بالجبال وسمروا يديه ورجليه، وهو يصيح ويبكي ويستغيث من حر الحديد وألم الصلب، هذا وهو بزعمهم الذي خلق السموات والأرض، وقسم الأرزاق والاّجال، ولكن اقتضت حكمته ورحمته أن مكّن أعداءه من نفسه، لينالوا منه ما نالوا فيستحقوا بذلك العذاب والسجن في الجحيم، ويفدي أنبياءه ورسله وأولياءه بنفسه فيخرجهم من سجن إبليس، فإن روح آدم وإبراهيم ونوح وسائر النبيين عندهم كانت في سجن إبليس في النار حتى خلصها من سجنه بتمكينه أعداءه من صلبه.
فهذا بعض كفرهم وشركهم برب العالمين ومسبتهم له، ولهذا قيل إنهم سبوا االله ورسوله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر، وقد أخبر النبي ﷺ عن ربه في الحديث الصحيح أنه قال: "شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وكذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني، وليس ذلك بأهون عليَّ من إعادته"١.
وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢ وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٣ إلى غير ذلك فن الآيات المشتملة على سوء اعتقادهم في الله.
وأما ما كان من مشركي العرب فقد قال تعالى عنهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٤ وقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ٥
عِبَادِهِ جُزْءاً﴾ ١. أي: نصيباً وبعضاً، أو جعلوا لله نصيباً من الولد، تعالى الله عن ذلك، فإن الولد جزء من الوالد، قال ﷺ : "إنما فاطمة بضعة مني"٢.
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال الكلبي: نزلت في الزنادقة، قالوا: إن الله وإبليس شريكان، فالله خالق النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب.
وأما قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ فقيل: هو قولهم: الملائكة بنات الله، وسمى الملائكة جناً لاجتنانهم عن الأبصار، ومن الناس من قال: حيُّ من الملائكة يقال لهم الجن- ومنهم إبليس- وهم بنات الله، وقال الكلبي: قالوا- لعنهم الله- بل بذور تخرج منها الملائكة، وقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال الثعلبي: هم كفار العرب قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، واليهود قالوا عزير ابن الله، إلى غير ذلك من المقالات التي سبوا بها فاطر السموات، ولنا كتاب سميناه "آراء بني آدم في إله العالم" لم يكمل بعد، وفيه ترى ما تكلم به الناس في إلههم ومعبودهم عز اسمه.
وأما ما كان من الأمم مع أنبيائهم وما صدر منهم في شأنهم من الأذى والشتم والسخرية وغير ذلك مما حكاه الله في كتابه فذلك لا يستوعبه المقام، وما كان من العرب الجاهليين- ولاسيما قريش- في حق خاتمهم ﷺ مما تشيب منه لمم المداد، قد فصل في كتب السير والتواريخ.
وقد ذكر شيخ الإسلام في كتابه "الصارم المسلول" فصولاً مهمة في ذلك فذكر قصة الأعمى الذي قتل أم ولد له كانت تشتم النبي ﷺ ، وقصة كعب بن الأشرف اليهودي، وقصة قتل العصماء بنت مروان من بني خطمة التي هجت النبي ﷺ وقصة قتل أبي عفك اليهودي لهجائه أيضاً، وقصة ابن أبي سرح وقصة ابن زنيم الديلمي لهجائه أيضاً، وحديث القينتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه،
стр. 774
وحكاية قتل ابن خطل، والأمر بقتل من كان يهجوه ويؤذيه من شعراء قريش، وقصة قتل أبي رافع اليهودي لأجل أذى رسول الله ﷺ ، وقصة هلاك المستهزئين، وحديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ عند تقسيمه المغانم ما أحسنت ولا أجملت، وغير ذلك مما آذوه به ﷺ مما حكى في القرآن، كرميه تارة بأنه شاعر، وأخرى بأنه كاهن، ومرة بأنه مجنون، ونحوها مما مر بيانه، فانتقم الله تعالى منهم، وشفى الله بهم صدور المؤمنين.
وفي كتاب "أعلام النبوة" للماوردي: "فإن قيل: مجيء الأنبياء موضوع لمصالح العالم وهم مأمورون بالرأفة والرحمة ومحمد جاء بالسيف وسفك الدماء وقتل النفوس فصار منافياً لما جاء به موسى وعيسى ﵉ فزال عن حكمهما في النبوة لمخالفتهما في السيرة.
قال: فالجواب: أن السيف إذا كان لطلب الحق كان خيراً، واللطف إذا كان مع إقرار الباطل كان شراً، لأن الشرع موضوع لإقرار الفضائل الإلهية، والحقوق الدينية، ولذلك جاء الشرع بالقتل والحدود ليستقر به الخير، وينتفي به الشر، لأن النفوس الأشرة لا يكفها إلا الرهبة، فكان القهر لها أبلغ في انقيادها من الرغبة، وكانت العرب أكثر الناس شراً وعتواً لكثرة عددهم وقوة شجاعتهم فلذلك كان السيف فيهم أعظم من اللطف وأنفع منه.
ويجاب أيضاً: أنه لم يكن في جهاده بدعاً من الرسل، فقبله إبراهيم ﵇ جاهد الملوك الأربعة الذين ساروا إلى بلاد الجزيرة للغارة على أهلها، وحاربهم حتى هزمهم بأحزابه وأتباعه. وهذا يوشع بن نون قتل نيفاً وثلأثين ملكاً من ملوك الشام، وأباد من مدنها ما لم يبق له آثر، ولا من أهله صافر، من غير أن يدعوهم إلى دين أو يطلب منهم إتاوة، وساق الغنائم، وغزا داود من بلاد الشام ما لم يدع فيها رجلاً ولا امرأة إلا قتلهم وهو موجود في كتبهم، ومحمد ﷺ بدأ بالاستدعاء وحارب بعد الإباء.
ثم تكلم بكلام يتعلق بهذا المعنى إلى أن قال: وإنما تطلبت الملحدة بمثل
стр. 775
هذا الاعتراض القدح في النبوات، فإنهم لم يعفوا نبياً من القدح في معجزته والطعن على سيرته، حتى قال منهم في عصرنا ما طعن به على موسى وعيسى ومحمد ﷺ بشعر نظفه فقال:
وفالق البحر لم يفلق جوانبه ... إذ ضاع فيه ضياع الحر في السفل
ومدع يدعي الأشياء خلقته ... ما باله زال والأشياء لم تزل
وآخر يدعي بالسيف حجته ... هل حجة السيف إلا لحجة البطل
قال فحضرت حين وردت هذه الأبيات إلى بعض أهل العلم فأجاب عنها بقوله:
قل للذي جاء بالتكذيب للرسل ... ورد معجزهم بالزيغ والدغل
وقال في ذاك أبياتاً مزخرفة ... ليوقع الناس في شك من الملل
ضياع موسى دليل من أدلته ... من بعد ما صار فرق البحر كالجبل
ليعلم الناس أن الله فالقه ... وأن موسى ضعيف تاه في السبل
ومعجز الخلق في فلق المياه له ... وجعله البر ما يحتاط بالحيل
وابن البتول فإن الله نزهه ... عما ذكرت من الدعوى على الجمل
ما كان منه سوى طير يقدره ... طيناً وربي أحياه ولم يزل
وقال إني بإذن الله فاعله ... وأذن ربي يحيي الخلق لا عملي
وصاحب السيف كان السيف حجته ... بعد البيان عن الإعجاز والمثل
وجاء مبتدئاً بالنصح مجتهداً ... بمعجزات لما حارت أولو النحل
منها كتاب مبين نظمه عجب ... فيه من الغيب ما أوحى إلى الرسل
فأفحم الشعراء المفلقين به ... لما تحداهم بالرفق في مهل
وأنبع الماء عذباً من أنامله ... من غير ما صخرة كانت ولا وشل
وشارف القوم وافاه وكلمه ... وقال إني من قتلي على وجل
والذئب قد أخبر الراعي بمبعثه ... فجاء يشهد بالإسلام في عجل
والجذع حن إليه حين فارقه ... حنين ذات جؤار ساعة الهبل
وأخبر الناس عما في ضمائرهم ... مفصلاً بجواب غير محتمل
стр. 776
ونبأ الروم عن نصر يكون لها ... من بعد سبعة أعوام على جدل
والفرس أخبرها عن قتل صاحبها ... برويز إذ جاءه فيروز في شغل
وإن تقصيت ما جاء النبي به ... طال النشيد ولم آمن من الملل
انتهى ما ذكره الإمام الماوردي.
وقصص الأنبياء ﵈ فيما كابدوه من أممهم مذكورة في كتب التواريخ والتفاسير والسير بما لا مزيد عليه.
فنقول للنبهاني: ألم يكن لصاحب. "جلاء العينين" ووالده في ذلك أسوة حسنة وهل ينقصهم بغض الخصوم شيئاً مما هم عليه من الشرف؟ كلا.
من كان فوق محل الشمس رتبته ... فليس يرفعه شيء ولا يضعه
وقد علمت أيها النبهاني ما كان من عاقبة أعداء الله وخصوم رسوله ﷺ كيف فرق جمعهم، وشتت شملهم، ومحا ذكرهم، وأذل قدرهم، فإذا كان الله ورسله ﵈ كما ذكرنا فليس من الغريب أن يصادف ورثة رسله ما صادفوا، وما أحسن قول القائل:
قيل إن الإله ذو ولد ... قيل إن الرسول قد كهنا
ما نجا الله والرسول معاً ... من لسان الورى فكيف أنا
ويقال للنبهاني أيضاً: أما سمعتَ ما قال الروافض في أصحاب رسول الله ﷺ وما طعنوا به فيهم؛ هل لحق الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين مما قالوه وافتروه نقص؟ كلا؛ بل رفع الله تعالى درجتهم بسبب بغض الروافض لهم وطعنهم عليهم، وزاد الروافض بذلك بعداً عن الله ومقتاً، وباؤوا بغضب منه، وهكذا أعداء أهل الحق في كل عصر ١.
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
стр. 777
واعلم أن ما ينقله الروافض عن الصحابة من المثالب نوعان:
أحدهما: ما هو كذب، إما كذب كله وإما محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما أخرجه إلى الذم والطعن، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب يرويها الكذابون المعروفون بالكذب، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب لكلبي، وأمثالهما من الكذّابين.
النوع الثاني: ما هو صدق، وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوباً، وتجعلها من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران وإن أخطأ فله أجر، وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب، وما قدر من هذه الأمور ذنباً محققاً فإن ذلك لا يقدح فيما علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة، لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة، ذكر ذلك الشيخ "في المنهاج" وبيّن الأسباب المزيلة للذنوب، وذكر أصولاً جامعة نافعة في هذا الباب، وما ذكره صادق على أعداء علماء الدين وحفاظ الموحدين.
فإن النبهاني وأضرابه الغلاة لم يزالوا يتكلمون بكلام موافق لكلام الروافض، وهكذا الكلام في النواصب والخوارج وما كان منهم من التجاوز على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، ولم ينتقص به من قدر الأمير شيء، ولا لحقه وهن من ذلك، وما تكلم به النبهاني وأضرابه في شأن خصومهم بالنسبة إلى ما تكلم به أعداء الصحابة وخصومهم كنغبة من داماء، وجرعة من بحر ماء، فهو لا يورث طعناً إلا لجاهل منقوص، ولا يؤثر في البنيان المرصوص.
الوجه الثاني: أن يقال للنبهاني: إن ما كان من الطعن والبغض لمصنف "جلاء العينين" ووالده فهو لا شك من القبوريين الغلاة، بسبب ما لحقهم من هدم بنيانهم وإبطال برهانهم، لا لذنب صدر ولا لجناية لا تغفر، بل إذا كان الذنب متعلقاً بالله ورسوله فهو حق محض لله، فيجب على الإنسان أن يكون في هذا الباب قاصراً لوجه الله متبعاً لرسوله، ليكون عمله خالصاً صواباً، قال تعالى:
стр. 778
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ ٢.
قال المفسرون وأهل اللغة معنى الآية: أخلص دينه وعمله لله، وهو محسن في عمله، وقال الفراء في قوله تعالى:"فقل أسلمت وجهي لله" أخلصت عملي، وهذا المعنى يدور عليه القرآن، فإن الله تعالى أمر أن لا يعبد إلا إياه، وعبادته فعل ما أمر وترك ما حظر. "والأول" هو إخلاص الدين والعمل لله "والثاني" هو الإحسان؛ وهو العمل الصالح، ولهذا كان عمر يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً" وهذا هو الخالص الصواب، كما قال الفضيل بن عياض في قوله ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٣ قال: "أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي؛ ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً".
والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة، والأمر بالسنة والنهي عن البدعة هما أمر بمعروف ونهي عن منكر، وهو من أفضل الأعمال الصالحة، فيجب أن يبتغي به وجه الله، وأن يكون مطابقاً للأمر، وفي الحديث: "من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فينبغي أن يكون عالماً بما يأمر به، عالماً بما ينهى عنه، رفيقاً فيما يأمر به، رفيقاً فيما ينهى عنه، حليماً فيما يأمر به، حليماً فيما ينهى عنه " فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحلم مع الأمر، فإن لم يكن عالماً لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم، وإن كان عالماً ولم يكن رفيقاً كان كالطبيب الذي لا رفق فيه فيغلظ على المريض فلا يقبل منه، وكالمؤدب الغليظ
стр. 779
الذي لا يقبل منه الولد، وقد قال تعالى لموسى وهرون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ١ ثم إذا أمر ونهى فلا بد أن يؤذى في العادة، فعليه أن يصبر ويحلم، كما قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ٢.
وقد أمر الله نبيه بالصبر على أذى المشركين في غير موضع، وهو إمام الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، فإن الإنسان عليه أولاً أن يكون أمره لله، وقصده طاعة الله فيما أمر به، وهو يحب صلاح المأمور أو إقامة الحجة عليه، فإن فعل ذلك لطلب الرياسة لنفسه ولطائفته وتنقيص غيره كان ذلك خطيئة لا يقبله الله، وكذلك إذا فعل ذلك لطلب السمعة والرياء كان عمله حابطاً، ثم إذا رد عليه ذلك أو أوذي أو نسب إلى أنه مخطىء، وغرضه فاسد طلبت نفسه الانتصار لنفسه، وأتاه الشيطان فكان مبدأ عمله لله ثم صار له هوى يطلب به أن ينتصر على من آذاه، وربما اعتدى على ذلك المؤذي، وهكذا يصيب أصحاب المقالات المختلفة إذا كان كل منهم يعتقد أن الحق معه وأنه على السنة، فإن أكثرهم قد صار لهم في ذلك هوى أن ينتصر جاههم أو رياستهم وما نسب إليهم، لا يقصدون أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، بل يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهداً معذوراً لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن كان يوافقهم وإن كان جاهلاً سيّىء القصد ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله، وهذا حال الكفار الذين لا يطلبون إلا أهواءهم ويقولون هذا صديقنا وهذا عدونا، لا ينظرون إلى موالاة الله ورسوله ومعاداة الله ورسوله، ومن هنا تنشأ الفتن بين الناس، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٣ فإذا لم يكن
стр. 780
الدين كله لله كانت فتنة، إذا عرفت ذلك كله عرفت منشأ الذم والبغضاء من الغلاة لخصوصهم في كل عصر، فحينئذ يسقط كل ما ذكره النبهاني في هذا الباب.
الوجه الثالث: وهو موضح للوجه الذي قبله وتتمة له- أن أصل الدين أن يكون الحب لله والبغض لله، والموالاة لله، والعبادة لله، والمعاداة لله، والاستعانة بالله، والخوف من الله، والرجاء لله، والإعطاء لله، والمنع لله، وهذا إنما يكون بمتابعة رسول الله الذي أمره أمر الله، ونهيه نهي الله، ومعاداته معاداة الله، وطاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، وصاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه فلا يستحضر ما لله ورسوله في ذلك ولا يطلبه، ولا يرضى لرضى الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، ويكون- مع ذلك- معه شبهة دين أن الذين يرضى له ويغضب له هو السنة وهو الحق وهو الدين، فإذا قدر أن الذي معه هو الحق المحض دين الإسلام ولم يكن قصده أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا بل قصد الحمية لنفسه وطائفته، أو الرياء ليعظم هو ويثنى عليه، أو فعل ذلك شجاعة وطبعاً أو لغرض من الدنيا؛ لم يكن لله ولم يكن مجاهداً في سبيل الله، فكيف إذا كان الذي يدعي الحق والسنة هو كنظيره معه حق وباطل، وسنة وبدعة؟ ومع خصمه حق وباطل، وسنة وبدعة، وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، وكفر بعضهم بعضاً، وفسق بعضهم بعضاً، ولهذا قال الله تعالى فيهم ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ * وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ٢ يعني فاختلفوا كما في سورة يونس، وكذلك في قراءة بعض الصحابة، وهذا على قراءة الجمهور من الصحابة والتابعين أنهم كانوا على دين الإسلام، وفي تفسير عطية عن ابن عباس أنهم كانوا على الكفر، وهذا ليس بشيء، وتفسير عطية عن ابن عباس ليس بثابت عن ابن عباس، بل قد ثبت
стр. 781
عنه أنه قال: كان بين آدم ونو٥ عشرة قرون كلهم على الإسلام وقد قال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ ١ فذمهم على الاختلاف بعد أن كانوا على دين واحد فعلم أنه كان حقاً.
والاختلاف في كتاب الله على وجهين:
أحدهما: أن يكون كله مذموماً كقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ٢.
والثاني: أن يكون بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل، كقوله ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٣ لكن إذا أطلق الاختلاف فالجميع مذموم، كقوله ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ ٤.
وقال النبي ﷺ : "إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم"٥.
ولهذا فسّروا الاختلاف في هذا الموضح بأنه كله مذموم، قال الفراء: في اختلافهم وجهان: "أحدهما" كفر بعضهم بكتاب بعض. "والثاني" تبديل ما بدلوا، وهو كما قال، فإن المختلفين كل منهم يكون معه حق وباطل فيكفر بالحق الذي مع الآخر ويصدق بالباطل الذي معه، وهو تبديل ما بدل، فالاختلاف لا بد أن يجمع النوعين.
стр. 782
ولهذا ذكر كل من السلف أنواعاً من هذا:
أحدها: الاختلاف في اليوم الذي يكون فيه الاجتماع، فاليوم الذي أمروا به يوم الجمعة فعدلت عنه الطائفتان، فهذه أخذت السبت، وهذه أخذت الأحد، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له: الناس لنا فيه تبع، اليوم لنا، وغدا لليهود، وبعد غد للنصارى"١. وهذا الحديث يطابق قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ ٢.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلفوا فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" ٣.
والحديث الأول يبين أن الله تعالى هدى المؤمنين لغير ما كان فيه المختلفون، فلا كانوا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وهو مما يبين أن الاختلاف كله مذموم.
والنوع الثاني: القِبلة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب، وكلاهما مذموم لم يشرعه الله تعالى.
والثالث: إبراهيم، قالت اليهود كان يهودياً، وقالت النصارى. كان نصرانياً، وكلاهما كان من الاختلاف المذموم: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤.
стр. 783
والرابع: عيسى؛ جعلته اليهود لعبة، وجعلته النصارى إلهاً، تعالى الله عن إفكهم علواً كبيراً.
والخامس: الكتب المنزلة؛ آمن هؤلاء ببعض، وهؤلاء ببعض.
والسادس: الدين، أخذ هؤلاء بدين وهؤلاء بدين.
ومن هذا الباب، قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ١.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: "اختصمت يهود المدينة ونصارى نجران عند النبي ﷺ ، فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، ولا يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وكفروا بالإنجيل وعيسى، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، وكفروا بالتوراة وموسى. فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي قبلها" ٢.
واختلاف أهل البدع هو من هذا النمط، فالخارجي يقول: ليس الشيعي على شيء، والشيعي يقول: ليس الخارجي على شيء، والقدري النافي يقول: ليس المثبت على شيء، والقدري الجبري المثبت يقول: ليس النافي على شيء، والوعيدية تقول: ليست المرجئة على شيء، والمرجئة تقول: ليست الوعيدية على شيء.
بل ويوجد شيء من هذا بين أهل المذاهب الأصولية والفروعية المنتسبين إلى السنة، فالكلابي يقول ليس الكرامي على شيء، والكرامي يقول ليس الكلابي على شيء، والأشعري يقول ليس السالمي على شيء، والسالمي يقول ليس الأشعري على شيء، وصنف السالمي كأبي علي الأهوازي كتاباً في مثالب الأشعري، وصنف الأشعري كابن عساكر كتاباً يناقض ذلك من كل وجه وذكر فيه
стр. 784
مثالب السالمية، وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها، لاسيما وكثير منهم قد تلبس ببعض المقالات الأصولية وخلط هذا بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب الشافعي ومالك وأحمد شيئاً من أصول الأشعرية والسالمية وغير ذلك ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد، وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئاً من أصول المعتزلة والكرامية والكلابية ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة، وهذا من جنس الرفض والتشيع، لكنه تشيع في تفضيل بعض الطوائف والعلماء لا تشيع في تفضيل بعض الصحابة.
والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله ﷺ ، يدور معه على ذلك ويتبعه أين وجده، ذكر ذلك كله الشيخ، ثم إنه أطال الكلام وأتى بما تلتذ به المسامح والأفهام.
فما ذكره النبهاني ونقله عن دعواه من بعض المكيين هو من هذا القبيل، فإن كل أحد يتعصب لما تمذهب به ويتشيع لأقوال أئمته ومتبوعيه فلا شك أن الغلاة القبوريين هم أعدى الناس لمن تصدى لإبطال أقوالهم ورد مذهبهم، ومن المعلوم أن مصنف "جلاء العينين" وسلفه داروا على الحق وتبعوه، حيث قصدهم توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله ﷺ ، ولم يلتفتوا إلى ما خاض به الخصوم، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ١.
ومن ظن ممن يلاقي الحروب ... أن لا يصاب فقد ظن عجرا
ومن كان قصده رضى الله عنه والفوز بثوابه والخلود بنعيمه لم يلتفت إلى أقوال الناس، فقد سبق لك ما كان من الفرق الإسلامية وغير الإسلامية، بل وأتباع المذاهب بعضهم مع بعض، ولولا ضيق المقام لذكرنا بعض أقاويلهم في مخالفيهم، وما أحسن قول القائل:
فيا ليت ما بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
стр. 785
إذا صح منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب
الوجه الرابع: أن النبهاني لم يصرح بما سمعه من الطعن والقدح حتى نتكلم عليه، والظاهر أن ذلك ما يقوله بعض غلاة العراقيين كابن جرجيس وأتباعه من أنه كان على طريقة الوهابيين، وسبب ذلك أن ابن جرجيس هذا كان من غلاة الشافعية فاعترض على عبارة في كتاب "الطراز المذهب" لوالد مصنف جلاء العنين وأفرد للاعتراض رسالة هذى فيها بما تمجه الأسماع مما يتعلق بالاستغاثة والاستعانة ودعاء غير الله، فرآها صاحب جلاء العينين بعد وفاة والده- وهو إذ ذاك شاب - فكتب على تلك الرسالة رداً ألقمه به حجر السكوت، وسماه "شقائق النعمان على شقاشق ابن سليمان" يعني به داود بن جرجيس بن سليمان العاني، وكان من الجهل على جانب عظيم، ومن التجاسر على التحريف والتدليس، ما يعجز عن مثله إبليس، وقد فضحه الله تعالى بهذا الرد، وقد قرظ عليه العلماء، منهم الفاروقي شاعر عصره بقوله:
شقاشق ابن سليمان أصغت لها ... صضمعا فأسمعني تعبيرها القججا
ومن شقائق نعمان عليه بها ... ما منه أظهر عن إفصاحه البججا
وقال أيضاً:
مزامير داود النبي لنا بها ... غنى عن سماع في شقاشق داود
فدع عنك يا نعمان رد اعتراضه ... ولا ترمه إذ جاء يعوي بجلمود
وقال أيضاً:
شقاشق لابن سليمان قد ... حكت غداة الطعن يوم الكفاح
كتيبة خضراء مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح
وداود هذا هو الذي قال في كتابه صلح الإخوان أو غيره- بعد أن ذكر عدة شبه من شبهه على جواز التوسل بسائر الحيوانات، وإثبات الجاه الكثير لجملة من الجمادات- وأعظم من ذلك وأوضح دلالة ما ذكره الفقهاء في باب الاستسقاء للتوسل بها إلى الله تعالى، وقال أيضاً: لا يخفى عليك مما قدمنا أن التوسل
стр. 786
بالجمادات والحيوانات قد وقع في الأحاديث الصحيحة والآثار الصريحة عن الصحابة والتابعين، والسلف الصالحين، مما يضيق عنه نطاق الحصر. انتهى.
وكان لم يزل يهذي بمثل هذا الهذيان إلى أن أهلكه الله، ومصنف "جلاء العينين" كان سيفاً في عنقه، كم قد بحث معه فألقمه حجر السكوت، فكان هذا الزائغ وشيعته لم يزالوا يذكرونه بالألقاب المنكرة، فيقولون: إنه وهابي ومنكر، ونحو ذلك.
وكان من المنقمين علية الحاسدين له من أهل بلده آل جميل، وهم كلهم جهلة لا يميزون بين يمينهم وشمالهم، لا دين لهم، ولا يصلون، ولا يصومون، ولا يزكون، ولا يؤدون فرضاً من فرائض الله، وكان دأبهم السعي على المسلمين، والتزوير والافتراء والدعاوى الكاذبة، ومع ذلك كانوا يتزيون بزي العلماء، وهم أجهل الناس، وكانوا من أعظم الخصوم لمصنف جلاء العينين، وأشد الناس عداوة للذين آمنوا، ولم يزالوا يسعون به إلى الحكومة، ويفترون عليه أموراً لم تخطر ببال أحد، حتى أبادهم الله وأهلكهم، ولم يبق منهم اليوم على ما أعلم إلا بعض أطفال وسفهاء أحلام، ولا شك أن الله تعالى ينتقم من أعداء رسله وورثة أنبيائه، ولولا ضيق المقام لبسطنا الكلام في أحوال هذه العائلة الخبيثة، فإني قد بلغني مفصل أحوالهم وما قال فيهم شعراء بلدهم، وهم أيضاً من أهل عانات، ثم سكنوا بغداد، وقبل سنين ادعوا النسب القادري فكذبهم أهل بغداد في مجلس انعقد في حضور والي البلد، ورأوا يومئذ من الخزي. ما هم أهل له،- ومن جملة من شهد عليهم بذلك مصنف "جلاء العينين" وغيره من أكابر البلد وعلمائها، فعادوا كل من شهد عليهم.
والحاصل: أن أعداء أهل الحق كثيرون، وأزهد الناس بالعالم جيرانه وأهل بيته، كما ورد في ذلك الخبر الصحيح، ولعل المكي الذي تكلم بما تكلم في شأن مصنف "جلاء العينين" ووالده كان ابن دحلان أو بعض شيعته، فقد كان أيضاً من أعظم الناس غلواً في دعاء المخلوقين، وقد تكلم في كتابه على والد مصنف جلاء العينين في نقله عن القدوري في مسألة سؤال الله بأحد من خلقه وكذب نقله حسداً
стр. 787
من عنده أو جهلاً منه، وإلا فمن له أدنى إلمام بالعلم يعرف صحة ذلك النقل، وهو مذكور في كتابه بعبارة صحيحة على ما سبق، والعالم الجليل لا يخلو من حاسد وخليل، بل ترى كثيراً من الناس أخلاء، وهم في الحقيقة خلاء، وأجلاء وهم عند التأمل لا خلاء ولا ملاء، يظهرون الصلاح والوداد ويخفون- أخفاهم الله تعالى- العداوة والفساد، فلا فرج الله عنهم هماً، ولا حمد لهم بين الأنام اسماً، ولا حسن لهم حالاً ولا أصلح لهم مآلاً.
كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحة
كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة
حسدوا فذموا، ومن يغب عن أبصارهم غابوا ونموا، ولا بدع فالكريم إذا غاب غيب، وإذا هاب هيب، على أن في ذمهم شهادة بالكمال، وإثباتاً لمزيد الفضل والإفضال، فزادهم الله تعالى حسداً، وأماتهم كدراً ونكداً، وما أحسن ما قال القائل:
أيها الحاسد المعد لذمي ... ذم ما شئتَ رُبَّ ذمٍّ كحَمْدِ
لا فقدت الحسود مدة عمري ... إن فقد الحسود أخبث فقد
كيف لا أوثر الحسود بشكري ... وهو عنوان نعمة الله عندي
هذا وشرح الكلام لا يسعه أمثال هذا المقام.
وبالجملة: إن من ذمه الله ورسوله فهو المذموم، ومن رضيا عنه فهو المرضي، ومن حكما بعدالته فهو العدل.
قال الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في أثناء كلام له: "إن الكفر والفسق أحكام شرعية ليس ذلك من الأحكام التي يستقل بها العقل، فالكافر من جعله الله ورسوله كافراً، والفاسق من جعله الله ورسوله فاسقاً، كما أن المؤمن والمسلم من جعله الله ورسوله مؤمناً ومسلماً، والعدل من جعله الله ورسوله عدلاً، والمعصوم الدم من جعله الله ورسوله معصوم الدم، والسعيد في الآخرة من أخبر الله ورسوله عنه أنه سعيد في الآخرة، والشقي فيها من أخبر الله ورسوله عنه أنه شقي فيها،
стр. 788
والواجب من الصلاة والصيام والصدقة والحج ما أوجبه الله ورسوله، والمستحقون لميراث الميت من جعلهم الله ورسوله وارثين، والذي يقتل حداً أو قصاصاً من جعله الله ورسوله مباح الدم بذلك، والمستحق للفيء والخمس من جعله الله ورسوله مستحقاً لذلك، والمستحق للموالاة والمعاداة من جعله الله ورسوله مستحقاً للموالاة والمعادة، والحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله، فهذه الأمور كلها ثابتة بالشرع" انتهى.
فما قاله النبهاني إن صدق فيه فهو مما لا يلتفت إليه، وقد ذكرنا ما كان عليه مصنف "جلاء العينين" ووالده من صحة العقيدة، وصدق النية، واتباع السنن، والعمل بما شرعه الله من الأحكام والسيرة السلفية، والذب عن الدين ومخاصمة أعدائه، والرد على خصومه، وكل ذلك مما جعله الله ورسوله من أدلة النجاة وقبول العمل، والتزكية لديه، والعدالة المرضية عنده، وأقوى برهان على الرضوان والفوز بالجنان والنجاة من النيران، ثم بعد هذا يقال وقد راعى القائل مقتضى الحال:
قل للذي يذكرني ... بين الملا من البشر
من قال خيراً يلقه ... ومن يقل سراً فسر
نعم إن النبهاني أبهم جرحه وأخفى قدحه ليهول به على السامعين ويعظمه على المطالعين، ومن شدة الظهور الخفاء كما هو شأن الشمس في وسط السماء، وقد قيل: لا بد للود والبغضاء من سبب كما هو المعلوم لذوي الأدب،. وذلك هو الذي لم يزل يكرره في كلامه ألا وهو الانتصار لابن تيمية في اختياراته وفي مسألة منعه من أعمال المطي لزيارة القبور الذي دل عليه الحديث الصحيح، وهذا هو الذنب الذي لا يغفر، والعيب الذي لا يستر عند النبهاني وأضرابه، والقائل به مجروح، والمنتصر له مقدوح، ومن المعلوم لدى المنصفين الواقفين على مقاصد الشرع المبين؛ أن ذلك لا يستوجب الكلام الفظيع، والقدح الشنيع، بعد أن تبين أن هذه المسائل هي أعلى مقاصد الدين، وأنها ثابتة بالنصوص القرآنية وسنة سيد
стр. 789
المرسلين، وقد علمت أن مدار المدح والقدح على الشريعة الغراء، فنسأله سبحانه الرضوان والعفو يوم الجزاء.
الوجه الخامس: قد صح في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: "أنتم شهداء الله في الأرض ". وقال: "يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن، والثناء السيىء" ١. فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار، وكان أبو ثور يقول: أشهد أن أحمد بن حنبل في الجنة ويحتج بهذا. وهذا على قول من يقول يشهد بالجنة لمن شهد له المؤمنون، ولكل مؤمن جاء فيه نص، ومنهم من لا يشهد بالجنة لأحد إلا للأنبياء، وهذا قول محمد بن الحنفية والأوزاعي، ومنهم من يقول يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه نص، وهذا قول كثير من أهل الحديث، فهذه ثلاثة أقوال لهم في الشهادة بالجنة، والكلام عليها مفصل في غير هذا الموضع، والقول الأول هو المشهور، وعليه جماعة من الجمهور، فإذا كان الثناء الحسن والحمد والمدح مما يعلم به عدالة من أثني عليه وحمد ومدح وأن ذلك دليل على القبول عند الله والفوز برضوان الله تعالى والفوز بجنانه علمنا بذلك أن مصنف "جلاء العينين" ووالده كانا ولله الحمد من خيار عباد الله الصالحين، والعلماء العاملين، فقد رأيت كتاباً بمجلدين ضخمين ألّفه بعض فقهاء شافعية بغداد في مناقب العلامة المفسر الشهير صاحب تفسير "روح المعاني" قدس الله روحه، سماه مؤلفه "حديقة الورود في مدائح أبي الثناء شهاب الدين السيد محمود" ذكر فيه مؤلفه نسب المترجم وما حصله من الفنون والعلوم، وما جرى له من المباحث والمناظرات مع علماء عصره، وما وردته من دقائق المسائل، وما أجاب به عنها، وما ورد له من الكتب والرسائل من الأقطار والبلاد، وما قالته الشعراء فيه من المدائح، وما صادفه مدة عمره من التبجيل والاحترام من أهل السنة ومشاهير أتباع المذاهب، وما رثاه به العلماء والأدباء والشعراء المفلقون نظماً ونثراً مما لم يصادف مثله في هذه العصور، وذكر مشائخه ومن أخذ عنهم من المشائخ ومن أخذ عنه، وما له من المصنفات وبدائع المحررات، وما
стр. 790
كان عليه من التقوى والورع والجد في العبادة والمجاهدة قي الدين والذب عنة، وغير ذلك مما يدل دلالة صريحة على أنه كان من أكابر العلماء العاملين، وعباد الله الصالحين، رحمه الله تعالى ورضي عنه وعن كافة علماء المسلمين.-
وقد قرظ هذا الكتاب- أعني "حديقة الورود"- جمع من أدباء العصر، ومشاهير الشعراء، منهم الشاعر الشهير، ومن عزله النظير، الأديب الفاروقي عليه الرحمة بقوله:
وغادة قد أكسبت عادة ... مهما تقل فإنها صادقة
وإنها مثل حذام بما ... تقوله أولو النهى واثقة
فصيحة مستعذب لفظها ... أشعارها جزيلة رائقة
أبو الثنا مفتي الورى كفوها ... ليست لحبر غيره لائقة
وكم له من شيمة أصبحت ... شمس السنا لحسنها عاشقة
وفيك يا محمود قد أرخوا ... ترجمة أحبب بها فائقة
وقد أرَّخَهَا أيضاً الأديب الأريب الشيخ عبد الحميد الأطرقجي أحد شعراء العراق بقوله:
حديقة قد صدحت أطيارها ... باسم الشريف السيد محمود
ومن يداه سفحت أنهارها ... إذ هي قاموس الندى والجود
ومن نداه لقحت أشجارها ... وأثمرت باللؤلؤ المنضود
ومن شذاه نفحت أزهارها ... طيباً كأنفاس أريج العود
ومن سناه لمحت أقمارها ... نوراً سرى في سائر الوجود
أنبتها مفتي الورى حتى غدت ... بالحسن تحكي جنة الخلود
واقتبست من طبعه فأرخوا ... طبعاً زهت حديقة الورود
وأرخها أيضاً واحد الشعراء الأديب الفاضل السيد شهاب الموصلي عليه الرحمة بقوله:
طلعت في أوج مجد طلعة ... فأرتني الشمس منها مغرمة
стр. 791
فتنتني والذي صورها ... من جمال منه روحي هائمة
عللتني بكلام لين ... ينعش ويحيي رممه
وأشارت وسناها ساطع ... في شهاب الدين أسنى ترجمه
هي أم للاغاني صيرت ... نزهة الدنيا لديها كالأمة
روضة غناء يزهو زهرها ... من معان في علاه عائمة
لربيع الفضل فيها بهجة ... تشرح الصدر وتبري سقمه
أنبتت من كل مدح رائق ... قد سقاه بالعطايا الدائمة
حاتمي الجود وكفا كفه ... راح يروي عن عطاه عكرمة
حيدر والده أن ينتمي ... أمه الزهراء حقاً فاطمة
خصه الله بمعنى جاذب ... لقلوب الناس حباً ألزمه
خف روحاً ورجيح فضله ... لا يوازي الشعر قدراً قيمه
وافق الغيب سداداً رأيه ... يحسم الخطب ويمحو ظلمه
والفتاوى وجدت أحكامها ... منذ شدت في عراه المحكمة
قد أعز الدين علماً وتقى ... وأذل الجهل حتى أعدمة
عالم الدنيا إليه يلتجي ... كل علم حيث أضحى علمه
والصدور العلما قد أرخوا ... أصدر المحمود نعم الترجمة
إلى غير ذلك من تقاريظ أكابر العلماء وأفاضل العصر مما لو جمع لكان سفراً كبيراً.
ولما كان كتاب "حديقة الورود" مطنباً مفصلاً جداً؛ لخصه أجلّ تلامذة المترجم، وأحد العلماء الأعلام، شيخ الكل في الكل، الشيخ عبد السلام، أحد أكابر الشافعية في بغداد، درس نحو خمسين سنة في المدرسة القادرية، وكان جنيد زمانه صلاحاً وعفة وديانة، وعقر ما يزيد على ثمانين سنة، وله التصانيف المفيدة، وسمى رحمه الله تعالى ما لخصه "أريج الند والعود في ترجمة شيخنا العلامة أبي عبد الله شهاب الدين السيد محمود"، وهذه خطبة كتابه:
"بسم الله الرحمن الرحيم؛ الحمد لله المحمود بكل لسان، الموصوف جل
стр. 792
شأنه بفنون المحامد "وصنوف الإحسان، والصلاة والسلام على أكمل الخليقة، ومن غدا شريف مدحه مجازاً للوصول إلى عين الحقيقة، وعلى آله وأصحابه المترجمين بألسنة سيوفهم عن الحق المبين والمتأدبين بآدابه.
أما بعد؛ فيقول العبد المفتقر إلى خفي الألطاف، مدرس الحضرة القادرية عبد السلام المنتمي إلى الشواف، إن كتاب "حديقة الورود في ترجمة حضرة شيخنا العلامة أبي الثناء شهاب الدين محمود" وإن تضمن من أزهار مدائحه قدست روحه كل منقبة عالية، وتكفل من نشر أريج فضائله بكل فضيلة غالية، قد انتظمت في سلكه الدراري والدرر، وأزهرت في رياضه ورود البلاغة ولا زهر الخمائل غب المطر، من نظم رق وراق، ونثر سما وفاق، قد اعتصر من عناقيد الإبداع، فلم يتفق مثله في عصر ومصر من حقائق الاختراع، فانتشى به عقل الدهر، غير أنه لطوله لا يقف الناظر فيه على مجمل خصال الممدوح، ولا يتضح للواقف أنموذج شمائل المترجم كمال الوضوح، فأحببت أن أحرر شريف ترجمته على سياق التراجم المعتادة في كتب التواريخ على سبيل الإجمال، وأكتب في هذه الأوراق ملخص فضائله على طرز بيان فضائل الفضلاء بموجز من المقال، ولعمري إني لا أقدر أن أؤدي ما يليق بشأنه، والحري بعلو قدره وعرفانه.
ولو أن ثوباً حيك من نسج تسعة ... وعشرين حرفاً في علاه قصير
فنظمت هذه العقود، وقلت غير مكترث بحسود، متوكلاً على ذي الكرم والجود: إن شيخنا- طيب الله ثراه. وجعل الفردوس الأعلى مستقره ومثواه- هو المولى الحبر، ذو الفضل الممدود، أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود، نجل الفاضل النقي، والزاهد التقي، الحليم الأواه، مولانا السيد الحاج عبد الله، نجل الطيبين الطاهرين بلا اشتباه، حتى تنتهي سلسلة نسبه الشريف إلى حضرة جده الأعلى سيد العالمين، صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين، وقد كان عليه الرحمة آية من آيات الله في جميع العلوم، وأعجوبة من عجائب الدهر في المنطوق منها والمفهوم، علامة دهره في المعقول والمنقول، وفهامة عصره في الفروع والأصول.. إلى آخر ما قال من العبارات المزرية بعقود
стр. 793
اللالىء، وهي رسالة مفيدة، حوت على اختصارها المسائل الفريدة، وقد ترجمه كثير من الفضلاء، وأثنوا عليه بأحسن الثناء.
وأما ولده مصنف "جلاء العينين" رحمه الله تعالى ففضله مشهور، وعلم علمه على كاهل الأعلام منشور وفي الأقطار والبلاد مذكور، ومن المعلوم لدى كل أحد أن ماء الورد من الورد، والشبل في المخبر مثل الأسد، وقد ترجمه كثير من الأفاضل والأدباء وأثنوا عليه خيراً، وبلغني أنه قد جمع ما ورده من المدائح الشعرية والمقالات النثرية وما كان من ثناء أفاضل عصره من أهل مصره وغير مصره في مجموع مفرد، ليس له ثان في العدد، ولو كنت ظفرت به لنقلت منه ما تتحلى به المسامع والأفواه، وتلتذ بذكره الألسنة والشفاه، وذلك ما عدا ما قرظوا به كتبه، كتقاريظ "الشقائق" و"جلاء العينين" و"غالية المواعظ"، و"القول الفسيح في الرد على عبد المسيح مجلدين ضخمين في الرد على النصارى، وغير ذلك من المآثر الحميدة، والمناقب السديدة، مما يضيق عنه نطاق البيان، وتكل من نقله البنان.
وبالجملة؛ فما كان من ثناء العدول الثقات على مصنف جلاء العينين ووالده أوضح دليل على أنهما كانا من المقبولين عند الله تعالى، وأنهما من العدول الأخيار وقد نفع الله بكتبهم الأمة وانتشرت في جميع بلاد المسلمين، كما هو مشاهد ومحسوس لدى كل منصف، مع أنا في عصر ركدت فيه ريح الفضل، وانصرفت أفكار كثير من الناس عن الفضائل الدينية، والكمالات الإيمانية، بل إن من أنصف اعترف أن ليس في العراق من بيوتات العلم غير بيتهم، فأبناء هذا البيت اليوم قد قام على مآثرهم فسطاط الدين في العراق، كما يدلك على ذلك ما انتشر من مصنفاتهم وآثارهم الجيدة، نعم نرى في العراق كثيراً من أهل العمائم غير أنهم أعظم بلاء على الدين المبين، وأما أحسن ما قال القائل من أفاضل الأماثل:
لا تغرنك اللحى ولا الصور ... تسعة أعشار من ترى بقر
في شجر السرو منهم شبه ...
له رواءه وما له ثمر
стр. 794
وليس في بلدهم من يطاولهم في فن من الفنون، وكلهم مكبون على تحصيل العلم ونشره، معرضون عن الدنيا وزخارفها، ليسوا بمنهمكين عليها كغيرهم من المنتسبين إلى العلم.
والحاصل أنهم وأسلافهم ممن يفتخر بمثلهم أهل انصاف من فضلاء المسلمين.
قال الفاروقي رحمه الله تعالى في كتابه "العقود الجوهرية" بعد أن ذكر ترجمة بعض أفاضلهم: اعلم أن هذا البيت لا تجري فيه سفن لو أن وعسى وليت.
بيت من المجد شادوه على كرم ... وبالمجرة مدوه على طنب
أما والده- يعني المفسر الشهير صاحب روح المعاني ﵀ فكان في الزوراء واسطة عقد الفضلاء والبلغاء، وناديه مجتمع العلماء والأدباء، حيث كانت له صلابة في الدين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في علم، وعمل في حلم، وقصد في غنى، وخشوع في عبادة، وتجمل في فهم، وصبر في شدة، وطلب في حلال ونشاط في هدى، وتحرج عن طمع، قرأت عليه بعضاً من المنطق والنحو وغير ذلك ومدحته بعدة قصائد، هي لجيد الزمان قلائد، وكاتبني وكاتبته لما كان في بلدة فروق مكاتبة الشائق إلى المشوق، وذكر جملة ذلك في رحلته "نشوة الشمول في السفر إلى إسلامبول" وكتاب "تزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب" وذكرها الغير في كتاب "حديقة الورود في مناقب أبي الثناء شهاب الدين محمود" فكم قطفت من شقائق نعمانها، ما يفوق من الرياض على ريحانها، وأما أبناؤه فرحم الله الماضي منهم ووفق الباقين إلى ما فيه صلاح الدنيا والدين، فإنهم بحمد الله كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها، وكعز إلى السماء لا تميز منها فاها.
أيا لقيت تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري
وإني كنت معهم في حياة والدهم ﵀ وبعد وفاته خلاً وفياً، وحبيباً
стр. 795
صفياً، آنس بهم كما يأنسون بي، وأستر بقربهم مثل ما يسترون بقربي، أستنشق من محادثتهم ريح الكمال، وأقرط آذاني بما تنشر أقلامهم من الدراري وشفاههم من الأقوال، ولا زلت أجتمع بهم في بغداد، وأفرج برؤيتهم غمتي في ذلك الناد، كما أن المترجم اليوم في القسطنطينية تهزه لعلو المقام هاتيك الأريحية ولا برحت هنا أيضاً أنزه ناظري بتلك الطلعة الزكية، والغرة الهاشمية، لا زال قطباً تدور عليه رحى أفاضل العصر وأكابر كل مصر" انتهى.
فهل سمعت أيها الشيخ النبهاني ما تلوناه عليك، وقدمناه بين يديك، فأين بقي قولك الباطل، وكلامك العاطل، فما أنت والعلماء الأخيار، وما أنت والسادة الأبرار، أما بلغك ما قيل. رحم الله امرأً عرف قدره، ولم يتعد طوره؟ أما سمعت من حملة العلوم أن لحم العلماء مسموم؟ فما جوابك إذا قال قائلهم:
إلى حكم أشكو ظلامة معتد ... هو العدل كم أردى ظلوماً وجندلا
ثم إن الذي أوجب تطاول النبهاني انحطاط العالم الإسلامي- والأمر لله تعالى- إلى ما تراه العيون، مما كنا نظن أن لا يكون، فتنة بعد فتنة بعد أخرى وبلاء بمثله مقرون، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ ١. أن المراد "بفوقكم" أي الأمراء السوء، وبقوله: "أو من تحت أرجلكم" أي من قبل سفلتكم.
فتطاول السفلة والسفهاء على أخيار العلماء هو من علامات غضب الله على عباده، فلهذا كان من النبهاني ما كان، مع ما هو عليه من الغرور والجهل، وظنه أنه قد خلا له الجو.
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
وقد جرت عادة الله تعالى بمثل معاداة النبهاني وأضرابه لأهل الحق، ولذلك
стр. 796
أنزل الله تعالى في تسلية رسوله ﷺ قوله عز اسمه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١.
وقد شاهد رسول الله ﷺ من عداوة قريش وما بنوا عليه من الأقاويل والأفاعيل ما هو مذكور في غير هذا الموضع، وزخرف القول هو المزوق من الكلام الباطل، والعدو بمعنى أعداء كما في قوله:
إذا أنا لم أنفع صديقي بوده ... فإن عدوي لم يضرهم بغضي
وتمام الكلام على الآية في موضعه.
وقد فرغنا من الكلام على ما قاله النبهاني قي كتب الشيخ ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الهادي، وجلاء العينين، وما انتقد به عليها، وبقي كلام طويل أعرضنا عن ذكره في هذا المقام طلباً لاختصار الكلام.
ولو كان هذا موضع القول لاشتفى ... غليلي ولكن للمقال مواضع
стр. 797
" ذكر من ألّف في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية "
اعلم أن ما كان من النبهاني وغيره- ممن هو على شاكلته- من القدح والاعتراض على أولئك العلماء الأجلة- بسبب انتصارهم لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية ﵀، وتوجيههم لكلامه، ورد اعتراضات الخصوم والذب عنه- ظنا منهم أن المنتصرين للحق وأهله هم الذين عرفوهم من أناس معدودين، وليس الأمر كما زعموا، بل إن في كل عصر أناسا يعرفون الحق وبه يعدلون، تصديقاً لقوله ﷺ : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم". وهؤلاء هم حفظة الدين، وخصوم المبتدعين، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا
стр. 798
عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين.
ثم إن المنصفين من أهل العلم في كل عصر لا يحيط بهم نطاق الحصر، ونحن نذكر منهم بحض من وقفنا على قوله في شيخ الإسلام، وما رآه فيه من الأحكام، ليعلم المنصف أن مصنف "جلاء العينين" ليس بدعاً فيما صنفه حتى صار غرضاً لسهام ملام النبهاني وأمثاله من الغلاة، وفتحوا عليه أفواهاً كأفواه الكلاب عند التثاؤب، بل كم قد سبقه من إمام همام، وعلماء أعلام، وها نحن ذاكرون بحوله تعالى منهم بعض الأكابر، الذين تعقد عند ذكرهم الخناصر، ليتحلى عاطل جيد هذا الكتاب بدرر ما لهم من المناقب والمآثر، وغرر ما كانوا عليه من المفاخر، فنقول:
стр. 799
[ثناء القاضي نور الدين محمود بن أحمد العيني على شيخ الإسلام]
منهم قاضي القضاة نور الدين محمود بن أحمد العيني الحنفي ﵀؛. وهو الإمام العالم العلامة الحافظ المتقن شيخ العصر، أستاذ الدهر، محدث زمانه، المتفرد بالرواية والدراية، حجة الله على المعاندين، وآيته الكبرى على المبتدعين، شرح صحيح الإمام البخاري بشرح لم يسبق له نظير في شروحه، مع ما كان له من المصنفات المفيدة، والآثار السديدة، تولى القضاء في مصر، وبنى مدرسة عظيمة بالقرب من جامع الأزهر، وأنشأ فيها خزانة كتب وضع فيها كتباً نفيسة في فنون مختلفة، وكان مشغولاً بالتأليف والتدريس، وكانت وفاته سنة اثنتين وستين وسبعمائة للهجرة، وله غير شرح البخاري شروح على بعض المتون المشهورة، وله كتاب الطبقات في علماء الحنفية، وهو كتاب جامع لأحوالهم وتراجمهم، واختصر تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر، وله أيضاً تاريخ مفيد.
стр. 800
وبالجملة؛ كان ﵀ من مشاهير عصره علماً وزهداً وورعاً، وممن له اليد الطولى في الفقه والحديث، وقد أسف المسلمون على فقده، وهو الحري بقول القائل:
وإني لمعذور إذا ما بكيته ... بأكثر من قطر الغمام وأغزر
ولي عبرة لم ترق عند ادكاره ... كما لي فيه عبرة المتفكر
وقد كان لم يحجب سناه بحاجب ... ولم تستتر أضواؤه بمستر
فوا أسفي إن كان يغني تأسفي ... وواحذري إن كان يغني تحذري
وكنت أراني في النوائب صابراً ... فأعدمني صبري فأين تصبري
وإني لمقبول المعاذير في الأسى ... ومن يعتذر مثلي إلى الصبر يعذر
وكان رحمه الله تعالى محباً لعلماء الحديث وحفّاظ السنة النبوية، لاسيما شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية، فقد أثنى عليه الثناء الجميل، وذكر له مناقب جليلة، وذب عنه، وخاصم من بغى عليه واعتدى، وله تقريظ بديع على كتاب "الرد الوافر" أثنى فيه على الشيخ بما يليق بجلالة قدره، ويكفي دليلاً على جلالة قدر الشيخ، وأنه من أكابر أئمة أهل السنة: شهادة مثل هذا الإمام ونظرائه من حفّاظ الأنام رحمة الله عليهم أجمعين، وقد أثنى على الشيخ ابن تيمية ثناء لا مزيد عليه ونوه بشأنه وأطنب في بيان مناقبه، ومن ذلك ما كتبه على كتاب "الرد الوافر"١ في مناقب الشيخ أيضاً، وهذا نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم " إن أضوع زهر تفتق عنه أكمام ألسن الأنام، وأبدع ذكر يعبق منه طيب الأفهام حمد من أجرى ماء التبيان في عود اللسان لحمل ثمار المعاني والبيان، وكشف ضياء الأوهام بشمس الحقائق، وأبان ما في القلوب بأقمار الدقائق، وأشرع أسنة الخواطر والأفكار، بأيدي أنوار البصائر والأبصار، إلى ثغر العلوم والأخبار، وأقلع عنا بنسائم ألطافه عجاجة الظنون والشكوك ووقع
стр. 801
لنا مناشير الصدق في السلوك وأراحنا في ركوب أعناق الكلام من العثرات والملام، وأزاحنا عن الوقوع في تيار العبرات إنه ولي الإنعام، وعصمنا من سلوك مسالك لا يؤمن فيها العثار، ومحالات تستحيل فيها الأعذار، والصلاة والسلام على من ختمت به النبوة والرسالة، المخلوق من طينة الفصاحة والبسالة، الذي أصعدته ذروة الملكوت وأعطته الكتاب، وقرنت بطاعته ومعصيته الثواب والعقاب، محمد المصطفى المستأثر بالشفاعة يوم الحساب، وعلى اله الذين استأسدوا في رياض نبوته وأصحابه الذين تقلدوا بسيوف النصرة في دعوته، وعلى علماء الأمة الذين استظهروا على صدمات الدهر وصولته، بنزع ألسنتهم من تفويق سهام الطعن إلى أغراض العصبية، وإقلاع أسنة خوضهم في أعراض الأنفس الأبية، فلذلك صاروا أنجماً للاهتداء، وبدوراً للإقتداء، فأجدر بهم أن يفوه لهم بمشايخ الإسلام، وأنصار شرائع خير الأنام.
وبعد، فإن مؤلف كتاب "الرد الوافر" قد جد في هذا التصنيف البديع الزاهر، وجلا بمنطقه السحار الرد على من تفوه بالإكفار على علماء الإسلام، والأئمة الأساطين الأعلام، الذين تبّوؤا الدار في رياض النعيم، واستنشقوا رياح الرحمة من رب كريم، فمن طعن في واحد منهم أو نقل نقلاً غير صحيح قيل عنهم فكأنما نفخ في الرماد، أو اجتنى من خرط القتاد، وكيف يحل لمن يتسم بالإسلام أو ينتسم نسمة من علم أو فهم أو إفهام؛ أن يكفر من قلبه عن ذلك سليم بهيج، واعتقاده لا يكاد إلى ذلك يهيج؟! ولكن من لم يوازنه طبعه في القريض لم يزل يجد العذب مراً كالمريض، والعائب لجهله شيئاً يبدي صفحة معاداته، ويتخبط خبط العشواء في محاوراته، وليس هو إلا كالجعل باشتمام الورد يموت حتف أنفه، وكالخفاش يتأذى ببهور سنى الضوء لسوء بصره وضعفه، وليس لهم سجية نقادة، ولا روية وقادة، وما هم إلا صلقع بلقع سلقع، والمكفر منهم صلمعة بن قلمعة، وهيان بن بيان، وهي بن بي، وضل بن ضل، وضلال بن التلال.
ومن الشائع المستفيض أن الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين ابن تيمية من شم عرانين الأفاضل، ومن جم براهين الأماثل، الذي كان له من الأدب مآدب
стр. 802
تغذي الأرواح ومن نخب الكلام له سلافة تفز الأعطاف المراح، ومن يانع ثمار أفكار ذوي اليراعة طبعه المعلق في الصناعة الخالية عن وصمة الفجاجة والبشاعة، وهو الكاشف عن وجوه مخدرات المعاني حجاب نقابها، والمفترع عرائس المباني بكشف جلبابها، وهو الذاب عن الدين ظن الزنادقة والملحدين، والناقد للمرويات عن النبي سيد المرسلين، وللمأثورات عن الصحابة والتابعين، فمن قال هو كافر فهو كافر حقيق، ومن نسبه إلى الزندقة فهو زنديق، وكيف يكون ذلك وقد سارت تصانيفه إلى الآفاق، وليس فيها شيء مما يدل على الزيغ والشقاق، ولم يكن بحثه فيما صدر عنه في مسألة الزيارة والطلاق إلا عن اجتهاد سائغ بالاتفاق، والمجتهد في الحالين مأجور مثاب، وليس فيه شيء مما يلام أو يعاب، ولكن حملهم على ذلك حسدهم الظاهر، وكيدهم الباهر، وكفى للحاسد ذماً آخر سورة الفلق، في احتراقاته بالقلق، ومن طعن في واحد ممن قضى نحبه منهم أو نقل غير ما صدر عنهم فكأنما أتى بالمحال، واستحق به سوء النكال، وهو الإمام الفاضل البارع التقي النقي الورع الفارس في علمي الحديث والتفسير والفقه والأصولين بالتقرير والتحرير، والسيف الصارم على المبتدعين، والحبر القائم بأمور الدين، والآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ذو همة وشجاعة وإقدام فيما يروع ويزجر، كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة، خشن العيش ذو القناعة من دون طلب الزيادة، وكانت له المواعيد الحسنة السنية، والأوقات الطيبة البهية، مع كفه عن حطام الدنيا الدنية، وله المصنفات المشهورة المقبولة، والفتاوى القاطعة غير المعلولة، وقد كتب على بعض مصنفاته قاضي القضاة كمال الدين ابن الزملكاني رحمه الله تعالى:
ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلت عن الحصر
هو حجة لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدهر
ثم ذكر ترجمة ابن الزملكاني، ثم قال: أفلا تكفي شهادة هذا الحبر لهذا الإمام، حيث أطلق عليه حجة الله في الإسلام، ودعواه أن صفاته الحميدة لا يمكن حصرها ويعجز الواصفون عن عدها وزبرها؟.
стр. 803
فإذا كان كذلك فكيف لا يجوز إطلاق شيخ الإسلام عليه، أو التوجه بذكره إليه وكيف يسوغ إنكار المعاند الماكر الحاسد، وليت شعري ما متمسك هذا المكابر المجازف الجاهل المجاهر وقد علم أن لفظة الشيخ لها معنيان لغوي واصطلاحي؛ فمعناه اللغوي: أن الشيخ من استبان فيه الكبر، ومعناه الاصطلاحي: من يصلح أن يتلمذ له، وكلا المعنيين موجود في الإمام المذكور في ولا رئب أنه كان شيخاً لجماعة من علماء الإسلام، ولتلامذة من فقهاء الأنام فإذا كان كذلك كيف لا يطلق عليه شيخ الإسلام، لأن من كان شيخ المسلمين يكون شيخاً للإسلام، وقد صرح بإطلاق ذلك قضاة القضاة الأعلام، والعلماء الأفاضل أركان الإسلام، وهم الذين ذكرهم مؤلف هذا الكتاب الرد الوافر في رسالته التي أبدع فيها بالوجه الظاهر، وقد استغنينا بذكره عن إعادته، فالواقف عليه يتأمله، والناظر فيه يتقبله، وأما مناظرات هذا الإمام فكثيرة في مجالس عديدة، فلم يظهر في ذلك لمعانديه فيما ادعوا به عليه برهان غير تنكيدات رسخت في القلوب من ثمرات الشنآن، وقصارى ذلك أنه حبس وقيد، وقد حبس الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ومات في الحبس، فهل قال أحد من العلماء أنه حبس حقاً، وحبس الإمام أحمد ﵁ وقيد لما قال قولاً صدقاً، والإمام مالك ﵁ ضرب ضرباً شديداً مؤلماً بالسياط، والإمام الشافعي ﵁ حمل من اليمن إلى بغداد بالقيد والاحتياط، وليس ببدع أن يجري على هذا الإمام ما جرى على هؤلاء الأئمة الأعلام، وكان آخر حبسه بقلعة دمشق، وتوفي فيها في الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسفر صباحها عن عشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وكان مرضه سبعة عشر يوماً، وصلى عليه بباب القلعة الشيخ محمد بن تمام، ثم صلوا عليه في الجامع الأموي، ثم دفن في مقابر الصوفية إلى جنب أخيه الشيخ شرف الدين، ومولده في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة بحران، وقدم مع والده إلى دمشق، وقد امتلأ الجامع وقت الصلاة عليه أكثر من يوم الجمعة، وحضر الأمراء والحجاب، وحملوه على رؤوسهم، وخرجوا به من باب الفرج، وامتد الخلق إلى مقابر الصوفية وختموا
стр. 804
غلى قبره ختمات، وبات أصحابه على قبره ليالي عديدة.
ثم ذكر شعر بعضَ من رثاه، ونبذة من شعر بعض من مدحه وأثنى عليه، كالإمام زين الدين عمر بن الوردي، وأثير الدين أبي حيان، وذكر ترجمة ابن الوردي، ولعد أن أورد شعر أبي حيان -قال:
ومثل الإمام أبي حيان إذا شهد له بأنه ناصر الشريعة، ومظهر الحق، ومخمد الشر، وأنه الإمام الذي كانوا ينتظرون مجيئه؛ فكفاه مدحاً وتزكية، فإذا كان هذا الإمام بهذا الوصف بشهادة هذا الإمام وبشهادة غيره من العلماء الكبار فماذا يترتب على من يطلق عليه الكفر، أو ينبزه بالزندقة، ولا يصدر هذا إلا عن جاهل، أو مجنون كامل، فالأول يعزر بغاية التعزير، ويشهر في المجالس بغاية التشهير، بل يؤبد فى الحبس إلى أن يحدث التوبة، أو يرجع عن ذلك بأن يحسن الأوبة، والثاني يداوى بالسلاسل والأصفاد، والضرب الشديد بلا أعداد، وهذا كله من فساد هذا الزمان، وتوانى ولاة الأمور عن إظهار العدل والإحسان، وقطع دابر المفسدين. واستئصال شأفة المدبرين، حيث يتعدى جاهل- يزعم أنه عالم- يثلب أعراض المسلمين. ولاسيما الذين مضوا إلى الحق بالحق وبه كانوا عاملين، وهذا الإمام مع جلالة قدره في العلوم نقلت عنه على لسان جم غفير من الناس كرامات ظهرت منه بلا التباس، وأجوبة قاطعة عند السؤال منه من المعضلات، من غير توقف منه بحالة من الحالات.
ومن جملة ما سئل عنه -وهو على كرسيه يعظ الناس، والمجلس غاص بأهله: ما رأيكم في رجل يقول ليس إلا الله، ويقول الله في كل مكان، هل هو كفر أم إيمان؟
فأجاب على الفور: من قال إن الله بذاته في كل مكان فهو"مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، بل هو مخالف للملل الثلاث، بل الخالق بائن من المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، بل هو الغني عنها البائن بنفسه بها، وقد اتفق الأئمة من الصحابة
стр. 805
والتابعين والأئمة الأربعة وسائر أئمة الدين أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١ ليس معناه أنه مختلط بالمخلوقات وحال فيها، ولا أنه بذاته في كل مكان، بل هو مع العبد أينما كان، يسمع كلامه ويرى أفعاله، ويعلم سره وخفاه، رقيب عليهم، مهيمن عليهم، بل السموات والأرض وما بينهما كل ذلك مخلوق لله ليس الله بحال في شيء منه سبحانه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢ لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، بل يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل، فلا تمثل صفاته بصفات خلقه، ومذهب السلف إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل، وقد سئل الإمام مالك رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
فهذا الإمام كما رأيت عقيدته وكاشفت سريرته، فمن كان على هذه العقيدة كيف ينسب إلى الحلول والاتحاد والتجسيم، أو ما يذهب إليه أهل الإلحاد، أعاذنا الله وإياكم من الزيغ والضلال والفساد، وهدانا إلى سبيل الخير والرشاد، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. حرره منمقاً فقير رحمة ربه العلي الغني، أبو محمد محمود بن أحمد العيني عامله الله بلطفه الخفي والجلي، بتاريخ الثامن عشر من شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة المحروسة".
стр. 806
[ثناء الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي على شيخ الإسلام]
ومنهم الإمام الحافظ محمد بن أبي بكر بن ناصر الدين الدمشقي الشافعي ﵀، وكان رحمه الله تعالى من أعلم العلماء العاملين، والحفاظ المتقنين، قد بلغ بشامخ فضله عنان السماء، وأفاد المستفيدين فوائد جلت عن الإحصاء،
стр. 807
وكان ذا رسوخ وتمكين، واعتقاد رصين، ذا أخلاق سنية، وصفات مرضية، وكان له ذهن وقاد، وفطنة أدرك بها مرتبة الاجتهاد، وعلم ما خفي على غيره من العباد، إليه تنتهي الحقائق، وعنه تروى الدقائق، له التصانيف المفيدة، والكتب الفريدة، وكان ذا تواضع وإنصاف، وديانة وعفاف، يحب الانتصار للحق وأهله، ويذعن لما يدل عليه البرهان من غير قدحه ولا تعليله، وقد أثنوا عليه بما يليق بمقامه االرفيع، وترجمه جماعة من الأفاضل واتفق على فضله الجميع، وممن ترجمه العلامة الحافظ قطب الدين الخضيري الدمشقي عليه الرحمة في كتابه الذي ألفه في طبقات الشافعية، وذكر نبذة من أوصافه الحميدة، ومزاياه المرضية، وكان من الموالين لشيخ الإسلام، والعارفين بقدر ذلك الإمام، لم يزل يجادل عنه خصومه، ويذب عنه اعتراضاتهم الموهومة، وقد ألف بعض الزائغين السالكين مسلك السبكي من غلاة الشافعية الناكبين عن المحجة البيضاء والسنة النبوية كتابة ذكر فيه تكفير من يطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام بسبب منعه الاستغاثة بغير الله، وقوله بما اختاره من الأحكام، فرد عليه الحافظ الدمشقي هذا رداً شفى به صدور المؤمنين، وذكر في رده من مناقب الشيخ وعلومه ومن أثنى من أكابر الأئمة ما تقر به عيون المسلمين، وسمّى كتابه هذا (الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام كافر) والكتاب مفصل، وفيه مسائل مهمة، قرظه مشاهير علماء عصر مصنفه، وأكابر أئمة المذاهب الأربعة، كالحافظ ابن حجر العسقلاني، وقاضي القضاة الإمام نور الدين العيني، وقد سبق ذكر ما قالاه، والإمام البلقيني الشافعي، والإمام قاضي القضاة عبد الرحمن التفهني الحنفي، والإمام شمس الدين محمد بن أحمد البساطي المالكي وغيرهم، وسنذكر تقاريظهم إن شاء الله، والكتاب نادر الوجود، ومنه نسخة جيدة في خزانة كتب ولي الدين في جامع السلطان بايزيد في دار السلطنة العثمانية المحروسة موسومة بعدد تسع وأربعين وأربعمائة وألف، نسأله تعالى أن يوفق نشر هذا الكتاب وينعم على المسلمين بمعرفة فوائده.
ما قاله الإمام العلامة قاضي القضاة شيخ الإسلام صالح بن عمر البلقيني
стр. 808
الشافعي عليه الرحمة١:
"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم صل على سيدنا محمد سيد السادات، من أهل الأرضين والسموات، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ويسر والطف واختم بخير، آمين.
وبعد؛ فقد وقفت على هذا التصنيف الجامع، والمنتقى البديع المطرب للمسامع، وعملت بشروط الواقفين من استيفاء النظر، فوجدته عقداً منظماً بالدرر، يفوق عقود الجمان، ويزري بقلائد العقيان، ويضوع مسك الثناء على جامعه مدى الزمان، وقال لسان الحال في حقه ليس الخبر كالعيان، وكيف لا وهو مشتمل على مناقب عالم زمانه، والفائق على أقرانه، والذاب عن شريعة المصطفى باللسان والقلم، والمناضل عن الدين الحنيفي وكم أبدى الحكم، صاحب المصنفات المشهورة، والمؤلفات المأثورة الناطقة بالرد على أهل البدع والإلحاد، القائلين بالحلول والاتحاد، ومن هذا شأنه كيف لا يلقب بشيخ الإسلام، وينوه بذكره بين العلماء الأعلام، ولا عبرة بمن يرميه بما ليس فيه، أو ينسبه بمجرد الأهواء لقول غير وجيه، فلم يضره قول الحاسد، والباغي والطاعن والجاحد.
وما ضر نور الشمس إن كان ناظراً ... إليها عيون لم تزل دهرها غمضا٢
غير أن الحسد يحمل صاحبه على اتباع فواه، وأن يتكلم فيمن يحسده بما يلقاه.
لله در الحسد ما أعدله ... بدأ بصاحبه فقتله
وما أحق هذا الغالم بقول القائل:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا علمه ... فالقوم أعداء له وخصوم
وقال النبي ﷺ : "إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار
стр. 809
الحطب، أو قال: العشب"١. أعاذنا الله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف، وكيف يجوز أن يكفر من لقب هذا العالم بشيخ الإسلام ومذهبنا أن من كفر أخاه المسلم بغير تأويل فقد كفر، لأنه سمى الإسلام كفراً.
ولقد افتخر قاضي القضاة تاج الدين ابن السبكي في ترجمة أبيه الشيخ تقي الدين السبكي في ثناء الأئمة عليه بأن الحافظ المزي لم يكتب بخطه لفظة شيخ الإسلام إلا لأبيه وللشيخ تقي الدين أبن تيمية وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر، فلولا أن ابن تيمية في غاية العلو في العلم والعمل ما قرن ابن السبكي أباه معه في هذه المنقبة التي نقلها ولو كان ابن تيمية مبتدعا أو زنديقاً ما رضي أن يكون أباه قريناً له.
نعم نسب الشيخ تقي الدين إليه أشياء أنكرها عليه معاصروه، وانتصب للرد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في مسألتي الزيارة والطلاق، وأفرد كلاً منهما بتصنيف، وليس في ذلك ما يقتضي كفره ولا زندقته أصلاً، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر- يعني النبي ﷺ والسعيد من عدت غلطاته، وانحصرت سقطاته، ثم إن الظن بالشيخ تقي الدين أنه لم يصدر منه ذلك تهوراً وعدواناً- حاش لله- بل نعله لرأي رآه وأقام عليه برهاناً، ولم نقف إلى الآن بعد الفحص والتتبع على شيء من كلامه يقتضي كفره ولا زندقته، وإنما نقف على رده على أهل البدع والأهواء وغير ذلك مما يظن به براءة الرجل وعلو مرتبته في العلم والدين، وتوقير العلماء والكبار وأهل الفضل متعين، قال الله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وصح أن رسول الله ﷺ قال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا" ٣ وفي رواية "حق كبيرنا
стр. 810
وكيف يجوز أن يقدم على رمي عالم بالفسق أو الكفر ولم يكن فيه ذلك وقد صح أن رسول الله ﷺ قال: " لا يرمي رجل رجلاً بالفسق أو الكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" ١، ثم كيف يجوز الإقدام على سب الأموات بغير حق وهو محرم، فقد صح أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا"٢. وكيف يجوز أذى المؤمن بغير حق والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ٣ وصح أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"٤.
فالواجب على من أقدم على رمي هذا العالم بما ليس فيه الرجوع إلى الله تعالى، والإقلاع عما صدر منه، ليحوز الأجر الجزيل بالقصد الجميل، وإن اطلع على أمر يحتمل التأويل فلا يقطع بما يخالف ذلك التأويل بغير دليل، وإن صح عنده أمر جازم عنه يقتضي إنكاره فينكره قاصداً للنصيحة، ولا يهضم مقام الرجل مع شهرته بالعلم والفضل والتصانيف والفتاوى التي سارت بها الركبان، والله تعالى يحفظنا من الخطأ والخطل، ويحمينا من الزيغ والزلل، والحمد لله رب العالمين، وكتب في اليوم الموافق ليوم ولادة النبي ﷺ ، يوم الاثنين ثاني عشر شهر ربيع الأول سنة ٨٣٥".
ومنهم الإمام العلامة قاضي القضاة عبد الرحمن التفهني الحنفي عليه الرحمة، كان علامة عصره، وفهامة مصره، أتقن علوم الدين، وعلم حقائق