أشراف الحجاز:
وأما الحجاز فقد كان يحكمه الأشراف تحت سلطان الدولة العثمانية، وفي القرن الثاني عشر ابتداء من أوله كان هؤلاء الأشراف في منازعات بينهم وحروب كانت تقوم بين الأخ وأخيه والعم وابن أخيه وتهدر فيها الدماء وتستحل الحرمات. فكان معدل ولاية الأمير على مكة سنة أو سنتين، لكثرة الاغتيال والغدر والخلاف، وكان من هوانهم على السلطان العثماني أنه يوكل أمرهم أحياً إلى واليه على مصر وكان والي مصر يولي من يشاء ويعزل من يشاء باسم السلطان.
ولقد تعاقب على إمارة مكة خلال القرن الثاني عشر وحده بنحو ثلاثين شريفاً لم ينعم واحد منهم بالاستقرار وصارت السلطة مثار نزاع لا نهاية له، يفرض أقواهم على الآخرين ويتدخل السلطان التركي أحيانا في النزاع ليجلس على كرسي الحكم أحد الخصوم، ولا يتورع هؤلاء الأمراء المتنازعون عن أن يصلوا بمعاركهم إلى قلب الأماكن المقدسة مخالفين بذلك نصوص القرآن والسنة، وأهملت أمور الدين حتى لم يعد الشريف محل ثقة بأمور الإسلام في نظر المسلمين.
هذه حالة شرفاء مكة في أول ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما كانوا قادرين على عدوانهم على أهل نجد كما كانوا من قبل منذ القرن العاشر الهجري أو على غير أهل نجد لضعفهم وتخاذلهم وخوف بعضهم من بعض ومع هذا فقد اتخذوا تدابير عدائية في مكة ضد دعوة
стр. 37
الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى عقيدة سلف الصالح - فقد اعتبروه وأنصاره وهابية مبتدعة فمنعوهم من الحج، بل أطلقوا عليهم الكفر١.
الدولة العثمانية في حكم الزوال:
ولقد كانت الدولة العثمانية بأجمعها وفيما امتدت إليه سلطتها منذ أوائل القرن الثاني عشر للهجرة النبوية في حكم الزوال قبيل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقد انهزم سلاطين آل عثمان أمام النمسا وروسيا والبندقية وغيرها من دول النصرانية بتوقيعهم ما يسمى (صلح كارلوفتسي) عام ١١١٠هـ (١٦٩٩م) وهو وثيقة انهزامهم عن حماية بلدانهم الإسلامية من هذه الدول النصرانية المعادية للإسلام والمسلمين، وبموجب تلك الهزيمة طمع الأروبيون بإزالة الدولة نهائياً وسموا سلطان آل عثمان (الرجل المريض) واتفقوا على اقتسام تركته لكن اختلفوا في نصيب كل منهم من هذه التركة التي هي البلاد العثمانية الإسلامية، فكان هذا الاختلاف هو الذي أخرهم عن إزالة شبح السلطان العثماني مدة من الزمان.
وفي الحقيقة أن السلطان العثماني أصبح منذ ذلك الوقت ليس له من الأمر في الدولة العثمانية شيء وإنما لبعض الوزراء الذي كان أصلهم من
стр. 38
عناصر أجنبية أوربية ومن يهود الدونمة وماسون سالونيكا المتظاهرين بالإسلام، ومن المعجبين بكفر (النصارى) وإِلحاد القوميين والعلمانيين١. حتى انقلبت الدولة العثمانية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال وقام كثير من الولاة والأمراء بالخروج عليها وتكوين حكومات مستبدة وضعيفة لا تستطيع إخضاع من في حكمها، فكثر السلب والنهب وفقد الأمن٢.
ويقول محمد كمال جمعة: "وكانت قصور السلاطين والوزراء وكبار رجال الدولة مملؤة بالجواري والسبايا وكان بعض أولئك السبايا أجنبيات من بلاد أجنبية فكن عيوناً لدولهن على الدولة العثمانية"٣.
وقال أيضاً: "وقد تعالى سلاطين هذه الدولة على الرعية فإذا خاطبوا الرعية كانوا لا يوجهون الخطاب إليها مباشرة بل يقولون لولاتهم بلغوا عبيد بابنا العالي"٤.
стр. 39
وكانت الدولة العثمانية تؤيد التصوف في مختلف طرائقه وبصورته التي بعدت عن الإسلام بعدا شاسعاً، وكانت قد دخلت من عادات بغضها نصرانية، كالرهبانية واللعب بذكر الله، وابتداع أساليب فيه، كالرقص والغناء والصياح، والأشعار والتصفيق والمدائح والموالد، وبعضها من الهندوسية أو الفارسية أو اليونانية كدعوى الحلول والاتحاد، ووحدة الوجود. والدولة العثمانية كانت ترى هذا اللون من صميم الدين الإسلامي، فكان السلاطين يخضعون لمدعي التصوف ويبالغون في تعظيمهم، بل يغلون فيهم حتى غلب اعتقاد العامة منهم على همم العلماء المصلحين. وهذا بالإضافة إلى القباب والقبور والمزارات التي يقصدها الناس بالذبح والنذر والقرب والدعاء وهي منتشرة وكثيرة في ظل الدولة العثمانية وحمايتها١.
وهي الدولة التي كانت تُعدُّ أكبر الدول الإسلامية في أيامها وكان سلاطينها يعدون خلفاء للمسلمين، وكانت تُعد دولة سنية ولا يوجد للمسلمين دولة أوسع منها في ذلك الزمان قبيل ظهور دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب.
стр. 40
الدولة الصفوية الرافضية:
أما الدولة الصفوية المعاصرة للدولة العثمانية في ذلك الزمان وإن كانت تدعي الإسلام فهي دولة رافضية على مذهب الإمامية وكانت تغالي في الرفض حتى إنها تحارب الدولة العثمانية لأنها منسوبة إلى السنية أشد الحرب بتحريض نصارى الإنكليز، ثم انتهت بمقتل نادر شاه عام ١١٦٠هـ واضطرب أمر بلاد فارس، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب في سن الخامسة والأربعين رحمه الله١.
الدولة المغولية في الهند:
وكان في ذلك الزمان يوجد في الهند الدولة المغولية٢. لكنها كانت بقية ورثها أبناء ملك الهند المغولي الأكبر خان وقد قرّب الشاعر الشيعي المسمى الملا مبارك وولديه - أبا الفائز (وكان شاعراً متصوفاً) وأبا الفضل (وكان فيلسوفاً على طريقة الصوفية المنحرفة) - وجعل فتح الله الشيرازي من أكابر علماء الشيعة من فارس مستشاره الشرعي وهو شديد الوطأة على علماء أهل السنة، وألغى اللسان العربي من بلاطه وجعل الفارسي، مكانه وكان ميالاً إلى التصوف المنحرف ويراه أرقى طريقة إسلامية وهو على طريقة تصوف أهل وحدة الوجود، وله عقائد أخرى
стр. 41
منها تناسخ الأرواح - أخذه عن البراهمة١.
مما دعا أمثال الشاه ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦ هـ) في نهاية هذا العصر المغولي أن يقوم بجهود تكسر الجمود وتطلق العقول لتتمشى مع صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان٢. وعندما انتهت دولة المغول في الهند، وطمعت البرتغال الكافرة في مسلمي الهند بسبب فساد ملوك هذه الدولة المغولية، قامت حروب داخلية كثيرة وتغلب فيها الهندوس واستعمرت مسلمي الهند شركة الهند الشرقية الإنجليزية حوالي سنة ١١٧٥هـ٣.
وهذا يبين لنا كيف كان حال المسلمين في الهند قبيل ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
стр. 42
في المغرب الأقصى:
وكان في المغرب الأقصى دولة العلويين الذين بدأ حكمهم عام ١٠٧٥هـ ومع أنها دولة مغربية اقتصرت على إقليم المغرب كانت غير سليمة بسبب الفتن بين العرب والبربر والصوفية المنحرفة المنتشرة خصوصاً الطريقة الشاذلية والبدع في الدين١.
في غرب أفريقيا:
وكان في غرب أفريقيا مجموعة إمارات الهوسا، التي كان أمراؤها قد انتسبوا إلى الإسلام ولكن أكثرهم لم يكن ملتزماً به، وكانت البدع والطرق الصوفية خصوصاً القادرية منتشرة بين قبائل الهوسا من المسلمين والكثير من رعايا إمارات الهوسا ما يزالون على الوثنية، ويسود الجميع روح العصبية للقبيلة إلى جانب الفساد والمظالم في إمارات الهوسا والحروب المستمرة بينها٢.
في وسط آسيا:
وفي أوساط آسيا، كانت روسيا النصرانية في عهد بطرس الأكبر قد استولت على من ينتسب إلى الإسلام في تركستان الشرقية. وكان هؤلاء المنتسبون إلى الإسلام في وادي نهر سيحون يكونون إمارات متفرقة مما أدى إلى ضعفها أمام مطامع روسيا النصرانية، وكانت البدع والطرق
стр. 43
الصوفية خصوصاً النقشبندية منتشرة هناك.
في الصين:
وفي الصين شقي من ينتسب إلى الإسلام بحكم أسرة المانشو التي عملت على إرضاء البوذيين بمضايقة المسلمين.
في أندونيسيا:
وفي أندونيسيا لم يؤلف المنتسبون إلى الإسلام دولة قوية تلم شملهم ولكن كوّنوا ممالك صغيرة سادتها الخلافات الداخلية وانتشرت فيها البدع ومخلفات جاهلية الهنود والصين والخرافات القديمة، وتغلبت على مقدراتهم الشركة الهولندية١.
وهكذا كان حال أهل البلدان الإسلامية في أول القرن الثاني عشر الهجري.
وبمقارنة شرك المشركين في زمان الشيخ بشرك مشركي أهل الجاهلية الأولى فإننا نجد أن مشركي الجاهلية الأولى يشركون في الرخاء ويخلصون الدعاء لله في الشدة - وأما مشركو هذا الزمان فإنهم يشركون في الرخاء والشدة على حد سواء.
قَال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين - لأن الأولين يشركون في
стр. 44
الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم دائما في الرخاء والشدة والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] اهـ من القواعد الأربع.
وكان الواقع المشهود والذي سجله أهل التاريخ هو أن كثيراً ممن يعبد الأولياء وأضرحة المشائخ والسادة إنما يفزعون في حال الشدة وحلول المصائب بهم إلى الاستغاثة بمعبوداتهم من دون الله من جني وولي ومعتقد، فهو يهتف بدعاء غير الله إن قام وإن قعد، ترى الرافضي إن حمل شيئاً ثقيلاً هتف يستعين فيقول يا علي أو يا حسين، ومثله من يعبد ولياً أو غيره كمن يهتف ويستهل بالبدوي، وعبد القادر ورسول الله ﷺ يدعوهم في حال الشدائد والكوارث راجياً منهم كشف ضره وشفاء مريضه.
هذا فضلاً عن حال السرور والرخاء - فإنه في تلك الحال يقترب إلى معبوداته بما لا يصلح إلا لله تعالى، يرجو مزيد رخائه، ودوام سروره، فهو على الشرك دائما في كل أحواله بخلاف المشركين الأولين الذين ذكر الله قصتهم في القرآن كما ذكرنا آنفاً.
ومن تَتَبع آثار الشيخ القولية يمكن استبيان صورة للحالة التي واجهها ﵀ ورآها منحرفة عن الدين الحق الذي جاء به رسول الله محمد ﷺ وقدمنا قوله من القواعد الأربع في بيان الحد الذي وصل إليه شرك المشركين في زمانه وهو أمر واقع قد رصده أهل التاريخ ولا يزال باقياً في البلدان التي لم تستنر بالدعوة إلى توحيد الله بالعبادة كما دعا
стр. 45
رسول الله ﷺ ، كالذي يفعل عند البدوي بمصر وعند مشاهد الرافضة بإيران والعراق وغير ذلك.
قال الشيخ في معنى (لا إله إلا الله) : "إنها نفي الألوهية عما سوى الله تعالى من المخلوقات حتى محمد ﷺ حتى جبريل فضلا عن غيرهما من الأولياء والصالحين، وأن هذه الألوهية هي التي تسميها العامة في زماننا السر والولاية، والإله معناه الولي الذي فيه السر وهو الذي يسميه الفقراء الشيخ ويسميه العامة السيد وأشباه هذا، وذلك أنهم يظنون أن الله جعل لخواص الخلق منزلة يرضى أن الإنسان يلتجئ إليهم ويرجوهم ويستغيث بهم ويجعلهم واسطةً بينه وبين الله، فالذي يزعمه أهل الشرك في زماننا أنهم وسائط هم الذين يسميهم الأولون الآلهة. والواسطة هو الإله فقول الرجل لا إله إلا الله إبطال للوسائط".
ثم إن الشيخ جعل يبين أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية- وهو أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحي ولا يميت ولا يدبر الأمر إلا الله كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١] . قال ومع هذا الإقرار يتصدقون ويحجون ويعتمرون ويتعبدون ويتركون أشياء من المحرمات خوفا من الله ومع هذا لم يدخلهم في الإسلام ولم يحرم دماءهم وأموالهم لأنهم لم يشهدوا لله بتوحيد الألوهية وهو أنه لا يدعى إلا الله وحده لا شريك له ولا يستغاث
стр. 46
ولا يذبح لغيره، ولا ينذر لغيره لا ملك مقرب ولا نبي مرسل فمن استغاث بغيره فقد كفر ومن ذبح لغيره فقد كفر ومن نذر لغيره فقد كفر.
والشيخ يبين ذلك ليشخص مشابهة جاهلية أهل زمانه في اعتقادهم لأولئك الذين كانوا في زمان الرسول ﷺ وزيادتهم عليهم فيقول: "فإن قال قائل من المشركين نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر لكن هؤلاء الصالحين مقربون ونحن ندعوهم وننذر لهم وندخل عليهم ونستغيث بهم نريد بذلك الوجاهة والشفاعة وإلا فنحن نفهم أن الله هو المدبر، فقل كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله فإنهم يدعون عيسى وعزيرا والملائكة والأولياء يريدون ذلك".
كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .
وكما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] .
إلى أن قال الشيخ ﵀-إذا عرفت هذا وتأملته جيدا فقد تبين لك صفة الإسلام الذي دعا إليك نبيك ﷺ وتبين لك أن كثيرا من الناس
стр. 47
عنه بمعزل وتبين لك معنى قوله ﷺ (بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ) .
ثم يحث ﵀ على الكفر بالطواغيت ومعاداتهم وبغضهم وبغض من أحبهم وجادل عنهم ومن لم يكفرهم وقال ما عليَّ منهم أو قال - ما كلفني الله بهم فقد كذب هذا على الله وافترى، فقد كلفه الله بهم وفرض عليهم الكفر بهم والبراءة منهم ولو كانوا إخوانهم وأولادهم.
ثم قال الشيخ: "ولنختم الكلام بآية ذكرها الله في كتابه تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم كفراً من الذين قاتلهم رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧] .
فقد سمعتم أن الله سبحانه ذكر عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة والمشائخ فلم يدعوا أحداً منهم ولم يستغيثوا به بل أخلصوا لله وحده لا شريك له واستغاثوا به وحده فإذا جاء الرخاء أشركوا.
وأنت ترَى المشركين من أهل زماننا، ولعل بعضهم يدعي أنه من أهل العلم وفيه زهد واجتهاد وعبادة إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله مثل معروف أو عبد القادر الجيلاني وأجل من هؤلاء مثل زيد بن الخطاب والزبير وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ فالله المستعان.
стр. 48
وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة مثل شمسان وإدريس ويقال له الأشقر ويوسف وأمثالهم". اهـ١.
ويقول الشيخ ﵀ في رسالته إلى أهل الرياض ومنفوحة وهو إذ ذاك مقيم في العيينة بعد أن بين لهم معنى (لا إله إلا الله) كما سبق - "إذا عرفتهم ذلك فهؤلاء الطواغيت الذين يعتقد الناس فيهم من أهل الخرج وغيرهم مشهورون عند الخاص والعام بذلك وأنهم يترشحون له، ويأمرون به الناس - كلهم كفار مرتدون - عن الإسلام ومن جادل عنهم أو أنكر على من كفَّرهم، أو زعم أن فعلهم هذا لو كان باطلاً فلا يخرجهم إلى الكفر - فأقل أحوال هذا المجادل أنه فاسق لا يقبل خطه ولا شهادته ولا يصلي خلفه، بل لا يصح دين الإسلام إلا بالبراءة من هؤلاء وتكفيرهم".
ويقرر الشيخ رحمه الله تعالى وجود متصوفة إتحادية فيقول: "وكذلك أيضاً من أعظم الناس ضلالاً متصوفة في معكال وغيره، مثل: ولد موسى بن جوعان وسلامة بن مانع وغيرهما يتبعون مذهب ابن عربي
стр. 49
وابن الفارض. وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى، فكل من لم يدخل في دين محمد ﷺ ويتبرأ من دين الاتحادية فهو كافر بريء من الإسلام، ولا تصح الصلاة خلفه ولا تقبل شهادته".
ويبين الشيخ ﵀ حالة علماء السوء الذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له - إذا رأوا من يعلم الناس ما أمرهم به محمد ﷺ من شهادة أن لا إله إلا الله - وما نهاهم عنه مثل الاعتقاد في المخلوقين الصالحين وغيرهم، قاموا يجادلون ويلبسون على الناس، ويقولون كيف تكفرون المسلمين؟ كيف تسبون الأموات آل فلان أهل ضيف، آل فلان أهل كذا وكذا؟ ومرادهم بهذا لئلا يتبين معنى لا إله إلا الله، ويتبين أن الاعتقاد في الصالحين النفع والضرر ودعائهم كفر ينقل عن الملة فيقول الناس لهم إنكم قبل ذلك جهال، لأي شيء لم تأمرونا بهذا؟
ويبين الشيخ أن من جهالتهم بمعنى لا إله إلا الله أنهم إذا رأوا من يعلم الشيوخ والصبيان أو البدو شهادة أن لا إله إلا الله قالوا: قولوا لهم يتركون الحرام.
قال الشيخ ﵀: "وهذا من عظيم جهلهم فإنهم لا يعرفون إلا ظلم الأموال، وأما ظلم الشرك فلا يعرفونه - وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأين الظلم الذي إذا تكلم الإنسان بكلمة منه، أو مدح الطواغيت أو جادل عنهم خرج من الإسلام ولو كان صائماً قائما؟ من
стр. 50
الظلم الذي لا يخرج من الإسلام بل إما أن يؤدي صاحبه بالقصاص وإما أن يغفره الله؟ " ا. هـ
"وقد سجل تحتها عبد الله بن عيسى فقال بعد أن حمد الله وصلى على رسوله ﷺ - يقول العبد الفقير إلى الله تعالى عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن: "إن أول واجب على كل ذكر وأنثى معرفة شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له"
ثم مضى ابن عيسى يقرر شأنها ويدلل عليها من كتاب الله تعالى ويحث على معرفتها ويبين حكم من أشرك فيها إلى أن قال: "فالله الله عباد الله لا تغتروا بمن لا يعرف شهادة أن لا إله إلا الله وتلطخ بالشرك وهو لا يشعر فقد مضى أكثر حياتي ولم أعرف من أنواعه ما أعرفه اليوم، فلله الحمد على ما عَلمنا من دينه ولا يهولنكم اليوم أن هذا الأمر غريب"١ إلى أن قال: "وأما الاتحادي ابن عربي صاحب الفصوص المخالف للنصوص وابن الفارض الذي لدين الله محارب وبالباطل للحق معارض فمن تمذهب بمذهبهما فقد اتخذ مع غير الرسول سبيلا وانتحل طريق المغضوب عليهم والضالين المخالفين لشريعة سيد المرسلين" إلى قوله
стр. 51
"فإن لم يتب إلى الله من انتحل مذهبهما وجب هجره عن الولاية إن كان ذا ولاية من إمامة أو غيرها فإن صلاته غير صحيحة لا لنفسه ولا لغيره, فإن قال جاهل: أرى عبد الله توه يتكلم في هذا الأمر فيعلم أنه إنما تبين لي الآن وجوب الجهاد في ذلك علي وعلى غيري - لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ "اهـ١.
ويبين الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ما عليه أكثر البوادي عنزة وآل ظفير وأمثالهم من عدم إقرارهم بالبعث وعدم اتباعهم كتاب الله وأنهم يقولون: إن كتاب الله عند الحضر، وأنهم عايفينه ومتبعون ما أحدث أباؤهم مما يسمونه الحق، ويفضلونه على شريعة الله وفيهم من نواقض الإسلام أكثر من المائة ناقض كسَبِّ الشرع أو سَبِّ الأذان إذا سمعوه ومع ذلك صرح من يدعي العلم وأنه من العلماء أنه لا يوجد في الجزيرة رجل واحد كافر٢.
وقد بين الشيخ غلط الكثير في ستة أصول عظيمة من أصول الدين بينها الله تعالى بياناً واضحاً للعوام فوق ما يظنه الظانون فقال ما خلاصته:
"أولاً: إخلاص الدين لله - قد أظهر الشيطان لهم أن الإخلاص
стр. 52
تنقص للصالحين وتقصير في حقوقهم وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين واتباعهم.
ثانياً: أمر الله بالاجتماع في الدين ونهى عن التفرق.. ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه هو العلم والفقه في الدين، وأن الأمر بالاجتماع لا يقوله إلا زنديق أو مجنون.
ثالثاً: السمع والطاعة لمن تأمر علينا ولو كان عبداً حبشياً.. ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم فكيف العمل به؟
رابعاً: بيان العلم والعلماء ومن تشبه بهم وليس منهم ... ثم صار هذا أغرب الأشياء وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل، وأما العلم الذي فرضه الله على الخلق ومدحه لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون، وصار من أنكره وعاداه وجدَّ في التحذير عنه والنهي عنه هو الفقيه العالم.
خامساً: بيان الله للأولياء وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعدائه المنافقين والفجار ... ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم وأنه من هداة الخلق وحفاظ الشرع إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسول ﷺ ومن اتبعه فليس منهم، ولا بد من ترك الجهاد، فمن جاهد فليس منهم، ولا بد من ترك الإيمان والتقوى، فمن تقيد بالإيمان والتقوى فليس منهم.
سادساً: كشف شبهة الشيطان وهي أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق الموصوف بكذا وكذا، أوصافاً لعلها لا توجد تامة في أبي
стр. 53
بكر وعمر، فإن لم يكن الإنسان كذلك فليعرض عنهما فرضاً حتما لا شك ولا إشكال فيه، ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق وإما مجنون لأجل صعوبة فهمهما.
فسبحان الله وبحمده، كم يبين الله سبحانه شرعاً وقدرا، ً خلقاً وأمراً في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى بلغت إلى حد الضروريات العامة, ولكن أكثر الناس لا يعلمون"١.
وكان بعض الناس في عهد الشيخ يتحايل بطريقة الوقف أو الهبة أو القسمة لحرمان النساء من حقهن تحايلاً وصفه الشيخ في إحدى رسائله بقوله: "إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه، وفر من قسمة الله، مثل أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النخل ولا تأكل منه إلا حياة عينها، أو يريد تفضيل بعض أولاده على بعض، أو يريد أن يحرم نسل البنات" إلى أن قال: "ويفتي له بعض المفتين أن هذه البدعة الملعونة صدقة بر تقرب إلى الله ويوقف على هذا الوجه قاصداً وجه الله" ووصف الشيخ هذا (بالجنف والإثم) وشدد النكير على فاعله وأقام الأدلة الشرعية على بطلانه"٢.
стр. 54
وقدمت هذه النقول التي اخترتها مما كتبه الشيخ نفسه وصدق على بعضها ابن عيسى قاضي الدرعية أمثلة صادقة تبيِّن صورة واضحة لواقع البيئة من حول الشيخ وحال الناس في زمانه ﵀ من دين الله الذي بعث به رسوله محمد بن عبد الله ﷺ .
تابع (١) عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية
تابع للمبحث الأول:
تصوير ابن غنام للواقع الديني:
ويذكر المؤرخ حسين بن غنام حالة الناس قبيل قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى الإسلام الذي أرسل الله به رسوله محمد بن عبد الله ﷺ وأورد هنا خلاصة ذلك:
في مطلع القرن الثاني عشر الهجري كان أكثر الناس قد انهمكوا في الشرك وارتدوا إلى الجاهلية وانطمست بينهم أنوار الإسلام والسنة، لذهاب أهل العلم والبصيرة وغلبة أهل الجهل واستعلاء ذوي الأهواء والضلال- نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم من الضلال ظانين أنهم أدرى بالحق وأعلم بطريق الهدى.
عدلوا عن عبادة الله وحده إلى عبادة الأولياء والصالحين من الأموات والأحياء يستغيثون بهم في النوازل والكوارث، ويقبلون عليهم في الحاجات والرغبات، ويعتقدون النفع والضر في الجمادات كالأحجار والأشجار، ويعبدون أهل القبور ويصرفون لهم الدعاء والنذور في حالتي
стр. 55
الضراء والسراء سواء زائدين على مشركي الجاهلية الأولى حيث كانوا إذا مسهم الضر لا يدعون إلا الله مخلصين له الدين، أما إذا نجاهم الله فهم مشركون. لكن هؤلاء أحبوا أوثانهم من دون الله محبة أعظم من محبتهم لله؛ سرت في سويداء قلوبهم وبدت على صفحات وجوههم وألسنتهم وجوارحهم وبذلوا أعمارهم وحياتهم في دفع الحق ومن يبديه، وهذا ليس في قطر دون آخر ولكنه في غالب الأقطار، كما أنه ليس في أول زمن الشيخ فحسب، بل كان بدؤه من قديم حيث التغيير والابتداع والاختلاف بعد زمان رسول الله ﷺ وزمان من بعده، من أهل القرون الفاضلة ثم تعاقبت العصور وتوالت السنون والغي يزداد والضلال ينتشر حتى جاء من اعتقد أن الدين هو ذلك الضلال والبدع لأنهم وجدوا آباءهم وأجدادهم وأسلافهم عليه فقالوا إنا على آثارهم مقتدون.
وقد نص على ذلك كثير من العلماء في كتبهم المصنفة فيما حدث من البدع والحوادث وما غير من منار الدين وشعائر الإسلام.
كان في بلدان نجد من ذلك أمر عظيم، يأتون عند قبر زيد بن الخطاب في الجبيلة فيدعونه لتفريج الكرب، وكشف النوب، وكان عندهم مشهوراً بذلك ومذكوراً بقضاء الحوائج.
وكانوا يزعمون أن في قريوة في الدرعية قبور بعض الصحابة فعكفوا على عبادتها وصار أهل تربتها أعظم في صدورهم من الله.
وفي شعيب غبيراء، يزعمون أن فيه قبر ضرار بن الأزور وهو
стр. 56
مكذوب يأتون من المنكر عنده ما لا يعهد مثله.
وكان الرجال والنساء يأتون بليدة الفدا لفحل النخل الذي فيها ويفعلون عنده أقبح الأفعال ويتبركون به ويعتقدون فيه، فكانت المرأة إذا تأخرت عن الزواج تأتيه فتضمه بيديها ترجو أن يفرج عنها كربها وتقول: يا فحل الفحول أريد زوجاً قبل الحول.
وكانت طوائف من الناس تنتاب شجرة الطرفية يتبركون بها ويعلقون الخرق عليها إذا ولدت المرأة ذكرا لعله يسلم من الموت.
وفي أسفل الدرعية غار كبير يزعمون أن امرأة تسمى بنت الأمير أراد بعض الفسقة أن يظلمها فصاحت فانفلق لها الغار وأجارها من ذلك السوء، فكانوا يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويبعثون بصنوف الهدايا إليه.
وكان عندهم رجل يزعمونه من الأولياء اسمه (تاج) سلكوا فيه سبيل الطواغيت، فصرفوا إليه النذر، وتوجهوا إليه بالدعاء، واعتقدوا فيه النفع والضر، وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجاً وكان هو يأتي إليهم من بلدة الخرج إلى الدرعية لتحصيل ما تجمع من النذور والخراج، وكان أهل البلاد المجاورة يعتقدون فيه اعتقاداً عظيماً حتى خافه الحكام وهابه أعوانه وحاشيته الناس فلا يتعرضون لهم بما يكرهون، ويدعون فيه دعاوى فظيعة، وينسبون إليه حكايات قبيحة، وكانوا لكثرة ما تناقلوها وأذاعوها - يصدقون ما فيها من مين وزور، زعموا أنه أعمى وأنه يأتي من بلده الخرج من غير قائد يقوده وغير ذلك من الحكايات والاعتقادات التي
стр. 57
ضلوا بسببها عن الصراط المستقيم، وأعرضوا عن إخلاص الدعاء لله وحده رب العالمين.
وأما ما يفعل في الحرم المكي الشريف - زاده الله رفعة وتشريفاً - فهو يزيد على غيره كثيراً، ففي تلك البقاع المطهرة تأتي جماعات الأعراب من الفسوق والضلال والعصيان ما يملأ القلب أسى وحزناً - فلقد انتهكت فيه المحرمات والحدود، وتظاهر بذلك جم غفير، ولم يكن لأهل العلم تغيير، بل صادموا الحق (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق) .
فمن ذلك ما يفعل عند قبة أبي طالب، وهم يعلمون أنه حاكم متعد غاصب كان يخرج إلى بلدان نجد ويضع عليهم خراجاً فإن أعطي ما أراد انصرف وإلا عاداهم وحاربهم، فصاروا يأتون قبره بالسماعات والعلامات يستغيثون به عند حلول المصائب ونزول الكوارث. وكذلك ما يفعل عند قبر المحجوب، يعظمون أمره ويحذرون سره ويطلبون عنده الشفاعة ومغفرة الذنوب.
وإن التجأ سارق أو متعد أو غاصب إلى أحد هذين القبرين لم يتعرض له أحد بما يكره، ولا يخشى معاقبة، أما إن تعلق جان مهما تكن جنايته صغيرة، بالكعبة فإنه يسحب منها سحباً لا يرعون للكعبة حرمة.
ومن ذلك أيضاً: ما يفعل عند قبر ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ في سرف وعند قبر خديجة ﵂ في المعلاة؛ من اختلاط النساء بالرجال وفعل الفواحش والمنكرات، وارتفاع الأصوات
стр. 58
عندهما بالدعاء والاستغاثة وتقديم الفدية، مما لا يسوغ لمسلم أن يبيحه فضلاً عن أن يراه قربة وعبادة، وكذلك ما يأتونه عند قبر عبد الله بن عباس ﵄ بالطائف من هذه الأمور التي تشمئز منها نفس الجاهل فكيف بالعالم؟
يقف عند قبره المكروب والخائف متضرعاً مستغيثاً في حالة عبوديته، وينادي أكثر الباعة في الأسواق: (اليوم على الله وعليك يا ابن عباس) ثم يسألونه ويسترزقونه.
وأما ما يفعل عند قبره ﵊ من الأمور العظيمة المحرمة - كتعفير الخدود، والانحناء، والسجود خضوعاً وتذللاً، واتخاذ ذلك القبر عيداً - فهو أعم من أن يخفى، وأعظم من أن يذكر، لشهرته وشيوعه. وقد لعن الرسول ﷺ فاعله وكفى بذلك زجراً ووعيداً ونهى عما يفعل عنده الآن غالب العلماء، وغلظوا في ذلك تغليظاً شديداً.
ويكل اللسان عن وصف ما يفعل عند قبر حمزة، وفي البقيع وقبا، ويعجز القلم عن بيانه مهما يكتفي بذكر القليل منه:
وليس يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
وأما يفعل في جدة فقد عمت به البلوى وبلغ من الضلال والفحش الغاية، فعندهم قبر طوله ستون ذراعاً عليه قبة، يزعمون أنه قبر حواء، وضعه بعض الشياطين من قديم وهيأه، فيجبي عنده السدنة من الأموال كل سنة ما يكاد أن لا يخطر بالبال ولا يدخل إنسان ليسلم على أمه إلا
стр. 59
عجل بتقديم الدراهم - وكيف لا ... أيبخل أحد من اللئام فضلاً عن الكرام، ببذل بعض حطام الدنيا في سبيل الدخول على أمه والسلام عليها.
وعندهم معبد يسمى العلوي، فاقوا في تعظيمه جميع الخلائق: فلو دخل قبره سارق أو غاصب أو قاتل لم يعترضه مؤمن ولا فاسق بمكروه، ولم يجرؤ أحد أن يخرجه منه، فمن استجار بتربته أجير، ولم ينله أحد من الحكام بأذى.
وفي سنة ١٢١٠هـ عشر بعد المائتين والألف اشترى تاجر من أهل جدة أموالاً من تجار الهند والحسا القادمين تزيد على سبعين ألف ريال فانكسر بعد أيام وأفلس وتغيرت حاله ولم يبق عنده ما يقابل نصف الذي عليه، فهرب إلى ذلك المعبد مستجيراً، فلم يتقدم إليه من الناس شريف ولا وضيع ولا كبير ولا صغير، وترك بيته وما فيه من مال ومتاع، ولم يرزأ بقليل ولا كثير، حتى اجتمع التجار ورأوا أن ينظروه وييسروا عليه، وجعلوا المال عليه نجوماً في سنين وكان بعض أهل الدين من المشيرين بذلك.
وأما ما يجري في بلدان مصر وصعيدها من الأمور التي ينزه الإنسان عن ذكرها خصوصاً عند قبور الصلحاء والعباد، كما ذكرها الثقات في نقل الأخبار وروايتها فأكثر من أن يحصى.
فمنها: أنهم يأتون قبر أحمد البدوي وقبور غيره من العباد والزهاد
стр. 60
والمشهورين بالخير فيستغيثون ويندبون ويسألونهم المدد ويستحثونهم على كشف المصائب، ويتداولون بينهم حكايات، وينسبون إليهم كرامات، ويحكون في محافلهم خرافات من أفحش المنكرات فيقولون فلان استغاث بفلان. فسارع إلى إغاثته!. وفلان شكا لصاحب ذلك القبر حاله فأغاثه وكشف عنه ضره. وفلان شكا إليه حاجته فأزال عنه فقره. وأمثال هذا الهذيان المليء بالزور والبهتان.
ويصدر هذا الكلام في ذلك البلاد وهي مملؤة بالعلماء وذوي التحقيق والعرفان، ويبقى ذلك المنكر لا يزال بل ربما تنشرح له صدورهم.
وأما ما يفعل في بلدان اليمن من الشرك والفتن، فأكثر من أن يستقصى - فمن ذلك ما يفعله أهل شرقي صنعاء بقبر يسمى الهادي، كانوا يغدون عليه جميعاً ويروحون يدعونه ويستغيثون به، فتأتيه المرأة إذا تعسر حملها أو كانت عقيماً فتقول عنده كلمة عظيمة قبيحة - فسبحان من لا يعاجل بالمعاقبة على الذنوب.
وأما أهل برع فعندهم البرعي، وهو رجل يرحل إلى دعوته كل دان وقاص، ويؤتى إليه من مسيرة أيام وليال لطلب الإغاثة وشكاية الحال، ويقيمون عند قبره للزيارة ويتقربون إليه بالذبائح، كما حقق أخباره من شاهدها.
وأما أهل الهجرية: فعندهم قبر يسمى علوان وقد أقبل عليه العامة في نوائب الزمان واستغاث به منهم كل لهفان ويسميه غوغاؤهم منجي الغارقين، وأغلب أهل البر والبحر منهم يطربون عند سماع ذكره
стр. 61
ويستغيثون به وإن لم يصلوا إلى قبره وينذر له في البر والبحر وعند أهل بلده نذوراً تزيد عن الحصر ويفعلون عند قبره السماعات والموالد ويجتمع عنده أنواع من المعاصي والمفاسد وليس في أقطار اليمن مثله في الاشتهار، ولهم في حضرته أمور يفعلونها تديناً كطعنهم أنفسهم بالسكاكين والدبابيس ويقولون وهم يرقصون طربين وقد ملأ الوجد ألبابهم (يا سادتي قلبي بكم معنى) .
وأما حال حضرموت والشحر ويافع وعدن: فقد ثوى فيهم الغي والضلال عندهم العيدروس يفعل عند قبره من السفه والشرك ما يكفي ذكر مجمله.
يقول قائلهم: "شيء لله يا عيدروس! ... شيء لله يا محيي النفوس!! ".
وأما بلدان الساحل فعندهم الكثير:
أهل المخا عندهم الشاذلي - أكثرهم يدعوه ويستغيث به، ولا تفتر ألسنتهم عن ذكره قعوداً وقياماً وينتابون تربته وحدانا وجمعاً.
وأهل الحديدة عنهم الشيخ صديق يعظمونه ويغلون فيه إلى أنه لا يمكن أحد أن يركب البحر أو ينزل منه إلى البر حتى يجيء إليه ويسلم عليه ويطلب منه الإعانة والمدد فيما أراد.
وأما أهل اللحية فعندهم الزيعلي واسمه عندهم الشمس لأن قبره ليس عليه قبة، يصرفون إليه جميع النذور ويعظمونه ويدعونه أشد ما
стр. 62
يكون ذلك عبادة وضراعة، ويحكي عنه أهل البادية منهم أنه كان رسولاً في حاجة فأراد أن يدخل بلده والشمس متدلية للغروب فقال لها قفي فوقفت وسمعت قوله وامتثلت فدخل بلده نهارا.
وعندهم قبر رابعة مشهور لا يحلفون يمينا صادقا إلا بها.
وفي أراضي نجران الطامة المعضلة وهو الرئيس المعروف بالسيد فقد أتى أهل نجران وما يليهم من الأعراب والقبائل من تعظيمه والغلو فيه والاعتقاد الشركي ما أفضى بهم إلى الضلال والإلحاد، صرفوا له من أنواع العبادة سهماً وجعلوا فيه للألوهية قسماً حتى كادوا يجعلونه لله نداً وكان عندهم بذلك الحال شهيراً - تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
وأما في حلب ودمشق وأقصى الشام وأدناه فهو مما لا يوقف له على حد ولا يمكن ضبط قدره بحسب ما يحكيه من يشاهد ذلك أو يراه من العكوف على عبادة القبور وصرف القربان إليها والنذور والمجاهرة بالفسوق والفجور وأخذ المكوس وإحلال الدستور الوضعي محل الشريعة الربانية وتنظيم عمل البغايا ووضع الخراج عليهن من مهورهن الخبيثة.
وفي الموصل وبلدان الأكراد وما يليها من سائر البلاد وفي العراق عموماً وفي المشهد وبغداد خصوصاً ما لا يقدر على حصره وتعداده مما يفعل عند قبر الإمام أبي حنيفة ومعروف الكرخي والشيخ عبد القادر رضي الله تعالى عنهم من الدعاء والاستغاثة بهم والطلب منهم في سائر الأوقات والأزمان ويحصل من التعظيم والتذلل عندهم والخضوع أعظم
стр. 63
مما يصدر بين يدي الله في الصلاة، واشتهر عندهم أن كثيراً ممن يفعل ذلك وجرب وجد أنهم لقضاء الحوائج ترياق مجرب.
وأما مشهد علي ﵁ فقد صيرته الرافضة (لعنها الله) وثناً يعبد، يدعونه بخالص الدعاء من دون الله تعالى ويصلونله في قبته ويركعون ويسجدون، وليس في قلوبهم من تعظيم الله معشار ما فيها لعلي ﵁ يحلفون بالله الأيمان الكاذبة ولا يخافون، أما علي فلا يحلف به أحدهم كاذباً أبداً، ويجزمون أن عنده مفاتح الغيب. ولهذا يقولون إن زيارته أفضل من سبعين حجة، ولقد غلوا فيه وأتوا من الشرك أعظم مما فعل النصارى بالمسيح سوى دعوى الولدية، وزخرفوا على قبره قبة مذهبة.
ومثل ذلك الشرك يفعل عند مشهد الحسين والكاظم.
ولقد شب فيهم على ذلك الكفر الرعاع والأطفال وشابوا عليه، فلا يسمع بينهم ذكر الله وإنما ديدنهم ذكر علي والحسين وبقية الآل ... وكفى بما ذكر حجة عليهم في خروجهم عن الإسلام.
وكذلك جميع قرى الشط والمجرة وما حول البصرة وما توسط فيها من تلك القبب والمشاهد كقبر الحسن البصري والزبير ﵄ يطلبون منهما الفرج ويصرفون لهما من العبادة الدعاء والإستغاثة عند الشدائد لا يجحد إلا مباهت مكابر.
وأما في القطيف والبحرين فالبدع الرفضية الشركية والمشاهد الوثنية التي لا تكاد تخفى على أحد من الناس.
стр. 64
وعلى العموم فإن من رأى أفعال الناس في بلاد المسلمين مما أشرنا إليه وهو عارف بالإيمان تبين له غربة الإسلام في ذلك الزمان وصيرورة الحظوظ الدنيوية والشهوات النفسية غايتهم ومقصدهم وسرهم في الخلق والإيجاد.
وهذا في الغالب الأكثر وليس عليه جميع المسلمين حيث إن الله تعالى لا يجمع الأمة على ضلالة ولا يعمها بالسفاهة والجهالة كما ثبت ذلك في صحيح الأخبار عن النبي ﷺ ، وكما أخبر أيضاً أن في أمته أناس لا يزالون بهديه يستمسكون إلى قيام الساعة كما أن أكثرهم في أزمنة الغربة مخطؤون وعن هدي الرسول ﷺ ومنهاجه منحرفون ... وهذا مما زينه الشيطان واقتضته الطباع الناقصة والنفوس البشرية حتى إن ذلك يوجد من بعض العلماء المنتسبين إلى أحد المذاهب المعتصبين فلا يقبلون من الدين رأياً ولا رواية إلا ما كان لأصحابهم به عمل أودراية، فيرفض السنن النبوية واتباعه ولو عرف أن الحق ليس مع مذهبه وقد يحمله التعصب على الطعن في الأئمة وثلبهم، وكذلك من المتعبدة والمتصوفة من يرى طريقة العلم سفاهة وضلالاً، ويدعي أن العلماء لم يشربوا من صافي الشريعة ومعينها. كبرت فرية وكذبة من هؤلاء المتصوفة.
وقال ابن غنام عن الذبح للجن تقرباً إليهم وقصد الذابح أن يبرأ مريضه من شكواه: "ومن العجب أن ذلك يفعل في بلدان العارض وغيرها لا ينكره أحد من علمائهم على من فعله بل منهم من يفتي الجهال بذلك فيقول: اذبحوا على هذا الصبي أو هذا المريض ذبيحة سوداء للجن
стр. 65
ولا تسموا عليها، وقصده بذلك أن الجن يزيلون ذلك المرض إذا ذبحت لهم تلك الذبيحة.
فلما أظهر الله هذا الشيخ، ونهى عن ذلك، وبلغ الناس كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم؛ أن ذلك كفر وردة؛ ينكر ذلك عليه من يزعم أنه من العلماء فهل يشك أحد من العلماء أن ذلك كفر وشرك وعبادة للجن ... نعوذ بالله من الطبع على القلب"١.
انتهى ما أردت تلخيصه وتحريره من روضة ابن غنام في وصف البيئة التي كانت من حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ زمانا ومكانا٢.
وصف الشيخ عبد اللطيف غربة الدين:
ومثل ذلك ذكره الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في نبذته المفيدة عن حال جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين أتى على وصف أهل عصره ومصره، وقرر أن غربة الإسلام قد اشتدت بينهم وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية من الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن وقبول أحاديث الكهان والطواغيت، والآثار
стр. 66
الموضوعات والحكايات المختلقة والمنامات كما يفعل أهل الجاهلية، وكثير منهم يعتقد النفع والضر في الأولياء والصالحين والأوثان والأصنام والشياطين والأحجار والجمادات، فيستغيثون بهم ويتعلقون ويتبركون بآثارهم وقبورهم في جميع الأوقات حتى نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
واستمر الشيخ عبد اللطيف في وصف البيئة على نحو ما وصف ابن غنام رحمهما الله تعالى١.
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في نصيحة للإمام فيصل بن تركي "ومن طاف البلاد وخبر أحوال الناس منذ أزمان متطاولة عرف انحرافهم عن هذا الأصل الأصيل (ويعني به معرفة الله بصفات كماله ونعوت جلاله ووصفه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله وعبادته وحده لا شريك له والكفر بما سواه من الآلهة والأنداد) وبعدهم عما جاءت به الرسل من التفريع والتأصيل وكل بلد وكل قطر وكل جهة فيما نعلم فيها من الآلهة التي عبدت مع الله بخالص العبادات وقصدت من دونه في الرغبات والرهبات ما هو معروف مشهور لا يمكن جحده ولا إنكاره، بل وصل إلى أن ادعى لمعبوده مشاركة في الربوبية بالعطاء والمنع والتدبيرات، ومن أنكر ذلك عندهم فهو خارجي ينكر الكرامات وكذلك في باب الأسماء والصفات رؤساؤهم وأحبارهم معطلة، وكذلك يدينون بالإلحاد والتحرفات وهم يظنون أنهم من أهل التنزيل
стр. 67
والمعرفة باللغات، ثم إذا نظرت إليهم وسبرتهم في باب العبادات رأيتهم قد شرعوا لأنفسهم شريعة لم تأت بها النبوات وهذا وصف من يدعي الإسلام منهم في سائر الجهات"١.
كلام ابن بشر عن فشو الشرك:
وقال المؤرخ ابن بشر ما نصه: "وكان الشرك إذ ذاك قد فشا في نجد وغيرها وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها والنذر لها والاستعاذة بالجن والذبح لهم ووضع الطعام لهم وجعله لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم ونفعهم وضرهم والحلف بغير الله وغير ذلك من الشرك الأكبر والأصغر.
والسبب الذي أحدث ذلك في نجد - والله أعلم - أن الأعراب إذا نزلوا في البلدان وقت الثمار وصار معهم رجال ونساء يتطببون ويداوون، فإذا كان في أحد من أهل البلد مرض أو في بعض أعضائه أتى أهله إلى متطببة ذلك القطين من البادية فيسألونهم عن دواء علته فيقولون لهم: اذبحوا له في الموضع الفلاني كذا وكذا إما خروفاً بهيماً أسود وإما تيساً أصمع وذلك ليحققوا معرفتهم عند هؤلاء الجهلة، ثم يقولون لهم: لا تسموا الله على ذبحه. وأعطوا المريض منه كذا وكذا وكلوا منه كذا وكذا واتركوا كذا وكذا فربما يشفي الله مريضهم فتنة لهم واستدراجاً. وربما
стр. 68
يوافق وقت الشفاء حتى كثر ذلك في الناس وطال عليهم الأمد فوقعوا بهذا السبب في عظائم - وليس للناس من ينهاهم عن ذلك فيصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورؤساء البلدان وظلمتهم لا يعرفون إلا ظلم الرعايا والجور والقتال لبعضهم بعضاً"١.
قول الشيخ ابن باز - عن الحالة الدينية:
ويقول الشيخ عبد العزيز بن باز: "كان أهل نجد قبل دعوة الشيخ على حالة لا يرضاها مؤمن، كان الشرك الأكبر قد انتشر في نجد حتى عبدت القباب والأشجار وعبدت الغيران وعبد من يدعي بالولاية وهو من المعتوهين أو المجانين، واشتهر في نجد السحرة والكهنة وسؤالهم وتصديقهم وليس هناك منكر إلى من شاء الله وغلب على الناس الإقبال على الدنيا وشهواتها وقل القائم لله والناصر لدين الله. وهكذا في الحرمين الشرفين وفي اليمن اشتهر فيها ذلك الشرك وبناء القباب على القبور ودعاء الأولياء والإستغاثة بهم. وفي اليمن من ذلك ما لا يحصى ما بين قبر وما بين غار وبين شجرة وبين مجذوب ومجنون يدعى من دون الله ويستغاث به مع الله وكذلك مما عرف في نجد واشتهر دعاء الجن والاستغاثة بهم وذبح الذبائح لهم وجعلها في الزوايا من البيوت رجاء نجدتهم وخوف شرهم"٢.
стр. 69
كلام الشيخ ابن حميد - عن الإنحراف الواقع:
ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد بعد أن تحدث عن أسباب رؤية الشيخ محمد بن عبد الوهاب للواقع من حوله: "كل ذلك قد أعطاه النظر الفاحص لما عليه قومه وبنو جلدته ومن جاورهم من البلدان من الانحراف عن طريق الإسلام الصحيح يصل في بعض الحالات إلى الشرك الأكبر المخرج من الملة. فقد رأى في تلك المناطق مرتعا للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافا مع أصول الدين، فكان هناك قبور تنسب إلى بعض الصحابة يقصدها الناس ويطلبون منها حاجاتهم ويستغيثون بها لرفع كروبهم وقضاء حاجاتهم، ولقد وصل الحال في بعضهم أن اتجهت العوانس من النساء إلى فحل من فحول النخل يرددون بعبارة مسجوعة: (يافحل الفحول أريد زوجا قبل الحول) وكما انتشرت هذه الخرافات في نجد رأى مثلها في الحجاز وفي البصرة والزبير وسمع مثلها في العدن واليمن فوزن هذه الأفعال المنكرة بميزان الوحيين كتاب الله وسنة رسوله محمد ﷺ وأصحابه المتقين فرآهم في بعد عن منهج الدين وروحه - حيث رأى أنهم لم يعرفوا لماذا بعث الله الرسل؟ ولماذا بعث الله محمداً للناس كافة؟ رآهم غيروا أصول الدين وفروعه إلا القليل ... هذه إشارة إلى
стр. 70
وضعهم الديني"١.
كلام الشيخ البسام:
أن بيئة العالم الإسلامي من حول الشيخ محمد (بيئة جاهلة جافية، متقاطعة متباعدة) ٢.
وصف الأمير الصنعاني ظهور البدع وطغيان الضلال:
وإذا تجاوزنا علماء الدعوة من نجد والتمسنا ما يقوله العلماء من غيرهم - فإننا نجد الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني يصف ظهور المبتدعات وطغيان الضلال وغربة الدين في قصيدته البائية المشهورة فيقول:
طغى الماء من بحر ابتداع على الورى ... فلم تنج منه مركب وركاب
وطوفان نوح كان في الفلك أهله ... فنجاهم والغارقون تباب
فأنى لنا فُلْكٌ ينجي وليته ... يطير بنا عما نراه غراب
وأين إلى أين المطار وكل ما ... على ظهرها يأتيك منه عجاب
نسائل من دار الأراضي سياحة ... عسى بلدة فيها هدى وصواب
فيخبر كل عن قبائح ما رأى ... وليس لأهليها يكون متاب
стр. 71
لأنهم عدّوا قبائح فعلهم ... محاسن يرجى عندهن ثواب
كقوم عراة في ذرا مصر ما علا ... على عورة منهم هناك ثياب
يدورون فيها كاشفي عوراتهم ... تواتر هذا لا يقال كذاب
يعدون في مصر من فضلائهم ... دعاؤهم فيما يرون مجاب
وفيها وفيها كل مَا لا يعده ... لسان ولا يدنوا إليه خطاب
وفي كل مصر مثل مصر وإنما ... لكل مسمى والجميع ذئاب
ترى الدين مثل الشاة قد وثبت لها ... ذئاب وما عنه لهن ذهاب
لقد مزقته بعد كل ممزق ... فلم يبق منه جثة وإهاب
وليس اغتراب الدين إلا كما ترى ... فهل بعد هذا الإغتراب إياب
فيا غربة هل يرتجى منك أوبة ... فيجبر من هذا البعاد مصاب
فلم يبق للراجي سلامة دينه ... سوى عزلة فيها الجليس كتاب
ويعني بالكتاب القرآن الكريم إلى أن قَال يصف موقف أهل الأرض مما حواه القرآن الكريم:
ولكن سكان البسيطة أصبحوا ... كأنهم عما حواه غضاب
فلا يطلبون الحق منه وإنما ... يقولون من يتلوه فهو مثاب
فإن جاءهم فيه الدليل موافقاً ... لما كان للآباء إليه ذهاب
رضوه وإلا قيل هذا مؤول ... ويركب في التأويل فيه صعاب
تراه أسيراً كل حبر يقوده ... إلى مذهب قد قررته صحاب
стр. 72
هذا ما يصف به الأمير الصنعاني أهل زمانه من بعدهم عن كتاب الله وعدم رجوعهم إليه ولكن يسخرونه في تقرير مذاهبهم التي جعلوها هي الأصول التي يزنون بها دينهم أما كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ففي غربة شديدة في أراضي المسلمين وبلدانهم وأمصارهم وحل محلها في الظهور والإشتهار المبتدعات والعصبية للمذاهب المخالفة.
والشيخ الصنعاني معاصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وزمانه هو زمانه - ولقد أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقصيدة مطلعها:
سلام على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
وفي هذه القصيدة أيضاً بيان صورة صحيحة للبيئة التي كانت في ذلك الزمان كقوله يتحدث عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويصف ما لاقاه من ضلال الناس:
ويعمر أركان الشريعة هادماً ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد
أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود
وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد
وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهلاً على عمد
وكم طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن باليد
إلى آخر ما أنشده ﵀ من هذه القصيدة الجيدة، وقد ذكر إنكاره للغلو الذي اشتمل عليه دلائل الخيرات وقد نهى الرسول ﷺ عن
стр. 73
الغلو ولكن الجهال صيروا دلائل الخيرات أعظم من القرآن، فأقبلوا على تلاوته هاجرين لكتاب الله القرآن العظيم.
ثم ذكر بدعة التعصب للمذاهب المخالفة للدليل حتى إن من خالفها لدليل من القرآن والسنة يناله من المتعصبين كل الأذى بأنياب الأفاعي والسباع وأسواط الذم والغيبة والجفاء والتنقيص بلا حق ولا ذنب سوى أنه يتابع رسول الله ﷺ في الرد إلى وحي الله المنزل - هذا الذي عده الجهال ذنباً - فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم ذكر بدعة التصوف وطريقة ابن عربي وضلالهم المنتشر إلى أن قَال رحمه الله تعالى:
ومن يطلب الإنصاف يدلي بحجة ... ويرجع أحيانا ويهدي ويستهدي
وهيهات كل في الديانة تابع ... أباه كأن الحق في الأب والجد
وقد قَال قبلهم كل مشرك ... فهل قدحوا هذي العقيدة من زند
كذا أصحاب الكتاب تتابعوا ... على ملة الآباء فرداً على فرد
وهذا اغتراب الدين فاصبر فإنني ... غريب وأصحابي كثيرٌ بلا عد
إذا ما رأوني عظموني وإن أغب ... فكم أكلوا لحمي وكم مزقوا جلدي١
هذه الشهادة من عالم أهل اليمن الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني الحسيني.
стр. 74
شهادة الشيخ حسين بن مهدي النعمي:
ومن اليمن أيضاً نورد شهادة من أحد علمائها الموثوقين هو العالم المحقق الشيخ حسين بن مهدي النعمي المتوفى سنة ١١٨٧هـ يصف لنا البيئة وواقع الناس في زمانه فيقول: "إن ما فشا في العامة، ومن امتاز عنهم بالاسم فقط، هو كون هجير أهم عند الأموات ومصارع الرفات: دعاؤهم والاستغاثة بهم، والعكوف حول أجداثهم ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار القافة والإضطرار، واللجأ في ظلمات البحر، والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال والله قد علم ما في طي ذلك كله من قبيح الخلائق والأفعال، وارتكاب ما نهى الله عنه وإضاعة حقوق ذي العزة والجلال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى من الأنام واستنزال السحائب والأمطار واستماحة المآرب والأوطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد وبالجملة: فأي مطلب أو مهرب.
ترى هنالك ربع المشهد مأهولاً، وقد قطعت إليه المهامة وعورا وسهولا والنداء لساكنه: أن يمنح أو يريح، والتأدب والخضوع والتوقير والرغبة، ومشاعر الرهبة. وينضاف إلى ذلك - خصوصاً في الزيارات في الأعياد والموالد - نحر الأنعام، وترك الصلاة وصنوف الملاهي، وأنواع المعاصي للمليك العلام، وكثيرون لا طمع في حصرهم، ولعلهم العموم،
стр. 75
إلا من شاء الله: إن لم تلد زوجة أحدهم أو طال مرض مريض منهم، أو صاب امرأة التوق إلى النكاح، أو قحطت الأرض، أو دهمهم نازل من عدو، أو جراد أو غيرهما أو راموا أمراً عناهم تحصيله. فالولي في كل ذلك نصب العين، وإذا جرى المقدور بنفع أو دفع ضر، أو حصول مكروه كان المركوز في عقيدتهم التي لا يتحولون عنها: أن ذلك ثمرة الاستغاثة به، والإنابة إليه في الأولين. ودليل ضعف الاعتقاد، أو اختلال شرط من المنيب أو نحوهما في الثالث. فصار مدار التصرف والحصول له خاصة، أو مع الله في شيء دون شيء.
وحاصل معتقدهم: أن للولي اليد الطولى في الملك والملكوت. كما سيأتي تحقيق هذا وشرح وقوعه في أفعال من علا هذه العقيدة، وذكر ألفاظهم مبينة مفسرة مصرحة بما حكيناه عنهم، وأنهم قد ذهبوا هذا المذهب المشروح آنفا في سكان التراب، وأنزلوهم هذه المنزلة المحكية من مساواة رب الأرباب وقد سردنا بعضها للبيان ولئلا يتمكن الخصم من جحود، أو يقدر على مدافعة، وليعرف كل سامع لما نمليه: أن القائل بأن العوام قد يقع منهم عبارات موهمة، وقصارى أمرهم: التوسل! إما غالط أو خالط، أو جاهل للدين. وإلا؛ فما بعد هذا! ".
ثم مضى يشرح أفراد وقائع هذا الشرك وذكر ألفاظهم الصريحة في مقارفة الشرك والاعتقاد في المقبورين إلى أن قَال: (وشواهد هذا ظاهرة في حالاتهم تلك. بحيث أن جماهير من العامة لا يحصون في أقاليم واسعة