← Акыда

Акыда · id 12034

غاية الأماني في الرد على النبهاني

محمود شكري الألوسي

Полный текст (1 119 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه، وما أحسن ما قال بعضهم: إذا قال لك الجهمي: كيف استوى أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا أو كيف يداه ونحو ذلك؟ فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال لك: لا يعلم ما هو إلا هو وكنه الباري غير معلوم للبشر. فقل له: والعلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن نعلم كيفية صفة لموصوف لم نعلم كيفيته؟ وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك، بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، وأخبر النبي ﷺ "أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ١ فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من خلق الله كذلك فما الظن بالخالق سبحانه، وهذه الروح قد علم العاقل اضطراب الناس فيها وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل عن الكلام في كيفية الله تعالى؟ مع أنا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونون قد أخطؤوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟ وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ويقولون هي على خلاف ظاهرها؛ فقسم يتأولونها ويعيّنون المراد، مثل قولهم: استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو

стр. 877

المكانة والقدرة، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلمين. وقسم يقولون: الله أعلم ما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجة عما علمناه. وأما القسمان الواقفان؛ فقسم يقولون يجوز أن يكون المراد بظاهرها اللائق بالله تعالى ويجوز أن لا يكون صفة لله، وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقسم يمسكون عن هذا كله، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقريرات. فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها، والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة. ثم قال: فأما المتوسط من المتكلمين فيخاف عليه ما لا يخاف على من لم يدخل فيه وعلى من قد أنهاه نهايته، فإن من لم يدخل فيه هو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية فما بقي يخاف من شيء آخر، فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قبله، وأما المتوسط فمتوهم بما تلقاه من المقالات المأخوذة تقليداً، وقد قال الناس: أكثر ما يفسد الدنيا نصف متكلم ونصف متفقه ونصف متطبب ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا لمسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان، ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب في قول مختلف يؤفك عنه من أفك، يعلم الذكي منهم العاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست بينة وإنما هي كما قيل فيها: حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقاً وكل كاسر مكسور ويعلم العالم البصير أنهم من وجه يستحقون ما قال الشافعي ﵁ حيث قال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.

стр. 878

ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر- والحيرة مستولية عليهم والشيطان مستحوذ عليهم- رحمتهم ورققت عليهم، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوماً، وما أعطوا علوماً، وأعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، ومن كان عليماً بهذه الأمور تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بعداً. فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين ". هذا آخر الحموية الكبرى، ألفها الشيخ ﵀ وعمره دون الأربعين سنة، ثم انفتح له بعد ذلك من الرد على الفلاسفة والجهمية وسائر أهل الأهواء والبدع ما لا يوصف ولا يعبر عنه، وجرى له من المناظرات العجيبة والمباحثات الدقيقة مع أقرانه وغيرهم في سائر أنواع العلوم ما تضيق عنه العبارة ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه. قال الحافظ الذهبي في أثناء كلامه في ترجمة الشيخ ابن تيمية: "ولما صنف المسألة الحموية في الصفات سنة ثمان وتسعين وستمائة تحزبوا له، وآل بهم الأمر إلى أن طافوا بها على قصبة من جهة القاضي الحنفي ونودي عليه بأن لا يستفتى، ثم قام بنصرته طائفة آخرون وسلمه الله تعالى، فلما كان سنة خمس وسبعمائة جاء الأمر من مصر بأن يسأل عن معتقده، فجمع له القضاة والعلماء بمجلس نائب دمشق الأفرم ثم وقع الاتفاق على أن هذا معتقد سلفي جيد" انتهى. وقال الشيخ علم الدين: وفي شهر ربيع الأول من سنة ثمان وتسعين وستمائة وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقي الدين بن تيمية، وكان الشروع فيها من أول الشهر واستمرت إلى آخر الشهر. وملخصها: أنه كتب جواباً لسؤال سئل عنه من حماه في الصفات، فذكر فيه

стр. 879

مذهب السلف ورجحه على مذهب المتكلمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكر أمر المنجمين، واجتمع به سيف الدين جاغان في حال نيابته بدمشق وقيامه مقام نائب السلطنة، وامتثل أمره وقبل قوله، والتمس منه كثرة الاجتماع به، فحصل بسبب ذلك ضيق لجماعته مع ما كان عندهم قبل ذلك من كراهية الشيخ، وما ألمهم بظهوره وذكره الحسن، فانضاف شيء إلى أشياء، ولم يجدوا مساغاً إلى الكلام فيه لزهده، وعدم إقباله على الدنيا، وترك المزاحمة على المناصب، وكثرة علمه وجودة أجوبته وفتاويه، وما يظهر فيها من غزارة العلم وجودة الفهم، فعمدوا إلى الكلام في العقيدة لكونهم يرجحون مذهب المتكلمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب، فأخذوا الجواب الذي كتبه، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء واحداً واحداً، وأوغروا خواطرهم وحرفوا الكلام وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم وحاشاه من ذلك، ووافقهم على ذلك جلال الدين الحنفي قاضي الحنفية يومئذ ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفية، وطلب حضوره وأرسل إليه فلم يحضر، وأرسل إليه في الجواب أن العقائد ليس أمرها إليك وأن السلطان إنما ولاّك لتحكم بين الناس، وأن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي فوصلت إليه هذه الرسالة فأوغروا خاطره، وشوشوا قلبه، وقالوا لم يحضر ورد عليك، فأمر بالنداء على بطلان عقيدته في البلدة، فنودي في بعض البلد، ثم بادر سيف الدين جاغان وأرسل طائفة فضرب المنادي وجماعة ممن حوله وأخرق بهم، فرجعوا مضروبين في غاية الإهانة، ثم طلب سيف الدين من قام في ذلك وسعى فيه، فدارت الرسل والأعوان عليهم في البلد فاختفوا. ثم اجتمع الشيخ ابن تيمية بالقاضي إمام الدين الشافعي وواعده لقراءة العقيدة الحموية، فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر من بكرة النهار إلى نحو الثلث من ليلة الأحد- ميعاداً طويلاً- وقرأ فيه جميع العقيدة، وبين مراده من مواضع أشكلت ولم يحصل إنكار عليه من الحاكم ولا ممن حضر المجلس، بحيث انفصلوا والقاضي يقول: كل من تكلم في الشيخ فأنا خصمه.

стр. 880

وقال أخوه جلال الدين بعد هذا الميعاد: كل من تكلم في الشيخ نعزره، وخرج الناس ينتظرون ما يسمعون من طيب أخباره، فوصل إلى داره في ملأ كثير من الناس، وعندهم استبشار وسرور به، وكان سعيهم في حقه أتم السعي، وتكلموا في حقه بأنواع الأذى وبأمور يستحي الإنسان من الله تعالى أن يحكيها فضلاً عن أن يختلقها ويلفقها، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ورأى جماعة من الصالحين في هذه الواقعة وعقيبها مرائي حسنة جليلة لو ضبطت لكانت مجلداً تاماً. انتهى. ثم سكنت هذه الفتنة، ثم بعد ذلك بمدة طويلة ظهر الشيخ نصر المنبجي بمصر، واستولى على أرباب الدولة القاهرة، وشاع أمره وانتشر، فقيل لابن تيمية إنه اتحادي هانه ينصر ابن عربي وابن سبعين، فكتب إليه نحو ثلاثمائة سطر ينكر عليه، فتكلم نصر المنبجي مع قضاة مصر في أمره، وقال هذا مبتدع، وأخاف على الناس من شره، وقام معه في ذلك القاضي ابن مخلوف المالكي، واستعانوا بركن الدين الجاشنكير، فحسن القضاة للأمراء طلبه إلى القاهرة وأن يعقد له مجلس بدمشق فلم يرضَ نصر المنبجي، وقال ابن مخلوف: قل للأمراء إن هذا يخشى على الدولة منه كما جرى لابن تومرت في بلاد المغرب. فورد مكتوب السلطان إلى دمشق بسؤال الشيخ عن عقيدته، فلما كان ثماني رجب من سنة خمس وسبعمائة طلب القضاة والفقهاء، وطلب الشيخ تقي الدين إلى القصر إلى مجلس نائب السلطنة الأفرم، فلما اجتمعوا عنده سأل الشيخ تقي الدين وحده عن عقيدته وقال هذا المجلس عقد لك وقد ورد مرسوم السلطان أن أسألك عن اعتقادك، فأحضر الشيخ عقيدته الواسطية، وقال هذه كتبتها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتار إلى الشام، فقرئت في المجلس وبحث فيها، وبقيت مواضع أخرت إلى مجلس آخر. ثم اجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر رجب المذكور، وحضر المخالفون ومعهم الشيخ صفي الدين الهندي، واتفقوا على أن يتولى المناظرة مع

стр. 881

الشيخ تقي الدين فتكلم معه، ثم إنهم رجعوا عنه واتفقوا على الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني، فناظر الشيخ وبحث معه وطال الكلام وخرجوا من هناك والأمر قد انفصل، وقد أظهر الله من قيام الحجة ما أعز به الشيخ ابن تيمية، واختلفت نقول المخالفين للمجلس وحرفوه ووضعوا مقالة الشيخ على غير موضعها، وشنع ابن الوكيل وأصحابه بأن الشيخ قد رجع عن قيدته فالله المستعان. ثم بعد ذلك عزر بعض القضاة بدمشق شخصاً يلوذ بالشيخ، وطلب جماعة ثم أطلقوا، ووقع هرج في البلد، وكان الأمير نائب السلطنة قد خرج للصيد وغاب نحو جمعة ثم رجع، فحضر عنده الشيخ وذكر له ما وقع في غيبته في حق بعض أصحابه من الأذى فرسم بحبس جماعة من أصحاب ابن الوكيل، وأمر فنودي في البلد أنه من تكلم في العقائد حل ماله ودمه ونهبت داره وحانوته، وقصد بذلك تسكين الفتنة. وفي يوم الثلاثاء سابع شعبان عقد للشيخ مجلس ثالث بالقصر ورضي الجماعة بالعقيدة، وفي هذا اليوم عزل قاضي القضاة نجم الدين ابن صصري نفسه عن الحكم بسبب كلام سمعه من الشيخ كمال الدين بن الزملكاني. وفي اليوم السادس والعشرين من شعبان ورد كتاب السلطان إلى القاضي بإعادته إلى الحكم، وفيه أنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين. وقد بلغنا ما عقد له من المجالس وأنه على مذهب السلف وما قصدت بذلك إلا براءة ساحته. ثم إن الشيخ مرعي مؤلف هذا الكتاب- أعني كتاب مناقب الشيخ ابن تيمية- ذكر بعض ألفاظ ما وقع في المناظرة ناقلاً لها عما حكاه الشيخ عن نفسه، وقد أخل بنقله واختصاره، والعبد الفقير مؤلف كتاب الرد على الزائغ النبهاني قد ذكرت سابقاً ما كان في المجالس التي انعقدت لمناظرة الشيخ بنص عبارته وعين كلامه، فأغنانا ذلك عما ذكره الشيخ مرعي في هذا الباب. ثم قال الشيخ مرعي: "فصل" في توجه الشيخ إلى مصر ومحنته بها، وسبب

стр. 882

محنته وابتلائه قيامه في الله والرد على أهل البدع والعقائد الفاسدة، فقد حث على غزو الكسروانيين الروافض وغيرهم من الدروز والنصيرية، وغزاهم بمن معه من المسلمين وفتح بلادهم، وكاتب السلطان فيهم بحسم مادة شيوخهم الذين يضلونهم، والأمر بإقامة شعائر الإسلام وقراءة الأحاديث ونشر السنة ببلادهم كما مر ذكره، وكان استئصالهم في المحرم سنة خمس وسبعمائة. ولما كان تاسع جمادى الأولى من سنة خمس بالغ الشيخ في الرد على الفقراء الأحمدية والرفاعية بسبب خروجهم عن الشريعة بعد أن حضروا نائب السلطنة وشكوا من الشيخ، وطلبوا أن يسلم لهم حالهم وأن لا يعارضهم ولا ينكر عليهم، وطلبوا حضور الشيخ فلما حضر وقع بينهم كلام كثير، فقال الشيخ- في كلام طويل- إنهم وإن كانوا منتسبين إلى الإسلام وطريقة الفقر والسلوك ويوجد في بعضهم من التعبد والتأله والوجد والمحبة والزهد والفقر والتواضع ولين الجانب والملاطفة في المخاطبة والمعاضرة؛ فيوجد أيضاً في بعضهم من الشرك وغيره من أنواع الكفر والبدع في الإسلام والإعراض عن كثير مما جاء به رسول الله ﷺ والكذب والتلبيس وإظهار المخارق الكاذبة مثل ملابسة النار والحيات وإظهار الدم واللأذن والزعفران وماء الورد والعسل وغير ذلك، وأن عامة ذلك عن حيل معروفة وأسباب مصنوعة، كطلي أجسامهم لدخول النار بدهن الضفاح وباطن قشر النارنج وحجر الطلق وغير ذلك من الحيل، وقال لهم بحضرة نائب السلطنة أدخل أنا وهم النار ومن احترق فعليه لعنة الله ولكن بعد أن نغسل جسومنا بالخل والماء الحار بالحمام، فلما زيفهم الشيخ وأظهر تلبيسهم قال حتى لو دخلتم النار وخرجتم منها سالمين وطرتم في الهتواء ومشيتم على الماء لا عبرة بذلك مع مخالفة الشرع، فإن الدجال الأكبر يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج، ومع هذا فهو دجال كذاب ملعون، وليس لأحد الخروج عن الشريعة ولا عن كتاب الله وسنة رسوله. وذكر لهم قول أبي يزيد البسطامي: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء فلا

стр. 883

تغتروا به. وأطال الكلام في ذلك بحيث انفصل الأمر من عند نائب السلطنة أن كل من خرج منهم عن الكتاب والسنة ضربت عنقه. ثم ظهر الشيخ المنبجي بمصر وشاع أمره، فقيل للشيخ ابن تيمية إنه اتحادي، فكتب إليه الشيخ نحو ثلاثمائة سطر بالإنكار عليه، فاعتز الشيخ نصر قضاة مصر وعلماءها على ابن تيمية، وقال إنه سيء العقيدة مبتدع معارض للفقراء وغيرهم، وطعنوا فيه عند السلطان، فورد مرسوم السلطان لدمشق بسؤال الشيخ عن عقيدته، فعقد المجلس للمناظرة ثامن رجب سنة خمس وسبعمائة بحضرة العلماء والقضاة كما مر، ولا يبعد أن يكون الروافض وغيرهم قد برطلوا عليه، ثم لم يقنع ذلك الشيخ نصر المنبجي بل اجتمع مع طائفة من علماء مصر للجاشنكير الذي تسلطن بمصر، فأوهمه الشيخ نصر أن ابن تيمية يخرجهم من الملك ويقيم غيرهم وأنه مبتدع، فورد مرسوم السلطان إلى دمشق بإحضار ابن تيمية إلى مصر خامس شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة، فلما طلب إلى الديار المصرية مانع نائب الشام وقال عقد له مجلسان بحضرتي وحضرة القضاة والفقهاء وما ظهر عليه سوء، فقال الرسول لنائب دمشق أنا ناصح لك، وقد قيل: إنه يجمع الناس عليك وعقد لهم بيعة فجزع من ذلك وأرسله إلى القاهرة على البريد.

стр. 884

(ذكر خروجه لمصر) قالوا: ولما توجه الشيخ من دمشق المحروسة لمصر في يوم الإثنين ثاني عشر رمضان سنة خمس وسبعمائة وكان يوماً مشهوداً غريب المثل في كثرة ازدحام الناس لوداعه ورؤيته حتى انتشروا من باب داره إلى قريب الحبودة فيما بين دمشق والكسوة التي هي أول منزل، وهم ما بين باك وحزين ومتعجب ومتنزه ومزاحم متغال فيه، ودخل الشيخ مدينة مصر غرة يوم السبت وعمل في جامعها مجلساً عظيماً. وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان وصل الشيخ والقاضي إلى

стр. 885

القاهرة، وفي ثاني يوم بعد صلاة الجمعة جمع القضاة وأكابر الدولة بالقلعة لمحفل الشيخ وأراد الشيخ أن يتكلم فلم يمكن من البحث والكلام على عادته، وانتدب له الشمس ابن عدلان خصماً احتساباً، وادعى عليه عند القاضي ابن مخلوف المالكي أنه يقول إن الله فوق العرش حقيقة، وأن الله يتكلم بحرف وصوت،- زاد الحافظ الذهبي- وأن الله يشار إليه الإشارة الحسية، وقال اطلب عقوبته على ذلك، فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه، فقال له القاضي: أجب، ما جئنا بك لتخطب، فقال: ومن الحاكم في، قيل له: القاضي المالكي، قال: كيف يحكم في وهو خصمي، وغضب غضباً شديداً وانزعج، فأقيم من ساعته وحبس في برج أياماً، ثم نقل منه ليلة عيد الفطر إلى الحبس المعروف بالجب هو وأخواه شرف الدين عبد الله وزين الدين عبد الرحيم، ثم إن نائب السلطنة سيف الدين سلار بعد أكثر من سنة وذلك ليلة عيد الفطر من سنة ست وسبعمائة أحضر القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي، وتكلم في إخراج الشيخ من الحبس، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا إليه من يحضره ليتكلموا معه في ذلك فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ست مرات وصمم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس وانصرفوا من غير شيء. وفي شهر ذي الحجة سنة ست وسبعمائة طلب أخوة الشيخ تقي الدين شرف الدين وزين الدين من الحبس إلى مجلس نائب السلطنة سلار، وحضر القاضي زين الدين ابن مخلوف المالكي وجرى بينهم كلام كثير، وأعيدا إلى مواضعهما بعد أن بحث الشيخ شرف الدين مع القاضي المالكي وظهر عليه في النقل وخطأه في مواضع، وفي ثاني يوم أحضر الشيخ شرف الدين وحده إلى مجلس نائب السلطنة وحضر ابن عدلان وتكلم معه الشيخ شرف الدين وناظره وبحث معه وظهر عليه. وفي مصر سنة سبع وسبعمائة اجتمع القاضي بدر الدين ابن جماعة بالشيخ

стр. 886

تقي الدين في دار الأحدى بالقلعة بكرة الجمعة وتفرقا قبل الصلاة وطال بينهما الكلام. وفي ربيع الأول من سنة سبع دخل الأمير حسام الدين مهني بن عيسى ملك العرب إلى مصر وحضر بنفسه إلى الجب، فأخرج الشيخ تقي الدين يوم الجمعة إلى دار نائب السلطنة بالقعلة وحضر بعض الفقهاء وحصل بينهم بحث كثير وفرقت بينهم صلاة الجمعة، ثم اجتمعوا إلى المغرب ولم ينفصل الأمر، ثم اجتمعوا يوم الأحد بمرسوم السلطان، وحضر جماعة من الفقهاء كثيرة، كنجم الدين ابن الرفعة، وعلاء الدين الباجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعز الدين النمراوي، وشمس الدين ابن عدلان، ولم يحضر القضاة وطلبوا واعتذر بعضهم بالمرض وبعضهم بغيره، وانفصل المجلس على خير، وبات الشيخ عند نائب السلطنة، وكتب كتاباً إلى دمشق بكرة الاثنين يتضمن خروجه، وأنه أقام بدار سفير بالقاهرة، وأن الأمير سيف الدين سلار رسم بتأخيره عن الأمير مهنى أياماً ليرى الناس فضله، ويحصل لهم الاجتماع به، وكان مدة مقام الشيخ في الجب ثمانية عشر شهراً، وفرح خلق كثير بخروجه وسروا سروراً عظيماً، وحزن آخرون، وامتدحه الشيخ الإمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي بقصيدة منها: فاصبر ففي الغيب ما يغنيك عن حيل ... وكل صعب إذا صابرته هانا ولست تعدم من خطب رميت به ... إحدى اثنتين فأيقن ذاك إيقانا تمحيص ذنب لتلقى الله خالصة ... أو امتحاناً به تزداد قربانا يا سعد إنا لنرجو أن تكون لنا ... سعداً ومرعاك للزوار سعدانا وإن يضر بك الرحمن طائفة ... ولت وينفع من بالود والانا يا أهل تيمية العالين مرتبة ... ومنصباً فرع الأفلاك تبيانا جواهر الكون أنتم غير أنكم ... في معشر أشربوا في العقل نقصانا لا يعرفون لكم فضلاً ولو عقلوا ... لصيروا لكم الأجفان أوطانا يا من حوى من علوم الخلق ما قصرت ... عنه الأوائل مذ كانوا إلى الآنا إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم ... عليك دهر لأهل الفضل قد خانا

стр. 887

إني لأقسم والإسلام معتقدي ... وأنني من ذوي الإيمان إيمانا لم ألق قبلك إنساناً أسر به ... فلا برحت لعين المجد إنسانا في أبيات كثيرة غير هذه يمدح فيها الشيخ ويذم أعداءه. وفي يوم الجمعة صلى الشيخ في جامع الحاكم وجلس، فاجتمع عليه خلق عظيم، فسئل منه الوعظ، فاستعاذ وقرأ الفاتحة وتكلم في تفسير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١وفي معنى العبادة والاستعانة، إلى العصر. ثم لم يزل الشيخ ﵀ بمصر يعلم الناس ويفتيهم ويذكر بالله ويدعو إليه ويتكلم في الجوامع على المنابر بتفسير القرآن وغيره من بعد صلاة الجمعة إلى العصر إلى أن ضاق منه خلق كثير. وقال الحافظ الذهبي: أقام بمصر يقرىء العلم، واجتمع خلق عنده إلى أن تكلم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود وهم ابن سبعين وابن عربي والقونوي وأشباههم، فتحزب عليه صوفية وفقراء وسعوا فيه، واجتمع خلائق من أهل الخوانق والربط والزوايا واتفقوا على أن يشكوا الشيخ للسلطان، فطلع منهم خلق إلى القلعة وخلق تحت القلعة وكانت لهم ضجة شديدة حتى قال السلطان: ما لهؤلاء؟ فقيل له: جاؤوا من أجل الشيخ ابن تيمية يشكون منه ويقولون إنه يسب مشائخهم ويضع من قدرهم عند الناس، واستغاثوا منه وأجلبوا عليه، ودخلوا على الأمراء في أمره ولم يبقوا ممكنا، وأمر أن يعقد له مجلس بدار العدل، فعقد له يوم الثلاثاء في عشر شوال الأول سنة سبع وسبعمائة، وظهر في ذلك المجلس من علم الشيخ وشجاعته وقوة قلبه وصدق توكله وبيان حجته ما يتجاوز الوصف وكان وقتاً مشهوداً. وذكر الشيخ علم الدين البرزالي وغيره أن في شوال من سنة سبع وسبعمائة شكى شيخ الصوفية بالقاهرة كريم الدين الآملي وابن عطاء وجماعة نحو الخمسمائة من الشيخ تقي الدين وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة فخيروه

стр. 888

بين الإقامة بدمشق أو الإسكندرية بشروط أو الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ملتزماً ما شرط فأجابهم، فأركبوه خيل البريد ليلة ثامن عشر شوال، ثم أرسل خلفه من الغد بريد آخر فركب على مرحلة من مصر ورأوا مصلحتهم في اعتقاله، وحضر عند قاضي القضاة بحضور جماعة من الفقهاء، فقال بعضهم له ما ترضى الدولة إلا بالحبس، فقال قاضي القضاة وفيه مصلحة له، واستناب شمس الدين التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس فامتنع، وقال ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي فتحير، فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال نور الدين فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأرسل إلى حبس القضاة بحارة الديلم، وأجلس في الموضع الذي جلس فيه القاضي تقي الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن في أن يكون عنده من يخدمه، وكان جميع ذلك بإشارة الشيخ نصر المنبجي ووجاهته في الدولة. ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشغولين بأنواع من اللعب يلتهون بها عما هم فيه، كالشَّطرنج والنرد مع تضييع الصلوات، فأنكر الشيخ ذلك عليهم وأمرهم بملازمة الصلاة والتوجه إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة والتسبيح والاستغفار والدعاء، وعلمهم من السنة ما يحتاجون إليه ورغبهم في أعمال الخير وحضهم على ذلك، حتى صار الحبس بالاشتغال بالعلم والدين خيراً من كثير من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه حتى كان السجن يمتلىء منهم، واستمر الشيخ في الحبس يستفتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس، فلما كثر اجتماع الناس به وترددهم إليه ساء ذلك أعداءه وحصرت صدورهم، فسألوا نقله إلى الإسكندرية فنقل إليها مع أمير مقدم على البريد، ولم يمكن أحد من جماعته من السفر معه وحبس ببرج منها، وأشيع بأنه قتل وأنه غرق غير مرة ووصل الخبر إلى دمشق بعد عشرة أيام فحصل التألم وضاقت الصدور وتضاعف الدعاء، واستمر الشيخ بثغر الإسكندرية ثمانية

стр. 889

أشهر مقيماً ببرج مليح مطبق له شباكان، أحدهما إلى جهة البحر يدخل إليه من شاء ويتردد الأكابر والأعيان والفقهاء يقرؤون عليه ويبحثون معه ويستفيدون منه وأرسل صاحب سبتة إلى الشيخ يطلب منه الإجازة. فلما دخل السلطان الملك الناصر إلى مصر بعد خروجه من الكرك وقدومه إلى دمشق وتوجه منها إلى مصر سنة تسع وسبعمائة بادر لإحضار الشيخ من الإسكندرية في اليوم الثامن من شوال، فخرج الشيخ منها متوجهاً إلى مصر ومعه خلق من أهلها يودعونه ويسألون الله أن يرده إليهم، وكان وقتاً مشهوداً، ووصل إلى القاهرة ثامن عشر الشهر، واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة الرابع والعشرين منه، وأكرمه وتلقاه في مجلس حفل حضر فيه قضاة مصر والشام والفقهاء وأصلح بينه وبينهم. قال الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة: أخبرني بعض أصحابنا، قال: أخبرني القاضي جمال الدين ابن القلانسي قاضي العساكر المنصورة ذات ليلة- وقد أشاع الجهلة والمبغضون بأخبار مختلفة- فقلت له: إن الناس يقولون كيت وكيت، وإن الشيخ ربما يخرج من القلعة ويدعى عليه ويعزر ويطاف به، فقال الشيخ: يا فلان هذا لا يقع، ولا يسمح السلطان بشيء من ذلك، وهو أعلم بالشيخ وبعلمه ودينه، ثم قال: أخبرك بشيء عجيب وقع من السلطان في حق الشيخ؛ وهو أنه حين توجه السلطان إلى الديار المصرية ومعه القضاة والأعيان ونائب الشام الأفرم، فلما دخل الديار المصرية وعاد إلى مملكته وهرب سلار والجاشنكير واستقر أمر السلطان، جلس يوماً في دست السلطنة وأبهة الملك وأعيان الأمراء من الشاميين والمصريين حضور عنده، وقضاة مصر عن يمينه وقضاة الشام عن يساره، وذكر لي كيفية جلوسهم منه بحسب منازلهم، قال: ومن جملة من هناك ابن صصري عن يسار السلطان، وتحته الصدر علي قاضي الحنفية، ثم بعده الخطيب جمال الدين، ثم بعده ابن الزملكاني، قال وأنا إلى جانب ابن الزملكاني، والناس جلوس خلفه، والسلطان على مقعد مرتفع، فبينما الناس كذلك جلوس انتهض السلطان قائما، فقام الناس، ثم مشى السلطان فنزل عن تلك المقعدة ولا

стр. 890

يدرى ما به، وإذا بالشيخ تقي الدين مقبل من الباب والسلطان قاصد إليه، فنزل السلطان عن الإيوان والناس قيام والقضاة والأمراء والدولة، فتسالم هو والسلطان إلى ضفة في ذلك المكان فيها شباك إلى بستان فجلسا فيها حيناً ثم أقبلا ويد الشيخ في يد السلطان، فقام الناس وكان قد جاء في غيبة السلطان الوزير فخر الدين بن الخليس فجلس عن يسار السلطان فوق ابن صصري، وقعد السلطان على مقعده متربعاً، وشرع يثني على الشيخ عند الأمراء ثناء ما سمعته من غيره قط، وقال كلاماً كثيراً والناس يقولون معه ومثله الأمراء والقضاة، وكان وقتاً عجيباً وذلك مما يسوء كثيراً من الحاضرين من أبناء جنسه، وقال في الشيخ من الثناء والمبالغة ما لا يقدر أحد من أخص أصحابه يقوله، ثم إن الوزير أنهى إلى السلطان أن أهل الذمة قد بذلوا للدولة في كل سنة سبعمائة ألف درهم زيادة على الجالية إلى أن يعودوا إلى لبس العمائم البيض، وأن يعفوا من هذه العمائم المصبوغة التي ألزمهم بها ركن الدين الجاشنكير، فقال السلطان للقضاة ومن هناك ما تقولون؟ فسكت الناس، فلما رآهم الشيخ تقي الدين سكتوا جثا على ركبتيه وشرع يتكلم مع السلطان في ذلك بكلام غليظ، ويرد ما عرضه الوزير رداً عنيفاً، والسلطان يسكته برفق وتوقير، وبالغ الشيخ في الكلام، وقال ما لا يستطيع أحد أن يقول مثله ولا بقريب منه حتى رجع السلطان عن ذلك وألزمهم بما هم عليه واستمروا على هذه الصفة، فهذا من حسنات الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀. قال: وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر أن السلطان- لما جلسنا بالشباك- أخرج فتاوى لبعض الحاضرين في قتله واستفتاني في قتل بعضهم، قال ففهمت مقصوده وأن عنده حنقاً شديداً عليهم لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد في دولتك مثلهم، وأما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي وسكنت ما عنده عليهم، قال: فكان القاضي زين الدين بن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أعفى من ابن تيمية، لم نبق ممكنا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا.

стр. 891

ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، قال الذهبي: ولم يكن الشيخ من رجال الدول، ولا يسلك معهم تلك النواميس، فلم يعد السلطان يجتمع به، وعاد إلى بث العلم ونشره، والخلق يشتغلون عليه، ويقرؤون ويستفتونه ويجيبهم بالكلام والكتابة والأمراء والأكابر والناس يترددون إليه، وفيهم من يعتذر إليه مما وقع، فقال: قد جعلت الكل في حل مما جرى، ولم يزل الشيخ مستمرا على عادته من نفع الناس وموعظتهم والاجتهاد في سبيل الخير. فلما كان في شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة اتفق أن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه، قال الشيخ علم الدين: ظفر به بعض المبغضين له في مكان خال وأساؤوا عليه الأدب، وحضر جماعة كثيرة مت الجند وغيرهم إلى الشيخ بعد ذلك لأجل الانتصار له فلم يجب إلى ذلك، قال بعض أصحابنا جئت إلى مصر فوجدت خلقاً كثيراً من الحسنية وغيرهم رجالاً وفرساناً يسألوه عن الشيخ فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب الممالك على البحر، واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس، وقال له بعضهم: يا سيدي قد جاء خلق من الحسنية لو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا، فقال لهم الشيخ لأي شيء؟ قالوا لأجلك، فقال الشيخ: هذا لا يجوز. قالوا: فنحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس، فقال لهم: هذا ما يحل، قالوا: فهذا الذي فعلوه معك يحل؟ هذا شيء لا نصبر عليه، ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا. والشيخ ينهاهم ويزجرهم، فلما أكثروا في القول قال لهم: إما أن يكون الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء إن شاء. وأقام الشيخ بعد هذا مدة في الديار المصرية، ثم إنه توجه إلى الشام صحبة الجيش المصري قاصداً الغزاة، فلما وصل معهم إلى عسقلان توجه إلى بيت المقدس، وتوجه منه إلى دمشق، وجعل طريقه على عجلون، ووصل دمشق أول

стр. 892

يوم من ذي القعدة سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ومعه أخواه وجماعة من أصحابه، وخرج خلق كثير لتلقيه وسروا سروراً عظيماً بمقدمه وسلامته، وكان مجموع غيبته عن دمشق سبع سنين وسبع جمع.

стр. 893

(ذكر ما وقع للشيخ ابن تيمية بعد عوده لدمشق المحروسة) قال الحافظ ابن عبد الهادي بن قادمة: ثم إن الشيخ ﵀ بعد وصوله من مصر إلى دمشق واستقراره بها لم يزل ملازماً للاشتغال ونشر العلم وتصنيف الكتب وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطولة ونفع الخلق والإحسان إليهم والاجتهاد في الأحكام الشرعية، ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها قد يفتي بخلافهم أو بخلاف المشهور بما قام الدليل عليه عنده. ومن اختياراته التي خالفهم فيها أو خالف المشهور من أقوالهم؟ القول بقصر الصلاة في كل ما يسمى سفراً طويلاً كان أو قصيراً كما هو مذهب الظاهرية، وقول بعض الصحابة. والقول بأن البكر لا تستبرأ وإن كانت كبيرة كما هو قول ابن عمر واختاره البخاري صاحب الصحيح. والقول بأن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء كما هو مذهب ابن عمر واختاره البخاري أيضاً. والقول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدا الليل فبان نهاراً لا قضاء عليه كما هو في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁، وإليه ذهب بعض التابعين وبعض الفقهاء بعدهم. والقول بأن من أفطر في رمضان عمداً أو ترك الصلاة بلا عذر لا قضاء عليه، وقال به بعض الظاهرية، وحكي عن ابن بنت الشافعي، وفي البخاري عن أبي هريرة "من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن

стр. 894

صامه " ١. وبه قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وقال سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد. يقضي يوماً مكانه. والقول بأن المتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا والمروة كما في حق القارن والمفرد، وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل رواها عنه ابنه عبد الله، وكثير من أصحاب الإمام أحمد ﵁ لا يعرفونها. والقول بجواز المسابقة بلا محلل وإن خرج المتسابقان. والقول باستبراء المختلعة بحيضة وكذلك الموطوءة بشبهة والمطلقة آخر ثلاث تطليقات. والقول بإباحة وطء الوثنيات بملك اليمين. والقول بجواز عقد الرداء في الإحرام ولا فدية في ذلك، وجواز طواف الحائض ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهراً. والقول بجواز بيع الأصل بفرعه، كالزيتون بالزيت، والسمسم بالشيرج. والقول بجواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي وغيره بالفضة متفاضلاً وجعل الزائد من الثمن في مقابلة الصنعة. والقول بأن المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير قليلاً كان أو كثيراً. والقول بجواز التيمم في مواضع معروفة والجمع بين الصلاتين في أماكن مشهورة وغير ذلك من الأحكام المعروفة من أقواله.

стр. 895

وكان يميل آخراً لتوريث المسلم من الكافر الذمي وله في ذلك مصنف وبحث طويل. ومن أقواله المشهورة التي جرى بسبب الافتاء بها محن وقلاقل قوله بالتكفير في الحلف بالطلاق، وأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، وله في ذلك مصنفات ومؤلفات كثيرة، منها قاعدة كبيرة سماها "تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان "، نحو أربعين كراسة، وقاعدة سماها "الفرق المبين بين الطلاق واليمين " بقدر النصف من ذلك، وقاعدة في أن جميع أيمان المسلمين مكفرة مجلد لطيف، وقاعدة في تقرير أن الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة، وقواعد وأجوبة غير ذلك لا تنضبط ولا تنحصر، وله جواب اعتراض ورد عليه من الديار المصرية، وهو جواب طويل في ثلاث مجلدات بقطع نصف البلدي. ثم اجتماع بالشيخ يوم الخميس نصف ربيع الآخر سنة ثماني عشرة وسبعمائة القاضي شمس الدين بن مسلم الحنبلي وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق فقبل إشارته وعرف نصيحته وأجاب إلى ذلك. فلما كان يوم السبت أول جمادى الأولى من هذه السنة ورد البريد إلى دمشق ومعه كتاب السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق التي رآها الشيخ تقي الدين، والأمر بعقد مجلس في ذلك، فعقد يوم الاثنين ثالث الشهر المذكور بدار السعادة، وانفصل الأمر على ما أمر به السلطان، ونودي بذلك في البلد بعد الثلاثاء رابع الشهر المذكور، ثم إن الشيخ عاد إلى الإفتاء بذلك وقال: لا يسعني كتمان الحلم. فلما كان يوم الثلاثاء تاسع عشر رمضان من سنة تسع عشرة جمع القضاة والفقهاء عند نائب السلطنة بدار السعادة وقرىء عليهم كتاب السلطان، وفيه فصل يتعلق بالشيخ بسبب الفتوى في هذه المسألة، وأحضر وعوتب على فتياه بعد المنع، وأكد عليه في المنع من ذلك. فلما كان بعد ذلك بمدة ثاني عشري رجب سنة عشرين عقد مجلس بدار

стр. 896

السعادة وحضره النائب والقضاة وجماعة من المفتين، وحضر الشيخ، وعاودوه في الإفتاء في مسألة الطلاق، وعاتبوه على ذلك، وحبس في القلعة، فبقي فيها خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً، ثم ورد مرسوم السلطان بإخراجه، فأخرج يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين، وتوجه إلى داره، ثم لم يزل بعد ذلك يعلم الناس ويلقي الدروس في أنواع العلم.

стр. 897

(ذكر حبس الشيخ بقلعة دمشق إلى أن مات فيها) قالوا لما كان سنة ست وعشرين وسبعمائة وقع الكلام في مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى قبور الأنبياء والصالحين، وكثر القيل والقال بسبب العثور على جواب الشيخ الآتي، وعظم التشنيع على الشيخ، وحرف عليه ونقل عنه ما لم يقله، وحصلت فتنة طار شررها في الآفاق، واشتد الأمر وخيف على الشيخ من كيد القائمين في هذه القضية، بالديار الشامية والمصرية، وضعف من أصحاب الشيخ من كان عنده قوة، وجبن منهم من كانت له همة. وأما الشيخ ﵀ فكان ثابت الجأش، قوي القلب، وظهر صدق توكله واعتماده على ربه، ولقد اجتمع جماعة معروفون بدمشق وضربوا مشورة في حق الشيخ، فقال أحدهم ينفى فنفي القائل، وقال آخر يقطع لسانه فقطع لسان القائل، وقال آخر يعزر فعزر القائل، وقال آخر يحبس فحبس القائل، أخبر بذلك من حضر هذه المشورة وهو كاره لها. واجتمع جماعة آخرون بمصر وقاموا في هذه القضية قياماً عظيماً، واجتمعوا بالسلطان وأجمعوا أمرهم على قتل الشيخ، فلم يوافقهم السلطان على ذلك وأرضى خاطرهم بالأمر بحبسه. فلما كان يوم الاثنين سادس شعبان من السنة المذكورة ورد مرسوم السلطان بأن يكون في القلعة، وأحضر للشيخ مركوب فأظهر السرور بذلك وقال: إني كنت منتظراً ذلك، وهذا فيه خير عظيم. فركب إلى القلعة وأخليت له قاعة حسنة،

стр. 898

وأجري إليها الماء، ورسم له بالإقامة فيها، وأقام معه أخوه زين الدين يخدمه بإذن السلطان، ورسم له بما يقوم بكفايته، وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قرىء بجامع دمشق الكتاب السلطاني الوارد بذلك وبمنعه من الفتيا. وليس بعجب فقد وقع لأبي حنيفة مثله من المنع والحبس، ووقع للإمام أحمد كذلك فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر القاضي الشافعي بحبس جماعة من أصحاب الشيخ بسجن الحكم، وأوذي جماعة من أصحابه، واختفى آخرون، وعزر جماعة ونودي عليهم، ثم أطلقوا سوى الإمام شمس الدين محمد بن أبي بكر إمام الجوزية فإنه حبس بالقلعة وسكنت الفتنة.

стр. 899

(وهذا صورة السؤال وجواب الشيخ عنه) ما تقول السادة أئمة الدين- نفع الله بهم المسلمين- في رجل نوى زيارة قبور الأنبياء والصالحين- مثل نبينا محمد ﷺ وغيره- فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من حج ولم يزرني فقد جفاني "، "ومن زارني بعد موتي كان كمن زارني في حياتي " وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى " أفتونا مأجورين؟ الجواب: الحمد لله رب العالمين، أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين: أحدهما: وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفاء بن عقيل وطوائف كثيرة من العلماء المتقدمين أنه لا يجوز القصر في مثل هذا لسفر، لأنه سفر منهي عنه في الشريعة فلا يقصر فيه. والقول الثاني: أنه يقصر وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم،

стр. 900

كأبي حنيفة ﵀، ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، كأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن بن عبدوس الحراني، وأبي محمد بن قدامة المقدسي، وهؤلاء يقولون: إن هذا السفر ليس بمحرم، لعموم قوله ﷺ : "زوروا القبور"١ وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي ﷺ ، كقوله: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي " رواه الدارقطني. وأما ما يذكره بعض الناس من قوله: "من حج ولم يزرني فقد جفاني " فهذا لم يروه أحد من العلماء، وهو مثل قوله: "من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة" فإن هذا أيضاً باطل باتفاق العلماء، لم يروه أحد ولم يحتج به أحد، وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني. وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور بأنه ﷺ كان يزور مسجد قباء. وأجاب عن حديث "لا تشد الرحال " بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب. وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى". وهذا الحديث مما اتفق الأئمة على صحته والعمل به، فلو نذر بشده الرحال أن يصلي بمسجد أو بمشهد أو يعتكف فيه ويسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة، ولو نذر أن يسافر ويأتي المسجد الحرام بحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء، ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي في أحد قوليه وأحمد ولم يجب عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان جنسه واجباً بالشرع.

стр. 901

وأما الجمهور فيوجبون الوفاء بكل طاعة، كما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" والسفر إلى المسجدين طاعة فلهذا وجب الوفاء به. وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء، لأنه ليس من الثلاثة، مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان في المدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح: "من تطهر في بيته ثم أتى إلى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة". قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يعملها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسول الله ﷺ ، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادة وفعله فهو مخالف للسنة وإجماع الأمة، وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في "الإبانة الصغرى" من البدع المخالفة للسنة والإجماع، وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد لأن زيارة النبي ﷺ لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر. وقوله:" لا تشد الرحال ... إلخ" محمول على نفي الاستحباب، عنه جوابان: أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات فإذا من اعتقد أن السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع، وإذا سافر لاعتقاده أنها طاعة كان ذلك محرماً بإجماع المسلمين، فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة، ومعلوم أن أحداً لا يسافر إليها إلا لذلك، وأما إذا نذر الرجل أن يسافر إليها لغرض مباح فهذا جائز، وليس من هذا الباب. الوجه الثاني: أن الحديث يقتضي النهي والنهي يقتضي التحريم، وما ذكروه من الأحاديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل

стр. 902

هي موضوعة، لم يروها أحد من أهل السنن المعتمدة ولا شيئاً منها، ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها، بل مالك إمام أهل المدينة الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي ﷺ ، ولو كان هذا اللفظ معروفاً عندهم أو مشروعاً أو مأثوراً عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم أهل المدينة، والإمام أحمد أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ " وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه، وكذلك مالك في الموطأ، وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبت، ثم ينصرف. وفي سنن أبي داوود عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيداً وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم ". وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب رأى رجلاً يختلف إلى قبر النبي ﷺ ، فقال له: إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم " فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. في الصحيحين عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجداً. وهم دفنوه في حجرة عائشة خلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء، لئلا يصلي أحد عند قبره ويتخذه مسجداً فيتخذ قبره وثناً. وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك لا يدخل أحد إليه لا لصلاة هناك، ولا لتمسح بالقبر، ولا دعاء هنالك، بل هذا جميعه إنما كانوا يفعلونه في المسجد، وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه وأرادوا الدعاء دعوة مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر.

стр. 903

وأما الوقوف للسلام عليه فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضاً ولا يستقبل القبر، وقال أكثر الأئمة: بل يستقبل القبر عند السلام خاصة، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يستقبل القبر عند الدعاء، وليس في ذلك إلا حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها. واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ ولا يقبله وهذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله تعالى اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ١ قالوا: هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على صورهم تماثيل ثم طال عليهم الأمد فعبدوها. وقد ذكر هذا المعنى البخاري في صحيحه عن ابن عباس، وذكره محمد بن جرير الطبري في التفسير عن غير واحد من السلف، وقد بسطت الكلام على أصول هذه المسائل في غير هذا الموضع. وأول من وضع هذه الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على القبور هم أهل البدع من الرافضة ونحوهم، الذين يعطلون المساجد، ويعظمون المشاهد، التي يشرك فيها، ويكذب فيها، ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا، فإن الكتاب والسنة إنما فيهما ذكر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٢وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٤وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ٥.

стр. 904

وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه كان يقول: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ". هذا آخر ما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية، والله أعلم. وكان للشيخ في هذه المسألة كلام متقدم أقدم من هذا الجواب المذكور، وفيه ما هو أبلغ من هذا الجواب، كما أشار إليه في الجواب، ولما ظفروا في دمشق بجوابه هذا كتبوه وبعثوا به إلى الديار المصرية، وكتب عليه قاضي الشافعية: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية فصح، إلى أن قال: وإنما المحرم جعله زيارة قبر النبي ﷺ وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم معصية مقطوعاً بها، هذا كلامه. فانظر إلى هذا التحريف على شيخ الإسلام، والجواب ليس فيه المنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما فيه ذكر قولين في شد الرحل للسفر إلى مجرد زيارة القبور، والزيارة من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ لا يمنع الزيارة الخالية عن شد الرحل بل يستحبها ويندب إليها وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض الشيخ إلى هذه الزيارة في الفتيا لأن السائل لم يسأل عنها، ولا قال إنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها، لأن العامة فضلاً عن العلماء يعرفون أن زيارة القبور سنة، كيف يظن الجهل بذلك ممن سلم له الاجتهاد المطلق، والله سبحانه لا تخفى عليه خافية. ولما وصل خط القاضي المذكور إلى الديار المصرية كثر الكلام وعظمت الفتنة وطلب القضاة بها فاجتمعوا وتكلموا، وأشار بعضهم بحبس الشيخ، فرسم السلطان به وجرى ما تقدم ذكره، ثم جرى بعد ذلك أمور على القائمين في هذه القضية لا يمكن ذكرها في هذا الموضع.

стр. 905

(ذكر انتصار علماء بغداد للشيخ) قالوا لما وصل ما أجاب به الشيخ في هذه المسألة إلى علماء بغداد قاموا في الانتصار له وكتبوا بموافقته، قال الحافظ ابن عبد الهادي بن قدامة: ورأيت خطوطهم بذلك، وينبغي ذكر شيء منها هنا. هذه صورة جواب الشيخ الإمام العلامة جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام بن البتي الحنبلي ومن خطه نقل قال: "بسم الله الرحمن الرحيم، بعد حمد الله الذي هو فاتحة كل كلام، والصلاة والسلام على رسوله محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، أعلام الهدى ومصابيح الظلام، يقول أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه: ما حكاه الشيخ الإمام، البارع الهمام، افتخار الأنام، جمال الإسلام، ركن الشريعة، ناصر السنة، قامع البدعة، جامع أشتات الفضائل، قدوة العلماء الأماثل، في هذا الجواب من أقوال العلماء والأئمة النبلاء، بين لا يدفع، ومكشوف لا يتقنع، بل أوضح من النيرين، وأظهر من فرق الصبح لذي عينين، والعمدة في هذه المسألة الحديث المتفق على صحته، ومنشأ الخلاف بين العلماء من احتمالي صيغته، وذلك أن صيغة قوله ﷺ : "لا تشد الرحال" ذات وجهين: نفي، ونهي، لاحتمالها لهما، فإن لحظ معنى النفي فمعناه نفي فضيلة واستحباب شد الرحل وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة، ويتعين توجه النفي إلى فضيلتهما واستحبابهما دون ذاتهما، وإلا لزم تخلف الخبر، ولا يلزم من نفي الفضيلة والاستحباب نفي الإباحة، فهذا وجه متمسك من قال بإباحة هذا السفر بالنظر إلى أن هذه الصيغة نفي، وبنى على ذلك جواز القصر، وإن كان النهي ملحوظاً، فالمعنى حينئذ نهيه عن إعمال المطي وشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، إذ المقرر عند عامة الأصوليين أن النهي عن الشيء قاض بتحريمه أو كراهته على حسب الأدلة، فهذا وجه متمسك من قال بعدم جواز القصر في هذا السفر لكونه منهياً عنه، وممن قال بحرمته الشيخ الإمام أبو محمد الجويني من

стр. 906

الشافعية، والشيخ الإمام أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة، وهو الذي أشار القاضي عياض من المالكية إلى اختياره، وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور فمحمولة على ما لم يكن فيه شد رحل وإعمال مطي جمعاً بينها، ويحتمل أن يقال لا يصلح أن يكون غير حديث شد الرحال معارضاً له لعدم مساواته إياه في الدرجة لكونه من أعلى أقسام الصحيح، والله تعالى أعلم. وقد بلغني أنه رزىء وضيق على المجيب، وهذا أمر يحار فيه اللبيب، ويتعجب منه الأريب، ويقع منه في شك مريب، فإن جوابه في هذه المسألة قاض بذكر خلاف العلماء وليس حاكما بالغض من الصالحين والأنبياء، فإن الأخذ بمقتضى كلامه صلوات الله وسلامه عليه في الحديث المتفق على رفعه إليه هو الغاية القصوى في تتبع أوامره ونواهيه، والعدول عن ذلك محذور، وذلك مما لا مرية فيه، وإذا كان كذلك فأي حرج على من سئل عن مسألة فذكر فيها خلاف الفقهاء، ومال فيها إلى بعض أقوال العلماء، فإن الأمر لم يزل كذلك على ممر العصور وتعاقب الدهور، وهل ذلك محمول من القادح إلا على امتطاء نضو الهوى، المفضي بصاحبه إلى التوى، فإن من يقتبس من فوائده ويلتقط من فرائده لحقيق بالتعظيم، وخليق بالتكريم، ممن له الفهم السليم، والذهن المستقيم، وهل حكم المظاهر عليه في الظاهر، إلا كما قيل في المثل السائر "الشعير يؤكل ويذم" ولولا خشية الملالة لما سئمت من الإطالة. وكتب تحته الإمام صفي الدين بن عبد الحق الحنبلي: الحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين، ما ذكره مولانا الإمام العالم العامل، جامع الفضائل، بحر العلم، ومنشأ الفضل، جمال الدين الكاتب خطه أمام خطي هذا جمل الله به الإسلام، وأسبغ عليه سوابغ الإنعام، أتى فيه بالحق الجلي الواضح، وأعرض فيه عن إغضاء المشايخ، إذ السؤال والجواب اللذان تقدماه لا يخفى على ذي فطنة وعقل أنه أتى في الجواب بالمطابق للسؤال، بحكاية أقوال العلماء الذين تقدموه، ولم يبق عليه في ذلك إلا أن يعترض معترض في نقله فيبرزه له من كتب العلماء الذين حكى أقوالهم، والمتعرض له بالتشنيع إما

стр. 907

جاهل لا يعلم ما يقول، أو متجاهل يحمله حسده وحميته الجاهلية على رد ما هو عند العلماء مقبول، أعاذنا الله تعالى من غوائل الحسد، وعصمنا من مخائل النكد، بمحمد وآله الظاهرين.

стр. 908

(جواب آخر لعلماء الشافعية) قال: ما أجاب به الشيخ الأوحد الأجل بقية السلف، وقدوة الخلف، رئيس المحققين، وخلاصة المدققين، تقي الملة والحق والدين، من الخلاف في هذه المسألة صحيح منقول في غير ما كتاب من كتب أهل العلم، فلا مجال للاعتراض عليه في ذلك، إذ ليس بعيب لرسول الله ﷺ ولا غض من قدره، وقد نص الشيخ أبو محمد الجويني في كتبه على تحريم السفر لزيارة القبور، وهو اختيار الإمام القاضي عياض من المالكية، وهو أفضل المتأخرين من أصحابنا، وفي المدونة: ومن قال عليَّ المشي إلى المدينة أو بيت المقدس فلا يأتيهما أصلاً إلاّ أن يريد الصلاة في مسجديهما فليأتهما. فلم يجعل نذر زيارة قبره طاعة يجب الوفاء بها، ومن أصلنا أن من نذر طاعة لزمه الوفاء بها أكان من جنسها ما هو واجب بالشرع كما هو مذهب أبي حنيفة أو لم يكن؟ قال القاضي أبو إسحق إسماعيل بن إسحق عقب هذه المسألة: ولولا الصلاة فيهما لما لزمه إتيانهما، ولو كان نذر زيارته طاعة لزمه ذلك، وقد ذكر ذلك القيرواني في تقريبه، والشيخ ابن بشير في تنبيهه. وفي المبسوط: قال مالك: ومن نذر المشي إلى مسجد من المساجد ليصلني فيه قال: فإني أكره ذلك له، لقوله ﷺ : "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس، ومسجدي هذا" وروى محمد بن المواز في الموازية عنه: إلا أن يكون قريباً فيلزمه الوفاء، لأنه ليس بشد رحل. وقد قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر في "كتاب التمهيد": يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وحيث تقرر هذا فلا يجوز أن ينسب من أجاب في هذه المسألة بأنه سفر منهي عنه إلى الكفر، فمن كفره بذلك من غير موجب فإن كان مستبيحاً ذلك فهو كافر، وإلا فهو فاسق.

стр. 909

قال الإمام أبو عبد لله محمد بن علي المازري في "كتاب المعلم": من كفر أحداً من أهل القبلة فإن كان مستبيحاً لذلك فقد كفر، وإلا فهو فاسق يجب على الحاكم إذا رفع أمره إليه أن يؤدبه أو يعزره بما يكون رادعاً لأمثاله، فإن ترك ذلك مع القدرة عليه فهو آثم، والله تعالى أعلم، كتب ذلك محمد بن عبد الرحمن البغدادي الخادم للطائفة المالكية في المدرسة الشريفة المستنصرية.

стр. 910

(جواب آخر لبعض علماء الشام المالكية) قال: السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمشروع، وأما من سافر إلى مسجد النبي ﷺ ليصلي فيه ويسلم على النبي ﷺ وعلى صاحبيه ﵄ فمشروع باتفاق العلماء، وأما لو قصد إعمال المطي لزيارته ﷺ ولم يقصد الصلاة فهذا السفر إذا ذكر رجل فيه خلافاً للعلماء- وأن منهم من قال إنه منهي عنه، ومنهم من قال إنه مباح، وإنه على القولين ليس بطاعة ولا قربة، فمن جعله طاعة وقربة على مقتضى هذين القولين كان حراماً بالإجماع وذكر حجة كل منهما، أو رجح أحد القولين- لم يلزمه ما يلزم من تنقص، إذ لا تنقص في ذلك ولا إزراء بالنبي ﷺ ، وقد قال مالك لسائل سأله إذا نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصل فيه، وإن كان أراد القبر فلا يفعل، للحديث الذي جاء: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد" والله أعلم، كتبه أبو عمرو بن أبي الوليد المالكي. (وورد مع أجوبة أهل بغداد كتاب وفيه) : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ناصر الملة الإسلامية، ومعز الشريعة المحمدية، بدوام أيام الدولة المباركة السلطانية، المليكة المالكية الناصرية، ألبسها الله تعالى لباس العز المقرون بالدوام، وحلاها بحلية النصر المستمر بمرور الليالي والأيام، والصلاة والسلام على النبي المبعوث إلى جميع الأنام، وعلى آله البررة الكرام.

стр. 911

اللهم إن بابك لم يزل مفتوحاً للسائلين، ورفدك ما برح مبذولاً للوافدين، من عودته مسألتك وحدك لم يسأل أحداً سواك، ومن منحته منائح رفدك لم يفد على غيرك ولم يحتم إلا بحماك، أنت الرب العظيم الكريم الأكرم، قصد باب غيرك على عبادك محرم، أنت الذي لا إله غيرك ولا معبود سواك، عز جارك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، لم تزل سنتك في خلقك جارية بامتحان أوليائك وأحبابك، فضلاً منك عليهم، وإحساناً من لدنك إليهم، ليزدادوا لك في جميع الحالات ذكراً، ولأنعمك في جميع التقلبات شكراً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ ١ اللهم أنت العالم الذي لا يعلم، وأنت الكريم الذي لا يبخل، قد علمت يا عالم السر والعلانية أن قلوبنا لم تزل برفع إخلاص الدعاء صادقة، وألسننا في حالتي السر والعلانية ناطقة، أن تمتعنا بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة السلطانية الناصرية بمزيد العلا والرفعة والتمكين، وأن تحقق آمالنا فيها بإعلاء الكلمة، ففي ذلك رفع قواعد دعائم الدين، وقمع مكائد الملحدين، لأنها الدولة التي برئت من غشيان الجنف والحيف، وسلمت من طغيان القلم والسيف، والذي عهده المسلمون وتعوده المؤمنون، من المراحم الكريمة والعواطف الرحيمة، إكرام أهل الدين، وإعظام علماء المسلمين، والذي حمل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة- وإن كانت لم تزل مرفوعة إلى الله بالنية الصحيحة- قوله ﷺ : "الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ". وقوله ﷺ : "الأعمال بالنيات". وهذان الحديثان مشهوران بالصحة مستفيضان في الأمة. ثم إن هذا الشيخ المعظم الجليل والإمام المكرم النبيل، أوحد الدهر، وفريد العصر، طراز المملكة الملكية، وعلم الدولة السلطانية، لو أقسم مقسم بالعظيم القدير أن هذا الإمام الكبير ليس له في عصره مماثل ولا نظير؛ لكانت

стр. 912

يمينه برة غنية عن التكفير، وقد خلت من وجود مثله السبع الأقاليم إلا هذا الإقليم، يوافق على ذلك كل منصف جبل على الطبع السليم، ولسنا بالثناء عليه نطريه، بل لو أطنب مطنب في مدحه والثناء عليه لما أتى على بعض الفضائل التي فيه، أحمد بن تيمية، درة يتيمة يتنافس فيها، تشترى ولا تباع، ليس في خزائن الملوك ما يماثلها ويؤاخيها، انقطعت عن وجود مثله الأطماع. لقد أصم الأسماع، وأوهى قوى المتبوعين والأتباع " سماع رفع أبي العباس أحمد بن تيمية إلى القلاع، وليس يقع من مثله أمر ينقم منه عليه إلا أن يكون أمرا قد لبس عليه، ونسب إلى ما لا ينسب مثله إليه، والتطويل على الحضرة العالية لا يليق، إن يكن في الدنيا قطب فهو القطب على التحقيق، وقد نصب الله السلطان أعلى الله شأنه في هذا الزمان منصب يوسف الصديق لما صرف الله وجوه أهل البلاد إليه، حيث أمحلت البلاد واحتاج أهلها إلى القوت المدخر لديه، والحاجة بالناس الآن إلى قوت الأرواح الروحانية أعظم من حاجتهم في ذلك الزمان إلى طعام الجثث الجسمانية، وأقوات الأرواح المشار إليها لإخفاء أنها العلوم الشريفة، والمعاني اللطيفة، وقد كانت بلاد المملكة السلطانية- حرسها الله تعالى- تكال الثناء جزافاً بغير أثمان، منحة عظيمة من الله ذي السلطان، ونعمة جسيمة إذ خص بلاد مملكته وإقليم دولته بما لا يوجد في غيرها من الأقاليم والبلدان، وقد كان وفد الوافدون من سائر الأمصار فوجدوا صاحب صواع الملك قد رفع إلى القلاع، ومثل هذه الميرة لا توجد في غير تلك البلاد لتشترى أو تباع، وصادف ذلك جدب الأرض ونواحيها جدبا أعطب أهاليها، حتى صاروا من شدة حاجتهم إلى الأقوات كالأموات، والذي عرض للمليك بالتضييق على صاحب صواعه مع شدة الحاجة إلى غذاء الأرواح لعله لم يتحقق عنده أن هذا الإمام من أكابر الأولياء وأعيان أهل الصلاح، وهذه نزغة من نزغات الشيطان، قال الله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ ١.

стр. 913

وأما إزراء بعض العلماء عليه في فتواه وجوابه عن مسألة شد الرحال إلى زيارة القبور؛ فقد حمل جواب علماء هذه البلاد إلى نظرائهم من العلماء وقرنائهم من الفضلاء، وكلهم أفتى أن الصواب في الذي به أجاب، والظاهر بين الأنام أن إكرام هذا الإمام ومعاملته بالتبجيل والاحترام فيه من قوام الملك، ونظام الدولة، وإعزاز الملة واستجلاب الدعاء، وكبت الأعداء، وإذلال أهل البدع والأهواء، وإحياء الأمة، وكشف الغمة، ووفور الأجر، وعلو الذكر، ودفع البأس، ونفع الناس، ولسان حال المسلمين تالٍ قول الكبير المتعال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ ١ والبضاعة المزجاة هي هذه الأوراق المرقومة بالأقلام، والميرة المطلوبة بالإفراج عن شيخ الإسلام، والذي حمل على هذا الإقدام قوله ﵇: "الدين النصيحة" والسلام.

стр. 914

(كتاب آخر لعلماء بغداد) وفيه بعد البسملة والحمدلة: اللهم فكما أيدت ملوك الإسلام وولاة الأمر بالقوة والقهر، وشيدت لهم ذكراً وجعلتهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذخراً وللمكسور العائذ بأكناف بابهم جبراً فاشدد اللهم منهم بحسن معونتك لهم أسراً، وأعل لهم مجداً، وارفع لهم قدراً، وزدهم عزاً وعلى أعدائهم نصراً، وامنحهم توفيقاً مسدداً وتمكيناً مستمراً. وبعد؛ فإنه لما قرع أسماع أهل البلاد المشرقية والنواحي العراقية التضييق على شيخ الإسلام أبي العباس تقي الدين أحمد بن تيمية سلمه الله تعالى عظم ذلك على المسلمين، وشق على ذوي الدين، وارتفعت رؤوس الملحدين، وطابت نفوس أهل الأهواء والمبتدعين، ولما رأى علماء أهل هذه الناحية عظم هذه النازلة من شماتة أصحاب البدع، وأهل الأهواء بأكابر الأفاضل وأئمة العلماء أنهوا حال

стр. 915

هذا الأمر الفظيع والحال الشنيع إلى الحضرة الشريفة السلطانية- زادها الله شرفاً- وكتبوا أجوبتهم في تصويب ما أجاب به الشيخ سلمه الله تعالى في فتاواه، وذكروا من علمه وفضائله بعض ما هو فيه، وحملوا ذلك بين يدي مولانا ملك الأمراء أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، غيرة منه على هذا الدين، ونصيحة للإسلام وأمراء المسلمين، والآراء المولوية العالية أولى بالتقديم، لأنها ممنوحة بالهداية إلى الصراط المستقيم. قلت: والظاهر أن هذه الكتب لم تصل للسلطان الملك الناصر، إما لعدم من يوصلها له أو لموت الشيخ قبل وصولها، وإلا لظهر لها نتيجة، ولم أقف على ذلك، وهذه الأجوبة والكتب وصلت كلها إلى دمشق. ثم إن الشيخ ﵀ استمر مقيماً بالقلعة سنتين وثلاثة أشهر وأياماً إلى أن توفي، وما زال في تلك المدة معظماً مكرماً، يكرمه نقيب القلعة ونائبها إكراماً كثيراً، ويقضيان حوائجه ويبالغان في قضائها، وما برح في هذه المدة مكباً على العبادة والتلاوة وتصنيف الكتب والرد على المخالفين، وكتب على تفسير القرآن جملة كثيرة تشتمل على نفائس جليلة، ونكت دقيقة، ومعاني لطيفة، وبين في ذلك مواضع كثيرة أشكلت على خلق من علماء أهل التفسير، وكتب في المسألة التي حبس بسببها عدة مجلدات، منها كتاب في الرد على الأخنائي قاضي المالكية، ومنها كتاب كبير حافل في الرد على بعض قضاة الشافعية، وأشياء كثيرة في هذا المعنى، وكان ما صنفه في هذه المدة قد خرج بعضه من عنده وكتبه بعض أصحابه وظهر واشتهر، فلما كان قبل وفاته بشهر ورد مرسوم بإخراج ما عنده كله، ولم يبق عنده كتاب ولا ورق ولا دواة ولا قلم، وكان بعد ذلك إذا كتب ورقة إلى بعض أصحابه كتبها بفحم، ولما أخرج ما عنده من الكتب والأوراق حمل إلى القاضي علاء الدين القونوي وجعل تحت يده في المدرسة العادلية.
следующие страницы →