وأركانها ونحو ذلك من أمور الدين التي لا يسع أحدا من المسلمين جهله.
وأرسل الإمام عبد العزيز برسائل للشيخ منها "كتاب التوحيد" إلى الوزير سليمان باشا في بغداد نصيحة له١، فأحالها الباشا إلى عبد الله أفندي الراوي البغدادي خطيب المسجد المنسوب للوزير سليمان باشا، فقام الراوي بالرد عليها برسالة مضمونها أنَّ التوحيد مختص بمعنى الربوبية فالإله اسم مختص بالخالق الرازق الضار النافع فحسب٢، فرد عليه محمد ابن علي بن غريب بالكتاب المسمى: " التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق" وفند شبهه، وكسر تحدياته وأرسل إليهم في العراق ووجد مخطوطا في بغداد عند رجل يقال له الملا دليم- ليس له عنوان، وليس عليه اسم مؤلفه. ثم طبع عام ١٣١٩ هـ بالمطبعة الشرقية بمصر وجعل اسمه: "التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق" ونسب تأليفه للشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وليس له، وإنما هو لشيخه محمد بن غريب المذكور، ذلك أن في الكتاب مسائل يبعد أن تصدر من الشيخ سليمان في علمه وتحقيقه، مثل قوله: " فالله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو تعالى كما كان
стр. 807
قبل أن يخلق المكان"١ ومثل هذه العبارة ليست على طريقة السلف في العقيدة فإن المعطلة يقصدون بها: نفي استواء الرب على عرشه استواء حقيقياً يليق بجلاله٢ بالإِضافة إلى أن صاحب السحب الوابلة ذكر أن ابن غريب هو الذي رد على أهل العراق.
ويوجد لكتاب "التوضيح" هذا نسخة خطية في المكتبة السعودية بالرياض ناقصة من الآخر قليلا بخط حسن، وعليها تملك الشيخ عبد الله ابن عبد اللطيف آل الشيخ عام ١٣١٩هـ ثم انتقلت منه إلى أخيه الشيخ محمد بن عبد اللطيف٣.
وبغض النظر عن الغلط الموجود في الكتاب كما ذكرنا فهو ذو أثر بالغ في نشر عقيدة السلف الصالح خصوصا في بيان معنى التوحيد.
ويقول ابن بشر: وكان عبد العزيز كثير الخوف من الله والذكر. آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، ينفذ الحق ولو في أهل بيته وعشيرته لا يتعاظم عظيماً إذا ظلم فيقمعه عن الظلم، وينفذ الحق فيه، ولا يتصاغرحقيراً ظلم فيأخذ له الحق، ولوكان بعيد الوطن. وكان لا يكترث في لباسه ولا سلاحه، بحيث إِن بنيه وبنى بنيه محلاة
стр. 808
سيوفهم بالذهب والفضة ولم يكن في سيفه شيء من ذلك إلا قليلا. وكان لا يخرج من المسجد بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس، ويصلي فيه صلاة الضحى. وكان كثير الرأفة والرحمة بالرعية، وخصوصا أهل البلدان بإعطائهم الأموال وبث الصدقة لفقرائهم والدعاء لهم، والتفحص عن أحوالهم.
يقول ابن بشر: "وقد ذكر لي بعض من أثق به أَنه يكثر الدعاء لهم في ورده، قال وسمعته يقول: اللهم ابق فيهم كلمة لا إله إلا الله حتى يستقيموا عليها ولا يحيدوا عنها. وكانت الأقطار والرعية في زمنه آمنة مطمئنة في عيشة هنيئة. وهو حقيق بأن يلقب مهدي زمانه. لأن الشخص الواحد يسافر بالأموال العظيمة أي وقت شاء، شتاءً وصيفاً، يمناً وشاماً، شرقاً وغرباً في نجد والحجاز واليمن وتهامة وعمان وغير ذلك، لا يخشى أحدا إلا الله، لا سارقاً ولا مكابراً، وكانت جميع بلدان نجد من العارض والخرج والقصيم والوشم والجنوب وغير ذلك من النواحي، في أيام الربيع يسيبون جميع مواشيهم في البراري والمفالي١ من الإبل والخيل والجياد، والبقر والأغنام، ليس لها راعٍ ولا مراعٍ بل إذا عطشت وردت على البلدان ثم تصدر إلى مفاليها حتى ينقضي الربيع، أويحتاجون لها أهلها لسقي زروعهم ونخيلهم. وربما تلقح وتلد، ولا يدري أهلها إلا إذا جاءت
стр. 809
وولدها معها، إلا الخيل الجياد فإن لها من يتعاهدها في مفاليها لسقيها وحدها بالحديد.
وكانت إبل أهل سدير ونجائبهم وخيلهم مسيبات أيام الربيع في الحمادة وفي أراط والعبلة، ومعها رجل واحد يتعاهدها ويسقيها ويزور أهله ويرجع إليها وهي في مواضعها فيصلح أَربطها وقيودها ثم يغيب عنها. وكذلك خيل أهل الوشم ونجائبهم في الحمادة وفي روضة محرقة وغيرهما. وهكذا يفعلون بها. وكذلك خيل عبد العزيز وبنيه وعشيرته في النقعة، الموضع المعروف قرب بلد ضرمي، وفي الشعيب المعروف بقرى عبيد من وادي حنيفة، وليس عندها إلا من يتعاهدها لمثل ما ذكرنا، وكذلك جميع النواحي تفعل ذلك. وكان رحمه الله تعالى من رأفته بالرعية شديدا على من جني جناية من الأعراب أوقطع سبلاً أوس رق شيئا من مسافر أو غيره بحيث من فعل شيئا من ذلك أخذ ماله نكالا أو بعض ماله أوشيئا منه على حسب جنايته. وأدبه غير ذلك أدبا بليغاً".
.:ويذكر ابن بشر: أن السبل والطرق تأمنت كثيراً في عهد الإمام عبد العزيز فكان أهل الأسفار يسافرون ويرجعون إلى أوطانهم لا يخشون أحدا من جميع البوادي مما احتوت عليه هذه المملكة لا بحرب ولاسرق، وليس يؤخذ منهم شيء من الإِتاوات والقوانين والجوائز التي يأخذها الأعراب على الدروب يحيون بها سنن الجاهلية فبطلت جميعها ولله الحمد، وصار بعض العمال إذا جاءوا بالأَخماس والزكاة من أقاصي البلاد يجعلون
стр. 810
مزاود الدراهم أطنابا لخيمتهم وربطا لخيلهم بالليل لا يخشون سارقا ولا غيره ونمت المواشي والثمار وساد الأمن جميع البلاد وهذا من أثر عقيدة السلف الصالح التي أظهرها الشيخ. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ .
وكان الإمام عبد العزيز يوصي عماله بتقوى الله وأخذ الزكاة على الوجه المشروع وإِعطاء الضعفاء والمساكين ويزجرهم عن الظلم وأخذ كرائم الأموال، ويكثر العطاء والصدقات للرعية من الوفود والأمراء والقضاة وأهل العلم وطلبته ومعلمة القرآن والمؤذنين وأئمة المساجد، حتى أئمة مساجد نخيل البلدان ومؤذنيهم.
وإذا أراد من الناس الغزو معه أو مع ابنه سعود، بعث رسله إلى رؤساء القبائل من العربان وواعد جميعهم يوما معلوما على ماء معلوم، فلا يتخلف أحد عن ذلك الموعد لا حقير ولا جليل، لا من بوادي الحجاز ولا العراق ولا الجنوب ولا غير ذلك فمن ذكر متخلفا ممن تعين عليه الأمر من راجل أو فارس، أدب أدبا بليغا وأخذ من ماله نكالا، والرجل الواحد أو الاثنان إذا أرسلهم عبد العزيز وابنه سعود إلى البوادي من جميع أقطار جزيرة نجد أخذوا منهم النكال من الأموال والخيل والإبل وغير ذلك، ويضربون الرجال ويعذبون المجرم بأنواع العذاب، ولا يتجاسر أحد أن يقول لهم شيئا، أو يشفع فيه، بل كلهم طائعون مذعنون.
стр. 811
قال ابن بشر: " وهذا الذي ذكرت من جهة الأمن وطاعة
الحاضر والباد وغير ذلك اتفق في زمنه وزمن ابنه سعود وصدر من ولاية عبد الله".
ثم مضى ابن بشر يذكر أمراء عبد العزيز وقضاته١، ومن هؤلاء القضاة:
الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي أخذ عن أبيه واستكمل فنون العلم وفاق بالمعرفة أقرانه حتى صار الخليفة بعد أبيه والقاضي في بلد الدرعية٢، وكان له دور كبير في نشر عقيدة السلف الصالح وتأثره بها وتأثيره في الناس لحملها ونشرها وتطبيقها، وله عدة بنين طلبة علم وقضاة.
قال ابن بشر: "ومعرفتي منهم بعلي وحمد وحسن وعبد الرحمن وعبد الملك.
فأما علي فهو الشيخ الفاضل وحاوي الفضائل العلامة في الأصول والفروع الجامع بين المعقول والمشروع كشاف المشكلات، مفتاح خزائن أسرار الآيات، قاضي الدرعية بوجود أعمامه، وخليفتهم فيها إذا غابوا زمن سعود وابنه عبد الله، ثم ولي القضاء لتركي بن عبد الله ﵀
стр. 812
تعالى في حوطة بني تميم، ثم كان قاضياً في بلد الرياض عند الإمام فيصل ابن تركي أسعده الله تعالى" اهـ١.
وذكر ابن بشر أن له اليد الطولى في معرفة الحديث ورجاله، وأَنه علق شرحا على كتاب التوحيد تأليف جده محمد بن عبد الوهاب٢، لكن عبد الرحمن بن عبد اللطيف المعلق على عنوان المجد ينكر وجود هذا الشرح٣، ولا وجه لإِنكاره فقد يكون في زمن مبكر، وله رسائل
وفتاوى نشرت مفرقة في الدرر السنية التي جمعها عبد الرحمن بن قاسم وفي الرسائل والمسائل النجدية طبع محمد رشيد رضا٤.
ومن هؤلاء القضاة أيضا الشيخ الزاهد الورع عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الحصين- الذي طبق بركة علمه الآفاق، وشهد له بالفضل أهل الآفاق القاضي في ناحية الوشم زمن عبد العزيز وابنه سعود وابنه عبد الله٥.
أخذ الفقه في صغره عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن إسماعيل ثم
стр. 813
أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابنه الشيخ عبد الله، والشيخ حسين، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر وخلق غيرهم، له مجالس في التدريس مشهورة، وأوقاته بالعبادة معمورة، وله رسالة في معنى التوحيد وفتاوى، ولي القضاء في الوشم في ولاية الإِمام عبد العزيز بن محمد وأول ولاية الإمام سعود وأخذ عنه عدة من العلماء منهم الشيخ عبد الله أبا بطين والشيخ إبراهيم بن سيف والشيخ غنيم بن مسفر والشيخ عبد الله ابن سيف والشيخ محمد بن عبد الله الحصين والشيخ عثمان بن منصور والشيخ علي بن يحيى بن مساعد والشيخ عبد الله بن سليمان بن عبيد والشيخ محمد بن سيف والشيخ إبراهيم بن حجي والشيخ عثمان بن عبد المحسن أبا حسين والشيخ محمد بن نشوان والشيخ عبد الله القضيبي ولم يل القضاء، والشيخ عبد الكريم بن معيقل وغيرهم ممن لم يل القضاء الجم الغفير١.
وكان للشيخ عبد العزيز الحصين جهود خاصة في نشر عقيدة السلف الصالح لدى شريف مكة وعلمائها حيث كان الذي وقع عليه الاختيار من قبل الشيخ والإمام عبد العزيز ليكون مفوضا عنهما في شرح المعتقد وبيان حقيقة الدعوة بناء على طلب شريف مكة.
يقول السباعي: " في سنة ١١٨٥ هـ طلب الشريف أحمد بن
стр. 814
سعيد من الإمام عبد العزيز بن محمد ومن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يرسلا إليه فقيها منهم، يبين له حقيقة الدعوة بمحضر من علماء مكة، فأرسلا الشيخ عبد العزيز الحصين، ووقعت المناظرة مع بعض علماء مكة منهم مفتي السلطان في مكة بحضور الشريف أحمد في ثلاث مسائل:
١- في التهمة المفتراة على الشيخ وهي: التكفير بالعموم.
٢- هدم القباب التي على القبور.
٣- طلب الشفاعة عند الله من الأموات١.
ويذكر ابن غنام أَن الإمام عبد العزيز والشيخ محمد كتبا مع الشيخ عبد العزيز الحصين رسالة إلى الشريف أحمد بن سعيد، يهيبان به أَن ينصر الشريعة المحمدية ومن تبعها وأَن يعادى من خرج عنها، كما هو الواجب على ولاة الأمور، ويذكران أَنهما تجاوبا مع طلبه أن يرسلا إليه طالب علم يشرح له ولعلماء مكة عقيدة السلف الصالح التي قاما بنصرتها، فأرسلا إليه الشيخ الحصين للحضور مع علماء الحرم في مجلس الشريف فإن اجتمعوا فالحمد لله، وإِن اختلفوا أَحضر الشريف كتبهم وكتب الحنابلة، مع قصد وجه الله ونصرة رسوله ﷺ وقد أخذ الله الميثاق على الأنبياء إِن أدركوا محمدا ﷺ أن يؤمنوا به وينصروه فكيف بأمته فلابد من الإيمان به ونصرته، لا يكفي أحدهما عن الآخر، وأحق الناس وأولاهم
стр. 815
بذلك أهل البيت الذين بعثه الله منهم، وأحق أهل البيت بذلك، من كان من ذريته ﷺ ١.
وقال ابن غنام: "فذكر لهم الشيخ عبد العزيز الحصين أَن نسبة التكفير بالعموم إلينا زور وبهتان علينا، وأما هدم القباب، فهو الحق والصواب كما هو مقرر بالأدلة في كتب كثيرة، وليس لدى العلماء فيه شك، وأما دعاء الصالحين وطلب الشفاعة منهم والاستغاثة بهم في النوازل فقد نص عليه الأئمة أَنه من الشرك الذي فعله الأولون ولا يجادل فيه إلا جاهل ظالم.
ثم أحضروا من كتب الحنابلة الإِقناع فرأوا عبارته في الوسائط وحكايته الإجماع فاقتنعوا وأقروا وتفوهوا بأن هذا دين الله، وانتشر فيما بينهم وشاع، وقالوا هذا مذهب الإمام أحمد، وانصرف عبد العزيز مبجلا ومكرما"٢.
ويبدو أن الشريف قد اقتنع بصحة العقيدة وأنها عقيدة السلف الصالح، ولكن ثار آل مساعد على عمهم أحمد بن سعيد هذا، وانتزعوا من يده ولاية مكة بالقوة فأخرجوه منها، ووضعوا مكانه شريفا آخر هو ابن أخيه سرور بن مساعد سنة ١١٨٦هـ، فمنع أهل نجد من الحج إلا
стр. 816
بضريبة ثم تولى أخوه غالب.
وفي سنة أربع ومائتين وألف للهجرة أرسل غالب الشريف إلى الإمام عبد العزيز كتابا، وذكر في أثنائه أَنه يريد إنسانا عارفا من أهل الدين حتى يعرف حقيقة الأمر، فأرسل إليه الشيخ عبد العزيز الحصين، وكتب معه الشيخ رسالة يبين فيها عقيدة السلف الصالح التي يدعو إليها ونصها: بعد البسملة من محمد بن عبد الوهاب إلى العلماء الأعلام في البلد الحرام نصر الله بهم سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام وتابعي الأئمة الأعلام، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، جرى علينا من الفتنة ما بلغكم وبلغ غيركم، وسببه هدم بنيان في أرضنا على قبور الصالحين، ومع هذا نهيناهم عن دعوة الصالحين، وأمرناهم بإخلاص الدعاء لله، فلما أظهرنا هذه المسألة مع ما ذكرنا من هدم البناء الذي على القبور، كبر على العامة وعاضدهم بعض من يدعي العلم لأسباب ما تخفى على مثلكم، أعظمها اتباع الهوى مع أسباب أخر فأشاعوا عنا أنا نسب الصالحين، وأنا على غير جادة العلماء، ورفعوا الأمر إلى المشرق والمغرب وذكروا عنا أشياء، يستحي العاقل من ذكرها، وأنا أخبركم بما نحن عليه بسبب أن مثلكم ما يروج عليه الكذب على أناس متظاهرين بمذهبهم، عند الخاص والعام، فنحن ولله الحمد متبعون لا مبتدعون على مذهب الإمام أحمد بن حنبل.
وتعلمون أعزكم الله، أن المطاع في كثير من البلدان، لو
стр. 817
يتبين١ بالعمل بهاتين المسألتين أَنها تكبر على العامة، الذين درجوا هم وآباؤهم على ضد ذلك وأنتم تعلمون رحمكم الله أَن في ولاية الشريف أحمد بن سعيد، وصل إليكم الشيخ عبد العزيز بن عبد الله، وأشرفتم على ما عندنا، بعدما احضروا كتب الحنابلة التى عندنا عمدة كـ "التحفة" و"النهاية" عند الشافعية، فلما طلب منا الشريف غالب أعزه الله ونصره امتثلنا وهو إليكم واصل، فإِن كانت المسألة إجماعاً فلا كلام، وإِن كانت مسألة اجتهاد فمعلومكم أَنه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فمن عمل بمذهبه في محل ولايته لا ينكر عليه، وأنا أشهد الله وملائكته وأشهدكم أني على دين الله ورسوله وإني متبع لأهل العلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم ذكر ابن غنام أَن غالبا أكرم عبد العزيز الحصين لما قدم عليه في مكة المشرفة بهذه الرسالة واجتمع معه مرات عديدة وعرض عليه رسالة الشيخ المفيدة فعرف ما بها من الحق والهدى وما نفته من الباطل والردى فأذعن بذلك وأقر ثم بعد مدة تنكر وتمسك بقديم سنته وطلب منه عبد العزيز الحصين أن يحضر العلماء معه فيقف على كلامهم ويسمعه ويناظرهم في أصول التوحيد، فأبوا عن الحضور وقالوا هؤلاء الجماعة ليس عندهم بضاعة إلا إزالة نهج آبائك وأجدادك ورفع يدك عن معتادك
стр. 818
وجوائز بلادك، فطار لبه وارتعش قلبه١. فصار يقاتل أهل التوحيد ثم لم يربح، بل خسر حيث عاند الحجة التي أقامها عليه الشيخ عبد العزيز الحصين٢.
ومن هؤلاء القضاة في عهد الإمام عبد العزيز الشيخ العالم حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر- ولد في الدرعية وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، حتى كان فقيها محدثا زاهدا عابدا كثير الخير، له قدم راسخ في الفتوى وله رسائل وأجوبة تبلغ مجلدا فرقها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم
في مواضع من الدرر السنية حسب ترتيبه لها٣.
ومن هذه الرسائل رسالة جيدة ألفها الشيخ حمد بعنوان: النبذة الشريفة في الرد على القبوريين، جوابا لأسئلة أوردها بعض المجادلين على الشيخ محمد بن أحمد الحفظي اليمني في جمادى الثانية من شهور سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف من الهجرة فطلب جوابها واستغرقت ستا وستين صفحة وله أيضا في مجموعة الرسائل والمسائل رسالة له في معرفة الدليل والتقليد واستغرقت ثلاثين صفحة، وعدة رسائل أخر في مسائل فقهية
стр. 819
واستغرقت اثنتين وستين صفحة١. وكان قاضياً في الدرعية، وغيرها. ثم أرسله الإمام سعود قاضياً ومعلما في مكة المكرمة وأقام فيها مدة وتوفي فيها سنة ١٢٢٥ هـ٢.
ويذكر الشيخ حسين بن غنام في حوادث سنة ١٢١١هـ من تاريخه الجزء الثاني أَنه في هذه السنة أرسل غالب الشريف رسلا إلى عبد العزيز يطلب منه علماء من أهل الدين والتوحيد ويزعم أَنه يقصد بذلك تحقيق هذا الأمر، ولينجلي له في مناظرتهم ما كان خافياً عليه، وكان من حسن سيرة عبد العزيز وعظيم فضل الله عليه أَنه يدعو إلى الله تعالى بالتي هي أحسن وأحكم ويرشد العباد للتي هي أقوم، فرأى إجابة الشريف غالب إلى ما طلب، فعسى أن يكون له سببا للسعادة، وأرسل إليه جماعة من أهل الدين والعلم، المشهورين بحسن المحاضرة في المناظرة بالبراهين وكبيرهم حمد بن ناصربن معمر ورئيسهم وأميرهم، فلما وصلوا دخلوا مكة معتمرين ومعهم جزر مهداة من سعود تذبح في الحرم فنحروها في المروة من شعائر الله، فقابلهم الشريف بالإِكرام وأحضرهم لديه مع علمائهم ليال وعقدوا للمناظرة مجالس فكانت الغلبة بالحجة للشيخ حمد
стр. 820
ابن معمر وأصحابه على علماء الشريف غالب، لكن علماء الشريف غالب أجمعوا على المغالطة في الألفاظ فأبرموا ذلك ولكنهم لم يعثروا في حجج الشيخ وما سرده من صحيح السنة القامعة على شيء فيه لبس لدى العلماء المنصفين سوى لفظة جرى اللسان فيها على اللحن في الأعراب فارتفع من بعضهم عند ذلك التخطئة في الجواب مبادرين ومعاجلين، رغم أَن الحجة فالجة وقاطعة وملزمة، لكنهم جحدوا وشوشوا! وصفة ما جرى أَنهم حضروا ببيت الشريف تجاه بيت الله الحرام وجرت المناظرة بينهم في مسألتين: مسألة قتال الموحدين الناس ما وجهها؟
فطلب من حمد بيان الحجة والدليل والبرهان فأتى لهم بالنصوص القاطعة، وأصل لهم الأصول الواضحة، وأسمعهم من نصوص الآيات والأحاديث الصحيحة الراجحة والأدلة الواضحة، وأوقفهم على المنصوص في الكتب المعتبرة عندهم، وكانوا من قبل ينكرون وجودها في الكتب أصلا، وتفوهوا بذلك بحضرة الشريف. فلما أوقفهم حمد عليها خجلوا وخافوا فأقروا وسلموا لتلك النصوص، ثم تفاوضوا بعد ذلك في مجالس عديدة في دعوة الأموات فأبدى لهم حمد من النصوص الصحيحة والآثار الراجحة والأقوال السديدة ما أدهش العقول مما لا يسع المنصف إنكاره، ولكنهم جحدوا أن يقع ذلك في الوجود وأنكروا وجوده في الأقطار رغم وجوده عندهم واقعاً مشهودا يشهده الخلق عيانا عندهم وجهارا.
ثم يقول ابن غنام: لا بدع فيما جرى منهم فقد قال كبيرهم أول ما قال وتأهب للمناظرة، وجر ذيول المفاخرة: أعلم أَني لا أناظرك بالدليل
стр. 821
من الكتاب والسنة، ولا أطالبك بما قاله علماء المذاهب سوى ما قال به إمامي أبو حنيفة لأني مقلدله فيما قال فلا أسلم لغير قوله، ولو قلت قال رسول الله ﷺ أو قال الله تعالى، لأنه أعلم مني ومنك، والأخذ بغير قول الأئمة مهلك.
ويقول ابن غنام: فلما انقضت تلك الأيام والليالي وانتهت ساعات الجدال والمناظرة، طلبوا من حمد بن ناصر بن معمر تأصيل ما برهن به واحتج به وقرره، وكتابة ما سجله عليهم أثناء المناظرة، فانتدب لذلك، فحرر من الكتب التي عندهم ما أرادوه رسالة أوجز فيها ما فيه حجة ودلالة، تكفي المنصف العاقل للشهادة بفضل محررها وصحة وصدق مضمونها، ثم أورد الشيخ ابن غنام نصها وشغلت ما يقارب
ثلاثين صفحة، من الجزء الثاني من تاريخ ابن غنام١ وهي في الهدية السنية التي جمعها الشيخ سليمان بن سحمان وشغلت خمساً وثلاثين صفحة٢. واستغرقت في الدرر السنية ثمانياً وعشرين صفحة٣.
وقد أشار إلى هذه المناظرة الشيخ محمد بن علي الشوكاني حيث قال في ترجمة الشريف غالب: "وبلغنا أَنه وصل إلى مكة، بعض علماء
стр. 822
نجد، لقصد المناظرة فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين" ١. وطبعت في رسالة مستقلة بمؤسسة النور بالرياض ويذكر ناشرها أَنه سمى أجوبة الشيخ حمد المذكورة "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" ٢.
ومن هؤلاء القضاة في زمن الإمام عبد العزيز، الشيخ سعيد بن حجي، رحل إلى الدرعية فقرأ على الشيخ وأخذ عن ابني الشيخ حسين وعبد الله وقرأ على الشيخ حمد بن ناصر بن معمر وعلى غير هؤلاء من علماء الدرعية وكان قاضياً في حوطة بني تميم زمن عبد العزيز وابنه سعود، وله رسائل في كلمة الإِخلاص، وفي أجوبة فقهية محررة سديدة نشرت في
مجموعة الرسائل والمسائل النجدية٣.
ومن هؤلاء القضاة: الشيخ حمد بن راشد العريني القاضي في ناحية سدير زمن عبد العزيز٤.
ومنهم الشيخ: عبد الرحمن بن خميس الذي صار عالما وإماما في
стр. 823
قصر آل سعود وقاضياً في الدرعية زمن عبد العزيز وابنه سعود١.
ومنهم: الشيخ حسين بن عبد الله بن عيدان الذي صار قاضياً في بلد حريملاء زمن عبد العزيز ودرس وأفتى في مقر عمله٢.
ومنهم: الشيخ محمد بن سويلم الذي صار بسبب الأخذ عن الشيخ محمد عالما وقاضياً في بلد الدلم وناحية الخرج زمن عبد العزيز٣.
ومنهم الشيخ عبد العزيز بن سويلم العريني الذي صار عالما قاضياً في ناحية القصيم زمن عبد العزيز وابنه سعود وابنه عبد الله، وكان مقره مدينة بريدة وما حولها فاستمر في القضاء مدة طويلة ودرس وأفتى فانتفع بعلمه جماعة منهم الشيخ عبد الله بن صقيه، وبقي بعد خراب الدرعية
وهو لايزال القاضي والمدرس في القصيم حتى توفي فتولى القضاء بعده تلميذه عبد الله بن صقيه٤.
وغير هؤلاء من القضاة عدد كبير.
وكان القضاة لا يعينون إلا بمشورة من الشيخ محمد لأن منصب القضاء منصب مهم له تأثير كبير، فبالإِضافة إلى القضاء يتولون الإمامة والخطابة والتدريس والفتوى والإِرشاد ويكونون أصحاب الكلمة الفاصلة
стр. 824
في البلد الذي يتولون القضاء فيه، ولا يخفى ما يكون لهم من أثر كبير وعظيم في نشر عقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى.
وقد كان لخلق كثير، وجم غفير أثر في عقيدة السلف الصالح التى تلقوها عن الشيخ محمد زمن الإمام عبد العزيز وبعد زمنه ممن ولي القضاء وممن لَمْ يله من العلماء والأعيان ومن دونهم١.
ومن هؤلاء ابن الشيخ: الشيخ علي.
قال ابن بشر: "كان عالما جليلا ورعاً كثير الخوف من الله وكان يضرب به المثل في بلد الدرعية بالورع والديانة وله معرفة في الفقه والتفسير وغير ذلك، وراودوه على القضاء فأبى عنه، وأبناؤه صغار ماتوا
قبل التحصيل إلا محمدا فإنه طالب علم وله معرفة" اهـ ٢.
ومنهم أيضا ابن الشيخ: الشيخ إبراهيم.
قال ابن بشر: "رأيت عنده حلقة في التدريس وله معرفة في العلم ولكنه لم يل القضاء قرأت عليه في صغري في كتاب التوحيد سنة أربع وعشرين ومائتين وألف٣") .
وأبناء الشيخ على العموم ممن حمل ميراث أبيهم ونشره بصفة
стр. 825
خاصة كيف لا وهو عقيدة السلف الصالح وميراث العلماء الصالحين ﵏ ورضي عنهم؟!
قال ابن بشر عنهم: "ولقد رأيت لهؤلاء الأربعة العلماء حسين وعبد الله وعلي وإبراهيم مجالس ومحافل في التدريس في الدرعية عندهم من طلبة العلم من أهل الدرعية وأهل الآفاق الغرباء ما يفضي لمن حكاه إلى التكذيب، ولهؤلاء الأربعة المذكورين من المعرفة ما فاقوا به أقرانهم، وكل واحد منهم قرب بيته مدرسة فيها طلبة العلم الغرباء ونفقتهم من بيت المال، ويأخذون عنهم العلم في كل وقت" ١.
قال محمد الحفظي بعد ثنائه على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أولاد الشيخ:
أولاده مشائخ التحقيق
وسدرة في منتهى الطريق٢
ومن هؤلاء غير أبناء الشيخ: الشيخ أحمد بن مانع الوهيبي التميمي. انتقل من أَشيقر إلى الدرعية في أول عهد الدعوة السلفية فقرأ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأَدرك حظه من العلوم الشرعية، وكان من الموالين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المدافعين عنها قال ابن بسام: "وقد اطلعت له على رسالة يرد بها على عبد الله المويس أحد علماء نجد المعادين
стр. 826
لدعوة الشيخ محمد" في ترخيصه للناس في التخلف عن صلاة الجماعة وتهوين أمرها بحجة ان الإمام من أتباع ابن عبد الوهاب فبين أَن ابن عبد الوهاب إنما يدعو الناس إلى التوحيد والتبرّي من الشرك وأهله وهذا دين النبي ﷺ فلا يسع المسلم غيره وبين الأدلة الشرعية على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان، وقد توفي في الدرعية في شهر رمضان عام ١١٨٦ هـ١.
وقد كان لبعض المشائخ الكبار الذين ليسوا من تلاميذ الشيخ المتخرجين على يديه جهود طيبة في نشر عقيدة السلف الصالح متأثرين بعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومنهم:
الشيخ المؤرخ حسين بن غنام- قد التقى بالشيخ محمد بن عبد الوهاب واستفاد منه، ودون كثيرا من علم الشيخ ورسائله، وأرخ للشيخ وأنصاره وللإمام من آل سعود تاريخا مباشرا من أشمل التواريخ، ودون كثيرا من أخبارهم فتاريخه من أوثق التواريخ التي كتبت في هذا الشأن، وسبق أن طلب العلم على علماء بلده (الأحساء) ولذا لما وصل الدرعية كان أهلا لأن يجلس للتدريس.
قال عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ: "نزح من الأحساء إلى مدينة الدرعية فقدمها على الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود والشيخ
стр. 827
محمد بن عبد الوهاب فأكرماه وأنزلاه المنزلة الرفيعة. فاستقر في الدرعية وجلس فيها لطلبة العلم يقرأون عليه في علم النحو والعروض فقط، فأخذ عنه جملة من علماء الدرعية وذكرمن فضلائهم سليمان بن عبد الله بن الشيخ، وعبد العزيز بن حمد بن معمر، وعبد الرحمن بن حسن بن الشيخ" ١.
ويعتبر الشيخ حسين بن غنام ممن شهد بالحق لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن الذين ناصروها بالقلم وبيان الحق والعلم فمن ذلك ست قصائد قالها وهي:
١- قصيدة في رثاء الشيخ وذكر محاسنه وسبق أن ذكرناها٢.
٢- قصيدة بمناسبة جلاء دهام بن دواس ومطلعها:
كشف الحق ظلمة الأغلاس ... ومحا الدين جملة الأرجاس٣
٣- وموعظة لبعض من تزعزع عن لزوم الحق ومطلعها:
نفوس الورى إِلا القليل ركونها ... وإلى الغي لا يلفى لدين حنينها٤
стр. 828
٤- والرابعة رد على قصيدة محمد بن عبد الله بن فيروز ومطلعها:
على وجهها الموسوم بالشؤم قد خطا ... عروس هوى ممقوتة زارت الشطا١
٥- والخامسة بمناسبة قتل ثويني وتهنئة الأمير سعود ووالده الإمام عبد العزيز بن محمد حين فتح الأحساء ومطلعها:
تلألأ نور الحق وانصدع الفجر ... وديجور ليل الشرك مزقه الظهر٢
٦- والسادسة بمناسبة تهنئة سعود بن عبد العزيز بالحج وذكر في أولها مدح الشيخ محمد ومطلعها:
غياهب ليل الشرك مزقه الفجر ... فأصبح دين الحق طالعه الغفر٣
وله تقريرات حسنة، وكشف شبهات يبين بها عن الحق الذي دعا إليه الشيخ محمد ويشهد له، وقد ألف كتابا سماه: "العقد الثمين في شرح أصول الدين" بإشارة من الإمام عبد العزيز كما يقول٤ بعد وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا يزال الكتاب مخطوطا، وهوكتاب مفيد ولكن في مسألة القرآن سلك فيها مسلك الأشعرية، وقد نبه على ذلك تلميذه
стр. 829
الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ١، وكذلك الشيخ محمد بن مانع٢.
ومن آثار عقيدة الشيخ في عهد الإمام عبد العزيز أَن بعض معارضيه كأخيه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب بعد أَن كان معارضا يؤلف كتبا ضدها اتضح له الحق وتاب إلى الله، ووفد على أخيه الشيخ محمد في الدرعية واستقر بها إلى أن توفي، ذكر ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على كتاب: "الشيخ محمد بن عبد الوهاب ... للشيخ أحمد بن حجرآل بوطامي٣، ونص هذا الخبر في عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر في حوادث ١١٩٠هـ ٤، وفي روضة ابن غنام كذلك وقال ابن غنام: "وكان من الشيخ إلى أخيه سليمان أعظم تحنن واهتشاشة فدثر حاله حينئذ وأَراشه، ووسع عليه قوته ومعاشه، فكان ذلك سببا لإنقاذ سليمان وصدقه مع أهل الإيمان وتحققه بهذا الشأن، فقام في هذا الدين بتحقيق وجزم ويقين، وأقر على نفسه واعترف، بما قدمه قبل وأسف، ووفى بما عاهد عليه وما أَخلف ومات ولله الحمد على حالة رضى، بعد ما جرى منه ومضى، فلم يوافه القضا إلا بعد ما رفض ما كان عليه
стр. 830
وانقضى" ١ وتوفي سنة ١٢٠٨ هـ ٢.
وفي مصباح الظلام للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن نص رسالة من سليمان بن عبد الوهاب فيها رجوعه٣، وكذلك في كتاب الضياء الشارق، تأليف سليمان بن سحمان٤، وفي كتاب صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان٥. وفي هذا رد على الشيخ عبد الله ابن بسام في قوله: إن سليمان بقي مصراً على مباينة الدعوة السلفية وأصحابها إلا أنه رضخ لسلطتها وقوتها ... ".
وقال: "إِن الرسالة المذكورة يرجح أَنها نسبت إليه لغرض حسن
الظن به، وإبعاد المسبة عن أبنائه العلماء الصالحين، أو لغرض الرد على أعداء الدعوة الذين نفروا عنها بحجة أَن أقرب الناس إلى صاحبها باينه فيها أو لغير ذلك من المقاصد".
وأمور الترجيح هذا لدى البسام هي باختصار: لأنه قام وقعد بمحاربة الدعوة السلفية مع علماء وقته- وقال: ولم نر أحدا من هؤلاء رجع،
стр. 831
وكل أتباعها هم تلاميذ الشيخ محمد، ولذكر ابن لعبون في تاريخه المخطوط انه لم ينزل الدرعية إلا كرها، ولأن ابن بسام لم ير له نشاطا في الدعوة غير هذه الرسالة، ولأن ابن بسام اطلع على جواب تلك الرسالة وفيها الترحم على الشيخ محمد مما يدل على أَنها كتبت بعد وفاة الشيخ محمد فلو كانت حقيقة لكان جواباً في عهد الشيخ محمد لا بعده١. انتهى ملخصا.
ولا يخفى أن الشيخ البسام عارض رواية الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن والشيخ سليمان بن سحمان –ودليلهما وهو الرسالة المذكورة من سليمان– ولم يذكر البسام رواية ابن بشر وابن غنام، وكان الشيخ عبد العزيز بن باز قد ذكر رجوعه بناء على ما ذكره ابن بشر والبسام عارض هذا كله بظنون، والظن لا يبني عليه شيء؛ فكيف يعارض به روايات الثقات، ويرجع هذا الظن عليها بأمور لا تقوم ولا تتم؟!.
فأما الأمر الأول فما يدريه عن رجوع من رجع وتاب ثم إنه يجوز ويمكن أَن من قام وقعد في محاربة الحق أَن يتضح له الحق ويرجع ويتوب، يجوز ذلك في العقل والواقع والشرع، وكونه لم ير له نشاطا، فالنشاط ليس بلازم، وربما كان له نشاط غير ظاهر، مع أَن ابن غنام حكى ذلك
стр. 832
عنه، وكون ابن لعبون ذكر في مخطوطته التي عند البسام أن سليمان قدم كرها فهذا معارض برواية ابن بشر وابن غنام.
الثانية: ثم لو كان الأمر صحيحاً فلا مانع من كون العاقبة رجوعه إلى الحق، أنسي أن من أهل الجنة من يقاد إليها بالسلاسل؟!
وكون ابن بسام اطلع على رسالة يذكر كاتبها أَنها من هؤلاء الثلاثة الذين كتب لهم سليمان تلك الرسالة المذكورة وأَنها جواب له وأن تاريخها متأخر بعد موت الشيخ محمد لا بعد موت الشيخ سليمان بل هي في حياته فتأخر تاريخها هذا إِن صح ليس فيه ما يبرر أنها مزيفة أيضا، مادام أن هذه الرسالة حصلت في حياة الشيخ سليمان والتي استمرت سنتين بعد وفاة أخيه الشيخ محمد واستنتاج البسام من هذه الرسالة أَن سليمان كان ساكتا في حياة أخيه على معتقده الأول ثم بعد وفاة أخيه يعلن رجوعه وموافقته لأخيه وأَن هذا الأمر من البعيد جدا، فلو صح الاستنتاج لكان من القريب جدا أَن سليمان كان في حياة أخيه يجد في نفسه، ثم لما مات زال ذلك الوجد المانع من قبول الحق فأعلنه وكم أسلم من أسلم، بعد وفاة من كان يدعوه إلى الإسلام ويأبى في حياته، وقد قال الإمام أحمد: "قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز" ١. وزعمه أَن كل أَتباع عقيدة الشيخ هم تلاميذه يرده الواقع السلفي.
стр. 833
وعلى كل فعقيدة الشيخ محمد السلفية ﵀ مؤثرة بعد مماته، كما كانت في حياته وربما أكثر لأنها تكشفت عنها الشبهات، وتجردت من كل ما يخالف عقيدة السلف الصالح، وأثمرت اتحاد الكلمة، واجتماع الشمل، وائتلاف القلوب والأمن والهدى سيما في عهد الإمام عبد العزيز، فلعمر الله قد أصبحت سلفية خالصة لا يشوبها شائبة، فما للقلوب النافرة عنها أدنى عذر ولا حجة.. والله أعلم.
وأذكر ما يقول ابن بشر معقبا على ما وصف في عهد الإمام عبد العزيز من اتساع دولة أنصار العقيدة وقوتها وما أنعم الله به عليها من الأمن وطاعة الرعية وانتظام ولايتهم فيقول: "وهذا الأمر في هذه المملكة شيء وضعه الله تعالى في قلوب العباد من البادي والحاضر في كل ما احتوت عليه هذه المملكة مع الرعب العظيم في قلوب من عادى أهلها وذلك والله أعلم من سببين:
أحدهما: أَن الراعي إذا عف عفت رعيته، فإذا عمل الإمام بطاعة الله وبذل العدل في الرعية، وصار القريب والبعيد، والغني والفقير والجليل والحقير في الحق سواء، وكان متواضعاً يحب العلماء وطلبة العلم وحملة القرآن، ويعظمهم ويحب الفقراء والمساكين ويعطيهم حقهم ويضع في المسلمين فيئهم جعل الله له الهيبة في القلوب وتداعى له كل مطلوب.
والسبب الثاني: أَن الله جعل لكل شيء ضدا مخالفا له منافيا أو معاديا، فجعل الشرك ضد التوحيد والعلم ضد الجهل إلى غير ذلك من
стр. 834
الأضداد المنافية بعضها لبعض، وأما الأضداد المعادية بعضها لبعض كعداوة الحية لبني آدم وعداوة إبليس لهم، وعداوة السباع لأضدادها وعداوة البادي لأهل القرى عداوات قديمة طبيعية فلا يصلح هذه العداوة بين أهل القرى وبينهم بذل المال، فإِنه إذا بذل لهم أصلح عداوتهم الظاهرة نحو أسبوع أوشهر، وأما عداوتهم الباطنة كالسرق ونحوه (كالخيانة) فإِنه لا يصلحها ويصلح الظاهرة معها إلا السيف، ولما عرف عبد العزيز ﵀ هذا الداء عرف الدواء فاستعمل لمن عاداه منهم السيف ولمن والاه منهم قوة الجانب والغلظة والشدة فكان يأخذ منهم الأموال الكثيرة على السرقة وقطع السبل، ويجعل رؤساءهم في السجن وأَغلال الحديد حتى إنه جعل الحميدي بن هذال رئيس بوادي عنزه ورجلا هتيميا في حديد واحد، وربط وطبان الدويش وابن هذال في حديد واحد ويأخذ النكال الكثير من أموالهم على من تخلف منهم عن المغزى مع المسلمين من فرس أو ذلول معروفة أو رجل معروف حتى ذكر لي أَنه لم يوجد عند مطير إلا فرس أوفرسان وذلك لأن بوادي هذه الجزيرة لم يحتاجوا لها لأنهم لم يخافوا من أحد ولا يخاف منهم أحد ولا يطمعون في أحد، قد حجز عبد العزيز جميع القبائل ويأخذ منهم هذه الأموال مع زكواتهم ويفرقها على أهل النواحي والبلدان " ...
إلى أن قال ابن بشر: "فصار البلد الواحد من قرايا نجد بهذا السبب يركب من هذا الغزو معه ومع ابنه سعود سبعون أو ستون مطية أوأقل أوأكثر، وإذا أرسل عماله لقبض الزكاة من الأعراب أمرهم أن لا يأخذوا
стр. 835
من الزكاة عقالا حتى يأخذوا لصاحب الدين حقه ولمن سرق له شيء قيمة ما له والنكال، فقويت البلدان واشتدت وطأتهم على عدوهم، فصار الأعرابي يرفع يده ولا يخفضها على شيء من مال أهل القرى ولا من مال البوادي، بعضهم من بعض في مفازة خالية فضلا عن غيرها، وصارهذا مطردا سائغا في زمنه وزمن ابنه سعود، وصدرمن ولاية عبد الله"١.
ولما توفي الإمام عبد العزيز بن محمد شهيدا سنة ١١٢٨هـ، تولى بعده ابنه سعود فصار هو الإمام، وكان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد أمر أهل بلدان نجد وغيرهم أن يبايعوه وأن يكون ولي العهد بعد أبيه، وذلك في السنة الثانية بعد المائتين والألف (١٢٠٢ هـ) بناء على أمر الإمام عبد العزيز، فبايعه جميعهم٢. وهوصاحب السيرة الحسنة في السلم والحرب يتتبع سيرة السلف الصالح في كل ذلك ويطبق مقتضى عقيدتهم السليمة وكان كثيرا ما يذكر رعيته خصوصا جيوش المسلمين بما أنعم الله عليهم من الاجتماع على كلمة الإسلام، وأَن سببه العمل بطاعة الله والصبر في مواطن اللقاء وأَن النصر لا ينال إلا بالصبر.
يقول ابن بشر: " وكان متيقظا بعيد الهمة، يسر الله له من الهيبة عند
стр. 836
الأعداء والحشمة في قلوب الرعايا ما لم يره أحد، وكانت له المعرفة التامة في تفسير القرآن، أخذ العلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أقام مدة سنين يقرأ عليه ثم كان يلازم على مجالس الدرس عنده وله معرفة في الحديث والفقه وغير ذلك، بحيث إِنه إذا كتب نصيحة لجميع رعاياه من المسلمين أتى فيها بالعجب العجاب وبهرت عقول أولي الأَلباب، وكان أول ما يصدر النصيحة بالوصية بتقوى الله تعالى ومعرفة نعمة الإسلام ومعرفة التوحيد والاجتماع بعد الفرقة، ثم الحض على الجهاد في سبيل الله، ثم الزجر عن جميع المحظورات من الزنى والغيبة والنميمة وقول الزور والمعاملات الربوية وغير ذلك، وكل نوع من ذلك يأتي عليه بالأدلة من الكتاب والسنة وكلام العلماء، فمن وقف على شيء من مراسلاته ونصائحه عرف بلاغته ووفور علمه، وإذا تكلم في المحافل بنصيحة أو مذاكرة بهر عقل من لم يكن قد سمعه، وخال في نفسه أَنه لم يسمع مثل قوله وحسن منطقه، وعليه الهيبة العظيمة التي ما سمعنا بها في الملوك السالفة، بحيث إِن ملوك الأقطار لا تتجاسر على مراجعته الكلام، ولا ترمقه بأبصارها إعظاما له وهو مع ذلك في الغاية من التواضع للمساكين وذوي الحاجة وكثير المداعبة والانبساط لخواصه وأصحابه ... " إلخ ما وصفه به من صفات كريمة، هي من أثر التمسك بعقيدة السلف الصالح١.
стр. 837
وقال الشيخ راشد بن علي الحنبلي في كتابه مثير الوجد في معرفة أنساب ملوك نجد عن الإمام سعود بن عبد العزيز "تولى ملك نجد وجند منها جنودا تزيد على أربعمائة ألف ما بين فارس وراجل، وأَخضع جزيرة العرب، وحاول مناهضة ملوك الدنيا وانتزاع الممالك. وكان مدة حياته لم تهزم له راية، وكان عالما ذكيا يحسن الخط والقراءة، وعليه من الأبهة والهيبة والجلال ما يبهر العقول، وكان فصيحا، إذا تكلم أنصت له كل سامع"١.
وعلى الجملة فهو شجاع فارس صادق في الحديث وعالم راسخ في العلم، وتقي دين، سلم لأولياء الله حرب على أعدائه، اجتمعت فيه ملكات الحكم والإِمارة ومواهب العلم والإمامة رحمه الله تعالى وقد تم على يديه دخول الحجاز في ولاية الدولة السعودية الأولى. وكان انتشار عقيدة السلف الصالح في عهده انتشارا مستمرا وواسعاً حتى شمل الحرمين وساد في أَرجاء الجزيرة وما حولها.
وقد قام الإمام سعود بن عبد العزيز بتقديم كتاب كان موجها إلى سليمان باشا يشرح فيه عقيدة السلف الصالح والتي قام بها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود ومن خلفه من أبنائه وفند مطاعن الأعداء وكشف شبهاتهم وأَن كل ما قالوه ضد عقيدة الشيخ وأنصاره
стр. 838
باطل وليس لهم حجة إلا من جنس ما يحتج به أعداء الرسل على الرسل وعلى أَتباعهم إلى يوم القيامة فاطلع عليه أهل مكة وعلماؤهم، ووقع عليه علماء مكة وقضاتها وأرباب الفتوى فيها من جميع المذاهب الأربعة ووقع الشريف غالب بن مساعد على ذلك وكذلك علماء المدينة المنورة، وكلهم يقولون نشهد أن هذا الدين الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ودعانا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز من توحيد الله ونفي الشرك الذي ذكره أَنه هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب، الذي جاء به النبي محمد ﷺ وأن ما وقع في مكة والمدينة سابقا ومصر والشام وغيرها، من البلاد إلى الآن، من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب أَنه الكفر المبيح للدم والمال والموجب للخلود في النار، ومن لم يدخل في هذا الدين ويعمل به، ويوالي أهله، ويعادي أعداءه فهو عندنا كافر بالله واليوم الآخر، وواجب على إمام المسلمين والمسلمين جهاده وقتاله حتى يتوب إلى الله مما هو عليه ويعمل بهذا الدين.
ومن هؤلاء المشائخ: الشيخ عبد الملك بن عبد المنعم القلعي الحنفي
مفتي مكة المكرمة، والشيخ محمد صالح بن إبراهيم مفتي الشافعية بمكة، والشيخ محمد بن محمد عربي البناني مفتي المالكية بمكة المشرفة، والشيخ محمد بن أحمد المالكي، والشيخ محمد بن يحيى مفتي الحنابلة بمكة المكرمة وغيرهم١.
стр. 839
وبهذا كسر الطاغوت وأرغم الشيطان ولله الحمد، نصر من الله وفتح قريب، وهذا النصر العزيز والفتح المبين هو من آثار عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وفوقه مدخل إلى الجنة كريم إن شاء الله تعالى.
ومن أشهرالعلماء العاملين في زمن الإمام سعود: ابن الشيخ، الشيخ عبد الله العالم الجليل.
قال ابن بشر: "هو الخليفة بعد أخيه حسين والقاضي في بلد الدرعية زمن سعود فكان آية في العلم ومعرفته ومعرفة فنونه" ١.
وحصَّل علماً كثيرا حيث أوقف حياته على تحصيل العلم وتعليمه ونشره وأخذ عنه خلق كثير من فطاحل العلماء، وصار مرجع القضاة وله مؤلفات عديدة وفتاوى كثيرة منها رد على بعض علماء الزيدية فيما اعترض به على دعوة التوحيد السلفية، ومختصرة السيرة النبوية، والكلمات النافعة، ورسالة طويلة كتبها حال دخوله مكة المكرمة مع الإمام سعود فاتحاً سنة ١٢١٨ هـ اشتملت على بيان عقيدة شيوخ
الدعوة وما هم عليه ورد مفتريات أعداء الإسلام.
جاء في هذه الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين، وبعد فإِنا معاشر الموحدين لما من الله علينا وله الحمد بدخول
стр. 840
مكة المشرفة نصف النهار يوم السبت في ثامن شهر المحرم الحرام سنة ١٢١٨ بعد أن طلب أشراف مكة وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو سعود الأمان، وقد كانوا تواطؤا مع أمراء الحجيج وأمير مكة على قتاله أو الإقامة في الحرم ليصدوه عن البيت فلما زحفت أجناد الموحدين ألقى الله الرعب في قلوبهم، فتفرقوا شذر مذركل واحد يعد الإياب غنيمة وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف ودخلنا وشعارنا التلبية آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين غير خائفين من أحد من المخلوقين بل من مالك يوم الدين، ومن حين دخل الجند الحرم وهم على كثرتهم مضبوطون متأدبون لم يعضدوا به شجرا، ولم ينفروا صيدا ولم يريقوا دما إلا دم الهدي أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحو الأحد وعرض الأمير ﵀ على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتلهم عليه وهو إخلاص التوحيد لله تعالى وعرفهم أَنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين: أحدهما إخلاص التوحيد لله تعالى، ومعرفة أنواع العبادة وأَن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد ﷺ ، واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد، وترك الإِشراك قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة.
والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لم يبق عندهم إلا اسمه وانمحى أثره ورسمه.
стр. 841
فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة وقبل منهم وعفى عنهم كافة فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق لا سيما العلماء، ونقرر لهم حال اجتماعهم وحال انفرادهم لدينا أدلة ما نحن عليه، ونطلب منهم المناصحة والمذاكرة وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم بأنا قابلون ما وضحوا برهانه من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح كالخلفاء الراشدين المأمورين باتباعهم بقوله ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " أوعن الأئمة الأربعة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث لقوله ﷺ "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وعرفناهم أَنا دائرون مع الحق أينما دار وتابعون للدليل الجلي الواضح ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقموا علينا أمرا.
فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات إِن بقي لديهم شبهة. فذكر بعضهم شبهة، أو شبهتين فرددناها بالدلايل القاطعة من الكتاب والسنة حتى أذعنوا ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب فيما قاتلنا الناس عليه أَنه الحق الجلي الذي لا غبار عليه، وحلفوا لنا الأيمان المغلظة من دون استحلاف لهم على انشراح صدورهم وجزم ضمائرهم أَنه لم يبق لديهم شك في أَن من قال: يا رسول الله ﷺ ، أو يا ابن عباس، أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين طالبا بذلك دفع شر أو جلب
стр. 842
خير من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه ونحو ذلك إِنه مشرك شركا أكبر يهدر دمه ويبيح ماله وإِن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هوالله تعالى وحده لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متشفعاً بهم ومتقربا بهم لتقضى حاجته من الله بسرهم وشفاعتهم له فيها أيام البرزخ، وأَن ما وضع من البناء على قبور الصالحين صارت في هذه الأزمان أصناما تقصد لطلب الحاجات ويتضرع عندها ويهتف بأهلها في الشدائد كما كانت تفعله الجاهلية الأولى، وكان من جملتهم مفتي الحنفية الشيخ عبد الملك القلعي وحسين المغربي مفتي المالكية، وعقيل بن يحيى العلوي فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه ويرجى النفع والضر بسببه من جميع البناء على القبور وغيرها حتى لم يبق في تلك البقعة المطهرة طاغوت يعبد فالحمد لله على ذلك ثم رفعت المكوس والرسوم، وكسرت آلات التنباك، ونودي بتحريمه وأحرقت أماكن الحشاشين والمشهورين بالفجور ونودي بالمواظبة على الصلوات في الجماعات، وعدم التفرق في ذلك بأَن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد، ويكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة رضوان الله عليهم، واجتمعت الكلمة حينئذ، وعبد الله وحده، وحصلت الألفة وسقطت الكلفة، وأمر عليهم، واستتب الأمر من دون سفك دم ولا هتك عرض ولا مشقة على أحد والحمد لله رب العالمين.
ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد في التوحيد المتضمنة للبراهين وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمات والأحاديث المتواترة
стр. 843
مما يثلج الصدر واختصر من ذلك رسالة مختصرة للعوام تنشر في مجالسهم وتدرس في محافلهم ويبين لهم العلماء معانيها ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة فيتضح لهم الشرك فينفروا عنه وهم على بصيرة آمنين.
وكان فيمن حضر مع علماء مكة وشاهد غالب ما صار حسين بن محمد بن الحسين الإبريقي الحضرمي ثم الحياني ولم يزل يتردد علينا ويجتمع بسعود وخاصته من أهل المعرفة، ويسأل عن مسألة الشفاعة التي جرد السيف بسببها من دون حياء ولا خجل لعدم سابقة جرم له؛ فأخبرناه بأن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم بل والأعلم والأحكم خلافا لمن قال طريق الخلف أعلم".
ومضى الشيخ يبين عقيدتهم السلفية في الأصول والفروع في رسالته هذه وهي طويلة ونقلت منها ما نقلت لتضمنه وصفا لأثر عقيدة الشيخ في نشر دين الله ورسوله ﷺ ، وقد أثنى عليها العلماء وصدقوها وزكوها وما علمت أن أحدا نفى ما جاء فيها من وصف ما جرى وما هو واقع.
يقول محمد كرد علي الدمشقي في كتابه "القديم والحديث " عن هذه الرسالة: "ورسالة عبد الله بن عبد الوهاب التي كتبها حين فتح الحرمين الشريفين شاهد عدل أَنه بريء من تلك الافتراءات التي افتروها على عقائده وعقائد أبيه، وبنوا عليها تلك الزلازل والقلاقل وأن مذهبه
стр. 844
عين مذهب الأئمة المحدثين والسلف الصالحين" ١.
والحق أن الشيخ أنصف ولم يترك لأحد مقالا، وأحال إلى الواقع الذي لا يقدر أحد أن ينكره يقول في رسالته تلك: "ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين تنفيرا للناس عن الإِذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره ويغفر ما دونه لمن يشاء".
ويشير إلى ما كذب عليهم من أنهم مخالفون لعقيدة أهل السنة والجماعة في أي مسألة من مسائل العقيدة٢.
ومن هؤلاء القضاة في زمن الإمام سعود:
الشيخ عبد الرحمن بن نامي الذي صار قاضيا في بلد العيينة، ثم صار قاضيا في الأحساء زمن سعود وابنه عبد الله٣.
والشيخ محمد بن سلطان العوسجي قاضي المحمل صار قاضيا في الأحساء زمن سعود ٤ وقد حصل في التوحيد والتفسير والحديث والفقه
وأصول هذه العلوم، وقام بنشر عقيدة السلف الصالح في الاحساء٥.
стр. 845
والشيخ عبد الرحمن بن عبد المحسن أبا حسين الذي صار قاضيا في حريملاء وبلَدِ الزلفي وغيرهما زمن سعود وابنه عبد الله١.
وعن الأثر العمراني والحضاري لهذه العقيدة السلفية التي لا ينسى صاحبها نصيبه من الدنيا ويحسن كما أحسن الله إليه- يحدثنا المؤرخ ابن بشر عن مثال رآه وشاهده فيقول:"ولقد رأيت في الدرعية بعد ذلك في زمن سعود رحمه الله تعالى وما فيه أهلها من الأَموال وكثرة الرجال والسلاح المحلى بالذهب والفضة الذي لا يوجد مثله، والخيل الجياد والنجايب العمانيات والملابس الفاخرة وغير ذلك من الرفاهيات ما يعجز عن عده اللسان ويكل عن حصره الجنان والبنان ولقد نظرت إلى موسمها يوما في مكان مرتفع، وهو في الموضع المعروف بالباطن، بين منازلها الغربية التي فيها آل سعود، والمعروفة بالطريف، ومنازلها الشرقية المعروفة بالبجيري، التي فيها أبناء الشيخ، ورأيت موسم الرجال في جانب وموسم النساء في جانب وموسم اللحم في جانب وما بين ذلك من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام والبيع والشراء، والأخذ والعطاء وغير ذلك، وهو مد البصر، لا تسمع فيه إلا كدوي النحل من النجناج، وقول: بعت وشريت، والدكَاكِين على جانبيه الشرقي والغربي وفيها من الهدم والسلاح والقماش مالا يعرف ولا يوصف٢.