← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 12037

ضياء السالك إلى أوضح المسالك

محمد عبد العزيز النجار

Полный текст (1 668 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة : الحمد لله على جزيل نعمه، وتواتر آلائه ومننه، والصلاة والسلام على النبي المرتضى والحبيب المرتجى؛ سيدنا محمد ﷺ النبي العربي، والرسول القرشي؛ صفوة الأنبياء، وأفصح البلغاء، وعلى آله وأصحابه وتابعيه، ومن نحا نحوهم، واهتدى بهديهم، وسلك سبيلهم، إلى يوم الجزاء. "وبعد" فهذا مؤلف جديد، وتعليق فريد، على "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك" للإمام الجليل جمال الدين بن هشام الأنصاري، يزيد على ما سبقه من الكتب في دقة نسجه، ويفوق ما تقدمه من التعليقات في بسط جوهره، وينفرد عن غيره من المؤلفات بعمق النظرة، ووضوح الفكرة. تناولت فيه التعليق الوافي على متن فخر النحاة "ابن هشام"، وأوضحت باختصار معاني وإعراب ألفية "ابن مالك" الهمام. وكشفت عن خفي العبارات والتراكيب التي يصعب على الدارس فهمها، ويلتوي عليه وعيها وإدراكها. وشرحت ما فيه من أمثلة وشواهد، وأجملت معانيها، وذكرت إعراب الغامض منها، وموضع الشاهد فيها. واستقصيت -في إيجاز- ما تمس الحاجة إليه من طرائف وفوائد في شتى الموضوعات، وعملت على تجديد وتنويع ما عرضت من الأسئلة والتطبيقات. وأضفت -في المناسبات- الموضوعات الصرفية الهامة التي أغفلها "ابن هشام" كما أغفلها "ابن مالك" -وبخاصة تصريف الأفعال اكتفاء بكتابه لامية الأفعال- ليكون الكتاب مغنيًا بنفسه في القواعد النحوية والصرفية. وعنيت بعرض تعريف مناسب لأئمة النحاة والقراء الذين وردت أسماؤهم

стр. 2

في هذا السفر الجليل؛ ليكون الدارس على بصيرة بمنزلتهم العلمية، فيختار من آرائهم ما تطمئن إليه نفسه، ويهديه إليه درسه وبحثه. وقد صدرت الكتاب بنبذة جامعة عن وضع النحو ونشأته، وسيره في طريق النمو والازدهار، حتى أينع وأثمر، واستتبع ذلك ذكر بعض رواده الأوائل، وجلة واضعيه الأماثل. وأوضحت كيف نشأ المذهبان المعروفان لدى علماء النحو؛ وهما: المذهب البصري، والمذهب الكوفي، وأهم الفروق بينهما. وقد أقبلت على وضع هذا المؤلف بعد أن سمح وقتي بتفرغي إليه، وقصر جهدي عليه، ومراجعة المصادر المختلفة التي تعين على توضيحه، وتساعد على إظهار مكنون أسراره، وقصدت بعملي هذا خدمة ذلك السفر العظيم، والتقرب إلى الله -الذي تعنو له الوجوه- بتيسير وفهم لغة كتابه الكريم. وقد أسميته: "ضياء السالك إلى أوضح المسالك" سائلًا الله -جلت قدرته- أن يضيء به الطريق لقارئه، وينير السبيل أمام المطلع عليه، إنه سميع مجيب. المؤلف

стр. 3

ترجمة ابن هشام: هو الإمام العلامة النحوي المشهور: أبو محمد عبد الله "جمال الدين" بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري المصري، ولد بالقاهرة في ذي القعدة من عام ٧٠٨ "ثمان وسبعمائة من الهجرة النبوية"، الموافق ١٣٠٩ ميلادية. وقد اشتغل منذ نشأته بالعربية، وتوافر على دراستها حتى أتقنها وبرز فيها، وقرأ على ابن السراج، وسمع من أبي حيان ديوان زهير بن أبي سلمى ولم يلازمه، وحضر دروس الشيخ تاج الدين التبريزي، وتفقه على مذهب الشافعي ثم تحنبل. وقد فاق الأقران بل الشيوخ، وبز من تقدمه، وأعيا من أتى بعده، وتصدر للدرس، فنفع الطلاب وأفادهم كثيرًا، وأقبل الناس عليه من كل صوب، وكان كثير المخالفة لأبي حيان، شديد الانحراف عنه، هذا إلى صلاحه وورعه وشدة تواضعه. قال عنه شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: "لقد انفرد ابن هشام بالفوائد الغريبة، والمباحث الدقيقة، والاستدراكات العجيبة، والتحقيق البالغ، والاطلاع المفرط، والاقتدار على التصرف في الكلام، والملكة التي كان يتمكن بها من التعبير عن مقصوده بما يريد؛ مسهبًا وموجزا، مع التواضع والبر، والشفقة ودماثة الخلق، ورقة القلب". وحسبك هذه الشهادة -الجامعة لأنواع الفضائل- من إمام جليل كابن حجر.

стр. 4

وقال عنه المؤرخ العلامة ابن خلدون: "ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر بمصر عالم بالعربية، يقال له ابن هشام، أنحى من سيبويه". وذكره مرة أخرى بقوله: "إن ابن هشام على علم جم يشهد بعلو قدره في صناعة النحو: وكان ينحو في طريقته منحى أهل الموصل الذين اقتفوا أثر ابن جني، واتبعوا مصطلح تعاليمه، فأتى من ذلك بشيء عجيب يدل على قوة ملكته واطلاعه". وقد صنف ابن هشام كثيرًا من الكتب النافعة التي تلوح منها أمارات التحقيق، وطول الباع في البحث والتدقيق، منها: "مغني اللبيب عن كتب الأعاجيب" وهو مشهور متداول، ومرجع هام للدارسين، وعليه شروح كثيرة. و"الروضة الأدبية في شواهد علوم العربية" وهو شرح لشواهد "اللمع لابن جني" و كتاب "رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة" في أربع مجلدات … وغير ذلك. ومن كتبه المتداولة الآن: "شذور الذهب في معرفة كلام العرب"، و"قطر الندى وبل الصدى" وهما يدرسان في بعض المعاهد. و"شرح الجامع الصغير". وله عدة حواش على الألفية والتسهيل. وشرح قصيدتي: "بانت سعاد" و"البردة". أما "أوضح المسالك" الذي نحن بصدد التعليق عليه، فقد ذاع صيته، وانتشر في الآفاق ذكره، وهو مرجع هام في نحو اللغة العربية. وكان ﵀ خبيرًا بالشعر ونظمه. ومن شعره قوله: ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله … ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل ومن لا يذل النفس في طلب العلا … يسيرا يعش دهرا طويلا أخا ذل وتوفي ﵀ ليلة الجمعة، الخامس من ذي القعدة سنة ٧٦١ "إحدى وستين وسبعمائة هجرية"، الموافقة ١٦٣٠ ميلادية. ودفن عند باب النصر بالقاهرة، وقبره معروف هنالك إلى الآن. ﵀ وأسبغ على جدثه المغفرة والرضوان.

стр. 5

وقد رثاه كثير من الشعراء، ومنهم ابن نباتة المصري بقوله: سقى ابن هشام في الثرى نوء رحمة … يجر على مثواه ذيل غمام سأروي له في سيرة المدح مسندا … فما زلت أروي سيرة ابن هشام

стр. 6

كلمة إجمالية عن نشأة النحو: العرب وسيادة قريش: ١ - كان يسكن الجزيرة العربية شعبان عظيمان من شعوب الأمة العربية هما: العدنانيون، وكانوا يسكنون الحجاز بمكة وما والاها، ومنهم قريش. والقحطانيون، وكانت منازلهم باليمن. وكانت لغة الشعبين عربية فصيحة، غير أنهما يختلفان في مدلول بعض الألفاظ واللهجات، كما كان لكل من الشعبين لهجات تختلف باختلاف القبائل. ٢ - وكان لقريش السيادة في الجاهلية، بسبب ما آل إليها من السقاية (١) والرفادة (٢) والحجابة (٣) والسدانة (٤) في البيت الحرام. وكانت مكة مزارًا يحج إليها العرب جميعًا كل عام، وتقام فيها الأسواق التي كان من أشهرها: عكاظ (٥)، ومجنة (٦)، وذي المجاز (٧)، والتي كان يحضرها الناس للتجارة، كما يحضرها الخطباء والشعراء من شتى الجهات؛ للتفاخر والتهاجي والتباري في الخطابة والشعر، ويحكم بينهم الحكام، والسعيد من حكم له بالسبق. فاجتمع

стр. 7

لقريش من ذلك كله زاد لغوي واسع، أضافته إلى لغتها الأصلية بعد أن تخيرت أعذبه جرسًا، وأخفه وقعًا، وأبلغه معنى. فأصبحت لغتها أغنى اللغات العربية، وأشملها، وأعذبها، وأقدرها على تصوير المعاني المختلفة. وتسابق الخطباء والشعراء في استعمال لغة قريش، ونقلوا كثيرا منها إلى قبائلهم، فانتشرت في الجزيرة العربية وسادت. فكان ذلك تمهيدًا وتهيئة لجو ملائم للرسالة المحمدية، ونزول القرآن الكريم بتلك اللغة المنتقاة. ٣ - وكان العرب في هذه الآونة، يتكلمون العربية الصحيحة بالسليقة على اختلاف قبائلهم ولهجاتهم، وكانوا قليلي الاتصال بمن حولهم من الأعاجم، فكان بين الفرس وعرب الجزيرة، والروم وعرب الشام شيء من الاتصال، يدخل بعض هؤلاء الجزيرة العربية، ويتعلمون اللغة، وينطقونها تقليدًا.

стр. 8

ظهور اللحن: ١ - ولما جاء الإسلام وانتشر خارج الجزيرة العربية، اضطر العرب للاختلاط بغيرهم، وزاد اتصالهم بالأعاجم في سائر الأمصار، وتبادلوا معهم التجارة والمنافع؛ فأخذ الفساد يدب في تلك السليقة العربية، وظهر اللحن بين بعض العرب -علاوة على الدخلاء من الأعاجم- وساعد على ذلك أن اللغة العربية لغة مُعْربة، سرعان ما يتسرب إليها اللحن والفساد. ٢ - وقد ظهر اللحن في عهد الرسول ﵇ فقد روي أن رجلًا لحن بحضرته، فقال: "أرشدوا أخاكم فقد ضل". ومر عمر بن الخطاب على نفر يتمرنون على رمي السهام فوجدهم لا يحسنون، فأنبهم، فقالوا له: إنا قوم متعلمين، فأفزعه ذلك وقال: والله لخطؤكم في لسانكم أشد على من خطئكم في رميكم. وروي أن كاتبًا لأبي موسى الأشعري -وكان واليًا لسيدنا عمر على البصرة- كتب رسالة على لسان أبي موسى إلى سيدنا عمر: من أبو موسى الأشعري إلى .... ، فلما اطلع عمر عليها كتب إلى أبي موسى: عزمت عليك

стр. 9

لما ضربت كاتبك سوطًا. ٣ - وقد شاع اللحن بين أوساط الناس، وجرى على ألسنة العجم المستعربين فهال ذلك أولي الأمر، وخافوا أن يتسرب إلى القرآن الكريم والحديث الشريف، فأسرع المفكرون والعلماء إلى وضع قواعد يهتدى بها؛ لحفظ اللغة من هذا الخطر الداهم. وقد هداهم تفكيرهم إلى وضع علمي النحو واللغة.

стр. 10

وضع النحو: ١ - اختلفت الروايات عن المتقدمين فيمن أشار بوضع النحو، ومن ابتدأ وضعه. وكثر الحديث في ذلك؛ فمن قائل: إن علي بن أبي طالب أول من وضع النحو، وأنه دفع إلى أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة ٦٧ هجرية بصحيفة فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، الكلام كله اسم وفعل وحرف … إلخ. وأمره بتكميله. ومن قائل: إن أبا الأسود هو الذي ابتدأ هذا العمل بإشارة عمر ﵁ وقيل بإشارة زياد بن أبيه -وكان أبو الأسود معلم أولاده- وهو والي العراق وقتئذ، وقد لحظ انتشار اللحن. ويرى فريق أن أبا الأسود هو الذي بدأ ذلك بنفسه حين قالت له ابنته: يا أبت ما أحسن السماء! فقال نجومها. فقالت له: لم أرد شيء منها أحسن؟ إنما تعجبت من حسنها. فقال لها: قولي إذن: ما أحسن السماء! ثم دفعه ذلك إلى التفكير في وضع النحو، وابتدأ بباب التعجب. ٢ - ومهما قيل، فمن المؤكد -بعد البحث- أن أبا الأسود هو الذي بدأ هذا العمل، سواء كان بإشارة علي، أم عمر، أم زياد، أم بتفكيره هو، وأنه لم يبدأ بما قيل من تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، ولا بوضع باب التعجب أو غيره، فإن التأليف لم يكن معروفًا عند العرب، كما أن كلمة النحو كلمة دقيقة مبتكرة لا تأتي عفوا، والمنطق والعقل يوحيان بالتدرج في مثل هذا العمل المبتكر، والأقرب -كما قيل- أن أبا الأسود بدأ بوضع نقط فوق الحروف؛

стр. 11

لتقوم مقام الشكل الذي نعرفه اليوم، وبعض الضوابط التي تحفظ من الخطأ في كتاب الله، ثم تدرج العمل بعد. ٣ - وقد كان أبو الأسود من القراء، لبقا ذكيا، حاضر البديهة، كما كان شاعرًا مفلقا. ولعل الذي هداه إلى ذلك أنه خالط الأعاجم في العراق مدة طويلة، وكانت اللغة السريانية -وهي شقيقة اللغة العربية؛ لأن كلتيهما لغة سامية- منتشرة في شمال العراق، ولها نحو فيه اصطلاحات وتقاسيم، وقد يكون أبو الأسود استفاد من ذلك، هو ومن عاصره وشاركه هذا العمل، ومن أتى بعده ممن عنوا بهذا العلم، ووضعوا أصوله وقواعده. ٤ - وقد عاصر أبا الأسود، وأخذ عنه، وتدارس معه مسائل النحو كثيرون من العلماء؛ منهم: نصر بن عاصم الليثي المتوفى سنة ٨٩ هجرية، أول من سبب النحو وفتق فيه القياس؛ حتى نسب بعضهم إليه أول وضعه. وعبد الرحمن بن هرمز، أول من نقل النحو إلى المدينة وتكلم فيه، وتوفي سنة ١١٧ هـ، ودفن بالمدينة. ومنهم: يحيى بن يعمر المتوفى سنة ١٢٩ هـ، والذي بسط النحو وعين بعض أبوابه، وكان أظهر عمل هؤلاء أن أثاروا بعض مسائل مختلفة من النحو حول آيات من القرآن الكريم، وأبيات من الشعر العربي. ٥ - وقد أخذ عن معاصري أبي الأسود أو تلاميذه كثيرون؛ منهم عبد الله بن إسحاق الحضرمي المتوفى سنة ١١٧ هـ، أول من مد القياس وشرح العلل. وأبو عمرو بن العلاء، أوسع الناس علمًا بكلام العرب ولغتها وغريبها، ثم عيسى بن عمرو الثقفي المتوفى سنة ١٤٩ هـ، الذي تتلمذ عليه الخليل بن أحمد، وقد جمع ما أثاره أسلافه من المسائل المتفرقة، وقيل إنه ألف كتابين سمى أحدهما "الإكمال" والآخر "الجامع"، وقد قال فيهما الخليل: بطل النحو جميعا كله … غير ما أحدث عيسى بن عمر ذاك "إكمال" وهذا "جامع" … فهما للناس شمس وقمر

стр. 12

ويقال: إن الجامع هو كتاب سيبويه، أضيف إليه كثير مما تلقاه عن الخليل بن أحمد وبعض أساتذته وعلماء عصره، وكل هؤلاء بصريون. وقد ظهر في زمنهم بالكوفة كثير من علمائها، منهم: معاذ الهراء أستاذ الكسائي، إمام الكوفيين في النحو واللغة. والرؤاسي أستاذ الفراء، وهو أول من ألف في النحو من الكوفيين، وكتابه يسمى "الفيصل". ٦ - ثم جاء الخليل بن أحمد المتوفى سنة ١٧٥ هجرية، فعكف على دراسة هذا العلم، وأخذ يخترع ويستنبط الأصول من الفروع، وكان له الفصل الأول في إرساء قواعده ومسائله، ولم يؤلف في ذلك كتابا، وإنما أوحى بعلمه ونتائج بحوثه إلى تلميذه "سيبويه" المتوفى سنة ١٨٠ هـ، فجمع ذلك وضم إليه كثيرًا من أقوال علماء عصره، ومن سبقهم، وما سمعه بنفسه عن العرب، ورتبه وبوبه وبسطه على النحو الذي نعرفه الآن، وألف فيه كتابه المعروف، وقد حاز هذا الكتاب ثقة العلماء بعده، وتناولوه بالشرح والإيضاح، وأصبح لفظ "الكتاب" إذا أطلق لا ينصرف إلا إلى كتاب سيبويه. والواقع أن ما ألف بعده مبني عليه ومستمد منه، ولا يزال المرجع في كثير من مسائل النحو إلى الآن.

стр. 13

مصادر النحو والصرف: ١ - اعتمد العلماء الأقدمون فيما جمعوه من المسائل والقواعد النحوية والصرفية على ما جمع من علوم اللغة والأدب؛ تلك العلوم التي كان من أهم مصادرها: القرآن الكريم، والحديث الشريف، والشعر العربي الموثوق بصحته، وعربية قائليه. ٢ - كما اعتمدوا على مشافهة العرب والرحلة إليهم، حيث يقيمون في بواديهم النائية، أو الحواضر التي نزحوا إليها. وبذلوا في تتبع النصوص المختلفة المتنوعة جهدًا مضنيًا، وتحملوا كثيرًا من مشاق السفر والرحلة، وخشونة العيش؛ للاختلاط بالعرب. ثم أخذوا يستعرضون الجزئيات المختلفة

стр. 14

التي جمعوها، ويضعون لها الكليات، وأعملوا ذهنهم في استخراج القواعد المضبوطة الجامعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. ٣ - وبرغم ما أنفقوا من جهد ووقت ومال، وتحملوا من عناء ومشقة، جاءت القواعد التي وضعوها نتيجة استقراء ناقص؛ لأنه من المحال استيعاب جميع ما ورد عن العرب. يضاف إلى هذا: أن القبائل العربية لم تكن في مستوى واحد من الفصاحة، ولا من السلامة من اللحن؛ بسبب اختلاطها بغيرها من الأعاجم، وقرب بعضها من الحضر. ولذلك كان العلماء يتحرزون عند جمع اللغة، ويفضلون بعض القبائل على بعض، وأكثر القبائل العربية التي نقل عنها، وأخذت العربية الصحيحة منها هم: قيس، وتميم، وأسد، وهذيل، وبعض قبائل كنانة، وبعض الطائيين. واستبعدت قبائل: حمير، ولخم، وجذام، وقضاعة، وغسان، وإياد، وثقيف، وبني حنيفة، وعبد قيس؛ وذلك بسبب تسرب الخطأ إليهم، لقربهم من الأعاجم، ومخالطتهم لهم. ٤ - وقد حمل ذلك العلماء واضطرهم إلى القياس النحوي في بعض المسائل، فأصبحت القواعد التي وضعت بعد الاستقراء والقياس الصحيح، هي المقياس لعلم النحو والصرف، وأهدر ما عدا ذلك من المصادر.

стр. 15

أين نشأ النحو؟ المذهبان: البصري والكوفي ١ - العراق إقليم خصب يقع بين نهري دجلة والفرات، وهو من أقدم بقاع الأرض عمرانًا، وكان يسكنه كثيرون من الأمم والدول ذات العلوم والحضارة؛ كالبابليين، والآشوريين، والكلدانيين، والفرس، وغيرهم، وقد هاجر إليه كثيرون من القبائل العربية؛ منها قبيلتا ربيعة ومضر، ونزح إليه الأدباء والعلماء من سائر الجهات: لهذا كان أسبق البلاد إلى تدوين النحو والصرف، وساعد على ذلك حاجة أهل العراق الأعاجم إلى العناية بهذا العلم لتستقيم لغتهم الأعجمية بخلاف العرب، وقد أنشئت مدينة البصرة في الجنوب الغربي من

стр. 16

العراق قريبًا من بادية "نجد" سنة (١٤) هـ، كما أنشئت مدينة الكوفة في الشمال منه سنة (١٧) هـ بعيدة عن البادية، وكلاهما في زمن الخليفة سيدنا عمر بن الخطاب. ٢ - وكان بين أهل البصرة والكوفة تعصب قبلي، انقلب بعد إلى تعصب سياسي، ثم علمي. ولما كانت البصرة قريبة من بادية نجد، وعلى ثلاثة فراسخ من "المربد" -الذي كان في مبدأ أمره سوقًا للإبل، ثم صار متجرا يأتي إليه الناس من كل فج للبيع والشراء، ثم انقلب سوقا للشعر والأدب، والمناظرة بين العلماء- كان النحويون يقصدونها لتلقي الشعر من أفواه العرب، وقد ساعدهم ذلك على تحديد قواعد النحو ووضع رسومها. ٣ - وقد هاجر إلى البصرة كثيرون من علماء الممالك المجاورة؛ ليتعلموا النحو على علمائها، وينقلوه إلى بلادهم. وبذلك انتشر المذهب البصري، وشجع عليه خلفاء بني أمية. وتعتبر البصرة أول مدينة عنيت بالنحو واللغة وتدوينها، ووضع القواعد لهما، وقد سبقت غيرها بنحو قرن من الزمان. ويعتبر "سيبويه" وكتابه على رأس المذهب النحوي البصري. ومن أشهر النحويين البصريين غير ما أسلفنا: الأخفش، ويونس بن حبيب، واليزيدي، والجرمي، والمازني، والمبرد، والزجاج، وابن السراج، وابن درستويه، والفارسي، والسيرافي … وغيرهم. ويقسم العلماء نحاة البصريين إلى عشر طبقات. ٤ - أما الكوفة؛ فلبعدها عن البادية قل نزوح الأعراب الذين صحت لهجاتهم إليها، وكانت "الكناسة" (١) عندهم تقابل "المربد" في البصرة؛ حيث يجتمع فيها العرب، ويتنافسون في إلقاء الخطب وإنشاد الشعر .. إلخ. ولكن -على الرغم من هذا- لم يكن لها ما كان للمربد من أثر بعيد في اللغة.

стр. 17

٥ - وقد اتخذ الكوفيون لهم مذهبًا خاصا يضاهي مذهب البصريين وينافسه، واختلفوا معهم في كثير من المسائل؛ لأن بعض القواعد التي قعدها البصريون جاءت نتيجة استقراء ناقص؛ فقد كان الكوفيون أكثر رواية للشعر من البصريين. وعلى رأس المذهب الكوفي: أبو جعفر الرؤاسي، وتلميذاه: الكسائي والفراء، واشتهر من علمائهم: هشام بن معاوية الضرير، وابن السكيت، وابن الأعرابي، والطوال، وابن سعدان، وثعلب، وابن كيسان، والأنباري، ونفطويه .. إلخ. وينقسم نحاة الكوفة إلى ست طبقات. ٦ - وقد حدثت بين أصحاب المذهبين مناقشات، وخلافات، ومنازعات ومناظرات (١)، ابتدأت هادئة بين الخليل من البصريين، والرؤاسي من الكوفيين، ثم اشتدت بين سيبويه والكسائي وأتباعهما. وقد كان لهذه العصبية العلمية التي نشأت عن العصبية السياسية أثر عظيم في خدمة العلم، والتسابق في تجليته. واستمر الخلاف إلى أواخر القرن الثالث الهجري، ثم خفت حدة النزاع والجدل، وتقارب المذهبان حين التقى الكوفيون بالبصريين في بغداد بعد قليل. ثم جاء بعد ذلك من عرض المذهبين ونقدهما، واختار منهما مذهبًا خاصا، وعلى رأس هؤلاء: العالم الثقة، أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الكوفي المتوفى سنة (٢٩٦) هـ. فقد مزج المذهبين وإن كان إلى البصريين أميل.

стр. 18

منهج المذهبين وسبب الخلاف بينهما: ١ - وضع البصريون قواعد عامة مستنبطة من الجزئيات التي تتبعوها في أكثر القبائل المشهورة، التي كانت بمنأى عن المواطن التي سرى فيها اللحن،

стр. 19

ورأوا التزام هذه القواعد، والسير عليها، بدون حيدة عنها. وتمسكوا بصواب ما ذهبوا إليه على الرغم من تعدد القبائل واختلافها اختلافًا بينًا في اللغات واللهجات. وشجعهم على ذلك قرب البصرة من البادية، وتمشيًا مع قواعدهم أخذوا يؤولون كل ما خرج عن هذه القواعد، ولو كان مرويا عن الشعراء الموثوق بعربيتهم وبسلامة لغتهم، ويتكلفون في التخريج شططًا ليوافق مذهبهم، وإذا أعجزهم التأويل قالوا: إنه شاذ يحفظ ولا يقاس عليه، أو ضرورة دعت إليها القافية، أو الوزن الشعري وأحيانًا يخطئون بعض العرب المعروفين بصواب القول وصدق العروبة؛ إذا جاء في أقوالهم ما يخالف قواعدهم. وقد نشأ عن ذلك إهدارهم لكثير من الاستعمالات العربية في بعض القبائل، واعتبروه خطأ أو شاذا، مع أنه في الواقع قد يكون غير ذلك، وما هو إلا لغة أو لهجة لهذه القبائل، وأحيانًا يصطنعون أبياتًا من الشعر للتدليل على آرائهم، وتمشيًا مع قواعدهم، وكانوا يرمون من وراء ذلك إلى تنظيم اللغة ولو بإهدار بعضها. ٢ - أما الكوفيون فقد عنوا بكل ما سمعوا من شعر عربي، ورأوا احترام جميع ما ورد عن العرب، وأجازوا استعماله ولو لم يجر على تلك القواعد التي وضعها البصريون، وقد احتجوا بالشاهد الواحد، وبالشاهد المجهول قائله، وربما جعلوا من هذه الشواهد الفردية والشواذ أساسًا لقواعد أخرى. قيل إن الكسائي كان يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة، فيجعله أصلًا ويقيس عليه. وقد كان الكوفيون أكثر رواية للشعر من البصريين، وكانوا يستنبطون بعض القواعد بالقياس النظري من غير حاجة إلى شاهد. أما البصريون فكانوا لا يستجيبون لكل مسموع، ولا يقيسون على الشاذ، ولهذا كانوا أصح قياسًا من الكوفيين. ومن هنا نشأ خلاف بين الفريقين في كثير من الفروع النحوية.

стр. 20

ونستطيع أن نجمل الفروق الأساسية بين المذهبين فيما يأتي: أ- البصريون حازمون متشددون في قبول ما يروى من الشعر، ولا يعترفون إلا ببعض القبائل الموثوق بشعرها، وقد ذكرناها، ويقل عندهم التجويز. ب- البصريون صارمون، معتدون بأنفسهم، والثقة بروايتهم، ويخطئون ما عداها من الروايات، مهما كان مصدرها. جـ- البصريون يؤولون ما يخالف قواعدهم، ولو كان عربيا صحيحًا، ويتكلفون في ذلك عنتًا، وإذا أعجزهم التأويل حكموا بشذوذه. أما الكوفيون فمتسامحون؛ يقبلون كل ما ورد عن العرب، ويقيسون حتى على البيت الواحد، ويضعون لكل شيء قاعدة ولو كان شاذا. وقد كان البصريون يتحرجون من الرواية عن علماء الكوفة؛ لأن اتصال هؤلاء بالخلفاء ببغداد، وتزاحمهم على أبوابهم -جعلهم يتزيدون فيما يعجب ويجري على الألسنة. أما الكوفيون فكانوا يأخذون عن البصريين؛ لثقتهم فيما يروونه. والذي لا شك فيه أن البصريين كانوا أكثر استنباطًا وإنتاجًا، وأوثق رواية من الكوفيين؛ لما ذكرنا من أن الفصحاء من العرب كانوا يردون على البصرة أكثر من الكوفة لقرب الأولى منهم. وقد نضج النحو في البصرة قبل الكوفة بنحو مائة عام. وهذا لا يحول دون صواب رأي الكوفيين في كثير من المسائل. ونشير هنا إلى أن تشجيع الخلفاء والأوامر من بني العباس للحركة العلمية -وبخاصة اللغة والنحو- كان له أكبر الأثر في الإقبال على تدوين هذا العلم، ووضع أصوله وقواعده. وقد أشرت إلى ما كان يحدث من مناظرات وغيرها. ويعتبر ما وضعه الخليل بن أحمد معجزة الزمان، وما دونه سيبويه في كتابه، وأكمله العلماء والباحثون في ذلك العصر -أساسًا لكل ما وصل إلينا في

стр. 21

النحو والصرف. وما جد في العصور المتتالية وفي جميع الأمصار- إنما هو شرح وتفصيل وتنظيم وتكميل لهذا التراث العظيم. فجزاهم الله بما قدموا من عمل أحسن الجزاء. وقد ألف أبو البقاء العكبري المتوفى سنة ٦١٦ هـ كتابًا أسماه: "التبيين في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين". كما ألف الإمام الجليل كمال الدين أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي المتوفى سنة ٥٧٧ هـ كتابًا أسماه "الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين" وهو كتاب فريد في بابه، ذكر فيه مائة وإحدى وعشرين مسألة. ولعل من المفيد أن أعرض بعض أمثلة من هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف، ليقف الدارس على وجهة نظر كل من الفريقين وما احتج به. ١ - العطف على موضع اسم "إن" بالرفع قبل تمام الخبر: أجازه الكوفيون محتجين بالنقل، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ بعطف ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ على موضع اسم إن بحسب الأصل قبل تمام الخبر وهو ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ وورد في كلام العرب: إنك وزيد ذاهبان. ذكر ذلك سيبويه في كتابه، والقياس لا يمنع العطف على الموضع قبل تمام الخبر مع "لا" فكذلك "إن" ويمنعه البصريون ويؤولون ما ورد من ذلك: ٢ - وقوع الفعل الماضي حالًا: أجازه الكوفيون محتجين بالنقل والقياس. أما النقل فقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ فحصرت فعل ماض، وهو موضع الحال من جاءوكم. ويؤيد قراءة: "حَصِرَةً صُدُورُهُمْ" وقول الشاعر أبي صخر الهذلي: وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض العصفور بلله القطر

стр. 22

فـ "بَلَّلَهُ" فعل ماض، وهو في موضع الحال، والقياس: أن كل ما جاز أن يكون صفة للنكرة جاز أن يكون حالًا للمعرفة. والفعل الماضي يجوز وقوعه صفة للنكرة، فتقول: مررت برجل قعد، وغلام قام. ومنعه البصريون، وأولوا ما ورد من أمثاله: ٣ - إظهار "أن" المصدرية بعد "لكي": أجازه الكوفيون، على أن تكون "أن" توكيدًا لكي، محتجين بقول الشاعر: أردت لكيما أن تطير بقربتي … فتتركها شنًا ببيداء بلقع ومنعه البصريون. ومثل "كي" "حتى". ٤ - ترخيم المضاف: أجازه الكوفيون، ويوقعون الترخيم في آخر الاسم المضاف إليه، محتجين بورود ذلك كثيرًا في الفصيح من كلام العرب، ومنه قول زهير بن أبي سلمى: خذوا حظكم يا آل عكرم واحفظوا … أواصرنا والرحم بالغيب تذكر أراد: "يا آل عكرمة" وهو عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، وحذف التاء للترخيم. ومنعه البصريون؛ بحجة أنه لا توجد فيه شروط الترخيم، وهي: أن يكون الاسم منادى، مفردًا، معرفة … إلخ. ٥ - إضافة اسم إلى آخر يوافقه في المعنى: أجازه الكوفيون إذا اختلف اللفظان، محتجين بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾، ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ فاليقين في المعنى نعت لحق، والنعت في المعنى هو المنعوت، وقد أضيف المنعوت إلى النعت وهما بمعنى واحد. والدار هي الآخرة وقد أضيفت إليها. وقولهم: "صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وبقلة الحمقاء" فالأولى في المعنى هي الصلاة، والجامع هو المسجد، والبقلة هي الحمقاء.

стр. 23

ومنعه البصريون؛ بحجة أن الإضافة يراد بها التعريف أو التخصيص، والشيء لا يتعرف بنفسه، وأولوا ما ورد من ذلك، على نحو ما هو مبسوط في كتب النحو. ٦ - إضافة النيف إلى العشرة: أجازه الكوفيون؛ فيقولون: خمسة عشر، واحتجوا بورود ذلك في الشعر العربي. قال الشاعر: كلف من عنائه وشقوته … بنت ثماني عشرة من حجته ولأن النيف اسم مظهر كغيره من الأسماء المظهرة، فلا مانع من إضافة مثلها. ومنعه البصريون؛ لأنهم جعلوا اللفظين اسمًا واحدًا، ولا يضاف بعض الاسم إلى بعضه، وأنكروا البيت. ٧ - العطف على الضمير المخفوض: أجازه الكوفيون، تقول: مررت بك ومحمد، محتجين بوروده كثيرًا؛ في القرآن الكريم، وفي الكلام العربي. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ﴾ بخفض الأرحام على قراءة حمزة؛ عطفًا على الضمير في "به" وقوله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعطف المسجد على الهاء من "به". وقال الشاعر: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا … فاذهب فما بك والأيام من عجب يخفض الأيام على الكاف في "بك". ومنعه البصريون؛ بحجة أن الجار مع المجرور كالشيء الواحد، والضمير إذا جر اتصل بالجار، ولهذا لا يكون إلا متصلًا، بخلاف ضمير المرفوع والمنصوب.

стр. 24

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين (١)، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الغر (٢) المحجلين (٣) وعلى آله وصحبه أجمعين صلاة وسلاما دائمين بدوام السموات والأرض. أما بعد حمد الله مستحق الحمد وملهمه (٤)، ومنشئ الخلق ومعدمه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأكرمه (٥)، المنعوت بأحسن الخلق وأعظمه (٦)؛ محمد نبيه، وخليله وصفيه، وعلى آله وأصحابه وأحزابه وأحبابه. فإن (٧) كتاب "الخلاصة (١) الأرجح: أنه اسم جمع، أعرب إعراب الجمع، وليس جمعًا لعالم بفتح اللام كما قال بعضهم؛ لأنه يستلزم أن يكون المفرد أعم من الجمع؛ لأن العالم اسم لما سوى الله، والعالمين خاص بالعقلاء. (٢) جمع أغر من الغرة، وهي بياض في الجبهة، ورجل أغر: شريف كريم الأفعال واضحها. (٣) جمع محجل، وهو من الخيل الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى الركبتين التي هي مواضع الأحجال؛ أي: الخلاخل والقيود. وفي هذه العبارة إشارة إلى قول الرسول ﷺ : "أمتي الغر المحجلون"، والمراد الموسومون ببياض مواضع الوضوء؛ من الأيدي والوجه والأقدام، وهو كناية عن النور والوضاءة. (٤) ملقنه لعباده. والإلهام: شيء يلقيه الله في النفس، يبعث الملهم على الفعل أو الترك، وهو نوع من الوحي يخص الله به من يشاء من عباده. (٥) أي: الموصوف من النعت بمعنى الصفة. (٦) الخلق -بضم اللام وسكونها- الدين والسجية والطبيعة، وهو صورة الإنسان الباطنية لنفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها. كما أن الخلق صورته الظاهرة وأفعالها وأوصافها المختصة بها، ويجمع على أخلاق لا غير. وهو يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. (٧) هذا جواب أما، ولذلك قرن بالفاء، أي: فأنا أقول لك إن …

стр. 25

الألفية في علم العربية" (١) نظم الإمام العلامة جمال الدين أبي عبد الله محمد بن مالك الطائي ﵀ (٢) كتاب صغر حجمًا، وغزر علمًا (٣)، غير أنه لإفراط (٤) (١) المراد هنا: النحو والصرف؛ لأن علم العربية -كما يقول الزمخشري- يطلق على اثني عشر علمًا. ويحد على هذا: بأنه قواعد تعرف بها أحوال الكلمات عند الإفراد والتركيب. (٢) هو إمام النحاة وحافظ اللغة: محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني الشافعي. ولد سنة ٦٠٠ هـ بمدينة جيان بالأندلس، فنسب إليها. ورحل أهله إلى دمشق، فنشأ بها، وأخذ العربية عن علمائها وغيرهم، ثم صرف همته إليها فأتقنها حتى حاز فيها قصب السبق، وبلغ الغاية، وأربى على المتقدمين، وأصبح المرجع في غريب اللغة ووحشيها، وكان فوق ذلك إمامًا في القراءات وعللها. أما النحو والصرف فكان فيهما بحرًا لا يجارى، وحبرًا لا يبارى. وكان العلماء يعجبون من أشعار العرب التي يستشهد بها في النحو واللغة من أين جاء بها؟ وكان نظم الشعر عليه سهلًا؛ رجزه، وطويله، وبسيطه. وأكثر ما كان يستشهد بالقرآن، فإن لم يجد فيه شاهدًا عدل إلى الحديث، فإن لم يجد فيه ضالته تحول إلى أشعار العرب. هذا مع شدة تدينه، وصدق لهجته، وفصاحة لفظه وأسلوبه، وكمال عقله، ووقاره، وقد أقام بدمشق يصنف ويدرس. وقد تخرج به كثير من العلماء، وله تصانيف كثيرة تقرب من الثلاثين، وقد قدم القاهرة ثم عاد إلى دمشق، وقيل إنه قرأ على ثابت بن حيان، وسمع من أبي علي الشلوبين، وأخذ عن ابن يعيش الحلبي. وتوفي ابن مالك بدمشق في ١٢ من شعبان سنة ٦٧٢ هـ، وقد رثاه العلماء كثيرًا، وقد جاء في مرثية الإمام شرف الدين الحصني: يا لسان الأعراب يا جامع الإعـ … ـراب يا مفهمًا لكل مقال يا فريد الزمان في النظم والنثـ … ـر وفي نقل مسندات العوالي كم علوم بثثتها في أناس … علموا ما بثثت عند الزوال (٣) - أي: كثر علمه، والغزارة: الكثرة، وبابه ظرف. (٤) - الإفراط: مجاوزة الحد في الأمر. والإيجاز: الاختصار، يقال: أوجز الكلام: قصره وقلله، والمراد شدة الاختصار. أما التفريط فهو: التقصير والإهمال، يقال: فرط في الأمر -قصر فيه وضيعه حتى فات.

стр. 26

الإيجاز، قد كاد يعد من جملة الألغاز. (١) وقد أسعفت (٢) طالبيه، بمختصر يدانيه، (٣) وتوضيح يسايره (٤) ويباريه (٥)، أحل به ألفاظه (٦)، وأوضح معانيه، وأحلل به تراكيبه (٧)، وأنقح مبانيه (٨)، وأعذب به موارده (٩)، وأعقل به شوارده (١٠)، ولا أخلي (١١) منه مسألة من شاهد (١٢) أو تمثيل، وربما أشير فيه إلى خلاف أو نقد أو تعليل. ولم آل جهدًا (١٣) في توضيحه وتهذيبه، وربما خالفته في تفصيله وترتيبه. (١) جمع لغز "بالضم وبضمتين -وبالتحريك- وكصرد" وهو ما يعمى به ويصعب فهمه، يقال: ألغز الكلام وألغز فيه: عمى مراده وأضمره على خلاف ما أظهره. والألغوزة: ما يعمى به. (٢) ساعدت وعاونت، يقال: أسعفه بحاجته: قضاها له. (٣) يقاربه في مسائله وبحوثه. (٤) يسير على نهجه ويتبع طريقته. (٥) يسابقه ويفعل مثل فعله. (٦) أبين وأشرح مفرداته. (٧) أي: أفصلها وأوضحها. (٨) أهذب أصول موضوعاته. ومبنى الكتاب: ما تبنى عليه مسائله. (٩) الموارد: المناهل، واحدها مورد. والعذب: الماء الطيب، والمراد: أيسر مسائله، حتى تطيب وتحلو لدى طلابها. (١٠) عقل البعير -من باب ضرب- ثنى وظيفه "مستدق ساقه" مع ذراعه وشدهما بالحبل؛ وهو العقال. والشارد: النافر، والمراد: أجمع مسائله المبعثرة، وأقيد المطلقة منها بأدلتها المحددة. (١١) لا أترك. (١٢) أي: دليل من كلام عربي صحيح لإثبات القاعدة، والمثال: جزئي يذكر للإيضاح. (١٣) لم أقصر في طاقتي ولم أدخر وسعًا، يقال: ألا -من باب عدا- قصر. والألو: التقصير. والجهد -بفتح الجيم وضمها- الطاقة والوسع.

стр. 27

وسميته: "أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك"، وبالله أعتصم (١)، وأسأله العصمة مما يصم (٢)، لارب غيره (٣)، ولا مأمول إلا خيره، عليه توكلت، وإليه أنيب. (١) أمتنع من الخطأ بلطفه وحفظه. والعصمة: المنع والحفظ. (٢) أي: يشين ويعيب. والوصم: العيب والعار. (٣) "غير" صفة لرب على المحل، وخبر "لا" النافية محذوف، أي: لا غير الله يطلب منه شيء، وكذلك خبر "لا" الثانية محذوف. والمعنى: لا مأمول غير خير الله معتد به. ولا يصح أن يكون "غير" خبرا؛ لأن خبر "لا" الجنسية يكون منفيا عن جمع أفراد الاسم، وذلك يستلزم أن تكون مغايرة الله منفية عن كل رب، وليس كذلك.

стр. 28

هذا باب شرح الكلام، وشرح ما يتألف منه (١): الكلام في اصطلاح النحويين: (٢) عبارة عما اجتمع فيه أمران: اللفظ والإفادة. والمراد باللفظ: الصوت المشتمل على بعض الحروف، تحقيقًا أو تقديرًا (٣). والمراد بالمفيد: ما دل على معنى يحسن السكوت عليه (٤). وأقل ما يتألف الكلام من اسمين؛ كـ"زيد قائم" (٥)، ومن فعل واسم؛ كـ"قام زيد"، ومنه (٦) "استقم"؛ فإنه من فعل الأمر المنطوق به، ومن ضمير المخاطب المقدر بـ"أنت". هذا باب شرح الكلام، وشرح ما يتألف منه الكلام: (١) - تشتمل الترجمة على قسمين: شرح الكلام؛ وقد بينه بقوله: "الكلام في اصطلاح النحويين .. إلخ" وشرح ما يتألف الكلام مه؛ وقد أوضحه بقوله: "وأقل ما يتألف الكلام من اسمين .. إلخ". (٢) أما عند اللغويين فهو القول وما كان مكتفيًا بنفسه في أداء المقصود منه؛ كالخط والإشارة والرمز. ويقول ابن عقيل: هو في اللغة: اسم لكل ما يتلفظ به، مفيدًا كان أو غير مفيد. وعند المتكلمين: هو المعنى القائم بالنفس. (٣) تحقيقًا: كمحمد وعلي، وتقديرًا: كالضمائر المستترة في نحو: اقرأ، تعلم، نشكر؛ فإنها ليست بحروف ولا أصوات، والتعبير عنها بالضمائر المنفصلة تقريبًا للفهم. (٤) أي: من المتكلم، بحيث يقتنع السامع ولا ينتظر مزيدًا من المخاطب، وهذا يستلزم أن يكون الكلام مركبًا مقصودًا، وعلى ذلك فلا حاجة لهذين القيدين، كما قال البعض. (٥) - هذان اسمان حكمًا؛ لأن الوصف مع مرفوعه المستتر في حكم الاسم المفرد. ومثال الاسمين حقيقة: الدب حيوان. (٦) - أي: ومما يتألف من فعل واسم. وهو بهذا يشير إلى أنه لا فرق بين أن يكون الجزآن مذكورين، أو أحدهما، ولا بين الخبر والإنشاء، هذا ويسمى الكلام "جملة".

стр. 29

والكلم: اسم جنس جمعي (١)، واحدة كلمة، وهي: الاسم، والفعل، والحرف. ومعنى كونه اسم جنس جمعي: أنه يدل على جماعة (٢) وإذا زيد على لفظه تاء التأنيث فقيل: "كلمة"، نقص معناه وصار دالا على الواحد، ونظيره: لبن ولبنة (٣)، ونبق ونبقة. وقد تبين بما ذكرناه في تفسير الكلام من أن شرطه الإفادة، وأنه من كلمتين، وبما هو مشهور من أن أقل الجمع ثلاثة، أن بين الكلام والكلم عمومًا وخصوصًا من وجه (٤)، (١) اسم الجنس: هو ما وضع للحقيقة من حيث هي: وينقسم بحسب الاستعمال قسمين: أ- اسم جنس جمعي "أي: يفيد معنى الجمع"، وهو: ما يدل على أكثر من اثنين، ويفرق بينه وبين واحده؛ إما بالتاء المربوطة، وتكون في المفرد غالبًا كشجر وشجرة وعنب وعنبة، ومنه كلم وكلمة، ويندر أن تكون التاء في اسم الجمع مثل: كمء "الموحدة" وكمأة "للجمع" وجبء، وجبأة. والكمء: نوع من النبات الصحراوي. وفي الحديث: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". والجبء: الأحمر من الكمء. وإما بياء النسب المشددة في المفرد؛ كترك وتركي وزنج وزنجي وعرب وعربي. ولا يقال: إن بعض جموع التكسير يفرق بينه وبين واحده بالتاء؛ كمدية ومدى، فكيف نميز بينهما؟ لأنا نقول: جمع التكسير له أوزان معروفة، أما اسم الجنس فلا وزن له، ويرى بعضهم: أن هذا النوع من اسم الجنس من جموع التكسير. ب- واسم جنس إفرادي، وهو ما يصدق على الكثير والقليل بلفظ واحد، فهو موضوع للحقيقة الذهنية لا بقيد قلة ولا كثرة، وذلك نحو: ماء، هواء، لبن، عسل … إلخ. وهنالك نوع من اسم الجنس يسمى: اسم الجنس الآحادي، وهو ما يدل على الماهية "الحقيقة الذهنية" ممثلة في فرد منتشر غير معين من أفرادها، ولا يتصور العقل هذه الحقيقة إلا بتخيل ذلك الفرد، مثل "أسامة" فإن معنى هذا اللفظ لا يفهم إلا متمثلًا في فرد. (٢) أي: من الكلمات، وذلك ثلاثة فأكثر. (٣) هذا مثال لاسم الجنس الجمعي من المصنوعات الإنسانية، وما بعده مثال من المخلوقات التي ليس للإنسان دخل فيها. واللبنة الطوبة النيئة التي يبنى بها. (٤) ضابط هذه النسبة بين الأشياء: أن تجتمع في الصدق على شيء، وينفرد كل. وقد أوضح المصنف ذلك.

стр. 30

فالكلم أعم من جهة المعنى؛ لانطلاقه على المفيد وغيره (١) وأخص من جهة اللفظ؛ لكونه لا ينطلق على المركب من كلمتين (٢)؛ فنحو: "زيد قام أبوه" كلام؛ لوجود الفائدة، وكلم؛ لوجود الثلاثة بل الأربعة. و"قام زيد" كلام لا كلم. و"إن قام زيد" بالعكس. والقول: عبارة عن اللفظ الدال على معنى (٣)؛ فهو أعم من الكلام والكلم والكلمة، عمومًا مطلقًا (٤) لا عمومًا من وجه. وتطلق الكلمة لغة (٥) ويراد بها الكلام (٦) نحو: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ (٧). وذلك كثير لا قليل. (١) المفيد نحو: القطن ثروة مصر، وغير المفيد؛ نحو: إن يجتهد الطالب. (٢) فقد تقدم أنه ما تركب من أكثر من كلمتين. (٣) سواء صح السكوت عليه أم لا. (٤) ضابط هذه النسبة بين الأشياء: الاجتماع في الصدق على شيء وانفراد الأعم وهو القول؛ فهو ينفرد في نحو: نور الشمس -ظلمة الليل- غلاف المصحف؛ لأن هذه الأمثلة ليست كلامًا ولا كلمًا ولا كلمة كما سلف. ولهذا قال الناظم: "والقول عم"؛ لأنه ينطبق عليها جميعًا. (٥) قيد بذلك؛ لأنها في الاصطلاح هي: اللفظة الواحدة التي تتركب من بعض الحروف الهجائية، وتدل على معنى مفرد، أي: جزئي. (٦) أي: على سبيل المجاز، من باب تسمية الشيء باسم جزئه. وكذلك يطلق القول ويراد به الرأي والاعتقاد؛ نحو: قال أبو حنيفة كذا، أي: رأى واعتقد. (٧) فإن الضمير في "إنها" وفي "قائلها" راجع لقوله تعالى حكاية عن العاصي إذا جاءه الموت: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، ومثل قولهم: كلمة الشهادة يريدون: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وتقول: قيل في حفل تكريم فلان كلمة رائعة لفلان، يراد: ما قال من خطبة أو شعر. ومن هذا قول الرسول عليه

стр. 31

فصل: يتميز الاسم (١) بخمس علامات (٢): إحداها الجر: وليس المراد به حرف الجر؛ لأنه قد يدخل في اللفظ (٣) على ما ليس باسم، نحو: عجبت من أن قمت، بل المراد به الكسرة التي يحدثها عامل الجر، سواء أكان العامل حرفًا، أم إضافة، أم تبعية (٤) وقد اجتمعت في البسملة (٥). السلام: "أصدق كلمة قالها شاعر، كلمة لبيد بن ربيعة: ألا كل شيء ما خلا الله باطل". وفيما تقدم يقول ابن مالك: "كلامنا" لفظ مفيد كاستقم … واسم وفعل ثم حرف "الكلم" واحده كلمة، "والقول" عم … وكلمة بها كلام قد يؤم * أي: إن الكلام عند النحاة هو: اللفظ المفيد، وذلك يستلزم أن يكون مركبًا مقصودًا، كاستقم، والكلم ثلاثة أقسام: اسم وفعل وحرف، مفرده كلمة، والقول يشمل بمعناه هذه الأقسام. وقد يقصد بالكلمة الكلام مجازًا، كما بينا. (١) الاسم: كلمة تدل بذاتها -أي: من غير احتياج إلى كلمة أخرى- على شيء ولا تقترن بزمن. وهذا الشيء قد يكون محسا؛ كمحمد، أو يدرك بالعقل؛ مثل: علم، شجاعة. (٢) إذا وجدت واحدة منها في الكلمة كانت دليلًا على أنها اسم. (٣) قيد بذلك؛ لأن ما بعد "من" في المثال اسم بالتأويل، أي: من قيامك. (٤) الصحيح أن الجار في الإضافة هو المضاف لا الإضافة، وفي التبعية عامل المتبوع من حرف أو مضاف -في غير البدل- لا التبعية. (٥) فإن "بسم" مجرور بالحرف، ولفظ الجلالة مجرور بالإضافة، و"الرحمن الرحيم" مجروران بالتبعية للموصوف.

стр. 32

الثانية التنوين: وهو نون ساكنة تلحق الآخر لفظًا لا خطا لغير توكيد. فخرج بقيد السكون: النون في "ضيفن" للطفيلي (١)، و"رعشن" للمرتعش، وبقيد الآخر النون في انكسر، ومنكسر. وبقولي لفظًا لا خطا: النون اللاحقة لآخر القوافي (٢) وسيأتي. وبقولي لغير توكيد: نون نحو: ﴿لَنَسْفَعًا﴾ ولتضربن يا قوم، ولتضربن يا هند. وأنواع التنوين أربعة: أحدها: تنوين التمكين (٣): كـ"زيد،، ورجل". وفائدته: الدلالة على خفة الاسم (٤)، وتمكنه في باب الاسمية؛ لكونه لم يشبه الحرف فيبنى، ولا الفعل فيمنع من الصرف. الثاني: تنوين التنكير: وهو اللاحق لبعض المبنيات للدلالة على التنكير (٥)؛ تقول: "سيبويه" إذا أردت شخصا معينًا اسمه ذلك، و"إيه" إذا استزدت مخاطبك من حديث معين. فإذا أردت شخصًا ما اسمه سيبويه، أو استزادة من حديث ما نونتهما (٦). (١) هو الذي يجيء مع الضيف في مأدبة أو وليمة، متطفلًا من غير دعوة له. (٢) جمع قافية، وهي آخر كلمة في البيت من الشعر. أو هي الحرف الذي تبنى عليه القصيدة، وقيل: هي من أول متحرك قبل أو ساكنين في نهاية البيت. (٣) ويسمى أيضًا: تنوين الصرف، وتنوين الأمكنة، وهو الذي يلحق أغلب الأسماء المعرفة المنصرفة: معرفة كانت أو نكرة كما مثل المصنف؛ لأن الأصل في الأسماء أن تكون معربة منونة. وهذا النوع أقوى أنواع التنوين في الدلالة على الاسمية، وهو المقصود عند الإطلاق. (٤) أي: بكونه معربا منصرفا. (٥) أي: الشيوع وعدم التعيين. (٦) ومن المبنيات ما لا يدخله التنوين؛ كحيث، وكم. وهذا التنوين مقيس في الأسماء المبنية المختومة بكلمة "ويه" مثل: خالويه، ونفطويه. ومقصور على السماع في أغلب أسماء الأفعال والأصوات؛ كصه وإيه، و"غاق" لحكاية صوت الغراب؛ فهو غير منون؛ يراد به صياح خاص فيه حزن أو فزع مثلًا، وبالتنوين نكرة تدل على مجرد صياح … وهكذا.

стр. 33

الثالث تنوين المقابلة: وهو اللاحق لنحو "مسلمات" (١)، جعلوه في مقابلة النون في نحو "مسلمين" (٢). الرابع تنوين التعويض (٣): وهو اللاحق لنحو: "غواش وجوار" (٤)؛ عوضًا عن الباء (٥). (١) أي: من جمع المؤنث السالم والملحق به. (٢) المقصود: جمع المذكر السالم والملحق به. وإيضاح ذلك كما يقول النحاة: أن التنوين في المفرد قد اختفى وحلت محله النون في آخر جمع المذكر: للدلالة على تمام الاسم. ولما كان جمع المؤنث جمع سلامة كجمع المذكر جعل التنوين فيه في مقابلة النون في جمع المذكر؛ لأنه أيضًا علامة على تمام الاسم، والذي يدل على أنه لتمام الاسم ليس غير؛ أنه ليس بتمكن. (٣) ويسمى أيضًا تنوين العوض. (٤) أي: من كل جمع تصحيح معتل الآخر على وزن "فواعل". وغوامش؛ جمع غاشية. وهي يوم القيامة، والغطاء. وغاشية الرجل: من يغشاه من زواره وأصدقائه. وجوار: جمع جارية، وهي السفينة والفتية من النساء. (٥) أي: المحذوفة عند جمع الكلمة جمع تكسير، فالتنوين هنا عوض عن حرف. وأصل جوار: جواري، على الصحيح من أن الصرف مقدم على الإعلال "أي: إن التنوين سابق على الحذف والتعويض"، حذفت الضمة لثقلها على الياء، فالتقى ساكنان: الياء والتنوين الذي تدل عليه الضمة الثانية، فحذفت الياء للتخلص من الساكنين، ثم التنوين لصيغة منتهى الجموع تقديرًا؛ لأن المحذوفة لعلة كالثابت، فصار "جوار" بغير تنوين، فخيف رجوع الياء فجيء بتنوين آخر عوضًا عنها، وقيل: إن منع الصرف مقدم على الإعلال "أي: إن الكلمة كانت غير منونة، ثم جاء الحذف والتعويض" فأصلها: جواري بدون تنوين؛ لأنها ممنوعة من الصرف لصيغة منتهى الجموع، حذفت الضمة للثقل فصارت جواري، ثم حذفت الياء تخفيفًا، وجيء بالتنوين عوضًا عنها؛ لأنها حرف أصلي لا يحذف من غير تعويض. ويقال عند الإعراب في حالتي الرفع والجر: مرفوع بالضمة على الياء المحذوفة، ومجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة فوق الياء المحذوفة. والتنوين في الحالتين عوض عن الياء.

стр. 34

ولـ"إذ" (١) في نحو: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ عوضًا عن الجملة التي تضاف "إذ" إليها (٢). وهذه الأنواع الأربعة مختصة بالاسم. وزاد جماعة تنوين الترنم (٣): وهو اللاحق للقوافي المطلقة (٤)؛ أي: التي آخرها حرف مد (٥)؛ كقوله: أقلي اللوم عاذل والعتابن … وقولي إن أصبت لقد أصابن (٦) (١) ومثلها: "حين" و"ساعة" وما أشبههما من ظروف الزمان التي تضاف إلى: "إذ". (٢) هذه الجملة في الآية هي: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، فحذفت وعوض عنها التنوين. ولما كانت الذال ساكنة وكذلك التنوين؛ حركت الذال بالكسر للتخلص من الساكنين، ووصلت "إذ" في الكتابة بما قبلها. وقد يجيء التنوين عوضًا عن كلمة، كتنوين "كل" و"بعض" الذي يكثر بحذف المضاف إليه بعدهما. والتنوين فيهما تنوين عوض وأمكنية معًا؛ لأنهما معربان منصرفان. (٣) أي: التنوين الذي يحصل به الترنم -وهو التغني- لأن النون حرف أغن، وقيل: الكلام على حذف مضاف؛ أي: قطع الترنم؛ لأن الترنم مد الصوت بمدة تجانس الروي، وهذا ما مشى عليه المصنف. (٤) أي: التي لم تقيد بسكون، فتحركت وامتد بها الصوت حتى تولد حرف علة في آخرها. (٥) وهو الألف والواو والياء المتولدة من إشباع الحركة قبلها، وتسمى أحرف الإطلاق. (٦) هذا مطلع قصيدة لجرير بن عطية بن حذيفة الخطفي، الشاعر الأموي المشهور، المتوفى سنة ١١٤ هـ يهجو فيها عبيد بن حصين الملقب بالراعي النميري؛ لتفضيله الفرزدق عليه. ومنها البيت المشهور: فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعبًا بلغت ولا كلابا =

стр. 35

الأصل: "العتابا" و"أصابا"، فجيء بالتنوين بدلًا من الألف لترك الترنم، وزاد بعضهم التنوين الغالي، وهو اللاحق للقوافي المقيدة (١)، زيادة على الوزن، ومن ثم (٢) سمي غاليًا؛ كقوله: قالت بنات العم يا سلمى وإنن … كان فقيرًا معدمًا قالت وإنن (٣) = اللغة والإعراب: أقلى: أمر من الإقلال؛ وهو جعل الشيء قليلًا؛ أي: خفي ولا تكثري، ولعله يريد الترك. اللوم: العذل والملامة. العتاب: مخاطبة الإدلال وتذاكر الموجدة. "أقلى" فعل أمر مبني على حذف النون وياء المخاطبة فاعل. "اللوم" مفعوله. "عاذل" منادى مرخم "عاذلة"، مبني على الضم في محل نصب. "والعتابن" معطوف على اللوم منصوب بالفتحة، والنون عوض عن ألف الإطلاق. "إن أصبت" شرط وفعله، والجواب محذوف؛ أي: فقولي "لقد أصابن" اللام موطئة لقسم محذوف، والجملة جواب ذلك القسم؛ وجملة القسم وجوابه في محل نصب مقول القول. المعنى: خففي أو اتركي أيتها اللائمة الوم والتعنيف، وإن وجدت مني صوابًا وتوخيا الحق والواقع، فلا تنكري ذلك علي، وقولي: والله لقد أصاب القول وما جانب الحق والسداد، وروي: أصبت -بكسر التاء- على أنها ضمير المخاطبة؛ أي: قصدت المنطق بالصواب والحق. الشاهد: في "العتابن، وأصابن"؛ حيث دخلهما تنوين الترنم بدلًا من ألف الإطلاق. والأولى اسم مقترن بأل، والثانية فعل ماض، وذلك يدل على أن هذا التنوين ليس مختصا بالاسم. وقد يدخل هذا التنوين الحرف كقول زياد بن معاوية، المعروف بالنابغة الذبياني؛ نسبة إلى قبيلة "ذبيان": أزف الترحل غير أن ركابنا … لما تزل برحالنا وكأن قد فإن الأصل "قدي" فجيء بالتنوين بدلًا من الياء لترك الترنم. (١) هي التي رويها ساكن غير مد. (٢) أي: ومن أجل زيادته على الوزن؛ فإن الغلو في اللغة: الزيادة، يقال: غلا السعر؛ زاد، وغلا في الأمر؛ جاوز فيه الحد. (٣) ينسب النحاة هذا البيت لرؤبة بن العجاج الراجز الإسلامي، المتوفى سنة ١٤٥ هـ، ولكن =

стр. 36

والحق أنهما نونان زيدتا في الوقف، كما زيدت نون "ضيفن" في الوصل والوقف، وليسا من أنواع التنوين في شيء؛ لثبوتهما مع أل، وفي الفعل، وفي الحرف، وفي الخط والوقف (١) ولحذفهما في الوصل (٢). وعلى هذا فلا يردان على من أطلق أن الاسم يعرف بالتنوين؛ إلا من جهة أنه يسميهما تنوينين. إما باعتبار ما في نفس الأمر، فلا. الثالثة النداء: وليس المراد به دخول حرف النداء؛ لأن "يا" تدخل في اللفظ على ما ليس باسم، نحو: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي﴾ (٣)، "أَلَا يَا اسْجُدُوا". . . . . . . . . . . = لم يوجد في ديوانه، وينشدون قبله: قالت سليمى ليت لي بعلًا يمن … يغسل جلدي وينسيني الحزن اللغة والإعراب: سليمى: تصغير سلمى؛ اسم امرأة. بعلا، البعل: الزوج والجمع البعولة. يمن: يمنن ويتفضل. معدمًا: شديد الفقر لا شيء عنده. "وإنن" الواو عاطفة على محذوف. "إن" حرف شرط جازم وحرك بالكسر للساكنين، والنون الزائدة حرف "كان" فعل الشرط واسمها يعود على البعل. "فقيرًا" خبرها. "معدمًا" صفة لفقير، وجواب الشرط محذوف؛ أي: تقبلينه بعلًا. "وإنن" الثانية محذوف شرطها وجوابها لدلالة الأولى عليهما. المعنى: قالت بنات عم سلمى لها: أترضين بهذا البعل وإن كان شديد الفقر لا مال له؛ فأجابتهن: نعم رضيت به وإن كان كذلك. الشاهد: في "إنن" حيث لحقها التنوين في عروض البيت وقافيته المقيدة، زيادة في الوزن، وهي حرف شرط بلا خلاف. وذلك يدل على أن هذا النوع من التنوين لا يختص بالاسم. (١) كما ذكر في العتابن، وأصابن، وإنن. (٢) أي: وليس كذلك شيء من أقسام التنوين. وهنالك مواضع يحذف فيها التنوين وجوبًا؛ منها وجود "أل" في صدر الكلمة المنونة، فتقول في جاء رجل: جاء الرجل، بغير تنوين، وإضافة الكلمة المنونة، تقول: جاء رجل القوم. والوقف على الكلمة المنونة في حالتي الرفع والجر .. إلخ. (٣) من الآية ٢٦ من سورة يس. و"يا" حرف نداء، وقد دخلت في اللفظ على ليت، وهي حرف تمن ونصب، و"قومي" اسمها. وجملة "يعلمون" خبرها، والمنادى محذوف؛ أي: يا هؤلاء، أو يا قوم. وقيل "يا" للتنبيه، وإذا لا شاهد فيه.

стр. 37

في قراءة الكسائي (١)، بل المراد كون الكلمة مناداة، نحو: يا أيها الرجل، و"يا فل، ويا مكرمان" (٢). الرابعة أل غير الموصولة (٣): كالفرس والغلام. فأما الموصولة فقد تدخل على المضارع كقوله: ما أنت بالحكم الترضي حكومته (٤) (١) فإنه يخفف اللام في "ألا" على أنها حرف تنبيه، وتكون "يا" حرف نداء، وقد دخلت على فعل الأمر لفظًا وهو "اسجدوا" والمنادى محذوف أي: يا هؤلاء. أما على قراءة "ألا" بتشديد اللام، فأن مصدرية و"لا" نافية، و"يسجدوا" مضارع منصوب بأن المصدرية، والمصدر المنسبك من أن والفعل في موضع نصب بدل من "أعمالهم" من قوله تعالى: ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ وهذا الشاهد من الآية ٢٥ من سورة النمل. (٢) هذان اسمان ملازمان للنداء ولا يقبلان من العلامات غير النداء، و"فل": كناية عن نكرة؛ أي: يا رجل، و"مكرمان": اسم للكريم الواسع الخلق، كما أن "ملأمان" للئيم الدنيء، وسيأتي إيضاح لذلك في باب "أسماء لازمت النداء" إن شاء الله. (٣) وغير الاستفهامية أيضًا؛ فإنها تدخل على الماضي، نحو: ألفعلت؟ بمعنى هل فعلت؟ (٤) صدر بيت من البسيط، لهمام بن غالب، المعروف بالفرزدق الشاعر الأموي، يخاطب رجلًا من بني عذرة هجاه بحضرة الخليفة عبد الملك بن مروان. وعجزه: ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل قيل: إن هذا الرجل دخل على عبد الملك، وعنده جرير والفرزدق والأخطل وهو لا يعرفه، فعرفه بهم، فقال على الفور: فحيا الإله أبا حرزة … وأرغم أنفك يا أخطل وجد الفرزدق أتعس به … ودق خياشيمه الجندل فأجابه الفرزدق: يا أرغم الله أنفًا أنت حامله … يا ذا الخنى ومقال الزور والخطل =

стр. 38

الخامسة الإسناد إليه (١): وهو أن تنسب إليه ما تحصل به الفائدة، وذلك كالتاء في "قمت" و"أنا" (٢) في قولك: أنا مؤمن. = وبعد هذا بيت الشاهد: اللغة والإعراب: الحكم: الذي يفصل في الخصومة بين المتخاصمين. الأصيل: الحسيب الكريم الأصول. الرأي: العقل والتدبير. الجدل: القدرة على المجادلة والمحاجة. "ما" نافية حجازية تعمل عمل ليس. "أنت" اسمها. "بالحكم" خبرها على زيادة الباء. ويجوز أن تكون "ما" تميمية مهملة، و"أنت" مبتدأ، و"بالحكم" خبر "أل" اسم موصول بمعنى الذي، صفة للحكم. "ترضى حكومته" الجملة من الفعل ونائب الفاعل صلة الموصول "ولا" الواو عاطفة و"لا" زائدة لتأكيد النفي. "الأصيل" معطوف على الحكم، ومثله ما بعده. المعنى: لست أيها العذري بالرجل الذي يعتد بحكمه ويرتضي قوله؛ فإنا لم نحكمك، ولا أنت بالحسيب الشريف النسب، ولا بصاحب رأي وتفكير، أو حجة تدعم بها قولك. الشاهد: دخول "أل" الموصولة على الفعل المضارع، مما يدل على أنها ليست علامة للاسم. وهل دخولها على المضارع خاص بالضرورة فتكون من علامة الاسم؟ أو جائز في الاختيار وإن كان قليلًا؟ رأيان: الأول رأي الجمهور، والثاني رأي الناظم وبعض الكوفيين، وقد سوغه شبه المضارع بالوصف. (١) أي: الإخبار عنه بشيء، وجعله متحدثا عنه؛ لأنه لا يتحدث إلا عن الاسم. وبهذه العلامة دل على اسمية الضمائر ونحوها. (٢) كرر المثال؛ لبيان أنه لا فرق بين تأخر المسند إليه وتقدمه، ولا بين أن يكون فعلًا أو وصفًا. وقد أشار ابن مالك إلى العلامات المتقدمة بقوله: بالجر والتنوين والنداء وأل … ومسند للاسم تميز حصل*

стр. 39

فصل: ينجلي الفعل بأربع علامات: إحداها: تاء الفاعل (١)؛ متكلمًا كان: كقمت، أو مخاطبًا نحو: تباركت. الثاني: تاء التأنيث الساكنة (٢)؛ كقامت وقعدت، أما المتحركة فتختص بالاسم؛ كقائمة (٣). وبهاتين العلامتين رد على من زعم حرفية "ليس" و"عسى" (٤). وبالعلامة الثانية على من زعم اسمية "نعم" و"بئس" (٥). (١) أي: تاء الضمير الذي يقع فاعلًا في المعنى للفعل قبله. (٢) أي: في الأصل، فلا يضر تحركها لعارض، نحو: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾. (٣) أي: مما حركته حركة إعراب، أما المتحركة بحركة بناء، فتدخل على الحروف؛ نحو: لات ربت، ثمت. وتكون في الاسم نحو: لا قوة إلا بالله. (٤) يرى الفارسي ومن تبعه من البصريين: أن "ليس" حرف؛ لدلالتها على النفي، قياسًا على "ما" النافية. وذهب الكوفيون إلى أن "عسى" حرف: لدلالتها على الترجي، قياسًا على لعل. ويقول الفريقان: إن لحاق التاء لهما لشبههما بالفعل، في كونهما على ثلاثة أحرف. وفي المعنى، والصحيح أنهما فعلان؛ بدليل قبولهما تاء التأنيث وتاء الفاعل. (٥) الزاعم هو الفراء من الكوفيين وحجته: دخول حرف الجر عليهما في بعض التراكيب، ومن ذلك قول بعض العرب وقد بشر بمولود أنثى: "والله ما هي بنعم الولد"، وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء السير "نعم السير على بئس العير". وتأولها المانعون على حذف موصوف وصفته، ودخول الجار على معمول الصفة وهو اسم؛ أي: بولد مقول فيه نعم الولد، وعلى عير مقول فيه بئس العير. وسيأتي مزيد إيضاح لذلك في باب "نعم وبئس".

стр. 40

الثالثة: ياء المخاطبة (١)؛ كقومي. وبهذه رد على من قال: إن هات و"تعال" اسما فعلين (٢). الرابعة: نون التوكيد، شديدة أو خفيفة، نحو: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا﴾ (٣). وأما قوله: أقاتلن أحضروا الشهودا (٤). فضرورة. (١) تكون في الأمر، وفي المضارع؛ نحو: أنت يا زينب تقومين. (٢) القائل هو الزمخشري. وحجته: استعمالها بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع، وإبراز الضمير معهما، لشدة شبههما بالفعل. والصحيح أن "هات" -بكسر التاء- فعل أمر بمعنى ناول، و"تعال" -بفتح اللام- أمر بمعنى أقبل؛ لقبولهما ياء المخاطبة. وهما مبنيان على حذف حرف العلة. (٣) من الآية ٣٢ من سورة يوسف. (٤) بيت من مشطور الرجز، نسبه بعض النحاة إلى رؤبة، وينسبه آخرون لشاعر من هذيل وقبله: أريت إن جاءت به أملودا … مرجلًا ويدبس البرودا ولا ترى مالًا له معدودا اللغة والإعراب: الأملود: الناعم، يقال: غصن أملود أي: ناعم. مرجلًا: ترجيل الشعر تجعيده، وإرساله بالمشط. البرود: جمع برد، وهو نوع معروف من الثياب. "أريت" أصله أرأيت، حذفت الهمزة الثانية تخفيفًا "إن جاءت" شرط وفعله. "أملودا" حال من الضمير في "به" العائد على الشاب المراد التزوج به، أو المولود على ما سنبين. وكذلك إعراب مرجلًا، وجملة: "يلبس البرودا". "أقائلن" جواب الشرط، والهمزة للاستفهام، وقائلن: خبر لمبتدأ محذوف مرفوع بالواو المحذوفة للساكنين، إن أريد به الجمع؛ أي: أأنتم قائلون؟ أو مبتدأ مرفوع بالضمة، وفاعله محذوف سد مسد الخبر، إن أريد به المفرد، والنون في الحالين حرف توكيد. "أحضروا الشهودا" الجملة في محل نصب مقول القول. المعنى: أخبرني إن جاءت هذه المرأة بشاب حسن القوام؛ كالغصن الناعم، مرجل الشعر، حسن البزة؛ ليتزوجها، ولكنه فقير معدم، أأنت راض عن ذلك، آمر بإحضار الشهود لعقد نكاحها؟ والاستفهام إنكاري، يراد به الإنكار والتهكم والسخرية. وقيل: إن رجلًا من العرب أتى أمة له، فلما حملت جحد أن يكون الحمل منه، فأنشأت تقول له هذه الأبيات. الشاهد: في "أقائلن" حيث دلت نون التوكيد على اسم الفاعل ضرورة؛ لأنها خاصة بالفعل، وسهل ذلك شبه اسم الفاعل المقرون بأداة الاستفهام بالفعل المضارع، وروي "أقائلون" بواو الجمع، وعليه فلا شاهد فيه، ولا ضرورة. وشذ أيضًا دخول النون على الماضي في قول الشاعر: دامن سعدك إن رحمت متيمًا … لولاك لم يك للصبابة جانحا وفي هذه العلامات يقول ابن مالك: بنا فعلت وأتت و"يا" افعلي … و"نون" أقبلن فعل ينجلي* أي: إن الفعل ينجلي وينكشف ويتميز عن غيره بإحدى هذه العلامات، وهي: تاء الفاعل، أو تاء التأنيث الساكنة، أو ياء المخاطبة، أو نون التوكيد.
следующие страницы →