← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

إِنكاره ذلك، فانظر إلى سد العلماء الذرائع. وأما النذر له "أي للقبر" أو صاحبه ودعائه والخضوع له فهو من الشرك الأكبر، فتأمل ما ذكره البغوي في تفسير سورة نوح في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً﴾ الآية (نوح: ٢٣) . وما ذكره أيضا في سورة النجم في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (النجم: ١٩) أن اللات قبر رجل صالح فتأمل الأصنام التي بعثت الرسل بتغييرها كيف تجد فيها قبور الصالحين١. ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: الممنوع مما يفعل عند القبور: نوعان: أحدهما: محرم ووسيلة للشرك كالتمسح بها والتوسل إلى الله بأهلها، والصلاة عندها وكإِسراجها والبناء عليها، والغلو فيها وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة. والنوع الثاني: شرك أكبر كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شرك أكبر، وهو عين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم.

стр. 702

ولا فرق في هذا بين أن يعتقد الفاعل لذلك أنهم مستقلون في تحصيل مطالبه، أو متوسطون إلى الله، فإِن المشركين يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ و ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فمن زعم أنه لا يكفر من دعا أهل القبور حتى يعتقد أنهم مستقلون بالنفع ودفع الضرر، وأن من اعتقد أن الله هو الفاعل وأنهم وسائط بين الله وبين من دعاهم واستغاث بهم لا يكفر. من زعم ذلك فقد كذب ما جاء به الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة من أن من دعا غير الله فهو مشرك كافر في الحالين المذكورين سواء اعتقدهم مستقلين أو متوسطين. وهذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام. فعليك بهذا التفصيل الذي يحصل به الفرقان في هذا الباب المهم الذي حصل به من الاضطراب والفتنة ما حصل، ولم ينج من فتنته إلا من عرف الحق واتبعه١. وتحت باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله- يورد الشيخ قول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: ١٥٨) . وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: " نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانه، فسأل النبي ﷺ ، فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية

стр. 703

يعبد؟ قالوا: لا- قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا- فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك، فانه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم " قال الشيخ: رواه أبو داود وإِسناده على شرطهما. قال الشيخ فيه: تفسير قوله ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ والمنع من تخصيص البقعة بالنذر إذا كان فيها وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله أو كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله والحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده١. ويذكر الشيخ أن الشيطان والعياذ بالله منه أظهر لهؤلاء الغلاة، الذين غلوا في الصالحين وفي قبورهم أن دعاءهم أو اتخاذ قبورهم مساجد يدعون عندها ويصلون في صورة المحبة لهؤلاء الصالحين أو القيام بحقوقهم والتعظيم لهم، أما من يخلص لله الدين ولا يغلو في الأولياء والصالحين فقد أظهر الشيطان عمله هذا لهؤلاء الغلاة في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم٢. وتحت باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما يورد الشيخ قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (النجم: ١٩- ٢٠) .

стр. 704

وعن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة: فقلنا: يارسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إِنها السنن قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٨) . لتركبن سنن من كان قبلكم". قال الشيخ رواه الترمذي وصححه. يقول الشيخ فيه: تفسير آية النجم ومعرفة صورة الأمر الذي طلبوا، وكونهم لم يفعلوا، وكونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك، لظنهم أنه يحبه، وأنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل، وأن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم، وأن النبي ﷺ لم يعذرهم بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر إِنها السنن لتتبعن سنن من كان قبلكم" فغلظ الأمر بهذه الثلاث، وفيه الأمر الكبير وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ وأن نفي جعل ذات الأنواط للتبرك والعكوف عندها من معنى لا إله إلا الله مع دقته وخفائه على أولئك، ولذا حلف على الفتيا وهو لا يحلف إلا لمصلحة وفيه أن الشرك فيه أكبر وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا. وقولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر" فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك. وفيه سد الذرائع والنهي عن التشبه بالجاهلية وأن

стр. 705

العبادات مبناها على الأمر، وأن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين وما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن تحذير لنا أن نقع فيه وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر" ١. ويقول الشيخ: هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدرى عنها- فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل "التوحيد فهمناه" أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان. وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ . وتفيد أيضا أنه لو لم يكفر فإِنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله ﷺ ٢. وفي بيان حرص الرسول ﷺ على إِبطال أسباب الشرك العملي يورد الشيخ تحت باب: ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك: قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ

стр. 706

الْعَظِيمِ﴾ (التوبة: ١٢٨، ١٢٩) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" قال الشيخ: رواه أبو داود باسناد حسن، رواته ثقات. وعن علي بن الحسين: "أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم " رواه في المختارة١. قَال الشيخ فيه: تفسير آية براءة وإِبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد. وذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته ونهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، مع أن زيارته من أفضل الأعمال ونهيه عن الإِكثار من الزيارة. وحثه على النافلة في البيت. وأنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة. وتعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإِن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب. وكونه ﷺ ﷺ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه٢.

стр. 707

أما بيان حرص الرسول ﷺ على إِبطال أسباب الشرك حتى في الأقوال فيورد الشيخ تحت الباب: ما جاء في حماية النبي ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك: حديثا عن عبد الله بن الشخير رضي الله عته قَال: " انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا أنت سيدنا. فقال: السيد الله ﵎. قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا. فقال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" قَال الشيخ: رواه أبو داود بسند جيد. وعن أنس رضي الله عته: "أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم ولايستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " قَال الشيخ: رواه النسائي بسند جيد. قَال الشيخ فيه: تحذير الناس من الغلو. وما ينبغي أن يقول: من قيل له: أنت سيدنا. وقوله: " لا يستجرينكم الشيطان " مع أنهم لم يقولوا إلا الحق. وقوله: " ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي " ١. وعن خطورة الشرك وقبحه وضرره فالشيخ يبين ذلك بيانا بليغاً من

стр. 708

القرآن والسنة وأن الحكمة في كون الله سبحانه يغفر الكبائر ولا يغفر الشرك هي لأنه أقبح المسبة لله تعالى، وهو الذي لا يبرأ من السوء والنقص والعيب سواه، ولا ينبغي الحمد والثناء مطلقاً إلا له سبحانه لكماله، فالشرك أعظم الظلم، ولا تسعه المغفرة التي هي صفة كمال له سبحانه وتعالى عما يشركون١. ويقرر الشيخ أن الشرك إذا دخل في العبادة بطلت ولم تقبل وأن كل ذنب يرجى له العفو إلا الشرك، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥) . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (النساء: ١١٥) . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ٢ (المائدة: ٧٥) . ويقول الشيخ في موضع آخر: إن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أَن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، فإذا عرفت أن

стр. 709

الشرك إذا خالط العبادة أفسدها وأحبط العمل وصار صاحبه من الخالدين في النار عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة وهي الشرك بالله تعالى١. ويقرر الشيخ في موضع ثالث خطورة هذا الشرك ببيان أن الإنسان إذا لم يجتنب الشرك فهو كافر ولو كان من أعبد هذه الأمة يقوم الليل ويصوم النهار قال الله تعالى في الأنبياء: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ٨٨) وتصير عبادته كلها كمن صلى ولم يغتسل من الجنابة أو كمن يصوم في شدة الحر وهو يزني في أيام الصوم. ويبين الشيخ أهمية معرفة هذا الشرك قبل معرفة الزنا وغيره من المحرمات٢. ولما كان الشرك ناقضا للعبادة ومفسدا لها وظلما عظيما وأقبح مسبة لله تعالى كان أعظم ذنب عصي الله به، ولهذا رتب الله عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواء من إباحة دماء أهله وأموالهم وسبي نسائهم وأولادهم، وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه. ولما كان الشرك خطيراً مخوفا من وقوعه عقد الشيخ باباً في مؤلفه كتاب التوحيد أورد فيه ما جاء من التخويف منه والتحذير وبيان

стр. 710

أنه يقع في الأمة ولذا يخاف منه المسلم فقال الشيخ باب الخوف من الشرك، ثم أورد تحت هذا الباب الأدلة من الكتاب والسنة مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ٤٨، ١١٦) . وقول الله تعالى عن الخليل أَنه قال يدعو ربه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ (إبراهيم: ٣٥) . وفي الحديث: " أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر، فسئل عنه. فقال: الرياء" رواه أحمد والطبراني والبيهقي. وعن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار" رواه البخاري. ولمسلم عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار". قال الشيخ فيه: الخوف من الشرك وأن الرياء من الشرك الأصغر، وأنه أخوف ما يخاف على الصالحين وأن من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ولو كان من أعبد الناس. وفيه المسألة العظيمة: سؤ ال الخليل له ولبنيه وقاية عبادة الأصنام، واعتباره بحال الأكثر لقوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ وفضيلة من سلم من الشرك١.

стр. 711

إذاً: فالشرك خطير، ينافي التوحيد ويوجب دخول النار والخلود فيها وحرمان الجنة إذا كان أكبر ولا تتحقق وتكمل السعادة إلا بالسلامة منه وكان حقا على العبد أن يخاف منه أعظم خوف وأن يسعى في الفرار منه ومن طرقه ووسائله وأسبابه ويسأل الله العفو والعافية منه كما فعل ذلك الأنبياء والأصفياء وخيار الخلق١. ولأن عباد القبور، الذين يفعلون الشرك يقولون: إِنه لا يقع الشرك في هذه الأمة المحمدية وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولو ظهر منهم دعاء الأموات والذبح لهم والطواف حول قبورهم والنذر لهم والاعتقاد فيهم فهذا ليس شركاً، والشرك لا يقع فقد أراد الشيخ الرد عليهم بالباب الذي عقده في كتاب التوحيد وترجمته باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان وأورد تحته ما يناسب من أدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بين فيها ما يدل على تنوع الشرك في هذه الأمة ورجوع كثير منها إلى عبادة الأوثان، وإن كانت طائفة منها لا تزال على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى٢.

стр. 712

وهذه الأدلة هي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ (النساء: ٥٠) . وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (المائدة: ٦٠) . وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ (الكهف:٢١) . عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذه بالقذه١ حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا يارسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " أخرجاه. ولمسلم، عن ثوبان ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها. وإِن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض. وإِني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. وأن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد. وإِني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا" رواه البرقاني في صحيحه وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين. وإذا وقع عليهم

стр. 713

السيف لم يرفع إلى يوم القيامة. ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان. وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين. لا نبي بعدي. ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، ﵎" ١. قال الشيخ فيه: تفسير آية النساء. وتفسير آية المائدة. وتفسير آية الكهف. وفيها:- وهي أهمها- ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ هل هو اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟. يقصد الشيخ: أن الذين أوتوا نصيباً من الكتاب وافقوا المشركين في الظاهر أما في قلوبهم فيعتقدون بطلانها ويعرفونه ومع ذلك قالوا: إِن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين فبمجرد هذه الموافقة للمشركين في الظاهر فقد آمنوا بالجبت والطاغوت٢.

стр. 714

قال الشيخ وفيها مسألة: وهي المقصودة بالترجمة أن هذا لابد أن يوجد في هذه الأمة، كما تقرر في حديث أبي سعيد. وفيها: التصريح بوقوعها، أعني عبادة الأوثان في هذه الأمة في جموع كثيرة. وفيها: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق. وفيه: أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله مع التضاد الواضح، وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة، وتبعه فئام كثيرة، يعني فلا يستبعد. تصديق من يدعي أن الشرك الأكبر لا يكفر صاحبه إذا كان يقول "لا إله إلا الله" كما جرى من المختار. وفيه. البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية، كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة. والآية العظمى: أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم

стр. 715

ولا من خالفهم. وأن ذلك الشرط إلى قيام الساعة. وفيها: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين. والتنبيه على معنى عبادة الأوثان١ ويعلق الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في القول السديد على هذا الباب: "باب ما جاء أن بعض هذه الأمة تعبد الأصنام" فيقول: "مقصود هذه الترجمة الحذر من الشرك والخوف منه، وأنه أمر واقع في هذه الأمة لا محالة، والرد على من زعم أن من قال "لا إله إلا الله" وتسمى بالإسلام أنه يبقى على إسلامه ولو فعل ما ينفيه من الاستغاثة بأهل القبور ودعائهم وسمى ذلك توسلا لا عبادة فان هذا باطل. فإن الوثن اسم جامع لكل ما عبد من دون الله لا فرق بين الأشجار والأحجار والأبنية ولا بين الأنبياء والصالحين والطالحين في هذا الموضع وهو العبادة فانها حق الله وحده فمن دعا غير الله أو عبده فقد اتخذه وثنا وخرج بذلك عن الدين، ولم ينفعه انتسابه إلى الإسلام، فكم انتسب إلى الإسلام من مشرك وملحد وكافر ومنافق! والعبرة بروح الدين وحقيقته لا بمجرد الأسامي والألفاظ التي لا حقيقة لها٢.

стр. 716

وقد ذكر الشيخ معنى الطاغوت ورؤوس أنواعه وصفة الكفر به، فقال: الطاغوت عام فكل ما عبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود أو متبوع أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت ورؤوسهم خمسة: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله تعالى، والحاكم الجائر المغير لأحكام الله تعالى، والذي يحكم بغير ما أنزل الله، والذي يدعي علم الغيب من دون الله، والذي يعبد من دون الله وهو راض بالعبادة. وأما صفة الكفر بالطاغوت فهو أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم١. وما ذكره الشيخ عن معنى الطاغوت هو ما ذكره ابن جرير الطبري في تفسيره - فقال ابن جرير الطبري: "الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم، من حجر أو إنسان أو شيطان، وإذا كان كذلك وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جبوتاً وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله وكذلك حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله ﷺ ،

стр. 717

فكانا جبتين وطاغوتين١. وكذلك ابن القيم ذكر معنى الطاغوت فقال: الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله. فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس رأيت أكثرهم عدلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت وعن طاعة الله ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة - وهم الصحابة ومن تبعهم- ولا قصدوا قصدهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معا٢. هذا وللمشركين شبه كثيرة وحجج ومعارضات يتوصلون بها إلى الشرك وإبطال التوحيد، ولو قامت شبههم لقامت الفتنة وأصبح الدين مفرقا ليس كله لله تعالى ولكن الشيخ كشف شبههم واحدة واحدة، ونقضها حتى أبطلها جميعا وحاصل هذه الشبة يمكن تصويره في سبع شبهات هي: ١- أن الشرك لا يكون فيمن يشهد أن الله هو النافع الضار المدبر

стр. 718

ولكنه يقصد أولياء الله والصالحين لأن لهم جاها وشفاعة عند الله تعالى وهو مذنب فيدعوهم ويستغيث بهم ويذبح لهم وينذر لهم ليشفعوا له عند الله تعالى لا غير. ٢- والشرك إنما هو في من يعبد الأصنام. والأولياء والصالحون ليسوا مثل الأصنام فمن يدعوهم ليس مثل من يدعو الأصنام. ٣- أن من يقصد الصالحين والأولياء بالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك ليس مشركاً وليست هذه الأمور شركاً لأنه وهو يفعل ذلك لا يريد منهم وإنما يطلب من الله شفاعتهم فهذا ليس عبادة لهم ولا شركاً بالله تعالى بل توسل بهم. ٤- إنه وهو يقصدهم بهذا الفعل إنما يطلبهم مما أعطاهم الله تعالى وقد أعطاهم الشفاعة والجاه والقرب لديه ولا سيما رسول الله ﷺ . ٥- قالوا وقد ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ ، وكذلك في قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار أن جبريل عرض عليه الاغاثة. قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً. ٦- ويقولون: إن المشركين هم الذين نزل فيهم القرآن أولا وهم لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول ﷺ وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا

стр. 719

رسول الله ﷺ ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك المشركين لأننا قصدنا أولياء الله ليشفعوا لنا فحسب؟! ٧- ويقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله. وقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، وأحاديث أخرى بهذا المعنى في الكف عمن قالها، فمن قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل. هذا هو حاصل الشبه التي يشبه بها المشركون ممن يدعي الإسلام، ويريد قلب الحقائق فيجعل التوحيد إلحادا، والإلحاد توحيدا- وقد كشف الشيخ هذه الشبه ونقضها فبطلت بكتاب الله المحكم وسنة رسوله ﷺ الحاكمة، والحق القائم الذي أحقه الله بكلماته الكونية كما أحقه بكلماته الشرعية. ونورد كيف بين الشيخ كشفه لهذه الشبهات فقال ما معناه: إن الشبهة الأولى وهي قولهم إِن الشرك لا يكون فيمن يشهد أن الله هو النافع الضار المدبر، ولو دعا غيره واستغاث به وذبح له ونذر له ليشفع له ويقربه عند الله أن هذه مقالة المشركين الأوائل سواء بسواء وهم الذين كفرهم الله ورسوله ﷺ وقاتلهم رسول الله ﷺ واستحل دماءهم وأموالهم وسبي نساءهم وذراريهم مع إِقرارهم بأن الله هو النافع الضار الخالق المدبر بدليل قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ

стр. 720

السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (يونس: ٣١) . وغير هذه الآية من الآيات الكثيرة وأن هؤلاء المشركين يقولون ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربى والشفاعة بدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣) . وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس: ١٨) . وكشف الشيخ الشبهة الثانية وهي قولهم إِن الشرك إنما هو فيمن يعبد الأصنام. والأولياء، والصالحون ليسوا مثل الأصنام فمن يدعوهم ليس مثل من يدعو الأصنام بما ذكر الله ورسوله ﷺ في الكتاب والسنة من الحكم بكفر جميع من يدعو غير الله تعالى مهما كان هذا الغير، سواء كان نبيا أو ملكا أو من دونهما أو دعا طاغوتاً أو صنما فالحكم على من دعا غير الله واحد، ولم يفرق الله ولا رسوله ﷺ بين من يعبد الأصنام وبين من يعبد الصالحين في الحكم بل الجميع يحكم عليهم بأنهم مشركون بالله. ويقول الشيخ في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: ٦٧) . فيه مسائل: فيها أنواع من بطلان الشرك وتقبيحه: الأولى: الجواب عن قول المشركين: هذا في الأصنام وأما الصالحون فلا.

стр. 721

قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ عام فيما سوى الله. الثانية: أن المسلم إذا أطاع من أشار عليه في الظاهر كفر، ولو كان باطنه يعتقد الإيمان، فإِنهم لم يريدوا من النبي ﷺ تغيير عقيدته، ففيه بيان لما يكثر وقوعه ممن ينتسب إلى الإسلام في إِظهار الموافقة للمشركين خوفا منهم، ويظن أنه لا يكفر إذا كان قلبه كارها له. الثالثة: أن الجهل وسخافة العقل هو موافقتهم في الظاهر، وأن العقل والفهم والذكاء هو التصريح بمخالفتهم ولو ذهب مالك، خلافاً لما عليه أهل الجهل من اعتقاد أن بذل دينك لأجل مالك هو العقل، وذلك في آخر الآية: ﴿أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ ١ ويقول الشيخ: فإِن قال قائل من المشركين: نحن نعرف أن الله هو الخالق الرازق المدبر، لكن هؤلاء الصالحين مقربون، ونحن ندعوهم وننذر لهم وندخل عليهم ونستغيث بهم ونريد بذلك الوجاهة والشفاعة وإلا فنحن نفهم أن الله هو الخالق الرازق المدبر. فقل: كلامك هذا مذهب أبي جهل وأمثاله، فإِنهم يدعون عيسى وعزيراً والملائكة والأولياء يريدون ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: ٣) .

стр. 722

وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يونس: ١٨) . وكشف الشيخ الثالثة وهي قولهم أن من يقصد الصالحين بالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر وغير ذلك ليس مشركاً وليست هذه الأمور شركاً بل هي توسل بهؤلاء الأولياء. فأجاب الشيخ: بأن الدعاء والاستغاثة والذبح والنذر ونحوها مما أمر الله أن يتقرب العبد به إليه فهو عبادة وكل أنواع العبادة لا يجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى، والشرك إنما هو في العبادة وفي أنواعها، وصرف شيء من أنواعها كصرف مجموعها لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك، فمن أشرك معه غيره تركه وشركه وقولهم إِن التوجه بالدعاء والاستغاثة والذبح والنذر ونحوها إلى غير الله لا يريد منه إنما يريد من الله بشفاعته ليس عبادة قد أبطله الله بأنه سماه عبادة كما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ (يونس:١٨) . وقال الشيخ- ﵀ في كشف تسميتهم دعاء الأموات والأولياء بالتوسل ليتوصلوا إلى جوازه: "الدعاء الذي يفعل في هذا الزمان أنواع: النوع الأول: دعاء الله وحده لا شريك له الذي بعث الله به رسوله ﷺ .

стр. 723

النوع الثاني: أن يدعو الله ويدعو معه نبيا أو وليا، ويقول أريد شفاعته وإلا فأنا أعلم ما ينفع ولا يضر إلا الله، لكن أنا مذنب، وأدعو هذا الصالح لعله يشفع لي فهذا الذي فعله المشركون وقاتلهم رسول الله ﷺ حتى يتركوه ولا يدعو مع الله أحدا لا لطلب شفع ولا نفع. النوع الثالث: أن يقول: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك أو بالأنبياء أو الصالحين فهذا ليس شركا ولا نهينا الناس عنه (على أَنه شرك) ولكن المذكورعن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهم أنهم كرهوه لكن ليس مما نختلف نحن وغيرنا فيه١. وسئل الشيخ ﵀ عن قول بعض الفقهاء في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالشيوخ والعلماء المتقين، وقولهم: يجوز أن يستشفع إلى الله برجل صالح، وقيل يستحب، وقول أحمد: إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه والفرق بين هذا القول وقول أحمد وغيره في قوله ﵊ "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" الاستعاذة لا تكون بمخلوق، فما معنى هذا؟ وما العمل عليه منهما؟ فأجاب بقوله: قولهم في الاستسقاء لابأس بالتوسل بالصالحين. وقول أحمد: يتوسل بالنبي ﷺ خاصة، مع قولهم إنه لا يستغاث بمخلوق فالفرق ظاهر جدا، وليس الكلام مما نحن فيه فكون بعض يرخص بالتوسل

стр. 724

بالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي ﷺ وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه، فهذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور أَنه مكروه فلا ننكر على من فعله ولا إِنكار في مسائل الاجتهاد لكن إنكارنا على من دعا المخلوق أعظم مما يدعو الله تعالى، ويقصد القبر يتضرع عند ضريح الشيخ عبد القادر أو غيره يطلب فيه تفريج الكربات، وإِغاثة اللهفات، وإعطاء الرغبات، فأين هذا؟ ممن يدعو الله مخلصاً له الدين لا يدعو مع الله أحداً ولكن يقول في دعائه: أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين، أو يقصد قبر معروف أو غيره يدعو عنده، ولكن لا يدعو إلا الله مخلصاً له الدين، فأين هذا مما نحن فيه؟! ١. وهكذا يكشف الشيخ تلبيسهم حيث جعلوا دعاء غير الله توسلا ببيان ما هو التوسل الحقيقي في الدعاء والفرق بينه وبين دعاء غير الله تعالى وأن التوسل مسألة خارجة عن موضوع النزاع وهو دعاء غير الله تعالى. وكشف الشيخ الرابعة وهي قولهم: إنهم يطلبون الأنبياء والأولياء مما أعطاهم الله تعالى وقد أعطاهم الشفاعة والجاه والقرب لديه ولا سيما رسول الله ﷺ بأن الله تعالى وإن أعطاهم ما أعطاهم فقد نهى أن يطلب منهم الشفاعة والزلفى عند الله، وأمر بأن يطلب ذلك منه وحده لا

стр. 725

شريك له فيقول: "اللهم شفع في نبيك" مثلا، ذلك أن الشفاعة لله جميعا ولا يشفع عند الله أحد إلا من بعد إذنه، والله سبحانه لم يأذن بأن نطلب من الميت ذلك، وأما الحي فالذي يطلب منه دعاؤه وهذا عام في جميع الصالحين الأحياء القادرين على الدعاء. والمقصود أن الدعاء والذبح والنذر والاستغاثة ونحوها مما أمر الله أن يعبد به، لابد من أن تؤدى لله خَالِصَةً لا يشركه فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وغير ذلك من الآيات والأحاديث الكثيرة التي بينها الشيخ للدلالة على الإِخلاص في جميع أنواع العبادة ومن أنواعها طلب الشفاعة من الله لديه فيتوجه بذلك الطلب والرغبة والقصد إلى الله مباشرة وبدون واسطة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦) . فلا تطلب الشفاعة من غير الله تعالى لأن الشفاعة كلها له سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (الزمر: ٤٤) . ولا يشفع أحد في أحد إلا من بعد أن يأذن الله تعالى كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥) . وكما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الأنبياء: ٢٨) . والله لا يرتضي أن تطلب الشفاعة من أحد إلا بإذنه، وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ .

стр. 726

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ (النساء: ٤٧) . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ ٢٢،٢٣) . قال الشيخ: قال أبو العباس: "نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون فنفى أن يكون لغيره ملك أوقسط منه، أويكون عونا لله. ولم يبق إلا الشفاعة. فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب. كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن وأخبر النبي ﷺ "أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولا " ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع وقال أبو هريرة "من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه " فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإِخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود.

стр. 727

فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها من شرك ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإِخلاص " ا. هـ كلام ابن تيمية. قال الشيخ: "فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا من بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد. تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه وقل: اللهم لا تحرمني شفاعة نبيك محمد ﷺ ، اللهم شفعه فيَّ وأمثال هذا". وأيضاً فإن الشفاغة أعطيها غير النبي ﷺ ، فصح أن الملائكة يشفعون، والأولياء يشفعون، والأَفراط يشفعون أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة فاطلبها منهم فإِن قلت هذا: رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتابه وإِن قلت: لا. بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله١. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد: "وأما الاستشفاع بالرسول ﷺ في حياته، فالمراد به استجلاب دعائه وليس خاصاً به ﷺ بل كل حي صالح يُرجى أن يستجاب له، فلا بأس أن يطلب منه أن يدعو

стр. 728

للسائل بالمطالب الخاصة والعامة، كما قال النبي ﷺ لعمر لما أراد أن يعتمر من المدينة: "لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك" ١. والحديث رواه الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمر "أن عمر استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له فقال: يا أخي أشركنا في صالح دعائك، ولا تنسنا " قال عبد الرزاق في حديثه. فقال عمر: "ما أحب أن لي بها ما طلعت عليه الشمس لقوله: يا أخي" ٢ وكشف الشيخ الخامسة وهي قولهم: يستدلون على جواز الاستغاثة بالرسول ﷺ بعد وفاته ودعائه كذلك: بأن النبي ﷺ ذكر أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ . ويستدلون كذلك بقصة إبراهيم ﵊ لما ألقي في النار عرض جبريل الإِغاثة فلو كانت شركا لم يعرضها جبريل ﵇ فكشفها الشيخ ببيان أن المنكر هو استغاثة العبادة التي تفعل عند القبر وسائر القبور، أو تفعل في غيبة المستغاث به والتي يطلب بها ما لا يقدر عليه إلا الله وحده من غير الله تعالى. أما استغاثة الناس يوم القيامة بالأنبياء ليدعوا لهم فهذا جائز بل يجوز في الدنيا والآخرة أن يطلب الشخص من حي صالح حاضر يسمع قوله

стр. 729

ويقدر أن يدعو الله له. وكذلك استغاثة إبراهيم بجبريل لو وقعت فهي في أمر يقدر عليه جبريل ﵇ فهو كما وصفه الله شديد القوى ففي مقدوره أن يغيث إبراهيم مثل قوي في مقدوره أن يغيث عاجزا بقوته كما فعل موسى بالقبطي إِغاثة للذي من شيعته. وكشف الشيخ السادسة- وهي أنهم يقولون: إِن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن: (لا إله إلا الله) ويكذبون الرسول ﷺ وينكرون البعث، ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث. ونصلّي، ونصوم. فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟! فكشفها الشيخ ببيان نواقض الإسلام وبيان أحكام المرتد وأنه الذي يكفر بعد إسلامه، وبيان أن النواقض للإسلام لا يصح معها إسلام ولا عمل كما لا تصح الصلاة مع ناقض من نواقض الوضوء- فالشرك مثلا يفسد العبادة ويفسد قول "لا إله إلا الله" مهما كانت العبادة كثيرة ولو أمثال الجبال فالشرك يفسدها ويحبطها ويجعلها هباءاً منثوراً، لأن الإسلام والشرك لا يجتمعان فمن ادعى بقاء إسلامه مع ممارسته الشرك فهوكاذب. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزخرف: ٦٥) . قال الشيخ فيها: المسألة الكبرى وهي كشف شبهة علماء المشركين الذين يقولون: هذا شرك ولكن لا يكفرمن فعله لكونه يؤدي الأركان الخمسة فإذا كان الأنبياء لو يفعلونه كفروا فكيف بغيرهم؟! وأن الذي

стр. 730

يكفر به المسلم ليس هو عقيدة القلب خاصة، فإن هذا الذي ذكرهم الله لم يريدوا منه ﷺ تغيير العقيدة، بل إذا أطاع المسلم من أشار عليه بموافقتهم لأجل ماله أوبلده أو أهله مع كونه يعرف كفرهم ويبغضهم فهذا كافر إلا من أكره١. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ٨٨) . ويقول الشيخ إِنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله ﷺ في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه. كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم أو أقر بهذا كله وجحد الحج. ولما لم ينقد أناس في زمن النبي ﷺ للحج، أنزل الله في حقهم ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: ٩٧) . ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع، وحل دمه وماله كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾ (النساء: ١٥٠، ١٥١) .

стр. 731

فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافرحقاً وأنه يستحق ما ذكرت زالت الشبهة. وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا. ويقال أيضاً إن كنت تقر أن من صدق الرسول ﷺ في كل شيء وجحد وجوب الصلاة أَنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث. وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله لا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا. فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي ﷺ وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه الأموركفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟ سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل! ويقال أيضا: هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويؤذنون ويصلون. فإن قال إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي، فقل هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلا إلى رتبة النبي ﷺ كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف؟ أوصحابيا أونبيا

стр. 732

إلى مرتبة جبار السموات والأرض، سبحان الله! ما أعظم شأنه! ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٥٩) . ويقال أيضا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالناركلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي، وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم؟! أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين؟! أم تظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر؟! ويقال أيضا: بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن "لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين. ويقال أيضا: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب: "باب حكم المرتد". وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه. ثم ذكروا أنواعا كثيرة لكل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله

стр. 733

حتى إِنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أوكلمة يذكرها على وجه المزح واللعب. ويقال أيضا: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ (التوبة: ٧٤) . أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون؟ وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: ٦٥، ٦٦) . فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أَنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناساً يشهدون أن "لا إله إلا الله" ويصلون ويصومون، ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق. ومن الدليل على ذلك أيضاً ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم، أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: ١٣٨) . وقول أناس من الصحابة "اجعل لنا ذات أنواط" فحلف النبي ﷺ أن هذا نظير قول بني إسرائيل اجعل لنا إلها. ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة: وهي أنهم

стр. 734

يقولون: إِن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك. وكذلك الذين قالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا. فالجواب أن تقول إِن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ لم يفعلوا ذلك. ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا. وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لولم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل (التوحيد فهمناه) أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان. وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنبه على ذلك، فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ . وتفيد أيضاً أنه لولم يكفر فإِنه يغلظ عليه الكلام تغليظا شديدا كما فعل رسول الله ﷺ .. انتهى. ويقول الشيخ إن هذه الشبهة هي من أعظم شبههم فأصغ سمعك لجوابها ١. لذا نقلت جوابه بنصه، وأشير إلى أن الشيخ ألف رسالة أخرى في هذه المسألة وهي (مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد) ٢.

стр. 735

وكشف الشيخ الشبهة السابعة وهي قولهم إِن النبي ﷺ أنكر على أسامة قتل من قال: (لا إله إلا الله) ، وكذلك قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وأحاديث أخر في الكف عمن قالها ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل، فكشف الشيخ هذه الشبهة ببيان أن من قالها وجب الكف عنه إلا إن تبيَّنَ منه ما يناقض ذلك كدعاء الأولياء وقصدهم فيما هومن حق الله تعالى، فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلا ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفا على دمه وماله. والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك. وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ (النساء: ٩٤) . أي فتبينوا فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى: "فتبينوا" ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى. وكذلك الحديث الآخر وأمثاله. معناه ما ذكر أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك. والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ الذي قال: "أقتلته بعدما قال: (لا إله إلا الله) ؟! وقال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا (لا إله إلا الله) هو الذي قال في

стр. 736

الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد" مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلا وتسبيحا، حتى إِن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم (لا إله إلا الله) ولاكثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام لما ظهرمنهم مخالفة الشريعة. وكذلك ما ذكر في جوابه في السادسة وكشفها من قتال اليهود وهم يقولونها وقتال الصحابة بني حنيفة، وكذلك أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦) - وكان الرجل كاذباً عليهم. قال الشيخ: "وكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها وجوب الكف عمن قالها حتى يتبين منه مخالفتها"١. وبهذا انتهى هذا الفصل وبنهايته ينتهى الباب الأول وهو ما يخص عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وحيث قد أتينا على ذكر عقيدة الشيخ من جانبيها جانب عرضها من خلال بيان منهجه وجملة عقيدته في الإيمان وأركانه وفي التوحيد من مقاميه المقام الخبري والمقام الطلبي، وفي نواقض عقيدة السلف الصالح أو نواقض كمالها للتحذير من ذلك في هذا الباب الأول. بقي علينا أن نتعرف على أثرها وذلك ما يتضمنه الباب الثاني وهو ما يلي.

стр. 737

الباب الثاني: أثر عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي الفصل الأول: في ظهور دعوة الشيخ إلى عقيدة السلف الصالح وأسباب ومبادئ تأثيرها ... الفصل الأول: في ظهور دعوة الشيخ إلى عقيدة السلف الصالح وأسباب ومبادئ تأثيرها لقد اتضح لنا مما سبق بيانه عن الشيخ وعقيدته أنها عقيدة السلف الصالح؛ عقيدة سليمة، تعتمد على الكتاب والسنة غاية ووسيلة، وعلماً وعملا ومضمونا ومنهجا، ونزيد هنا شيئا من التوضيح فنقول: أما الغاية فإنها تتضح من مواقف الإيمان التي وقفها الشيخ بقوة، وكم نراه فيما قدمنا من سيرته وفيما سنذكر إن شاء الله من مواقفه الجهادية وجهوده المرضية في سبيل الله مثالا للرجل المؤمن بالغيب القوي في إيمانه بذلك، البعيد عن البدع والمحدثات في دين الله. ولقد اعتقد الشيخ عقيدة السلف الصالح في حين غربتها وضعف تأثير أصحابها في المجتمع كما بينا ذلك في مبحث البيئة التي كانت سائدة في عصر الشيخ، ثم لما قام الشيخ بالدعوة إلى عقيدة السلف الصالح أصبح أثرها ينتشر شيئاً فشيئاً لا في الجزيرة العربية فحسب بل في العالم الإسلامي كله، ولا أحد ينكر صحوة نشطة في المسلمين تنشد سنة الرسول ﷺ والعمل على نشرها ونشر ما كان عليه سلفهم الصالح. وهذا المسلك السلفي الصالح قد اشتهر كأنه طابع خاص بالشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه – رحمهم الله تعالى – على الرغم من أنه لا يخص الشيخ وليس من عنده وإنما هو ميراث رسول الله ﷺ .

стр. 738

حتى أن الشيخ مُلاَّ عمران بن رضوان صاحب لنجة لما تبين له حقيقة معتقد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأنه التمسك باتباع النبي محمد ابن عبد الله ﷺ قام بتأييده فلقبوه بالوهابي يشنعون عليه ومقصدهم ليترك اتباع النبي ﷺ ولا ذنب للوهابي عندهم إلا أنه لم تأخذه في اتباع رسول الله ﷺ لومة لائم – فقال الشيخ مُلاَّ عمران في الرد على هؤلاء الشانئين منظومة منها: إن كان تابعُ أحمدٍ متوهباً ... فأنَا المقرُ بأنني وهابي أَنفي الشريك عن الإله فليس لي ... ربٌّ سِوى المتفرد الوهاب لا قبة ترجى ولا وثنٌ ولا ... قبرٌ له سبب من الأسباب كلا ولا شجرٌ ولا حجرٌ ولا ... عيٌن ولا نصب من الأنصاب أيضاً ولستُ معلقاً لتميمة ... أو حلقةٍ أو وَدَعَةٍ أو ناب لرجاء نفع أو لدفعِ بلية ... الله ينفعني ويدفعُ ما بي والابتداع وكل أمرٍ محدثٍ ... في الدين ينكره أولوا الألباب١ وما من شك أن تأثير العقيدة واستمرارها يتم إذا توفر لها أسباب هي: أولا: وقبل كل شيء: توفيق الله تعالى ومنته بالفضل والهداية. ثانيا: صلاح النية وسمو الغاية وحسن القصد بالأعمال الصالحة،

стр. 739

التي هي من لوازم العقيدة. ثالثا: كون العقيدة حقا ثابتا في نفس الأمر والواقع لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. رابعا: علم صاحب العقيدة وبصيرته. خامساً: سلامة منهج صاحب العقيدة. سادساً: الإمارة الراشدة والسلطان الوازع. سابعا: استمرار وجودها بوجود حملتها من عالم وارث للميراث النبوي وسلطان مناصر قوي. وفيما يلي توضيح لذلك: أما توفيق الله تعالى ومنته بالفضل والهداية فهو أمر ظاهر من منته سبحانه على أهل هذه الجزيرة العربية خصوصاً وأهل الأرض عموماً بآخر الرسالات النبوية بالقرآن العظيم المبين والرسول العربي الخاتم، وبيت الله الحرام، وضمانته سبحانه لحفظ دينه ونصرته إلى قيام الساعة ودليله القرآن الَّذي هو كلام الله محفوظاً في الصدور ومتلوا بالألسن ومكتوباً بالمصاحف لا يوجد له نظير من الكلام في جلب الخير ودفع الشر، كما أن رسول الله محمد بن عبد الله ﷺ بشخصه لانظير له في الأشخاص وسنته موجودة ودينه باق وهديه خير الهدي وهو مستمر إلى قيام الساعة ولا نظير له في الهدى وبيت الله الحرام فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولا نظير له في بيوت الله في الأرض.

стр. 740

وكل هذه الخصوصيات التي امتن الله بها على أهل هذه الجزيرة، ووفق من شاء منهم للقيام بحقوقها، كل ذلك له دور كبير في التأثير، وما من شك أن من وفقه الله للقيام بحقوقها فقد حاز نفوذا وتأثيرا قويا لا نظير له، وللشيخ وأنصاره نصيب من هذا كبير، فبناء عقيدته السلفية إنما هو على كلام الله الَّذي هو خير الكلام وهدي رسول الله ﷺ الَّذي هو خير الهدي، وعلى نهج سلف هذه الأمة الَّذين هم خير هذه الأمة. وأما سمو الغاية من العقيدة، وكون العقيدة حق ومتانة علم صاحبها وقوة بصيرته وسلامة منهجه فقد بيناه فيما سبق من بيان عقيدته ومنهجه وشيء من سيرته ولا مانع من زيادة توضيح هنا لهذه الجوانب المؤثرة. وفيما يلي أنقل بعضاً من كلمات الشيخ تبين سمو الغاية، وتجردها من الحظوظ الدنيوية الزائلة. يقول الشيخ في مخاطبته لعبد الوهاب بن عيسى: "إن كنت تظن في خاطرك أنا نبغي أن نداهنك في دين الله، ولو كنت أجل عندنا مما كنت فأنت مخالف، فإن كنت تتهمني بشيء من أمور الدنيا فلك الشرهة" ١. وفي مخاطبته لعبد الوهاب المذكورة ولأبيه مرة أخرى يقول:" أشوف٢
следующие страницы →