ومن ادّعى شيئاً من علم الغيب، ومن دعا إلى عبادة نفسه، ومن حكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١. وهذا معنى لا إله إلا الله، وفي الحديث: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله" والله أعلم.
هذا آخر رسالة الشيخ أبي عبد الله في العقائد.
فانظر أيها النبهاني إليها واقرأها من أولها إلى آخرها؛ فهل الذي يعتقد هذا الاعتقاد يعد من المبتدعين السالكين غير سبيل الرشاد؟ أم المبتدع هو الذي غيّر وبدل، وحرّف وأوّل، واتبع غير سبيل المؤمنين، وليس عليه دليل في دين المسلمين، كما ابتدعت أيها الزائغ من الغلو العظيم في حق النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وكمل التسليم، ثم عملت بغير شريعته، وسلكت غير سنن سنته.
فيا أيها النبهاني، والشيخ الشيطاني، من الأحق أن يكون من المبتدعين؟ أأنت ومن على شاكلتك من الغواة الضالين؟ أم حزب الرسول الذين سمعت عقيدتهم في الدين المبين؟!.
وأقسم بالله العلي الشأن؛ أن النبهاني ليس له معرفة بدينه كمعرفة أولئك- الصبيان، وليته جدد إيمانه على يد واحد من حزب الرسول، وقرأ عنده تلك العقائد من الأصول، ليخرج عن جادة ضلاله ذلك الزائغ الجهول.
وأما قول النبهاني: وإن قلت: إن ذلك ليس اعتقاده الحقيقي ... إلخ.
فيقال له: إن هذا من بعض الظن الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ٢ على ما بينه المفسرون وأطنبوا فيه.
стр. 737
فإن مصنف "جلاء العينين" إنما صنّفه قبل أن تكون بينه وبين السيد صديق حسن نواب بهوبال معارفة ومكاتبة، ومصنف "جلاء العينين" لما سافر إلى مكة المكرمة شرفها الله تعالى سنة ثنتين وتسعين ومائتين وألف من الهجرة، اجتمع ببعض أصحاب ذلك الإمام الهمام، بل ملك العلماء الأعلام، فذكر له عن أحواله وبيان منزلته من معرفة الحديث وسائر علوم الدين، فوسطه في أخذ إجازة منه بما صح لديه، وبعد عود الهندي إلى الهند اجتمع بالنواب، وذكر له عن مصنف "جلاء العينين" ما شاهده من فضله، وطلب منه أن يرسل إليه الإجازة، فكتب إليه إجازة مفصلة وأرسلها إليه بعد عوده إلى وطنه، وطلب منه أن يرسل إليه نسخة من "جلاء العينين" فأرسلها إليه، والتمس منه طبع الكتاب إن كان قد وقع لديه موقع القبول، فبهره حسن وضعه، ولطافة ترتيبه، وما استودعه فيه من المطالب العالية، فأرسله إلى مصر وطبعه، والنواب ﵀ لم يكن له حاجة لمعاونة أحد ولا خدمته، وفضله أشهر من أن ينبه عليه، ولم يكن على مذهب الوهابية فإنه ليس للوهابية مذهب يخصهم بل هم حنابلة كما سبق، والنواب ﵀ كان من المحدثين، فكان يتبع ما صح لديه من الحديث، كما هو شأن أهل الحديث والأثر وأتباع سيد البشر، ومثله كثيرون في البلاد الهندية قبل عصره وبعده.
ومنها أنه قال: ولست أعترض عليه بجوابه عن ابن تيمية أن بعض أقوال ابن تيمية التي نقلها ابن حجر واعترض عليها لم تصح نسبتها إليه إلى قوله منذ مئات من السنين.
جوابه: أن مصنف"جلاء العينين" أحسن العبارة في ابن حجر كل الإحسان، ونوه به في ترجمته حيث قال: هو واحد العصر، ثاني القطر، علامة المنقول، فهامة المعقول، شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن حجر- نسبة على ما قيل إلى جد من أجداده كان ملازماً للصمت تشبيهاً له بالحجر- الهيتمي السعدي
стр. 738
الأنصاري الشافعي، وذكر مولده ووفاته وتصانيفه ومن أخذ عنه، فلم يترك من فضائله شيئاً إلا وذكرها، ومن حق المترجم أن يذكر لمترجمه ما له وما عليه، ولم يبين ما ذكره أهل العلم فيه من تعصّبه في مذهبه والحط على المخالفين، وافترائه على أئمة المسلمين، واضطرابه في أقواله، وعدم ثباته على قول، ومن يراجع أقواله في "الزواجر والقواطع" ثم يوازن بينها وبين أقواله في "الجوهر المنظم" و "الفتاوى الحديثية" يجد ما قيل فيه واضحاً صريحاً، ولم يذكر أيضاً جهله بالحديث الصحيح وعدم خبرته بفنه حتى شحن كتاب "الصواعق" وكتاب "تطهير الجنان في الذب عن محاوية بن أبي سفيان" وغيرهما بالأحاديث الموضوعة والخرافات المكذوبة، ولا ذكر أيضاً انتحاله لكتب آخرين فنسبها لنفسه، ولا عجبه بنفسه ورأيه، كل ذلك قد أهمله مصنف "جلاء العينين" عفا الله عنه، ولم نعلم سبب ذلك، فهل تاقى غلاة الشافعية، أم لم يقف على ما ذكرناه مع شهرته، نعم سمعت أنه كتب رداً على كتاب "تطهير الجنان" وبيّن ما اشتمل عليه من مواقع النظر، وسمى ما كتبه "بصادق الفجرين في الجواب عن سؤال أهل البحرين" وبلغني أن هذا الكتاب متداول في الأنحاء العراقية، وأما "الصواعق" فقد رد عليها غير واحد.
والمقصود؛ أن كلام النبهاني هذا لا ورود له أصلاّ، بل هو محض عدوان اقتضاه منه عدم الإيمان، وأما ما أورده في تضاعيف كتابه من عدم تصحيح بعض نقوله فهو من مقتضيات قوانين المناظرة، كما لا يخفى على الخبير بها، العالم بأقسامها وضروبها.
ومنها قوله: وكذلك عامل بسوء هذا الصنيع- من قبيح التشنيع والتقريع- الإمام تقي الدين السبكي، حتى أنه لم يعبر عنه بلفظ الإمام ولا بلفظ شيخ الإسلام، بل إما أن يقول قال السبكي أو القاضي السبكي، وهو في الحقيقة المستحق للفظ شيخ الإسلام، لأنه كان قاضي قضاة الشام، مع كونه من أئمة العلماء الأعلام، ولقب شيخ الإسلام إنما كانوا يلقبون به قاضي القضاة، فابن تيمية بحسب هذا الاصطلاح لا يستحق لقب شيخ الإسلام، وإن كان من أكابر
стр. 739
شيوخ المسلمين وأئمة العلماء الأعلام.
فيقال له أولاً: فهذا الكلام مخالفة للحقيقة، فإن مصنف "خلاء العينين" قال - لما ذكر ترجمته- وهو- على ما في كتاب الشذرات وغيره- الإمام العلاّمة شيخ الإسلام علم الأعلام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي الأصولي اللغوي البياني الجدلي الخلافي النظار، ثم نقل عن الإمام السيوطي تاريخ مولده ومن قرأ عليه، وقوله: وتخرج به خلق في أنواع العلوم، وأقر له الفضلاء، وولي قضاء الشام بعد الجلال القزويني، وصنف الكتب المطولة والمختصرة، ونقل بعض الأبيات من شعره، وذكر تاريخ وفاته وسؤاله أن يولى القضاء مكانه ولده تاج الدين وأنه أجيب إلى ذلك وترحم عليهما، فماذا يقول: بعد ذلك القول؟ فلم يبق إلا أن يقول وكان يوحى إليه، أو أن ملائكة السماء كانت تقرأ عليه وتأخذ عنه العلوم، أو أن الخضر كان يتلقى عنه العلم اللدني، كما ادّعى ذلك لغيره، ونخو ذلك من القول الباطل، والهذيان العاطل، والغلو الذي اعتاده من لا خلاق له، حتى يرضى الشيخ النبهاني، والهيكل الصمداني، حيث لم يكتف بهذه المبالغات، واستقل تلك العبارات في السبكي وابن حجر، حتى قال عنها هناك أنه شنع على ابن حجر بألفاظ لا يحسن استعمالها في حق بعض طلبة العلم وكذلك عامل بسوء هذا الصنيع إلخ مع إحسانه العبارة في الاثنين، ومعاملته لهما بما لا يستحقانه عند الفريقين، فأي عبارة استعملها وهي لا تليق بهما، مع أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ ١. فليراجع تفسير هذه الآية.
وأما ثانياً: فيقال له: إنا لو سلّمنا أنه لم يكن مبجلاً لهما كما يحب النبهاني في عباراته ولا أعطاهما حقهما في تعبيراته فهو ليس بملام على ذلك، لأنه بصدد مؤاخذتهما فيما افترياه على الشيخ، ورد ما اعترضا عليه، وأن كلامهما فيه مما لا
стр. 740
يقبل، لأنهما كانا من ألد خصمائه، فليس المقام مقام مدحهما، والإطراء عليهما، كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بفن البلاغة.
وأما ثالثاً: فيقال: إن عدم تعبيره مرة أو مرتين بشيخ الإسلام في السبكي لا يستوجب سجود السهو، لا عند الحنفية، ولا عند الشافعية، ولا المالكية، ولا الحنابلة، ولا الظاهرية، ولا، ولا، بل ولا أظن أن عليه شيئاً في قانون الجزاء الذي حكم بمواده- شطراً من عمره في بيت الله المقدس- النبهاني الخبيث، بل ليس ذلك من الواجبات الدينية، ولا المشروعات الإسلامية، بل لو قال قائل: قال أبو بكر، أو قال عمر، أو قال عثمان، أو قال علي، أو روى أبو هريرة، أو حدثنا شعبة، وهكذا جميع الصحابة، أو قال: روي عن أبي حنيفة، أو مالك، أو الأوزاعي، أو غيرهم من المجتهدين، أو ذكر نحو هؤلاء من الأئمة فقط ولم يزد لفظ شيخ الإسلام، فماذا يجب عليه من اللوم؟ نعم قال بعضهم: من المستحسن الترضي عند ذكر أحد من الصحابة، والترحم على العلماء وصلحاء الأمة ونحو ذلك على ما قرره الشهاب في شرحه على الشفاء، ونسأل الشيخ النبهاني هل ورد شيء في الكتاب أو السنة في وجوب التعبير عن السبكي بنحو الإمام أو شيخ الإسلام فإن تركهما أحد وجب تعزيره بل لا بد أن يكون أحدهما جزءاً من هذا العلم؟ أما يستحي النبهاني من التكلم بمثل هذا الكلام، أما يخجل أن يهذي بهذا الهذيان بين الأنام، نعم ورد في الحديث الصحيح: "أن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت"١ فعياذا بك اللهم من عدم الحياء.
وأما رابعاً: فليمت شعري بأي فضيلة استحق السبكي أن يعبر عنه بشيخ الإسلام، هل بإغرائه العوام على عبادة غير الله والمغالاة في الدين، أو بنيابته في الشام بعد أن تقلدها بالرشوة حتى حرص عليها وعض عليها بالنواجذ وطلب أن تكون لولده من بعده، أو بشتمه خيار عباد الله، أو بجهله بما ورد في الكتاب
стр. 741
والسنة كما نبه عليه ابن عبد الهادي الحافظ الشهير على ما سبق، وهو في كل ذلك لا يستحق هذا التعبير، فلا أرى اللائق به إلا أن يلقب بشيخ الغلاة، ومصنف "جلاء العينين" عفا الله عنه لم يعط خصوم الشيخ وأعداء الحق حقهم من سوء التعبير اللائق بضلالهم، ففي الحديث: "إذا مدح الفاسق غضب الرب"١.
ومن العجيب قول هذا الزائغ العنيد، النبهاني البليد، إن لقب شيخ الإسلام إنما كانوا يلقبون به قاضي القضاة، فابن تيمية بحسب هذا الاصطلاح لا يستحق لقب شيخ الإسلام..إلخ.
فإنه قد ذم إمامه من حيث لا يشعر، حيث كان هذا اللفظ فارغاً من المعنى، وادّعى اسماً بلا مسمى، كما هو شأنه اليوم في أمثاله، فإنا نسمع أن لهذا العصر مشايخ للإسلام كثيرين ولا مسمى لهم، ونراهم يقولون: فلان صاحب الفضيلة، وفلان صاحب السماحة، وفلان صاحب السحادة، وفلان صاحب العزة، وهلم جراً، ولا فضيلة ولا سماحة ولا سعادة ولا عزة لمن قيل له ذلك، كما هو معلوم لدى كل ذي فهم، ويتحرجون من إطلاق تلك الألفاظ على من اتصف بتلك المعاني حقيقة، حيث يصدهم عنه اصطلاح العصر، وهذا كما اصطلح أهل اللغة في عرفهم على تسمية الفلاة مفازة، والأعمى بصيراً، واللديغ سليماً. ونحو ذلك مما هو مذكور في موضعه.
وذكر العلامة ابن خلدون في الفصل الثاني والثلاثين من مقدمته٢- في بيان التلقيب بأمير المؤمنين وأنه من سمات الخلافة وأنه محدث من عهد الخلفاء- قال: "فأما ملوك المشرق من العجم فكان الخلفاء يخصونهم بألقاب تشريفية، حتى يستشعر منها انقيادهم وطاعتهم وحسن ولايتهم، مثل شرف الدولة، وعضد الدولة، وركن الدولة، ومعز الدولة، ونصير الدولة، ونظام الملك، وبهاء
стр. 742
الدولة، وذخيرة الملك، وأمثال هذه، وكان العبيديون أيضاً يخصون بها أمراء صنهاجة، فلما استبدوا على الخلافة قنعوا بهذه الألقاب، وتجافوا عن ألقاب الخلافة أدباً معها، وعدولاً عن سماتها المختصة بها، شأن المتغلبين المستبدين، ونزع المتأخرون أعاجم المشرق- حين قوي استبدادهم على الملك وعلا كعبهم في الدولة والسلطان وتلاشت عصبية الخلافة واضمحلت بالجملة- إلى انتحال الألقاب الخاصة بالملك، مثل الناصر، والمنصور وزيادة على ألقاب يخصون بها قبل هذا الانتحاب مشعرة بالخروج عن ربقة الولاء والاصطناع بما أضافوها إلى الدين فقط، فيقولون: صلاح الدين، أسد الدين، تور الدين، قال: وأما ملوك الطوائف بالأندلس فاقتسموا ألقاب الخلافة وتوزعوها لقوة استبدادهم عليها بما كانوا من قبيلها وعصبيتها فتلقبوا بالناصر، والمنصور، والمعتمد، والمظفر، وأمثالها، كما قال ابن أبي شرف ينعي عليهم:
مما يُزَهِّدُني في أرض أندلس ... أسماءُ معتمدٍ فيها ومعتضدِ
ألقابُ مملكة في غير موضعها ... كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صَوْرَةََ الأسد١
ثم أطال في الكلام ابن خلدون.
فالشيخ النبهاني قصد هذا المعنى وجعل إمامه- بإطلاق هذا اللقب عليه اصطلاحاً- كالهر يحكي انتفاخاً صورة الأسد، فلله دره ما أدق فكره، وأبعد نظره؟! ونقول له: إذا كان الأمر كما ذكر فنحن لا نلقب ابن تيمية بشيخ الإسلام اصطلاحاً فارغاً عن معناه، بل نطلقه عليه لغة وشرعاً لا اصطلاحاً، وهو بحمد الله في غنى عن التعبيرات الاصطلاحية الفارغة عن المعاني، على أن آثار ابن تيمية وفضائله التي أقر بها المخالف والموافق تغنيه عن إطلاق مثل هذه الألفاظ، وفي كتاب "الرد الوافر" الذي ألفه العلامة الحافظ الإمام ناصر الدين الشافعي في بيان من أثنى على الشيخ ابن تيمية من أكابر الأئمة وأطلق عليه شيخ الإسلام ما يرغم أنف هذا المخذول.
стр. 743
ومنها ما قاله في شأن الشيخ ابن تيمية وهو رجل مطعون في عقيدته.. إلخ. وقد مرَّ الكلام على مثل هذا الكلام مراراً فلا نتعب الأسماع بإعادة الجواب عنه.
ولله در من قال -وهو الشيخ أبو العلاء المعري في قصيدته المشهورة-:
وقال السهى للشمس ضوءك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وعير قساً بالفهاهة باقل١
ويقول ابن سند:
وما على العنبر الفواح من حرج ... إن مات من شمه الزبال والجعل
أو هل على الأسد الكرار من ضرر ... أن ينهق العير مربوطاً أو البغل
أو هل على الأنجم الخضراء منقصة ... إن عابها من حصى الخضراء منجدل
ومنها أنه قال: فما الذي حمل صاحب "جلاء العينين" على معاملتهما أسوأ المعاملة، والميل كل الميل مع ابن تيمية، وهو يدعي أنه من أهل السنة والجماعة، لا والله بل هو من أهل البدعة، والأرواح جنود مجندة، فروحه هي من أجناد روح ابن تيمية، فلا تأتلف مع هؤلاء الأئمة الأعلام، ولذلك كان منه في حقهم ما كان.. إلى قوله: بل حكم لجميع الوهابية.
جوابه من وجو:
الوجه الأول: يقال للنبهاني الزائغ: "نسألك ما حمل ابن حجر والسبكي وكل
стр. 744
منهما كان منه ما كان في حق الشيخ ابن تيمية وأصحابه وجماعة من حفاظ الحديث، من شتمهم أقبح شتم، وسبهم ولعنهم بما هو مشهور في كتبهم، حتى أن ابن حجر لم يكتف بذلك في كتاب واحد من كتبه، بل ذكر ذلك في تحفته، وفي فتاواه الفقهية، وفي فتاواه الحديثية، وفي غيرها، حتى قال في كتابه "الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم" من جملة كلام: إن ابن تيمية عبد أضله الله وأغواه، وألبسه رداء الخزي وأرداه، وبوأه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان، وأوجب له الحرمان، ثم قال: ولقد تصدى شيخ الإسلام، وعالم الأنام، المجمع على جلالته واجتهاده وصلاحه وإمامته: التقي السبكي- قدس الله روحه ونور ضريحه- للرد في تصنيف مستقل، أفاد فيه وأجاد وأصاب، وأوضح بباهر حججه طريق الصواب، فشكر الله مسعاه، وأدام عليه شآبيب رحمته ورضاه، قال: ومن عجائب الوجود ما تجاسر عليه بعض السدجى من الحنابلة فغبر في وجوه مخدراته الحسان، التي لم يطمثهن إنس من قبله ولا جان، وأتى بما دل على جهله، وأظهر عوار غباوته وعدم فضله، فليته إذ جهل استحيا من ربه، وعساه إذا فرط رجع إلى لبه، ولكن إذا غلبت الشقاوة استحكمت الغباوة، فعياذاً بك اللهم من ذلك، وضراعة إليك أن تديم لنا سلوك أوضح المسالك، هذا ما وقع من ابن تيمية مما ذكر- وإن كان عثرة لا تقال أبداً، ومصيبة يستمر عليه شؤمها دواماً وسرمداً- ليس بعجب، فإنه سولت له نفسه وهواه وشيطانه أنه ضرب مع المجتهدين بسهم صائب، وما درى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب، إذ خالف إجماعهم في مسائل كثيرة، وتدارك على أئمتهم- سيما الخلفاء الراشدين- باعتراضات سخيفة شهيرة، وأتى من نحو هذه الخرافات بما تمجه الأسماع، وتنفر عنه الطباع، حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس، المنزه عن كل نقص والمستحق لكل كمال أنفس، فنسب إليه العظائم والكبائر، وخرق سياج عظمته وكبرياء جلالته بما أظهر للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين، حتى قام عليه علماء عصره وألزموا السلطان بقتله، أو بحبسه وقهره، فحبسه إلى أن مات، فخمدت تلك البدع،
стр. 745
وزالت تلك الظلمات، ثم انتصر له أتباع لم يرفع الله لهم رأساً، ولم يظهر لهم جاهاً ولا بأساً، بل ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". انتهى كلام ابن حجر.
ومثل ذلك كثير في كتبه, وقد أدينا له حقه فيما كتبناه عليه صاعاً بصاع، وبينا ما زوره وافتراه، وأقمنا عليه الحجج والبراهين في هدم ما بناه.
والمقصود أن يقال للنبهاني: ما حمل ابن حجر أن يتهور ذلك التهور والغل الذي أبداه للذين آمنوا ومن سبقه بالإيمان؟ فبأي جواب يجيب عن ابن حجر أجبناه عن مصنف "جلاء العينين" بمثله، مع علمه أنه لم يلعن ابن حجر ولم يشتمه، ولم يقل فيه وفي أضرابه من الغلاة ما قاله الله في اليهود ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ مع أن ابن تيمية وأصحابه دعوا إلى الله وعملوا صالحاً، وذبوا عن دينه، وجاهدوا في الله، وعظموا رسوله ﷺ كمال التعظيم، وهدموا أركان البدع والضلال والكفر، وهذه كتبهم التي تتداولها الأيدي تشهد بذلك، وتكذب ابن حجر، وتسود وجهه بسواد لا يبيض، أهكذا جزاء الإحسان؟ أهكذا يقال في حفظة السنة والقران؟
والنبهاني إن كان يحسن قراءة العبارة يعلم أن مصنف "جلاء العينين" لم يقصر في حسن التعبير والتبجيل الذي ذكره في ابن حجر، مع أن كل منصف يعلم أنه ليس أهلاً لذلك
الوجه الثاني: يقال للنبهاني: إن صَدَرَ من مصنف "جلاء العينين" شيء من
ذلك فالذي حمله عليه إنصافه ومزيد إطلاعه على أقوال الأئمة، وما ورد في الكتاب والسنة، والامتثال لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١ وما ورد في الحديث من قول النبي ﷺ : "من علمه الله علماً فكتمه ألجمه الله بلجام من نار". وهو لم يَمِلْ إلا إلى
стр. 746
الحق كما هو شأن أهل السنة، فإنهم يتبعون ما ورد ولا يصرفون النصوص إلى ما تهواه أنفسهم، بل يَرُدُّونَ المتشابهَ إلى المُحْكَمِ منها، وهذا من علائم أهل الحق الناجين يوم القيامة.
وقد سبق بيان معنى السنة والبدعة، وذكرنا هناك من الأحق بالاتباع ومن المستحق أن. يكون من أهل الابتداع، ومصنف "جلاء العينين" كان ممن يعتقد أن الله واحد أحد، فرد صمد، لا يغيره الأبد، ليس له والد ولا ولد، وأنه سميع بصير، بديع قدير، حكيم خبير، علي كبير، ولي نصير، قوي مجير، ليس له شبه ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير، ولا ند ولا مشير، سبق الأشياء فهو قديم بقدمها، وعلم كون وجودها في نهاية عدمها، لم تملكه الخواطر فتكيفه، ولم تدركه الأبصار فتصفه، ولم يخل من علمه مكان فيقع به التايين، ولم يعدمه زمان فينطلق عليه التاوين، ولم يتقدمه دهر ولا حين، ولا كان قبله كون ولا تكوين، ولا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يدخل في الأمثال والأشكال، صفاته كذاته، ليس بجسم في صفاته، جل أن يشبه بمبتدعاته، أو يضاف إلى مصنوعاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١ أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، خلق الخلائق وأفعالهم، وقدر أرزاقهم وآجالهم، لا سمي له في أرضه وسماواته، على العرش استوى، وعلى الملك احتوى، وعلمه محيط بالأشياء، والقرآن كلام الله تعالى، وصفة من صفات ذاته غير محدث ولا مخلوق، كلام رب العالمين، في صدور الحافظين، وعلى ألسن الناطقين، وفي أسماع السامعين، وبأكف الكاتبين، وبملاحظة الناظرين، برهانه ظاهر، وحكمه قاهر ومعجزه باهر. وأن الله تعالى كلم موسى تكليماً، وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً، وأنه خلق النفوس وسواها، وألهمها فجورها وتقواها، والإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، وأن مع كل عبد رقيباً وعتيداً، وحفيظاً وشهيداً، يكتبان حسناته، ويحصيان سيئاته، وأن كل
стр. 747
مؤمن وكافر، وبر وفاجر، يعاين عمله عند حضور منيته، ويعلم مصيره قبل ميتته وأن منكراً ونكيراً إلى كل أحد ينزلان سوى النبيين، فيسألان ويمتحنان، عما يعتقده العبد من الإيمان، وأن المؤمن يخبر في قبره بالنعيم، والكافر يعذب بالعذاب الأليم، وأنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور، ولن يتجاوز ما خط في اللوح المسطور، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله جل اسمه يعيد خلقه كما بداهم، ويحشرهم كما ابتداهم، من صفايح القبور وبطون الحيتان في تخوم البحور، وأجواف السباع وحواصل الطيور، وأن الله تعالى يتجلى في القيامة لعباده الأبرار، فيرونه بالعيون والأبصار، وأنه يخرج أقواماً من النار فيسكنهم دار القرار، وأنه يقبل شفاعة محمد المختار، في أهل الكبائر والأوزار، وأن الصراط حق تجوزه الأبرار، وأن حوض رسول الله ﷺ حق يرده المؤمنون ويذاد عنه الكفار، وأن الإيمان هو قول باللسان، وإخلاص بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالأوزار، وأن محمداً ﷺ خاتم النبيين، وأفضل المرسلين، وأمته خير الأمم أجمعين، وأفضلهم القرن الذين شاهدوه، وآمنوا به وصدقوه، وأفضل القرن الذين صحبوه أربع عشرة مائة بيعة الرضوان بايعوه، وأفضلهم أهل بدر نصروه، وأفضلهم أربعون في الدار كنفوه، وأفضلهم عشرة عزروه ووقروه، شهد لهم بالجنة، وقبض وهو عنهم راض، وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار، الخلفاء الراشدون المهديون الأربعة الأخيار، وأفضل الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي عليهم الرضوان، وأفضل القرون بعدهم القرن الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يتبعونهم، وأن نوالي أصحاب محمد ﷺ بأسرهم، ولا نبحث عن اختلافهم في أمرهم، ونمسك عن الخوض في فكرهم إلا بأحسن الذكر لهم، ولا ندخل فيما شجر بينهم، اتباعاً لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١ ثبتنا الله تعالى على ذلك، وأدامنا على السلوك في أقوم المسالك.
стр. 748
هذا مما كان يعتقده مصنف "جلاء العينين" منذ ميز بين اليمين والشمال، وعرف الحرام من الحلال، إلى أن وضع في لحده، وهي بعض من عقيدة صنفها والده صاحب التفسير الشهير رحمه الله تعالى، فما الذي سوغ للنبهاني وأحل له أن يجعل من يعتقد هذه العقيدة من المبتدعة، ثم ما كفاه ذلك حتى حلف يميناً، وقال: إن صاحب "جلاء العينين" ليس من أهل السنة بل هو والله من أهل البدعة بسبب انتصاره لابن تيمية وعدم تجويزه الاستغاثة بغير الله ودعاء المخلوقين؟! وقد حنث في يمينه ووجب عليه الكفارة إن كان من أهل الإيمان والأيمان، مع أن ما هو عليه من الضلال البعيد، والغيّ الذي ليس عليه من مزيد، وما دل عليه شعره من غلوه وإلحاده،. ومسلكه الذي هو سالك فيه مدة حياته وعليه يموت، ينادي كل ذلك بأفصح لسان، على أنه قد خرج عن ربقة الإيمان، ومع ما هو عليه قد فتح فاه في ثلب أهل التوحيد، كالكلب عند التثاؤب وشتم خيار عباد الله، فسبحان إله الخلق ما أحلمه، وما أجل شأنه وأعظمه.
الوجه الثالث أن من سلف من إخوانه كانوايقولون مثل مقالته، ويعتقدون أن ما هم عليه هو الحق، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ ١الآية، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ٢. أخبر سبحانه في الآية الأولى أن كلاًّ من اليهود والنصارى يزعمون أنهم على الحق دون غيرهم من غير دليل ولا تحكيم للعقل تقليداً لأسلافهم، وهم يتلون الكتاب، وفيه أن الحق ما قام عليه الدليل واقتضاه البرهان، لا أنه بالدعاوي الكاذبة، وهكذا النبهاني وأضرابه من الغلاة يعتقدون أن الحق ما تلقوه عن أسلافهم، وما ورثوه عن مشايخهم وإن قام الدليل على خلافه.
стр. 749
والآية الأخرى دلت على أن اليهود والنصارى لا يرضون عن الرسول ﷺ ومن آمن به، حتى يتبعون ضلالهم وغيهم الذي قامت الحجة على فساده، ودل البرهان على بطلانه، وهم لا ينظرون إلى ما يدل عليه الدليل، بل قلّدوا فيما هم عليه آباءهم، فأخبر اللهُ رسولَه ﷺ أنه إن اتبع أهواءهم بعد ما حصل له من العلم واليقين- بأن ما هو عليه هو الحق وما عليه المخالفون هو الباطل- لم يكن له معين ولا ناصر، ولا ملجأ ولا وزير يدفع عنه ما يستحقه المعرضون عن الحق والزائغون عن الصراط المستقيم. وهكذا النبهاني لا يرضى عن كل من خالف باطله وضلاله، واتبع الحق الصريح الذي دل عليه كلام الله وسنة رسوله ﷺ من وجوه كثيرة، حتى يتّبع إلحاده وزيغه الذي دل على فساده ما يزيد على ألف دليل، مع أن الحق أحق بالاتباع، ورضى الله ورسوله مقدم على رضى أعدائه وخصوم دينه، فلا بدع إذا شتم النبهاني أهل الحق وعبر عنهم بالعبارات الفظيعة، فإن له سلفاً بذلك، ولله در من قال:
إذا رضيت ص عني كرام عشيرتي ... فلا زال غضباناً عليّ لئامها
الوجه الرابع: أنه قال: والأرواح جنود مجندة، فروحه هي من أجناد روح ابن تيمية فلا تأتلف مع أرواح هؤلاء الأئمة الأعلام، ولذلك كان منه في حقهم ما كان مع كونهم في جانب تعظيم جده الأعظم ﷺ ، وإمامه ابن تيمية بعكس ذلك، ولكن الشرف والحسب لا يغني عن العلم والأدب ... إلى آخر عبارته التي لا يتكلم بمثلها صغار الطلبة.
فنقول: إن ما ذكره في هذا المقام كلمة حق أريد بها باطل، وذلك أن الله
تعالى قال ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ ١.
ومعنى الآية على ما في التفسير: ومن يطع الله بالانقياد لأمره ونهيه،
стр. 750
والرسول المبلّغ ما أُوحِيَ إليه منه باتباع شريعته والرضا بحكمه "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم" بما تقصر العبارة عن تفصيله وبيانه "من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين".
وفي الحديث: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد ﷺ شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية١.
ومعنى الصدّيق والشهيد والصالح مفصل في التفسير.
وفي الآية فضل ترغيب في الطاعة ومزيد تشويق إليها ببيان أن نتيجتها أقصى ما تنتهي إليه همم الأمم، وأرفع ما تمتد إليه أعناق أمانيهم، وتشرئب إليه أعين عزائمهم، من مجاورة أعظم الخلائق مقداراً، وأرفعهم مناراً، وليس المراد بالمعية اتحاد الدرجة، ولا مطلق الاشتراك في دخول الجنة، بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وإن بعدت المسافة بينهما، ومنهم من قال لا مانع من أن يرفع الأدنى إلى منزلة الأعلى متى شاء تكرمة له ثم يعود ولا
стр. 751
يرى أنه أرغد منه عيشاً، ولا أكمل لذة، لئلا يكون ذلك حسرة في قلبه، وكذا لا مانع من أن ينحدر الأعلى إلى منزلة الأدنى ثم يعود من غير أن يرى ذلك نقصاً في ملكه أو حطاً من قدره. وقد ثبت في غير ما حديث أن أهل الجنة يتزاورون.
والشيخ ابن تيمية- قدس الله روحه من أكثر الناس طاعة لله تعالى ورسوله ﷺ كما دلت عليه كتبه، ككتاب "الصارم المسلول" وغيره، حتى أنه كابد ما كابد من خصومه في الله سبحانه، هذا مع ما كان عليه من التقوى والزهد والورع الذي شهد له به خصومه، وهكذا أصحابه وتلامذته رضي الله تعالى عنهم، وقد شهد له كبراء الأمة أنه كان من أكابر المجتهدين، ومن أئمة الدين، ومن أخيار المسلمين، وخواص المؤمنين على ما سنذكر ذلك في مناقبه، وفي الحديث "أنتم شهداء الله في أرضه"١. فمن المرجو من لطف الله تعالى وفضله أن يكون مع الذين أنعم الله عليهم، وكذلك حديث الجنازة التي مرت فأثنوا عليها خيراً فقال ﷺ : "وجبت " يؤكد هذا الرجاء.
فمصنف "جلاء العينين" يرجى له أن تكون روحه مع روح هذا الرجل الذي أطاع الله ورسوله ﷺ ، فإنه أيضاً كان ممن أطاع الله وذب عن دينه، وعن سنة رسوله ﷺ ، وأوذي حياً وميتاً من أعداء الدين وخصوم الموحدين، ومنهم هذا النبهاني عدو الله ورسوله ﷺ ودينه القويم.
والحديث الذي ذكره رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف"٢. قال الخطابي في بيان معنى هذا الحديث- على ما ذكر في "فتح الباري"-٣ يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشر، والصلاح والفساد، وإن الخير من الناس يحن إلى شكله، والشرير نظير
стр. 752
ذلك يميل إلى نظيره، فتعارف الأرواح يقع بحسب الطباع التي جبلت عليها من خير وشر، فإذا اتفقت تعارفت، وإذا اختلفت تناكرت. قال: ويحتمل أن يراد الإخبار عن بدء الخلق في حال الغيب على ما جاء أن الأرواح خُلِقَتْ قبل الأجسام، وكانت تلتقي فتتشام، فلما حلت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم ". قلت: القول بتقدم خلف الأرواح على الأجساد غير مرضي عند العهد المتقدم ".
قلت: القول بتقدم خلق الأرواح على الأجساد غير مرضي عند السلفيين فلا التفات لهذا الاحتمال. وقال غيره: المراد أن الأرواح أول ما خلقت خلقت على قسمين، ومعنى تقابلها أن الأجساد التي فيها الأرواح إذا التقت في الدنيا ائتلفت أو اختلفت حسبما خلقت عليه الأرواح في الدنيا.
قال الحافظ العسقلاني: "ولا يعكر عليه أن بعض المتنافرين ربما ائتلفا لأنه محمول على مبدأ التلاقي فإنه يتعلق بأصل الخلقة بغير سبب، وأما في ثاني الحال فيكون مكتسباً لتجدد وصف يقتضي الألفة بعد النفرة كإيمان الكافر وإحسان المسيء، وقوله: "جنود مجندة" أي: أجناس مجنسة، أو جموع مجمعة.
قال ابن الجوزي: ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فينبغي أن يبحث عن المقتضى لذلك ليسعى في إزالته حتى يتخلص من الوصف المذموم، وكذلك القول في عكسه.
وقال القرطبي: الأرواح هان اتفقت في كونها أرواحاً لكنها تتمايز بأمور مختلفة تتنوع بها فتتشاكل أشخاص النوع الواحد، وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة، ولذلك تشاهد أشخاص كل نوع تألف نوعها وتنفر من مخالفها، ثم إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد يتآلف وبعضها يتنافر، وذلك بحسب الأمور التي يحصل الاتفاق والانفراد بسببها" انتهى.
فتبين مما ذكر في معنى الحديث: أن روح النبهاني الخبيث، لم تتعارف مع
стр. 753
أرواح أتباع الرسول ﷺ وحفاظ الحديث، المتبعين للسنن المعادين للبدع والأهواء، المعرضين عن الدنيا وزخرفها، الطالبين وجه الله ورضاه، وهم أهل الأرواح الطيبة الطاهرة، فكانت مما تناكر، فلذلك خالفهم وعاداهم وشحن كتابه بثلبهم وسبهم، وكيف تتعارف روحه الخبيثة مع تلك الأرواح الطيبة وقد صرف عمره في الأحكام الطاغوتية، وترويج الأمور الشيطانية، والميل إلى الظلمة والمجرمين، ومعاداة المسلمين، والله تعالى يقول حكاية عن بعض أصفيائه. ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ١.
وقد قال بعض أهل الفضل والتقوى: على العالم أن يتصف بالحلم والزهد والقناعة بالقليل وترك الدنيا، لأن، ذلك سيرة الأنبياء، وهو اللائق بحال العلماء، فإن كثيراً من النصوص مشتملة على ذم الدنيا وطلبها، فطلبها للعالم زيادة على الكفاية جمع بين المتنافيين، وإغراء للعامة على الانهماك فيها، وأن يقتصر في حاجته على قاضي الحوائج، المعطي على التحقيق، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، كيف وقد تكفل بالرزق قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣. وأن يكون بعيداً من ولاة الأمور داعياً لهم بالنصر والتأييد والعدل والتوفيق، وبعيداً من الظلمة لأن قرب العالم منهم والتردد إليهم لأجل السحت وتحسينه لهم ما هم عليه فتنة له ولهم ولغيره.
ولما خالط الزهري ولاة الأمور كتب إليه صديق له من العلماء يقول:"عافانا الله وإياك من الفتن، ونجّانا وإياك من المحن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً وقد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه، وعلمك من سنة نبيه، واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما احتملت، أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقاً،
стр. 754
ولم يترك باطلاً، حتى قربك وأدناك، وأكرمك وواساك، اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلماً يتوصلون بك إلى ضلالتهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويصطادون بك قلوب الجهلاء
فما أيسر ما عمروا منك في جنب ما خربوا عليك، وما أدنى ما أصلحوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يشك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ ١ فإنك تعامل من لا يهمل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم شديد، وهي زادك فقد حضر السفر البعيد، ولا يخفى على الله من شيء وهو الحفيظ المجيد" انتهى.
والنبهاني الضليل ليس من أولئك والقبيل، بل خسته مشهورة، ودناءته مذكورة، مع ما ضم إلى ذلك الضلال من العقائد الفاسدة في الإله عز اسمه، حيث أنه ممن قلد القائلين بالحلول والاتحاد، والغلو في النبي ﷺ حتى اعتقد فيه أنه موجود في كل زمان ومكان، والإغراء على دعاء غير الله والالتجاء إلى ما سواه، وكل ذلك من متفرعات القول بوحدة الوجود، فإن القائلين بها لم يخطئوا عبدة الأصنام في عبادتها، وكل كلام الله تعالى ينطبق على كلام غيره، فعندهم أن ما تكلم به الإنسان نظماً أو نثراً فهو كلامه، وعليه قول الشيخ محيي الدين:
وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه
فلا شك أن روح النبهاني الخبيثة من جنود هذه الأرواح، وقد تعارفت مع أرواح الغلاة فأتلفت وتناكرت مع أرواح الأصفياء الطاهرة المقدسة فاختلفت، فالحديث كما يصدق على خصمه فهو صادق عليه.
أفلا يستحي من هذا حاله، ووصفه واعتقاده، وجهله وضلاله، أن يخاصم أهل الحق، وفرسان العلم، وأئمة الإسلام، وبحور الفضل، وورثة الأنبياء، وهو ليس من قبيل هؤلاء الرجال، بل ولا ممن يعد في صف النعال، وقد حمله شيطانه
стр. 755
على إلقاء نفسه في هذه المهالك، وقاده إلى هذه المعارك، وما أحسن ما قال القائل:
ولقد أقول لمن تحرش بالهوى ... عرضت نفسك للبلا فاستهدف
وقال آخر:
أقول لمحرز لما التقينا ... تنكب لا يقطرك الزحام
ثم إن قوله: مع كونهم في جانب تعظيم جده.. إلخ.
جوابه: أن تعظيم جده إنما يكون بالذب عن شريعته، والمحافظة على سنته لا بمخالفته فيما أمر به ونهى عنه، فهذا هو العصيان وعدم المحبة، قال الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ١. وتعظيمه وتوقيره إنما يكون بالإتباع لا بالابتداع، ولا بمخالفة ما جاء به هو وغيره من الأنبياء والرسل ﵈ من المحافظة على التوحيد وعدم إثبات خصائص الألوهية لغير الله، ألا ترى أن الفاطميين من العبيديين كانوا يزعمون أنهم من العترة فلما أحدثوا ما أحدثوا وابتدعوا ما ابتدعوا خرجوا عن دينه وصاروا من أعدائه بسبب الإعراض عن شريعته، على أن الحق يقبل من أي شخص كان، فالنظر إلى ما قاله القائل لا إلى القائل، ومما ينسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه: لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال. والله عز اسمه يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢.
فالبيت الذي أورده هو صادق عليه لا على مصنف "جلاء العينين" فقد كان ﵀ هاشمياً علماً وعملاً وقولاً وفعلاً.
وباهلة من قيس عيلان، وهو في الأصل اسم امرأة من همدان كانت تحت معن بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان فنسب ولده إليها، وقولهم باهلة بن أعصر،
стр. 756
إنما هو كقولهم: تميم بنت مر. فالتذكير للحي، والتأنيث للقبيلة سواء كان الاسم في الأصل لرجل أو لامرأة.
وفي كتب الحنفية: وقريش بعضهم أكفاء بعض، ولا تفاضل فيما بينهم من الهاشمي والنوفلي والتيمي والعدوي وغيرهم وبقية العرب بعضهم أكفاء بعض، فالباهلي كفو للتميمية والطائية والقيسية وغير ذلك.
فالنبهاني المخذول إن كان منتسباً لنبهان بن جرم بن عمر بن الغوث، وبنو نبهان بطن من طي، فليس لقبيلته فضل على بني باهلة، بل هم سواء في نظر الشرع والعقل، هذا إن سلم له دعوى هذا النسب. وإن قلنا إنه نبطي من أنباط الشام، أو من الجرامقة- كما هو الظاهر- وأن النسبة إلى نبهان جبل مشرف على حق عبد الله بن عامر بن كريز ويتصل به جبل رنقاء إلى حائط عوف، فلا خفاء في كونه حينئذ أخس بني آدم، فضلاً عن أن يكون أخس العرب.
والمقصود أن النبهاني على كلا النسبتين لا رجحان لقومه على بني باهلة، ومن جعل بني باهلة أخس العرب، وأنهم ليسوا كفواً للعرب، فهو غالط فإن النص الذي ورد عن النبي ﷺ لا تفصيل فيه، مع أنه ﷺ كان أعلم بقبائل العرب وأخلاقهم، وقد أطلق وما رموا به إن صح عنهم، فليس بعيب شرعي، كما أن التعبير بشرب ألبان الإبل وأكل لحومها كذلك كما قال شاعرهم:
تعيرنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يا ابن ريطة زائل
وكما كانت تعير قريش بالسخينة، وهو طعام كانوا يتخذونه أيام الجدب، وكل ذلك بسبب ما كانوا عليه من الجاهلية، وإلا فالعيب هو الذي يجعله الشرع عيباً، كالعيوب التي كانت في بني نبهان منها عبادتهم للفلس، وهو صنم لهم كان بنجد قريباً من فيد، وكان سدنته بني بولان، وهم وبنو نبهان أبناء عم، وكانوا يعبدونه ويهدون إليه ويعترون عنده عتائرهم، ولا يأتيه خائف إلا أمن، ولا يطرد أحد طريدة فيلجأ بها إليه إلا تركت ولم تخفر حويته، وبولان ابن عم نبهان هو الذي بدا بعبادته، فلم يزل الفلس يعبد حتى ظهرت دعوة النبي ﷺ فبعث إليه
стр. 757
علي بن أبي طالب فهدمه، وأخذ سيفين كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان قلده إياهما، يقال لهما مخذم ورسوب، وهما اللذان ذكرهما علقمة بن عبدة، فقدم بهما إلى النبي ﷺ فتلقد أحدهما ثم دفعه إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فهو سيفه الذي ط ن يتقلده.
ولهم أصنام أخرى ليس هذا المقام موضع ذكرها.
والمقصود أن بني نبهان وبني باهلة كانوا على منهج واحد، فما يذم به أحدهما يذم به الآخر، بل ربما كان في بني باهلة رجال أكابر، تعقد عند ذكرهم الخناصر، في العلم والدين والشجاعة والفروسية وغير ذلك من الشيم والسخاء والكرم، ولم يكونوا في الجاهلية جميعاً معروفون بالخساسة، بل فيهم الأجواد رفيعوا العماد، وكون فصيلة منهم أو بطن صعاليك فعلوا ذلك لا يسري في حق الكل، فتعبير القبيلة بعيب صدر عن واحد منهم من خصال الجاهلية، كما عيروا بني فزارة بما فعل واحد منهم فعلاً منكراً فقال قائلهم:
لا تأمنن فزارياً خلوت به ... على قلوصك واربطها بأسيار
هذا كله إن قلنا بصحة النسب إلى نبهان الطائي، وصدقنا دعواه الكاذبة، وإن قلنا إنه نبطي منسوب إلى ذلك فبنو باهلة أفضل منه وأشرف في الحسب والنسب، بل في الدين والأدب.
ومنها ما قاله في صاحب "جلاء العينين" أيضاً: وليس حكمه على ابن حجر فقط والسبكي وابنه بل على جميع أهل السنة والجماعة، من الشافعية، والحنفية، والمالكية، وجمهور الحنابلة أيضاً، ومن طالع كتابه هذا بإنصاف يعلم يقيناً أنه أخطأ فيه حق نفسه وحق أبيه وحق المسلمين عموماً وسيد المرسلين خصوصاً، وأنه لوث نفسه بأقذار البدع الوهابية التي لا يغسلها عنه بحار الدنيا إلى يوم القيامة، وكما آذى نفسه بذلك أشد الأذى آذى كل من اطلع على كتابه من المسلمين أهل المذاهب الأربعة- حتى المنصفين من الحنابلة- بذمهم إياه، وخوضهم في عرضه ما بقيت الدنيا وبقي فيها هذا الكتاب، نعم قد استعاض عن
стр. 758
ذلك برضا صديق حسن عنه وطائفته الوهابية فهذا هو ربحه من تلبيسه على المسلمين بهذا الكتاب، وتوهيمهم أن ما عليه ابن تيمية وطائفته من البدعة الشنيعة في مسألة الزيارة والاستغاثة وغيرهما مما خالفوا به أهل السنة هو الحق، وتطاوله على أئمة المسلمين مثل السبكي وابنه وابن حجر، إلى قوله: هذا لعمري مما لا يختاره عاقل لأخيه فضلاً عن نفسه وأبيه.
فيقال للنبهاني: هذا مبلغ علمك، دأبك تكرير هذيانك، وقد أجبنا عن ذلك كله في غير موضع من هذا الكتاب، مع كونه صرير باب، أو طنين ذباب، بل إنه أشبه شيء بنبح الكلاب، وقلنا: إنه لم بحكم على من ذكرهم بحكم، بل نقل ما كان بين الفريقين وما ذكره أهل العلم الأكابر وأئمة المسلمين في المسائل التي تنازعوا فيها، ولو لم يصنف صاحب "جلاء العينين" كتابه هل كانت تبقى تلك المسائل مجهولة لأهل العلم والأفاضل المدققين، ألم تكن هذه المسائل مفصلة في الكتب ومذكورة فيها على أتم وجه؟ هذا كتاب "القول الجلي" الذي صنفه السيد صفي الدين قبل أن يخلق صاحب "جلاء العينين" بمدة من السنين قد اشتمل على جميع ما اشتمل عليه "جلاء العينين" إجمالاً. وكذلك "الدرة المضية" وكذلك "الرد الوافر" للحافظ ابن ناصر الدين الشافعي، وكذلك "إفاضة العلام" من مصنفات الشيخ إبراهيم الكوراني "ومسلك السداد" له، إلى غير ذلك من الكتب المصنفة في هذا الباب قديماً وحديثاً، فلم لم يذكر النبهاني تلك الكتب ومصنفيها، وما الذي حمله أن يتخذ "جلاء العينين" ومصنفه سبابة المتندم وأكثر عليه الهياط والمياط، حتى يتخيل للناظر في كلامه هذا أن السماء انفطرت، وأن الكواكب قد انتثرت، وأن القبور بعثرت، وأن الوحوش حشرت، فما هذه المسائل التي ذكرها مصنف "جلاء العينين" وقد قامت على النبهاني منها قيامته الكبرى؟ وما أهمية زيارة القبور والاستغاثة بالموتى حتى يقام لها ويقعد، ويهاج ويعربد؟ وما أرى ذلك إلا من مزيد الحسد، ولله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله، ومن الحري أن ينشد على لسان صاحب "جلاء العينين":
إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
стр. 759
فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظاً بما يجد
ثم إن قوله ومن طالع كتابه هذا بإنصاف يعلم يقيناً أنه أخطأ فيه.. إلخ.
مردود؛ فقد طالعه كثير من أهل الفضل المنصفين فاستصوبوه، وأثنوا عليه، وعرفوا الحق الذي فيه، وحسنوا ظنهم بأئمة المسلمين وخيار المؤمنين، ودعوا له ولوالديه ولمن نشر كتابه، واستفادوا الفوائد التي لم يكونوا عارفين بها ولا واقفين عليها، وعدوا ذلك خدمة للمسلمين عموماً ولسيد المرسلين ﷺ خصوصاً، حيث ذب عن دينه وشريعته الغراء ما كدر صفوها، وأماط الأذى عنها، وقالوا كما قال الإمام أحمد نصر الله وجهه١: " الحمد لله الذي جعل في كل زمان قترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدّعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين" انتهى.
فانظر أيها المنصف إلى وصف الجاهلين الذي في هذه الخطبة، وطبقه على ما يقوله النبهاني تجد الإمام نضر الله وجهه كأنه قد عناه وقصده بلفظه ومعناه، وفي الحديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"٢.
وإني قد طالعت كثيراً من كتب هؤلاء الغلاة الجهلة ولم أر فيها كالهذيان الذي هذى به هذا الزائغ، ومع ذلك رددتها بتوفيق الله، وشفيت منها صدور المؤمنين، وكلام هذا الزائغ ظلمات بعضها فوق بعض، فكل ما كتبته عليه من الرد
стр. 760
أراني قد أتيت بقليل من كثير ما استوجب، فالله المستعان عليه.
وقد تذكرت عند وصولي إلى هذا المقام ما كان يقوله سلف النبهاني عن رسول الله ﷺ ، فأحببت ذكره هنا، وإدراجه في الكتاب، ليعلم الناظر البصير أن أعداء الحق في كل عصر على وتيرة واحدة، وقلوبهم متشابهة فيما يرد عليها من الخواطر والشؤون.
ألا إنما الأيام أبناء واحد ... وهذي الليالي كلها أخوات
فلا تطلبن من عند يوم ولا غد ... خلاف الذي مرت به السنوات
روى الإمام أحمد من حديث- محمد بن إسحاق، قال: حدثني يحي بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال قالت له:"ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله ﷺ فيما كانت تظهر من عداوته، قال: حَضَرْتُهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحِجْرِ، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، قد سَفَّهَ أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرَّقَ جماعاتنا، وسبَّ آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم- أو كما قالوا- فبينما هم في ذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفاً بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه تتعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى، فلما مر الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: تسمعون يا معشر قريش؛ أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح، فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف انصرف يا أبا القاسم؛ انصرف راشداً فوالله ما كنت جهولاً. فانصرف رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك طلع رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به، يقولون له: أنت الذي يقول كذا وكذا، لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم؟ قال: فيقول رسول الله ﷺ : نعم أنا الذي أقول ذلك. قال:
стр. 761
فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه وقام أبو بكر الصديق دونه يقول- وهو يبكي- أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه١.
وعن الربيع بن أنس رضي الله تعالى عنه قال: "أراد صاحب اليمن أن يؤوي النبي ﷺ فأتاه الوليد فزعم أن محمداً ساحر، وأتاه العاص بن وائل فأخبره أن محمداً تعلم أساطير الأولين، وأتاه آخر فزعم أنه كاهن، وآخر أنه شاعر، وآخر زعم أنه مجنون، فأهلكهم الله، كل منهم أصابه عذاب سوى عذاب صاحبه" وذكر تفصيل عذابهم.
والكلام على ما كابد رسول الله ﷺ من قريش وغيرهم من مشركي العرب مذكور في غير هذا الموضع، وقد نصره الله عليهم، وانتقم منهم كما ينتقم من أعداء ورثته والعاملين بسنته ويهلك خصومهم، كالنبهاني وغيره من الغلاة الذين هم على طريقة أسلافهم عبدة الأصنام، وعلى مسلكهم المذموم، وفي كتب السير قد بين ما أصاب أعداء الرسول من البلاء المبين، قال الشيخ قد كتابه (الجواب الصحيح٢: "ويدخل في هذا الباب ما لم يزل الناس يرونه ويسمعونه من انتقام الله ممن يسبه ويذمه ويذم دينه بأنواع من العقوبات، وفي ذلك من القصص الكثيرة ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه؛ من انتقام الله ممن يؤذيه بأنواع من العقوبات العجيبة، التي تبين كلاءة الله لعرضه، وقيامه بنصره، وتعظيمه لقدره، ورفعه لذكره، وما من طائفة من الناس إلا وعندهم من هذا الباب ما فيه عبرة لأولى الألباب. قال: ومن المعروف المشهور المجرّب عند عساكر المسلمين بالشام إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب أنه يتعسر عليهم فتح الحصن ويطول الحصار إلى أن يسب العدو رسول الله ﷺ ، فحينئذ يستبشر المسلمون بفتح الحصن وانتقام الله من العدو، فإنه يكون ذلك قريباً، كما قد جربه المسلمون غير مرة، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ . ولما مزق كسرى كتابه مزق الله ملك الأكاسرة كل ممزق،
стр. 762
ولما أكرم هرقل والمقوقس كتابه بفي لهم ملكهم" انتهى.
فها نحن ننتظر انتقام الله تعالى من النبهاني وأضرابه الغلاة، فقد عادوا أهل الحق ورثة نبيهم ﷺ وحفاظ دينه، وأن يعاملهم بعدله، فقد أساؤوا القول فيهم، وافتروا عليهم، ورموهم بالعظائم، ولا باعث لذلك سوى الدعوة إلى الله وتوحيده وإفراده بالعبادة، والنبهاني منهم يقول إن كل ذلك ليس من خصائص الإله مع كونه من أعداء الله ورسوله، حيث خالف الشريعة الغراء، وصرف شطراً من عمره في حكمه بالقوانين المخالفة لما شرعه الله تعالى، مع ما اتصف به من المساوي والمنكرات.
ومنها أنه قال:، وقد لعقري آذى أباه وعقه بتلك النقول التي كان الناس عنها في غفلة، لأنها مفرقة في تفسيره فجمعها في كتابه مفتخراً بها، ومثبتاً عند صديق حسن وطائفته أن أباه هل! أيضاً على مذهبهم ومشربهم في ذلك، وقد سمعت بسبب هذا- من بعض علماء مكة- كلاماً فظيعاً في حقه وحق أبيه" إلى آخر ما قاله في هذا الباب.
فيقال له: إن ما ذُكِرَ في "روح المعاني" من المسائل التي خالف فيها الغلاة أهل الحق- كمسألة دعاء غير الله، والالتجاء إلى ما سواه، والحلف بغيره، والنذر لغيره، ونحو ذلك مما هو من خصائص الإله المعبود- هي مذكورة صريحاً في القرآن العظيم، وكتب الحديث الصحيحة، ومصنفات الأئمة طافحة بها، وكذلك مسألة الكلام والعلو وسائر ما ورد من الصفات فيها كتب كثيرة، ومصنفات شهيرة- على ما سبق بيانه، ومضى دليله وبرهانه- فصاحب "جلاء العين" ذكر منها نبذة يسيرة، والمسائل التي فاتته منها كثيرة، و "روح المعاني" ليس منفرداً بذكر ما قام على صحته الحجج القطعية، والبراهين العقلية والنقلية، ومن طالع البيضاوي، والكشاف، وتفسير ابن جرير، وغير ذلك؛ يجد الأمر واضحاً كفلق الصباح، ولولا أن يطول الكتاب لنقلنا كل ذلك، غير أن هذه التفاسير تتداولها الأيدي، والمنصفون من أهل البصائر يحلمون ذلك، فمصنف "جلاء العينين" لم يعق والده، بل نشر فضله وسعى في انتفاع الناس به، وأنه سلك مسلكه في حب
стр. 763
انتفاع إخوانه المسلمين ونصيحتهم.
بابه اقتدى عدي في الكرم ... ومن يشابه أبه فما ظلم
وقد كان صاحب "روح المعاني" رحمه الله تعالى سلفي الاعتقاد مشاراً إليه بالبنان في العلم والعمل من بين علماء الأقطار والبلاد، وقد رأيت له رسالة بخطه ألفها في بيان عقيدته ومذهبه، وكيفية اشتغاله وإجازاته في العلوم العقلية والنقلية، وتراجم من أخذ عنهم العلم، وترجمة أئمة مذهبه الإمام الشافعي والإمام الأشعري رحمهما الله تعالى، وبين فيها- بعد أن ذكر عقيدته التي تلقاها من الكتاب والسنة وادعى أنها عين اعتقاد الإمام الأشعري- أن اعتقاد الإمام الأشعري لا يخالف ما عليه الإمام أحمد ﵀، ونص عبارته:
"فإن قلتَ: ليس جميع ما ذكرته مذهب الإمام الأشعري كفا يفصح بذلك تتبع الكتب، بل هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل؛ قلت: مذهب الإمام الأشعري عند المحققين والعلماء المنصفين هو مذهب الإمام، كما يبين ذلك كتابه "الإبانة في أمور الديانة" وهو آخر كتاب صنفه وعليه تعتمد أصحابه في الذب عنه عند من يطعن عليه.
قال فيه: "فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة" فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرّفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون.
قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها؛ التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول أبو عبد الله أحمد بن حنبل- نضّر الله وجهه ورفع درجته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله تعالى به الحق، ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله تعالى عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم.
стр. 764
وجملة قولنا: أنا نقر بالله تعالى، وملائكته، وكتبة، ورسله وبما جاء من عند الله تعالى، وبما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئاً، وأنه واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً عبده ورسله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستو على عرشه كما قال:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١ وأن له وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ ٢ وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣ وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٤ وأن من زعم أن أسماء الله تعالى غيره كان ضالاً، وندين بأن الله تعالى يقلب القلوب، وأن القلب بين أصبعين من أصابع الله ، وأنه يضع السموات على أصبع، والأرضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ . وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلاً عن عدل، ونصدق بجميع الروايات التي رواها وأثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول: "هل من سائل؟ هل من مستغفر"؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لأهل الزيغ والتضليل، ونقول إن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ٥ وأن الله تعالى يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٦ وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ٧. انتهى ملخصاً.
قال صاحب "تفسير روح المعاني" ﵀: "وقد ذكر ابن عساكر في كتابة
стр. 765
"تبيين كذب المفتري فيما نسب للإمام الأشعري" ما يقرب من ذلك وإن لم يكن بلفظه، ثم قال عقبه: هذا ما عليه إمامنا الأشعري ومتقدموا أصحابه، لكن كثرت المقالة بين متأخري الأشاعرة والحنابلة حتى أدى ذلك إلى تضليل كل من الفريقين صاحبه، وذلك في مسائل تمسكت فيها الحنابلة بظواهر الكتاب والسنة كالاستواء والنزول والقدم والوجه والعينين وغير ذلك من أحاديث الصفات، قال: ولقد أجاد ولي الله بلا نزاع، وحامل لواء الشريعة والحقيقة بلا دفاع؛ الملا إبراهيم بن حسن بن شهاب الدين الكوراني الشهراني الشهرزوري الكردي نزيل المدينة الشافعي بالفحص عن كل ما ينسب إلى الحنابلة، فجمع رسائل عديدة وكتباً مفيدة وطالعها ودقق النظر فيها، ثم ألف رسالة في ذلك، وقال فيها: لما أمعنت النظر في رسائل القوم ومصنفاتهم وجدتهم برآء من كثير مما رمتهم أصحابنا الشافعية من التجسيم والتشبيه، وإنما القوم متمسكون بمذهب كبراء المحدثين، كما هو المعروف من حال إمامهم رضي الله تعالى عنه من إبقاء الآيات والأحاديث على ظواهرها، والإيمان بها كذلك، مفوضون فيما أشكل معناه، وهذا لا يذمه أحد من الأشعرية، بيد أن الحنابلة مشددون في رد التأويل في كل ذلك، مجهلون من يذهب إليه، فيقولون: الله تعالى ورسوله وسلف الأمة أدرى بمعاني الآيات والأحاديث من هؤلاء المؤولين، وما ورد عنهم أنهم أولوا شيئاً من ذلك، فإما أن يكون ذلك لأن معناه خفي عليهم فكيف ظهر لهؤلاء ما خفي على أولئك؟ وإما لأنها على ما يظهر من معناها لأن الشرع جاء بلغة العرب فمراد الله تعالى بهذه الألفاظ هو المعاني التي تريدها منها العرب في لغتهم، وتطلق بحسب ما يليق به، فالمراد بالاستواء والفوق والنزول معانيها المقصودة في كلام العرب، فإذا قلت: زيد فوق السرير" فمعناه مستقر عليه متمكن منه مستعل، ولما علمنا أن زيداً جرم من الأجرام والسرير كذلك تحقق لنا أن الفوقية في حقه واستقراره فوق السرير يوجب مماسته له، وتحيزه في جهة من جهاته، وغير ذلك من الأوصاف التي توجب استقرار جرم على جرم، وأما المولى ﷻ فماهية ذاته غير مدركة لأحد من الخلق فكيف يقال بأن استقراره فوق العرش يوجب مماسته له وتحيزه في
стр. 766
جهة لأن ذلك استقرار الجسم؟ وأما استقرار من ليس بجسم فلا نحكم بأنه يوجب كذا وكذا حتى نعلم ماهيته، والماهية غير معلومة، فنثبت له استقراراً حقيقياً فوق كل عرشه، لأنه أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ على وجه يليق بذاته، ويقتضيه كمال صفاته، وكذلك يقولون في النزول ونظائره ".
قال: وقد بالغ ابن القيم عفا الله تعالى عنه ورحمه في الرد على أئمتنا الأشعرية في مثل هذا وأتى بعبارة سوء، حتى قال: "لام الأشعرية كنون اليهودية" ولقد أساء سامحه الله تعالى في الخطاب، وتنكب بمحض العصبية عن الصواب، لأن الأشعرية لم يجحدوا استوى، بل به يقرؤون وإلى الله يتقربون، ولكن بعضهم أوَّلَ المعنى لما رأى الظاهر منه محالاً على الله تعالى، فقال: معنى استوى استولى لورود اللفظين معاً في لغة العرب، وأمثال هذه التعصبات الفاسدة هي التي أوقعت الفريقين فيما وقعوا فيه، وإلا فالكل على هدى إن شاء الله تعالى، لأن المفوض مسلّم لمراد الله تعالى تارك لما لم يكلف بعلمه١، والمتأول متّبع لما علم صحته وثبوته من الكتاب والسنة، حامل عليه ما لم يتضح معناه حتى تكون العقيدة كلها على نسق واحد، ولا يسوغ إلى فهم القاصر معنى لا يليق بالرب فيثبته له، فالتأويل لأجل هذا حسن٢ حراسة عن اعتقاد ما لا يجوز اعتقاده، فإذا سمع قاصر الفهم استوى لم يتبادر إلى فهمه إلا المعنى المستحيل، فإذا سمع قول العالم معناه استولى عليه بالقهر والغلبة زالت تلك الشبهة من قلبه، وهذا الذي أولنا به الاستواء وإن لم يكن هو مراد الله تعالى ورسوله ﷺ فهو لا شك معنى ثابت لله متصف به لا ينافي ما هو معناه عند الله تعالى، فلا كبير ضرر في ذلك ولا تحكم، إذ لم نقل ليس له معنى إلا هذا، بل نقول يحتمل أن يكون معناه هذا وهذا صدق، لأنه محتمل كما لا يخفى.
وقال أيضاً: ولقد اطلعت على رسالة للشيخ ابن تيمية وهي معتبرة عند
стр. 767
الحنابلة، وطالعتها كلها فلم أر فيها شيئاً مما ينبذ ويرمى به في العقائد سوى ما ذكرنا من تشديده في رد التأويل، وتمسكه بالظواهر مع التفويض والمبالغة في التنزيه، مبالغة يقطع معها بأنه لا يعتقد تجسيماً ولا تشبيهاً، بل يصرح بذلك تصريحاً لا خفاء فيه، والعجب ممن يترك صريح لفظه بنفي التشبيه والتجسيم ويأخذ بلازم قوله الذي لا يقول به ولا يسلم لزومه، وعلى كل حال فهو كما قال كثير من المشائخ في الشيخ محيي الدين، قال سيدنا العلامة الشيخ عبد الله بن محمد العياشي وكثيراً ما كنت أسمع من شيخنا العلامة سيدي عبد القادر رضي الله تعالى عنه يقول: محكم كلامه يقضي على متشابهه، ومطلقه يرد إلى مقيده، ومجمله إلى مبينه، ومبهمه إلى صريحه، كما هو شأن كل كلام ظهرت عدالة صاحبه.
فالحنابلة مبرؤون مما نسب إليهم، وكذا الأشعرية أيضاً منزهون مما يرمون به من التعطيل والتحريف لكلام الله تعالى عن مواضعه، والكل على هدى يدينون دين الحق، والمخالفون شرذمة قليلة لا يعبأ بهم، كما قال الشيخ تاج الدين السبكي في كتابه "معيد النعم ومبيد النقم". ثم نقل كلامه إلى آخره، انتهى كلام الكوراني.
وقال بعد أن فرغ عق نقلة: وأقول من أراد أن يشرح صدره، ويتبين له تبيناً لا مراء فيه صحة مذهب الأشعرية، وأنه مذهب أهل السنة والجماعة؛ فليطالع كتاب الإمام أبي القاسم ابن عساكر المسمى "بتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري" فقد أتى فيه من أدلة الكتاب والسنة وأقاويل السلف والخلف مالا يمتري معه عاقل خال من التعصب أنه إمام السنة ورئيس الجماعة المضمون لها العصمة من الله تعالى.
ثم نقل صاحب "روح المعاني" في رسالته كلام الكوراني في الثناء على عقائد الأشعري وأنه على ما عليه السلف، وأطال الكلام في ذلك إلى أن قال: ولولا خوف السآمة وحذر الملامة لأتيت في هذا المقام بما يبرىء الكلام، ويروي الأوام، ولكن ما كل ما يعلم يقال، ولكل زمان دولة ورجال، بل لعمري فيما
стр. 768
ذكرنا كفاية للمسترشدين، وهداية للمستهدين، وأما الذين هووا في مهاوي الجهل، وعقلوا بعقال الحسد والتعصب عن التمسك بزمام العقل، واشتغلوا بالأغراض واغتروا بالأعراض، فلا ينفعهم اختصار ولا إطناب، ولا كتاب ولا خطاب، فليس لدائهم من دواء إلا السيف والدعاء.
الحمد لله هذي العين لا الأثر ... فما الذي باتباع الحق ينتطر
وقت يفوت وأشغال معوقة ... وضعف عزم ودار شأنها الغير
والناس ركضى إلى مهوى مصارعهم ... وليس عندهم من ركضهم خبر
تسعى بها خادعان من سلامتهم ... فيبلغون إلى المهوى وما شعروا
والجهل أصل فساد الناس كلهم ... والجهل أصل عليه يخلق البشر
وإنما العلم عن ذي الرشد يطرحه ... كما عن الطفل يوماً تطرح السرر
وأصعب الداء داء لا يحس به ... كالدق يضعف حساً وهو يستعر
وإنما لم تحس النفس موبقها ... لأن أجزاءه قد عمه الضرر
هذا ما نقلناه من رسالة صاحب تفسير "روح المعاني". وبه يرغم أنف الزائغ النبهاني، حيث تبين به أن الإمام الأشعري على ما عليه السلف، وأن من خالفه من المنتسبين إليه قد غير وحرف، فمصنف "جلاء العينين" إن وافق والده في تلك العقيدة السالمة من وصمة البدع فقد وافق الحق الحقيق بالقبول واتبع، غير أن النبهاني لجهله وإفلاسه من كل فضل يرى أن الحق لم يعده وأن ما هو عليه هو الفصل والعدل.
وأما قوله: وقد سمعت بسبب هذا من بعض علماء مكة كلاماً فظيعاً في حقه- إلخ.
فيقال له: عنه وعن والده هذا الكلام مردود من وجوه:
الوجه الأول: أنا نستفسر من النبهاني هذا ونسأله على فرض صدق كلامه وصحة نقله ونقول له من سلم من لسان الورى، ومن أمن معرة كلام الناس، ومن
стр. 769
الذي اتفق على محبته وموالاته جميع الأنام؟ هذا إله العالمين وخالق السموات والأرضين قد حكى في كتابه الكريم عن أعدائه وما تقوّلوا به في شأنه مالا يخفى على من له بصيرة؛ من ذلك ما كان من اليهود مما هو مذكور في توراتهم، وما هو مذكور في القرآن من افترائهم على الله تعالى، وعلى رسله صلوات الله وسلامه عليهم، فقد جعلوا داود النبي ولد زنا، كما جعلوا المسيح ولد زنا، ولم يكفهم ذلك حتى نسبوا ذلك إلى التوراة، كما جعلوا ولدي لوط ولدي زنا، ثم نسبوا داود وغيره من أنبيائهم إلى ذينك الولدين، وقالوا إن الله استراح في اليوم السابع من خلق السموات والأرض، فأنزل الله تعالى على رسوله تكذيبهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ١. أي: تعب. وقالوا: إن الله فقير وقد حكاه سبحانه عنهم في كتابه الكريم بقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٢ أنزل الله تعالى هذه الآية لما قالوا ما بنا إلى الله تعالى من فقر، وأنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا، ولما كان هذا القول منهم في غاية العظم والهول قال "سنكتب قالوا" إلخ. أي: لن يفوتنا أبداً تدوينه وإثباته.
وقالوا: إن الله بخيل ليس بجواد ولا كريم، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فرد عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ٣. وقالوا: إن العُزَيْر كان ابن الله، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ ٤ وقال تعالى:
стр. 770
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ ١ وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ ، فرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢. و ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. وقالوا: إن الله تعالى بكى على الطوفان حتى رمدت عيناه وعادته الملائكة. وقالوا: إن الله ندم على خلق بني آدم، وأدخلوا هذه الفرية في التوراة. وقالوا عن لوط: إنه وطىء ابنتيه، وأولدهما ولدين نسبوا إليهما جماعة من الأنبياء. وقالوا في بعض دعاء صلاتهم: انتبه كم تنام يا رب! استيقظ من رقدتك! فتجرؤوا على رب العالمين بهذه المناجاة القبيحة، كأنهم ينخونه بذلك لينتخي لهم ويحتمي كأنهم يخبرونه أنه قد اختار الخمول لنفسه وأحبائه، فيهزونه بهذا الخطاب للنباهة واشتهار الصيت، وما كان منهم مع موسى ﵇ فأمر مشهور.
وبالجملة؛ فافتراؤهم على الله ورسله وأنبيائه ورميهم لرب العالمين ورسله بالعظائم كثير جداً، وقد ذكر نبذة منه العلامة ابن حزم في كتابه "الملل والنحل" والحافظ ابن القيم في كتابه "هداية الحيارى".
وأما ما كان من النصارى، فهو أنهم اعتقدوا أن رب السموات والأرض ﵎ نزل عن كرسي عظمته وعرشه، ودخل في فرج امرأة تأكل وتشرب وتبول وتتغوط، فالتحم ببطنها، وأقام هناك تسعة أشهر يتلبط بين نجو وبول ودم وطمث، ثم خرج إلى القماط والسرير، كلما بكى ألقمته أمه ثديها، ثم انتقل إلى المكتب بين الصبيان، ثم آل أمره إلى لطم اليهود خديه، وصفعهم قفاه، وبصقهم في وجهه، ووضعهم تاجاً من الشوك على رأسه، والقصبة في يده، استخفافاً به وانتهاكاً لحرمته، ثم قربوه من مركب خص بالبلاء راكبه فشدوه عليه وربطوه
стр. 771
بالجبال وسمروا يديه ورجليه، وهو يصيح ويبكي ويستغيث من حر الحديد وألم الصلب، هذا وهو بزعمهم الذي خلق السموات والأرض، وقسم الأرزاق والاّجال، ولكن اقتضت حكمته ورحمته أن مكّن أعداءه من نفسه، لينالوا منه ما نالوا فيستحقوا بذلك العذاب والسجن في الجحيم، ويفدي أنبياءه ورسله وأولياءه بنفسه فيخرجهم من سجن إبليس، فإن روح آدم وإبراهيم ونوح وسائر النبيين عندهم كانت في سجن إبليس في النار حتى خلصها من سجنه بتمكينه أعداءه من صلبه.
فهذا بعض كفرهم وشركهم برب العالمين ومسبتهم له، ولهذا قيل إنهم سبوا االله ورسوله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، وقد أخبر النبي ﷺ عن ربه في الحديث الصحيح أنه قال: "شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وكذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس ذلك بأهون عليَّ من إعادته"١.
وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢ وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٣ إلى غير ذلك فن الآيات المشتملة على سوء اعتقادهم في الله.
وأما ما كان من مشركي العرب فقد قال تعالى عنهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤ وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ٥
عِبَادِهِ جُزْءاً﴾ ١. أي: نصيباً وبعضاً، أو جعلوا لله نصيباً من الولد، تعالى الله عن ذلك، فإن الولد جزء من الوالد، قال ﷺ : "إنما فاطمة بضعة مني"٢.
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال الكلبي: نزلت في الزنادقة، قالوا: إن الله وإبليس شريكان، فالله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب.
وأما قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ فقيل: هو قولهم: الملائكة بنات الله، وسمى الملائكة جناً لاجتنانهم عن الأبصار، ومن الناس من قال: حيُّ من الملائكة يقال لهم الجن- ومنهم إبليس- وهم بنات الله، وقال الكلبي: قالوا- لعنهم الله- بل بذور تخرج منها الملائكة، وقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال الثعلبي: هم كفار العرب قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، واليهود قالوا عزير ابن الله، إلى غير ذلك من المقالات التي سبوا بها فاطر السموات، ولنا كتاب سميناه "آراء بني آدم في إله العالم" لم يكمل بعد، وفيه ترى ما تكلم به الناس في إلههم ومعبودهم عز اسمه.
وأما ما كان من الأمم مع أنبيائهم وما صدر منهم في شأنهم من الأذى والشتم والسخرية وغير ذلك مما حكاه الله في كتابه فذلك لا يستوعبه المقام، وما كان من العرب الجاهليين- ولاسيما قريش- في حق خاتمهم ﷺ مما تشيب منه لمم المداد، قد فصل في كتب السير والتواريخ.
وقد ذكر شيخ الإسلام في كتابه "الصارم المسلول" فصولاً مهمة في ذلك فذكر قصة الأعمى الذي قتل أم ولد له كانت تشتم النبي ﷺ ، وقصة كعب بن الأشرف اليهودي، وقصة قتل العصماء بنت مروان من بني خطمة التي هجت النبي ﷺ وقصة قتل أبي عفك اليهودي لهجائه أيضاً، وقصة ابن أبي سرح وقصة ابن زنيم الديلمي لهجائه أيضاً، وحديث القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه،
стр. 774
وحكاية قتل ابن خطل، والأمر بقتل من كان يهجوه ويؤذيه من شعراء قريش، وقصة قتل أبي رافع اليهودي لأجل أذى رسول الله ﷺ ، وقصة هلاك المستهزئين، وحديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ عند تقسيمه المغانم ما أحسنت ولا أجملت، وغير ذلك مما آذوه به ﷺ مما حكى في القرآن، كرميه تارة بأنه شاعر، وأخرى بأنه كاهن، ومرة بأنه مجنون، ونحوها مما مر بيانه، فانتقم الله تعالى منهم، وشفى الله بهم صدور المؤمنين.
وفي كتاب "أعلام النبوة" للماوردي: "فإن قيل: مجيء الأنبياء موضوع لمصالح العالم وهم مأمورون بالرأفة والرحمة ومحمد جاء بالسيف وسفك الدماء وقتل النفوس فصار منافياً لما جاء به موسى وعيسى ﵉ فزال عن حكمهما في النبوة لمخالفتهما في السيرة.
قال: فالجواب: أن السيف إذا كان لطلب الحق كان خيراً، واللطف إذا كان مع إقرار الباطل كان شراً، لأن الشرع موضوع لإقرار الفضائل الإلهية، والحقوق الدينية، ولذلك جاء الشرع بالقتل والحدود ليستقر به الخير، وينتفي به الشر، لأن النفوس الأشرة لا يكفها إلا الرهبة، فكان القهر لها أبلغ في انقيادها من الرغبة، وكانت العرب أكثر الناس شراً وعتواً لكثرة عددهم وقوة شجاعتهم فلذلك كان السيف فيهم أعظم من اللطف وأنفع منه.
ويجاب أيضاً: أنه لم يكن في جهاده بدعاً من الرسل، فقبله إبراهيم ﵇ جاهد الملوك الأربعة الذين ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها، وحاربهم حتى هزمهم بأحزابه وأتباعه. وهذا يوشع بن نون قتل نيفاً وثلأثين ملكاً من ملوك الشام، وأباد من مدنها ما لم يبق له آثر، ولا من أهله صافر، من غير أن يدعوهم إلى دين أو يطلب منهم إتاوة، وساق الغنائم، وغزا داود من بلاد الشام ما لم يدع فيها رجلاً ولا امرأة إلا قتلهم وهو موجود في كتبهم، ومحمد ﷺ بدأ بالاستدعاء وحارب بعد الإباء.
ثم تكلم بكلام يتعلق بهذا المعنى إلى أن قال: وإنما تطلبت الملحدة بمثل
стр. 775
هذا الاعتراض القدح في النبوات، فإنهم لم يعفوا نبياً من القدح في معجزته والطعن على سيرته، حتى قال منهم في عصرنا ما طعن به على موسى وعيسى ومحمد ﷺ بشعر نظفه فقال:
وفالق البحر لم يفلق جوانبه ... إذ ضاع فيه ضياع الحر في السفل
ومدع يدعي الأشياء خلقته ... ما باله زال والأشياء لم تزل
وآخر يدعي بالسيف حجته ... هل حجة السيف إلا لحجة البطل
قال فحضرت حين وردت هذه الأبيات إلى بعض أهل العلم فأجاب عنها بقوله:
قل للذي جاء بالتكذيب للرسل ... ورد معجزهم بالزيغ والدغل
وقال في ذاك أبياتاً مزخرفة ... ليوقع الناس في شك من الملل
ضياع موسى دليل من أدلته ... من بعد ما صار فرق البحر كالجبل
ليعلم الناس أن الله فالقه ... وأن موسى ضعيف تاه في السبل
ومعجز الخلق في فلق المياه له ... وجعله البر ما يحتاط بالحيل
وابن البتول فإن الله نزهه ... عما ذكرت من الدعوى على الجمل
ما كان منه سوى طير يقدره ... طيناً وربي أحياه ولم يزل
وقال إني بإذن الله فاعله ... وأذن ربي يحيي الخلق لا عملي
وصاحب السيف كان السيف حجته ... بعد البيان عن الإعجاز والمثل
وجاء مبتدئاً بالنصح مجتهداً ... بمعجزات لما حارت أولو النحل
منها كتاب مبين نظمه عجب ... فيه من الغيب ما أوحى إلى الرسل
فأفحم الشعراء المفلقين به ... لما تحداهم بالرفق في مهل
وأنبع الماء عذباً من أنامله ... من غير ما صخرة كانت ولا وشل
وشارف القوم وافاه وكلمه ... وقال إني من قتلي على وجل
والذئب قد أخبر الراعي بمبعثه ... فجاء يشهد بالإسلام في عجل
والجذع حن إليه حين فارقه ... حنين ذات جؤار ساعة الهبل
وأخبر الناس عما في ضمائرهم ... مفصلاً بجواب غير محتمل