أن ينبه مثلي على نعوته، فلو حلفت بين الركن والقمام لحلفت أني ما رأيت بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه.
وقال في مكان آخر في ترجمة طويلة: وله خبرة تامة بالرجال وجرحهم، وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسقيم، مع حفظ لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته ولا يقاربه، وهر عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث، ولكن الإحاطة لله، غير أنه يغترف فيه من بحر وغيره من الأئمة يغترفون من السواقي.
وأما التفسير فمسلم إليه، وله في استحضار الآيات من القرآن وقت إقامة الدليل بها على المسألة قوة عجيبة، وإذا رآه القمري تحير فيه، ولفرط طول باعه في التفسير وعظمة إطلاعه يبين خطأ كثير من أقوال المفسرين، ويوهي أقوالاً عديدة، وينصر قولاً واحداً موافقاً لما دل عليه القرآن والحديث، ويكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة والأوائل نحواً من أربعة كراريس أو أزيد، وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد، وله في غير مسألة مصنف مفرد في مجلد، ثم ذكر بعض تصانيفه ﵀.
وكتب الذهبي طبقة بخطه يقول فيها: سمع جميع هذا الكتاب على مؤلفه شيخنا الإمام العالم العلامة الأوحد شيخ الإسلام مفتي الفرق قدوة الأمة أعجوبة الزمان بحر العلوم حبر القرآن تقي الدين سيد العباد أبي العباس أحمد بن تيمية ﵁.
وقال الشيخ علم الدين: رأيت إجازة بخط الشيخ تقي الدين وقد كتب تحتها الشيخ شمس الدين الذهبي: هذا خط شيخنا الإمام شيخ الإسلام، فرد الزمان، بحر العلوم تقي الدين، مولده عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقرأ
стр. 842
القرآن والفقه وناظر واستدل وهو دون البلوغ، وبرع في العلم والتفسير وأفتى ودرس وله نحو العشرين سنة، وصنف التصانيف وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه، وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسر كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره أيام الجمع، وكان يتوقد ذكاء، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مائتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليها المنتهى، وأما حفظه للحديث ورجاله وصحته وسقمه فما يلحق فيه.
وأما نقله للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين فضلاً عن المذاهب الأربعة فليس له فيه نظير، وأما معرفته بالملل والنحل والأصول والكلام فلا أعلم له فيه نظيراً، وعربيته قوية جداً، وأما معرفته بالتاريخ والسير فعجب عجيب، وأما شجاعته وجهاده وإقدامه فأمر يتجاوز الوصف ويفوق النعت، وهو أحد الأجواد الأسخياء الذين يضرب بهم المثل، وفيه زهد وقناعة باليسير من المأكل والملبس. انتهى كلام الذهبي ولقد أنصف رحمه الله تعالى.
وقال يعض قدماء أصحاب الشيخ ابن تيمية وقد ذكر نبذة من سيرته: أما مبدأ أمر، ونشأته فإنه نشأ من حين نشأ في حجور العلماء، راشفاً كؤوس الفهوم، راتعاً في رياض التفقه ودوحات الكتب الجامعة لكل فن من الفنون، لا يلوي إلى غير المطالعة والاشتغال والأخذ بمعالي الأمور وخصوصاً علم الكتاب العزيز والسنة النبوية ولوازمهما، ولم يزل على ذلك خلفاً صالحاً سلفياً، متألهاً عن الدنيا صيناً تقياً، براً بأمه ورعاً عفيفاً، عابداً ناسكاً صواماً قواماً ذاكراً لله تعالى في كل أمر وعلى كل حال، راجعاً إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقافاً عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم ولا ترتوي من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال ولا تكل عن البحث، وقل أن يدخل في علم من العلوم من باب من أبوابه إلا ويفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك مستدركات في ذلك العلم على حذاق أهله مقصودة بالكتاب والسنة، ولقد سمعته في مبادىء أمره يقول: إنه ليقف خاطري في المسألة
стр. 843
أو الشيء أو الحالة التي تشكل علي فأستغفر الله تعالى ألف مرة أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر وينجلي إشكال ما أشكل، قال: وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدرب أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي، قال: ولقد كنت في تلك المدة وأول النشأة إذا اجتمعت بالشيخ ابن تيمية في ختمة أو مجلس ذكر خاص مع المشائخ وتذاكروا وتكلم مع حداثة سنة أجد لكلامه صولة على القلوب، وتأثيراً في النفوس، وهيمنة مقبولة، ونفعاً يظهر أثره وتنفعل له النفوس التي سمعته أياماً كثيرة ٤ حتى كأن مقاله بلسان حاله، وحاله ظاهر في مقاله.
وقال الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي في كتابه المناقب: لم يبرح شيخنا- يعني ابن تيمية- في ازدياد من العلوم، وملازمة للاشتغال وبث العلم ونشره، والاجتهاد في سبيل الخير، حتى انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة والكرم، والتواضع والحلم، والإنابة والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسائر أنواع الجهاد، مع الصدق والأمانة، والعفة والصيانة، وحسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله، وكثرة الخوف منه، وكثرة المراقبة له، وشدة التمسك بالأثر، والدعاء إلى الله، وحسن الأخلاق ونفع الخلق والإحسان إليهم، والصبر على من آذاه والصفح عنه والدعاء له، وسائر أنواع الخير.
وكان ﵀ سيفاً مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء والمبتدعين، وإماماً قائماً ببيان الحق ونصرة الدين، وكان بحراً لا تكدره الدلاء، وحبراً يقتدي به الأخيار الألباء، طنت بذكره الأمصار، وضنت بمثله الأمصار، واشتغل بالعلوم، وكان ذكياً كثير المحفوظ، إماماً في التفسير وما يتعلق به، عارفاً بالفقه واختلاف العلماء والأصلين والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما تكلم معه فاضل في فن إلا ظن أن ذلك الفن فنه، ورآه عارفاً به متقناً له، وأما الحديث فكان حافظاً له، مميزاً بين صحيحه وسقيمه، عارفاً برجاله
стр. 844
مضطلعاً من ذلك، وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع، وأثنى عليه وعلى فضائله جماعة من علماء عصره.
وقال الشيخ الإمام الفاضل الأديب أحمد شهاب الدين بن فضل الله العمري الشافعي في تاريخه المسمى "بمسالك الأبصار في مسالك الأمصار" في ترجمة الشيخ ابن تيمية- وهي طويلة تبلغ كراسة فأكثر-: ومنهم أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني، العلامة الحافظ الحجة المجتهد المفسر، شيخ الإسلام، نادرة العصر، علم الزهاد، تقي الدين، أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، هو البحر من أي النواحي جئته، والبدر من أي الضواحي أتيته، رضع ثدي العلم منذ فطم، وطلع وجه الصباح ليحاكيه فلطم، وقطع الليل والنهار دائبين، واتخذ العلم والعمل صاحبين، إلى أن أنسى السلف بهداه، وأنأى الخلف عن بلوغ مداه، على أنه من بيت نشأت منه علماء في سالف الدهور، وتسنأت منه عظماء على مشاهير الشهور، فأحيا معالم بيته القديم إذ درس، وجنى من فننه الرطيب ما غرس، وأصبح في فضله آية إلا أنه آية الحرس، عرضت له الكدى فزحزحها، وعارضته البحار فضحضحها، ثم كان أمة وحده، وفرداً حتى نزل لحده، جاء في عصر مهول بالعلماء، مشحون بنجوم السماء، تموج في جانبيه بحور خضارم، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم، وتشرق في أنديته بدور دجنة، وصدور أسنة، إلا أن صباحه طمس تلك النجوم، وبحره طم على تلك الغيوم، ففاءت سمرته على تلك التلاع، وأطلت قسورته على تلك السباع، ثم عبيت له الكتائب فحطم صفوفها، وخطم أنوفها، وابتلع غديره المطمئن جداولها، واقتلع طوده المرجحن جنادلها، وأخمدت- أنفاسهم ريحه، وأكمدت شرارهم مصابيحه.
تقدم راكباً فيهم إماماً ... ولولاه لما ركبوا وراه
فجمع أشتات المذاهب وشتات الذاهب، ونقل عن أئمة الإجماع فمن سواهم مذاهبهم المختلفة واستحضرها، ومثل صورهم الذاهبة وأحضرها، فلو شعر أبو حنيفة بزمانه وملك أمره لأدنى عصره إليه مقترباً، أو مالك لأجرى وراءه
стр. 845
أشهبه ولو كبا، أو الشافعي لقال ليت هذا كان للأم ولداً وليتني كنت له أباً، أو الشيباني ابن حنبل لما لام عذاره إذ غدا منه لفرط العجب أشيبا، لا بل داود الظاهري وسنان الباطني لظنا تحقيقه من منتخله، وابن حزم والشهرستاني لحشر كل منهما ذكره في نحله، أو الحاكم النيسابوري والحافظ السِّلفي لأضافه هذا إلى مستدركه وهذا إلى رحله، ترد إليه الفتاوى ولا يردها، وتفد عليه فيجيب عنها بأجوبة كأنه كان قاعداً لها يعدها.
أبداً على طرف اللسان جوابه ... فكأنما هي دفعة من صيب
وكان من أذكى الناس، كثير الحفظ قليل النسيان، قلما حفظ شيئاً فنسيه، وكان إماماً في التفسير وعلوم القرآن، عارفاً بالفقه واختلاف الفقهاء والأصوليين، والنحو وما يتعلق به، واللغة والمنطق وعلم الهيئة، والجبر والمقابلة وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين وأهل البدع وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية، وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه، وكان حفظه للحديث مميزاً بين صحيحه وسقيمه١، عارفاً برجاله، فتضلعاً من ذلك، وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة، وفتاوى مشبعة في الفروع والأصول والحديث، ورد البدع بالكتاب والسنة. وأطال في ترجمة الشيخ رحمه الله تعالى فاقتصرنا على ذلك خوف التطويل.
وقال الشيخ الإمام الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى البزار في كتابه "الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية": أما غزارة علومه فمعرفته بعلوم القرآن المجيد واستنباطه لدقائقه ونقله لأقوال العلماء في تفسيره واشتهاره بدلائله وما أودعه الله تعالى فيه من عجائبه وفنون حكمه وغرائب نوادره وباهر فصاحته وظاهر ملاحته فإن فيه من الغاية التي ينتهي إليها والنهاية التي يعول عليها، ولقد كان إذا قرىء في مجلسه آيات من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها
стр. 846
فينقضي المجلس بجملته والدرس برمته وهو في تفسير بعض آية منها، وأما معرفته وبصره بسنة رسول الله ﷺ وأقواله وأفعاله وقضاياه ووقائعه وغزواته وسراياه وبعوثه وما خصه الله تعالى من كراماته ومعجزاته ومعرفته بصحيح المنقول عنه وسقيمه والمنقول عن الصحابة ﵃ في أقوالهم وأفعالهم وقضاياهم وفتاويهم وأحوالهم وأحوال مجاهداتهم في دين الله وما خصوا به من بين الأمة فإنه كان ﵁ من أضبط الناس لذلك، وأعرفهم فيه، وأسرعهم استحضاراً لما يريده منه، فإنه قل أن ذكر حديثاً في مصنف أو فتوى أو استشهد به أو استدل به إلا وعزاه في أي دواوين الإسلام هو، ومن أي قسم من الصحيح أو الحسن أو غيرهما، وذكر اسم راويه من الصحابة، وقل أن سئل عن أثر إلا وبيّن في الحال حاله وحال أكثره وذاكره، ولا والله ما رأيت أحداً أشد تعظيماً لرسول الله ﷺ ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى كان إذا أورد شيئاً من حديثه في مسألة ويرى أنه لم يجد غيره من حديثه يعمل ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائناً من كان، ومنحه الله تعالى بمحرفة اختلاف العلماء ونصوصهم وكثرة أقوالهم واجتهادهم في المسائل وما روي عن كل منهم من راجح ومرجوح ومقبول ومردوده في كل زمان ومكان، ونظره الصحيح الثاقب الصلب للحق مما قالوه ونقلوه وعزوه ذلك إلى الأماكن التي بها أودعوه، حتى كان إذا اشتغل عن شيء من ذلك كان كأن جميع المنقول فيه عن الرسول وأصحابه والعلماء من الأولين والآخرين متصور ومسطور بإزائه يقول منه ما يشاء ويذر ما يشاء، وهذا قد اتفق عليه كل من رآه، وقل كتاب من فنون العلوم إلا وقد وقف عليه، فكأن الله تعالى قد خصه بسرعة الحفظ وبطء النسيان، لم يكن يقف على شيء ويسمع بشيء غالباً إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه ع وكان العلم كأنه قد اختلط بلحمه ودمه وسائره، فإنه لم يكن له مستعاراً بل كان له شعاراً ودثاراً، جمع الله له ما خرق له العادة، ووفقه في جميع عمره لإعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته من أكبر شهادة، حتى اتفق كل ذي عقل سليم أنه ممن عني نبينا ﷺ بقوله: "إن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر
стр. 847
دينها"١. فلقد أحيا الله تعالى به ما كان قد درس من شرائع الدين، وجعله حجة على أهل عصره أجمعين، والحمد لله رب العالمين ".
وبالجملة؛ فكلام الأئمة بالثناء عليه مما يطول، وفيما ذكرناه كفاية تدل على علو رتبته ورفيع شأنه ومرتبته رضي الله تعالى عنه آمين.
وأثنى عليه كثير من الفضلاء بالقصائد في حال حياته فمن ذلك قصيدة نجم الدين إسحاق بن أبي بكر التركي وهي:
ذراني من ذكرى سعاد وزينب ... ومن ندب أطلال اللوى والمحصب
ومن مدح آرام سنحن برامة ... ومن غزل في وصف سرب وربرب
ولا تنشداني غير شعر إلى العلى ... يظل ارتياحاً يزدهيني ويطبي
وإن أنتما طارحتماني فليكن ... حديثكما في ذكر مجد ومنصب
بحب المعالي لا بحب أم جندب ... أقضي لبانات الفؤاد المعذب
خلقت امرءاً جلداً على حملي الهوى ... فلست أبالي بالقلى والتجنب
سواء أرى بالصول تقريض جؤذر ... أو إعراض ظبي ألعس الثغر أشنب
ولم أصب في عصر الشبيبة والصبا ... فهل أصبون كهلاً بلمة أشيب
يعنفني في بغيتي رتب العلى ... جهول أراه راكباً غير مركبي
له همة دون الحضيض محلها ... ولي همة تسمو على كل كوكب
فلو كان ذا جهل بسيط عذرته ... ولكنه يدلي بجهل مركب
يقول علام اخترت مذهب أحمد ... فقلت له إذ كان أحمد مذهب
وهل في ابن شيبان مقال لقائل ... وهل فيه من طعن لصاحب مضرب
أليس الذي قد طار في الأرض ذكره ... وطبقها ما بين شرق ومغرب
إلى أن قال:
إمام الهدى الداعي إلى سنن الهدى ... وقد فاضت الأهواء من كل مشعب
وأصحابه أهل الهدى لا يضرهم ... على دينهم طعن امرىء جاهل غبي
стр. 848
هم الظاهرون القائمون بدينهم ... إلى الحشر لم يغلبهم ذو تغلب
لنا منهم في كل عصر أئمة ... هداة إلى العليا مصابيح مرقب
فأيدهم رب العلى من عصابة ... لإظهار دين الله أهل تعصب
وقد علم الرحمن أن زماننا ... تشعب فيه الرأي أي تشعب
فجاء بحبر عالم من سراتهم ... لسبع مئين بعد هجرة يثرب
يقيم قناة الدين بعد اعوجاجها ... وينقذها من قبضة المتغصب
فذاك فتى تيمية خير سيد ... نجيب أتانا من سلالة منجب
عليم بأدواء النفوس يسوسها ... بحكمته فعل الطبيب المجرب
بعيد عن الفحشاء والبغي والأذى ... قريب إلى أهل التقى ذو تحبب
يغيب ولكن عن مساو وغيبة ... وعن مشهد الإحسان لم يتغيب
حليم كريم مشفق بيد أنه ... إذا لم يطع في الله لله يغضب
يرى نصرة الإسلام أكرم مغنم ... وإظهار دين الله أربح مكسب
وكم قد غدا بالقول والفعل مبطلا ... ضلالة كذاب ورأي مكذب
ولم يلف من عاداه غير منافق ... وآخر عن نهج السبيل منكب
لقد حاولوا منه الذي كان رامه ... من المصطفى قدما حي بن أخطب
ولكن رأوا من بأسه مثل ما رأى ... من المرتضى في حربه رأس مرحب
تمسك أبا العباس بالدين واعتصم ... بحبل الهدى تقهر عداك وتغلب
ولا تخش من كيد الأعادي فما هم ... سوى حائر في أمره ومذبذب
جنودهم من طامع ومضلل ... مسيلمة منهم يلوذ بأشعب
وجندك من أهل السماء ملائك ... يمدك منهم موكب بعد موكب
لئن جحدت علياء فضلك حسد ... لعمر أبي قد زاد منهم تعجبي
وهل ممكن في العقل أن يجحد السنا ... ضحى وضياء الشمس لم يتحجب
أيا مطلباً حزناه من غير مهلك ... وكم مهلك صد الورى دون مطلب
ربيب المعالي يافع الجود والندى ... فتى العلم كهل الحلم شيخ التأدب
بسيط معان في وجيز عبارة ... بتهذيبه تعجيز كل مهذب
стр. 849
وليس له في الزهد والعلم مشبه ... سوى الحسن البصري وابن المسيب
ومن رام حبرا دونه اليوم في الورى ... فذاك الذي قد رام عنقاء مغرب
أليس هو الحبر الذي بانتصاره ... حي الدين حتى بالأمانة قد حي
وجاهد في ذات الإله بنفسه ... وبالمال والأهلين والأم والأب
وما جئت في مدحي له متطلبا ... به عرضاً يفنى ولا نيل منصب
ولكنني أبغي رضى الله خالقي ... وأرجو به غفران زلة مذنب
وقال القاسم بن محمود بن عساكر:
تقي الدين أضحى بحر علم ... يجيب السائلين بلا قنوط
أحاط بكل علم فيه نفع ... فقل ما شئت في البحر المحيط
وقصائد مدحه في حياته كثيرة، وكذلك بعد وفاته كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 850
(فصل في تصانيف ابن تيمية وسعة حفظه وقوة ملكته رحمة الله عليه)
قد مرت الإشارة إلى ذلك في كلام الأئمة وقول العلامة ابن الزملكاني: "لقد أعطي ابن تيمية اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين وقد ألان الله له العلوم كما ألان لداود الحديد".
وتقدم قول الحافظ الذهبي: "وما أبعد أن تصانيفه الآن تبلغ خمسمائة مجلد".
وقال الشيخ ابن عبد الهادي بن قدامة: "للشيخ رحمه الله تعالى من التصانيف والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط ". قال: ولا أعلم أحداً من متقدمي الأئمة ولا متأخريهم جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريباً من ذلك مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثيراً منها صنفه في الحبس، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب.
стр. 851
فمن ذلك ما جمعه في التفسير وما جمعه من أقوال مفسري السلف الذين يذكرون الأسانيد في كتبهم، وذلك أكثر من ثلاثين مجلداً، وقد بيّض أصحابه بعض ذلك وكثير منه لم يكتبوه ولو كتب كله لبلغ خمسين مجلداً، وكان رحمه الله تعالى يقول: "ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله تعالى الفهم وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم فهّمني".
وقال أبو حفص عمر البزار في "المناقب ": "وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، بل هذا لا يقدر عليه أحد، لأنها كثيرة جداً كباراً وصغاراً وهي منتشرة في البلدان، فقلَّ بلد نزلته إلا ورأيت من تصانيفه، فمنها ما يبلغ عشرين مجلداً كتخليس التلبيس من تأسيس التقديس، وما يبلغ سبع مجلدات كالجمع بين الحقل والنقل، وما يبلغ ست مجلدات ككتاب تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، وما يبلغ خمس مجلدات كمنهاج الاستقامة والاعتدال، وما يبلغ أريع مجلدات ككتاب الرد على طوائف الشيعة والقدرية، رد على ابن المطهر الرافضي، وبين جهل الرافضة وضلالتهم وكذبهم، وما يبلغ ثلاث مجلدات كالرد على النصارى، ومجلدين كنكاح المحلل، وإبطال الحيل، وشرح عقيدة الأصبهانية، وما يبلغ مجلداً فكثير جداً، ككتاب تفسير سورة الإخلاص مجلد، وكتاب الكلام على قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مجلد نحو خمس وثلاثين كراسة، والصارم المسلول على شاتم الرسول مجلد، وكتاب المسائل الإسكندرية في الرد على الملاحدة الاتحادية، وتنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل مجلد، وله في الرد على الفلاسفة مجلدات، وقال: الفروع أمرها قريب فمن قلّد أحداً من الأئمة جاز له العمل بقوله ما لم يتيقن خطأه، وأما الأصول فقد رأيت أهل البدع والضلال تجاذبوا فيها وأوقعوا الناس في التشكيك في أصول دينهم فلذلك أكثرت من التصنيف في الرد عليهم.
وبالجملة فذكر أسماء كتبه مما يطول، وله من الرسائل والقواعد والتعاليق
стр. 852
ما لا يمكن حصره، وقد ذكر كثيراً منها الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة، وقال منَّ الله تعالى على الشيخ بسرعة الكتابة ويكتب من حفظه من غير نقل. قال: وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلداً لطيفاً في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر وأحصي ما كتبه في يوم وبيضه فكان ثماني كراريس في مسألة من أشكل المسائل، وكان يكتب على السؤال الواحد مجلداً، وأما جواب يكتب فيه خمسين ورقة وستين فكثير جداً، وأما فتاويه ونصوصه وأجوبته على المسائل فهي أكثر من أن تحصى، لكن دون منها بمصر على أبواب الفقه سبعة عشر مجلداً، وهذا ظاهر مشهور، وقلّ أن وقعت واقعة وسئل عنها إلا وأجاب فيها بديهة بما بهر واشتهر، وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كتب، وقد لا يقدر مع ذلك على إيراد مثله.
وقال الشيخ صالح تاج الدين محمد: حضرت مجلس الشيخ ﵁ وقد سأله يهودي عن مسألة في القدر وقد نظمها شعراً في ثمانية أبيات، فلما وقف عليها فكر لحظة يسيرة وأنشأ يكتب جوابها، وجعل يكتب ونحن نظن أنه يكتب نثراً، فلما فرخ تأمله من حضر عن أصحابه فإذا هو نظم من بحر أبيات السؤال وقافيتها تقرب من مائة وأربعة وثمانين بيتاً، وقد أبدى فيها عن العلوم ما لو شرح لبلغ مجلدين كبيرين، وهذا من جملة بواهره، وكم له من جواب فتوى لم يسبق إلى مثله.
وأما سعة حفظه وقوة ملكته؛ فقد تقدم التنبيه عليه كثيراً في كلام الأئمة، وقد أذعن له بذلك المخالف والموافق.
وقال ابن عبد الهادي بن قدامة: بلغني أن بعض مشايخ حلب قدم إلى دمشق وقال: سمعت أن في هذه البلاد صبياً يقال له أحمد بن تيمية سريع الحفظ وقد جئت قاصداً لَعَلّي أراه، فقال له خياط هذه طريق كتابه وهو إلى الآن ما جاء فاقعد عندنا الساعة يمر ذاهباً إلى الكتاب، فلما مر قيل ها هو الذي معه اللوح الكبير، فناداه الشيخ وأخذ منه اللوح وكتب له من متون الحديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثاً، وقال له: اقرأ هذا فلم يزد على أن نظر فيه مرة بعد كتابته إياه ثم قال:
стр. 853
أسمعه علي فقرأه عليه عرضاً كأحسن ما يكون، ثم كتب عدة أسانيد انتخيها فنظر فيه كما فعل أول مرة فحفظها، فقام الشيخ وهو يقول إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله، فكان كما قال.
وقال الحافظ أبو حفص: كان ابن تيمية إذا شرع في الدرس يفتح الله عليه أسرار العلوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون ونقول واستدلالات بآيات وأحاديث وأقوال العلماء، ونص بعضها وتبيين صحتها، وتزييف بعضها، وإيضاح حجته، واستشهاد بأشعار العرب، وهو مع ذلك يجري كما يجري التيار، ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ كالغائب عن الحاضرين مغمضاً عينيه، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب ويحير الأبصار والعقول.
ومن أعجب الأشياء في حقه أنه لما سجن صنف كتباً كثيرة، وذكر فيها الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه، وذكر أسماء الكتب التي ذكر ذلك فيها، وفي أي موضع هو منها، كل ذلك بديهة من حفظه، لأنه لم يكن عنده حينئذ كتاب يطالعه، ونقبت واعتبرت فلم يوجد بحمد الله فيها خلل ولا تغيير.
وأما معرفته بصحيح المنقول وسقيمه فإنه في ذلك من الجبال التي لا ترتقي ذروتها ولا ينال سنامها، فقلَّ إن ذكر له قول إلا وقد أحاط علمه بمنكره وذاكره وناقله، أو راو إلا وقد عرف حاله من جرح وتعديل بإجمال وتفصيل.
وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه به من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية وإبراز الدلائل منها على المسائل وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه وإيضاح المخصص للعام والمقيد للمطلق والناسخ للمنسوخ وتبيين ضوابطها ولوازمها وملزوماتها وما يترتب عليها وما يحتاج فيه إليها فمما لا يوصف، حتى كان إذا ذكر آية أو حديثاً وبيّن معانيه وما أريد به يعجب العالم الفطن من حسن استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه، ولقد سئل يوماً عن حديث: " لعن
стр. 854
الله المحلل والمحلل له" ١فلم يزل يورد فيه وعليه حتى بلغ كلامه فيه مجلداً كبيراً، وقل أن يذكر له حديث أو حكم إلا وتكلم عليه يومه أجمع، أو تقرأ بحضرته آية من كتاب الله تعالى ويشرع في تفسيرها إلا وقضى المجلس كله فيه.
وأما ما خصه الله تعالى من معارضة أهل البدع في بدعهم، وأهل الأهواء في أهوائهم، ومبالغته في ذلك من دحض أقوالهم، وتزييف أمثالهم وأشكالهم، وإظهار عوارهم وانتحالهم، وتبديد شملهم وقطع أوصالهم، وأجوبته عن شبههم الشيطانية، ومعارضاتهم النفسانية، بما منحه الله تعالى به من البصائر الرحمانية، والدلائل النقلية، والتوضيحات العقلية؛ فمن العجب العجيب.
ذكر هذا كله الحافظ أبو حفص عمر البزار، وقال: الحمد لله الذي مَنَّ علينا برؤيته وصحبته، ولقد جعله الله حجة على أهل عصره.
وأنا أقول: الحمد لله الذي مَنَّ علينا بمحبته، واعتقاد أنه ممن تمسك بالكتاب والسنة، والقيام بنصرهما والذب عنهما، فالله تعالى يرحمه رحمة واسعة وينفعنا به آمين.
стр. 855
(فصل في بعض مآثره الحميدة على سبيل التلخيص وإلا فبسطها يستدعي طولاً)
أما تعبده؛ فإنه ﵁ كما قال الأئمة الناقلون عنه قل أن سمع بمثله أنه كان قد قطع جل وقته وزمانه في العبادة، حتى أنه لم يجعل لنفسه شاغلة تشغله عن الله وما يزاوله، لا من أهل ولا من مال، وكان في ليله منفرداً عن الناس كلهم خالياً بربه ضارعاً إليه مواظباً على تلاوة القران العظيم مكرراً لأنواع التعبدات الليلية والنهارية، وكان إذا دخل في الصلاة ترتعد فرائصه وأعضاؤه حتى
стр. 856
يميل يمنة ويسرة، وكان إذا رأى في طريقه منكراً أزاله، أو سمع بجنازة سارع للصلاة عليها، أو تأسف على فواتها، ولا يزال تارة في إفتاء الناس وتارة في قضاء حوائجهم حتى يصلي الظهر مع الجماعة، ثم كذلك بقية يومه، وكان مجلسه عامّاً للكبير والصغير والجليل والحقير، ويرى كل منهم في نفسه أنه لم يكرم أحداً بقدره، ثم يصلي المغرب وتقرأ عليه الدروس، ثم يصلي العشاء، ثم يقبل على العلوم إلى أن يذهب طويل من الليل، وهو في خلال ذلك كله الليل والنهار لا يزال يذكر الله تعالى ويوحده ويستغفره.
وأما ورعه؛ فكان من الغاية التي ينتهى إليها في الورع أن الله تعالى أجراه مدة عمره كلها على الورع، فإنه ما خالط الناس في بيع ولا شراء، ولا معاملة ولا تجارة، ولا مشاركة، ولا مزارعة، ولا عمارة، ولا كان ناظراً أو مباشراً لمال وقف، ولم يقبل جراية ولا صلة لنفسه من سلطان، ولا أمير، ولا تاجر، ولا كان مدّخراً ديناراً ولا درهماً، ولا متاعاً ولا طعاماً، وإنما كانت بضاعته مدة حياته وميراثه بعد وفاته رضي الله تعالى عنه العلم اقتداء بسيد المرسلين، فإنه قال: "إن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ولكن ورثوا العلم فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر"١.
وأما زهده؛ فقد جعله الله شعاراً عن صغره، ولقد اتفق كل من رآه خصوصاً من مال إلى ملازمته أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، واشتهر عنه ذلك حتى لو سئل عامي من أهل بلد بعيد: من أزهد أهل هذا العصر وأكملهم في رفض فضول الدنيا وأحرصهم على طلب الآخرة؛ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية، وما اشتهر بذلك إلا لمبالغته في الزهد مع تصحيح النية، لم يسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا سرية حوراء، ولا حرص على دينار ولا درهم، ولا رغب في دواب ولا نعم، ولا ثياب فاخرة ولا حشم، ولا زاحم في طلب الرياسات، ولا رؤي ساعياً في تحصيل المباحات، مع أن الملوك والأمراء والتجار والكبراء كانوا طوع
стр. 857
أمره خاضعين لقوله، وادين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم مظهرين لإجلاله، فأين حاله هذا من حال من أغراهم الشيطان بالوقيعة فيه، أما نظروا ببصائرهم إلى صفاتهم وصفاته، وسماتهم وسماته، وتحاسدهم في طلب الدنيا وفراغه عنها، ومبالغته في الهرب منها، وخدمتهم للأمراء واختلافهم إلى أبوابهم وذل الأمراء بين يديه وعدم اكتراثه بهم، وقوة جأشه في محاوراتهم؟ بلى والله ولكن قتلتهم الحالقة حالقة الدين لا حالقة النعم.
وأما إيثاره مع فقره؛ فكان ﵁ مع رفضه للدنيا وتقلله منها مؤثراً بما عساه يجده منها قليلاً كان أو كثيراً، لا يحتقر القليل فيمنعه ذلك عن التصدق به، ولا الكثير فيصرفه النظر إليه عن الإسعاف به، فقد كان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئاً نزع بعض ثيابه فيصل به الفقراء، وكان يستفضل من قوته الرغيف والرغيفين فيؤثر بذلك على نفسه.
وذكر الشيخ صالح زين الدين علي الواسطي أنه أقام بحضرة الشيخ مدة طويلة، قال: فكان قوتنا أنه يأتيني بكرة النهار ومعه قرص قدره نصف رطل بالعراقي فيكسره بيده لقماً ويأكل، ثم يرفع يده قبلي، ولا يفرغ باقي القرص من بين يدي حتى أشبع إلى الليل، وكنت أرى ذلك من بركة الشيخ، ثم بعد عشاء الأخيرة يؤتى بعشائنا فيأكل هو معي لقيمات ثم يؤثرني بالباقي، وكنت أسأله أن يزيد على أكله فلا يفعل، حتى أني كنت في نفسي أتوجع له من قلة أكله، وكان هذا أكلنا في غالب مدة إقامتي عنده، وما رأيت نفسي أعز منها في تلك المدة، ولا رأيتني أجمع هماً مني فيها.
وحكى غير واحد ما اشتهر عنه من كثرة الإيثار وتفقد المحتاجين والغرباء واجتهاده في مصالحهم وصلاتهم ومساعدته لهم بل ولكل أحد من العامة والخاصة ممن يمكنه فعل الخير معه وإسداء المعروف إليه بقوله أو فعله ووجهه وجاهه.
وأما كرمه، فكان رضي الله تعالى عنه مجبولاً على الكرم ولا يتنطعه ولا
стр. 858
يتصنعه بل هو له سجية، وكان لا يرد من يسأل شيئاً يقدر عليه من دراهم ودنانير وثياب وكتب.
وقال الحافظ ابن فضل الله العمري: كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث فيهب ذلك بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ منه شيئاً إلا ليهبه، ولا يحفظه إلا ليذهبه.
وقال في موضع آخر: كان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافاً ومئين، لا يلمس منه درهماً بيده، ولا ينفقه في حاجته، بل كان إذا لم يقدر يعمد إلى شيء من لباسه فيدفعه إلى السائل، وذلك مشهور عند الناس من حاله.
حكى من يوثق به قال: كنت يوماً جالساً بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ فجاء إنسان فسلم عليه فرآه الشيخ محتاجاً إلى ما يعتم به فنزع الشيخ عمامته من غير أن يسأله الرجل فقطعها نصفين واعتم بنصفها ودفع النصف الآخر لذلك الرجل ولم يحتشم للحاضرين عنده.
وحديث من يوثق به أن الشيخ رضي الله تعالى عنه كان ماراً في بعض الأزقة فدعا له بعض الفقراء وعرف الشيخ حاجته ولم يكن مع الشيخ ما يعطيه فنزع ثوباً على جلده ودفعه إليه، وقال: بعه بما تيسر وأنفقه، واعتذر إليه من كونه لم يحضر عنده شيء من النفقة.
وسأله إنسان كتاباً ينتفع به فقال خذ ما تختار، فرأى ذلك الرجل بين كتب الشيخ مصحفاً قد اشتري بدراهم كثيرة فأخذه ومضى، فلام بعض الجماعة الشيخ في ذلك، فقال: أكان يحسن بي أن أمنعه بعد ما سأله؟ دعه فلينتفع به. وكان رضي الله تعالى عنه ينكر إنكاراً شديداً على من ينال شيئاً من كتب العلم التي يملكها ويمنعها من السائل، ويقول ما ينبغي أن يمنع العلم ممن يطلبه.
وأما لباسه؛ فكان رضي الله تعالى عنه متوسطاً في لباسه لا يلبس فاخر الثياب بحيث يرمق ويمد النظر إليه، ولا أطماراً ولا غليظة تشهر لابسها من عالم
стр. 859
أو عابد، بل كان لباسه وهيئته كغالب الناس ومتوسطيهم، ولم يكن يلبس نوعاً واحداً من اللباس، بل يلبس ما اتفق وحصل، ويأكل ما حضر، وكانت بذاذة الإيمان عليه ظاهرة، لا يرى متصنعاً في عمامة ولا لباس، ولا مشية ولا قيام، ولا جلوس، ولم يسمع أنه أمر أن يتخذ له ثوب بعينه، بل كان أهله يأتون بلباسه وقت حاجته لبدل ثيابه التي عليه، وربما اتسخت ولا يأمر بغسلها حتى يسأله أهله ذلك، وكذا كان في المأكل، فما سمع أنه طلب طعاماً قط ولا عشاء ولا غذاء ولو بقي مهما بقي لشدة اشتغاله بما هو فيه من العلم والعمل، بل كان ربما يؤتى بالطعام وربما يترك عنده فيبقى زماناً حتى يلتفت إليه، وإذا أكل يأكل شيئاً يسيراً، وما ذكر من ملاذ الدنيا ونعيمها، ولا كان يخوض في شيء من حديثها ولا يسأل عن شيء من معيشتها، بل جل همه وحديثه في طلب الآخرة وما يقرب إلى الله تعالى.
وأما تواضعه؛ فما سمع بأحد من أهل عصره مثله ﵀ في ذلك، فكان يتواضع للكبير والصغير، والجليل والحقير، والفقير، ويدنيه ويكرمه ويباسطه بحديث زيادة عن الغنى، حتى أنه ربما خدمه بنفسه وأعانه بحمل حاجته جبراً قلبه، وكان لا يسأم ممن يستعبه أو يسأله، بل يقبل عليه ببشاشة وجه ولين عريكة، ويقف معه حتى يكون هو الذي يفارقه، ولا يجبهه ولا يتفوه بكلام يوحشه، بل يجيبه ويفهمه ويعرفه الخطأ من الصواب بلطف وانبساط، وكان يلزم التواضع في حضوره مع الناس ومغيبه عنهم في قيامه وقعوده ومشيه ومجلسه وغيره.
وأما كرماته وفراسته، فقال الشيخ الحافظ أبو حفص عمر: جرى بيني وبين بعض الفضلاء منازعة في عدة مسائل وطال كلامنا فيها، وجعلنا الشيخ المرجع، فلما حضر هممنا بسؤاله عنها فسبقنا هو وشرع يذكر لنا مسألة عما كنا فيه، ويذكر أقواد العلماء فيها ثم يرجح منها ما رجحه الدليل، حتى أتى على آخر ما أردنا، فبقينا ومن حضرنا مبهوتين متعجبين، وكنت في صحبتي له إذا خطر لي بحث يشرع يورده ويذكر الجواب عنه من عدّة وجوه.
стр. 860
قال: وحدثني الشيخ الصالح المقري أحمد، قال: لما قدمت دمشق لم يكن معي شيء من النفقة، البتة، وأنا لا أعرف أحداً من أهلها، فجعلت أمشي في زقاق كالحاير وإذا الشيخ أقبل نحوي مسرعاً فسلم وهش في وجهي ووضع في يدي صرة فيها دراهم وقال: أنفق هذه الآن واخل خاطرك مما أنت فيه فإن الله لا يضيعك، ثم انصرف فسألت من هذا فقيل ابن تيمية، وله مدة ما اجتاز بهذا الدرب، وكان جل قصدي من سفري إلى دمشق لقاءه، فتحققت أن الله أظهره عليّ وعلى حالي، فما احتجت بعدها إلى أحد مدة إقامتي بدمشق، بل فتح الله عليّ من حيث لا أحتسب.
وقال: وحدثني الشيخ العالم المقري تقي الدين عبد الله قال: لما سافرت إلى مصر- حين كان الشيخ مقيماً بها- فقدمتها ليلاً وأنا مريض مثقل، فأنزلت في بعض الأمكنة فلم ألبث أن سمحت من يناديني باسمي وكنيتي فأجبته وأنا ضعيف، فدخل إليَّ جماعة من أصحاب الشيخ فقلت: كيف عرفتم بقدومي هذه الساعة، قالوا: أخبرنا الشيخ أنك قدمت وأنت مريض فأمرنا أن نسرع بنقلك، وما رأينا أحداً جاءه ولا أخبره بشيء، قال: ومرضت بدمشق فلم أشعر إلا والشيخ عند رأسي وأنا مثقل بالحمى والمرض، فدعا لي وقال جاءت العافية، ومشيت من وقتي.
وقال الشيخ عماد الدين المقري المطرز: قدمت على الشيخ ومعي حينئذ نفقة فسلمت عليه فرد علي ورحب بي وأدناني ولم يسألني هل معك نفقة أم لا، فلما كان بعد أيام وقد نفدت نفقتي أردت أن أخرج من مجلسه بعد أن صليت مع الناس وراءه، فمنعني وأجلسني دونهم، فلما خلا دفع إليَّ جملة دراهم، وقال أنت الآن بغير نفقة فعجبت من ذلك.
ولما نزل المغول بالشام لأخذ دمشق رجف أهلها، وجاء إليه جماعة منهم وسألوه الدعاء للمسلمين، فتوجه إلى الله، ثم قال: أبشروا فإن الله يأتيكم بالنصر في اليوم الفلاني بعد ثالثة ترون الرؤوس معبأة بعضها فوق بعض، قال الذي
стр. 861
حدث: فوالذي نفسي بيده ما مضى إلا ثلاث منذ قوله حتى رأينا رؤوسهم كما قال الشيخ على ظاهر دمشق معبأة بعضها فوق بعض.
وكان الشيخ يعود المريض، فمرض شاب بدمشق فكان يعوده في كل يوم فجاء يوماً الشاب فدعا له فشفي سريعاً، وقال له عاهد الله أن تعجل الرجوع إلى بلدك أيجوز أن تترك زوجتك وبناتك ضيعة وتقيم ههنا؟ قال الشاب: فقبلت يده وقلت: يا سيدي إني تائب إلى الله، وعجبت مما كاشفني به وكنت قد تركتهن بلا نفقة، ولم يكن عرف بحالي أحد من أهل دمشق.
ومضى بعض الفضلاء متوجهاً إلى مصر لِيَلِيَ القضاء وعزم على قتل رجل صالح بها إذا وصل، فلما بلغ الشيخ ذلك قال إن الله لا يمكنه ما قصد ولا يصل إلى مصر حياً، فبقي بين القاضي وبين مصر قدر يسير وأدركه الموت.
وذكر الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة أن الشيخ لما أفتى بمسألة شد الرحال للقبور اجتمع جماعة معروفون بدمشق وضربوا مشورة في حق الشيخ، فقال أحدهم ينفى فنفي القائل، وقال آخر يقطع لسانه فقطع لسان القائل، وقال اخر يعزر فعزر القائل، وقال آخر يحبس فحبس القائل، قال: وأخبرني بذلك من حضر هذه المشورة وهو كاره لها.
وبالجملة؛ فكرامات الشيخ رحمه الله تعالى كثيرة جداً، قالوا: ومن أظهر كراماته أنه ما سمع بأحد عاداه أو تنقصه إلا وابتلي بلايا غالبها في دينه، قالوا: وهذا ظاهر مشهور لا يحتاج فيه إلى شرح صفته، قالوا ومن أمعن النظر ببصيرته لم ير عالماً من أهل أي بلد شاء موافقاً له مثنياً عليه إلا ورآه من اتبع علماء بلده للكتاب والسنة، وأشغلهم بطلب الآخرة والرغبة فيها، وأبلغهم في الإعراض عن الدنيا والإهمال لها، ولا يرى عالماً مخالفاً له منحرفاً عنه إلا وهو من أكبرهم نهمة في جمع الدنيا، وأكثرهم رياء وسمعة، والله أعلم.
وأما شجاعته وجهاده؛ فأمر متجاوز للوصف، فكان رضي الله تعالى عنه كما قال الحافظ سراج الدين أبو حفص في مناقبه: هو من أشجع الناس وأقواهم قلباً،
стр. 862
ما رأيت أحداً أثبت جأشاً منه، ولا أعظم في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم، وأخبر غير واحد أن الشيخ كان إذا حضر مع عسكر المسلمين في جهاد يكون بينهم، إن رأى من بعضهم هلعاً أو جبناً شجعه وثبته وبشره ووعده بالنصر والظفر والغنيمة، وبيّن له فضل الجهاد والمجاهدين، وكان إذا ركب الخيل يجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، وينكي العدو من كثرة الفتك بهم، ويخوض بهم خوض رجل لا يخاف الموت، وحدثوا أنهم رؤوا منه في فتح عكة أموراً من الشجاعة يعجز الوصف عن وصفها، قالوا ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها بفعله ومشورته وحسن نظره.
ولما ظهر السلطان ابن غازان على دمشق المحروسة جاءه ملك الكرج وبذل له أموالاً كثيرة جزيلة على أن يمكنه من الفتك بالمسلمين من أهل دمشق فوصل الخبر إلى الشيخ فقام من فوره وشجع المسلمين، ورغبهم في الشجاعة، ووعدهم على قيامهم بالنصر والظفر والأمن، وزوال الخوف، فانتدب منهم رجلاً من وجوههم وكبرائهم وذوي أحلامهم، فخرجوا معه إلى حضرة السلطان غزان، فلما رأى الشيخ أوقع الله له في قلبه هيبة عظيمة، حتى أدناه منه وأجلسه، وأخذ الشيخ في الكلام معه في عكس رأيه من تسليط المخذول ملك الكرج على المسلمين، وأخبره بحرمة دماء المسلمين، وذكره ووعظه، فأجابه إلى ذلك طائعاً، وحقنت بسببه دماء المسلمين، وحميت ذراريهم وصين حريمهم.
وقال الشيخ كمال الدين ابن الأنجا قدس الله روحه: كنت حاضراً مع الشيخ فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل وغيره ويرفع صوته على السلطان ويقرب منه في أثناء حديثه، حتى لقد قرب أن يلاصق بركبته ركبة السلطان، والسلطان مع ذلك مقبل عليه بكليته مصغ لما يقول شاخص إليه لا يعرض عنه، وإن السلطان من شدة ما أوقع الله له في قلبه من المحبة والهيبة سأل من هذا الشيخ؟ فإني لم أر مثله ولا أثبت قلباً منه ولا أوقع من حديثه في قلبي ولا رأيتني أعظم انقياداً لأحد منه، فأخبر بحاله وما هو عليه من العلم والعمل، فقال
стр. 863
الشيخ للترجمان قل للغازان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا وأنت عاهدت فغدرت وقلت فما وفيت وجرت، ثم خرج من بين يديه مكرماً معززاً بحسن نيته الصالحة من بذل نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه الله تعالى ما أراده، وكان أيضاً سبباً لتخليص غالب أسارى المسلمين من أيديهم وردهم على أهليهم وحفظ حريمهم، وهذا من أعظم الشجاعة والثبات وقوة التجاسر، وكان يقول: لن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، فإن رجلاً شكى إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال له: لو صححت لم تخف أحداً أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك.
وأخبر قاضي القضاة أبو العباس أنهم لما حضروا مجلس غازان قدم لهم طعام فأكلوا منه إلا ابن تيمية، فقيل لم لم تأكل؟ فقال: كيف آكل من طعامك وكله مما نهبتم من أغنام الناس، طبختموه بما قطعتم من أشجار الناس؟
ثم إن غازان طلب منه الدعاء، فقال في دعائه: اللهم إن كنت تعلم أنه إنما قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وجاهد في سبيلك فأن تؤيده وتنصره، وإن كان للملك والدنيا والتكاثر فأن تفعل به وتصنع، فكان يدعو عليه وغازان يؤمن على دعائه، ونحن نجمع ثيابنا خوفاً أن يقتل فيطرطس بدمه، ثم لما خرجنا قلنا له: كدت تهلكنا معك ونحن ما نصحبك من هنا، فقال: وأنا لا أصحبكم، فانطلقنا عصبة وتأخر، فتسامعت به الخوانين والأمراء فأتوه من كل فج عميق، وصاروا يتلاحقون به ليتبركوا برؤيته، فما وصل إلا في نحو ثلاثمائة فارس في ركابه، وأما نحن فخرج علينا جماعة فشلحونا، فانظر- كما قال الحافظ ابن فضل الله العمري- إلى قيامه في دفع حجة القتال واقتحامه، وسيوفهم تدفق لجة البحار، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث لجم الأسد في آجامها، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها، خوفاً من ذلك السبع المغتال، والنمرود المختال، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره، وواجهه ودرأ في نحره، وطلب منه الدعاء فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه، وغازان يؤمن على
стр. 864
دعائه وهو مقبل إليه، ثم كان على هذه المواجهة القبيحة والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كل من طلع معه من سلف العلماء في ذلك الصدر، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر، هذا مع ماله من جهاد في الله، لم يفترعه فيه طلل الوشيج، ولم يجرعه فيه ارتفاع النسيج، مواقع حروب باشرها، وطوائف ضروب عاشرها، وبوارق صفاح كاشرها، ومضايق رماح حاشرها، وأصناف خصوم لد قطع جدالها قوي لسانه، وجلاها بسنا سنانه، وجرت له مع غازان وقطلو شاه وبولاي أمور ونوب قام فيها كلها لله، وقال الحق ولم يخش إلا الله.
ولما قدم بعد ذلك عام سبعمائة التتار مع غازان لفتح الشام والاستيلاء على من بها من المؤمنين ركب الشيخ البريد إلى الجيش المصري فدخل القاهرة في ناس يوم حادي عشر جمادى الأولى، فاجتمع بأركان الدولة وحثهم على الجهاد، وتلا عليهم الآيات والأحاديث، وأخبرهم بما أعد الله للمجاهدين من الثواب، فاستقاموا وقويت هممهم ٤ وأبدوا له عذر المطر والبرد، ونودي بالغزاة، وقوي العزم، وعظموه وأكرموه، وتردد الأعيان إلى زيارته، واجتمع به في هذه السنة ابن دقيق العيد، ثم في اليوم السابع والعشرين من جمادى الأولى المذكور وصلى الشيخ إلى دمشق على البريد، وأرسل الله على العدو من الثلج العظيم والبرد الشديد والريح العاصف والجوع المزعج ما الله به عليم، فأصاب غازان وجنوده وأهلكهم، وكان سبب رحيلهم، وفرق الله بين قلوب العدو المغول والكرج والفرس والمستعربة، وألقى بينهم تعادياً وتباغضاً، كما ألقى عام الأحزاب بين قريش وغطفان وبين اليهود، فأرسل الشيخ كتاباً مطولاً لمصر يقول فيه: لما ثبت الله قلوب المسلمين صرف العدو جزاء منه لبيان أن النية الخالصة والهمة الصادقة ينصر الله بها وإن لم يصنع الفعل وإن تباعدت الديار.
وحكي من شجاعة الشيخ في مواقف الحروب نوبة شقحب سنة اثنتين وسبعمائة ونوبة كسروان ما لم يسمع إلا عن صناديد الرجال، وشجعان الأبطال، فكان تارة يباشر القتال، وتارة يحرض عليه قائماً شاكياً سلاحه ولأمة حربه يوصي
стр. 865
الناس بالثبات، ويعدهم بالنصر، ويبشرهم بالغنيمة، وركب البريد إلى مهنى بن عيسى واستحضره إلى الجهاد، وركب بعدها إلى السلطان واستنفره وواجهه بالكلام الغليظ وواجه أمراءه وعساكره، ولما جاء السلطان الملك الناصر بجيوش الإسلام للقاء القتال جعل الشيخ يشجع السلطان ويثبته، فلما رأى السلطان كثرة التتار قال يا لخالد بن الوليد! فقال له: لا تقل هذا، بل قل: يا الله؛ واستغث بالله ربك ووحده تنصر، وقل: يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين. ثم صار تارة يقبل على الخليفة وتارة على السلطان ويهديهما ويربط جأشهما حتى جاء نصر الله والفتح. وحكي أنه قال للسلطان: اثبت فإنك منصور، فقال له بعض الأمراء: قل إن شاء الله. فقال إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً، فكان كما قال.
وحكى بحض حجاب الأمراء قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء وقد تراءى الجمعان: يا فلان؛ أوقفني موقف الموت، قال: فسقته إلى مقابلة العدو- وهم منحدرون كالبدر تلوح أسلحتهم من تحت الغبار- وقلت له: هذا موقف الموت فدونك وما تريد، قال: فرفع طرفه إلى السماء وأشخص بصره وحرك شفتيه طويلاً ثم انبعث وأقدم على القتال، وقد قيل إنه دعا عليهم وأن دعاءه استجيب منه في تلك الساعة، قال: ثم حال القتال بيننا والالتحام وما عدت رأيته حتى فتح الله ونصر، ودخل جيش الإسلام إلى دمشق المحروسة والشيخ في أصحابه شاكياً في سلاحه، عالية كلمته، قائمة حجته، ظاهرة ولايته، مقبولة شفاعته، مجابة دعوته، ملتمسة بركته، مكرماً معظماً، ذا سلطان وكلمة نافذة، وهو مع ذلك يقول للمادحين له: أنا رجل ملة لا رجل دولة، قال بعض أصحابه- وقد ذكر هذه الواقعة وكثرة من حضرها من جيوش المسلمين-: وقد اتفق كلهم وأجمعوا على تعظيم الشيخ تقي الدين ومحبته، وسماع كلامه ونصيحته، واتعظوا بمواعظه، ولم يبق من يكون بالشام تركي ولا عربي إلا واجتمع بالشيخ في تلك المدة، واعتقد خيره وصلاحه، ونصحه لله ولرسوله والمؤمنين.
ثم لم يزل الشيخ رحمه الله تعالى قائماً أتم قيام على قتال أهل جبل كسروان وكتب إلى أطراف الشام في الحث على قتالهم، وأنها غزاة في سبيل
стр. 866
الله، ثم توجه هو بمن معه لغزوهم بالجبل صحبة ولي الأمر نائب المملكة، وما زال مع ولي الأمر في حصارهم حتى فتح الله الجبل وأجلى أهله، وكان توجه الشيخ إلى الكسروانيين أول ذي الحجة سنة أربع وسبعمائة، ورد على شيوخ روافضهم في دعواهم عصمة عليّ، وقال إن علياً وعبد الله بن مسعود اختلفا في مسائل وقعت وفتاوى أفتيا بها وعرض ذلك على النبي ﷺ فصوب فيها قول ابن مسعود، ثم كتب الشيخ للسلطان يخبره بأمر الفتح وعن عقائدهم، وهي أنهم يعتقدون كفر الصحابة وكفر من ترضى عنهم، أو حرم المتعة، أو مسح على الخفين، ولا يقرون بصلاة ولا صيام ولا جنة ولا نار، ولا يحرمون الدم والميتة ولحم الخنزير، ويشتملون على إسماعيلية ونصيرية وحاكمية وباطنية، وهم كفار أكفر من اليهود والنصارى.
ثم قال: وتمام هذا الفتح أمر السلطان بحرمان أهل الفساد من مشايخ الدين يصلونهم ويتقدم إلى قراهم بأعمال دمشق وصعد وطرابلس وحمص وحماه وحلب بأن تقام فيهم شرائع الإسلام الجمعة والجماعة وقراءة القرآن، وتكون لهم خطباء ومؤذنون، ويقرأ فيهم الأحاديث النبوية، وتكثر فيهم المعالم الإسلامية، وأطال الكلام في كتابه، وحث السلطان على ذلك، وقال: إن غزوهم اقتداء بسيرة علي بن أبي طالب في قتاله للحرورية المارقين الذين تواتر عن النبي ﷺ الأمر بقتالهم ونعت حالهم، وقال ﷺ فيهم: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامه، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز جناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، لو يعلم الذين يقاتلونهم ماذا له معلى لسان محمد، يقتلون أهل الإسلام ويدّعون أهل الأوثان، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه"١.
وكان ﵁ قائماً في نصر الدين وإظهار الحق بأدلة أقطع من
стр. 867
السيوف، وأجمع من السجوف، وأجلى من فلق الصباح، وأجلب من فلق الرماح، إذا وثب في وجه خطب تمزقت على كتفيه الدرع وانتشر السرد، ولقد نافسنا ملوك جند كشخان عليه ووجهت دسائس رسلها إليه، ولما وشوا به إلى السلطان الأعظم الملك الناصر لدين الله وأحضره بين يديه قال من جملة كلامه: إنني أخبرت أنك قد أطاعك الناس، وأن في نفسك أخذ الملك، فلم يكترث به بل قال له بنفس مطمئنة وقلب ثابت وصوت عال سمعه كثير ممن حضر: أنا أفعل ذلك والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلساً، فتبسم السلطان لذلك وأجابه في مقابلته بما أوقع الله له في قلبه من الهيبة العظيمة: إنك والله لصادق، وإن الذي وشى بك إلي لكاذب، واستقر له في قلبه من المحبة الدينية ما لولاه لكان قد فتك به منذ دهر طويل من كثرة ما يلقى إليه في حقه من الأقاويل الزور والبهتان ممن ظاهر حاله العدالة، وباطنه مشحون بالفسق والجهالة.
стр. 868
(فصل في تمسك ابن تيمية بالكتاب والسنة)
قال الشيخ الإمام العالم العامل الأوحد الفاضل الحافظ سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن موسى البزار رحمه الله تعالى: كان الشيخ تقي الدين بن تيمية رضي الله تعالى عنه من أعظم أهل عصره قوة ومقاماً وثبوتاً على الحق وتقريراً لتحقيق توحيد الحق، لا يصده عن ذلك لومة لائم ولا قول قائل، ولا يرجع عنه بحجة محتج، بل كان إذا وضح له الحق يعض عليه بالنواجذ، ولا والله ما رأيت أحداً أشد تعظيماً لرسول الله ﷺ ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى كان إذا أورد شيئاً من حديثه في مسألة- ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديث- يعمل ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائناً من كان.
قال: وإذا نظر المنصف إليه بعين العدل يراه واقفاً مع الكتاب والسنة، لا يميله عنهما قول أحد كائنا من كان، ولا يراقب في الأخذ بمعلومهما أحداً، ولا. يخاف في ذلك أميراً ولا سلطاناً ولا سوطاً ولا سيفاً، ولا يرجع عنها لقول أحد،
стр. 869
وهو متمسك بالعروة الوثقى وإليه الطول، وعامل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ١ الآية، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ٢. وما سمعنا أنه اشتهر عن أحد منذ دهر طويل ما اشتهر عنه من كثرة المتابعة للكتاب والسنة، والإمعان في تتبع معانيهما والعمل بمقتضاهما، ولهذا لا يرى في مسألة أقوال العلماء إلا وقد أفتى بأبلغها موافقة للكتاب والسنة، وتحرى الأخذ بأقومها من جهة المنقول والمعقول. قال: وهذا أمر قد اشتهر وظهر، فإنه ﵁ ليس له مؤلف مصنف ولا نمى في مسألة ولا أفتى إلا وقد اختار فيه ما رجحه الدليل النقلي والعقلي على غيره، وتحرى قول الحق المحض، وبرهن عليه بالبراهين القاطعة الواضحة الظاهرة، بحيث إذا سمع ذلك ذو الفطرة السليمة ينثلج قلبه عليها، ويجزم بأنها الحق المبين، وتراه في جميع مؤلفاته إذا صح الحديث عنده يأخذ به ويعمل بمقتضاه ويقدمه على قول كل قائل من عالم ومجتهد، وقد سبقه الإمام الشافعي ﵀ إلى ذلك حيث قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
ولما منَّ الله عليه بذلك جعل حجة في عصره لأهله، حتى أن أهل البلاد البعيدة كانوا يرسلون إليه بالاستفتاء عن وقائعهم، ويقبلون عليه في كشف ما التبس عليهم حكمه، فيشفي عليلهم بأجوبته المسددة، ويبرهن على الحق من أقوال العلماء المتعددة، حتى إذا وقف عليها كل محق ذي بصيرة أذعن بقبولها، وبان له حق مدلولها.
стр. 870
(فصل في محنة ابن تيمية رحمه الله تعالى وتمسكه بطريق السلف)
قلَّ من يسلم من أهل الفضل والدين في هذه الدنيا بلا محنة وابتلاء وخوض فيه حيث لم يداهن الناس ويصانعهم، ولذا قل صديقه على حد قوله: "ما ترك الحق من صديق لعمر".
وقال سفيان الثوري ﵀: "إذا رأيت الرجل يثني عليه جيرانه فاعلم أنه مداهن ".
وما وقع من المحنة للأئمة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والبخاري مشهور كما بينته في كتابنا "تنوير بصائر المقلدين في مناقب الأئمة المجتهدين، وأكثروا من الخوض في أبي حنيفة ﵀، حتى أنه رُئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك فقال: غفر لي بكلام الناس فيّ ما ليس فيه. هذا وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ امتحن بمحن وخاض فيه أقوام ونسبوه للبدع والتجسيم وهو من ذلك بريء.
فأول محنة- كما نقله الثقات- في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة بسبب عقيدته الحموية الكبرى، وهي جواب سؤال ورد من حماه فوضعها ما بين الظهر والعصر في ست كراريس بقطع نصف البلدي، فجرى له بسبب تأليفها أمور ومحن رجح مذهب السلف على مذهب المتكلمين وشنع عليهم.
فمن يعض قوله في مقدمتها: "ما قاله الله سبحانه ورسوله ﷺ والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وفي غيره.
ومن المحال أن لكون خير الأمة وأفضل قرونها قصروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه، ثم من المحال أيضاً أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث
стр. 871
فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين، لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع.
أما الأول؛ فلأن من في قلبه أدنى حياة وطلب للعلم أو نهمة في العبادة يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده، وأعظم مطالبه، وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم؟ هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق وأشدهم إعراضاً عن الله وأعظمهم إكباباً على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع في أولئك.
وأما كونهم كانوا معتقدين غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم.
ثم الكلام في هذا الباب عنهم أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى أو أضعافها يعرف ذلك من طلبه وتتبعه، ولا يجوز أيضاً أن يكون الخالفون أعلم بالله من السالفين كما قد يقوله بعض الأغبياء- ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها- من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، فإن هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة، ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.
فهذا الظن الفاسد أوجبه اعتقاد أنهم كانوا أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم يتبحروا في حقائق العلم بالله ولم يتفطنوا لدقيق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله، كيف يكون هؤلاء المتأخرون- لاسيما
стр. 872
والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم، حيث يقول الإمام فخر الدين الرازي:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر ... على ذقن أو قارعاً سن نادم
وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم مثل قول بعض رؤسائهم:
نهاية إقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ويقول آخر منهم: لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ١ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣ ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ٤ ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي.
ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتدراكني ربي برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي.
ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكاً عند الموت أصحابُ الكلام.
ثم إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص
стр. 873
المعرفة به خير ولا وقعوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المنقوصون المحجوبون المفضولون المسبوقون الحيارى المتهوكون، أعلم بالله وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة؟؟!
ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟
أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان وورثة المجوس والمشركين وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟؟!
وإنما قدمت هذه المقدمة لأن من استقرت عنده علم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره ".
وأطال ﵀ الكلام ثم قال:
"إن كان الحق فيما يقول هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة بالكتاب والسنة دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصاً وإما ظاهراً؛ فكيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائماً بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ولا يدلون عليه لا نصاً ولا ظاهراً حتى يجيء أبناء الفرس والروم وفروخ الهنود والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة؟
فإن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب- وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة ظاهراً- لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة، أهدى
стр. 874
لهم وأنفع على هذا التقدير، بل كان وجود الكتاب والسنة ضرراً محضاً في أصل الدين، فإن حقيقة الأمر- على ما يقوله هؤلاء- إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله ولا ما يستحقه من الصفات نفياً وإثباتاً لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقاً له من الصفات في عقولكم فصفوه به سواء كان موجوداً في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقاً له في عقولكم فلا تصفوه به، وقد صرح طائفة منهم بما مضمونه أن كتاب الله لا يُهْتَدَى به في معرفة الله، وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله ". وأطال الكلام، ثم قال:
"يا سبحان الله كيف لم يقل الرسول يوماً من الدهر ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم.
ثم الرسول أخبر أن أمته ستفترق ثلاثاً وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: "إني تارك فيكم ما تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله " ١. وقال في صفة الفرقة الناجية: "هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ٢ فهلا قال: من تمسك بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة، وإن كان قد نبغ أصل هذه المقالة في أواخر عصر التابعين، ثم أصل مقالة التعطيل للصفات إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والنصارى، فإن أول من قالها في الإسلام الجعد بن درهم، وأخذها عنه جهم بن صفوان، والجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأبان عن طالوت، وطالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ ، قال: ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون، لا نتجاوز به القرآن
стр. 875
والحديث، ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل " ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى جملاً نافعة وأصولاً جامعة في إثبات الصفات والرد على الجهمية، وذكر من النقول عن سلف الأمة ما يطول ذكره.
ثم قال في آخر كلامه: "وجماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة، قسمان يقولون تجري على ظواهرها، وقسمان يقولون هي على خلاف ظاهرها، وقسمان يسكتون.
أما الأولون " فقسمان: أحدهما: من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليه توجه الرد بالحق.
والثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى كما يجري اسم العليم والقدير والرب والإله والموجود والذات ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق، إما جوهر وإما عرض، فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضى والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض والوجه واليد والعين في حقه أجسام.
فإذا كان الله موصوفاً عند عامة أهل الإثبات بأن له علماً وقدرة وكلاماً ومشيئة وإن لم تكن أعراضاً يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين جاز أن يكون وجه الله ويداه ليست أجساماً يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين، وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره عن السلف وعليه يدل كلام جمهورهم وكلام الباقين لا يخالفه وهو أمر واضح- فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس ذوات المخلوقين فكذلك صفاته ثابتة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين، ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب الذي ليس
стр. 876
كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه، وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا أو كيف يداه ونحو ذلك؟
فقل له: كيف هو في نفسه؟
فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو وكنه الباري غير معلوم للبشر.
فقل له: والعلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن نعلم كيفية صفة لموصوف لم نعلم كيفيته؟ وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك، بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، وأخبر النبي ﷺ "أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ١ فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من خلق الله كذلك فما الظن بالخالق سبحانه، وهذه الروح قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل عن الكلام في كيفية الله تعالى؟ مع أنا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونون قد أخطؤوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟
وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ويقولون هي على خلاف ظاهرها؛ فقسم يتأولونها ويعيّنون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو
стр. 877
المكانة والقدرة، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلمين.
وقسم يقولون: الله أعلم ما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجة عما علمناه.
وأما القسمان الواقفان؛ فقسم يقولون يجوز أن يكون المراد بظاهرها اللائق بالله تعالى ويجوز أن لا يكون صفة لله، وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.
وقسم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقريرات.
فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها، والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة.
ثم قال: فأما المتوسط من المتكلمين فيخاف عليه ما لا يخاف على من لم يدخل فيه وعلى من قد أنهاه نهايته، فإن من لم يدخل فيه هو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية فما بقي يخاف من شيء آخر، فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قبله، وأما المتوسط فمتوهم بما تلقاه من المقالات المأخوذة تقليداً، وقد قال الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم ونصف متفقه ونصف متطبب ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا لمسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان، ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب في قول مختلف يؤفك عنه من أفك، يعلم الذكي منهم العاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست بينة وإنما هي كما قيل فيها:
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقاً وكل كاسر مكسور
ويعلم العالم البصير أنهم من وجه يستحقون ما قال الشافعي ﵁ حيث قال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.
стр. 878
ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر- والحيرة مستولية عليهم والشيطان مستحوذ عليهم- رحمتهم ورققت عليهم، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوماً، وما أعطوا علوماً، وأعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، ومن كان عليماً بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بعداً.
فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين ".
هذا آخر الحموية الكبرى، ألفها الشيخ ﵀ وعمره دون الأربعين سنة، ثم انفتح له بعد ذلك من الرد على الفلاسفة والجهمية وسائر أهل الأهواء والبدع ما لا يوصف ولا يعبر عنه، وجرى له من المناظرات العجيبة والمباحثات الدقيقة مع أقرانه وغيرهم في سائر أنواع العلوم ما تضيق عنه العبارة ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه.
قال الحافظ الذهبي في أثناء كلامه في ترجمة الشيخ ابن تيمية: "ولما صنف المسألة الحموية في الصفات سنة ثمان وتسعين وستمائة تحزبوا له، وآل بهم الأمر إلى أن طافوا بها على قصبة من جهة القاضي الحنفي ونودي عليه بأن لا يستفتى، ثم قام بنصرته طائفة آخرون وسلمه الله تعالى، فلما كان سنة خمس وسبعمائة جاء الأمر من مصر بأن يسأل عن معتقده، فجمع له القضاة والعلماء بمجلس نائب دمشق الأفرم ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد" انتهى.
وقال الشيخ علم الدين: وفي شهر ربيع الأول من سنة ثمان وتسعين وستمائة وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين بن تيمية، وكان الشروع فيها من أول الشهر واستمرت إلى آخر الشهر.
وملخصها: أنه كتب جواباً لسؤال سئل عنه من حماه في الصفات، فذكر فيه
стр. 879
مذهب السلف ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين، واجتمع به سيف الدين جاغان في حال نيابته بدمشق وقيامه مقام نائب السلطنة، وامتثل أمره وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به، فحصل بسبب ذلك ضيق لجماعته مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ، وما ألمهم بظهوره وذكره الحسن، فانضاف شيء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغاً إلى الكلام فيه لزهده، وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه وجودة أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من غزارة العلم وجودة الفهم، فعمدوا إلى الكلام في العقيدة لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب، فأخذوا الجواب الذي كتبه، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء واحداً واحداً، وأوغروا خواطرهم وحرفوا الكلام وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم وحاشاه من ذلك، ووافقهم على ذلك جلال الدين الحنفي قاضي الحنفية يومئذ ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفية، وطلب حضوره وأرسل إليه فلم يحضر، وأرسل إليه في الجواب أن العقائد ليس أمرها إليك وأن السلطان إنما ولاّك لتحكم بين الناس، وأن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي فوصلت إليه هذه الرسالة فأوغروا خاطره، وشوشوا قلبه، وقالوا لم يحضر ورد عليك، فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة، فنودي في بعض البلد، ثم بادر سيف الدين جاغان وأرسل طائفة فضرب المنادي وجماعة ممن حوله وأخرق بهم، فرجعوا مضروبين في غاية الإهانة، ثم طلب سيف الدين من قام في ذلك وسعى فيه، فدارت الرسل والأعوان عليهم في البلد فاختفوا.
ثم اجتمع الشيخ ابن تيمية بالقاضي إمام الدين الشافعي وواعده لقراءة العقيدة الحموية، فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر من بكرة النهار إلى نحو الثلث من ليلة الأحد- ميعاداً طويلاً- وقرأ فيه جميع العقيدة، وبين مراده من مواضع أشكلت ولم يحصل إنكار عليه من الحاكم ولا ممن حضر المجلس، بحيث انفصلوا والقاضي يقول: كل من تكلم في الشيخ فأنا خصمه.
стр. 880
وقال أخوه جلال الدين بعد هذا الميعاد: كل من تكلم في الشيخ نعزره، وخرج الناس ينتظرون ما يسمعون من طيب أخباره، فوصل إلى داره في ملأ كثير من الناس، وعندهم استبشار وسرور به، وكان سعيهم في حقه أتم السعي، وتكلموا في حقه بأنواع الأذى وبأمور يستحي الإنسان من الله تعالى أن يحكيها فضلاً عن أن يختلقها ويلفقها، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ورأى جماعة من الصالحين في هذه الواقعة وعقيبها مرائي حسنة جليلة لو ضبطت لكانت مجلداً تاماً. انتهى.
ثم سكنت هذه الفتنة، ثم بعد ذلك بمدة طويلة ظهر الشيخ نصر المنبجي بمصر، واستولى على أرباب الدولة القاهرة، وشاع أمره وانتشر، فقيل لابن تيمية إنه اتحادي هانه ينصر ابن عربي وابن سبعين، فكتب إليه نحو ثلاثمائة سطر ينكر عليه، فتكلم نصر المنبجي مع قضاة مصر في أمره، وقال هذا مبتدع، وأخاف على الناس من شره، وقام معه في ذلك القاضي ابن مخلوف المالكي، واستعانوا بركن الدين الجاشنكير، فحسن القضاة للأمراء طلبه إلى القاهرة وأن يعقد له مجلس بدمشق فلم يرضَ نصر المنبجي، وقال ابن مخلوف: قل للأمراء إن هذا يخشى على الدولة منه كما جرى لابن تومرت في بلاد المغرب.
فورد مكتوب السلطان إلى دمشق بسؤال الشيخ عن عقيدته، فلما كان ثماني رجب من سنة خمس وسبعمائة طلب القضاة والفقهاء، وطلب الشيخ تقي الدين إلى القصر إلى مجلس نائب السلطنة الأفرم، فلما اجتمعوا عنده سأل الشيخ تقي الدين وحده عن عقيدته وقال هذا المجلس عقد لك وقد ورد مرسوم السلطان أن أسألك عن اعتقادك، فأحضر الشيخ عقيدته الواسطية، وقال هذه كتبتها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتار إلى الشام، فقرئت في المجلس وبحث فيها، وبقيت مواضع أخرت إلى مجلس آخر.
ثم اجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر رجب المذكور، وحضر المخالفون ومعهم الشيخ صفي الدين الهندي، واتفقوا على أن يتولى المناظرة مع