وبهت وزور، وبعث الطروس مترعة بالباطل والمَيْنِ إلى علماء السوء من تلك الأقطار فقاموا معه فوراً بالإِنكار وأَفتوا للحكام والسلاطين والأشرار بأن القائم بدعوة التوحيد خارجي وأصحابه خوارج، وليس له تثبت في الحق، وجزم كثير من علماء الأمصار وهم علماء السوء بأن هذا المبين لآثار السلف الصالح من أقبح الضلال وأشر الخوارج وحسبوا أَنهم إذا حرشوا عليه الحكام يفوزون بقتله وطمس دعوته مع أَن بعضهم قد عرف أَن الذي جاء به الحق. ولكنهم لذلك كانوا يكتمون: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ فصنفوا المصنفات في تبديعه وتضليله وزعمهم تغييره للشرع النبوي وتبديله وعدم معرفته بأسرار العلوم وتجهيله وسطروا فيها الجزم بكفره وبطلان حجته ودليله، وحكموا بأن الشيخ ساحر وكذاب ومفترى وكافر حلال الدم والمال وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً فأطبق أهل الباطل والضلال على قبيح تلك الأقوال وأرهفوا أسنة المقال والكل خاض في الإِفك ونال، والذي تولى منهم هذا الأمر الكبير واقتحم لجج موجه الخطير وشمر فيه أعظم التشمير وتنادى عليه مع أعوانه لأَجل التغيير حسدا وبغياً بالإضافة إلى سليمان بن سحيم وأبيه محمد من مطاوعة أهل الرياض كما تقدم عبد الله بن عيسى المشهور بالمويس ولد في بلد حرمة من بلدان وادي سدير وعبد الله بن محمد بن عبد اللطيف، ومحمد بن عبد الرحمن بن عفالق من
стр. 772
الأحساء" ١.
ولقد عارض الشيخ غير هؤلاء ممن يدعي الرفعة والشأن والقدم الراسخة في العلم والعرفان مع أن أكثرهم يقر على نفسه ويعترف بأن ما أتى به محمد بن عبد الوهاب هو الحق والصواب وأَن هذا هو التوحيد المطلوب، ومَن لم يتحقق به لم يفرق بين الرب والمربوب لكن انفت قلوبهم واستنكفوا وخشوا أَن يكون اقرارهم وموافقتهم سببا في أن تسلب منهم رئاستهم ودنياهم وجاههم بين الناس فأنكروا بعد المعرفة وأصبحت ألسنتهم في ذلك مسرفة ووجوههم عن الحق منصرفة حتى أنكروا من الشرع الأمور المعروفة.
قال ابن غنام: "فذكر لنا عن تحقيق ويقين أَنهم أنكروا على عثمان ابن معمر أدبه من تخلف عن الصلاة في جماعة المسلمين وتأديبهم من لم يصل جملة وجبايته الزكاة وغير ذلك من أمور الدين. وكان كثير من علماء السوء في نجد يأتون إلى رؤساء البدو ويحذرونهم وقوع الصلاة في حيهم وسماع الأذان، ويحثونهم على التمسك بقبيح تلك الأديان، وما كانوا عليه من الفسق والعصيان٢، وقد أنكروا على الشيخ أمره الوالي باقامة الحدود فزعموا أَن الشيخ لا صفة له تخوله الحكم والأمر برجم من استوجبه مثلا، وقد رد عليهم الشيخ وبين لهم أَن ما فعله هو حكم الله
стр. 773
المؤيد بالسنة والجماعة ومما قاله الشيخ أن الأئمة من كل مذهب مجمعون على أن من تغلب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرف أَنّ أحدا من العلماء ذكر ان شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم، إلى أن يقول: "ولكن أعداء الله يجعلون هذه الشبهة حجة في رد ما لا يقدرون على جحده، كما إني لما أمرت برجم الزانية، قالوا لابد من إذن الإمام".
قال الشيخ: "فإن صح كلامهم لم تصح ولايتهم القضاء، ولا الإمامة ولا غيرها" ١.
هذا وقد مر بنا في مبحث البيئة من حول الشيخ أن نجدا لم يدخلها السلطان العثماني تحت نفوذه قبيل ظهور الشيخ، وإنما كانت مجزأة بين أمراء متعددين، وكل أمير مستقل بما تحت يده٢.
ومن أسباب مقاومة هؤلاء المخالفين أن الشيخ جاءهم بشيء استغربوه وخالف ما اعتادوه وألفوه وأشربوه في قلوبهم، ألا وهو إِعلان الشيخ رحمه الله تعالى وجوب التمسك والاعتصام بالكتاب والسنة والعمل بما جاء من هدي الأصحاب وبما اختاره الأئمة الأربعة الذين
стр. 774
شاعت مذاهبهم في الأمة، فهو وإن كان يختار مذهب الحنابلة فإِنه لا يقدمه على النص القاطع ولا يتعصب له بل يختار من المذاهب الأخرى مذهب من هو أقرب إلى الدليل والصواب الموافق للشريعة، وقد أسفر كلام الشيخ عن هذا الاتجاه وظهر وشاع، فلذا طارت قلوب متعصبة المذاهب والمقلدة في العمى فرقاً من هذا النور، والذي مداره على اتباع ما أمر الله به من الرد في حال التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ١.
مع أن الرد إلى الكتاب والسنة هو الصواب المتعين والحق المطلوب من دين الإسلام بالضرورة. وفيه من أسباب الأَلفة والاجتماع والتوحيد بين المسلمين، ودحر الشر والتفرق ما يغيض تجار الحروب، ومستغلي فرص التفريق والمنازعات ليسودوا ويثروا على أَنقاض الدمار والفساد وعبادة الأوثان والأنداد.
وكذلك قد اعتبروا الرد إلى الكتاب والسنة بدعة والحادا وخروجا عن الدين وقد زين لهم الشيطان شبهة أنهم لا يقدرون على فهم كلام الله ورسوله ﷺ وكلام السلف الصالح وأن الأخذ بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر٢.
стр. 775
ويمكن أن نحصر نقطة الخلاف بين الشيخ وخصومه من علماء
السوء وغيرهم في أنه يقول:
كل ما يعبد الله به بجميع أنواعه يجب أن يكون خالصا لله وحده فلا يصرف منه شيء لغيره كالدعاء والذبح والنذر والتوكل والاستغاثة والاستعاذة والاستعانة وغير ذلك مما ورد به شرع رسول الله ﷺ فبين للناس ذلك وأمرهم بإخلاصه لله وحده ونهاهم عن الشرك بذلك وبين لهم أن من الشرك ما هو واقع من أكثر الناس حين يدعون الأنبياء والأولياء والصالحين بل وغيرهم من الفسقة والطواغيت والمجانين من أهل القبور والمقامات والمشاهد وغيرهم من الأموات والأحياء يتعلقون بهم ويذبحون لهم وينذرون ويتقربون إليهم بأشياء إنما هي من حقوق الله التي شرعها تعالى لرسوله ﷺ وأمته ليتعبد له بها، وبين الشيخ أَن أول من أَدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة الملعونة الذين يدعون علياً وغيره ويطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات. لذلك لم يستطع العلماء المكابرون الصمود للشيخ في ميدان الحجة والبرهان، وغلبهم بيان الحق وأسكتهم برهانه عن الرد عليه ومناظرته ودحضت حججهم وكشفت شبهاتهم وهم قد أشربوا محبة ما اعتادوه ووجدوا عليه مجتمعهم وكبراءهم وأسلافهم من الآباء والأجداد من الشرك والفسوق وأكل الربا والسحت فلجأوا إلى الافتراء والكذب والمكر والحيل والاستعانة بتخويف الملوك والحكام وأصحاب المناصب من فوات حظهم بظهوره فكتبوا إلى رئيس
стр. 776
الأحساء وبني خالد "سليمان بن محمد" لأن هؤلاء الشياطين والعياذ بالله عرفوا كيف يدخلون على أمير العيينة من جهته فهو يدور فِي فلكه وله عهد خارج ومصالح، وينقاد إلى أمره. فقالوا لأمير الأحساء فيما قالوه من الأكاذيب: إن عثمان بن معمر قد آوى مطوعا١، يريد إخراجكم من ملككم، وإثارة الناس عليكم، وأقل ما يقوله للعامة أن المكوس والعشور التي يأخذها الأمراء باطلة لايقرها الدين، وها هو يرجم امرأة من أجل الزنا بغير أذن منكم ... إلى غير هذا من التحريش والبهتان. ولإثارة الملوك بما يثيرهم ويخوفهم مهما كان.
ويذكر ابن غنام أَنه لما جرت قضية إقامة حد الرجم في العيينة كثرة القيل والقال من أهل البدع والضلال وطارت قلوبهم خوفا وداخلهم من حصول تلك القضية مالم يعاينوا قبله مثله ولم يسمعوا به منذ زمن، وذلك لما ألفوه من الفواحش مقارنة لما كانوا عليه من الشرك، ثم لما أعياهم أن يردوا الحكم المشروع بالسنة والإجماع أمام الشيخ وأنصاره، لجأوا إلى ردها بالمكر والحيلة فشكوه إلى شيخهم الظالم سليمان آل محمد رئيس بني خالد والأَحساء وكان قبحه الله مغرما بالزنا مجاهراً به غير مختف بذلك، وحكايته في ذلك مشهورة وقصصه فيه غير محصورة، فأغروه به وصاحوا عنده وقالوا إن هذا يريد أن يخرجكم من ملككم،
стр. 777
ويسعى في قطع ما أنتم عليه من الأمور والإِمكاس والعشور١، فلما خوفوه بزوال محبوبه وتفويت مطلوبه كتب إلى عثمان يأمره بقتله أو إجلائه عن وطنه وألزم عليه وشدد وهدد.
وكذلك ابن بشر في تاريخه يذكر أن قضية الرجم كانت من الأمور التي استغلها أعداء الشيخ في التحريش عليه، قَال ابن بشر:"فلما صدرت منه هذا أعني رجم المرأة اشتهر أمره في الآفاق. فبلغ خبره سليمان بن محمد غرير الحميدي قائد الأَحساء والقطيف وما حوله من العربان وقيل له أن في بلد العيينة عالما فعل كذا وكذا وقال كذا وكذا فأرسل سليمان إلى عثمان كِتَاباً وقال: إن هذا المطوع الَّذي عندك فعل وفعل. وتهدد عثمان وقال اقتله فإن لم تفعل قطعنا خراجك الَّذي عندنا في الأَحساء وخراجه عندهم كثير" ٢.
أما ابن معمر فإنه انهزم أمام تهديد ابن غرير ولم يثبت على المبدأ والعهد، فخذل الشيخ واستجاب لداعي الشيطان.
стр. 778
مواصلة الشيخ جهوده رغم خذلان ابن معمر له:
قَال ابن غنام إن ابن معمر " آثر الدنيا على الدين وسلك منهج المبطلين وأمر الشيخ بالخروج ولم يكن إلى قتله سلم ولا عروج، وذلك لما اقتضته الحكمة الإلهية والعناية الصمدانية من إحياء دارس السنة المحمدية والآثار السلفية فخرج الشيخ إلى بلد الدرعية " ١.
ويفصل ابن بشر وصف حالة ابن معمر لما ورد عليه كتاب صاحب الأحساء بقوله " فلما ورد عليه كتابه، وما وسع مخالفته، واستعظم أمره في صدره، لأنه لم يعلم قدر التوحيد، ولا لمن نصره وقام به من العز والتمكين، في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة فأرسل إلى الشيخ وقال له: إِنه أتانا خط من سليمان قائد الأَحساء وليس لنا طاقة بحربه ولا إغضابه. فقال له الشيخ: إن هذا الَّذي أنا قمت به ودعوت إليه كلمة لا إله إلا الله وأركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أنت تمسكت به ونصرته فإن الله سبحانه يظهرك على أعدائك فلا يزعجك سليمان ولا يفزعك فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة ما ستملك به بلاده وما وراءها وما دونها " فاستحيا عثمان وأعرض عنه ثم تعاظم في صدره أمر صاحب الأَحساء وباع بالآجل العاجل. وذلك لما علم الله سبحانه الَّذي يعلم السر وأخفى يعز من يشاء
стр. 779
ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أن نصر هذا الدين والظهور والغلبة والتمكين يكون لغيره، وعلى يد غيره، فأرسل إلى الشيخ ثانياً وقال: إن سليمان أمرنا بقتلك ولا نقدر على غضبه ولا مخالفة أمره لأنه لا طاقة لنا بحربه وليس من الشيم والمرؤة أن نقتلك في بلادنا فشأنك ونفسك وخل بلادنا" ١ اهـ.
مما نقلناه عن ابن غنام وابن بشر نتبين أن ابن معمر آثر الدنيا على الدين وباع العاجل بالآجل لما تعارض في صدره أمر صاحب الأحساء وأمر الله تعالى فأمر الشيخ بالخروج، وقد كان الشيخ يهيء ابن معمر لأمر عظيم، ويرجوه لمكان جليل، وملك عريض ولكن خاب الظن فيه، ولم ينفذ القتل الَّذي أمر فيه لأن الله تعالى أراد ظهور هذا الدين على يد غيره، وهو العليم الحكيم، يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٤٥) . أما الشيخ فانه كان رغم ما جرى له من خذلان ابن معمرله على ثقة من ربه، وقد قوى الله إيمانه حتى صغر في نفسه وفي ميزان إيمانه بعقيدة السلف الصالح أمر صاحب الأَحساء وخذلان ابن معمر له، واخراجه من الوطن والمال والأهل والمسكن وبقي لديه إيمانه بصحة عقيدة السلف الصالح وأَن الله ناصر دينه، وبقي حسن الظن بالله تعالى والثقة به وحده لا شريك له.
стр. 780
قال الشيخ حسين بن غنام:
فقد جاءنا يدعو إلى الدين بعدما ... عفى رسمه والأرض من نوره قفر
فجادله الأحبار فيما أتى به ... من الحق والبرهان يكشفه السبر
ونوظر حتى الزم الخصم عجزه ... وصار إليه الفلج والورد والصدر
فعودي بغياً واهتظاما ونصرة ... لملة آباء عليها مضى العمر
وهموا بمالم يدركوا من وقيعة ... فما ناله مما أرادوا به ضر
نفته العدا لما جفته أقارب ... فآواه بل ساواه من خصه البر
فجاهد حتى أطلع الله بدره ... بآل سعود حين شد له ازر١
والآن إلى الفصل الثاني. وهو: "بحث أثر عقيدة الشيخ في الدور الأول من أدوار دولة أنصارها آل سعود".
стр. 781
الفصل الثاني: أثرها في الدور الأول من أدوار دولة أنصارها آل سعود
الشيخ في الدرعية:
فيما يلي أسوق خلاصة خبر وصول الشيخ إليها وما جرى له: "لما وصل الشيخ بلد الدرعية دخلها من أعلاها وقت العصر فنزل على عبد الله بن سويلم تلك الليلة فأقام عنده ذلك اليوم ولعله هو الذي تبرم بوجود الشيخ عنده خوفاً على نفسه من محمد بن سعود١ ثم إِن الشيخ انتقل من عنده إلى بيت تلميذه الشيخ أحمد بن سويلم، فعلم به خصائص من أهل الدرعية فزاروه خفية ورأوه لا يزال على سبيل الرسول ﷺ ثابتاً يدعو إلى الله على بصيرة ويقرر لهم التوحيد الذي هو أساس الدين والذي وقعت فيه الخصومة فاستقر التوحيد في قلوب هؤلاء الخصائص فأرادوا أن يخبروا محمد بن سعود ويشيروا عليه بنصرته فهابوه فأتوا إلى زوجته (موضي بنت أبي وهطان من آل كثير) ٢ وأخيه ثنيان الضرير، وكانت المرأة ذات عقل ودين ومعرفة فأخبروهما بمكان الشيخ وصفة ما يأمر به وينهى عنه، فوقر في قلوبهما معرفة التوحيد، وقذف الله في قلوبهما محبة
стр. 782
الشيخ١.
اللقاء التاريخي بالأمير الراشد:
وهذه خلاصة أيضا أنقلها عن ابن بشر وابن غنام: دخل محمد بن سعود على زوجته فأخبرته بمكان الشيخ، وقالت له: إن هذا الرجل ساقه الله إليك، وهو غنيمة، فاغتنم ما خصك الله به فقبل قولها، ثم دخل عليه أخوه ثنيان وأخوه مشاري وأشاروا عليه بمساعدته ونصرته، وألقى الله سبحانه في قلبه للشيخ المحبة، فأراد أن يرسل إليه فقالوا سر إليه برجلك في مكانه وأظهر تعظيمه والاحتفال به لعل الناس أن يكرموه ويعظموه، فقام محمد بن سعود من فوره وسار إليه ومعه أخواه ثنيان ومشاري، فدخلوا عليه في بيت أحمد بن سويلم فسلم عليه ورحب به وأبدى غاية الإِكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده، وقال أبشر ببلاد خير من بلادك، وأبشر بالعز والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة (لا إله إلا الله) من تمسك بها وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم وأنت ترى نجدا وأقطارها أطبقت على الشرك والجهل والفرقة وقتال بعضهم لبعض، فأرجو أن تكون إماما يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك.. ٢ وهكذا تم اللقاء
стр. 783
التاريخي، وحصلت البيعة المباركة على ذلك كما سيأتي إن شاء الله.
وأما ما يقال عن اختلاف ابن بشر عن ابن غنام في تفصيلات ما حدث للشيخ محمد منذ وصوله إلى الدرعية حتى اتفاقه مع أميرها محمد ابن سعود١. فهو ليس اختلافا ينقض بعضه بعضا ولكن غايته أن ابن بشر انفرد بذكر أمور فيها زيادة بيان مثل ذكره خوف ابن سويلم من نتائج حلول الشيخ في بيته، وزيارة بعض كبار أهل البلد له سرا، وإخبارهم زوجة الأمير بالقضية واشتراكها بإِقناع زوجها بأن يستقبله استقبالا حسنا وهذه الزيادات التي انفرد بها ابن بشر لا تتعارض مع ما اتفقا فيه مثل كون الأمير محمد بن سعود سار إلى الشيخ في بيت ابن سويلم ورحب به، ووعده النصر والحماية وكون الأمير محمد بن سعود اشترط على الشيخ مقابل تأييده له، عدم مغادرته بلدته، وأن الشيخ وافقه على ذلك، وكذلك ما انفرد بذكره ابن بشر وهو شرط آخر اشترطه محمد بن سعود على الشيخ وهو أن يقره على ما اعتاد أن يأخذه من أهل الدرعية، أقول إِن هذه الأمور التي زادها ابن بشر على ما ورد في تاريخ
стр. 784
ابن غنام ليست معارضة مع ما اتفقنا على ذكره، فلا يسوغ تضعيفها بمجرد انفراد ابن بشر بها عن ابن غنام فإن ابن بشر موثوق، ولا محل لترجيح ما ذكره أحدهما لعدم التعارض بينهما.
وكون أمر الشيخ معروفا لدى خصائص من أهل الدرعية لا ينفي ما ذكره ابن بشر، ولايضعفه١.
ولا شك أن أمر الشيخ ودعوته إلى عقيدة السلف الصالح منذ ابتدأ به في حريملاء والعيينة من قبل ليس مجهولا في الدرعية، بل كان فيها من يعرفه معرفة جيدة وكان له فيها أَتباع وتلاميذ كانوا يترددون عليه في العيينة ويحضرون حلقات دروسه ويأخذون عنه ويكاتبونه ويجيبهم من هؤلاء الذين يعرفونه ثنيان ومشاري أخوا الأمير محمد بن سعود والشيخ أحمد بن سويلم وجماعة سواهم٢ وعبد العزيز بن محمد بن سعود فقد كان يكاتب الشيخ وكتب له الشيخ تفسير سورة الفاتحة٣ وبين له من خلال تفسيره الأمر العظيم الذي خلق الله لأجله الجن والإنس وهو عبادة الله وحده وعدم الإِشراك به في العبادة وفي ثنايا تفسيره كأن الشيخ يرمز
стр. 785
لعبد العزيز بمقام من يقوم بالتوحيد فيستشهد له ببيت الشعر المعروف والذي هو:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل١
ولقد كان أتباع الشيخ في الدرعية يتتبعون أخباره ويتشوفون إلى نصرته.
البَيْعة المباركة:
بعد أن تم لقاء الأمير محمد بن سعود بالشيخ محمد بن عبد الوهاب كما أسلفت في بيت ابن سويلم وسلامه على الشيخ وذكر الشيخ ما كان عليه رسول الله ﷺ وما دعا إليه وما عليه أصحابه وما أعزهم الله به من الجهاد في سبيله وأغناهم به وجعلهم إخوانا، ثم ذكر ما عليه أهل نجد في زمانهم من مخالفتهم بالشرك والبدع والاختلاف والجور والظلم، فتحقق محمد بن سعود معرفة التوحيد وفضله ورأى بعد الناس في الواقع عنه فقال للشيخ ياشيخ!: إن هذا دين الله ورسوله، الذي لا شك فيه وأبشر بالنصرة لك ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن أشترط عليك اثنتين:
الأولى: نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله، وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا.
стр. 786
الثانية: إِن لي على أهل الدرعية قانوناً آخذه منهم في وقت الثمار، وأخاف أن تقول: "لا تأخذ منهم شيئا".
فقال الشيخ:
أما الأولى: فابسط يدك. الدم بالدم والهدم بالهدم.
وأما الثانية: فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منها١.
ويقول الدكتور العثيمين٢ إن إجابة الشيخ عن الشرط الثاني غير حاسمة ولكن من الواضح أَن الشيخ قارن بين المصلحة العامة لدعوته وبين مسألة جزئية كان واثقاً من حلها مستقبلا بسهولة، وهو كما قال ثم إِن محمدا بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وإِقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فقام الشيخ ودخل معه البلد واستقر عنده. ووقع تحقيق ظن الشيخ فإنه أتى إليهم غنيمة، فقال الشيخ للأمير: هذا أكثرمما أنت أخذته على أهل بلدك فتركها بعد ذلك٣.
ولا أدل على بركة الإسلام ولله الحمد مما أولاه الله من نعم على هذه البلاد من المال والأمن منذ العهد المبارك والبيعة الصادقة إلى يومنا
стр. 787
هذا وما تخلف شيء من ذلك إلا بسبب المخالفة وكلما راجع القوم عهدهم عاد الله عليهم بعائدته ولله الحمد والمنة.
ومعنى قول الشيخ: الدم بالدم والهدم بالهدم أي أقبر حيث تقبرون ومنزلكم منزلي، وإِن طلب دمكم فقد طلب دمي وإن هدر دمكم فقد هدر دمي١ وهذا فيه إِشارة إلى ما ورد في سيرة ابن هشام أن أبا الهيثم ابن التيهان قال يارسول الله! إِن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أَن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله ﷺ ، ثم قال: "بل الدم بالدم، والهدم بالهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم". قال ابن هشام. ويقال: الهدم الهدم أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم٢.
أثر العقيدة السلفية ينشط في الدرعية:
ولما استقر الشيخ في الدرعية ومنع ونصر وجهر بالدعوة إلى الله تعالى معززا، ينشر الإسلام وساعده على ذلك الأمير محمد بن سعود بكل ما لديه بلا فتور ولا ضجر وقام مع الأمير وزراؤه وأعوانه وأنصاره من أهل الدرعية وإخوانه ومن مشاهيرهم ثنيان بن سعود ومشاري بن سعود وفرحان بن سعود والشيخ أحمد بن سويلم والشيخ عيسى بن قاسم
стр. 788
ومحمد الحزيمي وعبد الله بن دغيثر وسليمان الوشيقري وحمد بن حسين وأخوه محمد وغيرهم فجردوا للدعوة هممهم وعزائمهم وقاموا بها من غير كسل ولا تهاون وكانت بداية هذه القومة في سنة سبع وخمسين ومائة وألف من هجرة المصطفى ﷺ ١.
وبقي الشيخ- ﵀ على مناصحة الناس وعرض الحق وبيانه وكشف الشبه عنه قريبا من سنتين، وخلال ذلك كان قد تسلل إليه أنصاره الذين في العيينة ومن ينتسب إلى الدين ومعهم أناس من رؤساء المعامرة منهم عبد الله بن محسن وأَخواه زيد وسلطان المعامرة معاكسين لعثمان بن معمر على ما يقول ابن بشر٢ وعبد الله بن غنام وأخوه موسى وهاجر مع هؤلاء خلق كثير كما أخذ كثير من أنصار الشيخ وتلامذته في مختلف بلدان نجد يقدمون عليه ويهاجرون إليه٣، حتى إِن عثمان بن معمر نفسه على ما يقول ابن بشر لما علم أن محمد بن سعود آوى الشيخ ونصره وأن أهل الدرعية فرحوا به والذين كانوا عنده في بلده هاجروا وتركوه وأَن أمر الشيخ قوي وصار إلى زيادة، ندم ابن معمر على ما فعل من إخراجه وعدم نصرته، وخاف منه أمور تفاقم عليه، فركب في عدة رجال من أهل العيينة ورؤسائها فقدم على الشيخ في الدرعية، وحاوله
стр. 789
على الرجوع معه ووعده نصره ومنعه- فقال الشيخ: ليس هذا إلي إنما هو إلى محمد بن سعود، فإِن أراد أن أذهب معك ذهبت، وإِن أراد أن أقيم عنده أقمت ولا أستبدل برجل تلقاني بالقبول غيره، إلا أَن يأذن لي فأتى عثمان إلى محمد، فأبى عليه ولم يجد إلى ما أتى إليه سبيلا فرجع إلى بلده١
وكان أهل الدرعية في غاية الجهالة وقد وقعوا فيما وقعوا من الشرك الأكبر والأصغر، والتهاون بالصلاة والزكاة، ورفض شعائر الإسلام٢ وهم يومئذ في غاية الضعف وضيق المؤونة٣، فتخولهم الشيخ بتعليمهم وتلقينهم التوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمر بتعلم معنى (لا إله إلا الله) وأَنها نفي وإثبات.
(فلا إله) تنفي جميع المعبودات- (وإلا الله) تثبت العبادة لله وحده لا شريك له. ثم أمرهم بتعلم ثلاثة الأصول: وهي معرفة الله تعالى بآياته ومخلوقاته الدالة على ربوبيته وإلهيته، كالشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والسحاب المسخر بين السماء والأرض وما عليها من الآدلة من القرآن. ومعرفة الإسلام وأَنه تسليم الأمر لله وهو الانقياد لأمر الله والانزجار عن مناهيه. ومعرفة أركانه التي بني عليها وما عليها من الأدلة
стр. 790
من القرآن ومعرفة النبي ﷺ واسمه ونسبه ومبعثه وهجرته ومعرفة أول ما دعا إليه وهي (لا إله إلا الله) ثم معرفة البعث وأن من أنكره أوشك فيه فهو كافر. وما على ذلك من الأدلة من القرآن والسنة، ومعرفة دين محمد ﷺ وأصحابه وهو التوحيد ودين أبي جهل وأتباعه وهو الشرك بالله تعالى.
فلما استقر في قلوبهم معرفة التوحيد بعد الجهالة أشرب في قلوبهم محبة الشيخ وأحبوا المهاجرين وآووهم١.
وكان المهاجرون في أضيق عيش وأشد حاجة وابتلوا بلاء شديدا، وكان الشيخ ينفق عليهم ما استطاع ويستدين لذلك وكانوا في الليل يأخذون الأجرة ويحترفون، وفي النهار يجلسون عند الشيخ في درس الحديث والمذاكرة٢.
انطلاق الدعوة وبدء الجهاد:
ثم إن الشيخ كاتب أهل البلدان ورؤساءهم وقضاتهم ومدعي العلم منهم فمنهم من قبل واتبع الحق، ومنهم من اتخذه سخرياً واستهزؤا به ونسبوه إلى الجهل وعدم المعرفة ومنهم من نسبه إلى السحر، ومنهم من رماه بأشياء هو بريء منها٣، واستمر الشيخ على المناصحة والدعوة والمكاتبة مدة سنتين حتى عام ١١٥٩ هـ من غير غزو ولا مقاتلة وممن
стр. 791
قام الشيخ والأمير محمد بن سعود بمناصحته دهام بن دواس رئيس بلد الرياض فاجتهدا في مناصحته غاية الاجتهاد ولكن دهاما لم يقبل الحق وأعرض عنه واشترى الحياة الدنيا بالآخرة، فحمله ذلك على البغي والحسد فأبطن عداوة أهل الدين رغم إقراره بأنه دين الحق وأَظهر موالاة المبطلين. وكان قد فشا الإسلام والسنة في بلده ودخل في ذلك كثير منهم فصار إذا رأى من جماعته من يحب هذا الدين ويفشيه أخذ يصادره ويتعرض له بصنوف الأذى، وإذا رأى عدوا قربه وآواه وجعل يتزايد في العداوة ويتظاهر بقمع الحق ويعلن القبائح الشنيعة وقد كانت أخلاقه القديمة وأفعاله السابقة غير محمودة ولما جاءه الحق زاد في طغيانه وشره، وحاكى بأفعاله الفاجرة نمرود وفرعون فأخاف أهل منفوحة لأنهم دخلوا في دعوة الشيخ وتبعوا الإمام محمد بن سعود فعدا عليهم صباحا ومعه بعض البوادي من آل ظفير على غرة وغفلة لأنهم ما كانوا يتوقعون ذلك منه وهو صديق لمحمد بن سعود فيما يتظاهر به لأن محمد بن سعود سبق أن أعانه على ثورة من أهل الرياض ضده ولكنه فجأهم واحتل قصر الإمارة وقهرهم ساعة ثم إن الله سبحانه أعقب أهل منفوحة بالنصر والفرج فكانت الدائرة على دهام وحزبه وقتل من أشرارهم ورؤسائهم أحد عشر رجلا تقريبا وجرح دهام نفسه وعقر حصانه فهرب هو ومن معه وقد باء بالفشل، ولكنه قد افتضح بإظهاره عداوة أهل الدين فزاده ذلك تمادياً وأعلن محاربة محمد بن سعود لأجل ذلك ونذر جزوراً لتاج بن
стр. 792
شمسان إن تغلب على ابن سعود١.
عند ذلك أمر الشيخ بالجهاد وحض عليه٢، وكان هذا في سنة ١١٥٩ هـ بعد مضي سنتين من اتفاق الأمير محمد بن سعود مع الشيخ على القيام بالإسلام لأن وقت الجهاد قد حان وهو من واجبات الدين والخطر أصبح وشيكاً على النفس والحرمة والفتنة كائنة على أهل السنة وليس من ذنب ينقمه العدو إلا الإيمان بالله وإقامة سنة رسوله ﷺ وقد قامت عليه الحجة.
والأمر كما قال أبو تمام:
وما هوَ إلا الوحي أوْ حَدّ مُرْهَفٍ ... تُمِيلُ ظُبَاهُ أَخْدَعَيْ كل مائل
فهذا دواء الداء من كلِ عاقل ... وَهذا دواءُ الداءِ من كلِ جاهل
هو الحق إن تستيقظوا فيه تغنَموا ... وإنْ تَغفلوا فالسيف ليس بغافل٣
وكما قال شوقي يعني رسول الله ﷺ :
قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا ... لقتل نفس ولاجاؤا لسفك دم
جهل وتضليل وأحلام وسفسطة ... فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
لما أتى لك عفوا كل ذي حسب ... تكفل السيف بالجهال والعمم٤
стр. 793
وكما قال شاعر:
وما الدين إلا أن تقام شريعة ... وتأمن سبل بيننا وشعاب١
وأبلغ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٩٣) .
وقد قال الشيخ في رسالته إلى السويدي: "وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا٢ ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وكذلك من جاهر بسب دين الرسول ﷺ بعدما عرفه والسلام"٣.
ومنذ بلغ ابن سعود وإخوانه من المسلمين غدر دهام بن دواس واعتداؤه على أهل الدين حدثوا نفوسهم بالجهاد في سبيل الله تعالى وحين رآه الشيخ متعيناً لمثل غدرات ابن دواس وغيره بأصحاب السنة المحمدية، أمر به وحض عليه فتعاهدوا على أن تكون أول عدوة يعدونها مبتدئين بها جهاد أعداء الدين على دهام بن دواس في قصره، فكان ذلك ووفوا بعهدهم٤.
стр. 794
فأقاموا علم الجهاد في سبيل الله، لأن الجهاد في سبيل الله من الواجبات الدينية وهو ذروة سنام أمر الدين١.
وما زالوا على ذلك يجاهدون في سبيل الله وينشرون دين الله تعالى ومحمد بن سعود إمامهم صابر على عداوة الأدنى والأقصى من أهل نجد ومن الملوك المجاورين من كل جهة، وقتل أولاده فيصل بن محمد، وسعود ابن محمد، فما زاده إلا قوة وصلابة في دينه على ضعف منه وقلة في العدد والعدة، وكثرة من عدوهم ووفاء بعهده والتزاما بوعده، واحتسابا لموعد ربه لمن نصر دينه، وفيما جرى منه شبه بما جرى من الأنصار في بيعة العقبة٢.
وليس الأمر كما يزعمه بعض الباحثين في عصرنا هذا حتى ماثل بعض المستشرقين من غير قصد أَن الحروب الإسلامية كان يدفعها جوع المسلمين ومشكلات دنيوية فزعم هذا الباحث أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان يخطط لدعوته مراحل، وأَنه أمر بالجهاد "لتنتقل دعوته إلى مرحلة جديدة ينال فيها بالقوة ما عجز عنه بطريقة الإِقناع والإِغراء" ٣ وأن الأمير محمد بن سعود كان مستعدا للقتال من أجل الدعوة خاصة أَنها وسيلة من وسائل توسيع نفوذه، وإِمكان تحقيق كثير من النجاح
стр. 795
العسكري في بداية الأمر دون تدخل خارجي، وأن إمكانيات الدرعية الاقتصادية محدودة وكان على قادتها أَن يجدوا حلا لمشكلة ازدياد الوافدين إليها من أنصارهم الفقراء، وأَن هؤلاء الوافدين مؤهلون لأن يلعبوا دوراًكبيراً في تأسيس جيش قوي١.
فكل هذه الالتواءات والتعليلات مكشوفة يراد منها أَن الشيخ وابن سعود وأَتباعهم إنما قاتلوا للظفر والنفوذ وحل المشكلة الاقتصادية. وهذا غير صحيح.
أما أن الشيخ ﵀ أمر بالجهاد فنعم أمر به حين رأى أن وقت الجهاد قد حان تعبدا لله تعالى وجهادا في سبيله بكل أنواع الجهاد وأحواله التي تحدث لهم بحول الله وتدبيره والشيخ يرصد حاله وأحوال من معه وما يجري لها من تغيرات ويستلهم من شريعة الله أحكام تلك الأحوال المتغيرة فيقوم بتنفيذها تعبدا لله وقياما بالواجب الذي فقهه من دين الله تعالى، وكذلك من كان معه على شيء من فقه الإسلام.
والتحدث عن مقاصد الشيخ ومقاصد أمثاله وأعوانه على ضوء قياسها بمقاصد أهل السياسة الدنيوية والخطط الماكرة في سبيل الدنيا يعتبر ظلما وتعدياً عليه وقصوراً عن مستوى حسن الظن بالمسلم ولكن الواجب إذا تحدثنا عن مقاصد الشيخ ونواياه أن نتحدث عنها على ضوء
стр. 796
ما يظهره ويدعو إليه، أما السرائر وما لا نعلمه فنكله إلى الله تعالى مع وجوب حسن الظن فيمن يظهر منه الخير والرشد والصلاح، وكذلك محمد بن سعود لا نظن به أَنه قام بنصرة الإسلام لأنه وسيلة لتوسيع نفوذه أو استقلاله عن سيادة الأَتراك كما يقوله صاحب كتاب الفكر السامي١. فإنه إنما قام بنصرته لأنه دين الله ورسوله ﷺ بالدرجة الأولى- كما قال ذلك عند لقائه بالشيخ ﵀، وما كانت ظروف الدرعية المشكلة من ناحية الاقتصاد هي الدافع للقتال فإِن أولئك القوم تركوا تنمية اقتصادهم مختارين ليقوموا بتنمية دينهم وعلمهم به فكيف ينحرفون لحل مشكلاتهم الاقتصادية بالقتال وسفك الدماء ليأخذوا أموال الناس ويستولوا على أملاك الغير، بطريقة جاهلية؟! أَلا يمكن حل مشكلتهم الاقتصادية بالتجارة ومزاولة أسباب المعيشة ولو في خارج البلدة لو كانوا إنما أرادوا حل المشكلة الاقتصادية؟! لكنهم بالجهاد أرادوا إِعلاء كلمة الله ونشر الإسلام وما جاءهم من الغنائم من غير أن يقصد، قبلوه وتعاملوا به على ما يرضي الله تعالى.
وليس صحيحا ما يزعمه مؤلف كتاب الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي من أَن ابن سعود توصل بنشر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأمنيته وهي الاستقلال
стр. 797
والتملص من سيادة الأتراك١. والواقع أن ابن سعود ونجدا كلها لم تكن تحت سيادة الأتراك كما أثبتناه فيما سبق٢، وابن سعود كان مستقلا ليس لأحد عليه ولاية من الأمراء والسلاطين حتى إِن العداء كان قائما بينه وبين سليمان بن محمد زعيم بني خالد ورئيس الأحساء٣.
محمد بن سعود مؤسس دولة آل سعود:
يتفق الدكتور العجلاني والدكتور العثيمين على استقرار إمارة الدرعية عشرين سنة في يد محمد بن سعود قبل مبايعته للشيخ مما يدل على حكمة الرجل وحسن سياسته وقضائه على دسائس المنافسين في الداخل والدفاع ضد الأعداء والطامعين من الخارج ويبدو أَنه على صلات حسنة مع أمير العيينة لأن ابنه عبد العزيز تزوج بنت عثمان بن معمر، وأما أمير الرياض دهام بن دواس فإنه كان مدينا لمحمد بن سعود ببقائه في الإِمارة لأنه أنجده بعدد من الجنود حينما ثار عليه أهل الرياض فاستقر له الحكم٤.
стр. 798
وعلى أية حال فإذا كان ليس أحد يصلح للسياسة والحكم ١ فإن محمد بن سعود قد امتاز على غيره بما وهبه الله من ملكات الإِمارة والحكم وأنه كما يقول المؤرخ حسين بن غنام: "كان في جاهليته بحسن السيرة معروفا وبالوفاء وحسن المعاملة موصوفا، مشهوراً بذلك دون من هنالك وكان من وفائه أَن وفى بكفالته لزيد بن مرخان وفاء كلفه ثمنا باهظا أدى إلى قتل عمه مقرن بن محمد لما خفر الأخير ذمة ابن أخيه بقتله زيد بن مرخان غدرا٢.
ثم إِن الأمير محمد بن سعود٣ قد أدرك بصفاء بصيرته وسلامة تفكيره أَنه لا مطمع للشيخ في الإِمارة ولا في الرئاسة ولا في أي علو في الأرض ولا فساد من دعوته، بل إن دعوته إلى صلاح الدين والدنيا معاً، إلى عقيدة السلف الصالح وتيقن من خلال ما سمعه من الشيخ ورآه أَن نصيحته صادقة وعرضه صحيح، وأن القيام بنصر دين الله ورسوله ﷺ سبب للنصر والعز والتمكين وحصول الملك، وزاد يقين الأمير رسوخا ما بينه الشيخ له من أَن الله سيمكن من يقوم بنصر (لا إله إلا الله) ويُعزه ويورثه الملك، وأَن الأمة بحاجة إلى إقامة الدين، وإِصلاح ما أفسد الناس،
стр. 799
وأن هذا واجب عليه.
فقبل محمد بن سعود وأصبح هو المؤسس لدولة آل سعود وهو الذي سن سنة حسنة لبنيه بمناصرة دين الله وإكرام علماء السنة وهذا ما
يحققه الدكتور العجلاني أيضاً حيث يقرر أَن مؤسس دولة آل سعود هو محمد بن سعود بمبايعته للشيخ محمد بن عبد الوهاب على إِخلاص العبادة لله وحده واتباع حكم الإسلام الصحيح في سياسة البلاد١ وإقامة علم الجهاد في سبيل الله تعالى.
وأقول إن مبايعته للشيخ على ذلك لدليل على عظيم عقله، وبعد همته وطموحه وتوفيق الله له.
قال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: "وكفى برهاناً على شجاعته وثبات جأشه وشهامته وإرادته الحديدية، وعزمه البات، وقوة إيمانه وسائر خصاله الحميدة إِيواؤه للشيخ، وقيامه بنصرته، وقد رأى وعلم ما وراء ذلك من الأخطار، وتأليب الملوك والأمراء، وعامة الناس عليه، ولولا أَنه هو الأوحد، فرد زمانه، لما نجح في توطيد دعائم ملكه ونشرسلطته على البلدان وتوحيد كلمة التوحيد تحت لوائه بين خطوب سود، ونظراء أقوياء، وتكالب من جميع أطراف جزيرة العرب، فلهو القائد الباسل، والأوحد الحلاحل، فما قام بنصرة هذا الشيخ والأخذ بساعده إلا عن
стр. 800
اعتقاد راسخ وإيمان قوي١.
ونستطيع أَن ندرك من خلال حديث اللقاء والبيعة بينه وبين الشيخ أنه مدرك لحقيقة الإسلام ومميز لما هو من دين الله ورسوله من غيره بما آتاه الله من صفاء الفطرة ونفوذ البصيرة وما بلغه من الحجة على يد الشيخ وغيره فكان من صدقه ووفائه استجابته وعدم استنكافه عن قبول الحق لما جاءه وإِن كان قد جاءه من مستضعف ثم أدرك شيئا بعيدا فاشترط على الشيخ إِن نصرهم الله أن لا يرتحل عنهم إلى غيرهم لأنه ﵀ ذو فراسة وذكاء ومن أعظم العقلاء، وأَنه حين لقي الشيخ ورآه عرف الصدق في وجهه وبديهته وتحقق في قوله وحاله حلية أولياء الله وكل عاقل يرغب في أولياء الله وفي قربهم وفعلاً وقع ما كان يتوجسه محمد ابن سعود من مجيء ابن معمر نادما يطلب عودة الشيخ إليه٢.
وحيث كان شأن العاقل أَن ينقاد لأولياء الله فقد انقاد الأمير محمد ابن سعود للشيخ محمد بن عبد الوهاب لأن الأمير من أعظم عقلاء زمانه والشيخ من أعظم أولياء زمانه.
قال أبو نعيم في حلية الأولياء: "واعلم أن لأولياء الله تعالى نعوتاً ظاهرة وأعلاما شاهرة، ينقاد لموالاتهم العقلاء والصالحون، وذكر من نعوت هؤلاء الأولياء ما رواه بسنده عن رسول الله ﷺ : "رب أشعث ذي
стр. 801
طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره"١.
وكان الشيخ في تلك الآونة ضعيفا مستضعفا أشعث من السفر قد نَبَتتْ عنه أعين الناس، أهل الدنيا والبأس إلا أنه من أولياء الله ومن العلماء بشريعة محمد ﷺ الأمناء، فلا ينقاد له ويوافقه إلا ذو عقل صريح كما هو الشأن من موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح فكان بتوفيق الله ومعونته وفضله على أهل الجزيرة أَن وفق لأمير عظيم الفراسة كبير القلب راجح العقل حيث اغتنم أعظم فرصة وغنيمة سيقت إليه وكانت سبب ارتفاعه وارتفاع ذكره وذكر نسله من بعده وعزه في الدنيا والآخرة إن شاء الله تعالى فرحمة الله عليه وعلى خلفه من أسلاف صالحين وبارك في المعاصرين من خلفه وثبتهم على أسباب رضى رب العالمين، الذي هو عزهم وسبب نصرهم آمين. هذا ومازال الإمام محمد بن سعود وفياً بالعهود حتى لقي ربه.
وبعد وفاة الإمام محمد بن سعود سنة ١١٧٩ هـ بويع لابنه عبد العزيز بن محمد إماما للمسلمين، بايعه الخاص والعام، والشيخ محمد هو رأس ذلك النظام٢.
وللإمام عبد العزيز مكانة خاصة من أثر عقيدة الشيخ محمد بن
стр. 802
عبد الوهاب السلفية فمنذ أَن كان صغير السن كان له اهتمام بعلم الشيخ فلقد كتب للشيخ والشيخ إذ ذاك في العيينة عند ابن معمر يسأله أَن يكتب له تفسير الفاتحة، فكتب الشيخ ذلك، وقد ضمن تفسير سورة الفاتحة عقيدة السلف الصالح، وأرسلها إلى الأمير عبد العزيز وقد ناهز الاحتلام١، وما من شك أن تلقي العلم في هذه الفترة من العمر له كبير الأثر والرسوخ.
ولذا فقد اجتمع في الإمام عبد العزيز مؤهلات الإِمارة وملكاتها ومواهبها مع رسوخه في العلم وسلامة العقيدة منذ نعومة أَظفاره فهو ليس أميراً يناصر الحق بقوة السلطان فحسب بل مع ذلك عالم ينصر الحق بقوة الحجة والبرهان.
ولهذا الإمام رسالة جليلة القدر، لها أثر كبير وواسع في نشر عقيدة السلف الصالح افتتحها بالثناء على الله والصلاة والسلام على رسوله ﷺ ثم قال: من عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى من يراه من العلماء والقضاة في الحرمين والشام ومصر والعراق وسائر علماء المشرق والمغرب ثم أخذ يشرح عقيدة السلف الصالح بالبيان الواضح والأدلة القويمة والبراهين العظيمة فتكلم عن الحكمة من إيجاد الله الخلق، ومعنى كلمة التوحيد والشفاعة والوساطة وحق الله وحق رسوله ﷺ وأوليائه،
стр. 803
وعن خصوم أنصار العقيدة السلفية خصوصا أنصار الشيخ الإمام، وعن إِرادة الله القدرية الكونية وإرادته الشرعية، وأن المشروع للموتى وللنبي ﷺ الدعاء لهم لا دعاؤهم، وبيان ما يفعل عند قبره ﷺ والمأثور من نهيه عن اتخاذ قبره ﷺ عيدا وحديث شد الرحال، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، وإنكار عبادة القبور بالدعاء وغيره وبيان كونها شركا، وأن حقيقة التوحيد تقتضي الإيمان بالله وعبادته وحده وعدم الشرك به ووصف دين المشركين وبيان الشرك الأصغر والأكبر وبيان التوسل الصحيح، والنهي عن الإِقسام على الله بمخلوق، ثم يبيّن ما هي الوسيلة؟ ويكمل وجوه الرد على المشبهين بالحديث لتجويز دعاء غير الله تعالى، ويبين أن العادة هي عداوة القبوريين لأهل التوحيد ورميهم إياهم بالعظائم والجرائم، ونسبة كل قبيح إليهم وتنفير الناس عن الموحدين بأنهم يتنقصون الصالحين، ثم ختام هذه الرسالة بالتوجيه إلى القرآن الكريم وإلى حديث الرسول ﷺ والعمل بهما والاستغناء بالسنة النبوية عن البدع والشرك والتخرصات والشطحات التي هي وساوس الشيطان والنفوس المتبعة للهوى. وقد استغرقت هذه الرسالة ما يقارب من (٣٤) صفحة كبيرة١.
وله رسالة إلى من يراه من أهل بلدان العجم والروم أرسلها مع رجل منهم اسمه محمد خلف النواب وفد عليهم وأَقام عندهم مدة طويلة
стр. 804
وأشرف على ما هم عليه من الدين الحق وما يدعون إليه الناس ويقاتلونهم عليه ويأمرونهم به وينهونهم عنه ويقول في تلك الرسالة: " إِن حقائق ما عندنا يخبركم بها أَخونا محمد من الرأس" وذكر لهم جملة ما هم عليه من عقيدة السلف الصالح١.
وكتب أيضا إلى أهل المخلاف السليماني بناء على طلب واحد منهم اسمه الشريف أحمد قدم عليهم ورأى ما هم عليه وتحقق صحة ذلك لديه ثم التمس من الإمام عبد العزيز أَن يكتب له ما يزيل الاشتباه ليعرف أهل هذا المخلاف دين الإسلام وعقيدة السلف الصالح فضمنها ذلك ﵀ ومما قال: " فلما من الله علينا بمعرفة ذلك وعرفنا أَنه دين الرسل اتبعناه، ودعونا الناس إليه، وإلا فنحن قبل ذلك على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله من عبادة أهل القبور والاستغاثة بهم والتقرب إلى الله بالذبح لهم وطلب الحاجات منهم مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات وارتكاب الأمور المحرمات وترك الصلوات وترك شعائر الإسلام حتى أظهر الله تعالى الحق بعد خفائه وأَحيى أثره بعد عفائه على يد شيخ الإسلام فهدى الله تعالى به من شاء من الأنام وهو الشيخ محمد ابن عبد الوهاب أَحسن الله له في آخرته المآب فأبرز لنا ما هو الحق والصواب من كتاب الله المجيد وسنة رسوله ﷺ وكلام الأئمة الأعلام
стр. 805
الذين أجمعت الأمة على درايتهم. ثم مضى يبين ما هم عليه من التزام عقيدة السلف الصالح.
وله رسائل أخرى ونصائح ﵀ موزعة في الدرر السنية
وغيرها١.
وطلب الإمام عبد العزيز من الشيخ محمد، أن يكتب رسالة موجزة في أصول الإسلام ليتعلمها الناس، فكتب الشيخ ثلاثة الأصول، وهي معرفة العبد الرب المعبود، والرسول ﷺ ، ودين الإسلام بالأدلة، مبنية على مسائل القبر الثلاث من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وأرسلها الإمام عبد العزيز إلى جميع النواحي وأمر الناس أن يتعلموها في المساجد على يد أئمتها وطلبة العلم، وأَن يعملوا بها جميعاً بدون استثناء، فصاروا يسألون الناس في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح وبين العشاءين عن معرفة ثلاثة الأصول٢.
وقد كتب بصيغ مختلفة مطولة ومختصرة وباللغة الفصحى وبالعامية على حسب طبقات الناس، وعلى مستوى كل طبقة وما يناسبها وكان الشيخ يعلمها الناس في الدرعية ويأمرهم بتعلمها٣، وأَلحق بها شروط الصلاة
стр. 806
وأركانها ونحو ذلك من أمور الدين التي لا يسع أحدا من المسلمين جهله.
وأرسل الإمام عبد العزيز برسائل للشيخ منها "كتاب التوحيد" إلى الوزير سليمان باشا في بغداد نصيحة له١، فأحالها الباشا إلى عبد الله أفندي الراوي البغدادي خطيب المسجد المنسوب للوزير سليمان باشا، فقام الراوي بالرد عليها برسالة مضمونها أنَّ التوحيد مختص بمعنى الربوبية فالإله اسم مختص بالخالق الرازق الضار النافع فحسب٢، فرد عليه محمد ابن علي بن غريب بالكتاب المسمى: " التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق" وفند شبهه، وكسر تحدياته وأرسل إليهم في العراق ووجد مخطوطا في بغداد عند رجل يقال له الملا دليم- ليس له عنوان، وليس عليه اسم مؤلفه. ثم طبع عام ١٣١٩ هـ بالمطبعة الشرقية بمصر وجعل اسمه: "التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق" ونسب تأليفه للشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وليس له، وإنما هو لشيخه محمد بن غريب المذكور، ذلك أن في الكتاب مسائل يبعد أن تصدر من الشيخ سليمان في علمه وتحقيقه، مثل قوله: " فالله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو تعالى كما كان
стр. 807
قبل أن يخلق المكان"١ ومثل هذه العبارة ليست على طريقة السلف في العقيدة فإن المعطلة يقصدون بها: نفي استواء الرب على عرشه استواء حقيقياً يليق بجلاله٢ بالإِضافة إلى أن صاحب السحب الوابلة ذكر أن ابن غريب هو الذي رد على أهل العراق.
ويوجد لكتاب "التوضيح" هذا نسخة خطية في المكتبة السعودية بالرياض ناقصة من الآخر قليلا بخط حسن، وعليها تملك الشيخ عبد الله ابن عبد اللطيف آل الشيخ عام ١٣١٩هـ ثم انتقلت منه إلى أخيه الشيخ محمد بن عبد اللطيف٣.
وبغض النظر عن الغلط الموجود في الكتاب كما ذكرنا فهو ذو أثر بالغ في نشر عقيدة السلف الصالح خصوصا في بيان معنى التوحيد.
ويقول ابن بشر: وكان عبد العزيز كثير الخوف من الله والذكر. آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، ينفذ الحق ولو في أهل بيته وعشيرته لا يتعاظم عظيماً إذا ظلم فيقمعه عن الظلم، وينفذ الحق فيه، ولا يتصاغرحقيراً ظلم فيأخذ له الحق، ولوكان بعيد الوطن. وكان لا يكترث في لباسه ولا سلاحه، بحيث إِن بنيه وبنى بنيه محلاة
стр. 808
سيوفهم بالذهب والفضة ولم يكن في سيفه شيء من ذلك إلا قليلا. وكان لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس، ويصلي فيه صلاة الضحى. وكان كثير الرأفة والرحمة بالرعية، وخصوصا أهل البلدان بإعطائهم الأموال وبث الصدقة لفقرائهم والدعاء لهم، والتفحص عن أحوالهم.
يقول ابن بشر: "وقد ذكر لي بعض من أثق به أَنه يكثر الدعاء لهم في ورده، قال وسمعته يقول: اللهم ابق فيهم كلمة لا إله إلا الله حتى يستقيموا عليها ولا يحيدوا عنها. وكانت الأقطار والرعية في زمنه آمنة مطمئنة في عيشة هنيئة. وهو حقيق بأن يلقب مهدي زمانه. لأن الشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة أي وقت شاء، شتاءً وصيفاً، يمناً وشاماً، شرقاً وغرباً في نجد والحجاز واليمن وتهامة وعمان وغير ذلك، لا يخشى أحدا إلا الله، لا سارقاً ولا مكابراً، وكانت جميع بلدان نجد من العارض والخرج والقصيم والوشم والجنوب وغير ذلك من النواحي، في أيام الربيع يسيبون جميع مواشيهم في البراري والمفالي١ من الإبل والخيل والجياد، والبقر والأغنام، ليس لها راعٍ ولا مراعٍ بل إذا عطشت وردت على البلدان ثم تصدر إلى مفاليها حتى ينقضي الربيع، أويحتاجون لها أهلها لسقي زروعهم ونخيلهم. وربما تلقح وتلد، ولا يدري أهلها إلا إذا جاءت
стр. 809
وولدها معها، إلا الخيل الجياد فإن لها من يتعاهدها في مفاليها لسقيها وحدها بالحديد.
وكانت إبل أهل سدير ونجائبهم وخيلهم مسيبات أيام الربيع في الحمادة وفي أراط والعبلة، ومعها رجل واحد يتعاهدها ويسقيها ويزور أهله ويرجع إليها وهي في مواضعها فيصلح أَربطها وقيودها ثم يغيب عنها. وكذلك خيل أهل الوشم ونجائبهم في الحمادة وفي روضة محرقة وغيرهما. وهكذا يفعلون بها. وكذلك خيل عبد العزيز وبنيه وعشيرته في النقعة، الموضع المعروف قرب بلد ضرمي، وفي الشعيب المعروف بقرى عبيد من وادي حنيفة، وليس عندها إلا من يتعاهدها لمثل ما ذكرنا، وكذلك جميع النواحي تفعل ذلك. وكان رحمه الله تعالى من رأفته بالرعية شديدا على من جني جناية من الأعراب أوقطع سبلاً أوس رق شيئا من مسافر أو غيره بحيث من فعل شيئا من ذلك أخذ ماله نكالا أو بعض ماله أوشيئا منه على حسب جنايته. وأدبه غير ذلك أدبا بليغاً".
.:ويذكر ابن بشر: أن السبل والطرق تأمنت كثيراً في عهد الإمام عبد العزيز فكان أهل الأسفار يسافرون ويرجعون إلى أوطانهم لا يخشون أحدا من جميع البوادي مما احتوت عليه هذه المملكة لا بحرب ولاسرق، وليس يؤخذ منهم شيء من الإِتاوات والقوانين والجوائز التي يأخذها الأعراب على الدروب يحيون بها سنن الجاهلية فبطلت جميعها ولله الحمد، وصار بعض العمال إذا جاءوا بالأَخماس والزكاة من أقاصي البلاد يجعلون
стр. 810
مزاود الدراهم أطنابا لخيمتهم وربطا لخيلهم بالليل لا يخشون سارقا ولا غيره ونمت المواشي والثمار وساد الأمن جميع البلاد وهذا من أثر عقيدة السلف الصالح التي أظهرها الشيخ. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
وكان الإمام عبد العزيز يوصي عماله بتقوى الله وأخذ الزكاة على الوجه المشروع وإِعطاء الضعفاء والمساكين ويزجرهم عن الظلم وأخذ كرائم الأموال، ويكثر العطاء والصدقات للرعية من الوفود والأمراء والقضاة وأهل العلم وطلبته ومعلمة القرآن والمؤذنين وأئمة المساجد، حتى أئمة مساجد نخيل البلدان ومؤذنيهم.
وإذا أراد من الناس الغزو معه أو مع ابنه سعود، بعث رسله إلى رؤساء القبائل من العربان وواعد جميعهم يوما معلوما على ماء معلوم، فلا يتخلف أحد عن ذلك الموعد لا حقير ولا جليل، لا من بوادي الحجاز ولا العراق ولا الجنوب ولا غير ذلك فمن ذكر متخلفا ممن تعين عليه الأمر من راجل أو فارس، أدب أدبا بليغا وأخذ من ماله نكالا، والرجل الواحد أو الاثنان إذا أرسلهم عبد العزيز وابنه سعود إلى البوادي من جميع أقطار جزيرة نجد أخذوا منهم النكال من الأموال والخيل والإبل وغير ذلك، ويضربون الرجال ويعذبون المجرم بأنواع العذاب، ولا يتجاسر أحد أن يقول لهم شيئا، أو يشفع فيه، بل كلهم طائعون مذعنون.