← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

لأنهم عدّوا قبائح فعلهم ... محاسن يرجى عندهن ثواب كقوم عراة في ذرا مصر ما علا ... على عورة منهم هناك ثياب يدورون فيها كاشفي عوراتهم ... تواتر هذا لا يقال كذاب يعدون في مصر من فضلائهم ... دعاؤهم فيما يرون مجاب وفيها وفيها كل مَا لا يعده ... لسان ولا يدنوا إليه خطاب وفي كل مصر مثل مصر وإنما ... لكل مسمى والجميع ذئاب ترى الدين مثل الشاة قد وثبت لها ... ذئاب وما عنه لهن ذهاب لقد مزقته بعد كل ممزق ... فلم يبق منه جثة وإهاب وليس اغتراب الدين إلا كما ترى ... فهل بعد هذا الإغتراب إياب فيا غربة هل يرتجى منك أوبة ... فيجبر من هذا البعاد مصاب فلم يبق للراجي سلامة دينه ... سوى عزلة فيها الجليس كتاب ويعني بالكتاب القرآن الكريم إلى أن قَال يصف موقف أهل الأرض مما حواه القرآن الكريم: ولكن سكان البسيطة أصبحوا ... كأنهم عما حواه غضاب فلا يطلبون الحق منه وإنما ... يقولون من يتلوه فهو مثاب فإن جاءهم فيه الدليل موافقاً ... لما كان للآباء إليه ذهاب رضوه وإلا قيل هذا مؤول ... ويركب في التأويل فيه صعاب تراه أسيراً كل حبر يقوده ... إلى مذهب قد قررته صحاب

стр. 72

هذا ما يصف به الأمير الصنعاني أهل زمانه من بعدهم عن كتاب الله وعدم رجوعهم إليه ولكن يسخرونه في تقرير مذاهبهم التي جعلوها هي الأصول التي يزنون بها دينهم أما كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ففي غربة شديدة في أراضي المسلمين وبلدانهم وأمصارهم وحل محلها في الظهور والإشتهار المبتدعات والعصبية للمذاهب المخالفة. والشيخ الصنعاني معاصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وزمانه هو زمانه - ولقد أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقصيدة مطلعها: سلام على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي وفي هذه القصيدة أيضاً بيان صورة صحيحة للبيئة التي كانت في ذلك الزمان كقوله يتحدث عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويصف ما لاقاه من ضلال الناس: ويعمر أركان الشريعة هادماً ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهلاً على عمد وكم طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن باليد إلى آخر ما أنشده ﵀ من هذه القصيدة الجيدة، وقد ذكر إنكاره للغلو الذي اشتمل عليه دلائل الخيرات وقد نهى الرسول ﷺ عن

стр. 73

الغلو ولكن الجهال صيروا دلائل الخيرات أعظم من القرآن، فأقبلوا على تلاوته هاجرين لكتاب الله القرآن العظيم. ثم ذكر بدعة التعصب للمذاهب المخالفة للدليل حتى إن من خالفها لدليل من القرآن والسنة يناله من المتعصبين كل الأذى بأنياب الأفاعي والسباع وأسواط الذم والغيبة والجفاء والتنقيص بلا حق ولا ذنب سوى أنه يتابع رسول الله ﷺ في الرد إلى وحي الله المنزل - هذا الذي عده الجهال ذنباً - فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم ذكر بدعة التصوف وطريقة ابن عربي وضلالهم المنتشر إلى أن قَال رحمه الله تعالى: ومن يطلب الإنصاف يدلي بحجة ... ويرجع أحيانا ويهدي ويستهدي وهيهات كل في الديانة تابع ... أباه كأن الحق في الأب والجد وقد قَال قبلهم كل مشرك ... فهل قدحوا هذي العقيدة من زند كذا أصحاب الكتاب تتابعوا ... على ملة الآباء فرداً على فرد وهذا اغتراب الدين فاصبر فإنني ... غريب وأصحابي كثيرٌ بلا عد إذا ما رأوني عظموني وإن أغب ... فكم أكلوا لحمي وكم مزقوا جلدي١ هذه الشهادة من عالم أهل اليمن الأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني الحسيني.

стр. 74

شهادة الشيخ حسين بن مهدي النعمي: ومن اليمن أيضاً نورد شهادة من أحد علمائها الموثوقين هو العالم المحقق الشيخ حسين بن مهدي النعمي المتوفى سنة ١١٨٧هـ يصف لنا البيئة وواقع الناس في زمانه فيقول: "إن ما فشا في العامة، ومن امتاز عنهم بالاسم فقط، هو كون هجير أهم عند الأموات ومصارع الرفات: دعاؤهم والاستغاثة بهم، والعكوف حول أجداثهم ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار القافة والإضطرار، واللجأ في ظلمات البحر، والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال والله قد علم ما في طي ذلك كله من قبيح الخلائق والأفعال، وارتكاب ما نهى الله عنه وإضاعة حقوق ذي العزة والجلال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى من الأنام واستنزال السحائب والأمطار واستماحة المآرب والأوطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد وبالجملة: فأي مطلب أو مهرب. ترى هنالك ربع المشهد مأهولاً، وقد قطعت إليه المهامة وعورا وسهولا والنداء لساكنه: أن يمنح أو يريح، والتأدب والخضوع والتوقير والرغبة، ومشاعر الرهبة. وينضاف إلى ذلك - خصوصاً في الزيارات في الأعياد والموالد - نحر الأنعام، وترك الصلاة وصنوف الملاهي، وأنواع المعاصي للمليك العلام، وكثيرون لا طمع في حصرهم، ولعلهم العموم،

стр. 75

إلا من شاء الله: إن لم تلد زوجة أحدهم أو طال مرض مريض منهم، أو صاب امرأة التوق إلى النكاح، أو قحطت الأرض، أو دهمهم نازل من عدو، أو جراد أو غيرهما أو راموا أمراً عناهم تحصيله. فالولي في كل ذلك نصب العين، وإذا جرى المقدور بنفع أو دفع ضر، أو حصول مكروه كان المركوز في عقيدتهم التي لا يتحولون عنها: أن ذلك ثمرة الاستغاثة به، والإنابة إليه في الأولين. ودليل ضعف الاعتقاد، أو اختلال شرط من المنيب أو نحوهما في الثالث. فصار مدار التصرف والحصول له خاصة، أو مع الله في شيء دون شيء. وحاصل معتقدهم: أن للولي اليد الطولى في الملك والملكوت. كما سيأتي تحقيق هذا وشرح وقوعه في أفعال من علا هذه العقيدة، وذكر ألفاظهم مبينة مفسرة مصرحة بما حكيناه عنهم، وأنهم قد ذهبوا هذا المذهب المشروح آنفا في سكان التراب، وأنزلوهم هذه المنزلة المحكية من مساواة رب الأرباب وقد سردنا بعضها للبيان ولئلا يتمكن الخصم من جحود، أو يقدر على مدافعة، وليعرف كل سامع لما نمليه: أن القائل بأن العوام قد يقع منهم عبارات موهمة، وقصارى أمرهم: التوسل! إما غالط أو خالط، أو جاهل للدين. وإلا؛ فما بعد هذا! ". ثم مضى يشرح أفراد وقائع هذا الشرك وذكر ألفاظهم الصريحة في مقارفة الشرك والاعتقاد في المقبورين إلى أن قَال: (وشواهد هذا ظاهرة في حالاتهم تلك. بحيث أن جماهير من العامة لا يحصون في أقاليم واسعة

стр. 76

وأقطار متباعدة، ونواحي متباينة لما كانوا قد نشؤوا لا يعرفون إلا ما وجدوا عليه من قبلهم من الآباء والشيوخ من هذه العقائد الوثنية والمفاسد. فتجدهم إذا شكا أحدهم على الآخر نازلة نزلت، فلعله لا يخطر له في بال، إلا: هل قد ذهبت إلى الولي؟ وقد يضرب له الأمثال بأن فلاناً كان أمره كذا، وفلاناً كان أمره كذا، حتى أنسوا بهذا الباب أكثر مما يصفه الواصف، وبقدر أنسهم به تناسوا ما رسمه لهم الرسول الحكيم الناصح الأمين وجهلوه بالمرة، وانطمست لديهم معالمه. وبعضهم قد يعرف شيئاً من ذلك ولكنه يؤثر عليه ما ذكر: إما لعدم وثوقه بذلك وإما لغلبة انفعال نفسه لخاطر السوء، وإما لسلطان العادات والتقليد، وبعضهم - وهو أقلهم كفراً - يجعل البابين محلاً صالحاً مدخلاً للدفع والنفع، حتى إنا شاهدنا ما لا يحصى قدره الآن: إذا سقطت دابة أحدهم، أو عثر هو أو بغتته حادثة من هذا القبيل نادى ببديهة الحس: يا هادياه يا ابن علوان يا جيلاني. ويقول: ومن عجيب ما أتته العامة من طرائف هذا الباب وغرائبه الفاحشة، التي زعم ذلك المخادع القائل (إنها مجرد توسل وعبارة موهمة) ما شاهدناه بالمعاينة مكتوباً على راية مشهد من المشاهد (هذه راية البحر التيار. فلان بن فلان، به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار) وإلى هذا اللفظ زيادة تركتها لأني لا استثبتها الآن. وهي من هذا النمط المستطرف.

стр. 77

ومن عجيب طرائفهم في هذا الباب قول بعضهم من قصيدة. وهي شيء يقشعر منه الجلد، وإنما حكيناه لما زعم شيوخهم المخادعون: إنها عبارة موهمة بنزلة لغو اليمين. يا سيدي يا صفي الدين يا سندي ... يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري أنت الملاذ لما أخشى ضرورته ... وأنت لي ملجأ من حادث الدهر امدد بمواد اللطف منك وكن ... لي الكفيل بكشف الضر والظفر وامنن علي بتوفيق وعافية ... وخير خاتمة مهما انقضى عمري وكف عنا أكف الظالمين إذا ... امتدت بسوء وأمر مؤلم نكر فإني عُبَيدُك الراجي لودك ما ... آمله ياصفي السادة الغرر وقد مددت يد الرجوى على ثقة ... مني لنيل الذي أملت من وطري انتهى المراد نقله منها. فلا ندري: أي معنى اختص به الخالق بعد هذه المنزلة من كيفية مطلب أو تحصيل مأرب؟ وماذا أبقى هذا المشرك الخبيث لخالقه من الأمر؟ فإن كان هذا، أوْ ما يعطى شيئاً منه (عبارة موهمة بمنزلة لغو اليمن) فعلى السفسطة السلام. فإن المشركين أهل الأوثان ما يؤهلون كل ما عبدوه من دون الله لشيء من هذا ولا لما هو أقل منه، كما سنشرح لك حاله إن شاء الله

стр. 78

تعالى١. ومن غرائب شرك العامة في هذا الباب: ما حدثنا به الثقات الأثبات عن حي من الأعراب، حضرت أحدهم الوفاة، فقيل له قل لا إله إلا الله. فقال: أين الله؟ قل يا عمراه. كذا حدث أولئك ذلك سيد الحي بمجمع من أهل المحل على وجه اليقين المشهور عندهم. ومن ذلك أن حيا من أهل البوادي إذا أرسلوا أنعامهم للمرعى. قَالوا: في حفظك يا فلان، يعنون ساكن مشهدهم، وإنهم إذا أرادوا السفر إلى جهة استأذنوه والعمل في الجواب على سادن المشهد، حتى إنه إذا اشتد المرض برجل من العامة شد رحاله إلى قبر الولي يستجير به، أو عنده من الموت. ومن ذلك أن امرأة كف بصرها ومات ولدها، فنادت وليها: أما الله فقد صنع ما ترى، ولم يبق إلا حسبك فيَّ. ومن ذلك: وهو من أشهر عجائبهم المعلومة، في نواحي من البلدان - شراؤهم الأولاد - بزعمهم من الولي بشيء معين، فيبقى ثمنه رسما جاريا، يؤدى كل عام لصندوق الولي وإن كانت امرأة، فمهرها له، أو نصف مهرها إذْ هي مشتراة منه ولعله يفقد شيئٌ من هذا في بعض النواحي، فكم له من أخوات عند التصفح.

стр. 79

ومن ذلك - وهو من طرائفهم الشهيرة أيضا - ترك أشجار ومراع حول المشهد لمكان قربها منه، مع الحاجة الشديدة إليها. فتبقى على ممر الأزمان سائبة. ومن عجائبهم: ما حدث به جمع من أهل الدين أنه وقع في زيارة بعض المشاهد اجتماع خلق كثير من الرجال والنساء والأطفال. فكان هناك من القبائح ما منه السجود للمعتقد. شاهد ذلك الجمع ما ذكرنا عيانا. فلعل هذا: (عبارة موهمة، بمنزلة اللغو في اليمين) ثم يقول: ولو كان المتكلم بهذا في غير مكة - شرفها الله تعالى - لجوزنا أنه لم يبلغه، ولم ير شيئا من هذه الضروب التي سردناها أو نظائرها. ومن ذلك - وهو من غرائب الانحلال من الدين - أن جماعة من العامة خرجوا من مسجد بجوار مشهد، بعد أن صلوا فريضة من المكتوبات. فدخلوا المشهد. فرفعوا وضموا، وركعوا إلى جدار القفص. ومن ذلك - وهو أيضا من طرائف ما يحكى - أن رجلا سأل من فيه مسكة من عقل فقال: كيف رأيت الجمع لزيارة الشيخ؟ فأجابه: لم أر أكثر منه إلا في جبال عرفات إلا أني لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الثلاثة الأيام فريضة. فقال السائل: قد تحملها عنهم الشيخ!

стр. 80

قلت: وباب (قد تحمل عنهم الشيخ) مصراعاه ما بين بصرى وعدن، قد اتسع خرقه وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد والمشهد، وهو أمر شهير في العامة، ولعل هذا عند هذا المخادع الخائن لنفسه وللناس (عبارة موهمة) كما قَال!! فقل لي: أي ملة - صان الله ملة الإسلام - لا يمانعها كل ذلك، ولا يدافعها؟ قلت: ولقد أذكرني هذا ما سمعت بعض الأفاضل يحدث به: أن رجلين قصدا الطائف من مكة المشرفة، وأحدهما يزعم: أنه من أهل العلم، فقال له رفيقه - ببديهة الفطرة-: أهل الطائف لايعرفون الله، إنما يعرفون ابن عباس. فأجابه: بأن معرفتهم لابن عباس كافية. لأنه يعرف الله. ويضاهيها: ما حكاه لنا بعض من جاور بالبلد الحرام: أن رجلا كان ببعض المشاهد بمكة، فقال لمن عنده: أريد الذهاب إلى الطواف. فقال له بعض كبرائها: مقامك هنا أكرم. وما شئت بهذا الطغيان المجاوز!! وبالله لو ذهبنا ننقب عما يحادون الله به من هذه الجهالات، وما يجترئ عليه السفهاء هنالك. لحصلنا على ما يفوت الطاقة ضبطه إلا تكلفا - إن كان - وفي الناس من يخالف الله، ويستحي من معارضة الكتاب والسنة بالسماجة والقحة، وفي الناس من يتحاشى عن الإفراط - وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.

стр. 81

ويقول: ومن طريف أخبارهم: أن منهم من يمرض، فيلازم المشهد، يستجير به من ذلك المرض، ويتوصل إلى زوال ما به من الداء الَّذي أضناه، وخصوصا إذا كان من نوع المانيخوليا، أو أمراض العقل - قائلا بلسان الحال والمقال أيضا (وإذا مرضت فهو يشفين) . يقول: ومنهم من يمكث في المشهد أياما محبوسا بلا صلاة قط، زاعما أنه في حبس الولي وقيده، ولا يطلقه إلا لحاجته، وما في عقله الَّذي تقوم به الحجة عليه اختلال وإنما فسدت فطرة الأغلف بطارئ العوائد، حتى كأنه لا يعقل ومن طريف أقوالهم في أوليائهم: أنه يضرب من تظلم منه، أو شكى به إليه - بصيغة المبني للفعول فيهما - ويعزل الوالي إذا لم يزره، ويهب الولد إذا جومعت المرأة عند مشهده، ويسلب السلاح ويقيد ويفك الأسرى والمحبسين، ويهدي الضالين ويجير القوم، ويترك بنادقهم قصباً، وعاقلهم خنثي، لا أنثى ولا ذكر، ويعاقب من أخذ من ضريحه ورقة للتبرك بها في الحال، حتى صار في بعض الجهات: أن المرأة لا تدخل عند زوجها، حتى تزور الولي، وأن رجلاً زعم أن ولياً نبه عليه في النوم: أن يبني عليه قبة - قَال: فبنيت خوفاً منه. قلت: وباب تنبيه الأموات - أي بإضافة تنبيه إلى فاعله- كباب (تحمل الشيخ الصلاة وغيرها) في السعة والشيوع. والله يغلقها كلها بنصر دينه. ومن عجيب أمرهم: أن امرأة جاءت قبراً، فجعلت تقول: يا سيدي

стр. 82

بعت ما لي ورحلت إليك من مسافة كذا، سألتك بالله أن تشفي ولدي فإني جارة الله وجارتك. ويقول: إن القوم سحبت عليهم العادات والخيالات، وتعفى في قلوبهم رسوم الفطر والأديان، وجر الشيطان أذياله عليها. ما هم بالمحل الذي يزعمه لهم الخابطون. ومن أذيال مصيبة المشاهد التي أصيب بها الإسلام وشعائرها ما ظهر وانتشر في العامة في جهات كثيرة. كما هو معلوم مشاهد: أن المساجد ربما لا تكون متروكة مهجورة وفيها من التراب والعيدان والأوساخ، وزبل الأنعام، وحراق التمباك وغير ذلك ما يجعلها مزابل ومشاهد الأموات: محترمة مكرمة، مجمرة بالظفر والعطور، مفروشة بالسجاد الفاخر وعلى القبور ستور الحرير الثمينة، وبها الشمعدانات الفضية ما جعلها مرعية مقامة متحاماة. وسرد أشياء كثيرة إلى أن قَال: فهذه قطرة سردناها ليعلم الأغبياء ما صار عليه الحال مما لا يحصى كثرة، وجميع سكان البسيطة إلا من أنقذ الله قد مسهم هذا المرض المضني، وعمهم هذا الداء العضال، وإن تفاوتوا في الإيغال والإغراق في هذه الضلالة، فكل - إلا ما شاء الله - قد أخذ بحظه، وشارك في أصل المعنى، من تعليق أمرهم بسكان القبور في جملة أمرهم، وأما تفاصيلها: فغير مقدورة، فلقد أحيوا هذه المشاهد بالتردد والدعاء، والنداء والعكوف، والمثول والتأدب، والتوقير والخضوع مما لا يحصل بعضه في بيوت الله والصلاة المكتوبة، إلا مالا نسبة بينه وبين ما في

стр. 83

عرصات المشاهد، بحيث ينتابها ويهبط إليها ويحبها ويسمح بالبذل الكثير لها، ويضيع لأجلها ولده وأهله. وكثير من الناس لا يقوم في حق الله تعالى برائحة من ذلك. ولا يعرف الصلاة ولا المساجد، وهو اللائق بمن سلك تلك السبيل، ثم يتكلمون بما يناسب حالاتهم هذه، من مثل: أكرمنا الشيخ، أوْ بيَّن لنا إشارة، أو حصل لنا ما نطلب، ونجانا مما نهرب، وشفى مريضنا، وأنزل الغيث لنا، إذا قصدناه وسألناه. ويقول: هذا مذهب عامة المقابريين. ويقول: "وأما الحاذقون بها فهل أتتك أنبائهم؟ إنهم يقولون: هؤلاء المقربون هم المخصوصون من الله بالإمداد والملقى إليهم مقاليد التصرف والتصريف في عالم الإيجاد، ومن حبي بهذه الحبوة بذلنا له محض التأليه والصبوة، وما سألناه ودعوناه إلا أمرا مُكن منه وصرف فيه وولي نظره وتدبيره بولاية عامة تمكينية فالسؤال والاستغاثة، وما هو من واديهما هو من ذي أهلية تامة قائمة صالحة لتأهيلنا إياها جميع ما أنكر منا من معاملتها، والواقف بنا على مجرد التوسل فقط- كما قيل أيضا على عامتنا - هو في القضية عامي، أو واهم وللحقيقة التي نحن بها غير محقق ولا فاهم". انتهى. "فهذه الدسيسة هي - فيما علمنا - روح البحث، وسر المسألة عند حذاقهم السابقين في الصناعة. وقد شافهني بذلك أحد خواصهم

стр. 84

الموسومين بالفقه والفطنة في هذا الباب زعما منه أنه قد امتطى صهوة التحقيق، وارتقى ذروة التدقيق. أترى هذا من محاسن الكلام؟ ألا تقول: برأ الله عنه ملة الإسلام، وقدسها عن وضر هذا العار والملام؟ " ثم يقول: "وإذا فقهت هذا: انتقلت منه - إن شاء الله تعالى - إلى فهم ما يؤثر عن قوم ممن يدعى المحبة والقرب والولاية، ودعاويهم الطويلة العريضة المشروحة في مؤلفاتهم ومنظومهم ومنثورهم. وممن شرح عنهم بعضا مما أشرنا إليه ما نقله تقي الدين الفاسي في تاريخ مكة، والمحقق الأهدل في شرح دعاء أبي حربه، وقبله القاضي إسماعيل بن أبي بكر المقري الشاوري الشرحي الزبيدي الشافعي، وقصيدته الرائية مشهورة في هذا المعنى. وغير ما ذكرنا أيضا كثير يفوت حصرهم". ويقول: "ولقد سمعنا في هذا المقام حكاية شنيعة، وهي: إن بعض كبراء الصوفية ركب البحر ومعه مريده، فهاجت ريح خيف منها. فجعل الأستاذ يقول: يا الله فطفق المريد يقول كذلك. فكاد يغرق. فأشار إليه الأستاذ أن يهتف باسمه ففعل فنجا. وهي مشهورة عند كثير من الناس، ولا أعرف الآن موضعها فأنقلها بصفتها"١.

стр. 85

ويقول: "إن هذا شيء لا يختص به الواحد والاثنان، ولا البلدة ولا البلدتان ولا القطر ولا القطران، بل عم أمر المشاهد وعبادة الأموات البلاد من أقصاها إلى أقصاها، حتى آل الأمر إلى أن عاد غصن الشرك غضا طريا، ويبلغنا من ذلك الكثير، الَّذي لا تحويه السطور، سوى ما سمعناه وشاهدناه. ونحن ببلد أقل شيء فيها هذا القبيل بحمد الله، بل يكاد يلتحق بالمعدوم بالنظر إلى ما سواها، وإلا فمن سكن بفرس، والمخا، وصعده وغيرها من قطرنا هذا خاصة، - كيف سواه؟ - رأى العجب، إن كان قلبه حيا. وبالجملة: فأمر العامة في هذا النحو غريب بالنسبة إلى الإسلام، فإن كل من عرف الحقيقة، ونظر إلى ما صاروا إليه من ذلك: وجد المضادة لله وتوحيده فاشية في كثير من أفعالهم وأقوالهم، وتقلبهم وتصرفاتهم. والطمع في حصره طمع في محال، كضبط الريح والبحر، وهو ظاهر شهير على رؤوس الخلائق. وإنما جهل قدره ومنافاته، لما دعت إليه الرسل، لما تعفت رسوم شرعهم عند الأكثرين ولأنسهم بكثير من أضدادها، وبضدها تتبين الأشياء". ويقول: "وما سقنا هذه الكلمات عن العامة إلا على سبيل المثال". ويذكر أن هذا واقع وكثير جداً في البلدان الإسلامية، وتركت شيئاً كثيراً

стр. 86

وهاماً من وصفه وأخباره خشية الإطالة وأحيل عليه١. شهادة الإمام الشوكاني: وهذه شهادة ثالثة من عالم آخر هو الإمام الشوكاني المشهور، من أهل اليمن، ومن أعلام أهل السنة الموثوقين نقتطفها من مؤلفاته كمؤلفه (كتاب الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد) يقرر وجود المعتقدين في الولي والقبر والمشهد ممن ينسب إلى الإسلام ويزعم أنه من المسلمين، وأن هذا هو الشرك بالله لأن الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئاً يختص به سبحانه سواء أطلق على ذلك الغير ما كان تطلقه الجاهلية أو أطلق عليه اسماً آخر٢. ويقول: "ولا فرق بن أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجراً أو شجراً أو ملكاً أو شيطاناً كما كان يفعل ذلك أهل الجاهلية. وبين أن يكون إنساناً من الأحياء أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم يعلم هذا ويقربه فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد وللحي كما يكون للميت". إلى أن قَال: "وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن

стр. 87

إلا بتعظيمها واعتقاد أنها تضر وتنفع، فالاستغاثة بها عند الحاجة والتقرب لها في بعض الحالات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور، فإنهم قد عظموها إلى حد لا يكون إلا لله سبحانه بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريباً منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريبا من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا ولم يحلف بالميت الَّذي يعتقده. وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدع أحد منهم ميتا أو حيا عند استجلابه لنفع أو استدفاعه لضر قائلا يا فلان افعل لي كذا وكذا وعلى الله وعليك وأنا بالله وبك. وأما التقرب للأموات فانظر ماذا يجعلونه من النذور لهم وعلى قبورهم في كثير من المحلات، ولو طلب الواحد منهم أن يسمح بجزء من ذلك لله تعالى لم يفعل، وهذا معلوم يعرفه من عرف أحوال هؤلاء. (فإن قلت) إن هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله تعالى هو الضار النافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه (قلت) وهكذا كانت الجاهلية؛ فإنهم كانوا يعلمون أن الله هو الضار النافع وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز، نعم إذا لم يحصل من المسلم إلا مجرد التوسل الَّذي قدمنا تحقيقه فهو كما ذكرناه

стр. 88

سابقا"١. قلت: الشيخ الشوكاني هنا يخالف السلف الصالح فيجيز التوسل بذوات الصالحين، والصواب: عدم جوازه وقد يصل إلى البدعة - والله أعلم-. ونعود إلى كلام الإمام الشوكاني فيقول: (ولكن؛ من زعم أنه لم يقع منه إلا مجرد التوسل وهو يعتقد من تعظيم ذلك الميت ما لا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين وزاد على مجرد الاعتقاد فتقرب إلى الأموات بالذبائح والنذور، وناداهم مستغيثا بهم عند الحاجة فهذا كاذب في دعواه أنه متوسل فقط، فلو كان الأمر كما زعمه لم يقع منه شيء من ذلك، والمتوسل به لا يحتاج إلى رشوة بنذر أو ذبح ولا تعظيم ولا اعتقاد؛ لأن المدعو هو الله سبحانه وهو أيضاً المجيب ولا تأثير لمن وقع به التوسل قط بل هو بمنزلة التوسل بالعمل الصالح فأي جدوى في رشوة من قد صار تحت أطباق الثرى بشيء من ذلك وهل هذا إلا فعل من يعتقد التأثير اشتراكاً أو استقلالاً. ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدعاوي الباطلة العاطلة، بل من زعم أنه لم يحصل منه إلا مجرد التوسل وهو يقول بلسانه يا فلان منادياً لمن يعتقده من الأموات فهو كاذب على نفسه، ومن أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالاً فليخبرنا ما معنى ما نسمعه في الأقطار اليمنية من

стр. 89

قولهم يا ابن العجيل يا زيلعي. يا ابن علوان. يا فلان وهل ينكر هذا منكر أو يشك فيه شاك؟ وما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم، ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم حتى إنهم في حرم الله ينادون يا ابن عباس. يا محجوب. فما ظنك بغير ذلك - فلقد تلطف إبليس وجنوده أخزاهم الله تعالى لغالب أهل الملة الإسلامية بلطفة تزلزل الأقدام عن الإسلام ... فإنا لله وإنا إليه راجعون". وبعد أن يقرر الإمام الشوكاني أن ما يفعله القبوريون من الدعاء والاستغاثة والتقرب بأنواع القرب إلى غير الله تعالى من الأموات وغيرهم أنه هو الشرك. ولا يتفطن له أهل العلم لا لكونه خفياً في نفسه، بل لإطباق الجمهور على هذا الأمر، وكونه قد شاب عليه الكبير، وشب عليه الصغير، وهو يرى ذلك ويسمعه ولا يرى ولا يسمع من ينكره، بل ربما يسمع من يرغب فيه، ويندب الناس إليه، وينضم إلى ذلك ما يظهره الشيطان للناس، من قضاء حوائج من قصد بعض الأموات الذين لهم شهرة، وللعامة فيهم اعتقاد، وربما يقف جماعة من المحتالين على قبر ويجلبون الناس بأكاذيب يحكونها عن ذلك الميت ليستجلبوا منهم النذور، ويستدروا منهم الأرزاق، ويقتنصوا النحائر ويستخرجوا من عوام الناس ما يعود عليهم وعلى من يعولونه، ويجعلون ذلك مكسباً ومعاشاً وربما يهولون على الزائر لذلك الميت بتهويلات ويجعلون قبره بما يعظم في عين الواصلين، ويوقدون في المشهد الشموع ويوقدون فيه الأطياب، ويجعلون

стр. 90

لزيارته مواسم مخصوصة يجتمع فيها الجمع الجم، فيبهر الزائر ويرى ما يملأ عينه وسمعه من ضجيج الخلق وازدحامهم وتكالبهم على القرب من الميت، والتمسح بأحجار قبره وأعواده، والاستغاثة به، والإلتجاء إليه، وسؤاله قضاء الحاجات ونجاح الطلبات، مع خضوعهم واستكانتهم وتقريبهم إليه نفائس الأموال، ونحرهم أصناف النحائر، فبمجموع هذه الأمور مع تطاول الأزمنة وانقراض القرن بعد القرن يظن الإنسان في مبادئ عمره وأوائل أيامه أن ذلك من أعظم القربات وأفضل الطاعات، ثم لا ينفعه ما تعلمه من العلم بعد ذلك بل يذهل عن كل حجة شرعية تدل على أن هذا هو الشرك بعينه وإذا سمع من يقول ذلك أنكره ونبا عنه سمعه، وضاق به ذرعه، لأنه لا يبعد كل البعد أن ينقل ذهنه دفعة واحدة في وقت واحد عن شيء يعتقده من أعظم الطاعات إلى كونه من أقبح المقبحات وأكبر المحرمات، مع كونه قد درج عليه الأسلاف، ودب فيه الأخلاق، وتعاودته العصور، وتناوبته الدهور، وهكذا كل شيء يقلد الناس أسلافهم ويحكمون العادات والتقاليد المستمرة، وبهذه الذريعة الشيطانية والوسيلة الطاغوتية بقي المشرك من الجاهلية على شركه، واليهودي عن يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، وصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً، وتبدلت الأمة بكثير المسائل الشرعية غيرها، وألفوا ذلك ومرنت عليه نفوسهم، وقبلته قلوبهم وأنسوا إليه حتى لو أراد من يتصدى للإرشاد أن يحملهم على المسائل الشرعية البيضاء النقية التي تبدلوا بها غيرها لنفروا عن ذلك، ولم تقبله طبائعهم،

стр. 91

ونالوا ذلك المرشد بكل المكروه، ومزقوا عرضه بكل لسان، وهكذا كثير موجود في كل فرقة من القرق لا ينكره إلا من هو منهم في غفلة"١. كلام حافظ وهبة: يقول: "كانت نجد - من الوجهة الدينية - كسائر الأمصار الأخرى: مرتعاً للخرافات والعقائد الفاسدة التي تتنافى مع أصول الدين الصحيحة. فقد كان كثير من القبور التي تنسب إلى الصحابة يحج الناس إليها. ويطلبون منها حاجاتهم، ويتوسلون بالمقبورين إلى دفع كروبهم. فكانوا في الجبيلة يؤمون قبر زيد بن الخطاب لتحسين حالهم وإجابة ملتمسهم، كما كان أهل الدرعية التي صارت فيما بعد معقل التوحيد ومقر حكم آل سعود - يضرعون إلى مثل هذه القبور لمثل هذه الأغراض. وأغرب من ذلك توسلهم بفحل النخل في بلدة (منفوحة) واعتقادهم أن من تؤمه من العوانس تتزوج لعامها. فكانت من تقصده تقول (يا فحل الفحول، أريد زوجاً قبل الحول) وكان في الدرعية غار يقدسونه ويزعمون أنه كان ملجأ لإحدى بنات الأمير التي فرت هاربة من تعذيب بعض الطغاة، واتخذت في أحد الجبال الصخرية مأوى لها فانشق لها الكهف بمعجزة لتأوي إليه. فهذه الروايات تكشف عما كانت عليه نجد من العقيدة الدينية

стр. 92

الفاسدة. ومن حيث السياسة: فقد كانت ولايات العرب منقسمة إلى ولايات عديدة، يحكم كل واحدة منها أمير لا تربطه وجاره أية رابطة. ومن أشهر هؤلاء الأمراء بنو خالد في الأحساء، وآل معمر في العيينة، والأشراف في الحجاز، وآل سعود في الدرعية، والسعدون فيما بين النهرين، وغيرهم. وقد كان سكان بلاد العرب، - وهم الحضر - في حروب دائمة مع البدو سكان البادية، وكذلك الأمراء على قدم الاستعداد عندما تسنح الفرص للتعدي على جيرانهم إذا بدا من هؤلاء الجيران ضعف أو عدم استعداد. أما من حيث الأحكام: فلم يكن هناك قانون أو شريعة إلا ما قضت به أهواء الأمراء وعمالهم١. كلام الكاتب الأمريكي لوثورب ستودارد: وإذا ما تجاوزنا أمثال هؤلاء من علماء المسلمين فإننا نجد ما يقوله المنصفون من غيرهم مطابقاً لهذه الأقوال الصادقة في وصف البيئة من حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والتي أسلفنا أمثلتها، ونسوق فيما يلي مثالاً لأقوال المنصفين، هو ما يقوله لوثورب ستودارد الأمريكي، في

стр. 93

كتابه، (حاضر العالم الإسلامي) بترجمة الأستاذ عجاج نويهض، وتعليقات شكيب أرسلان. ففي الجزء الأول في الفصل الأول تحت عنوان: (اليقظة الإسلامية) ما نصه: "في القرن الثامن عشر الميلادي، كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدني والانحطاط أعمق دركة، فأربد جوه وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ورجاً من أرجائه، وانتشر فيه فساد الأخلاق والآداب، وتلاشي ما كان باقياً من آثار التهذيب العربي، واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشهوات، وماتت الفضيلة في الناس وساد الجهل، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة، وانقلبت الحكومات الإسلامية إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال، فليس يرى في العالم الإسلامي ذلك العهد سوى المستبدين الغاشمين، كسلطان تركيا ... " إلخ. إلى أن قَال: "وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة، سجفاً من الخرافات، وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عدد من الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين، يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبون في الحج إلى قبور الأولياء ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يُشْرب

стр. 94

الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل وهُتِكَت ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء، ونال مكة المكرمة، والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، فصار الحج المقدس الذي فرضه النبي١ على من استطاعه ضرباً من المستهزءات، وعلى الجملة فقد بدل المسلمون غير المسلمين وهبطوا مهبطاً بعيد القرار، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدهى الإسلام لغضب، وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين، كما يلعن المرتدون وعبدة الأوثان" اهـ. وعند ذلك علق الأمير شكيب أرسلان على وصفه هذا للعالم الإسلامي بقوله: "لو أن فيلسوفاً نقريساً من فلاسفة الإسلام أو مؤرخاً عبقرياً بصيراً بجميع أمراضه الاجتماعية، أراد تشخيص حالته في هذه القرون الأخيرة، ما أمكنه أن يصيب المحز، وأن يطبق المفصل تطبيق هذا الكاتب الأمريكي ستودارد"٢. إقرار خصوم الشيخ بالانحراف: ثم إذا التفتنا إلى غير المنصفين نجد أن خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب ممن يزعمون أنهم علماء لا ينكرون حالة الناس الدينية السيئة ولا السياسية، ولا ينكرون وجود القباب على القبور، ووجود تقديس أشجار

стр. 95

وأحجار وغيران ونحوها، ووجود أولياء مزعومين، ووجود من يدعو مثل ذلك من دون الله وينذر له ويذبح ويتقرب إليه بأنواع من العبادة لا ينكرون عموم البلوى بهذه المظاهر المنحرفة في نجد وفي غيرها بل يؤكدونها ويقررون أن السواد الأعظم عليها تبريراً لها، إنهم يحاولون التماس مشروعيتها وتسويغها وتخطئة الشيخ بل تضليله في إنكارها كقولهم: إن الصالحين لهم شفاعة تطلب منهم أمواتاً وأحياءً وكقولهم: إن الرسول ﷺ هو الواسطة فيدعونه ليتوسط لهم عند الله ويشفع فيجيب دعاءهم ويقربهم، وكقولهم: إن الشرك لا يتصور وقوعه في بلاد المسلمين، وإن المسلم لا يرتد مهما عمل، فإذا قَال لا إله إلا الله فهو مسلم ولو دعا الأولياء واستغاث بهم في كشف الضر!، ومثل قولهم: المعين لا يكفر، ونحو هذا من تبريرات فاسدة وتلبيسات قبيحة ولو كانت غربة الدين غير واقعة وانحرافات الأكثر غير صحيحة لكان هؤلاء المعارضون أسرع الناس بياناً وتقريراً لشيوع الإسلام وتأريخاً له، كيف لا؟ وهم الحريصون على تفنيد أقوال الشيخ وتسفيه حركته، لكن الواقع بهتهم، والحال فضحهم، فراحوا يسوغون ويؤولون ويلتمسون المعاذير، ويحتجون بالآباء والأجداد، والتقاليد والعادات، وموضوعات الحديث وضعيفها، ومشتبهات القضايا والمقولات، تاركين محكم الأدلة، وواضح الآيات، لأغراض في نفوسهم، وشهوات في صدورهم، وأمراض في قلوبهم. وكيف نذهب بعيدا، وقد أنكر علماء السنة العدول، ما شهدوا

стр. 96

عليه من حوادث حدثت في الدين، ووقعت بين المسلمين، وبين أيدينا مصنفاتهم منذ القديم من الزمان، يفندون هذا الواقع المؤلم، وينكرونه، ويعينونه بالإنكار والإبطال، مثل تعظيم القبور، وبناء القباب عليها والمشاهد، واتخاذها مساجد ومعابد، وعبادة أهلها من دون الله بأنواع من العبادة، كدعائها والذبح لها والتقرب إليها بأنواع القرابين والصدقات. ومن هؤلاء الأئمة: محمد بن وضاح القرطبي (١٩٧-٢٨٦هـ) في كتابه البدع والنهي عنها، ومحمد بن سحنون (٢٠٢-٢٥٦هـ) وأبو زكريا، يحيى بن عون، المتوفى سنة ٢٩٨هـ في الرد على أهل البدع، وكذلك الأئمة الأربعة يردون على أهل البدع وأتباعهم كذلك، فهذا الإمام أحمد في (رده على الجهمية والزنادقة) ومن أتباعه ابن تيمية وابن القيم الحنبليان، وردودهم شهيرة، والشيخ قاسم بن قطلوبغا ولد سنة ٨٠٢هـ وتوفى سنة ٨٧٩ هـ ويعرف بقاسم الحنفي. كيف كان رده على أهل البدع بدعهم؟ خصوصا في شرحه كتاب درر البحار، للقونوي الحنفي في اختلاف المذاهب الأربعة١. وهذا الإمام الطرطوشي المتوفى ما بين سنتي (٥٢٠-٥٢٥هـ) من المالكية في كتاب: (الحوادث والبدع) الَّذي نشر بتحقيق، محمد الطالبي، وطبعته دار الأصفهاني بجدة.

стр. 97

وأبو شامة المتوفى سنة ٦٦٥هـ من الشافعية، في كتابه: (الباعث في إنكار البدع والحوادث) والشاطبي في كتابه (الاعتصام) ومحي الدين البركوي الحنفي في رسالته التي ألفها: (في زيارة القبور) .... وغيرهم من العلماء، ألفوا رسائلهم، وأنكروا ما وقع من الحوادث، واشتد نكيرهم على غلاة القبور، حتى نسبوا أعمالهم إلى الشرك الأكبر والكفر. وماتوا قبل أن يخلق الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد ذكر غالب هؤلاء العلماء وأمثالهم أن الشرك عم الابتلاء به في زمانهم وصاحوا بأهله من أقطار الأرض وذكروا أن الدين عاد غريبا١. ولننظر ما قرره الفقهاء من كل مذهب، من نواقض الإسلام في باب أحكام الردة مما يدل على أن هذه الناحية لها معنى واقعي، ليس من باب الخيال بعيدا عن الأحداث الواقعة لأن ذلك ليس من شأن فقهاء المسلمين، بل شأنهم مواجهة الأحداث بأحكام فقهية من الإسلام، وكل أولئك الفقهاء العلماء يعالجون ما حدث في زمانهم، ولاشك أن البلاء ازداد سوءاً، كلما مر الزمان من بعدهم خاصة في أول القرن الثاني عشر الهجري. وقد أطلت النفس، في بيان صفة البيئة، قبيل ظهور الشيخ، لبيان أن الشيخ ﵀ ظهر على بيئة عاد الإسلام فيها غريبا، ومن يمارس أعمال

стр. 98

الشرك هم الأكثر الغالب خلافا لما يذهب إليه الدكتور العثيمين من أن ابن غنام متحمس للدعوة وابن بشر كذلك فكان هذا التحمس من الأمور التي دفعتهما إلى إصدار أحكام على الحالة التي كان عليها النجديون من حيث العقيدة تنقصها الدقة، وأنه من المقارنة بين المصادر المختلفة يبدو أن الحالة الدينية التي كانت سائدة في نجد آنذاك لم تكن بالصورة التي أظهرتها بها المصادر المؤيدة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب١ - وقال بالحرف الواحد: (ربما كان تحمس ابن غنام لهذا الدعوة المباركة من الأمور التي دفعته إلى تعميم حكمه على أهل نجد قبل ظهورها ليوضح مقدار فضلها) ٢. وقال عن ابن بشر أيضا: "وابن بشر كما هو واضح من تأمل تأريخه كان أيضا من المتحمسين لدعوة الشيخ وأنصارها، وموقف كهذا قد يؤدي إلى إصدار أحكام تنقصها الدقة) ٣. وهذا غير صحيح فابن غنام وابن بشر لم يصدرا حكما عاما وهذا واضح للقارئ من تاريخهما كما بيناه في النقل عنهما آنفا، ولم ينفردا بما ذكراه عن حالة نجد وغيرها الدينية والسياسية قبيل ظهور الشيخ محمد بن عبد

стр. 99

الوهاب كما بيناه من كلام الصنعاني والبسام وغيرهما قبل قليل. ولم ينكر أحد من ابن غنام وابن بشر، أو غيرهما، وجود علماء في الفقه ووجود مسلمين، غير أن وجودهم لم يقض على اعتقاد أكثر الناس بالطواغيت أمثال تاج وشمسان وحسين وإدريس، وبالأشجار والأحجار والقبور والقبب وتقديس الصالحين والأولياء وعبادتهم كما قضى عليه وجود الشيخ محمد بن عبد الوهاب بمناصرة الأمير محمد بن سعود في نجد وما حولها. أما ما بعد فلا يزال؛ كما هو الشأن في مصر، وغيرها إلى يومنا هذا، فوجود العلماء فيها أهل الدراية والتحقيق لم يقطع المظاهر المنافية للإسلام من مجتمعهم. وقد سبقني إلى هذه الملاحظة الأستاذ صالح محمد الحسن في تعقيبه حول مقال الدكتور العثيمين في (مجلة الدارة) فقد لاحظ أن الدكتور العثيمين حين بحث الناحية العقيدية ذلك الزمن في مقاله أنهى تحليله بأن هناك جهلة يمارسون أعمالا شركية لكن عدد هؤلاء كان فيما يظهر قليلا، وأن هذه النتيجة تشكيك في الدور الَّذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب من محاربة مظاهر الشرك والعودة بالأمة إلى الكتاب والسنة عقيدة وسلوكا ومنهاج حياة، وتظهر الشيخ محبا للزعامة لأن الناس كانوا على العقيدة السليمة إلا النزر اليسير منهم١.

стр. 100

المبْحَث الثاني: حياة الشيخ وخصوصا الناحية العلمية المترجمون للشيخ: ترجم للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كثير من المؤرخين والأدباء والكتاب وأصحاب التراجم والعلماء كثرة لم تقع إلا للأعلام المجددين، بل لو استقرأنا عدد التراجم للعلماء والأعلام في جميع الميادين الإسلامية من بعد عصره لوجدنا أن ترجمة الشيخ تأخذ أعلى رقم من بين هذه التراجم، وقل أن تجد كتاب تاريخ أو تراجم لأهل عصره، أو ليقظة المسلمين الحديثة وحاضر العالم الإسلامى، أو لآل سعود على الخصوص إلا وتجد للشيخ ترجمة أوشيئا منها، وبين يدي ما يزيد عن خمسين كتابا وبحثا لم يخل واحد منها عن ذكر شىء من ذلك وسأذكر بعضها في هذا البحث بشىء من البيان وأختار منها ما أعتبره من المراجع الأساسية لترجمة الشيخ. أ- مراجع أساسية: أولها: (روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام، والغزوات البيانية والفتوحات الربانية) للشيخ حسين بن غنام المتوفى سنة ١٢٢٥هـ. قال حمد الجاسر عنه وعن تاريخه هذا: "وكان أول من قام بذلك- يعني تدوين تاريخ قيام الدعوة من نجد- عالم جليل من بلاد الأحساء قدم الدرعية قاعدة تلك الحركة لينهل من معين علم الداعية الأول الإمام

стр. 101

محمد، هو الشيخ حسين بن غنام، (توفي ١٢٢٥هـ) فألف كتابه الذي يعتبر المصدر الأول لبيان حقيقة تلك الدعوة، بما نشره من رسائل الشيخ وآرائه، وكتبه، ولتصوير ما قام به حملتها من جهاد وكفاح"١. وتقع هذه الترجمة من تاريخ ابن غنام في الصفحات من ص ٢٥ إلى ص ٥٠، ط الأهلية عام ١٣٦٨هـ، وفي تحرير الأسد لتاريخ ابن غنام ص ٧٥-٨٥. والثاني هو: (عنوان المجد في تاريخ نجد) تأليف المؤرخ عثمان بن عبد الله بن بشر المولود سنة ١٢١٠ والمتوفي سنة ١٢٩٠٢. قال ابن بسام عن المؤلف: "صار اتجاهه إلى التاريخ لاسيما تاريخ نجد) ٣، وقال عن تاريخه: "هذا التاريخ هو أنفس وأجمع وأوثق وأعدل ما صنف من تواريخ نجد"٤ وتقع ترجمة الشيخ من هذا التاريخ في ج١ ص ٦- ١٥، ص ٨٩-٩٦. والثالث: هو مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الثالث، تأليف الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن المولود عام ١٢٢٥هـ والمتوفى سنة ١٢٩٣هـ، والذي رتب هذه المسائل وبوبها هو تلميذه

стр. 102

سليمان بن سحمان المولود عام ١٢٦٦هـ والمتوفى عام ١٣٤٩هـ، وقد أخذ الشيخ عبد اللطيف عن أبيه وأبوه أخذ عن جده الشيخ محمد المترجم له، وكذلك أخذ عن الشيخ حسين بن غنام١. ولا شك أن الشيخ عبد اللطيف مصدر معتمد لهذه الترجمة ولكل ما يتعلق بالشيخ المترجم له باعتبار موقعه من النسب والعلم. وتقع ترجمة جده في ص ٣٧٨-٣٨٩ من رسائله هذه. والرابع: الدرر السنية في الجزء الثاني عشرجمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم ومن مشائخه الشيخ سليمان بن سحمان وقد جمع واستوعب وهوثقة ضابط، وكان مولده عام ١٣١٩هـ وتوفي عام ١٣٩٢ هـ٢. وتقع ترجمة الشيخ في مجموعه في جـ ١٢ ص ٣- ٢٥. ب- مراجع فرعية: والبقية من هذه المراجع سأترك ذكرها هنا وإن كنت قد استفدت منها لكن ليست هي الأساسية، وفي الغالب هي عيال على ما تقدم، وسأذكرها عند موضع الاستفادة منها إن شاء الله تعالى، وقال حمد الجاسر: "إن سيرة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ قد عنى تلاميذه وأبناؤه وأحفاده وتلاميذهم من علماء نجد بتدوينها تدوينا

стр. 103

كاملا"١. وقال أيضا: "وهم في الحقيقة أدرى من غيرهم بحياة هذا العالم الجليل كما قيل: أهل مكة أدرى بشعابها"٢. وعلى هذا الأساس بنيت اختياري للمراجع واعتباري للأساسي منها. جـ- مراجع أعرضت عنها: وأعرضت عن مثل كتاب (لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب) لمؤلف مجهول طبع، بيروت ١٣٨٧هـ نشر بتحقيق، أبي حاكمه، وتلقاه كثير من الناس - أعرضت عنه للأسباب، التالية: أ- إنه لمؤلف مجهول، ويظهر منه روح معادية لعقيدة السلف الصالح، والروح المعادية للحق تحمل صاحبها على ترويج الأكاذيب واختلاق الأخبار، ألف سنة ١٢٣٣هـ٣. وهذا هو تاريخ حلول النكبة التي أصيب بها أهل الدرعية على يد طاغية مصر ومن ورائه الترك وأعداء المسلمين من أوربا والإنكليز، مما يدل على أن الكتاب ألف كجزء من حملة الباطل على الدرعية ولكن الله رد كيدهم وأبقى ميراث الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفي ولله الحمد كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ

стр. 104

بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] . ب- وما فيه من صدق فهو قليل جدا وموجود في غيره من المصادر الموثوقة فنحن في غنى عنه، وما قصد بذكر المشتهر منه إلا لبس الحق بالباطل كما هى طريقة أهل الكتاب المنحرفين والكهان والعرافين يأتون بكلمة واحدة من الصدق مشهورة ويضيفون إليها مائة كلمة من الكذب مجهولة ليروجوا هذا الكذب ويوهموا الناس أنه كله صدق، وعلى كل فلا يعتمد على رواياته لكذبه الواضح وتزييفه وقائع تاريخية معلومة. جـ- ومصداق ذلك أن دارة الملك عبد العزيز قامت بطبعه مرة أخرى لتمحيص الأخطاء والتنبيه إلى تزييفه الوقائع والحقائق التاريخية بقلم محققه عبد الرحمن بن عبد اللطيف وقد بسط الكلام حول هذا: عبد الواحد راغب، فى مقاله فى مجلة الدارة ع ٢، س ٢، ص ٢٣٨-٢٤٩. د- وكان حمد الجاسر قد سئل عن رأيه فى هذا الكتاب فقال: (أرى أن كتاب (لمع الشهاب) ألف استجابة لرغبة المستر (ريس) أو أحد موظفي الإنكليز فى الخليج ذلك أن هذا الكتاب يحوي ثناء على الإنكليز ووصفا لأعدائهم من العرب فى الشارقة وغيرها بأوصاف كان موظفو الإنكليزفى ذلك العهد يطلقونها عليهم، وهي غير صحيحة. وفي الكتاب كثير من التحريف والكذب في الأنساب وفي الوقائع التاريخية مما يدل على أن كاتبه كان قد استوحى كثيرا مما فيه من مخيلته وأضاف إلى ذلك وقائع وحوادث كانت معروفة ومشهورة فى ذلك الوقت،

стр. 105

وخلط بعضها بما لا يتفق مع الحقيقة، وأبرز الكتاب بصورة تجعله مقبولا عند القارىء فهو برغم ما فيه من المعلومات الباطلة عن أنساب أهل نجد وعن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وعن نسب آل سعود وأخبارهم مع ما في كل ذلك من الأباطيل ففي الكتاب ثناء طيب يحمل القارىء على أن يحسن الظن بالمؤلف ويعتقد أنه يكتب بتجرد وإنصاف. لا أقول هذا متحيزا أو متأثرا بأية عاطفة ولكنني أقوله مقررا لحقيقة تاريخية هوأنه لا يصح التعويل على ما في هذا الكتاب ما لم توجد نصوص أخرى تؤيده، وكثير مما فيه يخالف النصوص التاريخية المعروفة"١. والأمر هو كما قال الأستاذ المحقق حمد الجاسر، من أن هذا الكتاب ونحوه لا يصح التعويل على ما فيه. نسبه: هو: محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد ابن زهير بن شهات بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم بن مر بن أدبن

стр. 106

طابحة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أما والدة الشيخ محمد- ﵀ فهى بنت محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي فهي من عشيرته الأدنين١. وهناك اختلاف طفيف فى نسب الشيخ إلى (مشرف) ففى سرد ابن بشر٢، وعبد الرحمن المغيري٣ لنسب الشيخ يصير (مشرف) الجد السابع للشيخ، قالا: (محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف) فقد سقط اسمان من أسماء أجداده هما: (محمد) ثم (بريد) بين (بريد) الأول و (مشرف) ويبدو أن عبد الله بن يوسف الشبل قد تبع ابن بشر فى سرده لنسب الشيخ عندما ترجم له٤. أما عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ في كتابه: (مشاهير علماء نجد وغيرهم) ٥ وفى كتابه: (علماء الدعوة) ٦، وعبد الله بن عبد الرحمن

стр. 107

البسام فى كتابه (علماء نجد خلال ستة قرون) ١ فقد زادا فى سردهما لنسب الشيخ عن سرد ابن بشر والمغيري الجد السابع (محمد) ونقص الجد الثامن (بريد) ، كما هو الثابت فى سرد المؤرخ الأقدم حسين بن غنام٢. والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن٣، والشيخ راشد بن علي بن جريس الحنبلى٤، والمؤرخ إبراهيم بن عيسى٥، والفقيه إبراهيم بن ضويان٦، والشيخ عبد الرحمن بن قاسم٧ والشيخ حمد الجاسر٨ - ففى سردهم جميعا لنسب الشيخ يصير (مشرف) الجد التاسع، فيقولون: "محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف". وعلى ما يبدو أن إبراهيم بن عبيد في تاريخه (تذكرة أولى النهى والعرفان) ٩ ومحمد العقيلى فى بحثه١٠ الذي قدمه لمؤتمر أسبوع الشيخ

стр. 108

محمد بن عبد الوهاب، وغيرهما١ قد تبعوهم فى سردهم لنسب الشيخ، وكذلك الدكتور عبد الله العثيمين ذكر أن (مشرفاً) هو الجد التاسع للشيخ- ولكنه حين سرد نسب الشيخ أسقط اسم جده الثالث (محمد) ولعله أسقطه سهوا٢، إلا أن يكون قد تبع الحيدري فى كتابه (عنوان المجد فى بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد) فالحيدري قد أسقط اسم جده الثالث (محمد) واعتبر العد يبدأ من أب الشيخ لا من جده. والذى أثبته الشيخ حسين بن غنام ومن أتى بعده ممن ذكرنا هو الراجح لأنهم أكثر عددا وفيهم من هو أتم ضبطا وأقدم تاريخا. وأما من (مشرف) إلى (ريس) فإن ابن غنام لم يذكر ما بعد (مشرف) من نسب الشيخ وإنما وقف فى نسبه على (مشرف) ٣، وكذلك الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن٤. ولكن ابن بشر٥، وإبراهيم بن صالح بن عيسى٦، وعبد الرحمن بن

стр. 109

قاسم١، وحمد الجاسر٢، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ٣، وعبد الله بن عبد الرحمن البسام٤ يتفقون على أنه هكذا: (مشرف بن عمر بن معضاد بن ريس) ويخالفهم عبد الرحمن المغيري٥، وتركي آل ماضي٦- فى اسم والد مشرف (عمر) ففى مؤلفيهما أنه (عمرو) والراجح (عمر) لا (عمرو) لأنه هكذا فى مؤلفات ابن بشر وابن عيسى وابن قاسم ومن معهم كما ذكرنا، وهم أضبط وأكثر. كما يخالف كل من سبق ذكره إبراهيم بن ضويان٧، وصاحب التوضيح عن توحيد الخلاق فى جواب أهل العراق٨. فى اسم (ريس) ففى مؤلفيهما أنه (ادريس) والراجح أنه (ريس) لا (ادريس) لأن من ضبطه (ريس) أضبط وأكثر.

стр. 110

وقال المؤرخ إبراهيم بن عيسى: (وأما المشارفة أولاد مشرف بن عمر ابن معضاد بن ريس بن زاخر، فمنهم آل الشيخ المعروفين فى الرياض) ١. وأما من ريس إلى (عقبة) ومن عقبة إلى (مر) - فيقول ابن عيسى: (قال الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع: وهذا النسب من ريس إلى عقبة، منقول من خط محمد بن أحمد بن محمد بن منيف بن بسام (بن) منيف القاضي، ومن خط علماء الوهبة المعروفين المعتبرين، مثل الشيخ أحمد بن محمد بن بسام، والشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير، والشيخ سليمان بن علي (جد الشيخ محمد بن عبد الوهاب) والشيخ أحمد بن محمد البجادي، والشيخ عبد المحسن بن علي بن شارخ المشرفي وغيرهم. ومن (عقبة) إلى (مر) منقول عن ابن الكلبي وياقوت الحموي، قال ابن الكلبي: وكان عقبة شريفا٢ أي في قومه. كما نقل ابن عيسى أن الشيخ محمد بن عبد الله بن مانع يقول: (ان ابن منصور ليس بمأمون في نقله عن علماء الوهبة من أن أحدهم إذا وصل فى نسبه إلى مسعود قال هو أخو غيلان ذي الرمة بن عقبة بن بهيش بن مسعود بن حارثة، الخ. وينكرذلك ويقول: (الذي وقفنا عليه ورأيناه
следующие страницы →