نقضه بلمس النساء، رسالة في أن التسمية على الوضوء خطأ، القول بجواز المسح على الخفين، جواز المسح على الخفين المخترقين والجوربين والفائف، وفيمن لا يعطى أجرة الحمام، تحريم دخول النساء بلا مئزر في الحمام والاغتسال وذم الوسواس، جواز طواف الحائض، تيسير العبادات لأرباب الضرورات بالتيمم والجمع بين الصلاتين للعذر، كراهية التلفظ بالنية وتحريم الجهر بها في الأذكار، كراهية تقديم بسط السجادة للمصلي قبل مجيئه، الكلم الطيب في الركعتين اللتين تصلى قبل الجمعة وفي الصلاة بعد أذان الجمعة، القنوت في الصبح والوتر، تارك المثاني وكفره، الجمع بين الصلاتين في السفر والحضر، أهل البدع هل يصلى

стр. 504

خلفهم، صلاة بعض أهل المذاهب خلف بعض، الصلوات المبتدعة، تحريم السماع، تحريم الشبابة، تحريم اللعب بالشطرنج، تحريم الحشيشة المغيبة والحد عليها وتنجيسها، النهي عن المشاركة في أعياد النصارى واليهود وإيقاد النيران في الميلاد ونصف شعبان وما يفعل في عاشوراء، قاعدة في مقدار الكفارة باليمين وفي أن المطلقة ثلاثاً لا تحل إلا بنكاح زوج ثان، بيان الحلال والحرام في الطلاق، جواب من حلف لا يفعل شيئاً على المذاهب الأربعة ثم طلق ثلاثاً في الحيض، الفرق المبين بين الطلاق واليمين، لمعة المختطف في الفرق بين الطلاق والحلف، كتاب التحقيق في الفرق بين أهل الإيمان والتطليق، الطلاق البدعي لا يقع، مسائل الفرق بين الطلاق البدعي ونحو ذلك، مناسك الحج في حجة النبي ﷺ في العمرة المكية، في شراء السلاح بتبوك، وشرب السويق بالعقبة، وأكل التمر بالروضة، وما يلبس المحرم، وزيارة الخليل ﵇ عقب الحج، وزيارة البيت المقدس مطلقاً، جميع أيمان المسلمين مكفرة، بيان الدليل على إبطال التحليل، الرسالة التدمرية، جبل لبنان كأمثاله من الجبال ليس فيه رجال الغيب والأبدال. من كتبه في أنواع شتى: الكلام على الفتوى المصطلحة، وليس لها أصل متصل بعلي ﵁، كشف حال الأحمدية وبيان أحوالهم الشيطانية، ما يقوله أهل بيت الشيخ عدي، النجوم هل لها تأثير عند القرآن والمقابلة وهل يقبل قول المنجمين فيه رؤية الأهلة، تحريم أقسام المعزمين بالعزائم المعجمة وصرع الصحيح وصفة الخواتيم، أبطال الكيميا ولو صحت، كتاب السياسة الشرعية، كتاب التصوف، كتاب الاستقامة، كتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، كتاب المحنة المصرية، كتاب الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، الرد على الأخنائي في مسألة الزيارة، طهارة بول ما يؤكل لحمه، الصارم المسلول على منتقص الرسول، كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، جواب أهل الإيمان في التفاضل بين آيات القرآن، الرد على البكري في مسألة الاستغاثة، التحرير في مسألة حفير، سفر في مسألة القسمة كتبها اعتراضاً على النحوي في

стр. 505

حادثة حكم فيها، الفرقان بين الحق والبطلان، كتاب الوسيلة، التحفة العراقية في الأعمال القلبية، وله غير ذلك مما يطول ذكره، وجميعها مفصلة ما بين سفر وسفرين وأكثر، مع سلاسة عبارة وذكر دليل ودفع إيراد وكل منها فريد في بابه حري بالتقريظ، ولو تكلمنا على كل واحد منها بما يليق به من الثناء والمدح لاستوجب ذلك إفراد مؤلف منفصل. وأما انتقاد النبهاني (كتاب الجواب الصحيح) أن الكتاب في غاية النفاسة لو خلا من التعرض لبدعه التي انفرد بها عن المسلمين.. إلخ. فجوابه: أن ما انتقده هو من محاسن الكتاب وأجل فصوله، فإن الاستغاثة بالمخلوق والاستعانة به والالتجاء به هو الذي كان من غلو أهل الكتاب، وهو مذهب النصارى، فإن عبادة المسيح وأمه عبارة عن ذلك، فلو لم يبطل هذا القول لما ساغ له الرد عليهم، وكذلك الرد على القائلين بالحلول والاتحاد، فإنه لو لم يرد عليهم ويبطل دعواهم ويخرجهم عن الملة لما ساغ له إبطال قول النصارى في دعواهم حلول الإله في المسيح أو الاتحاد به أو نحو ذلك، فإن لقائل أن يقول حينئذ: إن من المسلمين من يقول بأشنع من هذا القول، وهو دعوى الحلول والاتحاد التي أبطلها الشيخ وغيره من العلماء الربانيين المتبعين لما جاء به الشرع المبين، ولعلنا نبسط الكلام على ذلك فيما يناسب المقام، ونذكر كلام من رد عليهم وأبطل دعواهم، ونفصل القول فيهم تفصيلاً، هذا الذي نقمه النبهاني الزائغ وانتقد به كلام الشيخ من أوضح ما يدل على زيغه واتباعه لهواه: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ١ ومثل ما حكى الله عن إخوانه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢.

стр. 506

وما أحسن ما قال القائل: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مراً به الماء الزلالا وقال آخر: تعد ذنوبي عند قومي كثيرة ... ولا ذنب لي إلا العلا والفواضل ولم يعرف النبهاني وأضرابه من الغلاة قدر كتب شيخ الإسلام، وتمنى عدم وجودها وفقدها من العالم، لأنها تبطل ما ذهب إليه من الأقوال الفاسدة، وتهدم بنيان أشياخه، قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١. وأهل الحق وذوو البصائر إذا ظفروا بكتاب من كتبه تراهم كأنهم ظفروا بكنز من كنوز العلم، وقد رأيت كتاباً كتب على ظهر ترجمة شيخ الإسلام وبيان مناقبه، وهي: (الدرر البهية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية) للحافظ الشيخ شمس الدين بن عبد الهادي المقدسي. وذلك الكتاب أرسله بعض أفاضل العراق المعاصرين لشيخ الإسلام، وكان من أكابر الشافعية، وهو العلامة الشيخ عبد الله بن حامد وكتابه هذا: "بسم الله الرحمن الرحيم. من أصغر العباد عبد الله بن حامد، إلى الشيخ الإمام العالم العامل، قدوة الأفاضل والمحافل، المحامي عن دين الله، والذاب عن سنة رسول الله ﷺ ، المعتصم بحبل الله، الشيخ المكرم المبجل أبي عبد الله أسبغ عليه نعمه، وأيد بإصابة الصواب لسانه وقلمه، وجمع له بين السعادتين، ورفع درجته في الدارين بمنه ورحمته، السلام عليكم ورحمة الله وبركا ته. أما بعد؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ثم وافاني كتابك وأنا إليك بالأشواق، ولم أزل سائلاً ومستخبراً الصادر والوارد عن الأنباء التي طاب

стр. 507

مسموعها، وسر ما يسر منها، وما تأخر كتابي عنك هذه المدة مللاً ولا خللاً بالمودة، ولا تهاوناً بحقوق الإخاء، حاش لله أن يشوب الإخوة في الله جفاء، ولا أزال أتعلل بعد وفاة الشيخ الإمام إمام الدنيا رضي الله تعالى عنه بالاسترواح إلى أخبار تلامذته وإخوانه، وأقاربه وعشيرته، والخصيصين به، لما في نفسي من المحبة الضرورية التي لا يدفعها شيء، على الخصوص لما اطلعت على مباحثه واستدلالاته التي تزلزل أركان المبطلين، ولا يثبت في ميدانها سفسطة المتفلسفين، ولا يقف في حلباتها أقدام المبتدعين من المتكلمين. وكنت قبل وقوفي على مباحث إمام الدنيا ﵀ قد طالعت مصنفات المتقدمين ووقفت على مقالات المتأخرين من أهل الإسلام، فرأيت فيها الزخارف والأباطيل، والشكوك التي يأنف المسلم الضعيف في الإسلام أن تخطر بباله فضلاً عن القوي في الدين، فكان يتعب قلبي ويحزنني ما يصير إليه الأعاظم من المقالات السخيفة، والآراء الضعيفة، التي لا يعتقد جوازها آحاد الأمة، وكنت أفتش على السنة المحضة في مصنفات المتكلمين من أصحاب الإمام أحمد ﵀ على الخصوص، لاشتهارهم بمنصوصات إمامهم في أصول العقائد، فلا أجد عندهم ما يكفي، وكنت أراهم يتناقضون إذ يؤصلون أصولاً يلزم فيها ضد ما يعتقدونه، ويعتقدون خلاف مقتضى أدلتهم، فإذا جمعت بين أقاويل المعتزلة والأشعرية وحنابلة بغداد وكرامية خراسان أرى أن إجماع هؤلاء المتكلمين في المسألة الواحدة على ما يخالف الدليل العقلي والنقلي، فيسوؤني ذلك وأظل أحزن حزناً لا يعلم كنهه إلا الله، حتى قاسيت من مكابدتي هذه الأمور شيئاً عظيماً لا أستطيع شرح أيسره، وكنت ألتجىء إلى الله وأتضرع إليه وأهرب إلى ظواهر النصوص، وألقي المعقولات المتباينة والتأويلات المصنوعة لنبوة الفطرة عن قبولها، ثم قد تشبثت فطرتي بالحق الصريح في أمهات المسائل غير متجاسرة على التصريح بالمجاهرة قولاً وتصحيحاً للعقد، حيث لا أراه مأثوراً عن الأئمة وقدماء السلف، إلى أن قدر الله سبحانه وقوع تصنيف الشيخ الإمام إمام الدنيا في يدي قبيل واقعته الأخيرة بقليل، فوجدت فيه ما بهرني في موافقة

стр. 508

فطرتي، لما فيه من عزو الحق إلى أئمة السنة وسلف الأمة مع مطابقة المعقول والمنقول، فبهت لذلك سروراً بالحق، وفرحاً بوجود الضالة التي ليس لفقدها عوض، فصارت محبة هذا الرجل ﵀ محبة ضرورية تقصر عن شرح أقلها العبارة ولو أطنبت. ولما عزمت على المهاجرة إلى لقيه وصلني خبر اعتقاله، وأصابني لذلك المقيم المقعد، ولما حججت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته ببذل ما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه، فوافاني خبر وفاته رحمه الله تعالى مع الرجوع إلى العراق قبيل وصولي إلى الكوفة، فوجدت عليه ما لا يجده الأخ على شقيقه، واستغفر الله بل ولا الوالد الثاكل على ولده، وما دخل على قلبي من الحزن لموت أحد من الولد والأقارب والإخوان كما وجدته عليه رحمه الله تعالى، ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي إلا ويتجدد لي حزن جديد كأنه محدث، ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفاً على فراقه وعدم ملاقاته، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وما شرحت هذه النبذة من محبة الشيخ رحمه الله تعالى إلا ليتحقق بعدي عن تلك الوهوم، لكن لما سبق الوعد الكريم منكم بإنفاذ فهرس مصنفات الشيخ رضي الله تعالى عنه وتأخر ذلك عني: اعتقدت أن الإضراب عن ذلك نوع تقية، أو لعذر لا يسعني السؤال عنه، فسكت عن الطلب خشية أن يلحق أحداً ضرر والعياذ بالله بسببي لما كان قد اشتهر من تلك الأحوال، فإن أنعمتم بشيء من مصنفات الشيخ رحمه الله تعالى كانت لكم الحسنة عند الله علينا بذلك، فما أشبه كلام هذا الرجل بالتبر الخالص المصفى، وقد يقع في كلام غيره من الغش والشبه المدلس بالتبر ما لا يخفى على طالب الحق بحرص وعدم هوى، ولا أزال أتعجب من المنتسبين إلى حب الإنصاف في البحث المبرزين على أهل التقليد أن المعقولات التي يزعمون أن مستندهم الأعظم الصريح منها كيف يباينون ما أوضحه الحق وكشف عن قناعه.

стр. 509

وقد كان الواجب على الطلبة شد الرحال إليه من الآفاق ليروا العجب، وما أشبه حال المباينين له- من المنتسبين للعلم الطالبين للحق الصريح الذي أعياهم وجد أنه- بحال قوم ذبحهم العطش والظمأ في بعض المفازاة، فحين أشرفوا على التلف لمع لهم شط كالفرات أو دجلة أو كالنيل، فعند معاينتهم لذلك اعتقدوه سراباً لا شراباً، فتولوا عنه مدبرين، فتقطعت أعناقهم عطشاً وظمأ، فالحكم لله العلي الكبير. وما أرسلنا المقابلة من الطرفين ففيه تعسف وتمهدون العذر في الإطناب فهذا الذي ذكرته من حالي مع الشيخ كالقطرة من البحر، وإن أنعمتم بالسلام على أصحاب الشيخ وأقاربه كبيرهم وصغيرهم كان ذلك مضافاً إلى سابق إنعامكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأنتم في أمان الله تعالى ورعايته، والحمد لله وحده- وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، عبد الله بن حامد". وأما قول النبهاني: وهذا دأبه في كتبه، ولذلك قلل الله النفع بها، كما جرت عادته فيمن يتعرض لأوليائه بالسوء.. إلخ. فجوابه: أن من الواجب على العالم أن يظهر علمه وإلا ألجمه الله بلجام من نار، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١. قال الإمام الشافعي: لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم. وبيان ذلك: أن المراتب أربعة، وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله. إحداها: معرفة الحق. الثانية: عمله به. الثالثة: تعليمه من لا يحسنه.

стр. 510

الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه. فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة، وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر أن كل أحد في خسر، إلا الذين آمنوا؛ وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة، وعملوا الصالحات؛ وهم الذين عملوا بما علموه من الحق، فهذه مرتبة أخرى. وتواصوا بالحق؛ وصى به بعضهم بعضاً تعليماً وإرشاداً، فهذه مرتبة ثالثة. وتواصوا بالصبر؛ صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضاً بالصبر عليه والثبات، فهذه مرتبة رابعة. وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملاً في نفسه مكملاً لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره بتعليمه إياه وصبره عليه، وتوصيته بالصبر على العلم والعمل، فهذه السورة على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره، والحمد لله الذي جعل كتابه كافياً عن كل ما سواه، شافياً من كل داء، هادياً إلى كل خير" اهـ. فعُلِمَ أنه يجب على العالم أن يصدع بالحق وأن كثر المخالفون له، وقد رأى من الحق التنبيه على الفرق بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، وقد أطنب الكلام في ذلك. ومما قال: "وقد ظن طائفة غالطة؛ أن خاتم الأولياء يكون أفضل الأولياء قياساً على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن حكيم الترمذي صنف فيه مصنفاً غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدّعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته، كما زعم ذلك ابن العربي صاحب كتاب (الفتوحات) في كتاب (الفصوص) فخالفوا الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله وأولياء الله- كما يقال لمن قال: "فخر عليهم السقف من تحتهم" لا عقل ولا قرآن- وذلك لأن الأنبياء أسبق في الزمان من أولياء هذه الأمة، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل من الأولياء، فكيف يكون الأنبياء كلهم والأولياء يستفيدون معرفة الله ممن

стр. 511

يأتي بعدهم ويدّعي أنه خاتم الأولياء، وليس آخر الأولياء أفضلهم كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد ﷺ على سائر الأنبياء ثبت بالنصوص الدالة على ذلك، كقوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"١. وقوله: "آتي باب الجنة فاستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك"٢. وليلة المعراج رفع الله درجته فوق الأنبياء كلهم، فكان أحقهم بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ ٣. إلى غير ذلك من الدلائل. والأنبياء كلهم يأتيه الوحي من الله لاسيما محمد ﷺ لم يكن في نبوته محتاجاً إلى غيره، فلم تحتج شريعته لا إلى نبي سابق ولا إلى لاحق، بخلاف غيره، فإن المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة، وشريعة التوراة جاء المسيح بتكميلها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوة المتقدمة على المسيح كالتوراة والزبور، وتمام الأربع والعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى المحدثين، بخلاف أمة محمد ﷺ فإن الله أغناهم به فلم يحتاجوا معه لا إلى نبي ولا إلى محدث، جمع له من الفضائل والمعارف والأعمال الصالحة ما فرقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضله الله به من الله- بما أنزل الله وأرسله إليه- لا بتوسط بشر، وهذا بخلاف الأولياء فإن كل من بلغه رسالة محمد ﷺ لا يكون ولياً إلا باتباع محمد ﷺ ، فكل ما حصل له من الهدي ودين الحق بتوسط محمد ﷺ ، وكذلك من بلغته رسالة رسول الله ﷺ لا يكون ولياً لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسله إليه، ومن ادّعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهو كافر ملحد، وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد ﷺ في علم الظاهر دون الباطن، أو في الشريعة دون علم الحقيقة؛ فهو أشر

стр. 512

من اليهود والنصارى الذين قالوا إن محمداً رسول إلى الأميين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض ما جاء به وكفروا ببعض، فكانوا كفاراً بذلك، وكذلك هذا الذي يقول إن محمداً بعث بعلم الظاهر دون الباطن، آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض، وهذا كافر أكفر من أولئك، لأن علم الباطن الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة، وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة، فإذا ادعى المدعي أن محمداً إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان وأنه لا يأخذ الحقائق من الكتاب والسنة فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول أو من ببعض وأكفر ببعض ولا يدّعي أن هذا البعض الذي آمن به أولى القسمين، وهؤلاء الملاحدة قد يدّعون أن الولاية أفضل من النبوة، ويلبسون على الناس، ويقولون: إن ولاية محمد ﷺ أفضل من نبوته وينشدون: مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي ويقولون: نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن ولاية محمد ﷺ لم يماثله فيها أحد، لا إبراهيم، ولا موسى، فضلاً عن أن يماثله فيها هؤلاء الملاحدة، وكل رسول نبي وكل نبي ولي، فالرسول نبي وولي، ورسالته متضمنة للنبوة، ونبوته متضمنة لولايته، فكيف تكون ولايته المتضمنة في نبوته أفضل من نبوته، لداخلة في ولايته؟ وإذا قدروا مجرد إنباء الله إياه بدون ولايته لله فهذا تقدير ممتنع، فإنه حال إنباء الله إياه يمتنع أن لا يكون ولياً لله، فلا تكون نبوة مجردة عن ولاية، ولو قدرت مجردة لم يكن أحد مماثلاً للرسول في ولايته لله، وهؤلاء قد يقولون- كما يقول صاحب الفصوص ابن عربي- إنهم يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول، وذلك أنهم اعتقدوا عقيدة ملاحدة المتفلسفة ثم أخرجوها في قالب الكشف وذلك أن المتفلسفة الذين قالوا إن الأفلاك قديمة أزلية لها علة شبيهة بهما- كما يقول أرسطو وأتباعه- أولها موجب بذاته- كما يقوله متأخروهم كابن سينا وأمثاله- ولا يقولون إن الرب خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة

стр. 513

أيام، ولا خلق الأشياء بمشيئته وقدرته، ولا يعلم الجزئيات، بل إما أن ينكروا علمه مطلقاً- كقول أرسطو- أو يقولون إنما يعلم من الأمور المتغيرة كلياتها كما يقوله ابن سينا. وحقيقة هذا القول إنكار علمه بها، فإن كل موجود في الخارج فهو معنى جزئي، والأفلاك كل منها معنى جزئي، وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وأفعالها، فمن لم يعلم إلا في الكليات لم يعلم شيئاً من الموجودات، والكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان، والكلام على هؤلاء قد بسط في موضع آخر في بحث "تعارض العقل والنقل" وغيره، فإن كفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى، بل ومشركي العرب، إذ جميع هؤلاء يقولون إن الله خلق السموات والأرض، وأنه يخلق المخلوقات بمشيئته وقدرته، وأرسطو ونحوه من متفلسفة اليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهم لا يعرفون الملائكة ولا الأنبياء، وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك، وإنما غالب علم القوم الأمور الطبيعية، وأما الأمور الإلهية فكلامهم فيها قليل كثير الخطأ. واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير، ولكن متأخروهم كابن سينا أرادوا أن يلفقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل، فأخذوا شيئاً من بعض أصول الجهمية والمعتزلة وركبوا منه ومن قول أولئك مذهباً قد يعتزي إليه متفلسفة أهل الملل، وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبه على بعضه في غير هذا الموضع. وهؤلاء لما رأوا أن أمر الرسل- كموسى وعيسى ومحمد ﷺ . قد ظهر للعالم واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد ﷺ أعظم ناموس طرق العالم ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن؛ أرادوا أن يجمعوا بين ذلك وبين قول أسلافهم اليونان، الذين هم من أبعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله، وأولئك قد أثبتوا عقولاً عشرة يسمونها المجردات والمفارقات، وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن، فسموا تلك مفارقة لمفارقتها المادة ومجرد لتجردها عنها، وأثبتوا للأفلاك لكل فلك نفساً، وأكثرهم جعلها أعراضاً، وبعضهم جعلها

стр. 514

جواهر، وهذه المجردات التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمور موجودة في الأذهان لا في الأعيان، كما أثبت أصحاب أرسطو أعداداً مجردة، وكما أثبت أفلاطون المثل الأفلاطونية المجردة، وأثبتوا هيولى١ مجردة عن الصورة مدة وخلاء مجردين، وقد اعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان. فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم كابن سينا أن يثبتوا أمر النبوة على أصولهم الفاسدة زعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة من اتصف بها فهو نبي: أن يكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية ينال بها العلم بلا تعلم. وأن يكون له قوة تخيلية تخيل ما يعقله في نفسه بحيث يرى في نفسه صوراً ويسمع في نفسه صوتاً كما يراه النائم ويسمعه ولا يكون لها وجود في الخارج، وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله وتلك الأصوات هي كلام الله. وأن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولى العالم، وجعلوا كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء وخوارق السحرة من قول النفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم دون قلب العصا حية ودون انشقاق القمر ونحو ذلك فإنهم ينكرون وجود هذا. وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع، وبينا أن كلامهم هذا من أفسد كلام، وأن هذا الذي جعلوه من خصائص النبي يحصل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأقل أتباع الأنبياء، وأن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله، وهم كثيرون، ولا يعلم جنود ربك إلا هو، وليسوا عشرة، وليسوا أعراضاً، لاسيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو العقل الأول عنه صدر كل ما سواه، فهو عندهم رب كل ما سوى الله. وكذلك كل عقل رب كل ما دونه، والعقل الفعال العاشر رب كل ما تحت

стр. 515

فلك القمر، وهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل فليس أحد من الملائكة مبدعاً لكل ما سوى الله، وهؤلاء يزعمون أن العقل الأول هو العقل المذكور في حديث يروى: "إن أول ما خلق الله العقل فقال له: أقبل فأقبل فقال له أدبر فأدبر. فقال: وعزتي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، فبك آخذ، وبك أعطي، وبك الثواب وعليك العقاب" ١ ويسمونه أيضاً القلم لما رأوا أنه قد رُوِيَ: "إن أول ما خلق الله القلم"٢. والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أولي المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم والبيهقي، وأبو الحسن الدارقطني، وابن الجوزي وغيرهم، وليس هو في شيء من دواوين الحديث التي يعتمد عليها، ومع هذا فلفظه لو كان ثابتاً لكان حجة عليهم، فإن لفظه "أول ما خلق الله العقل قال له" ويروى "لما خلق الله العقل قال له". وفي الحديث أنه خاطبه في أول أوقات خلقه ليس معناه أنه أول المخلوقات، وأول منصوب على الظرف كما قي اللفظ الآخر لما، وتمام الحديث: "ما خلقت خلقاً أكرم عليّ منك". فهذا يقتضي أنه خلق قبله غيره، ثم قال: "فبك آخذ، وبك أعطي، وبك الثواب، وعليك العذاب" فذكر أربعة أنواع من الأعراض، وعندهم أن جميع جواهر العلوي والسفلي صدر عن ذلك العقل فأين هذا من هذا؟! وسبب غلطهم: أن لفظ العقل في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونانيين، فإن العقل في لغة المسلمين مصدر عقل يعقل عقلاً كما في القرآن: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي

стр. 516

ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٢ ويراد بالعقل الغريزة التي جعلها الله للإنسان يعقل بها، وأما أولئك فالعقل عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل، وليس هذا مطابقاً للغة الرسول ﷺ والقرآن، وعالم الخلق عندهم كما يذكره أبو حامد عالم الأجسام، وأما العقول والنفوس فيسميها عالم الأمر، وقد يسمى العقل عالم الجبروت، والنفوس عالم الملكوت، والأجسام عالم الملك، ويظن من لا يعرف لغة الرسول ومعاني الكتاب والسنة أن في القرآن والسنة من ذلك الملك والملكوت والجبروت ما يوافق هذا وليس الأمر كذلك. وهؤلاء يلبسون على المسلمين تلبيساً كثيراً، كإطلاقهم أن الفلك محدث أي: معلول مع أنه قديم عندهم، والمحدث لا يكون إلا مسبوقاً بالعدم، ليس في لغة العرب ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلي محدثاً، والله سبحانه قد أخبر أنه خالق كل شيء، وكل مخلوق فهو محدث، وكل محدث كائن بعد أن لم يكن، لكن ناظرهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبر به الرسول ﷺ ، ولا حكموا فيها قضايا العقول، فلا للإسلام نصروا، ولا لأعدائه كسروا، وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة، ونازعوهم في بعض المعقولات الصحيحة، فصار قصور هؤلاء في العلوم السمعية والعقلية من أسباب قوة ضلال أولئك، كما بسط في غير هذا الموضع. وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون جبرائيل هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الصوفية الذين شاركوا هؤلاء المتفلسفة وزعوا أنهم أولياء الله، وأن الولي أفضل من النبي، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة، كابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص، فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول، والمعدن عنده هو العقل،

стр. 517

والملك هو الخيال، والخيال تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن العقل الذي هو أصل الخيال والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي، ولو كان خاصة النبي ما ذكروه لم يكن هو من جنسه فضلاً عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين، والنبوة أمر وراء ذلك؟ فإن ابن عربي وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من الصوفية الملاحدة الفلاسفة، ليسوا من صوفية أهل الكلام فضلاً عن أن يكونوا من مشائخ أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض، وإبراهيم بن الأدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثاله. والله سبحانه قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلاء كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ١ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ إلى قوله: ﴿وَيَرْضَى﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ٤. وقد أخبر أن الملائكة جاءت إبراهيم في صورة البشر، وأن الملك تمثل لمريم بشراً سوياً، وكان جبرائيل يأتي النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي، وفي صورة الأعرابي، فرآهم الناس كذلك. وقد وصف جبرإئيل بأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وأن محمداً ﷺ رآه بالأفق المبين،

стр. 518

ووصف بأنه: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ إلى قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ١. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة عن النبي ﷺ أنه لم ير جبرائيل في الصورة التي خلق عليها إلا مرتين٢، يعني مرة في الأفق الأعلى، والنزلة الأخرى عند سدرة المنتهى، ووصف جبرائيل في مواضع أخر بأنه الروح الأمين، ووصفه بأنه روح القدس، إلى غير ذلك من الصفات التي تبين منها أنه من أعظم مخلوقات الله الأحياء العقلاء، وأنه جوهر قائم بنفسه، ليس خيالاً في نفس النبي كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة المدعون ولاية الله وأنهم أعلم من الأنبياء، وغاية تحقيق هؤلاء إنكار أصول الإيمان، فإن أصول الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحقيقة أمرهم جحد الخالق، فإنهم جعلوا وجود المخلوق، هو وجود الخالق، وقالوا الوجود واحد، ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فإن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود كما يشترك الناس في مسمى الإنسان والحيوانات في مسمى الحيوان، ولكن هذا المشترك الكلي لا يكون مشتركاً كلياً إلا في الذهن، وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالنفوس، ووجود السموات ليس بعينه وجود الإنسان، فوجود الخالق ﷻ مباين لوجود مخلوقاته، وحقيقة قولهم قول فرعون الذي عطل الصانع، فإنه لم ينكر هذا الوجود المشهود لكن زعم أنه موجود بنفسه لا صانع له، وهؤلاء وافقوه في ذلك ولكن زعموا أنه هو الله، فكانوا أضل منه، وإن كان هو أظهر فساداً منهم، ولهذا جعلوا عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، وقالوا: لما كان فرعون في منصب التحكم صاحب السيف قال أنا ربكم الأعلى وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما، فأنا ربكم الأعلى بما أعطيته في الظاهر من الحكم فيكم، قالوا ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قال أقروا له بذلك وقالوا. له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ

стр. 519

إِِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ١ قالوا: فصح قول فرعون (أنا ربكم الأعلى) وإن كان فرعون على عين الحق. ثم أنكروا حقيقة اليوم الآخر فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة، فصاروا كافرين بالله وباليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلاصة الخاصة من أهل الله وأنهم أفضل من الأنبياء، وأن الأنبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم، وليس هذا موضع بسط بيان إلحاد هؤلاء، ولكن لما كان الكلام في أولياء الله والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وكان هؤلاء من أعظم الناس دعوى لولاية الله وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان فنبهنا على ذلك، ولهذا عامة كلامهم إنما هو في الخيالات الشيطانية، ويقولون ما يقول صاحب الفتوحات بأن أرض الحقيقة هي أرض الخيال، فيعترف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي خيال، والخيال محل تصرف الشيطان، فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور بخلاف ما هي، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ ٢. إلى قوله: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ () . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ إلى قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٥. وقد روى عن النبي ﷺ عن في الحديث الصحيح أنه رأى جبرائيل ينزع

стр. 520

الملائكة١. والشياطين إذا رأت ملائكته التي يؤيد بها عباده هربت منهم، والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته، قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ٦. وهؤلاء تأتيهم أرواح فتخاطبهم وتتمثل لهم وهي جن وشياطين فيظن أنها ملائكة كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام، وكان من أول من ظهر من هؤلاء في الإسلام المختار بن عبيد الثقفي، الذي أخبر به النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: "سيكون في ثقيف كذاب ومبير"٧. فكان الكذاب: المختار بن عبيد الثقفي، وكان المبير: الحجاج بن يوسف. فقيل لابن عمر: أن المختار يزعم أنه ينزل عليه، فقال: صدق، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ٨. وقال

стр. 521

الآخر: وقيل له إن المختار يزعم أنه يوحى إليه، فقال: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ ١. ومن هذه الأرواح الشيطانية الروح الذي يزعم صاحب الفتوحات أنه ألقي إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعاً من الخلوات بطعام معين وحال معين، وهذه مما تفتح لصاحبها الاتصال بالجن والشياطين، فيظنون ذلك من كرامات الأولياء وإنما هو من الأحوال الشيطانية، وأعرف من هؤلاء عدداً منهم من كان يحمل إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كان يؤتى بمال مسروق تسترقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السراق يجعل له من الناس أو بعطيتهم له إذا دلهم على سرقاتهم ونحو ذلك. ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله عليهم كما يوجد من صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأشباه ذلك أنه يمدح الكفار، مثل قوم نوح، وهود، وفرعون وغيرهم، ويتنقص بالأنبياء: بنوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون وغيرهم، ويذم شيوخ المسلمين: كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهما، ويمدح المذمومين عند المسلمين كالحلاج ونحوه، كما ذكره في التجليات الخيالية الشيطانية، فإن الجنيد قدس الله سره كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم، فبين أن التوحيد أن يميز بين القديم والمحدث أي الخالق والمخلوق. وصاحب الفصوص أنكر هذا، وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية له: يا جنيد! هل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما؟ فخطأ الجنيد في قوله إفراد المحدث عن القديم، لألن قوله إن وجود المحدث هو عين وجود القديم كما قال في (فصوصه) : ومن أسمائه الحسنى العلي على من، وما ثم إلا هو وعماذا وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه، وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها وليست إلا هو. إلى أن قال: فهو عين ما بطن، وهو عين ما ظهر،

стр. 522

وما ثم من يراه غيره، وما ثم من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المحدثات. فيقال لهذا الملحد: ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول أن يكون ثالثاً غيرهما، فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه وبين غيره، وليس هو ثالثاً، فالعبد يحرف أنه عبد ويميز بين نفسه وبين خالقه، والخالق ﷻ يميز بين نفسه وبين مخلوقاته، ويعلم أنه ربهم وأنهم عباده، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع، واستشهدنا بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطناً وظاهراً، وأما هؤلاء الملاحدة فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني منهم وهو أحذقهم في إلحادهم لما قرىء عليه الفصوص فقيل له: القرآن يخالف قولكم. فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، فقيل له: إذا كان الوجود واحداً فلم كانت الزوجة حلالاً والأخت حراماً؟ قال: الكل عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم، وهذا مع كفره العظيم تناقض ظاهر، فإن الوجود إذا كان واحد فمن المحجوب ومن الحاجب؟! ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده: من قال لك إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له مريده فمن هو الذي يكذب؟ وقالوا لآخر: هذه مظاهر، فقال لهم: المظاهر غير الظاهر أم هي هو؟ فإن كانت غيرها فقد قلتم بالتثنية، وإن كانت هي إياها فلا فرق. وقد بسطنا الكلام على كشف أسرار هؤلاء في موضع آخر، وبينا حقيقة كل واحد منهم، وأن صاحب الفصوص يقول المعدوم شيء ووجود الحق فاض عليه، فيفرق بين الوجود والثبوت، والمعتزلة الذين قالوا المعدوم شيء ثابت في الخارج مع ضلالهم خير منه، فإن أولئك قالوا إن الرب خلق لهذه الأشياء الثابتة في العدم وجوداً ليس هو وجود الرب، وهذا زعم أن عين وجود الرب فاض عليها فليس عنده وجود مخلوق مباين لوجود الخالق، وصاحبه القونوي يفرق بين المطلق والمعين لأنه كان أقرب إلى الفلسفة فلم يقر بأن المعدوم شيء، لكن جعل الحق هو الوجود المطلق، وصنف مفتاح غيب الجمع والوجود، وهذا القول أدخل في تعطيل الخالق وعدمه، فإن المطلق بشرط الإطلاق- وهو الكلي العقلي- لا يكون

стр. 523

إلا في الأذهان لا في الأعيان، والمطلق لا بشرط شيء- وهو الكلي الطبيعي وإن قيل أنه موجود في الخارج- فلا يوجد في الخارج إلا معيناً، وهو جزء من المعين عند من يقول بثبوته في الخارج، فيلزمه أن يكون وجود الرب إما متعيناً في الخارج وإما أن يكون عين وجود المخلوقات، وهل يخلق الجزء الكل أم يخلق الشيء نفسه أم العدم يخلق الوجود أو يكون بعض الشيء خالقاً لجميعه، وهؤلاء يفرون من الحلول لأنه يقتضي شيئين اتحد أحدهما بالآخر، وعندهم الوجود واحداً، ويقولون إن النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله ولو عمموا لما كفروا، وكذلك يقولون في عباد الأصنام إنما أخطؤوا لما اعتقدوا بعض المظاهر دون بعض فلو عبدوا الجميع لما أخطؤوا عندهم، وهذا مع ما فيه من الكفر العظيم ففيه ما يلزمهم دائماً من التناقض لأنه يقال لهم فمن المخطىء؟ لكنهم يقولون إن الرب هو الموصوف بجميع النقائص التي يوصف بها المخلوق، ويقولون إن المخلوقات توصف بجميع الكمالات التي يوصف بها الخالق، ويقولون ما قاله صاحب الفصوص فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب جميع النعوت الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفاً أو عقلاً أو شرعاً، أو مذمومة عرفاً أو عقلاً أو شرعاً، فليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، وهم مع هذا الكفر لا يندفع عنهم التناقض، فإنه معلوم بالحس والعقل أن هذا ليس هو ذلك، وهؤلاء يقولون ما كان يقوله التلمساني: إنه ثبت عندنا بالكشف ما يناقض صريح العقل، ويقولون من أراد التحقيق- يعني تحقيقهم- فليترك العقل والشرع. وقد قلت لمن خاطبت منهم: معلوم أن كشف الأنبياء أعظم وأتم من كشف غيرهم، وخبرهم أصدق من خبر غيرهم، والأنبياء صلوات الله عليهم يخبرون بما تعجز عقول الناس عن معرفته لا بما يعرف الناس بعقولهم أنه ممتنع، فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول، ويمتنع أن يكون في أخبار الرسول ما يناقض العقل الصريح، ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان، سواء كانا عقليين أو سمعيين، أو كان أحدهما سمعياً والآخر عقلياً، فكيف بمن ادعى كشفاً يناقض

стр. 524

الشرع والعقل، وهؤلاء قد لا يريدون الكذب لكن يخيل لهم أشياء تكون في نفوسهم ويظنونها في الخارج، وأشياء يرونها تكون موجودة في الخارج لكن يظنونها من كرامات الصالحين، وتكون من تلبيسات الشياطين، وهؤلاء الذين يقولون بالوحدة يقدمون الأولياء على الأنبياء، ويذكرون أن النبوة لم تنقطع كما يذكر عن ابن سبعين ونحوه، ويجعلون المراتب ثلاثة، يقولون: العبد يشهد أولاً طاعة ومعصية، ثم طاعة بلا معصية، ثم لا طاعة ولا معصية. والشهود الأول- وهو الشهود الصحيح- هو الفرق بين الطاعات والمعاصي. وأما الثاني: فيريدون به شهود القدر كما أن بعض هؤلاء يقول أنا كافر برب يعصى، وهذا يزعم أن المعصية مخالفة الإرادة التي هي المشيئة، والخلق كلهم داخلون تحت حكم المشيئة، ويقول شاعرهم: أصبحت منفعلاً لما تختاره ... مني ففعلي كله طاعات ومعلوم أن هذا خلاف ما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه، فإن المعصية التي يستحق صاحبها الذم والعقاب مخالفة أمر الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ ١. وسنذكر الإرادة الكونية والدينية، والأمر الكوني والديني وكانت هذه المسألة قد اشتبهت على طائفة من الصوفية، فبينها الجنيد ﵀، فمن اتبع الجنيد فيها كان على السداد، ومن خالفه ضل، فإنهم تكلموا أن الأمور كلها مشتركة في مشيئته وقدرته وخلقه فيجب الفرق بين ما يأمر به ويحبه ويرضاه، وبين ما ينهى عنه ويكرهه ويسخطه، ويفرق بين أوليائه وأعدائه، كما قال تعالى:

стр. 525

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ٤. ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا رب غيره، وهو مع ذلك أمر بالطاعة ونهى عن المعصية، وهو لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء وإن كانت واقعة بمشيئته، فهو لا يحبها ولا يرضاها، بل يبغضها ويذم أهلها ويعاقبهم. والمرتبة الثالثة: أن لا يشهد طاعة ولا معصية، فإنه يرى أن الوجود واحد، وعندهم أن هذا هو غاية التحقيق والولاية لله، وهو في الحقيقة غاية الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته، وغاية العداوة لله، فإن صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود والنصارى وسائر الكفار أولياء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ٥. ولا يتبرأ من الشرك والأوثان فيخرج عن ملة إبراهيم الخليل، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٦. وقال الخليل لقومه المشركين: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ٧. وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ

стр. 526

أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ ١. وهؤلاء قد صنف بعضهم كتاباً وقصائد على مذهبه مثل قصيدة ابن الفارض المسماة بنظم السلوك، ويقول فيها: لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل ركعة إلى أن يقول: وما زلت إياها لهاياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت إلا رسولاً كنت مني مرسلاً ... وذاتي بآياتي على استدلت إلى رسولاً كنت مني مرسلاً ... وذاتي بآياتي على استدلت فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ونبت إلى أمثال هذا الكلام، ولهذا كان القائل عند الموت ينشد: إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي أمنية ظفر تنفسي بها زمناً ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين له بطلان ما كان يظنه، وهؤلاء ممن قال الله سبحانه فيهم: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ ٢. وقد قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فجميع ما في السموات وما في الأرض يسبح الله، ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "اللهم رب

стр. 527

السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن؛ أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر"١. ثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٢. فلفظ مع لا تقتضي في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطاً بالآخر، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٤. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ ٥. ولفظة (مع) جاءت في القرآن عامة وخاصة، فالعامة في هذه الآية وفي آية المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧) ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٦. فافتتح الكلام بالعلم وختمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس، والضحاك، وسفيان الثوري، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم: هو معهم بعلمه. وأما المعية الخاصة ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ

стр. 528

مُحْسِنُونَ﴾ ١ وقوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ٢. وقال تعالى عن النبي ﷺ : ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٣. يعني: النبي ﷺ وأبا بكر الصديق، فهو مع موسى وهارون دون فرعون، ومع محمد ﷺ وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، وهو مع الذين اتقوا وكانوا محسنين دون الظالمين المعتدين، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٤. أي هو إله من في السماء وإله من في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٥. وكذلك قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ ٦. كما قرره أئمة العلم أنه المعبود في السموات والأرض. وأجمع سلف الأمة وأئمتها أن الرب تعالى بائن من مخلوقاته، يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيوصف بصفات الكمال دون صفات النقص، ويعلم أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في شيء من صفات الكمال، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ٧. قال ابن عباس: الصمد؛ العليم الذي كمل في علمه. العظيم الذي كمل في عظمته، القدير الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته، السيد الكامل في سؤدده.

стр. 529

وقال ابن مسعود وغيره: الصمد الذي لا جوف له، والأحد الذي لا نظير له، فاسمه الصمد يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، واسمه الأحد يتضمن أنه لا مثل له، وقد بسطنا الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة وكونها تعدل ثلث القرآن"١ انتهى المقصود نقله من كلام شيخ الإسلام قدس الله وهذه نبذة مما يتعلق بأهل الحلول والاتحاد. وللشيخ علي القاري، والسعد التفتازاني، والشيخ محمد البخاري، والشيخ عبد الباري، والعلامة عضد الملة والدين، كتب مفردة في الكلام عليهم وردهم، ولعلنا إن شاء الله تعالى نفرد في ذلك كتاباً نذكر فيه جميع ما قاله العلماء الربانيون فيهم، ونذكر بدع أهل الطرائق المبتدعة وما عندهم من المخالفات للشريعة. والمقصود مما نقلناه كله؛ أن قول النبهاني عن أهل الحلول والاتحاد أنهم أولياء الله كلام دل علي جهله واتباعه لهواه وغيه، وقد ذكر الشيخ على القاري في الرد على الفصوص من المنكرات والأوهام والغلطات ما تقشعر منها الجلود، وقال في آخر كتابه: "وما سبق من المنكرات في كلام ابن عربي لا سبيل إلى صحة تأويلها، فلا يستقيم اعتقاد أنه من أولياء الله مع اعتقاد صدور هذه الكلمات منه إلا باعتقاد أنها لم تصدر عنه، أو أنه رجع إلى ما يعتقده أهل الإسلام في ذلك، ولم يجىء بذلك عنه خبر ولا روي عنه أثر، فذمه جماعة من أعيان العلماء وأكابر الأولياء لأجل كلامه المنكر". وأما قول النبهاني عن كتب ابن تيمية: أنه بسبب كلامه على القائلين بالحلول والاتحاد وغير ذلك مما يدل على البطلان والفساد قلل الله النفع بها إلخ. فجوابه: أن الله تعالى لم يقلل الانتفاع بها، بل لم يزل الناس يلتقطون منها درر الفوائد، ويصححون بها أعمالهم والعقائد، وهي كما قال الحافظ ابن القيم تشترى بالغالي من الأثمان في كل عصر وزمان، فأي عالم من العلماء انتفع الناس

стр. 530

بكتبه كما انتفعوا بكتب شيخ الإسلام، وذلك من المعلوم بين الخاص والعام، ولكن الأمر كما قيل: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم وكتب المتأخرين من الحنابلة وغيرهم مشحونة بالنقل عن كتبه، والمنقولات عنها زينة للكتب وغرة محاسنها، وقد أودع الله تعالى فيها خاصية التأثير في القلوب فلا تجد أحداً يطالع فيها إلا وفتح الله عليه أبواب العلوم، وأفاض عليه من زلال عذب منطوقها والمفهوم، إلا من قسى قلبه وكشف حجابه، كما قال تعالى عن كتابه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١. قال النبهاني: "ومن كتبه (منهاج السنة) في الرد على الروافض وكتاب (العقل والنقل) في الرد على المتكلمين من أهل السنة، كالأشعري والماتريدي وأصحابهما، وهم معظم الأمة المحمدية. قال: و"منهاج السنة" وإن كان مؤلفاً في الرد على الروافض إلا أنه حشاه بالرد على أهل السنة، والرد على ساداتنا الصوفية ومن يعتقد فيهم، كقوله في جواب قول الرافضي: يجب في كل زمان إمام معصوم- بعد أن بين فساده- وهل هذا إلا أفسد عما يدعيه كثير من العامة في القطب والغوث ونحو ذلك من أسماء يعظمون مسماها بما هو أعظم من مرتبة النبوة من غير تعيين لشخص معين يمكن أن ينتفع به الانتفاع المذكور في مسمى هذه الأسماء، وكما يدّعي كثير منهم حياة الخضر مع أنهم لم يستفيدوا بهذه الدعوى منفعة لا في دينهم ولا في دنياهم، وإنما غاية من يدّعي ذلك أنه يدعي جريان بعض ما يقدر الله على يدي مثل هؤلاء، وهذا مع أنهم لا حاجة لهم إلى معرفته لم ينتفعوا بذلك لو كان حقاً فكيف إذا كان ما يدّعونه باطلاً؟ ومن هؤلاء من يتمثل له الجني في صورة ويقول أنا الخضر ويكون كاذباً، وكذلك الذين
следующие страницы →