والمقصود: أن قول النبهاني- الذي سبق بيانه في كلام العلامة السيد بدر الدين الحلبي- وما وافقه من أقوال الذين ذكرناهم كلها من واد واحد، وأنها متفرعة على القول بالحلول والاتحاد، غير أن كلامهم ليس صريحاً في ذلك، ولكن الأمر كما قيل: "ربّ كناية أبلغ من تصريح" فعلى المسلم التجنب عن مثل هذه الأقاويل، والأخذ بالكتاب والسنة، وبما كان عليه سلف الأمة.
فخير أمور الدين ما كان سنة ... وشرّ الأمور المحدثات البدائع
هذا حال النبهاني في عقائده، وجهله في العلوم النقلية والعقلية أشهر من أن يُنَبّه عليه، كما ستعلمه إن شاء الله تعالى.
لكن بقي علينا بيان حاله، وما هو عليه إلى اليوم من أفعاله وأعماله، وحيث أني لم أقف على حقيقة أمره -وإن كان ما نشره من الكتب تطلعنا على حُلْوِهِ ومُرّه- سألتُ عنه بعض الأفاضل من الأصحاب، ممن رآه واجتمع به، وعرف ما عنده من الفصول والأبواب، فكتب كلاماً طويلاً فيه، وعرّفني بظاهره وخافيه، فمن ذلك قوله: إن النبهاني قد قضى شطراً من عمره في المحاكم النظامية، وتسمى أيضاً بالمحاكم القانونية، ثم ذكر كلاماً طويلاً في بيان حال تلك القوانين، وما فيها من المخالفة لقواعد الدين، ثم قال: إن النبهاني تولّى رياسة الجزاء في بيت الله المقدس عدداً كثيراً من الأعوام، وبين حقيقة هذا المنصب وما يتعاطاه الرئيس من الأحكام، قال: ثم تحول إلى رياسة محكمة البداية في بيروت، وبين ما يرى في هذا المحل من الوظائف والمواد، ثم قال: وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت.
قلت: إن كان صادقاً عليه ذلك المقال يكون تائهاً في أودية الجهل والضلال، فكيف يدّعي الإيمان فضلاً عن دعواه المحبة لسيد ولد عدنان، وهو معرض عن هديه وسنته، ناء عن العمل بشريعته، فهلاّ قرأ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ١ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ
стр. 72
الظَّالِمُونَ﴾ ١ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٢. وسنذكر إن شاء الله تعالى فيما سيأتي تفصيل هذه المسألة وبيان حكمها بما ينشرح لها الخاطر.
ثم ذكر شيئاً كثيراً من بيان أحواله مما يطول ذكره.
وظنّ يوسف النبهاني المسكين أنه قد خلا له الجو فصفّر، وطاول العلماء الأعلام بما ذكر في كتابه الذي وسمه بدلائل الحق ما ذكر، وصال وجال وقال ما قال:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
وتصدِّي مثله لما تصدِّي له دليل على جهله، ومزيد غباوته وخفة عقله، بل هو كما قيل:
لو أن خفة عقله في رجله ... سبق الغزال ولم يفته الأرنب
ولولا الترفع عن مكافأة أمثاله، والأنفة من مخاطبة أشكاله، لعرفناه قدره، وأوضحنا له شأنه وأمره، ولكن مثله لا يخاطب ولا يعاتب، ولا يؤاخذ بالهذيان ولا يعاقب، وإن الظفر بمثله شر من الهزيمة، والتلطخ بذكره قريب من محاورة بهيمة.
إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تقصد إلى الباب تَهْتَدِ
والمقصود من ذكر هذه النبذة من أحوال النبهاني؛ أن الذي خاصم أهل الحق كلهم على هذا المنوال، وقد تشابهوا كأسنان الحمار في الاتفاق على الضلال، وباطل الأقوال، فلا يغترّ بما زخرفوه وزوّروه، فإنهم ليسوا من رجال العلم والكمال، والله أعلم بحقيقة الحال.
الأمر الثامن من تلك الأمور: لا بد للمتناظرين من مرجع يكون مهيمناً على
стр. 73
الحق الذي يدّعيه كل منهما، وإلا فالمناظرة لا تتم، قال الإمام العلامة الشيخ عبد العزيز: كل متناظرين على غير أصل -يكون بينهما يرجعان إليه إذا اختلفا في شيء من الفروع- فهما كالسائر على غير طريق، وهو لا يعرف المحجة فيتبعها، ولا يعرف الموضع الذي يريده فيقصده، وهو لا يدري من أين جاء فيرجع، فيطلب الطريق أو هو على ضلال.
قال: ولكنا نؤصل بيننا أصلاً، فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى الأصل، فإن وجدناه فيه وإلا رمينا به ولم نلتفت إليه. ثم قال: الأصل بيني وبين خصمي ما أمرنا الله واختاره لنا، وعلّمناه وأدّبناه به في التنازع والاختلاف ولم يكلنا إلى غيره، ولا إلى أنفسنا واختيارنا فنعجز، ثم بينه بقوله، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ١. فهذا تعليم من الله، وتأديبه واختياره لعباده المؤمنين ما أصّله المتنازعون بينهم. قال: وقد تنازعت أنا وبِشْرٌ وبيننا كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ كما أمر الله ، فإذا اختلفنا في شيء من الفروع رددناه إلى كتاب الله ، فإن وجدناه فيه وإلا فإلى سنة نبيه ﷺ ، فإن وجدناه فيها وإلا ضربناه في الحائط ولم نلتفت إليه، إلى آخر ما قاله في حضرة الخليفة العباسي عند مناظرته مع بِشْر.
وقال الإمام العلامة الشيخ عبد اللطيف في موضع من كتبه: "اعلم أن مستند المسلمين في العقائد ومرجعهم في أصول الدين وفروعه إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع من سلف من علماء الأمة، والتقليد في باب أصول الدين ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله لا يفيد ولا يجدي عندهم، وإن كان المقلَّد -بفتح اللام مع التشديد- فاضلاً عالماً في نفسه "إلى آخر ما قال.
وقال في موضع آخر: "إن الأصل المعتمد في هذا الباب وغيره من أصول
стр. 74
الدين وفروعه؛ وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، وإجماع علماء الأمة، هي هذه الأدلة الشرعية بالإجماع، والقياس مختلف فيه، والجمهور على قبوله بشروط١، وليس المعوّل على كلام الآحاد من أهل العلم والدين وإن علت درجتهم وارتفعت رتبتهم، ولا تصلح المعارضة بقول فلان وفلان من أهل العلم والدين، ولا ينتقض الدليل بمخالفة أحد كائناً من كان" انتهى.
وقال في موضع آخر: "إن العمدة عند المسلمين في مسائل أصول الدين وفروعه؛ على كتاب الله وسنة رسوله وإجماع أهل العلم، ولا تُذكر أقوال أهل العلم إلا تبعاً وبياناً، لا أنها المقصودة بالذات والأصالة، ثم المسائل التي لا يلزم بها المجتهد غيره هي ما كان للاجتهاد فيه مساغ، ولم تخالف كتاباً ولا سنة صريحة ولا إجماعاً، وما خالف ذلك فهو مردود على قائله، ويلزمه أهل العلم بصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال إمام الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى: ما منا إلا رادٌ ومردودٌ عليه إلا صاحب هذا القبر- يعني رسول الله ﷺ ، وأحسن منه قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ... ﴾ ٢ الآية. وقد قال النبي ﷺ : "لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكتِهِ يأتيه الأمر من أمري، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله! ألا وإني أوتيت الكتابَ ومثله معه.." ٣. فإذا كان ردُّ السنة محرّماً لا يجوز -ولو ردّها ظاناً أن القرآن لا يدل عليها- فكيف رد الكتاب والسنة وعدم الإلزام بهما لخلاف أحد من الناس كائناً من كان؟.
ومسائل معرفة الله ووجوب توحيده، وإسلام الوجه له وحده لا شريك له،
стр. 75
ومسائل ربوبيته، واختصاصه بالخلق والإيجاد والتدبير، ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، كصمديته تعالى، ونفي الكفو والصاحبة والولد، وغناه بذاته، ومباينته لمخلوقاته، وعموم قدرته، وإحاطة سمعه وبصره، وعلمه بجميع المعلومات والمبصرات والمسموعات، ونحو ذلك من أصول الدين؛ فكل الرسل متفقة عليه، وجميع الكتب داعية إليه، والعقول الصحيحة حاكمة به، فكل اجتهاد خالفه فباطل مردود، لا يسوغ العمل به في شريعة من الشرائع، ولا عند عالم من العلماء، ولا فقيه من الفقهاء.
ثم قال: قال شمس الدين في "هدايته"١: بل جميع النبوات من أولها إلى آخرها متفقه على أصول:
أحدها: أن الله تعالى قديم واحد لا شريك له في ملكه، ولا ند ولا ضد، ولا وزير ولا مشير ولا ظهير، ولا شافع إلا من بعد إذنه.
الثاني: أنه لا والد له ولا ولد، ولا كُفؤ ولا نسب بوجه من الوجوه، ولا زوجة.
الثالث: أنه غني بذاته، فلا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خلقه بوجه من الوجوه.
الرابع: أنه لا يتغير، ولا تعرض له الآفات، من الهرم والى س ض، والسِنَةُ والنوم، والنسيان، والندم والخوف، والهم والحزن، ونحو ذلك.
الخامس: أنه لا يماثله شيء من مخلوقاته، بل ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
السادس: أنه لا يحل بشيء من مخلوقاته ولا يحل في ذاته شيء منها، بل هو بائن عن خلقه بذاته والخلق بائنون عنه.
стр. 76
السابع: أنه أعظم من كل شيء، وأكبر من كل شيء، وفوق كل شيء، وعال على كل شيء، وليس فوقه شيء البتة.
الثامن: أنه قادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء يريده، بل هو فعال لما يريد.
التاسع: أنه عالم بكل شيء، يعلم السِّرَّ وأخفى، ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ ١ ولا متحرك ولا ساكن، إلا وهو يعلمه على حقيقته.
العاشر: أنه سميع بصير، يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنّن الحاجات، ويرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، قد أحاط سمعه بجميع المسموعات، وبصره بجميع المبصرات، وعلمه بجميع المعلومات، وقدرته بجميع المقدورات، ونفذت مشيئته في جميع البريّات، وعمّت رحمته جميع المخلوقات، وسع كرسيه الأرض والسموات.
الحادي عشر: أنه الشاهد الذي لا يغيب، ولا يستخلِفُ أحداً على ملكه، ولا يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده، أو يعاونه أو يستعطفه عليهم ويسترحمه لهم.
الثاني عشر: أنه الأبدي الباقي، الذي لا يضمحل ولا يتلاشى، ولا يعدم ولا يموت.
الثالث عشر: أنه المتكلّم المُكَلّم، الآمر الناهي، قائل الحق، وهادي السبيل، مرسل الرسل، ومنزل الكتب، قائم على كل نفس بما كسبت من الخير والشر، ومجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
стр. 77
الرابع عشر: أنه الصادق في وعده وخبره، فلا أصدق منه قيلاً، ولا أصدق منه حديثاً، وهو لا يخلف الميعاد.
الخاص عشر: أنه تعالى صمد بجميع معاني الصمدية، يستحيل عليه ما يناقض صمديته.
السادس عشر: أنه قدوس سلام، فهو المبرّأ من كل عيب وآفة ونقص.
السابع عشر: أنه الكامل، الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه.
الثامن عشر: أنه العدل، الذي لا يجور ولا يظلم، ولا يخاف عباده منه ظلماً.
وهذا ما اتفقت عليه جميع الكتب والرسل، وهو من المحكم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه، ولا يخبر شيء بخلافه.
فترك المثلثة عبّاد الصليب هذا كله، وتمسّكوا بالمتشابه من المعاني، والمجمل من الألفاظ، وأقوال من قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلّوا عن سواء السبيل، وأصول المثلثة ومقالاتهم في رب العالمين تخالف هذا كله وتباينه أشد المخالفة والمباينة" انتهى.
قال:"فقف وتأمل هذه الأصول وأولها- وهو أنه تعالى لا شريك له ولا ند ولا شافع إلا من بعد إذنه- ووازن بينه وبين قول الغلاة" إلى آخر ما قال.
فعُلِمَ من جميع ما نقلناه أن الدلائل إنما تكون من الكتاب والسنة والإجماع، وعليه كتب الأصول، وأما القياس، فقد اختلف فيه الأصوليون، ومن أراد تفصيل الكلام في هذا المقام فعليه بتلك الكتب. وقد جمع العلامة والفاضل الفهامة، الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي١- حفظه الله تعالى ومتّع المسلمين
стр. 78
بحياته- عدة رسائل في أصول الفقه، ترشد الناظر إليها إلى الحق، وتغنيه عن كثير من المطولات.
فهذه هي الدلائل لا ما ذكره النبهاني من استدلاله على مطالبه بكلام السبكي أو ولده، أو ابن حجر المكّي وأضرابهم، وكما استدل على مشروعية الاستغاثة بغير الله -في الصحيفة الخامسة والستين ومائة- بما نقل عن أحمد الرفاعي أنه قال: من كانت له حاجة فليستقبل عَبَّادان نحو قبري، ويمشي سبع خطوات ويستغيث بي، فإن حاجته تُقضى إلخ.
فمثل هؤلاء إذا قالوا أقوالاً تخالف الكتاب والسنة يضرب بها على وجوه قائليها كان من كان، ومَنْ ابن حجر والسبكي والرفاعي ونحوهم حتى نعارض بكلامهم وحي الرسول ﷺ ولاسيما في مثل هذه المطالب العالية.
فكلام النبهاني من أوله إلى آخره على هذا المنهج، لا يستدل على مطلوبه إلا بحديث موضوع، أو قول أحد الغلاة، أو قول من لا يؤخذ بقوله، على أنه مع بطلانه مقلّد فيه تقليد الخوارج أبا أمامة، وهكذا شأن أسلافه، فلا ينبغي أن يلتفت إلى أقواله، ولولا خوف التطويل، لأتينا في هذا المقام بما يشفي العليل، ويروي الغليل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد آن للقلم أن يجري في ميدان المناظرة، ويثير غبار البحث على وجه الخصم الألد الذي ركب متن المكابرة، وأسأل الله تعالى أن لا يذيق فم قلمي صاب الافتراء، وأن يعصمني من الخطأ والزلل في الأقوال والأفعال، فهو الملاذ والملجأ من كل بلاء، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 79
[كلام النبهاني على الاجتهاد، والرد عليه]
قال النبهاني: "القسم الأول من المقدمة: في الكلام على انقطاع الاجتهاد المطلق، الذي تدّعيه -بالباطل- فرقة الوهابية، ومن أعجبه شأنهم من جهلة المبتدعين شذاء المذاهب الإسلامية، وجعلت ذلك رسالة سميتها (السهام الصائبة لأصحاب الدعاوي الكاذبة) . ثم ذكر خطبة هذه الرسالة، إلى أن قال: "فأقول: إن دعوى الاجتهاد في هذا الزمان -منهم ومن غيرهم مطلقاً مهما كان عالماً- هي دعوى كاذبة، لا يلتفت إليها، ولا يعوّل عليها، قال: وقد ذكرتُ في كتابي (حجة الله على العالمين) الرد على من يدّعي الاجتهاد في هذا الزمان، ونقلت عبارات العلماء في ذلك، كالإمام الشعراني، والإمام ابن حجر الهيتمي، والإمام المناوي وغيرهم، بما يقنع كل ذي طبع سليم، وفهم مستقيم. إلى أن قال: أما الاجتهاد فلا يدّعيه اليوم إلا مختل العقل والدين، إلا من طريق الولاية، كما قاله الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي".
ثم نقل ما نقله المناوي في أول شرحه الكبير على الجامع الصغير عن ابن حجر المكي، أنه قال: "لما ادّعى الجلال السيوطي الاجتهاد قام عليه معاصروه ورموه عن قوس واحدة، وكتبوا له سؤالاً فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين، وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد وهو اجتهاد الفتوى فليتكلم على الراجح من تلك الأوجه، وعلى الدليل على قواعد المجتهدين، فرد السؤال من غير كتابة، واعتذر بأن له أشغالاً تمنعه من النظر في ذلك. قال الشهاب: فتأمل صعوبة هذه المرتبة، -أعني اجتهاد الفتوى- الذي هو أدنى مراتب الاجتهاد، ويظهر لك أن مدعيها -فضلاً عن مدّعي الاجتهاد المطلق- في حيرة من أمره، وفساد فكره، وإنه ممن ركب متن عمياء، وخبط خبط عشواء. قال: ومن تصور مرتبة الاجتهاد المطلق استحيى من الله أن ينسبها لأحد من أهل هذه الأزمنة، بل قال ابن الصلاح ومن تبعه: إنها انقطعت من نحو ثلائمائة سنة. ولابن الصلاح نحو الثلاثمائة سنة، أي أنه من أهل القرن السادس، فتكون اليوم قد انقطعت من ستمائة سنة، أي بالنظر إلى عصر ابن حجر وهو من أهل القرن العاشر، فيكون لها
стр. 80
الآن منقطعة نحو ألف سنة، إذ نحن في العام السابع عشر من القرن الرابع عشر، وهو عام تأليفي لكتاب (حجة الله على العالمين) . قال: بل نقل ابن الصلاح عن بعض الأصوليين أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل، قال: ثم قال الشهاب ابن حجر: وإذا كان بين الأئمة نزاع طويل في أن إمام الحرمين وحجة الإسلام الغزالي- وناهيك بهما- هل هما من أصحاب الوجوه أو لا، فما ظنك بغيرهما؟ بل قال الأئمة في الرويّاني صاحب البحر أنه لم يكن من أصحاب الوجوه، هذا مع قوله لو ضاعت نصوص الشافعي لأمليتها من صدري، فإذا لم يتأهل الأكابر لمرتبة الاجتهاد المذهبي فكيف يسوغ لمن لم يفهم أكثر عباراتهم على وجهها أن يدّعي ما هو أعلى من ذلك وهو الاجتهاد المطلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم".
ثم نقل جملة من أقوال العلماء تشهد له بأن الاجتهاد قد انقطع، إلى آخر ما هذي به في هذا الباب، مما يدل على جهله وإفلاسه من كل علم، وعلى دعواه الكاذبة، والكلام على ما اشتمل عليه كلامه من الباطل يطول غير أنا نتكلم على مقاصده على سبيل الإجمال دون التفصيل، فأقول:
الكلام على مقالته هذه من وجوه:
الوجه الأول: إن نسبة دعوى الاجتهاد إلى الوهابية -وهم على زعمه من كان موافقاً للشيخ محمد بن عبد الوهاب في الاعتقاد- افتراء وكذب وبهتان عليهم، فإن أهل نجد كلهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، مقلّدون له في فروع الأحكام، وموافقون له في أصول الدين وعقائده، وقد صرح الشيخ محمد بذلك في كثير من رسائله، وهو لم يدّعِ الاجتهاد، ولا دعا أحداً من الناس إلى تقليده، بل أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. فنسبة أهل نجد ومن يتّبع السنن النبوية إلى الشيخ وعدّهم فرقة من فرق المسلمين غير فرقة أهل السنة؛ ظلم وعدوان وزور وبهتان، وأعجب من ذلك أن النسبة إلى الشيخ ينبغي أن تكون المحمدية، وأما عبد الوهاب فهو أبو الشيخ محمد، والموافقة في العقائد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما كان للشيخ نفسه لا لأبيه، فإطلاق الوهّابية على
стр. 81
تلامذة الشيخ وموافقيه إما جهل ظاهر، وإما تنابز بالألقاب، وكلا الوجهين لا يخفى حاله.
الوجه الثاني: الكلام على باب الاجتهاد مفروغ منه، فقد أطنب الكلام عليه الأصوليون لاسيما في كتاب "الموافقات"١، ومع ذلك فلا بد من ذكر شيء مما يتعلق به على سبيل الاختصار، قالوا٢: الاجتهاد استفراغ الوسع لتحصيل ظنْ الحكم من فقيه وهو المجتهد المطلق، وشرطه تكليف، لا عدالة إلا لقبول قوله. وملكة: وهي العقل، يُدرك بها المطلوب مطلقاً أو في تلك الواقعة لتجزي الاجتهاد. وفقه النفس، أي: شدة الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، حتى يكون له قدرة على استخراج أحكام الفقه من أدلتها، وقوة يقتدر بها على التصرف بالجمع والتفريق، والترتيب والتصحيح والإفساد، فإن ذلك ملاك صنعة الفقه، ومن اتصف بالبلادة والعجز عن التصرف لم يكن من أهل الاجتهاد، ويشترط أيضاً توسط درجته عربية وأصولاً، وعلمه بآيات الأحكام وأحاديثها، وخبرته بمواقع الإجماع، والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والآحاد، وأسباب النزول، وحال الرواة والمتون، ويكفيه تقليد الحفاظ وأئمة علم الكلام، وندب له البحث عن
стр. 82
المعارض، ودون المجتهد المطلق مجتهد المذهب بأن يخرج ما يبديه على نصوص أمامه، ودونه مجتهد الفتيا بأن يتبحر ويتمكن من الترجيح.
ثم ذكروا مسائل كثيرة في هذا الباب لا غرض لنا بنقلها، ثم اختلف الأصوليون هل يجوز خلو الزمان عن مجتهد أم لا، منهم من قال: يجوز، بل يقع. ومنهم من قال: لا يجوز، استدلالاً بقوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله"١ أي: الساعة. وسيأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله.
هذا خلاصة ما ذكره الأصوليون في هذا الباب، وقد علمت منه أن شروط الاجتهاد التي اشترطوها ليس وجودها من المحال، بل هي ممكنة الوجود في كل عصر، وعلمَت أيضاً مما ذكرناه من كلامهم أنهم لم يقولوا بسد باب الاجتهاد، ولا اقتضاه كلامهم، ولا دل عليه كتاب ولا سنة، وهما المرجع في التنازع، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ ٢. فقول من قال بانقطاع الاجتهاد قول بلا دليل، فلا يُلْتَفَتُ إليه، بل يُرمَى به على وجه قائله، ويُرَدُّ على صاحبه.
الوجه الثالث: قال الحافظ ابن القيم في رد هذا القول: "إن المقلدين حكموا على الله قدراً وشرعاً بالحكم الباطل جهاراً، المخالف لما أخبر به رسوله ﷺ ، فأًخْلُوا الأرض من القائمين لله بحُجَجِهِ، وقالوا: لم يبقَ في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة، فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة،
стр. 83
وأبي يوسف وزفر بن الهذيل، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وهذا قول كثير من الحنفية. وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة. وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي، وسفيان الثوري، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك. وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي.
واختلف المقلدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ويكون له وجه يفتي ويحكم به من ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب: طائفة أصحاب وجوه كابن شريح والقفال وأبي حامد، وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه، كأبي المعالي، وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات، كابن حامد وغيره.
واختلفوا متى انسَدَّ باب الاجتهاد، على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان. وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم لله بحججه، ولم يبق فيها من يتكلم بالعلم، ولم يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ لأخذ الأحكام منها، ولا يقضي ولا يفتي بما فيها حتى يعرضه على قول مقلّده ومتبوعه، فإن وافقه حكم به وأفتى به وإلا ردّه ولم يقبله.
وهذه أقوال كما ترى قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض والقول على الله بلا علم، وإبطال حججه والزهد في كتابه وسنة رسوله، وتلقي الأحكام منهما مبلغها، ويأبى الله إلا أن يُتِمَّ نوره، ويصدق قول رسوله أنه لا تخلو الأرض من قائم لله بحُجَّتِهِ، ولن تزال طائفة من أمته على مَحْضِ الحق الذي بعثه به، وأنه لا يزال يَبْعَثُ على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدّد لها دينها.
ويكفي في فساد هذه الأقوال أن يُقَالَ لأربابها: فإذا لم يكن لأحد أن يختار بعد من ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حَرَّمْتُمْ على الرجل أن يختار ما يؤدّيه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب الله وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلّدتموه، وأوجبتم على الأمة تقليده، وحرّمتم
стр. 84
تقليد من سواه، ورجَّحْتُمُوهُ على تقليد من سواه، فما الذي سوّغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ولا إجماع ولا قياس، ولا قول صاحب، وحرّمتم اختيار ما عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؟
ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند غيرك فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة -أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة أجمعين، أو من هو مثله من فقهاء الأمصار، أو ممن جاء بعده؟
وموجب هذا القول: أن أشهب، وابن الماجشون، ومطرف بن عبد الله، وأصبغ بن الفرج، وسحنون بن سعيد، وأحمد بن المعدل، ومن في طبقتهم من الفقهاء، كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مائتين، فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومائتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم في الوقت -بلا مهلة- ما كان مطلقاً لهم من الاختيار!
ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والاجتهاد والقول في دين الله بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم؟ ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفاظ الإسلام، وأعلم الأمة بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم؛ كأحمد بن حنبل، والشافعي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وداود بن علي، ونظرائهم، على سعة علمهم بالسنن، ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم، وتحرّيهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين، ودقة نظرهم ولطف استخراجهم للدلائل، ومن قال منهم بالقياس فقياسه من أقرب القياس إلى الصواب، وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم وما منحهم الله من محبة المؤمنين لهم، وتعظيم المسلمين علماءهم وعامتهم لهم.
فإن احتج كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح -في تقدم زمان أو زهد أو ورع، أو لقاء شيوخ وأئمة لم يلقهم من بعده، أو كثرة أتباع لم
стр. 85
يكونوا لغيره -أمكن الفريق الآخر أن يبدوا لمتبوعهم من الترجيح بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه، وأمكن غير هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعاً: نفوذ قولكم هذا- إن لم تأنفوا من التناقض- يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين، وأعلم وأورع وأزهد، وأكثر اتباعاً وأجل. فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟
وهذا أبو هريرة قال البخاري: حمل العلم عنه ثمانمائة رجل ما بين صاحب وتابع، وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحاب عبد الله بن عباس.
وأين في أتباع الأئمة مثل عطاء، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وجابر بن زيد؟
وأين في أتباعهم مثل السعيدين، والشعبي، ومسروق، وعلقمة، والأسود، وشريح؟
وأين في أتباعهم مثل نافع، وسالم، والقاسم، وعروة، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن؟
فما الذي جعل الأئمة بأتباعهم أسعد من هؤلاء بأتباعهم؟ ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم؛ فعِظَمُهُم وجلالتُهم وكبرهم منع المتأخرين من الإقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم وحالهم هؤلاء كبار علينا لسنا من زبونهم، كما صرّحوا وشهدوا على أنفسهم، فإن أقدارهم تتقاصر عن تلقي العلم من القرآن والسنة، وقالوا لسنا أهلاً لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعجزنا نحن وقصورنا، فاكتفينا بمن هو أعلم بهما منا!
فيقال لهم: فلِمَ تنكرون على من اقتدى بهما، وحكّمهما، وتحاكم إليهما، وعرض أقوال العلماء عليهما، فما وافقهما قبله وما خالفهما رده؟ فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود؛ فلِمَ تنكرون على من وصل إليه وذاق حلاوته؟ وكيف تحجرتم الواسع من فضل الله الذي ليس على قياس عقول العالمين ولا
стр. 86
اقتراحاتهم؟ وهم وإن كانوا في عصركم ونشؤوا معكم، وبينكم وبينهم نسب قريب، فالله يمنُّ على من يشاء من عباده.
وقد أنكر الله سبحانه على من رد النبوة؛ بأن الله صرفها عن عظماء القرى وعن رؤسائها وأعطاها لمن ليس كذلك بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١.
وقال قال النبي ﷺ : "مثل أمتي كالمطر، لا يُدْرَى أولُه خيرٌ أم آخره"٢.
وقد أخبر الله سبحانه عن السابقين بأنهم ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ ٣ وأخبر سبحانه أنه: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٤. وقال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥ ثم أخبر أن: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ٦". انتهى ما ذكره الحافظ بن القيم في كتابه "أعلام الموقعين"٧.
وقد تبين منه أن ما ذكره النبهاني- تبعاً لأسلافه الزائغين- دليلاً على جهله وإفلاسه من فنون العلم فروعها وأصولها، إذ لا يقول بمقالته إلا من هو أجهل من ابن بوم ممن هو على شاكلته.
стр. 87
الوجه الرابع من الوجوه الدالة على فساد قول الغبي النبهاني: أن كل ما ليس عليه أثارة من علم ليس بمقبول، وأن الاجتهاد ليس بنبوة حتى ياقل إنه خُتِمَ بفلان وفلان، أما النبوة فقد دل نص الكتاب والسنة على ختمها، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ١.
وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي ﷺ أنه قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي؛ كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلاّ وُضِعَتْ هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين"٢.
بل إن الدليل العقلي قام على ذلك أيضاً، وهو كمال الشريعة وشمولها للأحكام على اختلاف الأعصر والأزمان، وصيانتها من تطرق التغيير والتبديل بسبب إعجازها، مع كونها أوسط الشرائع، إذ لا غلوّ فيها ولا تقصير.
وهذا كله قد دلّ على أن النبوة ختمت بالخاتم ﷺ .
وأما الاجتهاد فلم نرَ على ختامه دليلاً؛ لا من كتاب الله، ولا من سنة رسوله ﷺ ، بل ولا من أقوال الصحابة. بل رأينا ما يدل على أن علم الشريعة وعلمائها باقون إلى قيام الساعة.
روى كُميل بن نرياد النخعي، قال: أخذ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بيدي فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر جعل يتنفس، ثم قال: "يا كُميل بن زياد؛ القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك، الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسُكَ وأنت تحرس المال، العلم يزكوا على الإنفاق -وفي رواية على العمل- والمال تُنْقِصُه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم
стр. 88
دين يُدَانُ بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خُزّان الأموال وهم أحياء، إن ههنا علماً، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه هاه، إن ههنا علماً -وأشار بيده إلى صدره- لو أصبت له حملة بلى أصبته لقناً غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً للذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال والادخار، ليسا من دعاة الدين، أقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة، لذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته، كيلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قيلاً، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدّوها إلى نظرائهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالملأ الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه، هاه هاه شوقاً إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولك، إذا شئت فقُم"١. ذكره أبو نعيم
стр. 89
في "الحلية" وغيره. قال أبو بكر الخطيب: هذا حديث حسن من أحسن الأحاديث معنى وأشرفها لفظاً.
وقد شرح هذا الحديث شرحاً مفصّلاً الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه "مفتاح دار السعادة" ومما قال في شرحه -عند الكلام على قوله: "اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحجج الله"-:"ويدل عليه الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" ١. ويدل عليه أيضاً ما رواه الترمذي، عن قتيبة، حدثنا حماد بن يحيى الأبَحّ، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره"٢. قال: هذا حديث حسن غريب، ويُروى عن عبد الرحمن بن مهدي أنه كان يُثَبِّتُ حمّاد بن يحيى الأبح، وكان يقول: هو من شيوخنا. وفي الباب عن عمار٣، وعبد الله بن عمرو٤.
فلو لم يكن في أواخر الأمة قائم بحجج الله مجتهد لم يكونوا موصوفين بهذه الخيرية.
وأيضاً: فإن هذه الأمة أكمل الأمم، وخير أمة أُخْرِجَتْ للناس، ونبيُّها خاتَمُ النبيين، لا نبيَّ بعده، فجعل الله العلماء فيها كلما هلك عالم خلفه
стр. 90
عالم، لئلا تطمس معالم الدين وتخفى أعلامه. وكان بنو إسرائيل كلما هلك نبي خلفه نبي، فكانت تسوسهم الأنبياء١، والعلماء لهذه الأمة كالأنبياء في بني إسرائيل.
وأيضاً ففي الحديث الآخر:" يَحْمِلُ هذا العلم من كلّ خَلَفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين"٢. وهذا يدل على أنه لا يزال محمولاً في القرون قرناً بعد قرن.
وفي"صحيح أبي حاتم"٣ من حديث الخولاني قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته"٤. وغرسُ الله هم أهل العلم والعمل، فلو خلت الأرض من عالم خلت من غرس الله، انتهى المقصود من نقله٥.
فعُلِمَ من هذا الوجه، بطلان ما ذكره الغبي النبهاني في مقدمة كتابه من
стр. 91
الهذيان، وأنه بعيد عن العلم والمعرفة لا فكر له ولا ذوق، والأمر لله.
الوجه الخامس: قوله: "أما الاجتهاد فلا يدّعيه اليوم إلا مختل العقل والدين، إلا من طريق الولاية، كما قاله الشيخ الأكبر" إلخ.. لا معنى له ولا محصّل، وقد أسلفنا لك أنه لا يمكن أن يخلو الزمان من مجتهد، كما ذكره الأصوليون من مذهب الحنابلة وأهل الحديث، ولِمَ كان الجامع لشروط الاجتهاد المتأهل لأخذ دينه من الكتاب والسنة مختل العقل والدين؟ فهل هذا إلا كلام جاهل قد تخبطه الشيطان من المس؟ ثم ما معنى قوله: "إلا من طريق الولاية إلخ.." فهل رأى أحد من علماء الفروق والأصول هذه العبارة في باب الاجتهاد؟ ولكن لا بدع أن يصدر مثل هذا الهذيان عن مثل هذا المبتدع الجاهل، والجاهل يعمل بنفسه ما لا يعمل العدو بعدوه، والشيخ محيى الدين١ ممن كان يدّعي الاجتهاد المطلق، كما دلّت عليه نصوص كتبه وقال شعر له:
نسبوني إلى ابن حزم وإني ... لست ممن يقول قال ابن حزم
بل ولا غيره فإن كلامي ... قال نص الكتاب ذلك حكمي
أو يقول الرسول أو أجمع ... الخلق على ما أقول ذلك علمي
أشار ﵀ في هذه الأبيات إلى أنه يأخذ الأحكام الدينية من الكتاب والسنة والإجماع، وهذه عنده هي الدلائل دون القياس، والكلام مستوفى في محله.
الوجه السادس: قال: نقل عن ابن حجر المكي أنه قال: "لما ادعى الجلال السيوطي الاجتهاد قام عليه معاصروه، ورموه عن قوس واحدة، وكتبوا له سؤالاً فيه مسائل أطلق الأصحاب فيها وجهين، وطلبوا منه إن كان عنده أدنى مراتب الاجتهاد -وهو اجتهاد الفتوى- فليتكلم على الراجح من تلك الأوجه، وعلى
стр. 92
الدليل على قواعد المجتهدين، فرد السؤال من غير كتابة، واعتذر أن له أشغالاً تمنعه النظر في ذلك"إلخ..
أقول: إن صدق ابن حجر في نقله؛ فإنه لا يُوثَقُ به، فقد افترى على شيخ الإسلام أعظم من ذلك، وتبيّن كذبه عليه كما سيجيء" [فلو صحّ هذا] كان الجواب عن الإمام السيوطي عليه الرحمة أنه لا يلزم المجتهد أن يكون عالماً بما حواه اللوح المحفوظ من العلوم.
وقد نُقِلَ أن الإمام مالك سُئِلَ عن أربعين مسألة، فقال في جواب ست وثلاثين مسألة منها: لا أدري. وهكذا نُقِلَ عن الإمام أبي حنيفة وغيره ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ ١.
الوجه السابع: قول ابن حجر: "بل قال ابن الصلاح ومن تبعه أنها انقطعت من نحو ثلاثمائة سنة، ولابن الصلاح نحو ثلاثمائة سنة، أي لأنه من أهل القرن السادس، فتكون اليوم قد انقطعت من ستمائة سنة، أي بالنظر إلى عصر ابن حجر"إلخ ...
أقول: هذا كلام ساقط عن درجة الاعتبار، لما قدمناه في الوجه الثالث من كلام الحافظ ابن القيم، ولما أوردناه من النصوص والدلائل على بطلان هذا القول، وابن حجر مضطرب الكلام لا يثبت على قول، فإنه ذكر هنا أن الاجتهاد قد انقطع من ستمائة سنة بالنظر إلى عصره، مع أنه ذكر في كتابه "الجوهر المنظم" عند شتمه لشيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه:
"ولقد تصدّى شيخ الإسلام، وعالم الأنام، المجمع على جلالته واجتهاده، وصلاحه وإمامته، التقي السبكي- قدس الله روحه ونور ضريحه- للرد في تصنيف مستقل، أفاد فيه وأجاد، وأصاب وأوضح بباهر حججه طريق الصواب، فشكر الله مسعاه، وأدام عليه شآبيب رحمته ورضاه"اهـ.
стр. 93
فانظر إلى ابن حجر كيف ادّعى الإجماع على اجتهاد السبكي لكونه على منهجه ومسلكه في الابتداع واتباع الهوى، ثم إنه لم تسمح نفسه في الإقرار باجتهاد من لا يبلغ هو ولا أشياخه إلى كعب علاه، أعني أبا العباس تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد قال في "الجوهر المنظم"- بعد عبارته السابقة-:"هذا ما وقع من ابن تيمية مما ذُكِر- وإن كان عثره لا تقال أبداً، ومصيبة يستمر عليه شؤمها دواماً وسرمداً- ليس بعجب، فإنه سوّلت له نفسه وهواه وشيطانه أن ضرب مع المجتهدين بسهم صائب، وما درى المحروم أنه أتى بأقبح المعائب" إلى آخر ما قال، مما تبين منه لدى كل منصف اتباع ابن حجر لهواه، واختياره سبيل الضلال، عامله الله بعدله.
والمقصود؛ أن كلام مثل هؤلاء الغلاة لا يجوز أن يحتج به، فهم يتكلمون على حسب أهوائهم، لا أنهم يتبعون الدليل، ويسلكون سواء السبيل، فسقط كلام الغافل النبهاني، ولا يجوز الالتفات إليه بوجه من الوجوه.
الوجه الثامن: من الوجوه الدالة على سقوط مقالة الغبي النبهاني: أن كل واحد من الأئمة صرّح بأنه إذا صح الحديث يجب اتباعه والأخذ به، ولذلك صرّح كثير من الأئمة بوجوب الأخذ بالحديث والإضراب عن كل ما يخالفه من أقوال المجتهدين، وفي كتاب (أعلام الموقعين) ١: "وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذمُّوا من أخذ أقوالهم بغير حجة. فقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري. ذكره البيهقي. وقال إسماعيل بن يحيى المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط لنفسه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع أو مالك؟ قال الا تقلد دينك أحداً من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم التابعي بعد الرجل فيه مخير.
стр. 94
وقد فرق أحمد بين التقليد والإتباع، فقال أبو داود: سمعته يقول الإتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخيّر.
وقال أيضاً: لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا. وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجل.
وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا.
وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي أنه يستتاب. فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟!.
وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم بن جميل، قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله؛ إن عندنا قوماً وضعوا كتباً يقول أحدهم. حدثنا فلان، عن فلان، عن عمر بن الخطاب بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا. ويأخذ بقول إبراهيم. قال مالك: وصحّ عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال مالك: هؤلاء يستتابون" انتهى.
الوجه التاسع: أن قول النبهاني البليد يقتضي أن يقدم كلام من يقلد اليوم على ما صح من الأحاديث النبوية المخالفة لقول المجتهد، وذلك هو عين الخطأ. وقد سمعتُ من بعض قضاة الأتراك أنه قال: إذا رأيتَ نصاً في "منية المصلّي" ورأيتَ حديثاً في صحيح الإمام البخاري يخالف ذلك النص؛ آخذ بما في المنية وأترك الحديث الصحيح ولا أعمل به! فانظر إلى هذه الغباوة والجهل العظيم.
وقد سُئِلَ أبو العباس تقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه الزكية- عن رجل تفقه على مذهب من المذاهب، وتبصّر فيه، واشتغل بعده بالحديث، فوجد أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخاً ولا مخصصاً ولا معارضاً،
стр. 95
وذلك المذهب فيه ما يخالف تلك الأحاديث، فهل له العمل بالمذهب أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالحديث ومخالفة مذهبه؟.
فأجاب: "الحمد لله رب العالمين، قد ثبت في الكتاب والسنة والإجماع أن الله تعالى افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ولم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به ونهى عنه، إلا رسول الله ﷺ ، حتى كان صدّيق الأمة وأفضلها بعد نبيها ﵊ ورضي الله عنه يقول: أطيعوني ما أطعتُ الله تعالى، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم.
واتفقوا كلهم على أنه ليس أحد معصوماً في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ، ولهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله ﷺ .
وهؤلاء الأئمة الأربعة- رحمهم الله تعالى أجمعين- قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه، وذلك هو الواجب، فقال الإمام أبو حنيفة: هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه، ولهذا لما اجتمع أفضل أصحابه -أبو يوسف- بإمام دار الهجرة مالك بن أنس، وسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضراوات، ومسألة الأجناس، فأخبره مالك رحمه الله تعالى بما دلت عليه السنة في ذلك، فقال: رجعت لقولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيتُ لرجع كما رجعت.
ومالك رحمه الله تعالى كان يقول: إنما أنا بشر أصيب وأخطىء، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة. أو كلاماً هذا معناه.
والشافعي رحمه الله تعالى كان يقول: [إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي. وفي "مختصر المزني" لما ذكر أنه اختصره من مذهب الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه؛ قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. والإمام أحمد كان يقول: لا تقلّدوني ولا تقلّدوا مالكاً ولا الشافعي ولا الثوري. وتعلموا كما تعلمنا. وكان
стр. 96
يقول] ١: من ضيق علم الرجل أن يُقلّد دينه الرجال. وقد قال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لم يسلموا من أن يغلطوا. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين"٢. ولازم ذلك أن من لم يفقّهه الله في الدين لم يرد به خيراً، فيكون التفقه في الدين فرضاً، والتفقه في الدين معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية، فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهاً في الدين.
لكن من الناس من قد يعجز عنها فيلزمه ما يقدر عليه، ومن كان قادراً على الاستدلال فقيل يحرم عليه التقليد مطلقاً، وقيل يجوز مطلقاً، وقيل يجوز عند الحاجة كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال إن شاء الله تعالى. والاجتهاد ليس هو أمراً واحداً لا يقبل التجزي والانقسام، بل يكون الرجل مجتهداً في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة، وكل [أحد] فاجتهاده بحسب وسعه، فمن نظر في مسألة قد تنازع العلماء فيها فرأى مع أحد القولين نصوصاً لم يعلم لها معارضاً بعد نظر مثله فهو بين أمرين: إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية، بل مجرد عادة تعارضها عادة غيره واشتغاله بمذهب إمام آخر، وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، فحينئذ موافقته لإمام يقاوم ذلك الإمام، وتبقى في النصوص النبوية سالمة في حقه عن المعارض بالعمل، فهذا هو الذي يصلح. وإنما تنزلنا هذا التنزل لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده تاماً في هذه المسألة لضعف آلة الاجتهاد في حقه. أما إذا قدر على الاجتهاد التام الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع النص؛ فهذا يجب عليه اتباع النصوص، وإن لم يفعل كان متبعاً للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله تعالى ورسوله، بخلاف من يقول للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص، ويقول أنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
стр. 97
اسْتَطَعْتُمْ﴾ ١. [وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم] " ٢ والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دل على أن هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك، ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضاً راجحاً كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده. وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له من الحق هو محمود عليه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه، وترك القول الذي وضحت حجته، أو الانتقال من قول إلى قول بمجرد عادة وإتباع هوى؛ فهذا مذموم. وإذا كان المقلد قد سمع حديثاً وتركه- لاسيما إذا كان قد رواه أيضاً عدل- فمثل هذا إذا وجد لا يكون عذراً في ترك النص. وقد بينا فيما كتبناه في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" نحو عشرين عذراً في ترك العمل ببعض الأحاديث، وبيّنا أنهم معذورون في الترك لتلك الأعذار، وأما نحن فمعذورون في تركها لهذا القول. فمن ترك الحديث لاعتقاده أنه لم يصح، أن راوِيه مجهول أو نحو ذلك، ويكون غيره قد علم صحته، وثقة راويه؛ فقد زال عذر ذلك في حق هذا، ومن ترك الحديث لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه أو القياس، أو عمل لبعض الأنصار، وقد تبين للآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر، ومقدم على القياس والعمل، لم يكن عذر ذلك الرجل عذراً في حقه، فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان وخفائها عنها أمر لا يضبط طرفاه، لاسيما إذا كان التارك للحديث معتقداً أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار -أهل المدينة النبوية وغيرها- الذين يقال: إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ، أو معارض براجح، وقد بلغ من بعدهم أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل قد عمل به بعضهم أو من سمعه منهم أو نحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض للنص.
وإذا قيل لهذا المستفتي المسترشد: أنت أعلم أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه
стр. 98
معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد خالفه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة، ولست أعلم من هذا ولا هذا، ولكن نسبة هؤلاء الأئمة إلى هؤلاء كنسبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي ومعاذ ونحوهم من الأئمة وغيرهم، فكما أن هؤلاء الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النزاع، فإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع آخر، وكذلك موارد النزاع بين الأئمة. وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود ﵄ في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول أبي موسى الأشعري وغيره لما احتج بالكتاب والسنة. وتركوا قول عمر رضي الله تعالى عنه في دية الأصابع وأخذوا بقول معاوية بن أبي سفيان، لما كان روى من لسان النبي ﷺ ، قال: "هذه وهذه سواء" ١. وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في المتعة، فقال له: قال أبو بكر قال عمر، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر قال عمر! [وكذلك ابن عمر] لما سُئل عنها٢ فأمر بها فعارضوه بقول عمر، فبين أن عمر لم يرد ما يقولونه، فألحوا عليه، فقال: [أمر] رسول الله ﷺ أحق أن يتبع أم [أمر] عمر؟ مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم من ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
ولو فُتح هذا الباب لوجب أن يعرض عن أمر الله تعالى ورسوله ﷺ ، ويبقى كل إمام في اتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين، وشيه بما عاب الله تعالى به النصارى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٣ والله سبحانه أعلم" انتهى٤.
стр. 99
الوجه العاشر: أنه يُفهم من كلام النبهاني البليد: أنه يجب على المسلمين منذ نحو ألف سنة في مشارق الأرض ومغاربها أن يُقلّدوا أحد المجتهدين الأربعة، ومن أخذ دينه من الكتاب والسنة، أو قلّد غير هؤلاء -من صحابي أو غيره- خرج عات جادة الصواب، وسلك غير سبيل المؤمنين، هذا لازم من لوازم كلامه الباطل، وقوله العاطل، وهو مردود لم يقل به عالم يعتد بعلمه.
وفي كتاب (أعلام الموقعين) ١ للحافظ ابن القيم عليه الرحمة: "هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين ويسأل الأعلم والأدين أم لا يلزمه ذلك؟
فيه مذهبان كما سبق وبينا مأخذهما -والصحيح أنه يلزمه، لأنه المستطاع من تقوى الله تعالى المأمور بها كل أحد. قال: وتقدم أنه إذا اختلف عليه مفتيان أحدهما أورع والآخر أعلم؛ فأيهما يجب تقليده؟ فيه ثلاثة مذاهب سبق توجيهها.
وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟
فيه مذهبان: أحدهما: لا يلزمه، وهو الصواب المقطوع به، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ورسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب، ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيراً بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب وعرف فتأوى إمامه وأقواله، وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا شافعي أو حنبلي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول، كما لو قال: أنا فقيه أو نحوي أو كاتب؛ لم يصر كذلك بمجرد قوله، يوضحه أن القائل أنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه، وهذا إنما يصح إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة
стр. 100
والاستدلال، فأما مع جهله وبعده جداً عن سيرة الإمام وعلمه وطرقه فكيف يصح له الانتساب إليه، إلا بالدعوى المجردة، والقول الفارغ من كل معنى؟ والعامي لا يتصور آن يصح له مذهب، ولو تصور له ذلك لم يلزمه ولا لغيره، ولا يلزم أحداً قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة، بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة، وأجل قدراً، وأعلم بالله ورسوله من أن يُلْزِمُوا الناس بذلك، وأبعد منه قوله من قال: يلزمه أن يتمذهب بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة.
فيالله العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول الله ﷺ ، ومذاهب التابعين وتابعيهم، وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة، أودعا إليه، أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه؟!
والذي أوجبه الله تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز، والزمان والمكان والحال، فذلك أيضاً تابع لما أوجبه الله تعالى ورسوله. ومن صحّح للعامي مذهباً؛ قال: هو [قد] اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه، أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فساده على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله ﷺ أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه، وعلى هذا فله أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، فإذا صح الحديث وجب عليه العمل به، حجازياً كان أو عراقياً أو شامياً أو مصرياً أو
стр. 101
يمنياً، وكذلك لا يجب على الإنسان التقيد بقراءة السبعة المشهورين باتفاق المسلمين، بل إذا وافقت القراءة رسم المصحف الإمام وصحّت في العربية وصح سندها جازت القراءة بها، وصحت الصلاة بها اتفاقاً، بل لو قرأ بقراءة تخرج عن مصحف عثمان وقد قرأ بها رسول الله ﷺ والصحابة بعده جازت القراءة بها، ولم تبطل الصلاة بها على أصح الأقوال، والثاني تبطل الصلاة بها، وهاتان الروايتان منصوصتان عن الإمام أحمد. والثالث: إن قرأ بها في الركن لم يكن مؤدياً لفرضه، وإن قرأ بها في غيره لم تكن مبطلة؛ وهذا اختيار أبي البركات ابن تيمية، [قال:] لأنه لم يتحقق الإتيان بالركن في الأول، ولا الإتيان بالمبطل في الثاني. ولكن ليس له أن يتبع رخص المذاهب، وأخذ غرضه من أي مذهب وجده فيه، بل عليه اتباع الحق بحسب الإمكان" انتهى.
(فظهر لك) مما قررناه في الوجوه العشرة: أن ما ذكره النبهاني المسكين من القول بانسداد باب الاجتهاد قول باطل مبتدع، فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلاً منهم يقلده في جميع أقواله، فلم يسقط منها شيئاً وأسقط أقوال غيره فلم يأخذ منها شيئاً. ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في التابعين، ولا تابعي التابعين، فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون الفضيلة على لسان رسول الله ﷺ ، وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه صلى الله عليه وسلم١، فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه -يبيحون به الفروج، والدماء، والأموال، ويحرمونها، ولا يدرون أذلك صواب أم خطأ -على خطر عظيم، ولهم بين يدي الله موقف شديد، يعلم فيه من قال على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء.
وقد أطنب الحافظ ابن القيم عليه الرحمة في كتابه (أعلام الموقعين) الكلام في ذم المقلدين، وأبطل فيه قول الجهلة بانقطاع الاجتهاد. وألف جمع من الأفاضل في ذلك كتباً مفيدة، ولولا تعرض هذا الجاهل لهذه المسألة وإن لم يكن
стр. 102
لها مناسبة لموضوع كتابه ما فتحنا فيها فماً، ولا حرّكنا قلماً، ولكن أبى الله تعالى إلا أن يفضح من تنقّص العلماء الأخيار، وسادات هذه الأمة، وأن يُري الناس عورته ويغريه بكشفها، ونعوذ بالله من الخذلان، وقد أصابته سهامه الصائبة، وتبين أنه من أصحاب الدعاوي الكاذبة، وكان هو الحري بما أنشده:
ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى
ثم إن النبهاني الغبي عقَّبَ مسألة الاجتهاد بمسألة أخرى لا مناسبة لها أيضاً بموضوع كتابه، لكنه أراد أن يُظهر عجبه ودعاويه الكاذبة في العلم، فقال -بعد أن هذى وتكلّم بكلمات ساقطة تناسب جهله-: "إني سمعت مِراراً من بعضهم لزوم تأليف تفسير للقرآن على مقتضى الأذواق العصرية، وسمعتُ من رجل منهم أنه سيفعل ذلك، ويؤلف تفسيراً بهذه الصفة التي توافق هذا العصر، وهو في نفسه لا يقدر على فهم متن الآجرّومية، وقال لي بعض من يجتمع عليهم ويسمع كلامهم -وقد ثبت في ذهنه بعض نزغاتهم هذه وظنها حقاً-: قد نفعتُ بتأليفك المسلمين نفعاً عظيماً، ولكن بقي عليك شيء واحد. فقلت له: ما هو؟ قال: أن تؤلف تفسيراً للقرآن على مقتضى الأذواق العصرية، فإن هذه التفاسير الموجودة قد ألفوها على مقتضى أذواق أهل العصور السالفة، وقد تغير الحال الآن، واختلفت أذواق الناس ومشاربهم، فيلزم تأليف تفسير يوافقهم. قال: فأجبت أني لست أهلاً لذلك وبيني وبين مرتبة التفسير درجات كثيرة، لا يمكنني الوصول إليها، وتآليفي كلها جمع فؤاد وأكثرها في شؤون النبي ﷺ من فضائله ومعجزاته ومدائحه ونحو ذلك مما لا رأي لي فيه، وإنما هو نقل صرف، وتفسير القرآن قد فرغ منه العلماء ونقلوه عن النبي ﷺ وأصحابه، ومن بعدهم من أئمة الدين ودوّنوه في تفاسيرهم هذه الموجودة، وهي كافية وافية، وهي كما وافقت أهل العصور السابقة توافق أهل هذا العصر، فإن الأحكام الشرعية التي اشتمل عليها القرآن هي صالحة لكل إنسان، وقد استوت فيها العصور والأزمان، وليس للقرآن معان خاصة بأهل العصور السابقة ومعان أخرى خاصة بأهل العصور اللاحقة، وأما الأذواق والمشارب فهي إن كانت موافقة للشرع فمطلوبها يوجد في هذه التفاسير، وإن
стр. 103
كانت مخالفة للشرع فكيف يمكن أن يفسر القرآن بمعان توافق هذه الأذواق الفاسدة، والمشارب الكاسدة، ونحن لا يجوز لنا أن نفسر القرآن بعقولنا، ونطبقه على الأذواق العصرية كما يقوله السفهاء المخذولون، ويتجاسرون على دعوى اقتدارهم على تفسير كلا االله تعالى بأفهامهم السقيمه، وعقولهم الناقصة، فإن تفسير القرآن بالرأي ممنوع شرعاً".
ثم إنه نقل بعض ما قالوه في الفرق بين التفسير والتأويل، وتكلّم بهذيان يوافق فهم أمثاله، ثم ذكر قصيدة له مدح بها النبي ﷺ ، ثم قال: "والحاصل أن هذه الفرقة المجدوعة المخذولة من طلبة زماننا في غاية الغباوة، ونقص العقل والدين، وقد عظم ضررهم على أنفسهم وعلى من يخالطهم ويصغي إلى كلامهم من المسلمين، فإنهم مع جمعهم لعقائد شتى من عقائد أهل الزيغ والبدع والوهابية وغيرهم، واستحسانهم ضلالاتهم، هم أضرّ منهم بكثير، وذلك أدن الوهابية قوم أهل بدعة ظهروا بها في بلاد نجد، وانتشر مذهبهم إلى ما حواليهم من البلاد، ثم تقلص ظلهم وقلّوا وذلّوا وانحصروا في أرضهم، وهم مع كونهم حنابلة أنكر عليهم علماء مذهب الإمام أحمد ما هم عليه من الغلو في الدين، وتضليل المسلمين، أما هذه الفرقة الجديدة فهي مؤلفة من سائر المذاهب، بدون علم ولا تقوى، ولا قواعد يستندون إليها كسائر الفرق، وإنما الجامع بينهم فساد الأفكار، والاعتراض على الأئمة الأخيار، وهم يختلطون بالناس ويكتبون آراءهم الفاسدة. ثم أخذ يبدي ويعيد، ويكرر الشتم على أخيار أهل عصره المعرضيين عن بدعه، ثم تعرض بالذم لما طبع من كتب الشيخين وسائر الكتب السلفية ككتاب (الصارم المنكي) ١ ثم ختم رسالته بقصيدة من شعره الركيك، ويغالي برسول الله ﷺ ويشرك به.
حذا ما ذكره في هذا الباب، وهو يشتمل على مفاسد كثيرة، لا يمكن ضبط
стр. 104
أقلها، بل إن كل كلمة من كلماته دلت على باطل، فكلامه ظلمات بعضها فوق بعض، وكله ينادي على جهله وغلوه، ويدل على أنه ممن أنزل الله تعالى فيه: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ١ ولو أخذنا نتكلم على جميع ما حواه كلامه من المفاسد لطال الكلام جداً، ولكنا نتكلم على مقاصده على سبيل الإجمال:
فأقول: حاصل ما دل عليه كلامه من المقاصد أمور:
الأول: أن تفسير القرآن قد أخذ حده، وعلم قد نضج واحترق، ولا يمكن أن يستنبط من التنزيل ما لم يُستنبط.
الثاني: من الأمور التي دل عليها كلامه: أن الذي يتصدّى لطلب تفسير مشتمل على الأذواق العصرية وعلومه هو ملحد مبتدع زائغ، إلى آخر ما ذكره فيه من الذم.
الثالث: أن الوهابية مبتدعة غير أن ضررهم دون من قبلهم.
الرابع: القدح في ابن تيمية، وجرح كتبه وكتب ابن القيم وابن قدامة، هذا ما دل عليه كلامه، ونحن نتكلم على مطلب مطلب على سبيل الإيجاز والاختصار، وبالله التوفيق وهو المستعان.
стр. 105
[الكلام على كتب التفسير والاحتياج إلى تفسير موافق لأفكار أهل العصر]
إن من طالع كتب التفسير المتداولة بين الأيدي اليوم وجدها أعظم مانع من الوقوف على مراد الله تعالى بكتابه الكريم، فإن منها ما هو مشحون بقواعد النحو ووجوها،، فتراه يذكر في كل آية من الوجوه ما يفوت الحصر، ومنها ما هو مشحون بالمسائل الكلامية، والقواعد الحكمية، حتى يصرف الآيات إلى ما أصله من الأصول ويُؤَول النصوص القطعية إلى ما يوافق معتقده.
стр. 106
إذا نظرت تفسير الرازي والبيضاوي وأبي السعود تعلم حقيقة هذا الكلام.
ومنها ما اشتمل على قصص بني إسرائيل وأكاذيبهم وأقوالهم التي تحيلها العقول وتنفر عنها الطباع، ومنها تفاسير لا يدل عليها نقل ولا عقل ولا لغة من اللغات، كالتفسير الشهير بأنه من باب الإشارة، ومنها مما لا يحيط به العد والإحصاء.
وقد تكلم على التفسير كلام منصف واقف على الحقيقة العلامة السيد محمد بدر الدين الحلبي- فسح الله تعالى في مدته وبارك في حياته- في كتاب (التعليم والإرشاد) فقال- سلمه الله تعالى بعد أن تكلم على علم التفسير وأن أهل العلم لم يعطوه حقه-: "والذي ينظر فيما طبع من نحو قرن في مصر- وهي محط رحال العلوم الدينية وكعبة العلوم التي يَفِدُ إليها الحجاج من جميع الآفاق، والقدوة لكافة أهل الأمصار؛ يرى العجب العجاب، يرى أن الذي طبع منها إلى الآن "تفسير الخازن"، "تفسير الجلالين" بحاشية الصاوي وبحاشية الجمل، "البيضاوي" بحاشية الشهاب بقطعة من حاشية السيد، "تفسير فخر الدين الرازي"، "تفسير أبي السعود"، "تفسير النسفي"، "تاج التفاسير"، ابن جرير الطبري، "الدر المنثور" للسيوطي، تفسير ابن عباس، وبعض تفاسير ضئيلة، هذه هي كتب التفاسير التي تتداولها أيدي الناس اليوم، وهي التي يعتمد عليها طلاب العلوم الشرعية في تفسير كتاب الله جل شأنه، والوقوف على مراده منه.
فأما تفسير الخازن؛ وهو أكثر كتب التفاسير تداولاً، وأعظمها انتشاراً بين عامة المسلمين وطلبة العلوم الشرعية، فهو الكتاب الذي يقف القلم حائراً عند وصفه، لا يدري ما يقول فيه، وما الذي يحذر به المسلمين منه، وخير ما يقال فيه إنه مجموعة الأكاذيب، ولا أرى إلا أن الإنسان لو جرد ما فيه من الأكاذيب الموضوعة على لسان رسول الله ﷺ ، والأقاصيص الكاذبة التي وضعها اليهود -كقصة بابل والغرانيق وإرم ذات العماد وغيرها- لكانت فوق نصف الكتاب، وبعد ذلك فأشياء إن لم تضر لم تنفع.
стр. 107
وهو على اشتماله على هذين الوصفين اللذين هما من أقبح أوصاف المؤلفات فهو العمدة لعامة المسلمين، وأكثر طلبة العلوم الشرعية، وأكثر انتشاراً بينهم، ولقد أرى أن نسخه التي نشرت في مصر لا تقل عن مائة ألف نسخة، فسد بواسطتها عشرة أضعاف هذا العدد من المسلمين، ودخل عليهم في دينهم ما ليس منه من حديث موضوع وتفسير مفترى.
ومن العجيب أن لا يوجد في علماء الإسلام من ينهى الناس عن نشر مثل هذه الكتب المفسدة للعلوم والشرائع، المضرة بالأخلاق والعقائد، وقد لا يخلو بلد من بلاد الإسلام عن قوم من أهل العلم -ولو قليلين- يعرفون ما في هذه الكتب من المفاسد، ولا يحظرون على الناس استعمال هذه الكتب لاتقاء شرها، بل ربما سُئلوا عنها فأثنوا عليها خيراً مسايرة لأميال العامة، ومصانعة لهم فيما هو من أهم مهمات الدين". قال: "وهذا البحث موعدنا به إن شاء الله القسم الثاني من هذا الكتاب، وهو قسم الإرشاد، وإنما غرضنا في هذا القسم النظر في طرق التعليم، وكتب العلم المستعملة، وبيان جيدها من رديئها.
وأما "تفسير الجلالين" بحاشيتيه الجمل والصاوي فهما يساويان "تفسير الخازن" انتشاراً وكثرة تداول، إلا أن انتشار الخازن بيد العوام أكثر، وانتشار هذين بيد الخاصة- يعني طلاب العلوم الشرعية- أكثر، فأما الشرح فهو غاية في الاختصار لا يمكن الاستقلال به في فهم كتاب الله تعالى، مع علل فيه أخر يعلمها من جمع بينه وبين بعض تفاسير المتقدمين الموثوق بها وبمؤلفيها، وأما حاشيتاه الضخمتان فهما من مؤلفات متأخري أهل العلم بمصر، وحسبك هذا في معرفة منزلتيهما بين المؤلفات".
ثم إنه سلّمه الله عقد فصلاً في انحطاط العلم، ثم قال: وأما الكشاف ومختصره للقاضي البيضاوي فهما المشكلة التي لا تحل إجمالاً وإغلاقاً وغموضاً، ولشدة عراقتها في ذلك أكثر المتأخرون من تعليق الحواشي والشروح عليهما، لبيان عبارتهما وتوضيح مقاصدهما، حتى لو جمعت الحواشي والشروح التي
стр. 108
عليهما لأربت على ألف مجلد، وما ذكره صاحب (كشف الظنون) مما كتب عليهما قليل من كثير، ولولا أنهما بحيث يخفيان إلا على من ألف حل الرموز والطلاسم واستخراج المخبآت لم يعتن من جاء بعدهما بالتوسع في الكتابة عليهما، والمبالغة في توضيح غوامضهما، وفوق هذا كله اشتمالهما على مسائل كثيرة خارجة عن التفسير بالمرة، لا ترتبط فيه بوجه من الوجوه، كالمسائل الكلامية التي حشيا بها كتابيهما، وهي ليست من فن التفسير ولا من متعلقاته، وإنما كان الغرض من ذكرها بيان معتقديهما والاستشهاد له بكتاب الله.
ويلحق تفسير أبي السعود بهذين التفسيرين، فإنه صورة أخرى لهما مع بعض تغييرات قليلة جداً، ويلحق تاج التفاسير بتفسير الجلالين، ونسبته إليه كنسبة تفسير أبي السعود إلى تفسيري الكشاف والبيضاوي، وإن اختلف عنه فيسير.
وأما تفسير فخر الدين الرازي- وهو كتاب العامة والخاصة وعمدة الناس في هذا الموضوع- فأبو حيان المفسر يقول في تفسيره: تفسير الإمام فخر الدين فيه كل شيء إلا التفسير. وما أحسن ما ترجم به أبو حيان هذا التفسير الكبير، بل البحر العميق، ولقد يفتح الإنسان جزءً من أجزاء هذا التفسير للمراجعة والكشف فيه عن تفيد آية من آي كتاب الله فلا يشعر إلا وقد توسط بحراً لجياً لا يخلص الإنسان منه إلى ساحل. ويظهر مما كتبه الإمام فخر الدين في مقدمة كتابه أنه قد أودع كتابه كثيراً مما لا تعلق له بعلم تفسير كتاب الله، ولا ارتباط له فيه بوجه من الوجوه، وإنما كان غرضه مما جمعه في تفسيره من هذه المسائل الغريبة- مع أن الكتاب في تفسير كتاب الله خاصة على ما يظهر من كلامه في أول كتابه- أن يبرهن على حقيقة ما قاله لبعض مناظريه من أن كتاب الله- جل ثناؤه وعلا سلطانه- لا يمكن استقصاء ما فيه من الأسرار، ولا الإحاطة بما فيه من المعاني والحكم، ولو كتب في ذلك مئات من المجلدات، وإن فاتحة الكتاب يمكن أن يكتب فيها مجلد ضخم في أحكامها وأسرارها ومعانيها، ولذلك وضح في تفسير الفاتحة مجلداً لرد ما أنكره المنكروه عليه، وإن كان لم يصنع شيئاً بالرد عليهم بحشو كتابه بهذه
стр. 109
المسائل التي ذكرها، ولا ارتباط لها بتفسير كتاب الله بوجه من الوجوه، وكل كلام مؤلف كلام الله أو غيره يمكن للعالم أن يتوسع في الكتابة عليه إلى مثل ما توسع به الإمام فخر الدين في تفسير كتاب الله، والمؤلف إذا أغمض عينه وتسامح في تأليفه وراعى المناسب والمجاور ومجاوره استطال في يده حبل الكلام، فلم يقف به عند حد.
ولقد رأينا لمتأخر من متأخري المصريين يدعى السحيمي حاشية على شرح عبد السلام على جوهرة التوحيد تقع في أربع مجلدات ضخام، على أن الأمير وهو أطول باعاً منه في علم الكلام وأدق نظراً استوعب الكلام على شرح عبد السلام في مجلد صغير، وكان في قدرة السحيمي أن يضيف إلى مجلداته الأربع أربعة أخر، ولكن رأى أن الاقتصار على هذا المقدار كاف في البلاغ إلى ما قصد من البرهان على سعة إطلاعه".
ثم تكلم على تفسير "روح المعاني" وأن مصنفه أخذه من تفسير الإمام فخر الدين، إلا أنه حذف منه كثيراً من الزوائد، وأضاف إليه وأحسن غاية الإحسان، وضم شيئاً من أقوال سلف المفسرين ومتقدميهم، وإن لم يميز بين ما قوي سنده من هذه الأقاويل وما وهي، فبقي في الأمر بعض لبس وإشكال، وأضاف إليه أيضاً جملة كبيرة من تفاسير المتصوفة، فلم يكتف ﵀ بجمع تأويلات المتكلمين التي تأولوا بها القرآن للاستدلال على عقائدهم وتطبيقها على ما أدتهم إليه عقولهم منها عملاً بقاعدتهم المشهورة عندهم من وجوب تأويل النقل إذا عارض العقل حتى يرجع إلى العقل، فأضاف إلى ذلك تأويلات المتصوفة التي صرفوا بها القرآن عن ظاهره إلى معان لا تدل الألفاظ العربية عليها بوجه من وجوه الدلالات المعروفة عند الناس فجاء كتابه جامعاً للطرق الثلاثة: طريقة السلف، وطريقة المتكلمين، وطريقة المتصوفة؛ إلا أن طريقة السلف لم يتعرض فيها لبيان طرق نقلها وتمييز صحيحها من سقيمها، ولذلك كان ككتب الحديث التي لا يبين فيها سند الحديث وحال رجاله لا تقع الثقة به، سيما إذا تعارض مع غيره ولم يقع الترجيح بينهما بوجه من وجوه الترجيح.
стр. 110
وأما تفسير "الدر المنثور" للجلال السيوطي فقد زعم أنه اختصر به -على حسب عادته- تفسير ابن جرير، الذي جمع فيه صحاح الأحاديث المتعلقة بتفسير كتاب الله تعالى، وبيان أسباب النزول، وأضاف السيوطي في مختصره أحاديث واهية الإسناد في هذا الموضوع نفسه، ومزجها بتلك الأحاديث -أحاديث الأصل- فاختلطت بها حتى لا يمكن التمييز بينها، وقلّت الثقة في الجميع.
وربما استبعد أحد أن يضع السيوطي في تفسيره "الدر المنثور" أحاديث واهية الإسناد، أو موضوعة مع ما له من المؤلفات في موضوعات الأحاديث -فنقول إن من علم طريقة السيوطي في التأليف لم يستنكر هذا الذي قلناه، وطريقته- ﵀ على ما علمنا من استقراء كتبه- أنه كلما وقع إليه كتاب من الكتب في أي فن من الفنون واستحسنه اختصره ونسبه إلى نفسه بدون تمييز بين غث وسمين، ولا وقوف على حقائق العلوم، ولذلك تراه مضطراً في كتبه، لأنه لا يُحَكّم فِكْرَ نفسه، وإنما يُحكّم في كل كتاب فكر ملفه هو، فيضيفه إلى نفسه ببعض تصرف يحدثه في الكتاب.
وإن كنت قد قرأت في كتابه الذي سماه (الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير) ١ وكتابه الذي سماه (اللآلىء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) ورأيت في (الجامع الصغير) كثيراً من الأحاديث التي نصّ في كتابه اللآلىء على أنها موضوعة على لسان رسول الله ﷺ لم تصح عنه بطريق من الطرق، جزمت بصحة هذا الذي قلنا، وعلمت أنه لا يؤلف، وإنما يلخص كتب الناس وينسبها لنفسه.
ثم أطال الكلام في السيوطي وابن كمال باشا، وأنهما على منهج واحد في انتحال الكتب بعد الاختصار إلى أن قال سلمه الله: