رسول الله ألا تزوج؟ قال: "ومن؟ " قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً. قال: "فمن البكر؟ " قالت: بنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر قال: "ومن الثيب؟ " قالت: سودة بنت زمعة، آمنت بك، واتبعتك، قال: "فاذهبي فاذكريهما علي" الحديث١.
فهي ﵂ من متقدمي الإيمان بالنبي ﷺ والمتبعين له.
قال ابن سعد: "وأسلمت بمكة قديماً وبايعت، وأسلم زوجها السكران بن عمرو وخرجا جميعاً مهاجرين إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية"٢.
٢- ومن حرصها على البقاء في عصمة النبي ﷺ أنها آثرت يومها في القسم حب النبي ﷺ وجعلته لعائشة إيثاراً منها لرضاه ﵊ وحباً في المقام معه لتكون من أزواجه في الدنيا والآخرة.
فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ قال: "خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ فقالت: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ ٣ فما اصطلح عليه من شيء فهو جائز"٤.
وروى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، وكان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها غير أن سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها
стр. 352
لعائشة زوج النبي ﷺ تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٣- ومن مناقبها ﵂ أن أم المؤمنين عائشة ﵂ تمنت أن تكون في مثل هديها وطريقتها: فقد روى مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ما رأيت امرأة أحب ألي أن أكون في مسلاخها٢ من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة قالت: يا رسول الله قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها ويوم سودة٣.
قال النووي: "وقولها: من امرأة. قال القاضي: من هنا للبيان واستفتاح الكلام ولم ترد عائشة عيب سودة بذلك بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة وهي الحدة بكسر الحاء"٤.
فهذه الأحاديث اشتملت على بيان فضل أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂ قال العلامة ابن القيم مبيناً وجه الفضل في هذه الأحاديث: "فلما توفاها الله ـ يقصد خديجة ـ تزوج بعدها سودة بنت زمعة ﵂ ... وكبرت عنده وأراد طلاقها فوهبت يومها لعائشة ﵂ فأمسكها وهذا من خواصها أنها آثرت بيومها حب النبي ﷺ تقرباً إلى رسول الله ﷺ وحباً له، وإيثاراً لمقامها معه فكان يقسم لنسائه ولا يقسم لها وهي راضية بذلك مؤثرة لرضى رسول الله ﷺ : ﵂"٥.
стр. 353
٤- ومن مناقبها ﵂ أنها كانت من محبي الإنفاق في سبيل الله. فقد روى ابن سعد بإسناده إلى محمد بن سيرين أن عمر بن الخطاب بعث إلى سودة بنت زمعة بغرارة من دراهم فقالت: ما هذه قالوا: دراهم قالت: في الغرارة مثل التمر يا جارية بلغيني القنع. قال: ففرقتها١.
"توفيت ﵂ في آخر زمان عمر بن الخطاب، ويقال ماتت سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية"٢.
стр. 354
٣) عائشة ﵂:
هي عائشة بنت أبي بكر الصديق عبد الله بن عثمان، وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، ولدت بعد المبعث بأربع سنين أو خمس تزوجها النبي ﷺ وهي بنت ست، وقيل سبع ويجمع بأنها كانت أكملت السادسة ودخلت السابعة، ودخل بها وهي بنت تسع وكان دخوله بها في شوال في السنة الأولى وقيل في السنة الثانية من الهجرة وكانت أحب أزواجه إليه وهي المبرأة من فوق سبع سموات ﵂ وعن أبيها، وكانت تكنى بأم عبد الله كناها رسول الله ﷺ بابن اختها عبد الله بن الزبير ولم يتزوج رسول الله ﷺ بكراً غيرها ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة سواها، وكانت أعلم نساء النبي ﷺ بل هي أعلم النساء على الإطلاق، كان الأكابر من أصحاب النبي ﷺ يرجعون إلى قولها ويستفتونها توفي النبي ﷺ وهي في الثامنة عشر من عمرها وكانت وفاتها ﵂ سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان وصلى عليها أبو هريرة ﵁ وعنها وعن الصحابة أجميعن"١.
ومناقبها ﵂ كثيرة مشهورة ومنها:
١- ما رواه البخاري بإسناده إلى عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي: الناس أحب إليك قال: "عائشة" قلت: فمن الرجال: قال: "أبوها" ... الحديث٢.
هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لأم المؤمنين عائشة ﵂ وهي أنها كانت أحب أزواج النبي ﷺ إليه.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: "وهذا
стр. 355
خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، وما كان ﵊ ليحب إلا طيباً وقد قال: "لو كنت متخذاً خليلاً من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام أفضل".
فأحب أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله. وحبه ﵇ لعائشة كان أمراً مستفضياً١.
ومن مناقبها ﵂ أن جبريل أرسل إليها سلامه مع النبي ﷺ . فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ يوماً: " يا عائش هذا جبريل يقرئك السلام" فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. ترى ما لا أرى تريد رسول الله ﷺ "٢.
فهذا الحديث يدل على أن لها فضلاً عظيماً ومنزلة عالية حتى عند الملائكة ﵂ وأرضاها.
٣- ومن مناقبها ﵂: ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣.
في هذا الحديث بيان فضيلة عائشة ﵂ فقد بين النبي ﷺ أن فضل عائشة زائد على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة.
قال النووي: "قال العلماء: معناه أن الثريد من كل طعام أفضل من المرق فثريد اللحم أفضل من مرقه بلا ثريد وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه والمراد بالفضيلة نفعه والشبع منه وسهولة مساغه والالتذاذ به وتيسر تناوله وتمكن الإنسان
стр. 356
من أخذ كفايته منه بسرعة وغير ذلك فهو أفضل من المرق كله ومن سائر الأطعمة وفضل عائشة على النساء زائد كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة، وليس في هذا تصريح بتفضيلها على مريم وآسية لاحتمال أن المراد تفضيلها على نساء الأمة"أ. هـ١.
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: "وتقرير أن قوله: "وفضل عائشة ... إلخ لا يستلزم ثبوت الأفضلية المطلقة وقد أشار ابن حبان إلى أن أفضليتها التي يدل عليها هذا الحديث وغيره مقيدة بنساء النبي ﷺ حتى لا يدخل فيها مثل فاطمة ﵍ جمعاً بين هذا الحديث وبين حديث: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وأحسبه قال: وامرأة فرعون" وقد أخرجه الحاكم بهذا اللفظ من حديث ابن عباس"٢.
٤- ومن مناقبها ﵂ أن الله لما أنزل على نبيه آية التخيير بدأ بها فخيرها فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه ﷺ . فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "لما أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: "إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا يعمل حتى تستأمري أبويك" قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: "إن الله ـ جل ثناؤه ـ قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ " ٣. قالت: فقلت: ففي أي هذا استأمر أبوي؟ فإني أريد الله وروسوله والدار الآخرة قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت"٤.
стр. 357
هذا الحديث تضمن فضل عائشة لبدائته بها ﵂.
٥- ومن مناقبها ﵂ أن الملك أرى صورتها للنبي ﷺ قبل أن يتزوجها في سرقة١ حرير. فقد روى الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول: "إن يك هذا من عند الله يمضه" ٢.
٦- ومن مناقبها العظيمة التي دلت على عظيم شأنها وجليل قدرها أن الوحي كان ينزل على النبي ﷺ وهو في لحافها دون غيرها من نسائه ﵊.
فقد روى البخاري بإسناده إلى هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث ما دار قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي ﷺ قالت: فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها" ٣.
هذا الحديث تضمن منقبتين عظيمتين اختصت بهما أم المؤمنين عائشة ﵂:
المنقبة الأولى: أن الصحابة ﵃ كانوا يتحرون بهداياهم اليوم الذي يكون فيه نوبتها ﵂ وأرضاها يبتغون بذلك مرضاة رسول الله
стр. 358
صلى الله عليه وسلم ولما يعلمون من شدة حبه ﷺ لها.
المنقبة الثانية: نزول جبريل الأمين بالوحي على النبي ﷺ وهو في لحافها فلله ما أجلها من منقبة وما أعظمها من مكرمة اختصت بها أم المؤمنين عائشة ﵂
٧- ومن مناقبها ﵂: شدة حب النبي ﷺ لها. فقد روى مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: أرسل أزواج النبي ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي فأذن لها فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله ﷺ : " أي بنية ألست تحبين ما أحب"، فقالت: بلى قال: "فأحبي هذه" قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي فأخبرتهن بالذي قالت وبالذي قال لها رسول الله ﷺ وقلنا لها: ما نراك أغنيت عنا في شيء فارجعي إلى رسول الله ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحابة فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبداً، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش ... فاستأذنت على رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ مع عائشة في مرطها على الحالة التي دخلت فاطمة عليها فأذن لها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة قالت: ثم وقعت بي فاستطالت علي وأنا أرقب رسول الله ﷺ وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها قالت: فلما تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها١ حتى أنحيت عليها قالت: فقال رسول الله ﷺ وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر". ٢
стр. 359
هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لعائشة ﵂ حيث بين ﵊ لابنته فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أنه يحب عائشة وأشار لها أن عليها محبتها.
قال النووي رحمه الله تعالى: "اعلم أنه ليس فيه دليل على أن النبي ﷺ أذن لعائشة ولا أشار بعينه ولا غيرها بل لا يحل اعتقاد ذلك فإنه ﷺ تحرم عليه خائنة الأعين وإنما فيه أنها انتصرت لنفسها فلم ينهها وأما قوله ﷺ : "إنها ابنة أبي بكر" فمعناه الإشارة إلى كمال فهمها وحسن نظرها والله أعلم"١.
والعدل الذي طلبه أزواج النبي ﷺ إنما هو التسوية بينهن في محبة القلب فقد كان ﷺ مسوياً بينهن في الأفعال والمبيت ونحوه وأما محبة القلب فقد كان ﷺ يحب عائشة أكثر منهن وأجمع المسلمون على أن محبتهن لا تكليف فيها لأنه لا قدرة لأحد عليها إلا الله وإنما يؤمر بالعدل في الأفعال"٢.
٨- ومن مناقبها ﵂ التي دلت على عظيم شأنها ورفعه مكانتها شهادة الباري جل وعلا لها بالبراءة مما رميت به من الإفك وذلك أنه ﵊ كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ولما أراد الخروج في غزوة بني المصطلق أقرع بينهن فخرج سهم أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها وذلك بعد أن نزل الحجاب فحملت عائشة في هودجها ولما فرغ ﷺ من هذه الغزوة تجهز للعودة فلما قرب من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقامت عائشة ﵂ حين آذنوا بالرحيل ومشت حتى جاوزت مكان الجيش فلما قضت من شأنها أقبلت إلى الرحيل فلمست صدرها وإذ بعقد لها قد انقطع فرجعت للبحث عنه فتأخرت في طلب ذلك العقد وجاء الرهط الذين كانوا يحملون هودجها فرحلوه على بعيرها الذي كانت تركبه وهم يظنونها فيه ولخفتها ﵂ لم يستنكروا عدم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وبعثوا
стр. 360
الجمل وساروا ووجدت عقدها ﵂ بعد أن ذهب الجيش وجاءت إلى مكانهم الذي نزلوه وإذا به ليس فيه داع ولا مجيب فقصدت مكانها الذي كانت فيه لعلهم يفقدونها ويرجعون إليه فلم يحصل من ذلك شيء ولكن الله قيض لها الصحابي الجليل صفوان بن المعطل السلمي حيث كان متأخراً عن الجيش فأصبح عند منزلها فرأى سواد إنسان نائم فأتى وإذا بها أم المؤمنين عائشة ﵂ فعرفها فجعل يسترجع حتى استيقظت باسترجاعه ولم يكلمها ﵁ بأي كلمة ولا سمعت منه غير كلمة استرجاعه فأناخ لها راحلته فركبتها وانطلق يقود بها تلك الراحلة حتى لحق بالنبي ﷺ وأصحابه فهلك في شأنها من هلك وعصم من ذلك من عصم وكان الذي تولى كبره في حادثة الإفك عبد الله بن أبي بن سلول وأخذ المنافقون في نشر هذه الحادثة يحيكونها بالكذب والبهت حتى تأذى من ذلك رسول الله ﷺ أذى شديداً ونزل بأم المؤمنين عائشة ﵂ من الغم والهم ما الله به عليم حيث تأخر نزول الوحي بتبرئتها شهراً كاملاً وبينما رسول الله ﷺ يفاتح عائشة في ذلك الأمر وهي عند أبويها١ إلا والوحي ينزل بتبرئتها في عدد من آيات القرآن العظيم من سورة النور كانت درساً بليغاً لأهل الإيمان وشهادة من الله بتبرئة أم المؤمنين، وماتت تلك الفتنة يومئذ ولقي من تخوضوا فيها جزاءهم والآيات التي نزلت بتبرئتها ﵂ هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الأِثْمِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ٢ وعدد هذه الآيات لا ينقص عن ثمانية عشر آية تولى الله فيها الدفاع بنفسه
стр. 361
عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وبين أن ما رميت به كان إفكاً وهل الإفك إلا الكذب والبهت والافتراء وحذر من العودة إليه أبداً، وتوعد الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات باللعن في الدنيا والآخرة، والآية الأخيرة من تلك الآيات هي قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يعني أن عائشة ما كانت تصلح لرسول الله شرعاً ولا قدراً لو كانت خبيثة وأن الله ما كان ليجعل عائشة زوجاً لرسوله إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر ﵊ كما صرح الله ببراءتها في قوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وليس لهذا من تفسير إلا أن الباري ـ جل وعلا ـ شهد لها بحقيقة الإيمان وبشرها بالموت عليه لتفوز بعد ذلك بالمغفرة والرزق الكريم في الآخرة وبعد هذا لا يجوز لإنسان يؤمن بالله وكلماته أن ينسب أم المؤمنين عائشة إلى شيء من الخبث والريبة ومن وقع في مثل هذا فليس من تفسير لصنعه هذا إلا الكفر البواح والردة الصراح.
قال العلامة ابن القيم: "ومن خصائصها أن الله ـ سبحانه ـ برأها بما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحياً يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة شهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر ـ سبحانه ـ أن ما قيل فيها من الإفك كان خيراً لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شراً لها ولا خافضاً من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكراً بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيالها من منقبة ما أجلها وتأمل هذا التشريف والإكرام الناشيء عن فرط تواضعها واستصغارها لنفسها حيث قالت: "ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بوحي يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ رؤيا يبرئني الله بها"١ فهذه صديقة الأمة وأم المؤمنين وحب رسول الله ﷺ وهي
стр. 362
تعلم أنها بريئة منه مظلومة وأن قاذفيها ظالمون مفترون عليها قد بلغ أذاهم إلى أبويها وإلى رسول الله ﷺ "١.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "ولما تكلم فيها أهل الإفك بالزور والبهتان غار الله لها فأنزل براءتها في ... آيات من القرآن تتلى على تعاقب الزمان ... وقد أجمع العلماء على تكفير من قذفها بعد براءتها واختلفوا في بقية أمهات المؤمنين هل يكفر من قذفهن أم لا؟ على قولين: وأصحهما أنه يكفر لأن المقذوف زوجة رسول الله ﷺ والله تعالى إنما غضب لها لأنها زوجة رسول الله ﷺ فهي وغيرها منهن سواء"٢.
٩- ومما كان تشريفاً وتكريماً لها ما رواه البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فأرسل رسول الله ﷺ ناساً من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن حضير: "جزاك الله خيراً، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجاً وجعل فيه للمسلمين بركة٣.
في هذا الحديث فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها تضمنها قوله: "جزاك الله خيراً ... " إلخ الحديث فما نزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجاً وجعله لأمة محمد تخفيفاً وتيسيراً وبركة.
١٠- ومنها أن النبي ﷺ لما لحق بالرفيق الأعلى كان في بيتها وبين سحرها ونحرها وكان مسنداً ظهره إلى صدرها "وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة
стр. 363
من ساعاته في الدنيا وأول ساعة من الآخرة ودفن في بيتها"١.
فقد روى البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول: "أين أنا غداً؟ " حرصاً على بيت عائشة قالت عائشة: فلما كان يومي سكن"٢.
وعند مسلم عنها ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم أين أنا غداً؟ " استبطاء ليوم عائشة قالت: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري.
وروى مسلم أيضاً بإسناده إلى عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة أنها أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل أن يموت وهو مسند إلى صدرها وأصغت إليه وهو يقول: "اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق".
وفي رواية أخرى عنها أن آخر كلمة تكلم بها رسول الله ﷺ قوله: "اللهم الرفيق الأعلى"٣.
١١- روى الإمام البخاري بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها"٤.
قال الحافظ الذهبي: "قلت: وهذا من أعجب شيء أن تغار ﵂ من امرأة عجوز توفيت قبل تزوج النبي بعائشة بمديدة ثم يحميها الله من الغيرة من عدة نسوة يشاركنها في النبي ﷺ فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي ﷺ لئلا يتكدر عيشهما ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي ﷺ وميله
стр. 364
إليها فرضي الله عنها وأرضاها"١.
١٢- ومنها إخبار المصطفى ﵊ إياها بأنها من أصحاب الجنة. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: "قلت: يا رسول الله من من أزواجك في الجنة؟ قال: "أما إنك منهن" قالت: فخيل إلي أن ذاك أنه، لم يتزوج بكراً غيري٢.
١٣- ومنها أن كبار الصحابة ﵃ كانوا إذا أشكل عليهم الأمر من الدين استفتوها فيجدون علمه عندها. فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى أبي موسى الأشعري ﵁ قال: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً٣.
وقال عروة: ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة ولم تروا امرأة ولا رجل غير أبي هريرة ـ عن رسول الله ﷺ من الأحاديث بقدر روايتها ﵂.
وقال أبو الضحى عن مسروق: رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض.
وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواجه لكان علم عائشة أفضل٤.
وقد أثنى عليها بعض الصحابة بما يبين أنها وجيهة في الدنيا والآخرة فقد روى أبو عيسى الترمذي بإسناده إلى عمرو بن غالب: "أن رجلاً نال من عائشة عند عمار بن ياسر ـ فقال له: ـ اغرب مقبوحاً منبوحاً أتؤذي حبيبة رسول الله
стр. 365
صلى الله عليه وسلم١.
وفي صحيح البخاري عن أبي وائل قال: لما بعث علي عماراً والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها٢.
قال الحافظ رحمه الله تعالى شارحاً لقول عمار: "إني لأعلم أنها زوجته" أي: زوجة النبي ﷺ "في الدنيا والآخرة" وعند ابن حبان من طريق سعيد بن كثير عن أبيه "حدثتنا عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة" فلعل عماراً كان سمع هذا الحديث من النبي ﷺ وقوله: في الحديث: "لتتبعوه أو إياها" قيل: الضمير لعلي لأنه الذي كان عمار يدعو إليه والذي يظهر أنه لله والمراد باتباع الله اتباع حكمه الشرعي في طاعة الإمام وعدم الخروج عليه ولعله أشار إلى قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ٣.
فإنه أمر حقيقي خوطب به أزواج النبي ﷺ ولهذا كانت أم سلمة تقول: لا يحركني ظهر بعيري حتى ألقى النبي ﷺ والعذر في ذلك عن عائشة أنها كانت متأولة هي وطلحة والزبير وكان مرادهم إيقاع الإصلاح بين الناس وأخذ القصاص من قتلة عثمان ﵃ أجمعين. وكان رأي علي الاجتماع على الطاعة وطلب أولياء المقتول القصاص ممن يثبت عليه القتل بشروطه"٤.
وروى البخاري بإسناده إلى القاسم بن محمد أن عائشة اشتكت فجاء ابن عباس فقال: يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله ﷺ وعلى أبي بكر٥.
стр. 366
في هذا فضيلة عظيمة لعائشة ﵂ حيث قطع لها ﵁ بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف١.
وروى الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان ـ حاجب عائشة ـ إنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة فجئت ـ وعند رأسها عبد الله بن أخيها عبد الرحمن ـ فقلت: هذا ابن عباس يستأذن فأكب عليها ابن أخيها عبد الله فقال: هذا عبد الله بن عباس يستأذن ـ وهي تموت فقالت: دعني من ابن عباس فقال: يا أمها إن ابن عباس من صالح بنيكي يسلم عليك ويودعك فقالت: ائذن له إن شئت قال: فأدخلته فلما جلس قال: أبشري فقالت: بماذا؟ فقال: ما بينك وبين أن تلقي محمداً والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد، وكنت أحب نساء رسول الله ﷺ إليه ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيباً وسقطت قلادتك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله ﷺ وأصبح الناس وليس معهم ماء فأنزل الله آية التيمم فكان ذلك في سببك، وما أنزل الله من الرخصة لهذه الأمة، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس من مساجد الله إلا يتلى فيه آناء الليل وآناء النهار. فقالت: دعني منك يا ابن عباس والذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً٢.
والأحاديث في فضلها ومناقبها كثيرة جداً وحسبنا هنا ما تقدم.
стр. 367
٤) حفصة ﵂:
هي حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄، وهي أخت عبد الله لأبيه وأمها زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح تزوجها رسول الله ﷺ سنة ثلاث من الهجرة "وكانت قبله عند خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم وكان بدرياً شهد بدراً مع رسول الله ﷺ فلم تلد له شيئاً ولم يشهد من بني سهم بدراً غيره"١ وولدت ﵂ قبل المبعث بخمس سنين وتوفيت سنة خمس وأربعين٢.
وقد وردت مناقبها ﵂ في أحاديث دلت على عظم شأنها ورفعة مكانتها ومنها:
١- روى ابن سعد بإسناده إلى أبي الحويرث قال: تزوج خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم حفصة بنت عمر بن الخطاب فكانت عنده وهاجرت معه إلى المدينة٣.
في هذا منقبة لأم المؤمنين حفصة وهي أنها كانت ممن حظي بشرف الهجرة التي لا مثل لها في الأجر والثواب.
٢- روى البخاري ﵀ بإسناده إلى سالم بن عبد الله أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄ يحدث أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفي بالمدينة فقال عمر بن الخطاب: أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري فلبثت ليالي، ثم لقيني فقال: بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا،
стр. 368
قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق فقلت إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئاً وكنت أوجد عليه مني على عثمان فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه فلقيني أبو بكر فقال: فلعلك وجدت عليّ حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً قال عمر: قلت: نعم قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني كنت علمت أن رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها١.
٣- ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه "فتح الباري" بقوله: "ووقع في رواية ربعي بن حراش عن عثمان عند الطبري وصححه هو والحاكم٢ أن عثمان خطب إلى عمر بنته فرده فبلغ ذلك النبي ﷺ فلما راح إليه عمر قال: "يا عمر ألا أدلك على ختن خير من عثمان وأدل عثمان على ختن خير منك؟ " قال: نعم يا نبي الله قال: "تزوجني بنتك وأزوج عثمان بنتي" قال الحافظ الضياء: إسناده لا بأس به لكن في الصحيح أن عمر عرض على عثمان حفصة فرد عليه: "قد بدا لي أن لا أتزوج" قلت: أخرج ابن سعد٣ من مرسل الحسن نحو حديث ربعي، ومن مرسل سعيد بن المسيب أتم منه وزاد في آخره "فخار الله لهما جميعاً"٤. ويحتمل في الجمع بينهما أن يكون عثمان خطب أولاً إلى عمر فرده كما في رواية ربعي، وسبب رده يحتمل أن يكون من جهتها وهي أنها لم ترغب في التزوج عن قرب من وفاة زوجها ويحتمل غير ذلك من الأسباب التي لا غضاضة فيها على عثمان في رد عمر له، ثم لما ارتفع السبب بادر عمر فعرضها على عثمان رعاية لخاطره كما في حديث الباب، ولعل عثمان بلغه ما بلغ أبا بكر من ذكر النبي ﷺ لها فصنع كما صنع من ترك إفشاء ذلك ورد على عمر بجميل"٥.
стр. 369
٤- روى الطبراني بإسناده إلى قيس بن يزيد أن رسول الله ﷺ طلق حفصة تطليقة ... فجاء النبي ﷺ فدخل فتجلببت فقال النبي ﷺ : "أتاني جبريل ﵇ فقال: راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة" ١.
في هذا الحديث تنبيه على فضلها والثناء عليها بكثرة الصيام والقيام والإخبار بأنها زوجته ﷺ في الجنة.
قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: "طلقها تطليقة ثم ارتجعها وذلك أن جبرائيل ﵇ قال له: راجع حفصة فإنها قوامة وصوامة وإنها زوجتك في الجنة"٢.
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومن خواصها: ما ذكره الحافظ أبو محمد المقدسي في مختصره في السيرة: أن النبي ﷺ طلقها فأتاه جبريل فقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة"٣.
وقال الذهبي رحمه الله تعالى: "وروي أن النبي ﷺ طلق حفصة تطليقة ثم راجعها بأمر جبريل ﵇ له بذلك وقال: "إنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة" ٤.
وكل ما تقدم من ذكر مناقبها ﵂ يدل على أنها كانت على جانب عظيم من رفعة مكانتها وجلالة قدرها ﵂ وأرضاها.
стр. 370
٥) زينب بنت خزيمة ﵂:
هي زينب بنت خزيمة بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ وكانت يقال لها أم المساكين لأنها كانت تطعمهم وتتصدق عليهم وكانت قبل النبي ﷺ تحت عبد الله بن جحش فاستشهد بأحد فتزوجها النبي ﷺ ، وقيل: كانت تحت الطفيل بن الحارث بن المطلب ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث وهي أخت ميمونة بنت الحارث لأمها وكانت دخوله ﷺ بها بعد دخوله على حفصة بنت عمر، ثم لم تلبس عنده ﵊ إلا شهرين أو ثلاث ثم ماتت"١.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "وتزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية وكانت تحت عبد الله بن جحش تزوجها سنة ثلاث من الهجرة وكانت تسمى أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين ولم تلبس عند رسول الله ﷺ إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة وتوفيت ﵂"٢.
وقال الزهري رحمه الله تعالى: "تزوج النبي ﷺ زينب بنت خزيمة وهي أم المساكين سميت بذلك لكثرة إطعامها المساكين وهي من بني عامر بن صعصعة وتوفيت ورسول الله ﷺ حي"٣.
وقال محمد بن إسحاق:"تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين وكانت قبله عند الحصين، أو عند الطفيل بن الحارث ماتت بالمدينة أول نسائه موتاً"٤.
стр. 371
وقال الحافظ بن كثير: "وهي التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم، وبرها لهم وإحسانها إليهم، وأصدقها اثنتي عشرة أوقية ونشاً دخل بها في رمضان وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها"١.
وأم المؤمنين زينب بنت خزيمة وإن كان لم يرد لها مناقب تخصها على الانفراد مثل بقية أمهات المؤمنين سواها فإنه يكفيها نزول القرآن فيهن على وجه العموم ومخاطبة الرب لهن جميعاً. مثل قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ٢ وقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ٣ وقوله ـ عز شأنه ـ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ ٤.
قال عبد الله بن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ نزلت في أزواج النبي ﷺ خاصة، وقال عكرمة: من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم٥.
كما يكفيها فخراً وشرفاً أنها إحدى أمهات المؤمنين اللاتي ضرب عليهن الحجاب واللاتي هن أزواج نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة "وكانت وفاتها ﵂ سنة أربع للهجرة"٦.
﵂ وأرضاها.
стр. 372
٦) أم سلمة ﵂:
اسمها هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة، وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشية المخزومية مشهورة بكنيتها معروفة باسمها كان أبوها يلقب زاد الراكب لأنه كان أحد الأجواد فكان إذا سافر لم يحمل أحد معه من رفقته زاداً بل هو كان يكفيهم، وأمها عاتكة بنت عامر كنانية من بني فراس "وكانت أولاً تحت ابن عمها أبي سلمة بن عبد الأسد وهاجرت معه إلى الحبشة، ثم هاجرت إلى المدينة فيقال: إنها أول ضغينة دخلت إلى المدينة مهاجرة ولما مات زوجها عبد الله بن عبد الأسد خطبها النبي ﷺ وكانت وفاتها ﵂ سنة إحدى وستين رضي الله عنها١.
وقد جاء ذكر مناقبها في أحاديث كثيرة منها:
١- ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى أم سلمة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا أخلف الله له خيراً منها" قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له فقلت: إن لي بنتاً وأنا غيور فقال: "أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها وأدعو الله أن يذهب بالغيرة" ٢.
٢- شرفت ﵂ برؤية جبريل حيث رأته ﵇ في صورة
стр. 373
دحية بن خليفة الكلبي. فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن معتمر ـ بن سليمان التيمي ـ قال: سمعت أبي عن أبي عثمان قال: "أنبئت أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يتحدث فقال النبي ﷺ لأم سلمة من هذا؟ أو كما قال. قالت هذا دحية فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى خطبه النبي ﷺ يخبر خبر جبريل أو كما قال قال أبي: قلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد"١.
قال النووي: "قوله أن أم سلمة رأت جبريل في صورة دحية هو ـ بفتح الدال وكسرها ـ وفيه منقبة لأم سلمة ﵂ وفيه جواز رؤية البشر الملائكة ووقوع ذلك ويرونه على صورة الآدميين لأنهم لا يقدرون على رؤيتهم على صورهم وكان النبي ﷺ يرى على صورة دحية غالباً ورآه مرتين على صورته الأصلية"٢.
وقال العلامة ابن القيم: "ومن خصائصها: أن جبرائيل دخل على النبي ﷺ وهي عنده فرأته في صورة دحية الكلبي"٣.
٣- شهد لها الرسول ﷺ بأنها على خير فقد روى الترمذي من حديث عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ في بيت أم سلمة فدعا فاطمة وحسناً وحسيناً فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً" قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله: قال: "أنت على مكانك وأنت على خير" ٤.
стр. 374
قال صاحب تحفة الأحوذي: "أنت على مكانك وأنت على خير" يحتمل أن يكون معناه أنت خير وعلى مكانك من كونك من أهل بيتي ولا حاجة لك في الدخول تحت الكساء كأنه منعها عن ذلك لمكان علي وأن يكون المعنى أنت على خير وإن لم تكوني من أهل بيتي كذا في اللمعات قلت: الاحتمال الأول هو الراجح بل هو المتعين١.
٤- أكرمها الله بالصواب والسداد فيما تشير به ومن ذلك ما أشارت على النبي ﷺ عام الحديبية حينما أمر أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم وينحروا هديهم فتثاقلوا ذلك طمعاً منهم في أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت ﵃ وأرضاهم. فقد روى البخاري بإسناده من حديث طويل عن المسور ومروان وفيه: "فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاثة مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت له أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ أخرج لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحد منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً"٢.
فهذه الأحاديث المتقدمة التي ذكر فيها فضل أم سلمة أم المؤمنين كلها دلت دلالة واضحة على أنها كانت جليلة القدر عظيمة المكانة ﵂ وأرضاها. "وهي آخر أزواج النبي ﷺ موتاً" وقيل: "بل ميمونة"٣.
стр. 375
٧) زينب بنت جحش ﵂:
هي زينب بنت جحش بن رياب بن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس وأمها أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم عمت النبي ﷺ وهي أخت حمنة، من المهاجرات الأول تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث وقيل: سنة خمس وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وفيها نزلت: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ١ وكان يدعى زيد بن محمد فلما نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢ وتزوج النبي ﷺ امرأته وانتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من أن الذي يتبنى غيره يصير ابنه بحيث يتوارثان إلى غير ذلك. وكانت زينب ﵂ من سادة النساء ديناً وورعاً وجوداً ومعروفاً ﵂، وكانت وفاتها ﵂ سنة عشرين٣.
ومناقبها ﵂ نطق بها الكتاب والسنة:
١- شهادة الرب ـ جل وعلا ـ لها بحقيقة الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ ٤.
فالمراد بالمؤمنة في هذه الآية زينب ﵂.
قال السيوطي: "أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ﵄ قال: "إن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة فدخل
стр. 376
على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها قالت: لست بناكحته قال: بلى فانكحيه قالت: يا رسول الله، أوامر في نفسي فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله ﷺ : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً وقال: "نعم" قالت: إذن لا أعصي رسول الله ﷺ قد أنكحته نفسي"١.
٢- مما أكرمها الله وشرفها به أن تولى بنفسه تزويجها بنبيه من فوق سبع سموات بعد أن طلقها مولاه زيد بن حارثة وانقضت عدتها وكانت تفخر بذلك على سائر أزواج النبي ﷺ حيث كانت تقول لهن: زوجكن أهليكن وأنا زوجني الله من فوق سبع سموات. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: جاء زيد بن حارثة يشكوا "فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" قال أنس: لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً لكتم هذه قال: فكانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله ـ تعالى ـ من فوق سبع سموات".
وروى أيضاً بإسناده إلى أنس بن مالك ﵁ يقول: نزلت آية الحجاب في زينب بنت جحش وأطعم عليها يومئذ خبزاً ولحماً، وكانت تفخر على نساء النبي ﷺ وكانت تقول: "إن الله أنكحني في السماء"٢.
وروى الإمام مسلم بإسناده إلى أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد: "فاذكرها علي" قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله ﷺ ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله ﷺ يذكرك قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن ... "الحديث٣.
стр. 377
وقد حكى الله ـ جل وعلا ـ تزويجه إياها بنبيه ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ ١.
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "فزوجها الله ـ تعالى ـ بنبيه بنص كتابه بلا ولي ولا شاهد فكانت تفخر بذلك على أمهات المؤمنين وتقول: زوجكن أهليكن وزجني الله من فوق عرشه"٢.
قال الحافظ في بيان قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي ﷺ هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الذي يدعى ابناً ووقع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم ... وقد أخرج الترمذي٣ من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة قالت: "لو كان رسول الله ﷺ كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ـ يعني بالإسلام ـ ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدَراً مَقْدُوراً﴾ وأن رسول الله ﷺ لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٤ الآية وكان تبناه وهو صغير قلت: حتى صار رجلاً يقال له زيد بن محمد. فأنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ ـ قوله ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ ٥.
стр. 378
٣- ومما حظيت به وكان تكريماً لها من ربها أن آية الحجاب نزلت حين تزوجت بالنبي ﷺ . فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال: "أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب: لما أهديت زينب إلى رسول الله ﷺ كانت معه في البيت صنع طعاماً ودعا القوم فقعدوا يتحدثون فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ ـ إلى قوله ـ ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فضرب الحجاب وقام القوم"١.
فزواجها ﵂ بالنبي ﷺ كان السبب في نزول آية الحجاب.
٤- روى الإمام مسلم بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً" قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق"٢.
وروى الحاكم بإسناده إلى عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ لأزواجه: "أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً" قالت عائشة فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله ﷺ نمد أيدينا في الجدار نتطاول فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا فعرفنا حينذ أن النبي ﷺ إنما أراد بطول اليد الصدقة قال: وكانت زينب امرأة صناعة اليد فكانت تدبغ وتخرز وتصدق في سبيل الله "٣.
قال النووي رحمه الله تعالى: "معنى الحديث أنهن ظنن أن المراد بطول اليد
стр. 379
طول اليد الحقيقية وهي الجارحة فكن يذرعن أيديهن بقصبة فكانت سودة أطولهن جارحة وكانت زينب أطولهن يداً في الصدقة وفعل الخير فماتت زينب أولهن فعلموا أن المراد طول اليد في الصدقة والجود ... وفيه معجزة باهرة لرسول الله ﷺ ومنقبة ظاهرة لزينب ووقع هذا الحديث في كتاب الزكاة من البخاري بلفظ متعقد يوهم أن أسرعهن لحاقاً سودة وهذا الوهم باطل بالإجماع"١.
٥- روى الإمام مسلم بإسناده إلى عائشة ﵂ من حديث طويل وفيه قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله ﷺ ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب إلى الله تعالى ما عدا سورة٢ من حد كانت فيها تسرع منها الفيئة٣ ... الحديث٤.
فلقد وصفت عائشة ﵂ أم المؤمنين زينب بنت جحش بصفات عظيمة كلها جامعة لمكارم الأخلاق وأصول الفضائل التي طابعها البر والتقوى وكل صفة منها منقبة ظاهرة لأم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ وأرضاها.
كما وصفتها عائشة ﵂ وصفاً عظيماً في حديث الإفك الطويل حيث قالت ﵂: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري: "ما علمت؟ أو ما رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي
стр. 380
وبصري والله ما علمت إلا خيراً. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب١ لها فهلكت فيمن هلك٢ هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري قالت ﵂: "وكانت عائشة تقول: أما زينب ابنة جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيراً وأما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك"٣.
ففي هذين النصين فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين زينب ﵂.
قال الإمام الذهبي: "ويروى عن عمرة عن عائشة قالت: يرحم الله زينب لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف إن الله زوجها ونطق به القرآن وإن رسول الله ﷺ قال لنا: "أسرعكن لحوقاً أطولكن باعاً" فبشرها بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة"٤.
ومناقبها ﵂ التي وردت بها الأحاديث والآثار كثيرة جداً ﵂ وأرضاها.
стр. 381
٨) جويرية بنت الحارث ﵂:
هي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جديمة وهو المصطلق بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو الخزاعية المصطلقية، لما غزا النبي ﷺ بني المصطلق غزوة المريسيع في سنة خمس أو ست وسباهم وقعت جويرية ﵂ في سهم ثابت بن قيس فكاتبها ﵂ على نفسها، وجاءت إلى النبي ﷺ وطلبت منه أن يعينها على ما كاتبها عليه ثابت بن قيس فعرض عليها النبي ﷺ ما خير لها في العاجل والآجل وهو أن يؤدي عنها ما كاتبها عليه ثابت بن قيس ﵁ ويتزوجها فوافقت على ذلك وأسلمت وتزوجها سيد الخلق وأطلق لها الأسارى من قومها وكانت قبله ﵊ تحت مسافع بن صفوان المصطلقي وقتل عنها في غزوة المريسيع"١.
وقد وردت لها مناقب في بعض الأحاديث دلت على فضلها وعظم شأنها ومنها ما يلي:
١- مما أكرمت به ﵂ أن النبي ﷺ أدى عنها كتابتها وتزوجها وكان ذلك صداقاً لها. قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له٢ فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة٣ لا يراها أحد إلا أخذت
стр. 382
بنفسه فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها قالت عائشة: فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ﷺ ما رأيت فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال: "فهل لك من خير من ذلك؟ " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: " أقضي عنك كتابتك وأتزوجك" قالت: نعم يا رسول الله قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ، وأرسلوا ما بأيديهم قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة١ أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها"٢.
هذا الحديث تضمن منقبة ظاهرة، وميزة شريفة لأم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ حيث إن المصطفى ﵊ اتخذها زوجة له بعد أن أسلمت وصارت بذلك أماً للمؤمنين وكان زواجها بالنبي ﷺ خيراً لها
стр. 383
ولقومها فما أن علم الصحابة الكرام ﵃ بزواجها بالنبي ﷺ إلا وأطلقوا الأسارى الذين كانوا في أيديهم من قومها إجلالاً وتعظيماً لسيد الخلق ﵊ لأنهم صاروا أصهاره لما تزوج بجويرية ﵂ ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵁: "فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها".
٢- ومما شرفت به أن تسميتها بهذا الاسم الذي عرفت به وهو جويرية إنما هو تسمية نبوية سماها به النبي ﷺ . فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله ابن عباس ﵄ قال: كانت جويرية اسمها برة فحول رسول الله ﷺ جويرية وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة١.
٣- كانت ﵂ من المكثرات للعبادة الذاكرات الله ذكراً كثيراً. فقد روى مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عباس ﵄ عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ " قالت: نعم قال النبي "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله بحمده، عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" ٢ فلقد نالت جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ بدخولها في الإسلام وزواجها بخير البرية فضلاً عظيماً وخيراً كثيراً ﵂ وأرضاها وكانت وفاتها ﵂ سنة خمسين للهجرة وقيل سنة ست وخمسين للهجرة"٣.
стр. 384
٩) أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂:
اسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس الأموية زوج النبي ﷺ تكنى أم حبيبة وهي بها أشهر من اسمها وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية ولدت ﵂ قبل البعثة بسبعة عشر عاماً وكانت قبل النبي ﷺ تحت عبيد الله بن جحش بن رياب بن يعمر الأسدي من بني أسد بن خزيمة، فأسلما ثم هاجرا إلى الحبشة فولدت حبيبة وبها كانت تكنى، ولقد أصيب زوجها بالخذلان فارتد عن الإسلام ودخل في النصرانية وفارقها وذلك من فضل الله تعالى عليها ليتم لها الإسلام والهجرة وأبدلها الله من هو أفضل من كل البشر محمد بن عبد الله ﵊ وكانت وفاتها ﵂ سنة أربع وأربعين للهجرة١ ﵂ وأرضاها.
ولقد وردت لها بعض المناقب التي دلت على علو مكانتها وجليل قدرها ﵂ وأرضاها وتلك المناقب هي:
١- مما حظيت به ﵂ أنها كانت ممن هاجر في الله الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة فارة بدينها ﵂ وأرضاها. فقد روى ابن سعد والحاكم عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه ففزعت فقلت: تغيرت والله حاله فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في الدين فلم أر ديناً خيراً من النصرانية وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية، فقلت: والله ما خير لك وأخبرته بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها وأكب على الخمر حتى مات فأرى في النوم كأن آتياً يقول:
стр. 385
يا أم المؤمنين ففزعت فأولتها أن رسول الله ﷺ يتزوجني قالت: فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية له يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوجكه فقالت: بشرك الله بخير قالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته ... الحديث١.
في هذا بيان فضيلة ظاهرة لأم حبيبة ﵂ وهي أنها كانت ممن شرف بالهجرة إلى أرض الحبشة.
وقال ابن سعد: "وكان عبيد الله بن جحش هاجر بأم حبيبة معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فتنصر وارتد عن الإسلام وتوفي بأرض الحبشة، وثبتت أم حبيبة على دينها الإسلام وهجرتها"٢.
وقال الحافظ ابن كثير: "أسلمت قديماً وهاجرت هي وزوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة فتنصر هناك زوجها وثبتت على دينها رضي الله عنها٣.
٢- ومما فيه تنويه بشأنها أن النبي ﷺ بعث من يخطبها له إلى الحبشة.
فقد روى الحاكم بإسناده إلى جعفر بن محمد بن علي عن أبيه قال: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يخطب عليه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت تحت عبيد الله بن جحش فزوجها إياه وأصدقها النجاشي أربعمائة دينار٤.
قال أبو جعفر محمد بن جرير: "فما نرى عبد الملك بن مروان وقّت
стр. 386
صداق النساء أربعمائة دينار إلا لذلك"١.
روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ كم أصدق رسول الله ﷺ أزواجه قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونصفاً فذلك خمسمائة درهم فهذا صداق رسول الله ﷺ لأزواجه "قال الحاكم": هذا حديث صحيح الإسناد وعليه العمل وإنما أصدق النجاشي أم حبيبة أربعمائة دينار استعمالا لأخلاق الملوك في المبالغة في الصنائع لاستعانة النبي ﷺ به في ذلك٢.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: "وتزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة ... هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى أرض الحبشة فتنصر بالحبشة وأتم الله لها الإسلام وتزوجها رسول الله ﷺ وهي بأرض الحبشة وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري فيها إلى أرض الحبشة وولى نكاحها عثمان بن عفان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص"٣.
قال الذهبي: "وهي من بنات عم الرسول ﷺ وليس في أزواجه من هي أقرب نسباً إليه منها ولا في نسائه من هي أكثر صداقاً منها ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها، عقد له ﷺ عليها بالحبشة وأصدقها عنه صاحب الحبشة أربع مائة دينار، وجهزها بأشياء"٤.
٤- ومما زاد في قدرها وعلو شأنها أنها أكرمت فراش رسول الله ﷺ من أن يجلس عليه أبوها لما قدم المدينة لعقد الهدنة بين الرسول ﷺ وبين قريش ومنعته من الجلوس عليه لأنه كان يومئذ على الشرك ولم يكن قد أسلم. فقد روى
стр. 387
ابن سعد بإسناده إلى محمد بن مسلم الزهري قال: لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله ﷺ وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه رسول الله ﷺ فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ طوته دونه فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر١.
٥- أنها كانت شديدة الخوف من الله ـ جل وعلا ـ ومن العابدات الورعات. فقد روى ابن سعد والحاكم عن عوف بن الحارث قال: سمعت عائشة تقول: دعتني أم حبيبة زوج النبي ﷺ عند موتها فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك فقلت: غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وحللك من ذلك فقالت: سررتيني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة فقالت لها مثل ذلك وتوفيت سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما٢.
стр. 388
١٠) صفية بنت حيي ﵂:
هي صفية بنت حيي بن أخطب بن سعيه بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن أبي خبيب من بني النضير وهو من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى ﵉. كانت قبل إسلامها تحت سلام بن مشكم، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق، فقتل كنانة يوم خيبر فصارت صفية مع السبي فأخذها دحية الكلبي، ثم استعادها المصطفى ﵊، فأعتقها وتزوجها، كانت ﵂ سيدة شريفة عاقلة فاضلة ذات حسب وجمال ودين ﵂، وكانت وفاتها ﵂ سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية رضي الله عنه١.
وقد وردت أحاديث كثيرة بذكر مناقبها ﵂ وأرضاها منها:
١- من إكرام الله لها أن النبي ﷺ تزوجها وجعل عتقها صداقها فقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث طويل عن أنس ﵁ في غزوة خيبر وفيه: "قال وأصبناها عنوة٢ وجمع السبي فجاءه دحية فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي فقال: "اذهب فخذ جارية" فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل إلى نبي الله ﷺ فقال: يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير؟ ما تصلح إلا لك قال: "ادعوه بها" قال: فجاء بها فلما نظر إليها النبي ﷺ قال: "خذ جارية من السبي غيرها" قال: وأعتقها وتزوجها فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها أعتقها وتزوجها حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم فأهدتها له٣ من الليل فأصبح النبي ﷺ
стр. 389
عروساً ... الحديث١.
وعند الإمام مسلم أيضاً: من حديث أنس وفيه قال: "ووقعت في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس، ثم دفعها إلى أم سليم تصنعها له وتهيئها قال: وأحسبه قال: وتعتد في بيتها٢ وهي صفية بنت حيي ... قال: وقال الناس: لا ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد قالوا: إن حجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد فلما أراد أن يركب حجبها فقعدت على عجز البعير فعرفوا أنه قد تزوجها" الحديث٣.
هذان الحديثان اشتملا على بيان فضيلة ظاهرة لأم المؤمنين صفية ﵂ حيث أكرمها الله بالدخول في الإسلام وكتب لها الزواج برسول الله ﷺ حيث صارت بذلك في أمهات المؤمنين اللاتي هن أزواج نبيه ﷺ في الدنيا والآخرة.
والحديثان يوهم ظاهرهما التعارض إذ الأول يفيد أنه ﷺ أذن لدحية في أخذه جارية من السبي فأخذ صفية فاستردها منه، والثاني يفيد أنها وقعت في سهمه واشتراها بسبعة أرؤس وقد ذكر الجمع بينهما الحافظ حيث قال: "قال السهيلي: لا معارضة بين هذه الأخبار فإنه أخذها من دحية قبل القسم والذي عوضه عنها ليس على سبيل البيع بل على سبيل النفل قلت: وقع في رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عند مسلم أن صفية وقعت في سهم دحية وعنده أيضاً فيه "فاشتراها" من دحية بسبعة أرؤس "فالأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه هنا نصيبه الذي اختاره لنفسه، وذلك أنه سأل النبي ﷺ أن يعطيه جارية فأذن له أن يأخذ جارية فأخذ صفية فلما قيل للنبي ﷺ إنها بنت ملك من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه
стр. 390
وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاص النبي ﷺ بها فإن في ذلك رضا الجميع وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء، وأما إطلاق الشراء على العوض فعلى سبيل المجاز، ولعله عوضه عنها بنت عمها أو بنت عم زوجها١، فلم تطب نفسه فأعطاه من جملة السبي زيادة على ذلك.
وعند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس وأصله في مسلم: "صارت صفية لدحية فجعلوا يمدحونها فبعث رسول الله ﷺ فأعطى بها دحية ما رضي"٢.
٢- ومما دل على عظيم شأنها وجلالة قدرها أن النبي ﷺ كان يضع لها ركبته لتصعد من عليها للركوب على البعير حال رجوعه ﵊ من غزوة خيبر فكانت تجله وتكرمه ﵊ من أن تضع رجلها على فخذه وإنما كانت تضع ركبتها على فخذه حتى تركب. فقد روى البخاري بإسناده إلى أنس ﵁ قال: "قدمنا خيبر فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروساً فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه فخرج حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها رسول الله ﷺ ثم صنع حيساً في نطع صغير ثم قال لي: آذن من حولك فكانت تلك وليمته على صفية ثم خرجنا إلى المدينة فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب"٣.