← Акыда

Акыда · id 12038

عقيدة أهل السنة في الصحابة لناصر بن علي

ناصر بن علي عائض حسن الشيخ

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

مشيناً حيث إنه موقف ممن شهد الله لهم بالإيمان وأخبر أنه رضي الله عنهم ورضوا عنه وأن لهم النعيم المقيم، وأنهم أصحاب الفوز العظيم، كما أخبر تعالى أنه وعدهم جميعاً بالحسنى وأخبر ﷺ أن من جاء بعدهم لا يدركهم في فضلهم ولو أنفق مثل أحد ذهباً ما يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه فلا يكفرهم بعد هذا أو يقدح فيهم إلا إنسان معاند لله مكذب له فيما أخبر به عنهم بما ذكر، وهذه صفة من سفه نفسه وأنزلها منزلة الأخسرين أعمالاً.. نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الغواية بعد الهداية.

стр. 1052

المبحث الرابع: ذكر أحاديث وآثار تتضمن ذمهم لقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في ذم الخوارج المارقة وصفوا فيها بأوصاف ذميمة شنيعة جعلتهم في أخبث المنازل، وكذا وردت بعض الآثار عن السلف تتضمن كذلك ذمهم وما سلكوه من الطريق المخالف لغير سبيل المؤمنين، وسأذكر في هذا المبحث جملة من ذلك لبيان أن الخوارج أهل هوى وبدعة آثروا غرور الشيطان وتزيينه وأعرضوا عما اشتمل عليه كتاب الله من الهدى، فلم يكن حظهم منه إلا مجرد تلاوته بالفم والحنجرة إذ بهما يتم تقطيع الحروف فلم تفقه قلوبهم، ولا انتفعوا بما تلوا منه، وقد وردت الإشارة إلى حالتهم هذه في الأحاديث التي وردت في ذمهم ووصمهم بأرذل الصفات. فمن الأحاديث التي وردت الإشارة فيها إلى ذمهم: ما رواه الشيخان في صحيحهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسماً ـ إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال: "ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل"، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: "دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته من صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم١ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية٢ ينظر إلى.......

стр. 1053

نصله ١ فلا يوجد فيه شيء وينظر إلى رصافه ٢ فما يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه ـ وهو قدحه ـ فلا يوجد فيه شيء، وقد سبق الفرث والدم ٣ آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة٤ تدردر٥ ويخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: "فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته"٦. وروى الشيخان أيضاً من حديث أبي سلمة وعطاء بن يسار أنهما "أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية هل سمعت النبي ﷺ يذكرها؟، قال: لا أدري ما الحرورية؟، سمعت النبي ﷺ يقول: "يخرج في هذه الأمة ـ ولم يقل منها ـ قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم فيقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم ـ أو حناجرهم ـ يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فينظر الرامي إلى سهمه إلى نصله إلى رصافه فيتمارى في الفوقة٧ هل علق بها من الدم شيء" ٨. وروى البخاري من حديث يسير بن عمرو قال: قلت لسهل بن حنيف:

стр. 1054

هل سمعت النبي ﷺ يقول في الخوارج شيئاً؟، قال: سمعته يقول ـ وأهوى بيده قبل العراق: "يخرج منه قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية" ١. ففي هذه الثلاثة الأحاديث ذم واضح لفرقة الخوارج، فقد وصفهم ﷺ بأنهم طائفة مارقة، وأنهم يشددون في الدين في غير موضع التشديد، وأنهم يبالغون في الصلاة وقراءة القرآن لكنهم لا يقومون بحقوق الإسلام، بل يمرقون منه بحيث يدخلون فيه ثم يخرجون منه سريعاً لم يتمسكوا منه بشيء، كما اشتمل الحديث الأول في هذه الثلاثة الأحاديث أنهم يقاتلون أهل الحق، وأن أهل الحق يقاتلونهم وأن فيهم رجلاً صفة يدة كذا وكذا، وكل هذا وقع وحصل كما أخبر به ﷺ وفي قوله ﷺ : "لا يجاوز تراقيهم" احتمالان: الأول: يحتمل أنه لكونه لا تفقهه قلوبهم ويحملونه على غير المراد به. الثاني: يحتمل أن يكون المراد أن تلاوتهم لا ترتفع إلى الله٢. ومن صفاتهم الذميمية التي ذمهم بها الرسول ﷺ أنهم ليس لهم من الإيمان إلا مجرد النطق به، وأنهم أصحاب عقول رديئة وضعيفة، وأنهم عندما يقرءون القرآن يظنونه لشدة ما بلغوا إليه من سوء الفهم أنه لهم وهو عليهم. فقد روى البخاري ﵀ من حديث علي ﵁، أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثاً فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيخرج قوم في أخر الزمان٣ أحداث

стр. 1055

الأسنان١ سفهاء الأحلام ٢ يقولون من خير قول البرية ٣ لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" ٤. وفي صحيح مسلم من حديث زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذي كانوا مع علي ﵁ الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي ﵁: أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج قوم من أمتي ٥ يقرءون القرآن ليس قرائتكم إلى قرائتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية" ٦. وفي هذين الحديثن ذم للخوارج بأنهم ليس لهم من الإيمان إلا مجرد النطق، فقد دل الحديث الأول على أنهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب٧، وأما هذا الحديث الذي هو حديث زيد بن وهب الجهني عن علي ﵁ فقد أطلق الإيمان

стр. 1056

فيه على الصلاة وكلا الحديثين دلا على أن إيمانهم محصور في نطقهم وأنه لا يتجاوز حناجرهم، ولا تراقيهم، وهذا من أبشع الذم وأقبحه لمن وصف به. ومن الصفات القبيحة التي ذمهم بها ﵊ أنهم بمروقهم من الدين لا يوفقون للعودة إليه، وأنهم شر الخلق والخليقة، فقد روى مسلم ﵀ من حديث أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بعدي من أمتي أو سيكون بعدي من أمتي قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة" ١. وروي من حديث أبي سعيد أن النبي ﷺ ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحالق قال: "هم شر الخلق "أو من شر الخلق" يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق" ٢. ومن أخبر ﷺ عنه بهذه الصفة لا شك أنه من المهلكين البائسين الذين يحادون الله ورسوله ولهم الذلة والصغار في الدنيا قبل الآخرة. ومن صفات الذم التي ذم بها الخوارج على لسان رسول الله ﷺ أنهم من أبغض الخلق إلى الله. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبيد بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب ﵁ قالوا: لا حكم إلا لله، قال علي: كلمة حق أريد بها باطل٣ إن رسول الله ﷺ وصف ناساً إني لأعرف صفتهم وهؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم، "وأشار إلى حلقه" من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى

стр. 1057

يديه طبي شاة١ أو حلمة ثدي، فلما قتلهم علي بن أبي طالب ﵁ قال: انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال: أرجو فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثاً ثم وجدوه في خربه فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم٢. ومن صفاتهم القبيحة التي كانت ذماً لهم على لسان رسول الله ﷺ أنهم حرموا من معرفة الحق والاهتداء إليه. فقد روى مسلم ﵀ في صحيحه من حديث أسير٣ بن عمرو عن سهل بن حنيف عن النبي ﷺ قال: "يتيه قوم قبل المشرق محلقة رؤوسهم "٤. قال النووي: قوله ﷺ "يتيه قوم قبل المشرق" أي: يذهبون عن الصواب، وعن طريق الحق، يقال: تاه إذا ذهب ولم يهتد لطريق الحق والله أعلم٥. ومن الصفات المذمومة التي تلبسوا بها وأخبر النبي ﷺ أنها واقعة فيهم أنهم يتدينون بقتل أهل الإسلام وترك عبدة الأوثان والصلبان. فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري قال: بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ فقسمها

стр. 1058

رسول الله ﷺ بين أربعة نفر ... فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين١ ناتئ الجبين٢، محلوق الرأس فقال: اتق يا محمد، قال: فقال رسول الله ﷺ : "فمن يطيع الله أن عصيته أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني" قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله يرون أن خالد بن الوليد، فقال رسول الله ﷺ : " إن من ضئضئي هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" ٣. وفي هذا معجزة باهرة للرسول ﷺ حيث وقع منهم ما أخبر به رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا يسلون سيوفهم على أهل الإسلام بالقتل وكانوا يغمضونها عن الكفار من اليهود والنصارى، وكانوا يعظمون ظلمهم بل بلغ بهم سوء حالهم أن عنفوا أحدهم على تناوله حبة تمر من نخيل كتابي، كما زجروا أحدهم ولاموه على قتله خنزير لمعاهد، أما سفكهم دماء أهل الإسلام فإنهم يستحلون ذلك ويهونون أمره، ولا يلومون عليه كقتلهم عبد الله بن خباب بن الأرت٤ وغيره من المسلمين، فإنهم فعلوا ذلك واستعرضوا الناس بالسيف دون أن يقول بعضهم لبعض هذا منكر. ومن الصفات القبيحة التي كانت ذماً وعاراً مشيناً للخوارج أن الرسول ﷺ حرض على قتلهم إن هم ظهروا وأخبر ﵊ أنه لو أدركهم لأبادهم بالقتل إبادة عاد وثمود، وأخبر ﵊ بأن من قتلهم له أجر عند الله تعالى يوم القيامة. فقد روى الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري

стр. 1059

رضي الله عنه قال: بعث علي ﵁ إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين الأربعة الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي وعيينة بن حصن الفزاري وزيد الطائي ثم أحد بني نبهان وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد١ أهل نجد ويدعنا قال: "إنما أتألفهم"، فأقبل رجل غائر العينين٢ مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين كث اللحية٣ محلوق، فقال: اتق الله يا محمد، فقال: "من يطع الله إذا عصيت أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني" فسأله رجل قتله أحسبه خالد٤ بن الوليد فمنعه، فلما ولى قال: "إن من ضئضئي هذا أو في عقب هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ... لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد "٥. وفي رواية لهما بلفظ قال: أظنه قال: "لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود"٦. وروى البخاري بإسناده إلى سويد بن غفلة قال: "قال علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن

стр. 1060

أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يأتي في آخر الزمان حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول أهل البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأين ما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة" ١. وفي صحيح مسلم من حديث علي ﵁ أنه قال: أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قرائتكم إلى قرائتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية"، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لأرجو أن يكون هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس٢، فسيروا على اسم الله، قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلاً حتى قال: مررنا على قنطرة فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها ٣ فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم٤ وسلوا السيوف، وشجرهم الناس.....

стр. 1061

برماحهم١، قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان فقال علي ﵁: التمسوا فيهم المخدج٢ فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناساً قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخروهم فوجدوه مما يلي الأرض فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله، قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين آلله الذي لا إله الا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثاً٣ وهو يحلف له٤. فهذه ثلاثة أحاديث اشتملت على ذم واضح للخوارج المارقة حيث حرض النبي ﷺ على قتلهم متى ظهروا كما ورد في هذه الأحاديث التنويه بعظيم أجر من قاتلهم عند الله تعالى، وقد شرف الله رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب ﵁ بمقاتلتهم وقتلهم إذ أن ظهروهم كان في زمنه ﵁ وأرضاه على وفق ما وصفهم به رسول الله ﷺ من العلامات الموجودة فيهم، فقد خرج ﵁ إلى الخوارج بالجيش الذي كان قد هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولم يقاتلهم ﵁ حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، ولما أظهروه من الشر في أعمالهم وأقوالهم وحسبنا هنا من الأحاديث الواردة في ذم الخوراج ما تقدم ذكره إذ الأحاديث الورادة في ذمهم كثيرة قلما

стр. 1062

يخلو منها كتاب من كتب السنة المطهرة. وأما الآثار الورادة عن السلف في ذم الخوارج فكثيرة جداً أيضاً نذكر طرفاً منها لبيان أن الخوارج اتصفوا بصفات ذميمة عابهم بها السلف ﵏. فمن الصفات التي ذمهم بها السلف أنهم قوم أصيبوا بالفتنة فعموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقاً ولا يهتدون إليه. فقد روى عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن قال: لما قتل علي ﵁ الحرورية قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين، أكفار هم؟، قال: من الكفر فروا، قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً وهؤلاء يذكرون الله كثيراً، قيل: فما هم؟، قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا١. ومن الصفات الشنيعة التي شنع عليهم السلف بها أنهم كانوا يعتبرونهم من شرار خلق الله تعالى، حيث إنهم عمدوا إلى آيات من كتاب الله تعالى مقصود بها الكفار فجعلوها في المؤمنين، فقد كان عبد الله بن عمر ﵁ يراهم شرار خلق الله وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين٢. وروى عبد الرزاق عن معمر عن أبي غالب٣ قال: لما أتي برؤوس الأزارقة فنصبت على درج دمشق٤ جاء أبو أمامة ﵁، فلما رآهم

стр. 1063

دمعت عيناه، ثم قال: كلاب النار كلاب النار، هؤلاء لشر قتلى قتلوا تحت أديم السماء، وخير قتلى تحت أديم السماء الذين قتلهم هؤلاء، قلت: فما شأنك دمعت عيناك؟، قال: رحمة لهم إنهم كانوا من أهل الإسلام، قال: قلت أبرأيك قلت: كلاب النار، أو شيء سمعته؟، قال: إني إذاً لجريء بل سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة، ولا اثنتين ولا ثلاثاً فعدد مراراً، ثم تلا: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ حتى بلغ ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١ وتلا ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ حتى بلغ ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ ٢، ثم أخذ بيدي فقال: أما إنهم بأرضك كثير فأعاذك الله تعالى منهم٣. وروى ابن أبي شيبة بإسناده إلى عمير بن إسحاق، قال: ذكروا الخوارج عند أبي هريرة، قال: "أولئك شرار الخلق"٤ ومن الصفات التي ذمهم بها السلف ووجدت فيهم أنهم كانوا يخشعون عند تلاوة المحكم من كتاب الله ولكنهم كانوا يهلكون عند المتشابه منه. فقد روى أبي أبي شيبة أيضاً: بإسناده إلى ابن عباس أنه ذكر ما يلقى الخوارج عند القرآن، فقال: يؤمنون عند محكمه ويهلكون عند متشابهه٥. ومن الصفات التي ذمهم بها السلف ووجدوهم عليها أنهم "لما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به أزاغ الله قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة

стр. 1064

والخذلان، فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده إلى مصعب بن سعد قال: سئل أبي عن الخوارج، قال: قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم"١. ومما ذمهم به السلف ﵏ أنهم لما وقعوا في البدعة استدرجهم الشيطان شيئاً فشئاً حتى بلغ بهم إلى أن استحلوا سفك دماء أهل الإسلام، واجتمعوا على السيف وفتنوا بالاختلاف في الدين. فقد روى عبد الرزاق في المصنف بإسناده إلى الحسن بن علي أنه قال: لرجل من الخوارج: ما الإسلام؟، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وحج البيت وصيام رمضان والغسل من الجنابة، وذكر أشياء، فقال الحسن: إنك لتقتل من هذا دينه. وروى أيضاً بإسناده إلى أبي قلابة أنه قال: "ما ابتدع قوم بدعة إلا استحلوا بها السيف"٢. وقال أيوب السختياني ﵀: "إن الخوارج اختلفوا في الإسلام واجتمعوا على السيف"٣. ومن الصفات التي تعد ذماً للخوراج وتشنيعاً عليهم أن السلف ﵏ كانوا يحمدون الله تعالى، أن نجاهم مما وقع فيه الحرورية، فقد روى عبد الرزاق بإسناده إلى أبي العالية الرياحي أنه قال: "إن علي لنعمتين ما أدري أيتهما أعظم أن هداني الله للإسلام ولم يجعلني حرورياً"٤. ومما شنع به السلف على الخوارج المارقة أنهم كانوا إذا استأذنوا عليهم في بيوتهم لم يأذنوا لهم بالدخول لشناعة بدعتهم ولقبح فعلهم مع أهل الإسلام،

стр. 1065

واحترامهم لأهل الأوثان. فقد روى ابن أبي شيبة بإسناده إلى غيلان بن جرير قال: "أردت أن أخرج مع أبي قلابة إلى مكة، فاستأذنت عليه فقلت: أدخل؟، قال: إن لم تكن حرورياً" ١. والآثار عن السلف في ذم الخوارج كثيرة وحسبنا في هذا المقام ما تقدم وكلها دلت على أن فرقة الخوارج من أهل البدع والبغي أشربت قلوبهم بحب الخروج على الولاة ومخالفة الجماعة وشق العصا واستحلال دماء أهل الإسلام وتكفيرهم والحكم عليهم بالخلود في النار، ويسالمون عبدة الأوثان نعوذ بالله من الحيرة والشك والخذلان ...

стр. 1066

المبحث الخامس: الرد على معتقد النواصب في الصحابة النواصب إحدى طوائف أهل البدع التي أصيبت في معتقدها بعدم التوفيق للإعتقاد السديد في الصحابة الكرام ﵃، فقد زين لهم الشيطان اعتقاد عدم محبة رابع الخلفاء الراشدين وأحد الأئمة المهديين علي بن أبي طالب ﵁، وحملهم على التدين ببغضه وعداوته والقول فيه بما هو بريء منه كما تعدى بغضهم إلى غيره من أهل البيت كابنه الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وغيره، وقبل أن أذكر معتقد النواصب الذي جعلهم في ركب الفرق التي هلكت في شأن الصحابة الكرام أذكر تعريفهم ليعلم أنها فرقة غاب عنها قدر أهل بيت النبوة الذين في مقدمتهم علي ﵁ والذي هو خير الأمة بعد الخلفاء الثلاثة قبله ﵃ أجمعين حيث نال شرف تربية الرسول ﷺ له، ونال شرف الصحبة للنبي ﷺ منذ صغره ولما كبر كان شجاعاً مقداماً في محاربته الكفار والمشركين، مع الرسول ﷺ ، وكذلك كان في حروب الردة مع الصديق ﵁ ... وإلى تعريف فرقة النواصب: جاء في القاموس: "وناصبه الشر أظهره له ... والنواصب والناصبية وأهل النصب المتدينون ببغضة علي ﵁ لأنهم نصبوا له، أي: عادوه"١. وجاء في لسان العرب: ناصبه الشر والحرب والعداوة مناصبة أظهره له

стр. 1067

ونصبه وكله من الانتصاب ... والنواصب: "قوم يتدينون ببغضة علي ﵇"١. وفي كليات أبي البقاء الكفوي: "والنصب يقال أيضاً: لمذهب هو بغض علي بن أبي طالب وهو طرفي النقيض من الرفض"٢. فتبين من هذه التعاريف المتقدم ذكرها أن النصب هو بغض علي بن أبي طالب ﵁ والنيل منه والانحراف عنه، وسمي من كانت هذه صفته ناصبياً فالنصب كالرفض لأن الرفض هو بغض أصحاب رسول الله ﷺ والنيل منهم بالشتم والسب وكلاهما ضلال وابتعاد عن منهج الله في وجوب حب أصحاب رسول الله ﷺ ومعرفة سابقتهم في الإسلام، وجهادهم بأنفسهم وأموالهم مع رسول الله ﷺ ونصرتهم له. معتقدهم السيء في الصحابة: تبين من التعريف للنواصب أن من معتقدهم الفاسد تدينهم ببغض علي ﵁ وأرضاه، ولم يقفوا عند هذا الضلال الذي هو تدينهم ببغضه بل افتروا عليه وتنقصوه حتى بلغ بهم سوء حالهم حتى رموه بالفسق ووصفوه بالظلم. فقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى موقف الخوارج من علي ﵁ ومعتقد النواصب فيه بعد ن بين أن الرافضة عاجزون عن رد مطاعن الفريقين فيه ﵁، قال: "الخوارج الذين يكفرون علياً، والنواصب الذين يفسقونه ـ يقولون ـ إنه كان ظالماً طالباً للدنيا وإنه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفاً من المسلمين حتى عجز

стр. 1068

عن انفراده بالأمر وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقاتلوه١. كما يعتقدون أنه كان مخطئاً في حروبه ولم يكن مصيباً فيها٢. ثم إن النواصب تناولوا أيضاً: بالقول السيء الحسين بن علي ﵁ حيث زعموا: "أن الحسين كان خارجياً، وأنه كان يجوز قتله لقول النبي ﷺ : "من أتاكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائناً من كان" رواه مسلم٣. وإلى بيان رد هذا المعتقد السيء: فاعتقاد النواصب ببغض علي وتدينهم به ضلال وجهالة ومخالف لما أراده الله ورسوله ممن جاء بعد الصحابة من وجوب تطهير قلوبهم من الغل والحقد عليهم ووجوب محبتهم والدعاء والاستغفار لهم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٤ ففي هذه الآية بيان ما يجب للصحابة عموماً على من جاء بعدهم من المؤمنين، فقد ندبهم الله إلى الدعاء والاستغفار لهم وإلى تطهير قلوبهم من الغل والحقد على الصحابة الكرام الذين منهم علي بن أبي طالب وابنه الحسين بن علي ﵄، بل إن علياً ﵁ كان ممن لهم الصدارة في جيل الصحابة ﵃ أجمعين، فالنواصب الذين يبغضونه ويعاندونه معاندون للقرآن الذي وصى الله تعالى فيه عباده أن يقفوا من صحابة نبيه ﷺ الموقف الجميل وأن يقولوا فيهم القول الحسن.

стр. 1069

وأما معاندتهم لما جاء في السنة المطهرة ومخالفتهم لها ودلالتها على خسران اعتقادهم في علي فأكثر من أن يحصى، فقد عد النبي ﷺ حب علي علامة على إيمان من يحبه، كما بين أن بغضه علامة واضحة على نفاق من يبغضه. فقد روى الإمام مسلم بإسناده إلى علي ﵁ أنه قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق"١، فهذا الوعيد يتناول كل من يبغض علياً ﵁ كالخوارج والنواصب الذين لهم القسط الأكبر منه إذ هم أهلك الطوائف في أهل البيت، إذ لم يعرفوا لعلي ﵁ قربه من رسول الله ﷺ وحب النبي ﵊ له وما كان منه في نصرة الإسلام وسوابقه فيه، فمن أبغضه دل ذلك على نفاقه وفساد سريرته والعياذ بالله، فلا يبغض علياً ﵁ أو غيره من أهل البيت إلا رجل متبع لهواه ومعتقد للباطل. ومن الأحاديث التي خالفها النواصب والتي فيها الإشارة إلى خسرانهم وأنهم قوم هلكى بتدينهم ببغض علي أن المصطفى ﵊ جعل حب علي ﵁ حباً له وبغضه بغض له ﷺ . فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى سلمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من أحب علياً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني" ٢، فهذا الحديث فيه الحث على حب علي ﵁ والتحذير من بغضه، ووجوب محبته، والنواصب مخالفون لحثه ﷺ على حب علي، ولذلك وقعوا في المحظور الذي هو تحريم بغض علي وغيره من أهل البيت. ومن الأحاديث التي أعرض الناصبة عنها صفحاً فلم يعملوا بها ولم يرعووا

стр. 1070

بما جاء فيها من تحريم بغض الصحابة ولم يحذروا ما جاء فيها من الوعيد ما رواه البخاري بإسناده إلى أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب" ١. هذا الحديث نص في تحريم معاداة أولياء الله الذين آمنوا به واتقوه ولا يشك مسلم في أن في مقدمة أولياء الله الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين وعلي ﵁ واحد منهم بل هو ممن لهم الصدارة في الرعيل الأول ﵃ وأرضاهم، وفي هذا التهديد الشديد في الحديث يدخل النواصب لأن من كره من أحب الله خالف الله، ومن خالف الله، عانده، ومن عانده كان من الهالكين. ومن الأحاديث التي دلت على شناعة تدين النواصب ببغض أهل البيت أنهم لم يحفظوا وصية النبي ﷺ فيهم. فقد روى الإمام مسلم ﵀ بإسناده إلى إلى زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: " أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي" ٢. فهذا تكرار في هذه الوصية بأهل بيته تعني الأمر بوجوب احترامهم وإبرازهم وتوقيرهم ومحبتهم ومعرفة مكانتهم منه ﵊ ولكن هذه الوصية لم يوفق للعمل بها إلا أهل السنة والجماعة العاملون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وحرم من العمل بها الرافضة والخوارج والنواصب حيث قابلوها بالمخالفة والعقوق. أما الرافضة فقد غلوا في حب بعضهم بما يزري بهم ويتأذون به حيث

стр. 1071

قالوا: فيهم من الغلو ما هم منه براء، وأما الخوارج فكفروهم، وأما النواصب فإنهم تجرؤوا على بغضهم وعداوتهم بالقول والفعل، فخالفوا المصطفى ﷺ في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فهذه الأحاديث المتقدم ذكرها دلت على أن بغض النواصب لعلي ﵁ أو غيره من أهل البيت انحراف واضح عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ اللذين دلا على وجوب حبهم وذكرهم بالثناء الحسن والقول الجميل. وأما طعنهم عليه "بالفسق" ورميهم إياه به فيرد على هذا الإفك بأنه باطل من وجهين: الوجه الأول: أن عدالة علي ﵁ ثابتة بنص القرآن الكريم الذي أخبر الله فيه أنه أذهب الرجس عن أهل البيت وطهرهم تطهيراً، وعلي ﵁ مقدم أهل بيت رسول الله ﷺ ، وأيضاً: الآيات القرآنية التي أخبر الله فيها بأن الصحابة الكرام كلهم عدول أو أنهم خير أمة أخرجت للناس، أو الآيات التي شهد الله لهم فيها بحقيقة الإيمان أو الآيات التي أعلن الله فيها رضاه عنهم وأنهم رضوا عنه، أو الآيات التي أخبر الله فيها بأنه وعدهم فيها بالحسنى، أو أنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، فمثل هذه الآيات العامة التي تضمنت مدح الصحابة عموماً وأنه تعالى زكاهم بما وقر في قلوبهم من الصدق والوفاء لله ولرسوله ﷺ يدخل فيها أبو الحسن علي ﵁ دخولاً أولياً، إذ أنه أحد الأخيار الذين لهم الصدارة في مجتمع الصحابة الكرام الذين هم أفضل الخلق بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام، فرمي الناصبة له بالفسق معاندة منهم للرب ـ جل وعلا ـ وفي أخباره المتضمنة للمدح والثناء على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وقد تقدم ذكر الآيات التي فيها الإشارة إلى ما ذكر في غير موضع من هذه الرسالة١.

стр. 1072

الوجه الثاني: أن عدالته ﵁ ثابتة بما ورد من فضائله في السنة المطهرة من شهادته ﷺ بأنه من أهل الجنة، ومن أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وأخبر ﷺ أنه منه بمنزلة هارون من موسى وأنه ﵊ دعى الله تعالى أن يذهب الرجس عن أهل بيته ويطهرهم تطهيرً١ وعلي أحد أهل بيته، بل هو مقدمهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الأحاديث التي فيها الإشارة إلى هذا الثناء الذي أشرنا إليه: "هذا الثناء على علي وإن كان له فيه شركاء إلا أن "في ذلك شهادة النبي ﷺ لعلي بإيمانه باطناً وظاهراً، وإثباتاً لموالاته لله ورسوله ووجوب موالاة المؤمنين له، وفي ذلك رد على النواصب الذين يعتقدون كفره أو فسقه كالخوارج المارقين الذين كانوا من أعبد الناس كما قال النبي ﷺ فيهم: "يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم" ٢، وهؤلاء يكفرونه ويستحلون قتله، ولهذا قتله واحد منهم وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي مع كونه كان من أعبد الناس"أهـ٣. وقال ﵀ في موضع آخر في صدد حديثه على فضائل أبي الحسن ﵁: "وفيها من الفائدة إثبات إيمان علي وولايته والرد على النواصب الذين يسبونه ويفسقونه ويكفرونه، ويقولون فيه من جنس ما يقوله الرافضة في الثلاثة كما أن في فضائل الثلاثة رداً على الروافض٤. وبهذين الوجهين المتقدمين تبين فساد طعن النواصب على علي "بالفسق"

стр. 1073

فالرسول ﷺ شهد له بكمال إيمانه وصحة صدقه ويقينه، كما تبين مما ذكر أن طعن النواصب عليه بالفسق سقوط وضلالة ومحادة له وغواية نعوذ بالله من الخذلان. وأما طعنهم عليه بأنه كان ظالماً طالباً للدنيا فهذا من الاختلاف الواضح والزور البين ولو طلب منهم شاهد على هذا حكي في كتب التواريخ أو غيرها لم يقدروا على ذلك، إذ سيرته ﵁ أيام خلافته مثبتة في الكتب، فقد كان ﵁ عادلاً في حكمه سائراً على نهج رسول الله ﷺ ، وسار في رعيته، سيرة إخوانه الثلاثة الخلفاء قبله، لم يظلموا أحداً ولم يخرج عن الحق قيد شعرة، وكان ﵁ زاهداً في الدنيا لم يلق لها بالاً شأنه في ذلك شأن إخوانه من الصحابة الكرام ﵃، فقد كان همهم الآخرة قبل الدنيا، ولذلك خرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله ونصرة الله ولرسوله ﷺ وشهد الله لهم بهذا في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١، وعلي ﵁ واحد ممن شملتهم هذه الشهادة الربانية والتزكية الإلهية لكن النواصب الذين ناصبوه العداوة لم يهتدوا إلى هذا، ولذلك قالوا فيه غير الحق ولم يستندوا في ذلك على شيء سوى ما تجيش به قلوبهم من البغض والعداوة. وأما طعنهم عليه بأنه طلب الخلافة لنفسه وقاتل عليها بالسيف وقتل على ذلك ألوفاُ من المسلمين حتى عجز عن انفراده بالأمر، وتفرق عليه أصحابه وظهروا عليه فقاتلوه". كل هذا من زخرف القول وباطل الكلام،والرد عليه: أنه بمجرد أن يسمعه المنصف الذي عرف سيرة الصحابة وأحوالهم وعرف

стр. 1074

لهم قدرهم يعلم أن الناصبة ظالمون بهذا القول لعلي ﵁، وأنهم افتروا عليه بما هو براء منه، فعلي ﵁ لم يطلب الخلافة لنفسه، ولم يقاتل عليها احداً، ولم يقتل أحداً من أجل أن يكون خليفة على المسلمين وإنما لما قتل الغوغاء والأراذل الذين تحزبوا من الأمصار عثمان بن عفان ﵁ لم يكن أحد أفضل ممن بقي بعد عثمان من علي ﵁، فاجتمع أهل الحل والعقد من الصحابة الكرام على أن يكون هو الخليفة للمسلمين بعد عثمان، ولما أرادوه للبيعة امتنع من إجابتهم إلى قبول الخلافة حتى ألحوا عليه في ذلك، وكرروا قولهم له، ولما رأى إصرارهم عليه في ذلك فر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول وأغلق بابه فجاء الناس وطرقوا الباب، وولجوا عليه، وكان معهم طلحة والزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير ولم يزالوا به حتى أجاب١. هكذا كانت الكيفية في مبايعته ﵁ بالخلافة، فلم يقاتل من أجلها لا بسيف ولا سهم، والألوف الذين يزعمون أنه قتلهم من أجل أن يكون خليفة على المسلمين هذا من البهتان عليه، وإنما القتال الذي حصل بين الصحابة في موقعتي الجمل وصفين كان قتال فتنة أوقد نارها بينهم قتلة عثمان، والواجب على المسلم أن يعتقد أن ما جرى بين الصحابة من الاقتتال صدر منهم عن تأويل اجتهدوا فيه، فمن كان منهم مصيباً كان له أجران ومن كان منهم مخطئاً فله أجر واحد وخطؤه مغفور٢. وأما طعنهم عليه بأنه لم يكن مصيباً في حروبه، فهذا مردود عليهم لظهور بطلانه وفساده بنص حديث رسول الله ﷺ ، فقد روى مسلم ﵀ بإسناده من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "تمرق

стр. 1075

مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق" ١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وفي هذا الحديث دليل على أنه مع كل طائفة حق وأن علياً ﵁ أقرب إلى الحق"٢. وروى البخاري رحمه الله تعالى من حديث خالد الحذاء عن عكرمة قال: قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى أتى على ذكر بناء المسجد فقال: كنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فينفض التراب عنه ويقول: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية.." الحديث٣. قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث: "وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوة، وفضيلة ظاهرة لعلي ولعمار، ورد على النواصب الزاعمين أن علياً لم يكن مصيباً في حروبه"٤. وأما بيان فساد طعنهم على الحسين بن علي بأنه كان خارجياً يجوز قتله فقد رد على طعنهم هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه قال بعد ذكره له: "إن الحسين قتل مظلوماً شهيداً، وإن الذين قتلوه كانوا ظالمين معتدين وأحاديث النبي ﷺ التي يأمر فيها بقتال المفارق للجماعة لم تتناوله، فإنه ﵁ لم يفرق الجماعة، ولم يقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى بلده أو إلى الثغر، أو إلى يزيد داخلاً في الجماعة معرضاً عن تفريق الأمة ولو كان طالب ذلك أقل الناس، لوجب إجابته إلى ذلك فكيف لا تجب إجابة الحسين إلى ذلك..؟ ولو كان الطالب لهذه الأمور من هو دون الحسين لم يجز حبسه ولا إمساكه فضلاً عن أسره

стр. 1076

وقتله"أهـ١. وبعد ذكرنا لمعتقد الناصبة في أهل البيت والرد عليه تبين أنه معتقد ظاهر الفساد كما ظهر فساد كلام الرافضة في أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ولا يفوتني أن أنبه هنا إلى أن مذهب النصب ليس له بقعة أو جماعة يوجد فيها الآن في زماننا كما هو شأن مذهب الرافضة والإباضية من الخوراج وغيرهما من الفرق الأخرى كالزيدية والإسماعلية الباطنية، ومذهب النصب كان له وجود في زمن مبكر في دمشق، فقد ذكر الإمام الذهبي عن الوزير بن حنزابه ـ بكسر الحاء ـ أنه قال: سمعت محمد بن موسى المأموني صاحب النسائي قال: سمعت قوماً ينكرون على أبي عبد الرحمن النسائي كتاب "الخصائص" لعلي ﵁، وتركه تصنيف فضائل الشيخين، فذكرت له ذلك فقال: دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير فصنفت كتاب "الخصائص" رجوت أن يهديهم الله تعالى، ثم إنه صنف بعد ذلك فضائل الشيخين٢، وبعد أن كان مذهب النصب له وجود في دمشق، فإنه تلاشى واضمحل حتى عدم نهائياً. قال الذهبي رحمه الله تعالى: "كان النصب مذهباً لأهل دمشق في وقت كما كان الرفض مذهباً لهم في وقت وهو في دولة بني عبيد، ثم عدم ـ ولله الحمد ـ النصب وبقي الرفض خفيفاً خاملاً"أهـ٣. وبعد أن عرفنا أن المراد "بالنواصب" عند أهل السنة هم الذين يبغضون علياً رضوان الله عليه وأهل بيته ويلعنونهم وأن هذه الفرقة لم يعد لها وجود الآن لكن كلمة "النواصب" عند الشيعة الرافضة يطلقونها على الذين يقدمون الشيخين أبا بكر وعمر في الخلافة على علي وعلى من يبغضهم هم حيث يزعمون

стр. 1077

أنهم شيعة أهل البيت ليس أحد سواهم ولذا فالنواصب في اصطلاحهم وكما دونوا ذلك في كتبهم هم أهل السنة والجماعة في عرفهم. فقد ذكر يوسف البحراني في كتابه: "الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة" أن ابن إدريس روى في مستطرفات السرائر في ما استطرف من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم لمولانا أبي الحسن الهادي ﵇ في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى، قال: كتبت إليه أسأله عن الناصب هل أحتاج إلى امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت١ واعتقاده بإمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب ـ ثم قال ـ فرجع الجواب أن مظهر النصب والعداوة لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام هو مجرد التقديم والقول بإمامة الأولين ... ـ إلى أن قال ـ "ومنها ما رواه الصدوق في كتاب العلل بسنده عن عبد الله بن سنان عن الصادق ﵇ قال: "ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت ﵈ لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد صلى الله عليه وآله ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا ـ ثم ساق روايتين نسب إحداهما إلى جعفر الصادق والأخرى إلى علي ومضمونهما كالروايتين السابقتين، ثم قال: "ومن هذه الأخبار يعلم أن مظهر النصب والعداوة لهم ﵈ منحصر في أمرين: تقديم الجبت والطاغوت وإظهار العداوة للشيعة"٢. وقال حسين العصفور في كتابه "المحاسن النفسانية في أجوبة المسائل الخراسانية": "وأما تحقيق النصب فقد كثر فيه القيل والقال، واتسع فيه

стр. 1078

المجال ـ ثم ساق أخباراً نسبها إلى بعض الأئمة والتي تتضمن أن النصب على حسب زعمه تقديم غير علي عليه، وبغض شيعة أهل البيت، ثم قال عقبها: "وبالجملة أن من تأمل أحوالهم واطلع على بعض صفاتهم وطريقتهم في المعاشرة ظهر له ما قلناه، فإنكاره مكابرة لما اقتضت العادة به بل أخبارهم ﵈ تنادي بأن الناصب هو ما يقال له سنياً" ـ ثم ذكر رواية عزاها إلى الكافي "عن أبي عبد الله ﵇ قال: ما تروي هذه الناصبة؟، فقلت: جعلت فداك فيماذا؟ فقال: في أذانهم وركوعهم وسجودهم ... الحديث ـ ثم قال ـ "ولا كلام في أن المراد بالناصبة فيه هم أهل التسنن"أهـ١. وقال نعمة الله الجزائري: "وأما الناصبي وأحواله وأحكامه فهو مما يتم ببيان أمرين: الأول: في بيان معنى الناصب الذي ورد في الأخبار أنه شر من اليهودي والنصراني والمجوسي، وأنه كافر نجس بإجماع علماء الإمامية فالذي ذهب إليه أكثر الأصحاب هو أن المراد به: من نصب العداوة لآل بيت محمد ﵌ وتظاهر ببغضهم كما هو الموجود في الخوارج وبعض ما وراء النهر، ورتبوا الأحكام في باب الطهارة والنجاسة والكفر والإيمان وجواز النكاح وعدمه على الناصبي بهذا المعنى. وقد تفطن شيخنا الشهيد الثاني.... من الاطلاع على غرائب الأخبار فذهب إلى أن الناصبي هو الذي نصب العداوة لشيعة أهل البيت ﵈ وتظاهر بالوقوع فيهم، كما هو حال أكثر مخالفينا في هذه الأعصار في كل الأمصار، وعلى هذا فلا يخرج من النصب سوى المستضعفين منهم والمقلدين والبله والنساء، ونحو ذلك وهذا المعنى هو الأولى. ويدل عليه ما رواه الصدوق في كتاب علل الشرايع بإسناد معتبر عن الصادق ﵇ قال: ليس

стр. 1079

الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنك لا تجد رجلاً يقول: أنا أبغض محمداً وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم من شيعتنا"،وفي معناه أخبار كثيرة، وقد روى عن النبي ﷺ : أن من علامة النواصب تقديم غير علي عليه، وهذه خاصية شاملة لا خاصة، ويمكن إرجاعها أيضاً إلى الأول، بأن يكون المراد تقديم غيره عليه إنما نشأ من تقليد علمائهم وأسلافهم، وإلا فليس لهم الاطلاع والجزم بهذا سبيل ويؤيد هذا المعنى أن الأئمة ﵈ وخواصهم أطلقوا لفظ الناصبي على أبي حنيفة وأمثاله، مع أن أبا حنيفة لم يكن ممن نصب العداوة لأهل البيت ﵈، بل كان له انقطاع إليهم، وكان يظهر لهم التودد نعم كان يخالف آراءهم ويقول: قال علي: وأنا أقول، ومن هذا يقوى قول السيد المرتضى وابن إدريس ... وبعض مشائخنا المعاصرين بنجاسة المخالفين كلهم، نظراً إلى إطلاق الكفر والشرك عليهم في الكتاب والسنة فيتناولهم هذا اللفظ حيث يطلق، ولأنك قد تحققت أن أكثرهم نواصب بهذا المعنى١. هذه النقول الثلاثة من كتب متقدمي علماء الشيعة الرافضة، وقد تبين منها أنهم يطلقون كلمة "النواصب على الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة وقد حذا حذو المتقدمين منهم متأخروهم، لأن الشيعة الرافضة ذرية بعضها من بعض آخرهم كأولهم، لا فرق، فهذ إمام العصر عندهم "الخميني" وجد في كلامه ما يدل على أنه جعل أهل السنة والجماعة في عداد النواصب فقد قال في كتابه "تحرير الوسيلة". "وأما النواصب والخوارج لعنهم الله تعالى فهما نجسان من غير توقف ذلك على جحودهما الراجح إلى إنكار الرسالة"٢، وطعن الشيعة الرافضة على أهل

стр. 1080

السنة والجماعة لا يقف عند طعنهم عليهم بأنهم نواصب فحسب بل تجاوزوه إلى ما هو الأسوأ من القول حيث يقولون: إن كل من يعتقد إمامة الشيخين وتقديمها على علي "فهو كافر حلال الدم والمال وأنه شر من اليهود والنصارى والمجوس"١. قال نعمة الله الجزائري في صدد ذكره الأمر الثاني الذي يتبين به الناصبي في حد زعمه: الأمر الثاني: في جواز قتلهم واستباحة أموالهم قد عرفت أن أكثر الأصحاب ذكروا للناصبي ذلك المعنى الخاص في باب الطهارات والنجاسات وحكمه عندهم كالكافر الحربي في أكثر الأحكام ... وأما على ما ذكرناه له من التفسير فيكون الحكم شاملاً كما عرفت روى الصدوق ... في العلل مسنداً إلى داود بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله ما تقول في قتل الناصب؟، قال: حلال الدم لكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل، فقلت: فما ترى في ماله؟، قال: خذه ما قدرت. وروى شيخ الطائفة نور الله مرقده في باب الخمس والغنائم من كتاب التهذيب بسند صحيح عن مولانا الصادق ﵇، قال: خذ مال الناصب حيثمان وجدت وابعث إلينا بالخمس، وروى بعده بطريق حسن عن المعلى، قال: خذ مال الناصب حيث وجدت، وابعث إلينا بالخمس. قال ابن إدريس: الناصب المعني في هذين الخبرين أهل الحرب لأنهم ينصبون الحرب للمسلمين وإلا فلا يجوز أخذ مال مسلم ولا ذمي على وجه من الوجوه ـ ثم قال نعمة الله الجزائري ـ وللنظر فيه مجال: أما أولاً فلأن الناصبي

стр. 1081

قد صار في الإطلاقات: حقيقة غير أهل الحرب، ولو كانوا هم المراد لكان الأولى التعبير عنهم بلفظهم من جهة ملاحظة التقية لكن لما أراد ﵇ بيان الحكم الواقعي عبر بما ترى، وأما قوله: لا يجوز أخذ مال مسلم فهو مسلم ولكن أنى لهم والإسلام، وقد هجروا أهل بيت نبيهم المأمور بودادهم في محكم الكتاب بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ١، فهم قد أنكروا ما علم من الدين ضرورة وأما إطلاق الإسلام عليهم في بعض الروايات فلضرب من التشبيه والمجاز والتفاتاً إلى جانب التقية التي هي مناط هذه الأحكام وفي الروايات أن علي بن يقطين وهو وزير الرشيد قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين، وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه وهدموا سقف المحبس على المحبوسين فماتوا كلهم، وكانوا خمسمائة رجل تقريباً، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم، فأرسل إلى الإمام مولانا الكاظم ﵇، فكتب ﵇ إليه جواب كتابه بأنك لو كنت تقدمت إلي قبل قتلهم لما كان عليك شيء من دمائهم، وحيث إنك لم تتقدم إلي فكفر عن كل رجل قتلته منهم بتيس٢، والتيس خير منه. وبعد هذا فغر نعمة الله الجزائري فاه وتفوه بما أمكنه من خبيث القول وقبيح الكلام، حيث قال: "فانظر إلى هذه الدية الجزيلة التي لا تعادل دية أخيهم الأصغر وهو كلب الصيد فإن ديته عشرون درهماً، ولا دية أخيهم الأكبر وهو اليهودي أو المجوسي فإنها ثمانمائة درهم، وحالهم في الآخرة أخس وأنجس"٣، فهذا المفتري عبر عن موقفه وموقف الرافضة من أهل السنة والجماعة وهو موقف كما هو واضح متسم بأشد الحقد والعداوة والكراهية حيث إنه بين أن الرافضة قبحهم الله يعتقدون أن حكم أهل السنة والجماعة عندهم حكم

стр. 1082

الكافر الحربي يجوز قتلهم واستباحة أموالهم وأنه يجوز التحايل على قتلهم وابتزاز أموالهم بما يمكنهم من الوسائل والطرق الخبيثة كما بين أن منزلتهم عندهم أقل من منزلة الحيوان وأدنى من مرتبة اليهود والمجوس ولسنا في صدد تعداد مطاعن الشيعة الرافضة على أهل السنة والجماعة وإنما أشرنا إلى هذا ليتنبه كل مسلم وكل داعية إلى التقريب بين الرافضة وبين أهل السنة والجماعة إلى خطورة ما يبيته ويكنه الشيعة الرافضة للفرقة الناجية من الشر والعداوة والكيد الخفي للدين وأهله وليعلم أيضاً: كل مسلم أن الشيعة الرافضة يقدمون اتباع الهوى ويتقولون على أهل الحق والعدل بغير بينة ولا هدى، هذا ما حدا بنا إلى التنبيه إلى ما ذكر ولنرجع إلى إبطال ما نحن بصدده وهو بطلان نسبتهم "النصب" إلى أهل السنة والجماعة، فنسبتهم إلى أئمة أهل البيت مثل جعفر الصادق ﵀ من الروايات التي يذكرون فيها أن النواصب هم أهل السنة والجماعة ما هي إلا قطرة من بحر الكذب الذي يكيلونه على علماء أهل البيت، ومما يبين أنهم مفترون كاذبون على أهل السنة في نسبتهم النصب إليهم أن أهل السنة هم الفرقة الوسط التي عرفت لأهل البيت حقهم من الاحترام والإكرام والتوقير وهم الذين حفظوا وصية المصطفى ﵊ فيهم، وأما الرافضة فإنهم غير صادقين فيما يزعمونه من الغلو في حب بعضهم، وإنما غرضهم من ذلك التستر بأهل البيت لكي يروجوا ما يصبون إلى نشره من الأضاليل والأكاذيب والعقائد الفاسدة عند كل من لا يعرف حقيقتهم، ولا جرأتهم على الكذب. ومما يكذب دعواهم على أن كلمة "النواصب" تطلق على أهل السنة والجماعة أن كتب أهل السنة ولله الحمد زاخرة بذكر مناقب أهل البيت وزاخرة ببيان عقيدتهم الحقة نحوهم، وأنهم متفقون على وجوب محبتهم واحترامهم وتحريم إيذائهم والإساءة إليهم وإلى ذكر بعض النصوص من كتب أهل السنة والجماعة التي تبين أنهم أسعد الناس بالأخذ بوصية المصطفى ﵊ بأهل

стр. 1083

بيته، وأنهم حفظوه فيهم دون سواهم، فهذا أبو بكر الصديق الذي ينسب الرافضة إليه ويكذبون عليه أنه ظلم أهل البيت حقهم يقول: فيما رواه عنه الشيخان في صحيحيهما: "والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إليّ أن أصل من قرابتي"١، وروى البخاري في صحيحه بإسناده إلى أبي بكر ﵁ أنه قال: "ارقبوا محمداً ﷺ في أهل بيته"٢. وقال الفاروق ﵁ مخاطباً العباس بن عبد المطلب: "والله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب"٣. هذا موقف الشيخين من أهل بيت النبوة وهو موقف حب واحترام وإكرام ووصية بحفظهم وأن لا يتعرض لهم بأذى أو إساءة وهذا الموقف هو الواجب على كل أحد أن يقفه ويلتزم به تجاه أهل البيت إذ هو موقف أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين أبي بكر وعمر ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين وقد وفق الله لهذا الموقف التابعين لهم بإحسان وهم أهل السنة والجماعة حيث تولوهم جميعاً وأجمعوا على حبهم وتبرؤوا من طريقة الروافض والنواصب وردوا على من طعن عليهم بأنهم قدموا على علي غير الثلاثة، أو تسويته بمعاوية أو تقديمه عليه، وقد حرر العقيدة النقية لأهل السنة والجماعة في أهل البيت كل من الإمامين الجليلين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، فقد قال العلامة ابن تيمية: "أهل السنة يتولون جميع المؤمنين ويتكلمون بعلم وعدل ليسوا من أهل الجهل ولا من أهل الأهواء ويتبرؤون من طريقة الروافض والنواصب جميعاً ويتولون السابقين الأولين كلهم ويعرفون قدر الصحابة وفضلهم ومناقبهم ويرعون

стр. 1084

بمعاوية أو تقديم معاوية عليه"١. وقال ﵀ في موضع آخر: "ويحبون آل بيت رسول الله ﷺ ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خم: " أذكركم الله في أهل بيتي" ٢. ـ إلى أن قال ـ ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل"٣. وقال العلامة ابن القيم في صدد ذكره للأسباب التي جعلت التأويل الباطل مقبولاً عند الناس: "السبب الثالث أن يعزو المتأول تأويله إلى جليل القدر نبيل الذكر من العقلاء أو من آل بيت النبي ﷺ ، أو من حصل له في الأمة ثناء جميل ولسان صدق ليحليه بذلك في قلوب الجهال، فإنه من شأن الناس تعظيم كلام من يعظم قدره في نفوسهم حتى إنهم ليقدمون كلامه على كلام الله ورسوله، ويقولون هو أعلم بالله منا، وبهذا الطريق توصل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنصيرية إلى تنفيق باطلهم وتأويلاتهم حين أضافوها إلى أهل بيت رسول الله ﷺ لما علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم، فانتمو إليهم وأظهروا من محبتهم وإجلالهم، وذكر مناقبهم ما خيل إلى السامع أنهم أولياؤهم ثم نفقوا باطلهم بنسبته إليهم فلا إله إلا الله، كم من زندقة وإلحاد وبدعة قد نفقت في الوجود بسبب ذلك وهم براء منها، وإذا تأملت هذا السبب رأيته هو الغالب على أكثر النفوس فليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل بلا برهان من الله قادهم إلى ذلك، وهذا ميراث بالتعصيب من الذين عارضوا دين الرسل بما كان عليه الآباء والأسلاف، وهذا شأن كل مقلد لمن يعظمه فيما خالف فيه

стр. 1085

الحق إلى يوم القيامة ١. فقد تبين من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن أهل السنة والجماعة هم أسعد الأمة المحمدية بالحق نحو أهل البيت حيث إنهم يحبونهم جميعاً ويتولونهم وهم الذين حفظوا وصية النبي ﵊ فيهم كما تبين من ذلك كذب الشيعة الرافضة في نسبتهم النصب إلى أهل السنة بل كلمة "النواصب" يصح إطلاقها على الشيعة الرافضة حيث إنهم يحبون بعض أهل البيت محبة غلو وتجاوز للحد، وكما هو معلوم أن الزيادة في الحد تنقلب إلى الضد، ولأنهم أيضاً يعادون بعض أهل البيت ولا يحبونهم ولا يتولونهم، فادعاؤهم أنهم شيعة أهل البيت يكذبه موقفهم منهم، فقد ابتلوا بالإفراط في حب علي وبعض ذريته، فكانت محبتهم بسبب ذلك عاراً عليهم وبواراً، ولو صح التعبير لقلنا إن الشيعة الحقيقيين لأهل البيت هم أهل السنة والجماعة، لأنهم هم الذين أحبوهم كما أمر الله ورسوله، وأما الرافضة فهم أعدؤهم في الحقيقة، لأن المحبة الخارجة عن الشرع الحائدة عن سنن الهدى هي العداوة الكبرى، ومن هذه الجهة يكونون أشقاء للنواصب ...

стр. 1086

الخاتمة لقد توصلت في رسالتي هذه التي بحثت فيها "عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام ﵃" إلى نتائج هي: - ١. أن الصحابي عند أهل السنة والجماعة هو من لقي المصطفى ﷺ يقظة لا مناماً وآمن به ومات على الإسلام. ٢. يثبتون جميع ما ورد في فضلهم من آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم ﷺ ، سواء كان هذا الفضل على وجه العموم، أو على وجه الخصوص، الكل يثبتونه ويؤمنون به، ويسلمون به لأولئك الأطهار الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ وجعلهم وزراء له، فكانوا حملة رسالته من بعده، وهم ﵃ وإن جمعهم شرف الصحبة لرسول الله ﷺ وشملهم هذا الفضل الكريم إلا أنهم متفاوتون في الفضل والدرجة. ٣. أجمعوا على أن أفضل الخلق على الإطلاق بعد النبيين والمرسلين أبو بكر الصديق ثم يليه في هذه المرتبة العلية عمر الفاروق، ثم ذو النورين عثمان، ثم أبو السبطين علي ﵃ جميعاً، ثم الستة بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أصحاب أحد، ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. ٤. اتضح أن أهل السنة والجماعة هم أولى الناس بأهل بيت رسول الله ﷺ من حيث توليهم وموالاتهم ومحبتهم، فقد كان لهم القسط الاكبر والحظ الأوفر من هذا، أما دعوى الشيعة الرافضة في أنهم هم الذين اختصوا بموالاتهم فإنها دعوى بلا برهان، ولا حظ لهم من ذلك، إلا مبالغتهم في الغلو المذموم نحوهم ومعاداتهم من يحبهم أهل البيت إذ أهل البيت يحبون جميع الصحابة

стр. 1087

ولا يكنون أي عداوة لأحد منهم ﵃ جميعاً. ٥. أجمعوا على أن أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ أبو بكر الصديق لفضله وسابقته وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ثم من بعده عمر ﵁ لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁ لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه. ٦. كل ما أورده أهل البدع من الأدلة التي يستدلون بها على أن الإمام بعد النبي ﷺ بلا فصل هو علي ﵁ إنما هي شبه ساقطة معظمها من اختراعاتهم الباطلة، وأن اعتقادهم في الإمامة على هذ النحو مبني على أحاديث موضوعة اختلقها الزنادقة الملاحدة إذ أنها مخالفة لما جاء عن رسول الله ﷺ وأهل بيته في ترتيب الخلافة الراشدة وأن علياً ﵁ لم يدع شيئاً من ذلك وأنه بريء من كل ما تنسبه الرافضة إليه. ٧. يعتقد أهل السنة والجماعة أن خلافة الحسن بن علي بن أبي طالب كانت خلافة حقة، وأنها جزء مكمل لخلافة النبوة التي أخبر المصطفى ﵊ أن مدتها بعده ثلاثون سنة. ٨. أن أهل السنة والجماعة هي الفرقة الوحيدة التي حالفها الصواب والسداد فيما يجب من الحق للصحابة على من جاء بعدهم، فقد حفظوا فيهم وصية المصطفى ﷺ ، حيث اعتقدوا وجوب محبتهم وتعظيمهم وتوقيرهم وإنزالهم المنزلة التي أنزلهم الله فيها، ولذلك سلمت قلوبهم من الغل عليهم، وألسنتهم رطبة بذكرهم بالجميل من الترحم عليهم والاستغفار لهم، ونشر محاسنهم، والشهادة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة منهم. ٩. أن الصحابة ﵃ كلهم عدول، صغارهم وكبارهم، ذكورهم وإناثهم من لابس الفتن ومن لم يلابسها، حيث ثبتت عدالتهم بنص

стр. 1088

الكتاب والسنة والإجماع والمعقول. ١٠. أن ما وقع بين الصحابة من القتال والتشاجر يجب الإمساك عنه وعدم الخوض فيه والتتبع لكل تفصيلاته، وأن ما نقل فيما شجر بينهم واختلفوا فيه فمنه ما هو باطل وكذب قد زيد فيه ونقص، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحاً يجب تأويله وحمله على أحسن المحامل، لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما نقل من الكلام اللاحق فهو محتمل والمشكوك فيه والموهوم لا يبطل المحقق المعلوم. ١١. أن الحروب التي دارت بين علي وبين بعض الصحابة الكرام ﵃ لم يكن الباعث عليها مطامع دنيوية، أو شهوات نفسية، وإنما كانت عن اجتهاد وتأويل للمصيب فيها منهم أجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وللمخطيء منهم أجر واحد على اجتهاده ولا إثم عليه. ١٢. أن سب الصحابة والتعرض لهم بعيبهم وتنقصهم والطعن في عدالتهم حرام بنص الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة، وأن من أبغضهم جميعاً أو أكثرهم أو سبهم سباً يقدح في دينهم وعدالتهم، فإنه يكفر بهذا، لأن هذا يؤدي إلى إبطال الشريعة بكاملها، أو أكثرها لأن الصحابة هم الناقلون لها، وهم الواسطة بين النبي ﷺ ومن جاء بعدهم، ومن اعتقد أنهم مجروحون وغير عدول، فقد طعن في تلك الواسطة التي تلقت الشريعة عن المصطفى ﷺ ومن المستحيل أن تطمئن النفوس إلى شريعة نقلتها مطعون فيهم مجورحون، وكذا يكفر من أبغض واحداً منهم لأمر يرجع إلى الصحبة، أو النصرة لرسول الله ﷺ ، أو الجهاد معه، إذ هذا يؤدي إلى إيذاء الرسول ﷺ وإيذاء الرسول كفر ومن كانت هذه حاله، فدواؤه السيف، إن لم يتب ويراجع، وأما إذا كان البغض لأمر لا يرجع إلى الصحبة ولا إلى النصرة، فحكم هذا أنه فاسق مبتدع يجب تأديبه، وينكل به نكالاً شديداً، لا يبلغ به القتل حتى يظهر التوبة ويرجع عن

стр. 1089

طعنه في صحابة رسول الله ﷺ ويعرف لهم حقهم. ١٣. أن من سب أم المؤمنين عائشة ﵂ وقذفها بما رماها به أهل الإفك، فإنه كافر حيث كذب الله فيما أخبر به من براءتها وطهارتها وطهارتها ﵂، وأن عقوبته أن يقتل مرتداً عن ملة الإسلام. وكذلك من قذف غير عائشة من أمهات المؤمنين فهو في الحكم كقاذف عائشة ﵂، ذلك لأن فيه عاراً وغضاضة على النبي ﷺ ، وأذى له أعظم من أذاه بنكاحهن من بعده. ١٤. أن جميع ما يتناقله الشيعة الرافضة وأهل البدع في كتبهم من المطاعن العامة والخاصة في أصحاب رسول الله ﷺ لا يعرج عليها ولا كرامة، فهي أباطيل وأكاذيب مفتراة إذ دأب الرافضة وأهل البدعة رواية الأباطيل ورد ما صح من السنة المطهرة. ١٥. إن القرآن في عقيدة الشيعة الرافضة بدل وحرف ونقص من قبل الصحابة حيث يزعمون أنه لم يجمعه كاملاً كما أنزل إلا علي بن أبي طالب ﵁. ١٦. أن أئمة أهل البيت براء من عقيدة الشيعة الرافضة في خلافة النبوة والصحابة والقرآن، إذ أنهم لم يخرجوا في اعتقادهم فيما ذكر عما قرره الله تعالى في كتابه وقرره رسول الله ﷺ في سنته المطهرة وعما كان عليه سلف الأمة وأئمتها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ... وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ...

стр. 1090

وإلى أمور ما كانت فيقولون كانت، ويأتون إلى الأمور التي هي خير وصلاح، فيقولون: هي فساد، وإلى الأمور التي هي فساد فيقولون: هي خير وصلاح١، فهم لا يعقلون عقل تفكر ولا يسمعون سماع تدبر وإلى بيان بطلان مطاعنهم التي تضمنها هذا النص السابق: فطعنهم على الفاروق ﵁: بأنه جعل الأمر شورى بعده وخالف فيه من تقدمه ... فجوابه: أن يقال لهم: "إن عمر بن الخطاب ﵁ كان كثير المشاورة للصحابة فيما لم يتبين فيه أمر الله ورسوله، فإن الشارع نصوصه كلمات جوامع وقضايا كلية وقواعد عامة يمتنع أن ينص على كل فرد من جزئيات العالم إلى يوم القيامة فلا بد من الاجتهاد في المعينات، هل تدخل في كلماته الجامعة أم لا، وهذا الاجتهاد يسمى تحقيق المناط وهو مما اتفق عليه الناس كلهم نفاة القياس، ومثبتته، فإن الله إذا أمر أن يستشهد ذوا عدل فكون هذا الشخص المعين صالحاً لذلك أو راجحاً على غيره لا يمكن أن تدل عليه النصوص، بل لا يعلم إلا باجتهاد خاص ... وعمر ﵁ إمام وعليه أن يستخلف الأصلح للمسلمين، فاجتهد في ذلك ورأى أن ـ الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض ـ أحق من غيرهم، وهو كما رأى، فإنه لم يقل أحد إن غيرهم أحق منهم، وجعل التعيين إليهم خوفاً أن يعين واحداً منهم، ويكون غيره أصلح لهم، فإنه ظهر له رجحان الستة دون رجحان التعيين، وقال: الأمر في التعيين إلى الستة يعينون واحداً منهم، وهذا أحسن اجتهاد إمام عالم عادل ناصح لا هوى له ﵁، وأيضاً: فقد قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٢، وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٣ فكان ما فعله من الشورى مصلحة وكان ما فعله
следующие страницы →