وكل أحد يعلم أن المسائل العلمية لم تزل معترك أنظار العلماء، ومثار فرسان الفضلاء، ولو كان هذا الزائغ من أهل الفطنة والعرفان، ومن فرسان رجال ذلك الميدان: لأورد المسائل التي في "جلاء العينين" واحدة بعد أخرى، وأورد عليها ما يراه وارداً بحسب نظره الفاسد، وفهمه الكاسد، وسلك مسلك والمتناظرين لأجل إظهار الصواب، كما هو شأن الخلافيين الذين انتصروا لمذاهبهم، كما وقع من ذلك بين أصحاب المذاهب الأربعة وأتباعهم أولي الباب.
ثم إن ما ذكره في مقالته هذه في شأن جلاء العينين ومصنفه وما أورده فيها قد سبق الكلام عليه مراراً، وأبطلنا أقواله الكاسدة بحمد الله جهاراً، وتكرر معه الكلام في غير هذا المقام، ولكن الأمر كما قال القائل وهو المتنبي:
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
وها أنا مع ذلك أذكر ما يرد عليها من المؤاخذات، وبيان ما فيها من الخطأ والغلطات، ليظهر جهله وفساد أقواله للناظرين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين.
فأقول من أقواله- التي هي مواقع للنظر وهدف لرمي سهام الفكر ومحل للإيراد وموقع للفساد- قوله: إن مؤلف جلاء العينين حكم لابن تيمية بالميل، وعلى ابن حجر بالمين إلخ.
جوابه: أن الأمر ليس كما قال، بل إن مصنف "جلاء العينين" أورد فيه أولاً تراجم الشيخ وبعض أسلافه الكرام، ثم ذكر بعض من ابتلي وأوذي من العلماء، ثم ذكر ما قاله ابن حجر في "الفتاوى الحديثية" مما زوره على الشيخ وافتراه، ثم ذكر تراجم بعض المنكرين عليه من خصومه وحسدته، ثم أفرد مقصداً في تراجم بعض المثنين عليه من تلامذته وغيرهم، ثم ذكر تراجم من قال ابن حجر عن الشيخ أنه تتبعهم من المتصوفة، ثم أورد فصلاً في الكلام على ما نقله الشيخ ابن حجر من عبارة شيخ الإسلام وأورد عدة تراجم لأصحاب الأقوال، ثم ذكر
стр. 702
اختيارات الشيخ وما لها وما عليها، وفصل الكلام في تحقيق الكلام النفسي وما ذهب إليه الحنابلة والأشاعرة وأطنب في مباحث الصفات وما ذهب إليه السلف، ثم ذكر ما اختاره من التوسط بين القولين، ثم ذكر الاستغاثة والتوسل، وعقد فصلاً لأدلة المجوزين، وفصلاً آخر في المانعين، ثم ذكر الأجوبة عما نقله ابن رجب من اختيارات الشيخ، وبها ختم الكتاب وإليه المرجع والمآب.
هذا ما كان في "جلاء العينين"، وأحال الحكم وترجيح الحق من الباطل إلى القارئين من أهل الفضل والإنصاف، لا من أهل الجور والاعتساف، على أنه لو كان الأمر كما زعم وأنه حكم بما حكم فماذا عليه بعد أن راعى في حكمه ما أدى إليه الدليل، أليس الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ ١ وفي الحديث الصحيح "من علمه الله علماً فكتمه ألجمه الله بلجام من نار" ٢. وقد سبق ما أوردنا من كلام الإمام الشافعي في تفسيره سورة العصر، وأن من جملة مراتب الكمال الأربع التي اشتملت عليها السورة التواصي بالحق، بأن يعلّم بعض الناس بعضاً حقائق الأمور وما هي عليه في نفس الأمر، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما استوجب خيرية الأمة المحمدية على كل أمة أخرجت للناس، وابن حجر ومن كان على منهاجه كلهم ظلموا الشيخ ابن تيمية، ولم يقصدوا في تهورهم عليه وجه الله، بل لم يكن منهم ما كان إلا تشفياً به، وقضاء لحق أهواءهم، وإلا فمن المعلوم ما كان من الروافض والنواصب والخوارج والمعتزلة والزيدية وغيرهم من الفرق الإسلامية، وممن كان قبل الإسلام، ومع ذلك فلم يلتزم ابن حجر ما التزمه في ابن تيمية، وهكذا السبكي قبله، وهكذا الغلاة في كل عصر.
ما ذكره ابن حجر المكي في فتاواه عن الشيخ؛ منه ما هو كذب وزور وبهتان
стр. 703
منه عليه، كنسبة القول بالجسمية والجهة، وعدم تحريف التوراة والإنجيل ونحو ذلك، وكتب الشيخ المثبوتة في العلم كلها تصرح بضد ذلك، وجميع كتبه مصرحة بنفي الجهة والجسمية، وشطر من كتابه "الجواب الصحيح" في إثبات تحريف الكتابيين لكتبهم، فأي ذي دين وإنصاف لم يكذّب ابن حجر في قوله ويحكم عليه بأنه من الكاذبين، وأن الشيخ كان من المحققين؟!.
والمسائل الأخرى التي ادّعى ابن حجر على الشيخ أنه خرق بها الإجماع كلها مما قال به السلف، وقام عليها الدليل الصحيح، وألّف في اختياراته كتب مفصلة، فأي زور أكبر من هذا؟ وأي بهتان فوق هذا البهتان؟ أيليق بمن يدّعي العلم أن يسلك هذا المسلك الذي لو سلكه عامي من العوام لعيب به؟ فكيف يسوغ للمنصف أن لا يحكم للشيخ بالميل وعلى ابن حجر بالمين؟ وهل بقي في مين ابن حجر شك لذي نظر؟
ومنها أنه قال: وقد جاوز به الحد في تعصبه الشديد ضد جماعة من أئمة الإسلام، وأفراد العلماء الأعلام، لاسيما ابن حجر الهيتمي، والتقي السبكي وابنه، مؤيداً ما شذ به ابن تيمية في مسألته المعلومة..إلخ.
فيقال له: هذا هو الكلام السابق بعينه، والرد على ذاك رد على هذا، ومن يتبع الدليل ويجري على مقتضى البرهان لا يقال فيه أنه قد تجاوز الحد، بل إن من ينحرف عن الشريعة هو الذي تجاوز الحد، والحق أحق بالقبول، والإذعان له عين الإنصاف، والميل عن الجور والاعتساف، والمخالف في ذلك مكابر، بل ليس من ذوي الألباب والبصائر، وكل منصف ذي فهم يعلم أن ما قاله ابن حجر والسبكي وأضرابهما هو محض إتباع هوى ومكابرة وعناء، وإذا كان ما اختاره الشيخ أيده الدليل والبرهان وأن أقواله هي قول الله ورسوله وسلف الأمة وأكابر الأئمة كما أسلفنا جميع ذلك فكيف يقال إن تلك الأقوال مما شذ به ابن تيمية؟ وهل هذا الكلام إلا من الغباوة والمكابرة، وإنكار للضرورة وتقليد للآراء؟
ثم إن علماء المذاهب الأربعة ممن يعتد بعلمه لم يمقتوا الشيخ، وكتب
стр. 704
المنصفين منهم طافحة بالثناء عليه، إلا ما كان من بعض خصومه وحسدته، كالسبكي وأضرابه، ومن قلدهم في غيهم وضلالتهم من الغلاة، كما سنذكر تفصيل ذلك في الكلام على مناقبه إن شاء الله.
ومنها أنه قال: وهذا الكتاب من أضر الكتب على. من ما اطلع عليه من عوام المسلمين والطلبة القاصرين، فيجب أن يعاملوه معاملة الكتب المخالفة لمذاهبهم المكدرة لمشاربهم.. إلخ.
فيقال له: هذا كلام فاسد، قد بعثه علية حسده وحبه لهواه وضلاله وغيه, فإن كتاب "جلاء العينين" جلاء عيون الموحدين، وبهجة قلوب المؤمنين، كم من منشد وجد به ضالته، وكم من حيران أنس به هدايته، وكم من مسلم قد انتفع به، وكم من منصف عرف الحق بسببه، فهو الكتاب الذي راق لفظه ومعناه، وفاق ما سواه بمفهومه وفحواه، إذا أمعن ناقد النظر فيه شاهد منه حديقة يانعة تفوح فوائح ثراها كالمسك الأذفر، كأنها جونة عطار، وتخيله روضة رائقة تتأرج بروائح الند والعنبر، كأنها لطائم تجار، فاجتنى من بدائع معانيه زهر المروج وأنوار الربيع، واجتلى من روائع مبانيه زهر البروج وأزهار المرابيع، رائق ألفاظه أرق بل وأروق من مروقات السلاف، ورواشق تعبيراته تروح الأرواح وتهز الأعطاف، كالشهد ريقه، والنسيم رقه، واللطف على الحقيقة.
رق لفظاً فقيل خمر حرام ... راق معنى فقيل سحر حلال
فجزى الله مؤلفه أحسن الجزاء، مما أعده لأهل طاعته المتّبعين لشريعته من الأصفياء، حيث لم يأل جهداً في تأليف هذا الكتاب، المشتمل على فصل الخطاب لدى ذوي الألباب، ولم يقصر نصحاً في ترصيف أبواب تبهر المتقدم والمتأخر من ذوي الكمالات والآداب، وأودعه نكتاً لطيفة تفوق بسناها على بدر التمام، ورصعه بفرائد تزهو في الاتساف وتروق في الانتظام.
في بطن قرطاس رخيص ضمنت ... أحشاؤه درر الكلام الغالي
فلله در مؤلفه من عالم أبدع، وفاضل أعلن بالحق وصدع، وهذب فذهب،
стр. 705
وبوب فرتب، أخذه ذهباً فغدا يتوقد لهباً، وتناوله قبساً فتجلى في طر البلاغة شهباً، وزاد في حسن سبكه فهزت أعطاف ناظريه طرباً، إلى آخر ما وصفه به بعض الأفاضل حين قرظه أكابر الأماثل.
وقد أثنى محلى كتاب "جلاء العينين" وقرظه جماعة من أعيان المذاهب الأربعة المعاصرين للمصنف رحمهم الله تعالى، ولا بأس أن نذكر من كلام بعضهم نبذاً يتحلى بها وبنفائس دررها جيد هذا الكتاب، فأقول ومن الله أستمد التوفيق والإعانة:
ممن أثنى على كتاب "جلاء العينين" علامة المنقول والمعقول، وفهامة الفروع والأصول، خاتمة الأدباء، وتذكرة فحول الشعراء، فريد عصره، ووحيد دهره، الذي طار صيت مجده في الآفاق، وأشرقت شمس فضله في الحجاز والعراق، أحمد باشا الفاروقي الموصلي، طيب الله تعالى ثراه بعطر رضوانه الجلي، وقد قرظ "جلاء العينين" بتقريظ هو لدى الأدباء قرة عين، وهو تقريظ نفيس، يفعل بالألباب ولا فعل الخندريس، وذلك قوله- لا زال في بحبوحة الجنان مسكنه ومحله:
بجلاء العينين كحلت عيني ... وأجلت الأفكار في الأحمدين
فرأيت الصواب ما قد حكاه ... نص هذا الكتاب من غير مين
قد حوى في أصدافه خير در ... فتراءت أوراقه من لجين
وكذاك الأشياء يظهر فيها ... رونق الحسن جامع الضدين
أوضح الحق لدى كل راء ... وجلا عن عيونه كل غين
وخصوصاً قد باعد البحث منه ... بين من يدّعي الضلال وبيني
فلنا بالنعمان خير اتباع ... ثابت الأصل محكم الطرفين
كم جلا الشك عن جليلين كانا ... في سماء العلوم كالنيرين
خدمة ساقها لأجل رضى اللـ ... ـه ونفى الظنون عن هذين
نسج الفكر منه حسن ثياب ... لبستها مناكب الشيخين
حاكها بالأفكار علماً فليست ... وشى صنعاً يحوكها باليدين
стр. 706
بنقود النصوص وفى حقوقاً ... وسواه قضى الديون بدين
ذكرتني وما نسيت قضايا ... سبقت مثل قصة الحكمين
عرفت جده الأحابيش لما ... كشف الحرب عن قناع حنين
عن أبيه تورث العلم حتى ... صار بالفضل مجمع البحرين
فهو للدين ساعد وعماد ... ولصدر الإسلام قرة عين
كم له من فضائل كشموس ... أشرقت في مطالع المشرقين
وبدور من التآليف غر ... طلعت من منازل القمرين
أشعري المقام علماً وحكماً ... سلفي الطراز في الاثنين
علوي نجاره من قريش ... هاشمي الآباء والجدين
كالأنانيب بعضها فوق بعض ... من علي وجعفر وحسين
نسب في الحطيم قد ضاع مسكاً ... فاح منه الشذى لدى المشعرين
فهم قدوة الورى وملاذ النـ ... ـاس طرا في حالة النشأتين
стр. 707
" ترجمة هذا الفاضل "١
هو من قوم كرام، وأماجد أعلام، ينتهي نسبه إلى سيدنا عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، ونسبه معلوم مشهور، وفي كتب الأنساب مذكور، وهؤلاء القوم كما قال قائلهم فيهم:
بنو فاروق تيجان المفارق ... وأعيان المغارب والمشارق
فكم من برجهم طلعت بدور ... وكم من أفقهم قد ذر شارق
وكم من عيلم في العلم منهم ... يطم إذا طمى شم الشواهق
مآثرهم نجوم سما معال ... لها عقدوا ميازرهم مناطق
فلو مدوا إلى العيون باعا ... لجاوزه وليس هناك عائق
محابرهم بحور زاخرات ... سل الأقلام عنها والمهارق
стр. 708
فما هم والمعالي منذ كانوا ... وكانت غير معشوق وعاشق
وهم فحوى حقيقة كل شيء ... وهم عنوان ديوان الحقائق
وهم خلعوا على أم المعالي ... وهم في المهد من مجد قراطق
وهم سنوا المعالي بالعوالي ... وبيض الهند والخيل السوابق
وهم من تعرف البطحا أباهم ... وتعرف جدهم للحق فارق
وهم من مهدوا للدين طرقاً ... يداس بها على قمم الطرائق
وهم أسد لهم يعلو زئير ... إذا هدرت بيوم وعي شقاشق
وإن خفقت لهم رايات بطش ... فؤاد الخافقين تراه خافق
تحدثهم فراستهم بما قد ... طواه بين جنبيه المنافق
هل، ومن قائل يوماً سواهم ... ليوم تفاخر في المجد لائق
يسوقون الكماة إلى المنايا ... وليس لهم سوى الإقدام سائق
قال المترجم ﵀ في كتابه "العقود الجوهرية" بعد أن ذكر نسبه من الأبوين: "وأما ولادتي فكانت في الموصل أواخر سنة أربع وأربعين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل التحية، قال: ولما بلغت من العمر أربع سنين ابتدأت بقراءة القرآن الكريم، وختمته سنة سبع من عمري، وحفظت طرفاً منه، ورويت قراءة حفص على أستاذي في النحو الملا عبد الرزاق الجبوري، وفي سنة أربع وخمسين طلبني عمي الشهير بالفضل، عبد الباقي الفاروقي، وكان إذ ذاك ساكناً بغداد، وبقيتُ عنده نحو ستة أشهر، وقد أكملت "شرح الألفية" للسيوطي على الشيخ أسعد أفندي الموصلي المدرس في مدرسة جامع الآصفية، ثم عدت إلى الموصل فقرأت أصول الفقه وعلم الحساب، وطرفاً من علم الوضع على العالم الفاضل الشيخ عبد الرحمن الكلاك، وجمعت الجمع الصغير والجمع الكبير في القراآت السبع على ولده الشيخ عبد اللطيف، وقرأت بعض المتون المنطقية على العابد الزاهد والعالم الفاضل الشيخ محمد أمين بن الملا عبيده، وقرأت علم البديع وطرفاً من علم المعاني والبيان على رئيس العلماء المشهود له بالعلم والورع الشيخ عبد الله الفاروقي قدس الله روحه، ثم إن غمي رحمه الله
стр. 709
طلبني سنة إحدى وستين ومائتين وألف من والدي مرة ثانية لأجل الإقامة عنده، فتوجهت إلى بغداد وكانت إذ ذاك غاصة بالفضلاء والعلماء والأدباء- فتخرجت عليه في فنون الشعر وعلم الأدب، وطرت بجناح فضله، واستسقيت من هطال وبله، وفي غضون ذلك قرأت- تبركاً- شرح الشمسية للقطب ابن عقيل، على خاتمة المفسرين وعلامة العلماء المحققين أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود الألوسي، مفتي الزوراء، ومرجع الفضلاء- قدس الله روحه، وتغمده برحمته ورضوانه- وقرأت أيضاً كتاب "تشريح الأفلاك " على الفاضل الشيخ أحمد السندجي نزيل بغداد، وأتقنت اللغة الفارسية على ولده الفاضل الشيخ طه أفندي، ولم أزل عند العم في بغداد إلى السنة التاسعة والستين بعد المائتين والألف، وفيها دخلت مسلك خدمة الدولة العلية العثمانية، ولم أزل متقلباً في البلاد بمناصب مختلفة، حتى أصعدني أمير المؤمنين، وخليفة رب العالمين١- السلطان عبد الحميد خان- إلى رتبة مير ميران، وها أنا اليوم في الآستانة ضيف حظيرته، ونزيل سدته، داعياً له بالدوام، على مدى الأيام ". انتهى كلامه.
وقلت في كتاب "بدائع الإنشاء"- فيما كان من مكاتبتي مع مشاهير الأدباء، من كلام في ترجمة هذا الأديب الفاضل-: وفي شهر رمضان سنة عشر بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة النبوية: نعاه لنا الناعي من إسلامبول دار السلطنة العثمانية، وأن روحه الشريفة انتقلت إلى الجنان، ودار الرحمة والرضوان ٢، في أواسط ذلك الشهر مهبط الغفران، وأرخ وفاته بعض الأدباء بقوله من أبيات:
أدخلوه الجنان أحمد عزت ... فهناك لوت ساعد عزمي يد نيران اللهف
وفلَّ أركان صبري ماقا ... سيته من الأسى والأسف
ونفذ من قضاء الله تعالى فيه:، ما أمض قلبي، وأرضّ لبي، وقطع نياط
стр. 710
فؤادي، وطرد لذيذ رقادي، وأحدث لي حزناً ملازماً، وهماً مداوماً، إلى أن قلت: وقد كان المشار إليه لا زالت سحب الرحمة والمغفرة منهلة عليه، رجال الدنيا، وواحدها، وعضدها وساعدها وسيدها وماجدها:
وما كان أبهى منه في الناس منظراً ... ولا كان أذكى منه في الناس مخبرا
تفقدت منه وابل القطر ممطراً ... وفارقت منه طلعة البدر نيرا
لئن غيبوه في التراب وأظلمت ... معالم كانت تفضح الصبح مسفرا
فما أغمدوا في الترب إلا مهنداً ... ولا حملوا في النعش الأغضنفرا
ثم ذكرت كلاماً طويلاً في الثناء علية وعقبته بقولي: وقد كان رحمه الله تعالى حسنة الزمان، وعين الأعيان، وركن الأدب العالي على الأركان، كمالاته كثيرة، وفضائله شهيرة، له ديوان شعر رائق ومقالات ثن النثر الفائق:
له الكلمات الجامعات تخالها ... نجوماً بآفاق البلاغة طلعا
وان كتبت أقلامه فحمائم ... تبث إلى السمع الكلام المسجعا
وكتب لدين الله أضحت مطالعا ... كما كانت الأفلاك للشمس مطلعا
إذا ضلت الأفهام عن فهم مشكل ... هدى وعليه في الحقيقة أطلعا
وإن قال قولاً فهو لا شك فاعل ... قؤول من الأمجاد إن قال أبدعا
كلام ترى لأقلام في الطرس سجداً ... له وترى أهل الفصاحة ركعا
يحير أرباب الرجال كأنما ... أتانا بإعجاز من القول مصقعا
وكان عليه الرحمة حنفيّ المذهب، سلفيَّ العقيدة، أفعاله وأعماله كلها سديدة، وبقي كلام طويل، وثناء جميل، أعرضنا عن نقله، وتركناه لأهلة.
وممن قرظ الكتاب وأثنى عليه خاتمة بني الآداب، ومن أنقذ- برشاء تقريراته من جب العويصات- هلكى الطلاب، تذكرة الأصمعي وابن دريد، وسيبويه الثاني وأبو عبيد، المفتي في المذهب الحنفي في البصرة، أحمد بك الشاوي الشافعي الحميري تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته، وذلك قوله دام فضله:
стр. 711
قل لقوم بزعمهم خطئوا الشيـ ... ـخ بلا حجة ولا برهان
واستدلوا بما رواه فلان ... عنه من غير صحة عن فلان
ثم قووا ورجحوا واهن القول ... بلا قوة ولا رجحان
غير ما قد تقولوه عليه ... شططاً من وساوس الشيطان
من أقاويل لم يكن أنزل الله ... بها ذو الجلال من سلطان
إن أردتم أن تعرفوا الحق حقاً ... مثلما ينبغي لذي عرفان
وتروا منهج الهدى مستنير الـ ... ـوجه كالشمس في وضوح البيان
فعليكم بما روى الثبت نعمان ... ن سمي ابن ثابت النعمان
الفقيه النبيه والعالم العا ... مل فيما به رضا الرحمن
والمجلي فيصل الحكم بالعدل ... دجى الاختلاف والامتحان
لو رأى الأحمدان ما قد رأينا ... منه سرا بما رأى الأحمدان
ولو أن الزمان صور شخصاً ... كان إنسان عين هذا الزمان
كم له من مؤلفات علوم ... آلفت بين نافرات معاني
أوقفتنا على مشاعر علم ... لم يكن حام حولها الشعراني
وحري إذا العلوم استخفت ... علمه أن يميل بالميزان
قد جلا من غياهب الشك عيناً ... بجلاء العينين للأذهان
يا له من مصنف فيه قرت ... عين أهل التوحيد والإيمان
دمغ الباطل المزخرف بالحق ... وأودى بالإفك والبهتان
وحوى من معنعنات أحاديـ ... ـث على شرط ما روى الشيخان
فهو إن عدت التصانيف أضحى ... مفرداً ماله إذا عدَّ ثان
فاجهدوا يا هداكم الله في أن ... تقتفوا أثره بدون توان
إنه ما علمتم خير هاد ... ودليل إلى بلوغ الأماني
стр. 712
" ترجمة هذا الفاضل "١
قد أفردت له ترجمة في كتاب "بدائع الإنشاء فيما جرى من المكاتبة بيني وبين المعاصرين من الأدباء"٢ وذكرت له فيها كثيراً من شعره الفصيح، وكلامه البليغ الرجيح، وها أنا أذكر ملخص ذلك في هذا المقام، والله ولي التوفيق والإنعام، فمن ذلك أني قلت: هو أحمد بك بن عبد الحميد بك بن سليمان بك، وينتهي نسبه إلى تُبع الأكبر أحد من كان في اليمن من تبابعة حِمْيَر، وهو من سلالة قوم من الأخيار، وأناس سموا لعلو هممهم إلى أوج الفخار.
هم القوم يروون المكارم عن أب ... وجد عريق سيداً بعد سيد
تسودهم نفس هناك أبية ... فكانوا إذا ما بين نسر وفرقد
وهزتهم يوم الندى أريحية ... كأن شربوا من كأس صهباء صرخد
تطربهم سجع الصوارم والقنا ... بيوم الوغى لا ما ترى أم معبد
إذا وعدوا الطاغين بالبأس أرهبوا ... وإن أحسنوا الحسنى فعن غير موعد
كرام إذا استمطرت وبل أكفهم ... أراقته وبلاً من لجين وعسجد
يقال لمن يروي أحاديث فضلهم ... أعد واستعد ذكر الكرام وردد
ولد زحمه الله تعالى سنة أربع وأربعين ومائتين وألف من هجرة من لم تبلغ كعب علاه بردة كل مدح ووصف، وقد ذكر لي ذلك عند سؤالي له عما هنالك، ولم يزل يحتسي در الفضائل، ويشتغل على علماء عصره الأماثل، حتى أزهر به روض الأدب بعد يبسه، وأقمر به فلك الفضل بعد أفول شمسه، وأثمرت به أغصان دوحة حديقة العرفان، وأبهرت أنوار حقائق دقائق النطق والبيان، وشدت به أبكار الأفكار نطاقها، ومدت عليه أسرار أنظار خرائد المعاني رواقها، يروي من الحديث أتقنه، ومن الشعر أرصنه، ومن كل علم أحسنه، ومن كل أدب أزينه،
стр. 713
كان إذا تكلم يؤد السامع لو أن كله ألسن، ولا يبقى فيه جارحة إلا تمنت أنها أذن، صحبته كريمة، وعشرته جميلة، ودعابته لطيفة، ومحاضرته شريفة، وقريحته سديدة، وعارضته شديدة، ومعانيه رقيقة، و"مبانيه وثيقة، يتناثر الدر من فلق فيه، وكأن هذه الأبيات قد أنشدت فيه:
حكم على أهل العقول يبثها ... متقونة الأوضاع والأحكام
ويريك في ألفاظه وكلامه ... سحر العقول وحيرة الأفهام
كم أعربت ألفاظه عن حاله ... يوماً فأعجب منطق الإعجام
أو كأنه هو المقول فيه حيث كان ﵀ يشبهه ويضاهيه:
أحاديثه مثل زهر الرياض ... فهل كان إذ ذاك روضاً جميعا
لطيف رقيق حواشي الطباع ... فلو جسمت لاستحالت نسيما
مما قلت أيضاً في ترجمته: مع قوة حافظة وفصاحة لهجة، تظنه لولا ما هو عليه من الفضل والأدب أنه قد ربى في البوادي مع خلص العرب، يحفظ من نوادر الجاهليين وما كان لهم من الأيام والأخبار ما لو جمع في سفر لكان من أعظم الأسفار، وأما معرفته باللغة وغريبها وفصيح تراكيبها وأساليبها فذاك الذي اعترف له به المكابر، وأذعن له الأصاغر والأكابر، هذا مع تواضع ولين جانب، للأقارب الأدنين والأجانب، وقد ضم مع ذلك من الأخلاق أكرمها وألطفها، ومن الأوصاف أفضلها وأشرفها.
من لي بإنسان إذا أغضبته ... ورضيت كان الحلم رجع جوابه
وإذا أصر على الذنوب جليسه ... وسطا يكون العفو مر عقابه
وإذا ظمئت إلى الشراب رويت ... من ألفاظه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بقلبه ... وبسمعه ولعله أدرى به
وإذا تفاخرت الرجال بماجد ... فاقت شمائله على أترابه
ولم يزل يتقلب في المناصب، ويتنقل في منازل المراتب، حتى أدت به خاتمة المطاف، وفاتحة النعم والألطاف، إلى أن تقلد إفتاء البصرة الفيحاء، ونشر
стр. 714
الأحكام الشرعية في هاتيك الأنحاء. إلى أن قلت: وقد عاقته العوائق، ومنعته الشواغل والعلائق، أن يتصدى لتأليف كتاب أو تصنيف فصل أو باب، نعم إن له من الشعر الرائق، والنثر اللطيف الفائق، ما لو جمعا لكان كل منهما أعظم ديوان، وفاق ما نسب لحسان ونابغة بني ذبيان، وكم جرت بيني وبينه مكاتبات هي لعمري أرق من مدامع صب صبها على ما فات، وهي مذكورة في ترجمته من كتاب "بدائع الإنشاء" فليراجعها من شاء. ولم يزل يصدع بالحق ويفتي بأصح الأقوال، حتى انتقل إلى رحمة الله المتعال، وذلك سنة تسع عشرة وثلاثمائة وألف من الهجرة، وقد أسف على فقده من كان عارفاً بقدره، ودفن بجوار الزبير ﵁، وقد رثاه صاحبه وخلفه في الإفتاء الشيخ طه أفندي الشهير بآل الشواف، منحه الله تعالى بالنعم والإلطاف، فقال:
لا تبعدن أبا عبد الحميد وقد ... بعدت عني فروى تربك المطر
إذا رثيتك بالشعر البديع فمن ... من بعد شخصك يدري منه ما الخبر
فاذهب عليك سلام الله في دعة ... فسوف ترثيك مني أعين غزر
وكان رحمه الله تعالى شافعي المذهب، لا يميل إلى غير مذهبه ولا يذهب، غير أنه لا يستحسن رأي الغلاة من الشافعية، وكان يختار كإمامه الآراء السلفية، والله يتولى الصالحين.
ومنهم شبل ذلك الأسد والفاضل الذي لم يطاوله في الفضل من أقرانه أحد، تذكرة أهل الأدب، ومجمع فضائل العرب، عبد الحميد بك الشاوي البغدادي تغمده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه فراديس الجنان، وذلك قوله:
أبا ثابت يهنيك أنك ثابت ... على الحق إذ زلت عن الحق أرجل
جلوت العمى والشك عن كل مؤمن ... بقول يميط الهزل حقاً ويفصل
فهذا جلا العينين يعجز آخرا ... مداه ولم يبلغه قبلك أول
فيا طالب الأخرى ويا مبتغي الهدى ... ليسعد عند الله في يوم يسأل
لعمري لهذا الحق يعلو مناره ... عليك به أن الأباطيل تسفل
стр. 715
" ترجمة هذا الأديب الأريب " ١
قد كتبت لهذا الفاضل ترجمة مفصلة في كتاب "بدائع الإنشاء" حيث أنه ممن جرت بيني وبينه مكاتبة من الأدباء، ومجمل ما قلت فيها: إن هذا الأديب كان على جانب عظيم من علو الهمة، وشرف النفس، ولين الجانب، ومعرفة الأدب، ورقة النثر، وجزالة الشعر، وذكاء الطبع، وسخاء الغريزة، وسرعة الفهم، وسرعة الذهن، وبعد النظر، وغور الفكر.
متيقظ الأفكار يدرك رأيه ... ما لم يكن بالظن والتخمين
من أسرة رغموا الأنوف وأصبحوا ... من أنف هذا المجد كالعرنين
قوم يصان من الخطوب نزيلهم ... ونوالهم بالبر غير مصون
اللابسون من الفخار ملابسا ... ومن الوقارسكينة بسكون
له خلق أرق من النسيم، وأعذب من التسنيم، لطيف المؤانسة، طيب المفاكهة، لا يمله جليسه، ولا يرغب عنه أنيسه.
ورأيت من أخلاقه بوجوده ... ما أبدع الخلاق بالتكوين
ولكن تجلى بالمسرة فانجلى ... صدأ الهموم بقلبي المحزون
حيث السعادة والرياسة والعلى ... تبدو بطلعة وجهه الميمون
وكانت له اليد الطولى باللغة العربية، كما كان سباق غايات بين فرسان اللغة التركية.
أقلامه افتخرت على سمر القنا ... فرأيت كل الفخر للأقلام
خط يسر الناظرين ولم يزل ... في العين أحسن من عذار غلام
وكأنما نظم النجوم قلائداً ... في الكتب مشرقة لدى الأيام
وله من الشعر نظم كثير، وبحر غزير، ومن شعره الرائق، ونظمه الفائق،
стр. 716
هذه القصيدة الغراء، بل الغادة الحوراء، قالها متحمساً بحسه، وشرف نسبه وأدبه، ذاكراً غدر أعيان وطنه به، وذلك قبيل وفاته بعدة أيام، وهي نفثة مصدور، وأنة مقهور، قد أضر به السقام، ولم يرو من غليله الأوام.
أرقت وهل يهجع المقصد ... وليس لليل المغنى غدُ
وبتُّ أراقب سير النجوم ... كأني بها ساهراً أرصد
بقلب قريح له لوعة ... تشب ضراماً فما تخمد
وعين كعين تفيض الدموع ... تسح دراكاً فما تجمد
ولي زفرات تذيب الحشا ... وتوهي الأضالع لا تنفد
لذكر زمان هوى قد مضى ... وخلف نار جوى توقد
وعهد صبا سلبته الخطوب ... وأعقبه زمن أنكد
وأظعان حي حدتها النوى ... وأعرق بي البين إذا أنجدوا
وقد كان لي فيهم مألف ... وعيش بساحتهم أرغد
وكم لي هنالك من مجلس ... جليسي به الرشأ الأغيد
غرير يصيد أسود الشرى ... ويعنو له الأشوس الأصيد
وأسامره بغرامي به ... وفوق الحسام الجراز اليد
وإخوان ضراء فارقتهم ... وكنت بصحبتهم أسعد
قضيت بهم والمنى غضة ... ولم يك في الدهر ما ينكد
ليالي أفدي لها جانباً ... من العمر لو أنها عود
نأوا فظللت كئيباً لهم ... وهيهات مثلهم يوجد
لقد كان شملي بهم جامعاً ... وإني من بعدهم مفرد
غريب أقاسي العنا والأسى ... ومالي خل ولا مسعد
مقيم أعاني ضروب الضنا ... وقد ملني الأهل والعود
فسقيا لعيش بهم كان لي ... فما العيش من بعدهم يحمد
فلولا عواد عدت جمة ... لقلت وإن كنت لا أقصد
سقى الله بغداد صوب الحيا ... وطالعها الطالع الأسعد
стр. 717
وإن لم يكن لي في شطها ... وإن لج بي ظما مورد
ولكن تركت بها معشراً ... لهم طارف المجد والأتلد
هم الناس إن عد أهل العلى ... وإن ذكر الأصل والمحتد
وما منهم غير قرم عليـ ... ـه خناصر أهل النهى تعقد
فيا راكباً زعلباً جسرة ... على ما بها من وجى تسئد
إذاجئت بغداد فاحبس بها ... ففيها لأهل الهوى معهد
وفي الكرخ لي كبد غودرت ... وقلب أضيع فما ينشد
لقيت من الدهر ما بعضه ... يذوب له الحجر الجلمد
ولست لأحداثه ضارعاً ... ولا أنا مكتئب مكمد
ولكنني أنا جار على ... مدى همة شأوها أبعد
ولي سيف عزم إذا النائبا ... ت تفاقمن صمصم لا يغمد
ولست أبالي إذا الحادثا ... ت عظمن إلى أيها أعمد
وقومي الألى الصيد سادوا ... الورى وشادوا من المجد ما يخلد
سموا في سماء العلى رتبة ... دنى دونها النجم والفرقد
على أن فخري بنفسي إذا ... بنوا الدهر أجدادهم عددوا
وحسبي فخراً إذا ما فخر ... ت وكان لأهل العلى مشهد
مقالي أني عبد الحميـ ... ـد وإن أبي المجتبى أحمد
همام إذا رقد الغافلون ... عن الخير والمجد لا يرقد
هو الحلو طعماً لأحبابه ... وللشانىء الأرقم العربد
فتعساً لدهر أخوه اللئيم ... وأكبر أعدائه الأمجد
أنا العلم الفرد في رتبتي ... إذا شئت قلت فمن يجحد
تكنفني من كلا جانبي ... صدق النجابة والسؤدد
على رغم كلب عوى حاسداً ... وهل يخفض السؤدد الحسد
عجبت لنذل يناوي الكرام ... وهمته عنهم تفقد
يسامي رعان جبال سمت ... وموضعه الغائط الأوهد
стр. 718
يرى الفخر والفضل من جهله ... دراهم في كفه تنقد
يخال السفاهة رأس العلى ... فليسن إلى غيرها يخلد
فلولا الترفع عن مثله ... لكان له عندنا موعد
على أنه حسبه خزيه ... بما فيه أفعاله تشهد
وقد عرض في هذه الأبيات الأخيرة بنقيب بغداد، فإنه عدو لأهل الكمالات والأمجاد، وكان ﵀ له مشاركة في كثير من العلوم، واشتغل مدة مديدة في المنطوق منها والمفهوم، وله محبة ومزيد ميل إلى آثار السلف، ولم يزل يسخف رأي الغلاة الذين هم بئس الخلف، ولم يبلغ من العمر إلا نحو خمس وأربعين سنة إلا واخترمته المنية، ووجد عليه والده أعظم وجد حتى لحقه بعد مدة جزئية، وقد كنت كتبت له أعزيه بهذه الفاجعة المؤلمة، وهذه الحادثة الملمة، فأجابني بقوله:
بالله المستعان وعليه التكلان، وبه أستعين، وهو في كل شدة نعم المعين، لا ملجأ إلا إليه، ولا معول إلا عليه، وله الحمد على كل حال، وإليه المرجع والمآل، لقد صرت للحوادث غرضاً منصوباً، وللنوائب جملاً ركوباً، تتنصل فيَّ ماضيات نصالها، وتحمل عليَّ مثقلات أحمالها، فلله قلبي ما أصبره وأقساه، وجسمي ما أصلبه وأقواه، فلو كان قلبي حديداً لذاب، أو كان وجودي صخراً لتصدع من عظم المصاب، ولعمري لقد فل المنون شباتي، وأفسد علي حياتي، وثكلني لذاتي، فما هو إلا قمص الصبر أتدرعها، وغصص الموت أتجرعها، وتأبى زفرات الحزن إلا تصعدا، وجمرات الوجد إلا توقداً، ولكن ما الحيلة وقد حل البلاء، وفرض العزاء، وكتب الرضاء والتسليم، عند حلول الأمر الجسيم، فلا تسخط لقدر الله وهو عدل، ولا تكره لقضائه وهو فصل، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، تسليماً لما أمضاه، ورضى بما قضاه، ولقد تشرفت بكتابكم الشريف، فتناولته بكف التكريم، وأنامل التبجيل والتعظيم، وفضضته من خط تسكب منه العبرات، ولفظ تتجاذب من خلاله الحسرات يشهد بمشاركة مولاي أطال الله تعالى بقاءه في هذه المصيبة مشاركة من لا يتميز عنه في محنه ولا منحه وسروره وحزنه،
стр. 719
فأبقاك الله للعلم تعمر مدارسه، وتجدد دارسه، وللأخوان تكون له معوناً في حوادث الزمان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في (٥) ربيع الآخر سنة ست عشرة وثلاثمائة وألف للهجرة، الداعي مفتي البصرة أحمد بن عبد الحميد الشاوي.
وقد توفي أيضاً في البصرة ودفن في مقبرة الزبير ﵁.
وقد بقي أفاضل كثيرون ممن قرظ "جلاء العينين" وأثنى عليه بما هو مطبوع مع الكتاب وبما ورد بعد الطبع، ولو استقصينا جميع ذلك مع تراجم المقرظين لاحتمل أن يكون سفراً كبيراً، وما ذكرناه كاف في المقصود، وهو إبطال قول النبهاني المخذول في شأن كتاب "جلاء العينين" وتبين أنه كذب وافترى فيما ذكره في كتابه.
وأما قوله: فيجب أن يعاملوه معاملة الكتب المخالفة لمذهبهم إلخ..
فقد ذكرنا سابقاً أن ما اشتمل عليه "جلاء العينين" هو عين مذهب الأئمة سواء كان في الأصول أم في الفروع، وقد ذكرنا نصوصهم في مسألة العلو وغير ذلك بما لا مزيد عليه.
وأما قوله: وترجيحه كثيراً مما يخالف عقائد جمهور المسلمين أهل السنة والجماعة.. إلخ.
فهذا دليل على جهله، حيث لم يفرق بين الإيمان والشرك، وأقوال أهل الحق من أهل الباطل، وظن أن أهل السنة والجماعة هم الذين على مسلكه وعلى باطله وضلاله، وقد ذكرنا غير مرة حقيقة حالهم وأن الفرقة الناجية هم التابعون لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام.
وأما القول بالجهة فقد قلنا إن كتب الشيخ كلها ناطقة بخلاف ذلك، ومسألة العلو والاستواء قد سبق الكلام عليها، ء وذكرنا أقوال من قال بها من الأئمة وغيرهم.
стр. 720
ومنها أنه قال: وأنا والله في حيرة من أمره، إن قلت إن ذلك اعتقاده يعارضني أني أعرفه حنفي المذهب، من عائلة علم وسيادة، كلهم من أهل السنة والجماعة، وأن ما اعتمده في هذا الكتاب- مما أيد به زلاّت ابن تيمية- هو مذهب الوهّابية لا مذهب الحنفية. .. إلخ.
فيقال لهذا المخذول: لِمَ تتحير في أمرك وأنت لست بمسؤول عن غيرك، وكل امرىء بما كسب رهين، وبما عمل مجازى بيقين، هلاّ نظرت إلى نفسك قبل حلول رمسك، قد قضيت عمرك بالضلال وفاسد الأعمال، والحكم بالطاغوت والإعراض عما شرعه ذو الجلال، تارة تزعم أن رسول الله ﷺ في كل زمان وفي كل مكان، وأخرى تدعي أن كل من لم يدع المخلوق ولا استغاث به فهو من المبتدعين، وأن الإسلام هو دعاء غير الله والغلو في الصالحين، وأخرى تقول بالحلول والاتحاد، وتعتقد ما يعتقده أهل الإلحاد، ومع ذلك لم تتحير في أمرك بل تحيرت في أمر غيرك، وما دخولك بين العلماء وأنت من أضل الجهلاء؟!
اقرأ كتابك واعتبره قريباً ... وكفى بنفسك لي عليك حسيبا
ومن الفصيح كلام إخوان الصفا ... إن خاطبوا جعلوا الخطاب خطوبا
ما كان عذرك لو أتيت بمثله ... أو كنت فيما تشتهيه مجيبا
وما أحسن ما يقول القائل:
مناضلة الدني مع الأديب ... بلا داع من العجب العجيب
أيأمر بالمكارم من بعيد ... ويجنح للدنية من قريب
وينهي عن طباع السوء صبحاً ... ويأتي بالإساءة في الغروب
يعلّم غيره طرق المعالي ... وتذجبه النقيصة للعيوب
وإن يأتي الفتى ما عنه ينهى ... فذاك النهي وعظ من كذوب
سكوت الحر حتم عن سفاه ... وصون العرض يقضي بالوجوب
وماذا النفع في إتعاب فكر ... يقوم بنصرة الطبع الغضوب
стр. 721
لثلم العرض في كلمات سوء ... تطير بهن عاصفة الهبوب
وما أليق ما يقول القائل بحال النبهاني أيضاً:
معارضة الغريب إلى القريب ... بلا حق من السفه العجيب
وإزراء الغبي على ذكي ... حري أن يعد من النعيب
فهلا أيها الناهي برأي ... سخيف ليس بالرأي المصيب
أتحسب لا حسبت بأن شتماً ... محاورة الأديب مع الأديب
مساجلة الكرام بكل فن ... متى كانت تعد من الذنوب
وتنقص كاملاً وتذم شهماً ... رويدك جئت بالأمر الغريب
وأنت فما دخولك بين قوم ... من العلماء بالوعظ الكذوب
وإن تجادل العلماء يوماً ... بما علموه من حسب حسيب
ليعرف كامل الفضلاء منهم ... إذا عرضوا على فطن لبيب
وتلك لحالة فيها لأهل الـ ... ـزكا والفضل تبصرة القلوب
فأي تطاول فيه افتخار ... إذا لم يبد من شهم نجيب
ألا إن التطاول في كمال ... به يمتاز ذو الباع الرحيب
متى كانت بنبهان كرام ... يقون العرض من ذم مريب
وأي نقيبة لهم استبانت ... قديماً أو حديثاً من نقيب
فربع كما لهم قدماً جديب ... ولم نعهده بالربع الخصيب
أيجتنب الكريمة طبع حر ... لأمر فيه إغضاب الرقيب
فهل غير المسرة للقريب ... وهل غير الإساءة للجنيب
فكف اللوم يا ذا اللوم واحذر ... يروعك صولة الأسد المهيب
وحاذر أن يصيبك ذو كمال ... بشفرة مقول منه ذريب
ثم ما الموجب لهذه الحيرة وقد صرح الصبح لذي عينين، وقد قلنا إن جميع ما اشتمل عليه "جلاء العينين" هو مذهب الأئمة، وأساطين الأمة، لاسيما مذهب الإمام أبي حنيفة عليه الرحمة والرضوان، فكتب مذهبه طافحة برد بدع
стр. 722
الغلاة١، ومثل ذلك كتب الشافعية، والمالكية وغيرهم، ومن مشهور مذهب أهل المدينة سد الذرائع والبدع، وقد ذكر علماء السادة الحنفية في مسألة الإقسام على الله بمخلوق ما تقر به عين الموحد، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه أو يسأل بأحد من خلقه، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك، فقال أبو الحسين القدوري في شرح كتاب الكرخي: قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، قال: وأكره أن يقول بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، وأكره أن يقول أسألك بمعقد العز من عرشك. قال أبو الحسن: أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم، لأنه لا حق لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه، وأما قوله بمعقد العز من عرشك فكرهه أبو حنيفة ورخص فيه أبو يوسف، قال: وروي أن النبي ﷺ دعا بذلك، قال ولأن معقد العز من العرش إنما يراد به القدرة التي خلق الله بها العرش مع عظمته فكأنه سأله بأوصافه.
وقال ابن بلدجي في، "شرح المختار": ويكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول أسألك بفلان أو بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على خالقه، أو يقول في دعائه أسألك بمعقد العز من عرشك، وعن أبي يوسف جوازه، وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه أكره كذا هو عند محمد حرام، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب.
وفي فتاوى أبي محمد بن عبد السلام؛ أنه لا يجوز سؤال الله سبحانه بشيء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم، وتوقف في نبينا ﷺ لاعتقاده أن ذلك جاء في حديث وأنه لم يعرف صحة الحديث.
فإذا قرر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به والدعاء به أبلغ في تعظيمه. واحترامه وأنجع في قضاء حاجته نقله درجة أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله، ثم
стр. 723
ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ قبره وثناً يعكف علية، ويوقد علية القنديل، ويعلق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له والطواف به، وتقبيله واستلامه، والحج إليه والذبح عنده، ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم.
وأبعد المراتب المبتدعة- عند القبور- عن الشرع أن يسأل الميت حاجة ويستغيث به فيها، كما يفعله كثير من الناس، وهم من جنس عبدة الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل للكفار من المشركين وأهل الكتاب، يدعو أحدهم من يعظمه فيتمثل له الشيطان أحياناً، وقد يخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وكذا السجود للقبر والتمسح به.
وفي كتاب "الطريقة المحمدية" للإمام محمد البركوي- وكان من أكابر علماء الحنفية الأتراك- شيء كثير من هذا القبيل، وكذلك فيما ذكره في رسالته المؤلفة في زيارة القبور، فإنها تشفي العليل وتروي الغليل، وتحق الحق، وتبطل الأباطيل.
في كتاب "الفتاوى البزازية"- وهو من أجل كتب الحنفية قدس الله أرواحهم الزكية-: من قال إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر.
وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي- في كتاب "الرد على من ادّعى أن للأولياء تصرفات في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة"-: هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدّعون أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، لمستدلين على أن ذلك منهم كرامات، وقالوا منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور، قال: وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه
стр. 724
الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١ ثم قال: فأما قولهم أن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد مماتهم فيرده قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٢ ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ٣. ونحو ذلك من الآيات الدالات على أنه المنفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره، تصرفاً وملكاً وإحياء وإماتة وخلقاً، وقد تمدح الرب تعالى بملكه في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ٤ ﴿َالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ ٥ وذكر آيات كثيرة في هذا المعنى، ثم قال: فقوله في الآيات كلها "من دونه" أي من غيره. فإنه عام يدخل فيه من اعتقده من ولي وشيطان يستمده، فإن لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره، إلى أن قال: إن هذا القول وخيم وشرك عظيم، إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ ٦ وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٧ وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٨ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ٩.
стр. 725
وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" ١ الحديث، وجميع ذلك وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلاً عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره، فإنه سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون إن الأرواح مطلقة متصرفة ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ٢.
قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات من الكرامات فهو من أعظم المغالطة لأن الكرامات شيء من الله تعالى يكرم بها أولياءه وأهل طاعته، لا قصد لهم فيه ولا تحدي ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم ابنة عمران- وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني.
قال: وأما قولهم فيستغاث بهم في الشدائد؛ فهذا أقبح مما قبله وأبدع لمصادمة قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ٣ ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٤.
وذكر الآيات في هذا المعنى، ثم قال: فإنه جل ذكره كرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المنفرد بإجابة المضطر، وأنه المستغاث به لذلك كله، وأنه القادر على رفع الضر القادر على إيصال الخير فهو المتفرد بذلك، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبي وولي.
قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب االظاهرة العاديه من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يا لزيد، يا للمسلمين، بحسب الأفعال الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة أو التأثير أو في الأمور المعنوية من
стр. 726
الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله تعالى لا يطلب فيها غيره.
قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجهال وينادونهم ويستنجدون بهم فهذا من المنكرات، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف كربة أو قضاء حاجة تأثيراً فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا جرف من السعير.
وأما كونهم "مستدلين على أن ذلك منهم كرامات فحاشا للهَّ أن يكون أولياء الله تعالى بهذه المثابة فهذا ظن أهل الأوثان كما أخبر الرحمن: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٢. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شيئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ ٣. فإن ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي أو ولي أو غيره على وجه الإمداد منهم شرك مع الله تعالى، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره.
قال: وأما ما قالوه إن منهم أبدالاً ونقباء، وأوتاداً ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس؛ فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي في "سراج المريدين" وابن الجوزي وابن تيمية". انتهى باختصار.
ومثل ذلك كثير في كتب الحنفية وغيرهم من المذاهب، فرحم الله علماء السنة فلقد كفونا مؤونة كشف ما أورده الخصوم من شبهات المبطلين، فلله الحمد والمنة على عظيم النعمة.
فانظر أيها النبهاني ما نقلناه إليك من أقوال الحنفية وغيرهم فهل خالفت ما
стр. 727
اشتمل عليه "جلاء العينين" وما ذهب إليه المحققون من الفريقين فلم أخذتك الحيرة واعترتك الوساوس الكثيرة؟!
وأعجب من ذلك قولك: وإن ما اعتمده في هذا الكتاب- مما أيد به زلاّت ابن تيمية- هو مذهب الوهابية لا مذهب الحنفية، ولا مذهب آبائه وأجداده السادة الشافعية.. حيث لم يعرف النبهاني المسكين النحل ولا المذاهب، فبقي يخبط خبط عشواء، ويبدي ويعيد، ويكرر قوله البعيد، حتى زعم أن ما ذهب إليه ابن تيمية وموافقوه ليس مذهب أهل السنة بل هو مذهب المبتدعين، وبينا خطأه سابقاً أوضح بيان، وأقمنا على ما قلناه الحجة والبرهان، وأن مذهب أهل السنة هو ما عليه أهل الحديث، وذكرنا سابقاً أن ما عليه أهل نجد ليس مخالفاً لما عليه الأئمة الأربعة، بل ما هم عليه هو الذي جاء به الدين المبين، وإطلاق الخصوم عليهم اسم الوهابية مع كونه غلطاً هو من باب التنابز بالألقاب، وبينا أن مثل ذلك من المثركين في شأن المسلمين إذ كانوا يسمونهم صابئة: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ ١.
وأهل نجد مذهبهم على ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل نَضَّرَ الله وجهه، وقد رأيت رسالة مختصرة يحفظها صبيانهم وشبانهم في العقائد من تصانيف أبي عبد الله العلامة الشيخ محمد ﵀، وليس فيها ما يصادم الكتاب والسنة وما عليه أئمة الإسلام، وهي هذه:
"بسم الله الرحمن الرحيم اعلم رحمك الله أن طلب العلم فريضة، وأنه شفاء
القلوب المريضة، وهو من أهم ما وجب عليك، والعمل به سبب لدخول الجنة، والجهل به وإضاعته سبب لدخول النار، وأنه يجب عليك أربع مسائل.
الأولى: معرفة الله تعالى، ومعرفة نبيه ﷺ ، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
стр. 728
الرابعة: الصبر على الأذى فية.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: لو لم ينزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم.
قال الإمام البخاري: باب العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ١ الآية.
وأعلم رحمك الله أن الله أوجب على كل مسلم ومسلمة تعلم هذه المسائل الثلاث والعمل بهن:
الأولى: أن الله خلقنا لعبادته ولم يتركنا هملاً، وأرسل إلينا رسولاً فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ ٢
الثانية": أن اللهَّ لا يرضى أن يشرك في عبادته أحداً لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣.
الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله فلا يجوز له موالاة من حاذ الله ورسوله ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤ الآية. وعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم ﵇ أن تعبد الله مخلصاً له الدين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٥. ومعنى يعبدون يوحدون، وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله تعالى
стр. 729
بالعبودية،. وأعظم ما نهى عنه الشرك وهو دعاء غير الله تعالى معه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ١ الآية.
فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: الأصل الأول معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه ﷺ .
فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني بنعمته وربى جميع العالمين، وهو معبودي ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم.
وإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، فمن آياته الليل والنهار، والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع ومن فيهن وما بينهما، والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾ ٢ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٣ الآية، والرب هو المعبود، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآيتين٤.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
وأنواع العبادة التي أمر الله تعالى بها: مثل الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنها الدعاء، والرجاء، والخوف، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والاستعاذة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها كلها لله تعالى، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٥ فمن صرف شيئاً من هذه لغير وجه الله فهو
الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وكل مرتبة لها أركان.
أما أركان الإسلام فخمسة، والدليل من السنة حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام"١.
فدليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
ومعناه لا معبود بحق في الوجود إلا الله وحده لا شريك له. "النفي": نافياً جميع من يعبد من دون الله، "إلا الله": مثبتاً العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته،- كما أنه لا شريك له في ملكه، وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية٣. ودليل أن محمداً رسول الله قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية٤. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٥.
ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٦.
стр. 732
ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ١.
ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ ٢.
المرتبة الثانية: الإيمان، "وهو سبع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان.
وأركانه ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله.
والدليل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٣.
ودليل الركن السادس قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٤.
المرتبة الثالثة: الإحسان ركن واحد وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن فإنه يراك، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ٥.
والدليل من السنة، حديث جبريل ﵇ المشهور عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد؛ أخبرني عن الإسلام؟ قال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله
стр. 733
وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً "،. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر". قال: صدقت قال: أخبرني عن الإحسان؟ قال: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". قال: صدقت. قال: أخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ". قال: أخبرني عن أماراتها؟ قال: "أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ". فمضى، فلبث ملياً، فقال ﷺ : يا عمر أتدري من السائل؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"١.
الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد ﷺ ، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉، توفي وله من العمر ثلاث وستون سنة منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبياً رسولاً نبىء باقرأ، وأرسل بالمدثر، وبلده مكة، بعثه الله بالإنذار عن الشرك والدعوة إلى التوحيد.
والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ٢.
ومعنى ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ : يعني أنذر عن الشرك وادع إلى التوحيد، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عظمه بالتوحيد، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: طهر أعمالك من الشرك، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرجز الأصنام، وهجرها تركها، والبراءة منها وأهلها، وفراقها وأهلها، وعداوتها وأهلها، أخذ على هذا عشر سنين، وبعد العشر عرج به إلى السماء، وفرض عليه الصلوات الخمس، وبقي بمكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة، والهجرة الانتقال من بلد الشرك، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، والدليل قوله
стр. 734
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ً﴾ إلى ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ١، وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ الآية٢.
والدليل على الهجرة من السنة قوله ﷺ : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها"٣.
فلما استقر في المدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أخذ على ذلك عشر سنين.
وتوفي صلوات الله وسلامه عليه ودينه باق، وهذا دينه لا خير إلا دلّ الأمة عليه، ولا شر إلاّ حذرها عنه، والخير الذي دل عليه التوحيد وما يحبه الله ويرضاه، والشر الذي حذّر عنه، الشرك وما يكرهه الله ويأباه، بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض طاعته على جميع الخلق؛ الجن والإنس، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ٤ وأكمل الله له الدين، والدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ٥.
والدليل على موته ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ٦ والناس إذا ماتوا يبعثون، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٧ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ
стр. 735
الْأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً﴾ ١.
وبعد البعث محاسبون ومجزيون بأعمالهم، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٢.
ومن كذب بالبعث كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٣.
وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين، والدليل قوله تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤.
وأولهم نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ ، وهو خاتم النبيين، لا نبي بعده.
والدّليل على أن نوحاً أول الرسل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية٥.
وكل أمة بعث الله إليها رسولاً من نوح إلى محمد ﵉ ة، يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٦.
وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، قال ابن القيم ﵀: معنى الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
والطواغيت كثيرة ورؤؤسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عبد وهو راض،
стр. 736
ومن ادّعى شيئاً من علم الغيب، ومن دعا إلى عبادة نفسه، ومن حكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١. وهذا معنى لا إله إلا الله، وفي الحديث: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" والله أعلم.
هذا آخر رسالة الشيخ أبي عبد الله في العقائد.
فانظر أيها النبهاني إليها واقرأها من أولها إلى آخرها؛ فهل الذي يعتقد هذا الاعتقاد يعد من المبتدعين السالكين غير سبيل الرشاد؟ أم المبتدع هو الذي غيّر وبدل، وحرّف وأوّل، واتبع غير سبيل المؤمنين، وليس عليه دليل في دين المسلمين، كما ابتدعت أيها الزائغ من الغلو العظيم في حق النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وكمل التسليم، ثم عملت بغير شريعته، وسلكت غير سنن سنته.
فيا أيها النبهاني، والشيخ الشيطاني، من الأحق أن يكون من المبتدعين؟ أأنت ومن على شاكلتك من الغواة الضالين؟ أم حزب الرسول الذين سمعت عقيدتهم في الدين المبين؟!.
وأقسم بالله العلي الشأن؛ أن النبهاني ليس له معرفة بدينه كمعرفة أولئك- الصبيان، وليته جدد إيمانه على يد واحد من حزب الرسول، وقرأ عنده تلك العقائد من الأصول، ليخرج عن جادة ضلاله ذلك الزائغ الجهول.
وأما قول النبهاني: وإن قلت: إن ذلك ليس اعتقاده الحقيقي ... إلخ.
فيقال له: إن هذا من بعض الظن الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ٢ على ما بينه المفسرون وأطنبوا فيه.
стр. 737
فإن مصنف "جلاء العينين" إنما صنّفه قبل أن تكون بينه وبين السيد صديق حسن نواب بهوبال معارفة ومكاتبة، ومصنف "جلاء العينين" لما سافر إلى مكة المكرمة شرفها الله تعالى سنة ثنتين وتسعين ومائتين وألف من الهجرة، اجتمع ببعض أصحاب ذلك الإمام الهمام، بل ملك العلماء الأعلام، فذكر له عن أحواله وبيان منزلته من معرفة الحديث وسائر علوم الدين، فوسطه في أخذ إجازة منه بما صح لديه، وبعد عود الهندي إلى الهند اجتمع بالنواب، وذكر له عن مصنف "جلاء العينين" ما شاهده من فضله، وطلب منه أن يرسل إليه الإجازة، فكتب إليه إجازة مفصلة وأرسلها إليه بعد عوده إلى وطنه، وطلب منه أن يرسل إليه نسخة من "جلاء العينين" فأرسلها إليه، والتمس منه طبع الكتاب إن كان قد وقع لديه موقع القبول، فبهره حسن وضعه، ولطافة ترتيبه، وما استودعه فيه من المطالب العالية، فأرسله إلى مصر وطبعه، والنواب ﵀ لم يكن له حاجة لمعاونة أحد ولا خدمته، وفضله أشهر من أن ينبه عليه، ولم يكن على مذهب الوهابية فإنه ليس للوهابية مذهب يخصهم بل هم حنابلة كما سبق، والنواب ﵀ كان من المحدثين، فكان يتبع ما صح لديه من الحديث، كما هو شأن أهل الحديث والأثر وأتباع سيد البشر، ومثله كثيرون في البلاد الهندية قبل عصره وبعده.
ومنها أنه قال: ولست أعترض عليه بجوابه عن ابن تيمية أن بعض أقوال ابن تيمية التي نقلها ابن حجر واعترض عليها لم تصح نسبتها إليه إلى قوله منذ مئات من السنين.
جوابه: أن مصنف"جلاء العينين" أحسن العبارة في ابن حجر كل الإحسان، ونوه به في ترجمته حيث قال: هو واحد العصر، ثاني القطر، علامة المنقول، فهامة المعقول، شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر- نسبة على ما قيل إلى جد من أجداده كان ملازماً للصمت تشبيهاً له بالحجر- الهيتمي السعدي
стр. 738
الأنصاري الشافعي، وذكر مولده ووفاته وتصانيفه ومن أخذ عنه، فلم يترك من فضائله شيئاً إلا وذكرها، ومن حق المترجم أن يذكر لمترجمه ما له وما عليه، ولم يبين ما ذكره أهل العلم فيه من تعصّبه في مذهبه والحط على المخالفين، وافترائه على أئمة المسلمين، واضطرابه في أقواله، وعدم ثباته على قول، ومن يراجع أقواله في "الزواجر والقواطع" ثم يوازن بينها وبين أقواله في "الجوهر المنظم" و "الفتاوى الحديثية" يجد ما قيل فيه واضحاً صريحاً، ولم يذكر أيضاً جهله بالحديث الصحيح وعدم خبرته بفنه حتى شحن كتاب "الصواعق" وكتاب "تطهير الجنان في الذب عن محاوية بن أبي سفيان" وغيرهما بالأحاديث الموضوعة والخرافات المكذوبة، ولا ذكر أيضاً انتحاله لكتب آخرين فنسبها لنفسه، ولا عجبه بنفسه ورأيه، كل ذلك قد أهمله مصنف "جلاء العينين" عفا الله عنه، ولم نعلم سبب ذلك، فهل تاقى غلاة الشافعية، أم لم يقف على ما ذكرناه مع شهرته، نعم سمعت أنه كتب رداً على كتاب "تطهير الجنان" وبيّن ما اشتمل عليه من مواقع النظر، وسمى ما كتبه "بصادق الفجرين في الجواب عن سؤال أهل البحرين" وبلغني أن هذا الكتاب متداول في الأنحاء العراقية، وأما "الصواعق" فقد رد عليها غير واحد.
والمقصود؛ أن كلام النبهاني هذا لا ورود له أصلاّ، بل هو محض عدوان اقتضاه منه عدم الإيمان، وأما ما أورده في تضاعيف كتابه من عدم تصحيح بعض نقوله فهو من مقتضيات قوانين المناظرة، كما لا يخفى على الخبير بها، العالم بأقسامها وضروبها.
ومنها قوله: وكذلك عامل بسوء هذا الصنيع- من قبيح التشنيع والتقريع- الإمام تقي الدين السبكي، حتى أنه لم يعبر عنه بلفظ الإمام ولا بلفظ شيخ الإسلام، بل إما أن يقول قال السبكي أو القاضي السبكي، وهو في الحقيقة المستحق للفظ شيخ الإسلام، لأنه كان قاضي قضاة الشام، مع كونه من أئمة العلماء الأعلام، ولقب شيخ الإسلام إنما كانوا يلقبون به قاضي القضاة، فابن تيمية بحسب هذا الاصطلاح لا يستحق لقب شيخ الإسلام، وإن كان من أكابر
стр. 739
شيوخ المسلمين وأئمة العلماء الأعلام.
فيقال له أولاً: فهذا الكلام مخالفة للحقيقة، فإن مصنف "خلاء العينين" قال - لما ذكر ترجمته- وهو- على ما في كتاب الشذرات وغيره- الإمام العلاّمة شيخ الإسلام علم الأعلام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي الأصولي اللغوي البياني الجدلي الخلافي النظار، ثم نقل عن الإمام السيوطي تاريخ مولده ومن قرأ عليه، وقوله: وتخرج به خلق في أنواع العلوم، وأقر له الفضلاء، وولي قضاء الشام بعد الجلال القزويني، وصنف الكتب المطولة والمختصرة، ونقل بعض الأبيات من شعره، وذكر تاريخ وفاته وسؤاله أن يولى القضاء مكانه ولده تاج الدين وأنه أجيب إلى ذلك وترحم عليهما، فماذا يقول: بعد ذلك القول؟ فلم يبق إلا أن يقول وكان يوحى إليه، أو أن ملائكة السماء كانت تقرأ عليه وتأخذ عنه العلوم، أو أن الخضر كان يتلقى عنه العلم اللدني، كما ادّعى ذلك لغيره، ونخو ذلك من القول الباطل، والهذيان العاطل، والغلو الذي اعتاده من لا خلاق له، حتى يرضى الشيخ النبهاني، والهيكل الصمداني، حيث لم يكتف بهذه المبالغات، واستقل تلك العبارات في السبكي وابن حجر، حتى قال عنها هناك أنه شنع على ابن حجر بألفاظ لا يحسن استعمالها في حق بعض طلبة العلم وكذلك عامل بسوء هذا الصنيع إلخ مع إحسانه العبارة في الاثنين، ومعاملته لهما بما لا يستحقانه عند الفريقين، فأي عبارة استعملها وهي لا تليق بهما، مع أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١. فليراجع تفسير هذه الآية.
وأما ثانياً: فيقال له: إنا لو سلّمنا أنه لم يكن مبجلاً لهما كما يحب النبهاني في عباراته ولا أعطاهما حقهما في تعبيراته فهو ليس بملام على ذلك، لأنه بصدد مؤاخذتهما فيما افترياه على الشيخ، ورد ما اعترضا عليه، وأن كلامهما فيه مما لا
стр. 740
يقبل، لأنهما كانا من ألد خصمائه، فليس المقام مقام مدحهما، والإطراء عليهما، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بفن البلاغة.
وأما ثالثاً: فيقال: إن عدم تعبيره مرة أو مرتين بشيخ الإسلام في السبكي لا يستوجب سجود السهو، لا عند الحنفية، ولا عند الشافعية، ولا المالكية، ولا الحنابلة، ولا الظاهرية، ولا، ولا، بل ولا أظن أن عليه شيئاً في قانون الجزاء الذي حكم بمواده- شطراً من عمره في بيت الله المقدس- النبهاني الخبيث، بل ليس ذلك من الواجبات الدينية، ولا المشروعات الإسلامية، بل لو قال قائل: قال أبو بكر، أو قال عمر، أو قال عثمان، أو قال علي، أو روى أبو هريرة، أو حدثنا شعبة، وهكذا جميع الصحابة، أو قال: روي عن أبي حنيفة، أو مالك، أو الأوزاعي، أو غيرهم من المجتهدين، أو ذكر نحو هؤلاء من الأئمة فقط ولم يزد لفظ شيخ الإسلام، فماذا يجب عليه من اللوم؟ نعم قال بعضهم: من المستحسن الترضي عند ذكر أحد من الصحابة، والترحم على العلماء وصلحاء الأمة ونحو ذلك على ما قرره الشهاب في شرحه على الشفاء، ونسأل الشيخ النبهاني هل ورد شيء في الكتاب أو السنة في وجوب التعبير عن السبكي بنحو الإمام أو شيخ الإسلام فإن تركهما أحد وجب تعزيره بل لا بد أن يكون أحدهما جزءاً من هذا العلم؟ أما يستحي النبهاني من التكلم بمثل هذا الكلام، أما يخجل أن يهذي بهذا الهذيان بين الأنام، نعم ورد في الحديث الصحيح: "أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت"١ فعياذا بك اللهم من عدم الحياء.
وأما رابعاً: فليمت شعري بأي فضيلة استحق السبكي أن يعبر عنه بشيخ الإسلام، هل بإغرائه العوام على عبادة غير الله والمغالاة في الدين، أو بنيابته في الشام بعد أن تقلدها بالرشوة حتى حرص عليها وعض عليها بالنواجذ وطلب أن تكون لولده من بعده، أو بشتمه خيار عباد الله، أو بجهله بما ورد في الكتاب