← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الشيخ: رواه الترمذي وصححه وهو كما قال١. ويقول الشيخ في تفسير كلمة التوحيد: "ولنختم الكلام بآية ذكرها الله تعالى في كتابه تبين لك أن كفر المشركين من أهل زماننا أعظم من كفر الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ (الإِسراء: ٦٧) . فقد ذكر الله عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا السادة والمشائخ فلم يدعوا أحدا منهم ولم يستغيثوا به، بل يخلصون لله وحده لا شريك له ويستغيثون به وحده فإذا جاء الرخاء أشركوا وأنت ترى المشركين من أهل زماننا- ولعل بعضهم- يدعي أنه من أهل العلم وفيه زهد واجتهاد وعبادة- إذا مسه الضر قام يستغيث بغير الله مثل معروف أوعبد القادر الجيلاني وأجل من هؤلاء مثل زيد بن الخطاب والزبير وأجل من هؤلاء مثل رسول الله ﷺ فالله المستعان، وأعظم من ذلك وأطم أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة٢. وبعد مقارنة أحوال مشركي زمان الشيخ بأحوال مشركي الجاهلية الأولى يقول الشيخ: "إن مشركي زماننا أغلظ شركا من الأولين، لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركو زماننا شركهم

стр. 667

دائم في الرخاء والشدة". ويدلل أيضا على أن شرك الأولين أخف- بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (العنكبوت: ٦٥) أما المشركون في زمان الشيخ فشركهم يكون دائما في الرخاء والشدة ودليله الواقع المشهود١. والذين قاتلهم الرسول ﷺ أصح عقولا وأخف شركا من هؤلاء٢. وخلاصة ما تقدم من تعريف للشرك هو: أن يصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله تعالى طلبا للزلفى عند الله. وهذه نظرة المشركين إلى شركهم أنه عبادة لله تعالى وقربة إليه، ولذا كان أشبه بهم أهل البدع الذين يتعبدون لله بالبدع، والشرك أكبر البدع في العبادة. أما حكم الشرك فإنه أعظم ما نهى الله عنه في مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ (النساء: ٣٦) . وغير ذلك من الآيات الكثيرة. والشرك أول المحرمات كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ الآيات (الأنعام: ١٥١-١٥٣) ٣.

стр. 668

والله سبحانه يقرن بين الشرك والكذب كما يقرن بين الصدق والاخلاص ولهذا في الصحيح عدلت شهادة الزور الاشراك بالله ثم قرأ قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (الحج:٣٠- ٣١) . وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (القصص: ٧٤، ٧٥) إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . وقوله: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ (الصافات: ٨٧) . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ (الزمر: ٣) . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآية (الاعراف: ١٥٢) . قال أبو قلابه: هي لكل مبتدع من هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكل من كان أقرب إلى الشرك كان أقرب إلى الكذب كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء وأعظمهم شركا١. وينقسم الشرك إلى: أكبر وأصغر. فالأكبر مخرج من الملة- والأصغر لا يخرج من الملة٢. وقد مثل الشيخ للشرك الأصغر فقال: كيسير الرياء والحلف بغير الله

стр. 669

وقول هذا من الله ومنك وأنا بالله وبك وما لى إلا الله وأنت وأنا متوكل على الله وعليك ولولا أنت لم يكن كذا وكذا. قال الشيخ: وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده١. ويمثل الشيخ للشرك الأكبر بطلب الحوائج من الموتى ودعائهم لذلك، والنذر لهم ليشفعوا عند الله لداعيهم والناذرلهم. ويقول الشيخ: عن هذا إنه الشرك الأكبر الذي بعث الله النبي محمدا ﷺ بالنهي عنه فكفر من لم يتب منه وقاتله وعاداه ثم يشير إلى ما ذكر في الإقناع عن الشيخ تقي الدين أن من دعا علي بن أبي طالب فهو كافر، وأن من شك في كفره فهو كافر. ويقول الشيخ: "فإذا كان هذا حال من شك في كفره مع عداوته له ومقته له فكيف بمن يعتقد أنه مسلم ولم يعاده؟ فكيف بمن أحبه؟ فكيف بمن جادل عنه وعن طريقته وتعذر أنا لا نقدر على التجارة أوطلب الرزق إلا بذلك٢. ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي- رحمه الله تعالى- في كتابه "القول السديد على مقاصد التوحيد": "حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعا أو فردا من أفراد العبادة

стр. 670

لغير الله " فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص وصرفه لغيره شرك وكفر، فعليك بهذا الضابط للشرك الأكبر الذي لا يشذ عنه شيء. كما أن حد الشرك الأصغر هو: كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة، فعليك بهذين الضابطين للشرك الأكبر والأصغر، فإنه مما يعينك على فهم الأبواب السابقة واللاحقة من هذا الكتاب١٠ "يعني كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب". وفي كتاب التوحيد عقد الشيخ أبوابا كثيرة في بيان أشياء من أفراد الشرك بنوعيه الأكبر والأصغر مما ينافي التوحيد أو ينافي كماله وهي كما يلي: باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه٢. وباب ما جاء في الرقى والتمائم٣. وباب من تبرك بشجرة أوحجر ونحوهما٤. وباب ما جاء في الذبح لغير الله ٥.

стр. 671

وباب من الشرك: النذر لغير الله ١. وباب من الشرك: الاستعاذة بغير الله ٢. وباب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره٣. وباب ما جاء في السحر٤. وباب بيان شيء من أنواع السحر٥. ووجه إِدخالهما في ذلك أن كثيرا من أقسام السحر لا يتأتى إلا بالشرك والتوسل بالأرواح الشيطانية إلى مقاصد الساحر. فالسحر يدخل في الشرك من جهتين: من جهة ما فيه من استخدام الشياطين ومن التعلق بهم وربما تقرب إليهم بما يحبون والشرك مما يحبون فيتقرب به إليهم ليقوموا بخدمته ومطلوبه، ومن جهة ما فيه من دعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في علمه وسلوك الطرق المفضية إلى ذلك وهذا من شعب الشرك٦.

стр. 672

وباب ما جاء في الكهان ونحوهم١. وباب ما جاء في النشرة٢. وهي حل السحر بسحرمثله. وباب ما جاء في التطير٣، وهو التشاؤم بالطيور والأسماء والألفاظ والبقاع وغيرها. وباب ما جاء في التنجيم٤، وهو زعم تأثير الأحوال الفلكية في الحوادث الكونية. وباب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء٥. أي نسبة السقي ومجيء المطر إليها. وباب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٦٥) ٦. فاتخاذ الأنداد التي تجذب بمحبتها عن محبة الله من الشرك. وباب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ

стр. 673

كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٧٥) ١. فخوف العبادة من غير الله تعالى من الشرك. وباب قول الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٢ (الاعرأف: ٩٩) . وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ (الحجر: ٥٦) . فالأمن من مكر الله أو القنوط من رحمة الله من شعب الشرك. وباب ما جاء في الرياء٣. وباب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا٤. وباب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله٥. وباب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الآية٦. لأن الله تعالى له الحكم القدري، وله الحكم الشرعي، وكذلك الحكم الجزائي له وحده

стр. 674

لا شريك له، فاذا قدم العبد طاعة الأمراء والعلماء على طاعة الله ورسوله ﷺ وتحاكم إلى الطاغوت وترك التحاكم إلى شريعة الله، فهذا من شعب الشرك١. ومن أفراد الشرك أو من أفراد أبوابه ووسائله التي عقد الشيخ لها أبوابا في كتابه كتاب التوحيد، باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات٢. فذلك من شعب الكفر ونسبته إلى غير الله من الشرك كما قالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة٣. وباب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٤ (النحل: ٨٣) . فإِنكار نعمة الله بعد معرفتها هو بنسبتها إلى غيره وهذا من الشرك. وباب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٥ (البقرة: ٢٢) . فجعل الأنداد من الشرك. وباب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله وذكر تحته النهي عن الحلف بغير الله كالحلف بالآباء ونحو ذلك٦.

стр. 675

وباب قول ما شاء الله وشئت١. وباب من سب الدهر فقد آذى الله٢، لأن الله يقلب الليل والنهار. وباب التسمي بقاضي القضاة ونحوه) ٣. وباب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول ﷺ ٤ وباب قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ ٥ أي فيمن يزعم أن ما أوتيه من النعم والرزق إنما هو بكده وحذقه وفطنته. وباب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٦ (الأعراف: ١٩٠) - أي يسمونه باسم معبد لغير الله تعالى. وباب قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي

стр. 676

أَسْمَائِهِ﴾ (الأعراف: ١٨٠) . والمقصود الذين يلحدون في أسمائه أي يشركون١. وباب لا يقال السلام على الله٢ لأن الله هو السلام. وباب قول: اللهم اغفر لي إن شئت٣، لأن الله لا مكره له. وباب لا يقول: عبدي وأمتي٤. للبعد عن الألفاظ التي فيها إيهام التشريك. وباب لا يرد من سأل بالله٥. وباب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة٦. فإن رد من سأل بالله والسؤال بوجه الله غير الجنة ترك لتعظيم الرب إلى تعظيم من سواه بغير إِذنه. وباب ما جاء في اللو٧،لأن لو تفتح عمل الشيطان.

стр. 677

وباب النهي عن سب الريح١، لأنها مأمورة فيستعاذ بالله من شر ما أمرت به. وباب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ الآية (آل عمران: ١٥٤) - لأنهم لم يوحدوا الله توحيد المعرفة والإِثبات في الأسماء والصفات. وباب ما جاء في منكري القدر٣. وباب ما جاء في المصورين٤، الذين يضاهئون بخلق الله. وباب ما جاء في كثرة الحلف٥، لأن كثرته من غير داع شرعي استخفاف بحق الله تعالى. وباب ما جاء في: "ذمة الله وذمة نبيه ﷺ " ٦ لأن نقضها ترك لتعظيم الله من أجل غيره. وباب ما جاء في الإِقسام على الله٧.

стр. 678

وباب لا يستشفع بالله على خلقه١، لأن في الإقسام والتألي على الله أن لا يغفر لفلان وفي الاستشفاع بالله على خلقه سوء أدب. فالأول: من العجب بالنفس- والثاني: من تعظيم غير الله- وهذان من شعب الشرك. وباب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ٢ ومن أشرك لم يقدر الله حق قدره. ولهذا الشرك أسباب ووسائل يبينها الشيخ ﵀ ويهتم ببيانها للحذر منها وقد عقد في ذلك أبوابا في كتاب التوحيد أيضا وهي: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين٣. وباب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله ٤. وباب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إِذا عبده؟ ٥.

стр. 679

وباب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما١. (أي باب ما جاء فيمن تبرك) . وباب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله٢. وباب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك٣. ويقصد بهذا الباب حماية- التوحيد من جانب الأعمال. وباب آخر يشبهه في العنوان وهو: باب ما جاء في حماية النبي ﷺ التوحيد وسده طرق الشرك ٤، ويقصد بهذا الباب حماية التوحيد من جانب الألفاظ والأقوال. وعن أسباب الشرك أيضا فالشيخ يبينها في مثل استنباطه من قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الزمر: ٦٧) . قال الشيخ في هذه الآية: التنبيه على سبب الشرك وهو أن المشرك بان له شيء من جلالة الأنبياء والصالحين، ولم يعرف الله ،

стр. 680

وإلا لو عرفه لكفاه وشفاه عن المخلوق وهذا معنى قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية١. ويقول الشيخ في بيانه سبب الشرك: "لأن الناس يعرفون الرجل الصالح وبركته ودعاءه فيعكفون على قبره ويقصدون ذلك فتارة يسألونه وتارة يسألون الله عنده. وتارة يصلون ويدعون الله عند قبره، ولما كان هذا بدء الشرك سد النبي ﷺ هذا الباب. ففي الصحيحين أنه قَال في مرض موته " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا٢الخ. وسيأتي هذا الحديث للاستدلال به وبغيره من الأدلة على أن الرسول ﷺ قد سد أبواب الشرك. وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: "والغلو في الصالحين لا شك أنه هو الباب المفضي إلى الشرك قديما وحديثا. فالغلو فيهم هو مجاوزة الحد بأن يجعل للصالحين من حقوق الله الخاصة به شيء، فإن حق الله الَّذي لايشاركه فيه مشارك، هو الكمال المطلق، والغنى المطلق، والتصرف المطلق، من جميع الوجوه، وأنه لا يستحق العبادة والتأله أحد سواه.

стр. 681

فمن غلا بأحد من المخلوقين حتى جعل له نصيبا من هذه الأشياء فقد ساوى به رب العالمين، وذلك أعظم الشرك. ومن رفع أحداً من الصالحين فوق منزلته التي أنزله الله بها فقد غلا فيه، وذلك وسيلة إلى الشرك وترك الدين. والناس في معاملة الصالحين ثلاثة أقسام: ١-أهل الجفاء الَّذين يهضمونهم حقوقهم ولا يقومون بحقهم من الحب والموالاة لهم والتوقير والتبجيل. ٢-وأهل الغلو الَّذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله بها. ٣-وأهل الحق الَّذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الحقيقية ولكنهم يبرأون من الغلو فيهم وادعاء عصمتهم. ٤- والصالحون أيضا يتبرأون من أن يدعو لأنفسهم حقا من حقوق ربهم الخاصة، كما قَال الله عن عيسى ﷺ : ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ . واعلم أن الحقوق ثلاثة: حق خاص لله لا يشاركه فيه مشارك وهو التأله له وعبادته وحده لا شريك له، والرغبة والإِنابة إليه حبا وخوفا ورجاء. وحق خاص للرسل وهو توقيرهم وتبجيلهم والقيام بحقوقهم الخاصة. وحق مشترك وهو الإيمان بالله ورسله وطاعة الله ورسله، ومحبة الله

стр. 682

ومحبة رسله، ولكن هذه لله أصلا وللرسل تبعا لحق الله. فأهل الرسل يعرفون الفرقان بين هذه الحقوق الثلاثة فيقومون بعبودية الله وإِخلاص الدين له ويقومون بحق رسله وأوليائه على اختلاف منازلهم ومراتبهم.. والله أعلم"١. وأورد الشيخ تحت باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين، أدلة مناسبة من الكتاب والسنة، مثل قول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ (النساء: ١٧١) . واختصر الشيخ ما في صحيح البخاري: عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (نوح: ٢٣) . قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى اذا هلك أولئك ونُسي العلم عبدت". ثم يقول الشيخ: وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: "لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".

стр. 683

ويسوق الشيخ حديثا عن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" أخرجه البخاري في صحيحه١. ثم ذكر الشيخ رحمه الله تعالى حديثا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو". رواه أحمد في المسند (ج١ ص ٢١٥ وص ٣٤٧) . ولمسلم عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "هلك المتنطعون قالها ثلاثا". يقول الشيخ فيه: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده ويعني بهما باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟، وباب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله. قال الشيخ: من فهم هذه الأبواب الثلاثة تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله، وتقليبه للقلوب العجب. وفيه معرفة أول شرك حدث في الأرض: أنه بشبهة الصالحين. وأول شيء غير به دين الأنبياء، وسبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم. وفيه قبول الناس البدع، مع كون الشرائع والفطر تردها. وأن سبب

стр. 684

ذلك كله مزج الحق بالباطل، فالأول: محبة الصالحين. والثاني: فعل أناس من أهل العلم شيئا أرادوا به خيرا، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره. وفيه تفسير الآية التي في سورة نوح وبيان جبلة الآدمي، في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد. وفيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر. وفيه بيان سبب محبة الشيطان للبدعة لمعرفته بما تؤول إليه، ولوحسن قصد الفاعل. وفيه معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه. وفيه مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح. ومعرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها. ومعرفة شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها. وفيه فائدة وهي أعجب وأعجب: قراءة بعض أهل الزمان هذه المسألة إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات، واعتقدوا أن نهي الله ورسوله هو الكفر المبيح للدم والمال. وفيه التصريح بأن هؤلاء الذين دعوا صور الصالحين لم يريدوا إلا الشفاعة من الصالحين وظنهم أن الناس الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.

стр. 685

وفيه: البيان العظيم في قوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين. ونصيحته إيانا بهلاك المتنطعين. والتصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، ففيها بيان معرفة قدر وجوده، ومضرة فقده. وأن سبب فقد العلم موت العلماء١. وتحت باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله أورد الشيخ أن مالكاً روى في الموطأ: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصورعن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (النجم: ١٩) - قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره". وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس كان يلت السويق للحاج. ويقول الشيخ في ملخصه عن ابن تيمية: سبب عبادة اللات تعظيم قبر رجل صالح وهذه هي العلة في تغليظه ﷺ في النهي عن اتخاذ قبور الصالحين مساجد، ونهيه عن الصلاة في المقبرة وقد نبه عليها بقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" وقد ذكرهذه العلة

стр. 686

الشافعي، وأبو بكر الأثرم، وغيرهما من العلماء، وهي التي أوقعت كثيراً من الأمم إِما في الشرك الأكبر أو ما دونه، فإِن الشرك بقبر الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله، ولهذا نجد قوما كثيراً يتضرعون عندها، ويتعبدون بقلوبهم عبادة لا يعبدونها في المسجد ولا في السحر، فهذه المفسدة هي التي حسم ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإِن لم يقصد بركة البقعة، كما يقصد بركة المساجد الثلاثة، كما نهى عن الصلاة وقت الطلوع والغروب والاستواء، لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها فنهى المسلم عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ذلك الوقت سدا للذريعة فأما إذا قصد الصلاة عند قبور الصالحين متبركاً فهذا عين المحادة لله ورسوله، والمخالفة لدينه وابتداع دين لم يأذن الله به، فنهى ﷺ من اتخاذها مساجد، وعن الصلاة عندها، وعن اتخاذها عيدا، ودعا الله أن لا يجعل قبره وثنا يعبد واتخاذ المكان عيدا هو اعتياد إِتيانه لعبادة أو غيرها، وتقدم النهى الخاص عن الصلاة عندها وإليها، وذكرنا ما في دعاء المرء لنفسه من الفرق بين قصدها لأجل الدعاء والدعاء ضمنا وتبعا١. وينقل الشيخ عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله:" وكانت الطواغيت الكبار التي تشد إليها الرحال ثلاثة: اللات

стр. 687

والعزى ومناة وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب فكانت اللات لأهل الطائف ذكروا أنه كان في الأصل رجلاً صالحا يلت السويق للحجاج فلما مات عكفوا على قبره. وأما العزى فكانت لأهل مكة قريباً من عرفات وكانت هناك شجرة يذبحون عندها ويدعون. وأما مناة فكانت لأهل المدينة وكانت حذو قديد من ناحية الساحل. ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادتهم الأوثان ويعرفه حقيقة الشرك الذي ذمه الله وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ وأحوال العرب في زمانه وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط فقال بعض الناس يارسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر إِنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم فأنكر ﷺ مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين عليها أسلحتهم فكيف بما هو أطم من ذلك من الشرك بعينه إلى أن قال: "فمن ذلك عدة أمكنة بدمشق" مثل مسجد يقال له مسجد الكف. فيه تمثال كف يقال إنه كف علي بن أبي طالب حتى هدم الله ذلك الوثن وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في البلاد وفي الحجاز منها مواضع ثم ذكر كلاما طويلاً في نهيه ﷺ عن الصلاة عند القبور فقال: العلة لما يفضي إليه ذلك من الشرك ذكر ذلك الشافعي وغيره وكذلك الأئمة من أصحاب مالك وأحمد كأبي بكر الأثرم وعللوا بهذه العلة وقد

стр. 688

قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ الآية. ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. ذكر هذا البخاري في صحيحه وأهل التفسير كابن جرير وغيره مما يبين صحة هذه العلة أنه لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد. ومعلوم أن قبور الأنبياء لا يكون ترابها نجسا وقال عن نفسه: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" فعلم أن نهيه عن ذلك كنهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها سدا للذريعة لئلا يصلي في هذه الساعة وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله ولا يدعو إلا الله لئلا يفضي ذلك إلى دعائها والصلاة لها. وكلا الأمرين قد وقع. فإِن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب ويدعوها بأنواع الأدعية. وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين حتى شاع ذلك في كثير ممن ينتسب إلى الإسلام وصنف بعض المشهورين فيه كتاباً على مذهب المشركين مثل أبي معشر البلخي وثابت بن قرة وأمثالهما ممن دخل في الشرك وآمن بالطاغوت والجبت وهم ينتسبون إلى الكتاب كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ انتهى كلام الشيخ رحمه الله١.

стр. 689

ويختار الشيخ تحليلات جيدة للأمور التي ضل منها من ضل من المشركين وأشباههم من المتفلسفة حيث جعلوا ما يجري بين الخلق بعضهم مع بعض من الأسباب هو مثل ما بينهم وبين الخالق تعالى الله عن ذلك فيقول الشيخ في تلخيصه لهذه النقطة عن شيخ الإسلام ابن تيمية: إِن ما بين الخلق من الأسباب الكسبية التي بها يتساءلون ويشفع بعضهم إلى بعض هي من جنس المشاركة، والسبب الآخر الولادة، فالأسباب والصلات التي بينهم لا تخرج عن سبب خلقي وهو الولادة، أو كسبي من جنس المشاركة، والمعاوضة، ولهذا افتتح سورة النساء بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية فذكر في السورة حكم الأسباب من هذا وهذا، فذكر ما يتعلق بالولادة من القرابة والرحم، وما يتعلق بذلك من المواراث والمناكح، وكذلك ما يحصل بينهم بالعقود من المناكح والمواريث والوصايا على اليتامى فالنسب من الأول، والصهر من الثاني، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ (الفرقان: ٥٤) فافتتحها بقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾

стр. 690

أي تتعاهدون وتتعاقدون والأرحام فدخل في الأول ما بينهم من التساؤل والتعاقد الذي يجمع المعاوضة والمشاركة وفي الثاني الولادة وفروعها، وقد نزه الله نفسه المقدسة عنهما، فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ الآية (الإِسراء: ١١١) وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ الآيتين (الفرقان: ١-٢) وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ الآيتين (الأنعام: ١٠٠) وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إلى آخرها. ومن هنا ضل من ضل من المشركين وأشباههم من المتفلسفة حيث جعلوا لله ما نسبو إليه نسب الولادة، أو جعلوه كالشريك ولهذا كانوا يتخذون هؤلاء شفعاء فإِنهم يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى، ويتخذونهم وسيطا ووسائل كما يتخذون ذلك عند المخلوقين، فهذا أصل مادة هؤلاء الجهلة الضلال ونحوهم، والقرآن قد حسم هذه المادة، وجرد التوحيد، وبين أنه لا نسبة بين المخلوق والخالق إلا نسبة العبودية المحضة، كما قال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٦) وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ﴾ (النساء: ١٧٢) وقال: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ ١ (مريم: ٩٠) وفي قياس الصابئة المشركين طريقتهم في اتخاذ النجوم وسائط معبودة على اتخاذ الحنفاء الرسل متبوعين ينقل الشيخ ما يفسد هذا القياس من كلام ابن

стр. 691

تيمية أيضا فيقول: المشركون من الصابئة ونحوهم لما عبدوا الكواكب والملائكة، وجعلوها وسائط بين الله وبين خلقه، جادلوا الحنفاء الذين يتبعون الرسل ولا يعبدون إلا الله فقالوا: نحن نتخذ الروحانيين وسائط، وأنتم تتخذون البشر. فأخذ يعارضهم طائفة كالشهرستاني في الملل والنحل وغيره، ويذكرون أن توسط البشر أولى من توسط الروحانيين فبنوا معارضتهم على أصل فاسد، وهومقايسة وسائط أولئك بوسائط الحنفاء، وهذا جهل بدين الحنفاء، فإنه ليس بينهم وبين الله واسطة في العبادة، وإنما الرسل بلَّغتهم أمر الله فهم وسائط في التبليغ كدليل الحاج، وإمام الصلاة، وبعض من دخل دين الصابئة والمشركين ظنوا أن شفاعة الرسول لأمته لا تحتاج إلى دعاء منه، بل الرحمة التي تفيض على الرسول تفيض على المستشفع من غير شعور من الرسول ولا دعاء منه ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا وقع على جسم صقيل ثم انعكس على غيره، وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة فكذلك الفيض لابد فيه من توجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة، وجعلوا الفائدة في زيارة قبورهم من هذا الوجه، وقالوا إن الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها، وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة، ومن أخذ عنهم كابن سينا وأبي حامد وغيرهم، وهذه من أصول عباد الأصنام، وهي من المقاييس التي قال فيها بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر إلا

стр. 692

بالمقاييس١. وينقل الشيخ أيضا عن ابن تيمية أن أصل كل شرك في العالم إنما حدث برأي أئمة هؤلاء المتكلمين أصحاب المقاييس المعارضة للوحي فيقول بعد أن ذكر بعض أحوالهم المخالفة: "كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء، وإِن رجح الموحدين ترجيحا ما فقد يرجح في غيره المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعا فتدبر هذا فإِنه نافع جدا. ولهذا كان رؤوسهم المتقدمون والمتأخرون يأمرون بالشرك. وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك. ويوجبون التوحيد بل يسوغون الشرك أو يأمرون به أو لا يوجبون التوحيد وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الملائكة وعبادة الأنفس المفارقة. أنفس الأنبياء وغيرهم ما هو أصل الشرك، وهم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لابد فيه من التوحيد بإِخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وهذا شيء لا يعرفونه فلو كانوا موحدين بالقول والكلام لكان معهم التوحيد دون العمل وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة بل لابد من أن يعبد الله وحده ويتخذه إلها دون ما سواه وهذا هو معنى "لا إله إلا الله". انتهى كلام الشيخ ابن تيمية.

стр. 693

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب١: فتأمل رحمك الله هذا الكلام فإِنه مثل ما قال الشيخ فهو نافع جدا ومن أكبر ما فيه من الفوائد يبين حال من أقر بهذا الدين وشهد أنه الحق وأن الشرك هو الباطل وقال بلسانه ما أريد منه ولكن لا يدين بذلك إما بغضا له أو عدم محبته كما هي حال المنافقين الذين بين أظهرنا. وإما إِيثاراً للدنيا مثل تجارة أو غيرها فيدخلون في الإسلام ثم يخرجون منه كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ فإذا قال هؤلاء بألسنتهم نشهد أن هذا دين الله ورسوله ونشهد أن المخالف له باطل وأنه الشرك بالله غرَّ هذا الكلام ضعيف البصيرة. ويقول الشيخ سليمان في شرحه، ولما كان عباد القبور إنما دُهُوا من حيث ظنوا أنهم محسنون، فرأوا أن أعمالهم القبيحة حسنة، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ (فاطر: ٨) نوع المصنف التحذير من الافتتان بالقبور وأخرجه في أبواب مختلفة ليكون أوقع في القلب وأحسن في التعليم، وأعظم في الترهيب٢. ويقول الشيخ في ملخصه عن ابن تيمية: ومما يتبين حكمة الشريعة

стр. 694

أنها كسفينة نوح أن الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك، وطائفة منهم يصلون للميت ويدعو أحدهم الميت، فيقول اغفر لي وارحمني، ومنهم من يستقبل القبر ويصلى لله مستدبراً الكعبة، ويقول القبر قبلة الخاصة والكعبة قبلة العامة١، وهذا يقوله: من هو أكثر عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع، ولعله أمثل أصحاب شيخه، لقوله في شيخه وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل عليها وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد، وآخرون يحجون إلى القبور وطائفة صنفوا كتباً وسموها مناسك حج المشاهد، وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإِن لم يسموه منسكا وحجا، فالمعنى واحد وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والصلاح صنف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ ... وذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة

стр. 695

وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وجعل هذا من مناقبه وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض الشيوخ ممن يقصده القضاة والعلماء قيل عنه إِنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة، مكة وبيت المقدس، والذي بالهند الذي للمشركين. لأنه يعتقد أن دين اليهود والنصارى حق وجاءه بعض إِخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته، فقال له أريد أن أسلك على يدك فقال له على دين اليهود، أو النصارى، أو المسلمين؟، فقال له: اليهود والنصارى أليسوا كفارا؟ قال لا تشدد عليهم ولكن الإِسلام أفضل، ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ كعرفات يسافرون إليها وقت الموسم، فيعرفون بها كما يفعل بالمغرب والمشرق، وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله فليسوا على ملة إبراهيم والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته موجود في كلام بعض الناس، مثل يحيى الصرصري ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم صلاح لكن ليسوا من أهل العلم بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به وهذا يفعله كثير من الناس، وهؤلاء مستندهم مع العادة قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، ومعهم أن طائفة استغاثوا بحي أوميت فرأوه أتى في الهوى، وقضى بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة أو الأنبياء أو الكواكب والأوثان فإِن الشيطان

стр. 696

يتمثل لهم، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال المقال، وقد طاف هذا بجوابه يعني الذي ذكر فيه جواز الاستغاثة بالنبي على علماء مصر ليوافقه واحد منهم فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما خالفوه مع أن قوما كان لهم غرض، وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما، واستعانوا بمن له غرض من ذوي السلطان مع فرط تعصبهم، وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم ومكائد شيطانهم١. ويورد الشيخ آثاراً في سد ذرائع الشرك فيقول: "وعن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج". قال الشيخ رواه أهل السنن. ويقول الشيخ: فيه تفسير الأوثان٢، وتفسير العبادة وأنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه، وقرنه ﷺ بدعائه أن لا يجعل الله قبره وثنا يعبد إِخباره بوعيد اتخاذ قبور الأنبياء مساجد "وذكر شدة الغضب من الله على ذلك وفيه ما هو من أهم هذه المسائل وهو صفة معرفة اللات التي هي من أكبر الأوثان ومعرفة أنه قبر رجل صالح، وأنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية ولعنه زوارات القبور، ولعنه من أسرجها٣.

стр. 697

قال الشيخ سليمان في شرحه تيسير العزيز الحميد لكتاب التوحيد: أراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة أمورا: الأول: التحذيرمن الغلو في قبور الصالحين. الثاني: أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها. الثالث: أنها إذا عبدت سميت أوثانا ولو كانت قبور الصالحين. الرابع: التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها واتخاذها مساجد١. وتحت باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ أورد الشيخ أحاديث فقال في الصحيح ويعني في الصحيحين٢، عن عائشة: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رَأَتْها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله". قال الشيخ: فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. قال الشيخ ولهما أي للبخاري ومسلم عنها أي عن عائشة قالت: "لما نزل برسول الله ﷺ ، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها

стр. 698

كشفها. فقال- وهو كذلك-: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" أخرجاه أي البخاري ومسلم. ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: "إِني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فان الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإِن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإِني أنهاكم عن ذلك". قال الشيخ: فقد نهى عنه في آخرحياته. ثم إِنه لعن- وهو في السياق- من فعله. والصلاة عندها من ذلك وإِن لم يبن مسجد، وهو معنى قولها: "خشي أن يتخذ مسجدا"، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا، كما قال ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا". وقال الشيخ: ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا "إِن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" ورواه أبو حاتم في صحيحه. وقال الشيخ فيه: ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل. وفيه: النهي عن التماثيل فاذا اجتمع الأمران غلظ الأمر.

стр. 699

وفيه: العبرة في مبالغته ﷺ في ذلك. كيف بين لهم هذا أولا ثم قبل موته بخمس، قال: ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم. وفيه: نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر. وبيانه أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم. ولعنه إياهم على ذلك. وأن مراده تحذيره إيانا عن قبره. وفيه: بيان العلة في عدم ابراز قبره. وبيان معنى اتخاذها مسجدا. وأنه قرن بين من اتخذها مساجد وبين من تقوم عليه الساعة فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته. وذكره في خطبته قبل موته بخمس: الرد على الطائفتين اللتين هما شرار أهل البدع، بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة وهم الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد١. ومن أسباب الشرك ووسائله التي يجب القضاء عليها ومنعها: لمس القبر والتمسح به وبناء القباب على القبور والصلاة عندها وقصدها لأجل الدعاء عندها معتقداً أن الدعاء هناك أفضل من الدعاء في غيره أو النذر لله في هذا المكان ونحو ذلك فهذا ليس من دين المسلمين بل هو مما أحدث من البدع القبيحة التي هي من شعب الشرك. قال الشيخ: أما بناء القباب على القبور فيجب هدمها ولا علمت

стр. 700

أنه يصل إلى الشرك الأكبر، وكذلك الصلاة عنده أي القبر وقصده لأجل الدعاء فكذاك لا أعلمه يصل إلى ذلك، ولكن هذه الأمور من أسباب حدوث الشرك، فيشتد نكير العلماء لذلك، كما صح عنه ﷺ أنه قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وذكر العلماء أنه يجب التغليظ على هذه الأمور لأنه يفتح باب الشرك، كما أنه أول ما حدث في الأرض بسبب ود وسواع ويعوق ونسر، لما عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم يتذكرون بها الآخرة، ثم بعد ذلك بقرون عبدوا، فكذلك في هذه الأمة كما قال ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" ١ فأول ما حدث الصلاة عند القبور والبناء عليها من غير شرك، ثم بعد ذلك بقرون وقع الشرك. وأول ما جرى من هذا أن بني أمية لما بنوا مسجد الرسول ﷺ وسعوه واشتروا بيوتاً حوله، ولم يمكنهم إِدخال بيت النبي ﷺ الذي فيه قبره وقبر صاحبيه، ولكن أدخلوا البيت في المسجد٢ لأجل توسيع المسجد ولم يقصدوا تعظيم الحجرة بذلك، لكن قصدوا تعظيم المسجد، ومع هذا أنكره علماء المدينة حتى قتل خبيب بن عبد الله بن الزبير بسبب

стр. 701

إِنكاره ذلك، فانظر إلى سد العلماء الذرائع. وأما النذر له "أي للقبر" أو صاحبه ودعائه والخضوع له فهو من الشرك الأكبر، فتأمل ما ذكره البغوي في تفسير سورة نوح في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً﴾ الآية (نوح: ٢٣) . وما ذكره أيضا في سورة النجم في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ (النجم: ١٩) أن اللات قبر رجل صالح فتأمل الأصنام التي بعثت الرسل بتغييرها كيف تجد فيها قبور الصالحين١. ويقول الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: الممنوع مما يفعل عند القبور: نوعان: أحدهما: محرم ووسيلة للشرك كالتمسح بها والتوسل إلى الله بأهلها، والصلاة عندها وكإِسراجها والبناء عليها، والغلو فيها وفي أهلها إذا لم يبلغ رتبة العبادة. والنوع الثاني: شرك أكبر كدعاء أهل القبور والاستغاثة بهم وطلب الحوائج الدنيوية والأخروية منهم، فهذا شرك أكبر، وهو عين ما يفعله عباد الأصنام مع أصنامهم.

стр. 702

ولا فرق في هذا بين أن يعتقد الفاعل لذلك أنهم مستقلون في تحصيل مطالبه، أو متوسطون إلى الله، فإِن المشركين يقولون ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ و ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فمن زعم أنه لا يكفر من دعا أهل القبور حتى يعتقد أنهم مستقلون بالنفع ودفع الضرر، وأن من اعتقد أن الله هو الفاعل وأنهم وسائط بين الله وبين من دعاهم واستغاث بهم لا يكفر. من زعم ذلك فقد كذب ما جاء به الكتاب والسنة، وأجمعت عليه الأمة من أن من دعا غير الله فهو مشرك كافر في الحالين المذكورين سواء اعتقدهم مستقلين أو متوسطين. وهذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام. فعليك بهذا التفصيل الذي يحصل به الفرقان في هذا الباب المهم الذي حصل به من الاضطراب والفتنة ما حصل، ولم ينج من فتنته إلا من عرف الحق واتبعه١. وتحت باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله- يورد الشيخ قول الله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: ١٥٨) . وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: " نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانه، فسأل النبي ﷺ ، فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية

стр. 703

يعبد؟ قالوا: لا- قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا- فقال رسول الله ﷺ : أوف بنذرك، فانه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم " قال الشيخ: رواه أبو داود وإِسناده على شرطهما. قال الشيخ فيه: تفسير قوله ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ والمنع من تخصيص البقعة بالنذر إذا كان فيها وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله أو كان فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله والحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده١. ويذكر الشيخ أن الشيطان والعياذ بالله منه أظهر لهؤلاء الغلاة، الذين غلوا في الصالحين وفي قبورهم أن دعاءهم أو اتخاذ قبورهم مساجد يدعون عندها ويصلون في صورة المحبة لهؤلاء الصالحين أو القيام بحقوقهم والتعظيم لهم، أما من يخلص لله الدين ولا يغلو في الأولياء والصالحين فقد أظهر الشيطان عمله هذا لهؤلاء الغلاة في صورة تنقص الصالحين والتقصير في حقوقهم٢. وتحت باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما يورد الشيخ قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (النجم: ١٩- ٢٠) .

стр. 704

وعن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة: فقلنا: يارسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر، إِنها السنن قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٨) . لتركبن سنن من كان قبلكم". قال الشيخ رواه الترمذي وصححه. يقول الشيخ فيه: تفسير آية النجم ومعرفة صورة الأمر الذي طلبوا، وكونهم لم يفعلوا، وكونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك، لظنهم أنه يحبه، وأنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل، وأن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم، وأن النبي ﷺ لم يعذرهم بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر إِنها السنن لتتبعن سنن من كان قبلكم" فغلظ الأمر بهذه الثلاث، وفيه الأمر الكبير وهو المقصود أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ وأن نفي جعل ذات الأنواط للتبرك والعكوف عندها من معنى لا إله إلا الله مع دقته وخفائه على أولئك، ولذا حلف على الفتيا وهو لا يحلف إلا لمصلحة وفيه أن الشرك فيه أكبر وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا. وقولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر" فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك. وفيه سد الذرائع والنهي عن التشبه بالجاهلية وأن

стр. 705

العبادات مبناها على الأمر، وأن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين وما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن تحذير لنا أن نقع فيه وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر" ١. ويقول الشيخ: هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدرى عنها- فتفيد التعلم والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل "التوحيد فهمناه" أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان. وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ . وتفيد أيضا أنه لو لم يكفر فإِنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله ﷺ ٢. وفي بيان حرص الرسول ﷺ على إِبطال أسباب الشرك العملي يورد الشيخ تحت باب: ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك: قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ
следующие страницы →