فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة وقبل منهم وعفى عنهم كافة فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق لا سيما العلماء، ونقرر لهم حال اجتماعهم وحال انفرادهم لدينا أدلة ما نحن عليه، ونطلب منهم المناصحة والمذاكرة وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم بأنا قابلون ما وضحوا برهانه من كتاب أو سنة أو أثر عن السلف الصالح كالخلفاء الراشدين المأمورين باتباعهم بقوله ﷺ "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي " أوعن الأئمة الأربعة المجتهدين ومن تلقى العلم عنهم إلى آخر القرن الثالث لقوله ﷺ "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" وعرفناهم أَنا دائرون مع الحق أينما دار وتابعون للدليل الجلي الواضح ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا، فلم ينقموا علينا أمرا.
فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات إِن بقي لديهم شبهة. فذكر بعضهم شبهة، أو شبهتين فرددناها بالدلايل القاطعة من الكتاب والسنة حتى أذعنوا ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب فيما قاتلنا الناس عليه أَنه الحق الجلي الذي لا غبار عليه، وحلفوا لنا الأيمان المغلظة من دون استحلاف لهم على انشراح صدورهم وجزم ضمائرهم أَنه لم يبق لديهم شك في أَن من قال: يا رسول الله ﷺ ، أو يا ابن عباس، أو يا عبد القادر أو غيرهم من المخلوقين طالبا بذلك دفع شر أو جلب
стр. 842
خير من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى من شفاء المريض والنصر على العدو والحفظ من المكروه ونحو ذلك إِنه مشرك شركا أكبر يهدر دمه ويبيح ماله وإِن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هوالله تعالى وحده لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متشفعاً بهم ومتقربا بهم لتقضى حاجته من الله بسرهم وشفاعتهم له فيها أيام البرزخ، وأَن ما وضع من البناء على قبور الصالحين صارت في هذه الأزمان أصناما تقصد لطلب الحاجات ويتضرع عندها ويهتف بأهلها في الشدائد كما كانت تفعله الجاهلية الأولى، وكان من جملتهم مفتي الحنفية الشيخ عبد الملك القلعي وحسين المغربي مفتي المالكية، وعقيل بن يحيى العلوي فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه ويرجى النفع والضر بسببه من جميع البناء على القبور وغيرها حتى لم يبق في تلك البقعة المطهرة طاغوت يعبد فالحمد لله على ذلك ثم رفعت المكوس والرسوم، وكسرت آلات التنباك، ونودي بتحريمه وأحرقت أماكن الحشاشين والمشهورين بالفجور ونودي بالمواظبة على الصلوات في الجماعات، وعدم التفرق في ذلك بأَن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد، ويكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة رضوان الله عليهم، واجتمعت الكلمة حينئذ، وعبد الله وحده، وحصلت الألفة وسقطت الكلفة، وأمر عليهم، واستتب الأمر من دون سفك دم ولا هتك عرض ولا مشقة على أحد والحمد لله رب العالمين.
ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد في التوحيد المتضمنة للبراهين وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمات والأحاديث المتواترة
стр. 843
مما يثلج الصدر واختصر من ذلك رسالة مختصرة للعوام تنشر في مجالسهم وتدرس في محافلهم ويبين لهم العلماء معانيها ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة فيتضح لهم الشرك فينفروا عنه وهم على بصيرة آمنين.
وكان فيمن حضر مع علماء مكة وشاهد غالب ما صار حسين بن محمد بن الحسين الإبريقي الحضرمي ثم الحياني ولم يزل يتردد علينا ويجتمع بسعود وخاصته من أهل المعرفة، ويسأل عن مسألة الشفاعة التي جرد السيف بسببها من دون حياء ولا خجل لعدم سابقة جرم له؛ فأخبرناه بأن مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتنا طريقة السلف التي هي الطريق الأسلم بل والأعلم والأحكم خلافا لمن قال طريق الخلف أعلم".
ومضى الشيخ يبين عقيدتهم السلفية في الأصول والفروع في رسالته هذه وهي طويلة ونقلت منها ما نقلت لتضمنه وصفا لأثر عقيدة الشيخ في نشر دين الله ورسوله ﷺ ، وقد أثنى عليها العلماء وصدقوها وزكوها وما علمت أن أحدا نفى ما جاء فيها من وصف ما جرى وما هو واقع.
يقول محمد كرد علي الدمشقي في كتابه "القديم والحديث " عن هذه الرسالة: "ورسالة عبد الله بن عبد الوهاب التي كتبها حين فتح الحرمين الشريفين شاهد عدل أَنه بريء من تلك الافتراءات التي افتروها على عقائده وعقائد أبيه، وبنوا عليها تلك الزلازل والقلاقل وأن مذهبه
стр. 844
عين مذهب الأئمة المحدثين والسلف الصالحين" ١.
والحق أن الشيخ أنصف ولم يترك لأحد مقالا، وأحال إلى الواقع الذي لا يقدر أحد أن ينكره يقول في رسالته تلك: "ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا علم قطعاً أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين تنفيرا للناس عن الإِذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره ويغفر ما دونه لمن يشاء".
ويشير إلى ما كذب عليهم من أنهم مخالفون لعقيدة أهل السنة والجماعة في أي مسألة من مسائل العقيدة٢.
ومن هؤلاء القضاة في زمن الإمام سعود:
الشيخ عبد الرحمن بن نامي الذي صار قاضيا في بلد العيينة، ثم صار قاضيا في الأحساء زمن سعود وابنه عبد الله٣.
والشيخ محمد بن سلطان العوسجي قاضي المحمل صار قاضيا في الأحساء زمن سعود ٤ وقد حصل في التوحيد والتفسير والحديث والفقه
وأصول هذه العلوم، وقام بنشر عقيدة السلف الصالح في الاحساء٥.
стр. 845
والشيخ عبد الرحمن بن عبد المحسن أبا حسين الذي صار قاضيا في حريملاء وبلَدِ الزلفي وغيرهما زمن سعود وابنه عبد الله١.
وعن الأثر العمراني والحضاري لهذه العقيدة السلفية التي لا ينسى صاحبها نصيبه من الدنيا ويحسن كما أحسن الله إليه- يحدثنا المؤرخ ابن بشر عن مثال رآه وشاهده فيقول:"ولقد رأيت في الدرعية بعد ذلك في زمن سعود رحمه الله تعالى وما فيه أهلها من الأَموال وكثرة الرجال والسلاح المحلى بالذهب والفضة الذي لا يوجد مثله، والخيل الجياد والنجايب العمانيات والملابس الفاخرة وغير ذلك من الرفاهيات ما يعجز عن عده اللسان ويكل عن حصره الجنان والبنان ولقد نظرت إلى موسمها يوما في مكان مرتفع، وهو في الموضع المعروف بالباطن، بين منازلها الغربية التي فيها آل سعود، والمعروفة بالطريف، ومنازلها الشرقية المعروفة بالبجيري، التي فيها أبناء الشيخ، ورأيت موسم الرجال في جانب وموسم النساء في جانب وموسم اللحم في جانب وما بين ذلك من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام والبيع والشراء، والأخذ والعطاء وغير ذلك، وهو مد البصر، لا تسمع فيه إلا كدوي النحل من النجناج، وقول: بعت وشريت، والدكَاكِين على جانبيه الشرقي والغربي وفيها من الهدم والسلاح والقماش مالا يعرف ولا يوصف٢.
стр. 846
"وكان قوة هذه البلد وعظم مبانيها، وقوة أهلها وكثرة رجالها وأموالها لا يقدر الواصف صفتها، ولا يحيط العارف بمعرفتها، فلو ذهبتُ أعد رجالها وإقبالهم فيها وإدبارهم في كتائب الخيل والنجائب العمانيات وما يدخل على أهلها من أحمال الأموال من سائر الأجناس التي لهم مع المسافرين من أهلها، ومن أهل الأقطارلم يسعه كتاب ولرأيت العجب العجاب، وكأن الداخل في موسمها لا يفقد أحدا من أهل الآفاق من اليمن وتهامه والحجاز، وعمان والبحرين وبادية الشام، ومصر وأناس من حاضرتهم، إلى غير ذلك من أهل الآفاق ممن يطول عدهم، هذا داخل فيها وهذا خارج منها، وهذا مستوطن فيها. وكانت الدور لا تباع فيها إلا نادرا، وأثمانها سبعة آلاف ريال وخمسة الآف ريال والداني بألف ريال وأقل وأكثر وكل شيء بقدره، على هذا التقدير، وكروة الدكان الواحد في الشهر خمسة وأربعون ريالا وسائر الدكاكين الواحد بريال في اليوم، وشيء نصف ريال، وذكر لي أن القافلة من الهدم إذا أتت إليها، بلغت كروة الدكان في اليوم الواحد أربعة أريل، وأراد رجل منهم أن يوسع بيته ويعمره، فاشترى نخيلات تحت هذا البيت، يريد قطعها وتعمير موضعها، كل نخلة بأربعين ريالا وخمسين ريالا، فقطع النخل وعمر البيت، ولكنه وقع عليه الهدم١ قبل تمامه.
стр. 847
وذكر لي من أثق به أن رجلا من أهل الدرعية قال له: إني أردت ميزابا في بيتي، فاشتريت خشبة طولها ثلاثة أذرع بثلاثة أريل، وأجرة نجره وبناه ريال. وكان غلا الحطب فيها والخشب إلى حد الغاية حتى قيل إن حمل الحطب بلغ خمسة أريل وستة، والذراع من الخشبة الغليظة بريال وكل بيوتها مقاصير وقصور. كأن ساكنيها لم يكونوا من أبناء ساكني القبور. فإذا وقفت في مكان مرتفع ونظرت موسمها وكثرة ما فيها من الخلائق وتزايلهم فيه وإقبالهم وإدبارهم ثم سمعت رنتهم ونجناجهم فيه فكأنه دوي السيل القوي إذا صب من عالي جبل"١ اهـ.
لا شك أن هذا الوصف يصور تطورا عمرانيا وحضاريا متفوقا على جميع الأقطار من حولهم حيث كان الداخل في موسمها لا يفقد أحدا من أهل الآفاق من اليمن وتهامة والحجاز، وعمان والبحرين، وبادية الشام ومصر وأناس من حاضرتهم ... ، إلى غير ذلك من أهل الافاق ممن يطول عدهم الخ كلام ابن بشر الذي رأى ذلك زمن الإمام سعود.
وأما الإمام عبد الله بن سعود؛ فيقول الشيخ راشد بن علي بن جريس في كتابه " مثير الوجد في معرفة أنساب ملوك نجد" بعد أن ذكر وفاة الإمام سعود بن عبد العزيز سنة ١٢٢٩ هـ؛ قال:
" لما توفي الإِمام سعود تولى الإمامة بعده ابنه عبد الله بن سعود
стр. 848
فسار سيرة والده إلاَّ أَنَّ إخوته لا يوافقونه على إرادته وكان لا يخالفهم ونازعه أخوه فيصل بن سعود فكان يأمر وفيصل يأمر، فتفرقت شوكتهم ونفرمنهم فئام من العرب، واتسع الخرق في قوتهم، فحاربتهم الدولة المصرية، وانحاز إلى المصريين أكثر العرب من نجد والحجاز واليمن والعراق والشام وكان عبد الله شجاعاً ديناً عفيفاً كريماً سخياً، إلا أنه ليس له من الرأي والألمعية كما لوالده، فلذلك أضاع من سياسة الرعية شيئا عظيما فوافاه القدر المحتوم فتوفي في مدينة قسطنطينية سنة ١٢٣٣هـ"١.
وقال ابن بشر: "وهذا الذي ذكرت من جهة الأمن وطاعة الحاضر والباد وغير ذلك اتفق في زمن عبد العزيز وزمن ابنه سعود وصدر من ولاية عبد الله" ٢.
حاصل أثر عقيدة الشيخ في هذا الدور:
يمكننا تحصيل أبرز آثار عقيدة الشيخ في هذا الدور من أدوار دولة أنصارها في نقاط هي: إشراق نور الحق من نجد، وإمامة الأئمة والملوك من آل سعود، وتحقيق أَن منهج السلف يأتي بالخلافة في الأرض، وتحقيق أَن عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية قامت عليها دولة عظيمة فاقت أهل زمانها، وهي صالحة لأن تقوم عليها دولة عصرية تفوق أهل هذا الزمان بحول الله وقوته.
стр. 849
وهذه النقاط يمكن استعراضها بشكل موجز فيما يلي:
إشراق نور الحق من نجد:
لقد أشرق نُورُ الحق وأضاء نور هدي رسول الله ﷺ بعد ما أثار طواغيت العالم حوله القتام من نجد هذه المرة كما قال حسين بن غنام:
تلألأ نور الحق وانصدع الفجر ... وديجور ليل الشرك مزقه الظهر
وشمس الأماني أشرقت في سعودها ... ولاح بأفق السعد أنجمه الزهر
وجلا ظلام الخطب بيض صنائع ... كأن سناها في غياهبه بدر
وأسفر وجه الوقت بعد تعبس ... وحالت بصنع الله أَحواله الكدر
إلى أن قال:
تشعشع من خمسين عاما ضياؤه ... ولم تبق أرض ليس فيها له ذكر١
ومن عادة المؤرخين أنهم لا يهتمون في تاريخهم بتدوين الحوادث في الأزمنة والأمكنة ما لم تكن لها دولة ذات شأن، ولذا فإن الباحث في أية ناحية من نواحي التاريخ المتعلقة ببلاد نجد وما جاورها في القرون التي تلت القرن الثالث الهجري حتى زمن ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ تعوزه المصادر ولا يرى اهتماما من المؤرخين بحوادثها، وكل من كتب من المؤرخين المحدثين يبني تاريخه على الشهرة القديمة في صدر الإسلام ويعول على ما ذكره متقدمو المؤرخين عنها ٢، أما بعد أن
стр. 850
أنعم الله على هذه البلاد بظهور دعوة الشيخ إلى عقيدة السلف الصالح وإصلاح ما فسد وانحرف من عقائد الناس على أيدي الغر الميامين آل سعود فقد عمت بركتها وشمل يمنها الجزيرة وما جاورها وبلغت أقصى أقطار المعمورة وكان ذلك موضع اهتمام المؤرخين والعلماء فكان همهم الأكبر فهم حقيقة تلك النهضة التي هي حقيقة الإسلام خالصا من كل شائبة.
وكان أول من قام بتدوين تاريخ قيام هذه النهضة المباركة وتصوير كفاح أولئك الأبطال الذين حموا حوزتها، ودافعوا عنها بالنفس والنفيس عالم جليل من بلاد الأحساء هوالشيخ حسين بن غنام (ت ١٢٢٥هـ) فسجل حوادث ما يزيد على نصف قرن من الزمان، وجاء بعده عالم جليل آخر هو عثمان بن بشر (١٢١٠-١٢٩٠هـ) فسجل أهم حوادث أكثر من قرن كامل من الزمان بطريق التسلسل، (من سنة ١١٥٨ إلى سنة ١٢٦٨هـ) ١.
ويلاحظ أن ابن بشر قد خصص كتابه لتاريخ تلك النهضة المباركة
стр. 851
والدولة الميمونة وما دونه من نتف قبلها اعتبرها سوابق سبقت تلك العصور الزاهرة وقال: "إنما دونتها ليعرف من وقف عليها نعمة الإسلام والجماعة والسمع والطاعة ولا تعرف الأشياء إلا بأضدادها" ١.
ويرى الدكتور منير العجلاني أن مبدأ تاريخ نجد الحديث والجزيرة العربية والشرق الأدنى هو من السنة التي هاجر فيها الشيخ محمد ابن عبد الوهاب إلى الدرعية قال: "ففيها بدأت نجد تكتشف نفسها، وتعي رسالتها، وتصنع وحدتها، وتبني نهضتها، وقبل ذلك وحتى القرن الثاني عشر، كانت (نجد) تعبيرا تاريخيا أو (جغرافيا) في الكتب القديمة، وأما في الواقع فما كان شيء يذكر بوحدتها أو وجودها ... وإنما كانت هناك مجموعة كبيرة من الإمارات والمشيخات تنفرد كل واحدة منها بسلطانها، وتعتز باسمها ولا ترى شيئا فوقه، وقد تتحالف أحيانا لقتال الآخرين واستباحة ديارهم وأموالهم، ولكنها متى فرغت من قتال عدوها عادت تتقاتل فيما بينها، ولما يجف مداد عهدها ودم جندها".
إلى أن قال: "فلما تأسست دولة الإسلام في الدرعية، أخذت الصفوف تتجمع والبلدان تتوحد، فنشأت وحدة في العارض، ثم وحدة في نجد، ثم توسع مدلول نجد نفسه، فنشأت دولة نجد الكبرى إن صح هذا التعبير " ٢.
стр. 852
ولقد أيد الدكتور العجلاني هذا الرأي بنقول عن صحيفة "الخليج الفارسي " وعن الدكتور فيليب حتى في كتابه "تاريخ العرب"، وعن "دائرة المعارف الإسلامية النسخة الإنكليزية، الطبعة الجديدة" ١.
وإذا اعتبرنا- وهو اعتبار صحيح يؤيده الواقع التاريخي- أن وجود العلماء والمؤرخين إنما يكون بقيام الدول الإسلامية لأن من شأنها الاستقرار والعدل والقضاء على الظلم والجهل فإننا نستطيع القول بأن التاريخ أشرق مرة أخرى بقيام دولة آل سعود بنصرعقيدة السلف الصالح منذ عقد الإمامان المحمدان العهد بينهما على نصرة دين الله ورسوله ﷺ عام ١١٥٨هـ.
إمامة الأئمة والملوك من آل سعود وتاريخهم:
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
فمن آتاه الله الملك وسار فيه على النهج السوي كانت له هيبة مأثورة ومكانة مرهوبة وأنساب محفوظة، وتاريخ مجيد، وآل سعود منذ آووا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ونصروه في دعوته إلى عقيدة أهل السنة والجماعة، قد جعل الله لهم ملكا قائما وتاريخا مجيدا بالفضائل مشرقا، ودونت أنسابهم وسلسلت أَعلامهم في مشجرات الأنساب،
стр. 853
وحفظت في تواريخ ومؤلفات ومن هذه المؤلفات كتاب: "مثير الوجد في معرفة أنساب ملوك نجد"، تأليف شيخ من أفاضل السلفيين هو راشد بن علي الحنبلي من آل جريس من قرية نعام ومن أهل القرن الثالث عشر كان معاصرا لصديق حسن خان وله ترجمة في "التاج المكلل" لصديق حسن خان١.
ولعل الدكتور منير العجلاني لم يطلع على هذا الكتاب فإِنه في بحثه نسب آل سعود، قصر سلسلة نسبهم على مانع الجد السابع لمحمد بن سعود، وقال: "هذه هي سلسلة النسب التي نجدها في كل كتاب يبحث في تاريخ الدولة السعودية لأنها قريبة العهد، وأما ما فوق مانع من الآباء، فبعض المؤلفين يهمله وبعضهم ينقص منه، وبعض يغلط فيه، ولكن المؤلفين يجمعون على أن مانعاً يتحدر من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان" ٢.
ثم عدد الدكتور العجلاني المراجع التي اطلع عليها وناقش ماورد
فيها من معلومات ومشجرات لهذا النسب ولم يذكر "مثير الوجد في معرفة أنساب ملوك نجد" هذا، وهو لعالم من علماء النسب في نجد
стр. 854
الأثبات كما يبدو من ترجمته١، وقد ذكرفيه مشجر ربيعة وتميم الذي تضمن ذكر من فوق مانع حتى ربيعة٢، وفي ظني أنه مشجر صحيح.
وعلى كل حال فإن ذلك الغموض في تاريخ من فوق محمد بن سعود يؤكد بأن هذه الأسرة الكريمة لم يظهر صيتها، ولم يهتم بها المؤرخون حتى آتى الله آل سعود الملك ببركة إتفاق جدهم محمد بن سعود مع محمد ابن عبد الوهاب على نصرة الإسلام.
يقول الدكتور العثيمين: " إن تاريخ الأسرة السعودية في بلدة الدرعية يعود إلى منتصف القرن التاسع الهجري وكان جد هذه الأسرة مانع المريدي، مقيماً في مكان يقال له الدرعية ناحية القطيف، وكان ابن عمه، ابن درع، مستقراً في حجر اليمامة، ونتيجة لمراسلات بينهما انتقل مانع إلى منطقة نفوذ ابن عمه سنة ٨٥٠" اهـ٣.
ويقول أيضاً: "والمتأمل في تاريخ هذه الأسرة خلال أكثرمن قرنين ونصف القرن يجد أنه لا يختلف عن تاريخ كثير من الأسر التي كانت في نجد آنذاك على العموم: كانت هذه الأسرة في بدايتها ضعيفة،
стр. 855
ثم قويت وتوسعت على حساب جيرانها آل يزيد- وكغيرها من الأسر قام بين أفرادها صراع حول السلطة والنفوذ حتى ضعف مركزها، وانتقلت رئاسة بلدة الدرعية إلى رجل من خارج هذه الأسرة يسمى سلطان بن محمد القبس سنة ١١٠٧ هـ، وعلى أية حال؛ فإن رئاسة البلدة عادت بالقوة إلى أصحابها السابقين بعد ثلاثة عشر عاما وأصبح موسى بن ربيعة أميرا لكنه ما لبث أن أبعد عن الإِمارة وحل محله سعود بن محمد بن مقرن، وحين توفي سعود سنة ١١٣٧ هـ لم يتول ابنه محمد الإِمارة بعده وإنما تولاها زيد بن مرخان على أن محمداً كان له تأثير قوي على سير الحوادث في الإِمارة، وكان قد حل بالعيينة وباءٌ سنة ١١٣٨ هـ مات فيه أميرها عبد الله بن معمر وعدد كبير من رجالها واستغلالا لذلك أخذ زيد بن مرخان يعد العدة لمهاجمتها، لكن خطته فشلت حين استدرجه أمير العيينة الجديد محمد بن معمر وقتله غدرا في السنة التالية وحينما عاد بقية من كانوا معه إلى الدرعية بقيادة محمد بن سعود أصبح هذا الأخير أميراً لها" ١.
ويقول الدكتور العجلاني: "وبقي محمد بن سعود رئيسا للدرعية قبل هجرة الشيخ إليها نحو عشرين سنة أي منذ عام ١١٣٩ هـ إلى عام
١١٥٧ هـ ولسنا نعرف شيئا من أخبار هذه الفترة الطويلة، ولعله لم
стр. 856
يكن فيها شيء يستحق الذكر" اهـ١.
هذا هو تاريخ الأسرة السعودية فقبل قيامها بدين الله على منهج السلف الصالح نجده تاريخا لا يختلف عن تاريخ أي أسرة من الأسر النجدية الأخرى التي كانت كل واحدة منها دولة وفي كل بلدة من بلدانها إمارة أو مشيخة.
تحقيق أن منهج السلف الصالح يأتي بالخلافة في الأرض:
لما قام آل سعود بدين الله على منهج السلف الصالح وفازوا على غيرهم بإِيواء حامل لوائه ونصرته ووفوا بما عاهدوا عليه الله آتاهم الله الملك، واستخلفهم في الأرض كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ الآية (النور: ٥٥) .
فكانت لهم مكانة مرهوبة وهيبة مأثورة وأنساب وتاريخ محفوظ ولا غرو في ذلك لأنهم نصروا منهج السلف الصالح وامتازوا بذلك على غيرهم، ومنهج السلف الصالح هو الأساس في بناء الأمة الإِسلامية وهو قطب رحاها فكما أن الأمة الإِسلامية وسط بين الأمم فكذلك منهج السلف الصالح وسط بين المناهج والفرق الإِسلامية، والدين الراشد هو الأمر الوحيد الذي ينقاد له العرب، وبالدين يأتيهم الملك كما قرر
стр. 857
هذا عالم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون في "مقدمته"، فقال:
"إن العرب لا يحصل لهم الملك إلاَّ بصبغة دينية من نبوَةٍ أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة، والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرئاسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسهل انقيادهم واجتماعهم وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة، الوازع عن التحاسد والتنافس فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يبعثهم على القيام بأمر الله يذهب منهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها ويؤلف كلمتهم لإِظهار الحق تم إجتماعهم وحصل لهم الملك والتغلب" ١.
وقال أيضا: "إن الدولة العامة الاستيلاء، العظيمة الملك أصلها الدين إما من نبوة أودعوة حق، وذلك لأن الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية واتفاق القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل
стр. 858
وأقبلت على الله اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقلَّ الخلاف، وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة" ١ اهـ.
وهكذا فإن دولة آل سعود التي عظمت إنما أصلها الدين، أصلها الدعوة إلى الإِسلام والسنة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب فقبلوها وأقاموها خالصة من أي شيء يخالف عقيدة السلف الصالح ونهجهم السليم.
إن الشيخ وابن سعود وأتباعهم قصدوا إقامة دين الله ونشر الإِسلام وإقرار السنة وإماتة البدعة فجعل الله لهم عاقبة حميدة ونصرهم في نهاية جهادهم وأوصلهم ما كانوا يأملون به رغم كثرة الخصوم وشراستهم، وعداوة الأمراء والملوك من حولهم لهم ولما قاموا به، بالإضافة إلى استمرار معارضة علماء السوء وما أكثرهم وابتلاء الأمة بأشخاص عرفوا بالعلم والديانة ثم انسلخوا من أداء الأمانة وقول الصدق وشهادة الحق في شأن الشيخ وأنصاره وما دعوا إليه من الدين وراحوا يشبهون ويفترون على الإِسلام والمسلمين، ولم تحل خشية الله بينهم وبين كتمان ما أنزل الله من البينات بل لم تحل بينهم وبين افتراء الكذب ولبس الحق بالباطل.
ومع ذلك فإن الله كتب لدعوة الشيخ النجاح ولمناصريه العز والتمكين ولخاذليه الذل والإِزالة فها هو عثمان بن معمر
стр. 859
الذي طرد الشيخ مهابة من ملك الأَحساء، يجد نفسه وقد ذهبت عنه تلك المهابة وبطل عنه كل ما كان يجد من دون الله تعالى وما وجد غير أن يأتي إلى الدرعية نادما تائبا يرجو من الشيخ أن يعود معه، ثم لما رأى بالبصيرة أن اغتنام بقاء الشيخ قد فاته وظفر به ابن سعود١ لم يجد بدا من أن ينضوي تحت لواء ابن سعود يجاهد في سبيل الله، وهذا مقتضى العقل وعين الحق الذي لا مفر منه ثم نلمح الوفاء والكرم من الشيخ ومحمد بن سعود يكرمون هذا العزيز الذي ذل ويجعلونه أمير الغزو كله بمثابة القائد العام للجيوش التي هي عدد الأمة وعدتها يريدون بذلك إعادة اعتباره بين قومه، والإِبقاء على مكانته وإشباع طموحه في الزعامة والذي كان هو سبب ضعفه عن نصرة الإِسلام عسى أن يجد في الإِسلام ما فقده في غيره وعسى أن يغتبط بهذا الفضل وينسى ما يطمح إليه وقد قصر عن مستواه٢، ولكنه ظل متأرجحاً بين الحق والباطل ثم أدركه حب الرياسة والاستقلال، وأعمته الأنفة عن طريقه الذي سلكه وهو الصواب، ولم يصبر على ما توهم أنه تبعية مذلة لابن سعود وابن عبد الوهاب فنزعت به نفسه إلى سلوك ما يريب منه ويشينه ويفتح عليه باب المؤاخذة والعقوبة فيقتله بعض جماعته من أهل العيينة بسبب ذلك٣، والعيينة يحرسها الله
стр. 860
بولائها للشيخ وابن سعود من استشراء الفتن فيها وتمزيقها لها فما كان إلاَّ أن تداركها الله بسرعة مجيء الشيخ إليها وتعيين أمير يخلف الراحل وتستمر العيينة بأهلها في مسيرتها تحت لواء الدعوة استمرارا يسحق ما يقف في طريقها حتى ولو كان الواقف في طريقها أميرهم عثمان١ أو قصر آل معمر فيها٢.
وفشلت كل معارضات علماء السوء النجديين، وخططهم وسعاياتهم، وانكشفت تشبيهاتهم وزهق باطلهم بانتشار دعوة الحق ودولتها حتى انهزم أمير الرياض وافتتحها عبد العزيز بن محمد بعد حروب استمرت حوالي ثمانية وعشرين عاماً تخللتها فترات صلح يلجأ إليها دهام ابن دواس حين يحس بضعف موقفه فيظهر الطاعة ثم ينكث وأخيرا هرب منها فأدخلوها تحت حكمهم الراشد، وغنموا ما فيها من عائدات الدولة٣.
وخاضت دولة الدعوة معارك في زمان محمد بن سعود كثيرة مع أعداء كثيرين وشرسين من أعظمهم في زمان محمد بن سعود ثلاثة أمراء: أمير الرياض وأمير نجران وأمير الأحساء فكانا يشتركان بالهجوم على الدرعية، وينضم معهم كثير من بلدان نجد وبواديها يرمونهم عن قوس
стр. 861
واحدة، وكانت نهاية النجراني ومن تبعه الخذلان عام ١١٨٨- ١١٨٩ هـ في ولاية عبد العزيز خذلانا عظيما ويرجع إلى بلاده مقهورا مدحورا هالكا١.
أما أمير الأحساء الذي كان يخشاه ابن معمرفقد هلك بعد أن أذله الله وقام خلفه عرعر بن دجين وجمع جموعاً من عشائر بني خالد وعددا كبيرا من بلدان نجد المناوئين من أهل سدير والوشم والرياض والخرج وغيرهم وبواديهم من عنزة والظفير وتحزبوا أحزابا هائلة اشرأب الباطل لها ونقضت عهود لأجلها ووقعت بينه وبين أهل الجبيلة والدرعية عدة وقائع وقتل من جنده عدة قتلى ولم يحصل على طائل فنكس على عقبيه قد فشل وفشل من نقض العهد لأجله٢، ثم عاد مع النجراني وأتباعه ليحارب ابن سعود معه ولكن الله لم يوفق بينه وبين النجراني فلم يدرك شيئا مما أراده ورجع إلى الأحساء٣.
ثم إن سعدون بن عريعر الذي تولى أمر الأحساء بعده جاء ليحارب ابن سعود مساعدة لأعدائه ومعه المدافع ولم يفز ورجع إلى بلاده وترك مدافعه في اليمامة فغنمها أهل الإِسلام وذلك في سنة خمس وتسعين ومائة وألف٤.
стр. 862
ثم في سنة مائتين وألف دب الخلاف والفتن بين بني خالد بما كسبت أيديهم فصار ذلك لعز الإِسلام مقدمة واستولت دولة الدعوة على الأحساء وما حولها١، ثم تجمعت أحزاب ثويني من بغداد وعلماء السوء لديه فهاجموا الأَحساء فهزمهم الله على يد آل سعود تحت راية التوحيد.
وهكذا تم القضاء على بقية الأمراء الذين وقفوا في وجه الإِسلام وطما على بلدانهم ملك أنصاره؛ كما جرى للسابقين الأَولين، وكما قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ الآية (النور: ٥٥) ... والحمد لله رب العالمين.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في نصيحته للإمام عبد الله بن فيصل: "تفهم أن أول ما قام به جداك محمد وعبد الله وعمك عبد العزيز أنها خلافة نبوة يطلبون الحق ويعملون به ويقومون ويغضبون له ويرضون ويجاهدون، وكفاهم الله أعداءهم على قوتهم، إذا مشى العدوكسره الله قبل أن يصل لأنها خلافة نبوة ولا قاموا على الناس إلا بالقرآن والعمل به كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وأخذ عمك في الإسلام
стр. 863
حتى جاوز الثمانين في العمر، والإسلام في عز وظهور وأهله يزيدون وحصل لهم مضمون قوله ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وصار أهل الأمصار يخافونهم" ١.
وما من شك أن عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية هي التي قامت عليها هذه الدولة العظيمة، فإنه لم يتوف إلا ومنطقة الأحساء تكاد كلها تخضع لها٢.
وقد استمرت هذه الدولة في تطور عظيم كلما قامت بنشر العقيدة السلفية وحمايتها ولقد يسر الله من يقوم بنشرها من العلماء والأمراء حتى بعد وفاة الشيخ محمد سنة ١٢٠٦ هـ كما كانوا في حياته على ما قدمنا ذكره حتى تمكنت دولة العقيدة السليمة من ضم الأَحساء ومناطق كبيرة من الساحل الغربي للخليج العربي وعمان كما تمكنت من صد حملتين عسكريتين وجههما إليها باشا بغداد، واستطاعت أيضاً أن تستولي على الحجاز وما يقع إلى الجنوب منه حتى أواسط اليمن وتمكنوا من صد الحملة المصرية وهزيمتها، في حياة سعود وبتلك العقيدة في أقل من عشرين عاما من وفاة الشيخ أصبحت مساحة دولة الدرعية تمتد من الشام والعراق شمالا حتى أواسط اليمن جنوبا ومن البحر الأَحمر غربا حتى الخليج العربي
стр. 864
وأواسط عمان شرقا، وبذلك تعدى نفوذ سلطانها خارج جزيرة العرب وأصبحت تشن الغارات داخل الأراضي العراقية والشامية حتى بات كثير من القبائل الموجودة هناك تدفع إليها الزكاة١.
قال الشاعر:
وقد ملكوا نجدا وغوراً واتهموا ... وشاماً إلى البصرى بل الغربَ والشرْقَا
حنيفية في دينها سَلفية ... وكانوا أولي بأس فسلْ كل من تَلْقَى٢
مجمل إصلاحات الشيخ السلفية:
والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هو الذي دعى إلى عقيدة السلف الصالح وقام معه أنصاره بهذا الدين على حين غربة فنشره الله في الآفاق وبارك الله في جهوده وجهاده فكل امرىء أخذ منه حظه وقسمه وبعثت العمال لقبض الزكاة بعد أن كانوا يسمون قبل ذلك عند الناس مكاسا وعشارا، ونشرت راية الجهاد بعد أن كانت فتنا وقتالا، وعرف الصغير والكبير التوحيد بعد أن كان لا يعرفه إلا الخواص، واجتمع الناس على الصلوات والدروس والسؤال عن أصل الإسلام وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها ومعاني قراءتها وتعلمها الصغير والكبير والقارئ والأمي بعد أن كان لا يعرفها إلا الخصائص، وانتفع بعلمه أهل الآفاق لأنهم يسألون عما يأمر به وينهى عنه، فيقال لهم يأمر بالتوحيد وينهى عن
стр. 865
المنكر، ويقال لهم إِن أهل نجد يمقتونكم بذلك، فانتهى أناس كثير من أهل الآفاق بسبب ما سمعوا من أوامره ونواهيه وهدم المسلمون جميع القباب والمشاهد التي بنيت على القبور وغيرها من جميع المواضع الشركية في أقاصي الأقطار من الحرمين واليمن وتهامة وعمان والأحساء ونجد وغير ذلك، حتى لا تجد فيمن شملته ولاية المسلمين الشرك الأصغر فضلا عن غيره إلا الرياء الذي قال فيه النبي ﷺ : "إنه أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل" وأمر جميع أهل البلدان من أهل النواحي يسألون الناس في المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح وبين العشاءين عن معرفة ثلاثة الأصول: معرفة الله ومعرفة دين الإسلام ومعرفة أركانه وما ورد عليها من الأدلة من القرآن ومعرفة محمد ﷺ ونسبه ومبعثه وهجرته وأول ما دعا إليه وهي: لا إله إلا الله، ومعرفة معناها، والبعث بعد الموت وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها وفروض الوضوء ونواقضه وما يتبع ذلك من تحقيق التوحيد من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا لله كالدعاء والذبح والنذر والخوف والرجاء والخشية والرغبة والرهبة والتوكل والإنابة وغير ذلك كما سبق ذكره، وذلك يسأل عنه الناس ويلزمون بتعلمه كل على قدر مستواه.
وكان الشيخ هو المرجع في أمور الدين وما يتعلق به من الأمور الأخرى، فهو المرجع في شئون الإِفتاء، وكان هو الذي يختار القضاة ويعينهم، كما كان يرسل المرشدين إلى المناطق المختلفة ويبعث العلماء
стр. 866
لمناقشة من يود أن يعرف ما كان يدعو إليه كما طلب الشريف فأرسل إليه الشيخ عبد العزيز الحصين وغيره وقد شرح لعلماء مكة حقيقة الدعوة، وللشيخ دور كبير في تدريس وتخريج كثير ممن أصبحوا قادة في ميادين العلوم الدينية المختلفة وقاموا بأدوار إصلاحية هامة١.
وكان رحمه الله تعالى هو الذي يجهز الجيوش ويبعث السرايا ويكاتب أهل البلدان ويكاتبونه، والوفود إليه والضيوف عنده والداخل والخارج من عنده٢.
ولم يزل الشيخ مجاهدا حتى أَذعن أهل نجد وتابعوا، وعمل فيها بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبايعوه، فعمرت نجد بعد خرابها وصلحت بعد فسادها ونال الفخر والملك من آواه، وصاروا ملوكا بعد الذل والتفرق والقتال وهكذا كل من نصر الشريعة من قديم الزمان وحديثه فإِن الله يظهره على أعدائه ويجعله مالكا لمن عاداه، وما مات إلا وقد قرت عينه بنصر الله لدين الإسلام فكان كثيرا ما يتمثل شاكرا لربه بثلاثة أبيات هي:
بأي لسان أشكر الله إنه ... لذو نعمة قد أعجزت كل شاكر
حباني بالإسلام فضلا ونعمة ... علي وبالقرآن نور البصائر
وبالنعمة العظمى اعتقاد ابن حنبل ... عليها اعتقادي يوم كشف السرائر٣
стр. 867
ويلهج دائما بقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وكان قد ثقل في آخر عمره. فكان يخرج لصلاة الجماعة يتهادى بين رجلين حتى يقام في الصف. فكان لا يزال قدوة حتى وهو في هذه الحال، إلى أن توفي رحمه الله تعالى.
ويمكننا أن نتبين مجمل إصلاحات الشيخ السلفية حسبما ذكره الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن ذلك، فقال ﵀:
"فأتاح الله بمنه في هذه البلاد النجدية والجهات العربية من أحبار الإسلام وعلمائه الأَعلام من يكشف الشبهة، ويجلو الغمة وينصح الأمة، ويدعو إلى محض الحق وصريح الدين، الذي لا يخالطه ولا يمازجه دين الجاهلية المشركين فنافح عن دين الله ودعا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وصنف الكتب والرسائل وانتصب للرد على كل مبطل ومماحل، وعلم من لديه كيف يطلب العلم؟ وأين يطلب؟، وبأي شيء يقهر المشبه المجادل ويغلب؟ واجتمع له من عصابة الإسلام والإيمان طائفة يأخذون عنه وينتفعون بعلمه، وينصرون الله ورسوله حتى ظهر واستنار ما دعا إليه وأشرقت شموس ما عنده من العلم وما لديه، وعلت كلمة الله حتى أغشى إشراقها وضوؤها كلَ مبطل ومماحل، وذل لها كل منافق مجادل، وحقق الله وعده لأوليائه وجنده كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
стр. 868
الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ... ﴾ الآية.
فزال بحمد الله ما كان بنجد وما يليها من القباب والمشاهد والمزارات والمغارات وقطع الأشجار التي يتبرك بها العامة، وبعث السعاة لمحو آثار البدع الجاهلية من الأوتار والتعاليق والشركيات، وألزم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت وبسائر الواجبات، وحث من لديه من القضاة والمفتين على تجريد المتابعة لما صح وثبت عن سيد المرسلين مع الاقتداء في ذلك بأئمة الدين والسلف الصالح المهديين ونهاهم عن ابتداع قول لم يسبقهم إليه إمام يقتدى به، أوعلم يهتدى به وأنكر ما كان الناس عليه في تلك البلاد وغيرها من تعظيم الموالد والأعياد الجاهلية التي لم ينزل في تعظيمها سلطان، ولم يرد به حجة شرعية ولا برهان، لأن ذلك فيه مشابهة للنصارى الضالين، في أعيادهم الزمانية والمكانية وما هو باطل مردود في شرع سيد المرسلين.
وكذلك أنكر ما أحدثه جهلة المتصوفة وضلال المبتدعة من التدين والتعبد باللهو واللعب والمكاء والتصدية، والأغاني التي صدهم بها الشيطان عن سماع آيات القرآن وصاروا بها من أشباه عباد الأوثان، الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ وكل من عرف ماجاء به الرسول تبين له أن هؤلاء من أضل الفرق وأخبثهم نحلة وطريقة، والغالب على كثير منهم النفاق وكراهة سماع كلام الله.
وأنكر ﵀ ما أحدثته العوام والطغام من اعتقاد البركة
стр. 869
والصلاح في أناس من الفجار والطواغيت الذين يترشحون لتأله العباد بهم وصرف قلوبهم إليهم باسم الولاية والصلاح وأَن لهم كرامات ومقامات ونحو هذا من الجهالات فإن هؤلاء من أضر الناس على أديان العامة.
وأنكر ﵀ ما يعتقده العامة في البله والمجاذيب وأشباههم الذين أحسن أحوال أحدهم أن يرفع عنه القلم ويلحق بالمجانين.
وأرشد ﵀ إلى ما دل عليه الكتاب وسنة رسول الله ﷺ من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وساق الأدلة الشرعية التي يتميز بها كل فريق ويعتمدها أهل الإيمان والتحقيق، فإن الله جل ذكره وصف الأبرار ونعتهم بما يمتازون به ويعرفون، بحيث لا يخفى حالهم ولا يلتبس أمرهم وكذلك وصف تعالى أولياء الشيطان من الكفار والفجار ونعتهم بما لا يخفى معه حالهم ولا يلتبس أمرهم، على من له أدنى نظر في العلم وحظ من الإيمان.
وكذلك قام بالنكير على أجلاف البوادي وأمراء القرى والنواحي فيما يتجاسرون عليه ويفعلونه، من قطع السبيل وسفك الدماء ونهب الأموال المعصومة حتى ظهر العدل واستقر، وفشا الدين واستمر، والتزمه كل من كانت عليه الولاية من البلاد النجدية وغيرها، والحمد لله على ذلك١.
стр. 870
أسباب زوال الدولة وتسليط العدو:
ثم إنه حصلت ذنوب من الناس بعد ذلك وأمور من التقصير والاختلاف فكانت سببا في تسليط الأعداء على المسلمين، ابتلاء وامتحانا وتمحيصا واختبارا كما هي سنة الله تعالى العزيز الحكيم.
وقد تنبه إليها أبناء الشيخ وهم حسين وإبراهيم وعبد الله وعلي منذ حدوثها واستنكروها ونصحوا كافة المسلمين بمنشورهم إليهم، وحثوا على التوبة منها قبل أن تحل العقوبة وتنزل الكارثة فلا ينفع حينئذ ندم نادم.
ومن هذه الأمور المخالفة: ترك المحافظة على الصلوات الخمس، وهي عمود الإسلام من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع ومنها الغفلة عن التفقه في دين الإسلام، حتى إن من الناس من ينشأ وهو ما يعرف دين الإسلام ومنهم من يدخل فيه وهو ما يعرفه ولا يفعله ظنا منه أن الإسلام هوالعهد، ومعرفة الإسلام والعمل به واجب على كل أحد ولا ينفع فيه التقليد.
ومنها أن من الناس من يمنع الزكاة، والذي ما يقدر على المنع يحبسها، والزكاة ركن من أركان الإسلام.
ومنها ظهور عقوق الوالدين وقطيعة الرحم من كثير من الناس.
ومنها ما يجري من بعض الأمراء والعامة من الغلول من المغانم، ومن لم يستطع يتحيل على الغلول بالشراء ولا ينقد الثمن.
стр. 871
ومنها ظلم بعض الأمراء، يأخذون من أموال الناس بصورة الجهاد ولا يصرفه في الجهاد بل يأكله، وبعض الأمراء يأخذ جميع الزكاة ولا يعطي المساكين منها شيئا، وربما يجري من هؤلاء تحميل الناس ما لا يستطيعون.
ومنها اختلاط الجيد بالرديء، وصاحب الدين بالمنافق، ولا يميز هذا من هذا، ووقع بسببه ظهور الكلام الباطل والذي لو يظهر من أحد في أول أمر هذه العقيدة أدب أدبا بليغا وعرف أَن قائله منافق.
ومنها الظلم والوقوع فيما حرم الله من الدماء والأموال والأعراض، والغيبة والنميمة وقول الزور وبهت المسلم بما ليس فيه، وصار هذا ما يستنكر فإذا بان كذبه وتزويره ما سقط من العيون.
ومنها الجسرة على ذمة المسلم فإذا أعطى أحد من المسلمين أحدا من الكفار ذمته خفر في دمه أو ماله، والعجب أَن بعض الجهال يفعل هذا ديانة ويظن أنه معاداة للكفار، واستحلال المحرم أعظم من ارتكابه مع معرفة تحريمه.
ومنها أن بعض الناس يغضب إذا أنكر على رجاله أو من له علاقة إذا فعل المنكر وأنكر عليه، وهذا أمر ما يحل.
ومنها التعاطي بمعاملات من الربا، ويمحق الله الربا.
ومنها التثاقل عن الجهاد ومعصية الإمام في ذلك وغيره وقد فرض
стр. 872
الله الجهاد على المسلمين، وبهذا الجهاد أعزهم الله بعد الذلة، وقواهم بعد أن كانوا مقهورين.
ومنها ما يجري من تطليق على غير السنة، يطلق الرجل زوجته بطريقة مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وغير ذلك من الأمور التي تجري من الناس قبيل نكبتهم على يد إبراهيم باشا.
والعلماء من آل الشيخ وغيرهم من حملة العقيدة السلفية ينبهون على ذلك وينصحون وينكرون وكذلك الإمام سعود وابنه عبد الله لهما في ذلك نصائح، وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن قاسم هذه النصائح وأوردها بنصوصها وتفاصيلها١، وقد اختصرت منها ما ذكرته من تلك الأمورالتي كانت أسبابا في التغير قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ .
وأهم هذه الأمور والتي كأنها نتيجة لتلك الأمور المنكرة المتقدمة، وسراية لها ما يذكره الشيخ راشد بن علي الحنبلي في رسالته: "مثير الوجد في معرفة أنساب ملوك نجد" من تنازع على الإمارة والسلطة واختلاف بسبب ذلك بين القادة فقال ما نصه عن الإمام عبد الله بن سعود: (فسار سيرة والده إلا أن إخوته لا يوافقونه على إرادته، وكان لا يخالفهم، ونازعه أخوه فيصل بن سعود، فكان يأمروفيصل يأمرفتفرقت شوكتهم، ونفر منهم فئام من العرب واتسع الخرق في قوتهم، فحاربتهم الدولة
стр. 873
المصرية وانحاز إلى المصريين أكثر العرب من نجد والحجاز واليمن والعراق والشام" ١.
ويجمل ابن بشر ذلك بقوله: "إِن الدولة المصرية سلطت على المسلمين بسبب الذنوب" ٢.
والمقصود بيان أثر عقيدة الشيخ السلفية حين تقرر وتطبق أما إذا جرى أمور تخالفها فيكون الأثر عَكسياً ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولقد أثر العدوان على القائمين بها وخذلانُهم دمارا رهيبا يصوره لنا ابن بشر ﵀ في تاريخه فيقول في سنة حلول النكبة المصرية: "وكانت هذه السنة قد كثر فيها الاضطراب والاختلاف ونهب الأموال وقتل الرجال وتقدم أناس وتأخر آخرين وذلك بحكمة الله سبحانه وقدرته وقد أرخها بعض الإخوان من أهل سدير وهو محمد بن عمر الفاخري فقال:
عامٌ به الناس جالوا حسبما جالوا ... قال الأَخلاء أرِّخْهُ فقلت لهم
ونال منا الأعادى فيه ما نالوا ... أَرخت قالوا بماذا قلت غِرْبَال٣
والشاهد كلمة غربال فإنها بحسب حروف الجمل تساوي ١٢٣٣،
стр. 874
وهي السنة التي حصلت فيها النكبة.
ويقول ابن بشر: "انحلَّ نظام الجماعة والسمع والطاعة وعدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يستطيع أحد أن ينهى عن منكر أو يأمر بطاعة، وعمل بالمحرمات والمكروهات جهرا، وليس للطاعات ومن عمل بها قدر.
وجرى الرباب والغناء في المجالس، وسفت الذواري على المجامع والمدارس، وعمرت المجالس بعد الأذان في الصلاة واندرس معرفة ثلاثة الأصول وأنواع العبادات وسل سيف الفتنة بين الأنام، وصار الرجل في وسط بيته لا ينام، وتعذرت الأسفار بين البلدان، وتطاير شرر الفتن في الأوطان، وظهرت دعوى الجاهلية بين العباد وتنادوا بها على رؤوس الأشهاد، فلم تزل هذه المحن على الناس متتابعة وأجنحة ظلامها بينهم خاضعة" ١.
ويقول الشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد بن ناصر بن معمر من قصيدة نظمها في رثاء أهل الدرعية وذكر ما جرى لهم وعليهم وأولها قوله:
إليك إله العرش أشكو تضرعاً ... وأدعوك في الضراء ربي لتسمعاَ
إلى أن قال:
وكم قتلوا من عصبة الحق فتيةً ... هداةً وُضاة ساجدين وركعاً
стр. 875
وكم دمروا من مربع كان آهلا ... فقد تركوا الدار الأنيسة بلقعا
فأصبحت الأموال فيهم نهائبا ... وأصبحت الأيتام غرثى وجوعا
وَفَرَّ عن الأوطان من كان قاطنا ... وفرق ألف كان مجتمعاً معاً
إلى أن قال:
عسى وعسى أن ينصر الله ديننا ... ويجبر منا ما قد تصدعا
ويعمر للسمحا ربوعا تهدمت ... ويفتح سبلا للهداية مهيعا
ويظهر نور الحق يعلو ضياؤه ... فيضحى ظلام الشرك والشك مُقْشِعاَ
إلهي فحقق ذا الرجاء وكن بنا ... رؤرفا رحيما مستجيبا لنا الدعا
إلى أن قال:
ألا أيها الإِخوان صبرا فإنني ... أرى الصبر للمقدور خيرا وأنفعا
ولا تيأسوا من كشف ما ناب إِنه ... إذا شاء ربي كشف ذاك تمزعا
وماقلت ذا أشكو إلى الخلق نكبة ... ولا جزعا مما أصاب فأوجعا
فما كان هذا الأمر إلا بقدرة ... بها قهر الله الخلائق أجمعا
وذلك عن ذنب وعصيان خالق ... أخذنا به حينا فحينا لنرجعا
وقد آن أن نرجو رضاه وعفوه ... وأن نعرف التقصير منا فنقلعا
فيا محسنا قد كنت تحسن دائما ... ويا واسعا قدكان عفوك أوسعا
نعوذ بك الله من سوء صنعنا ... فإِن لنا في العفو منك لمطمعا
أغثنا أغثنا وادفع الشدة التي ... أَصابت وصابت واكشف الضر وارفعا
стр. 876
وتفضل بالذي أنت أهل ... من العفو والغفران ياغيث من دعا١
وبذلك نأتي إلى نهاية هذا الفصل، وقد تضمن ذكر أثر عقيدة الشيخ السلفية في الدور الأول من أدوار دولة أنصارها، التي بحول الله وقوته لا تنقطع أبدا فإلى الفصل التالي وهو الفصل الثالث من الباب الثاني، باب أثر عقيدة الشيخ السلفية ويتضمن أثرها في الدور الثاني من أدوار دولة أنصارها.
стр. 877
الفصل الثالث: أثر عقيدة الشيخ السلفية في الدور الثاني
قال الشيخ أحمد بن علي بن مشرف في قصيدة له:
واقسم قوم أَنها دولة مضت ... وليس لما قد فات عود ولا رد
وقلنا لهم نصر الإله لحزبه ... به جاء في القرآن والسنة الوعد
فعادت كما كانت بفضل ورحمة ... من الله مولانا له الشكر والحمد
فهذا إمام المسلمين مؤيدا ... له النصر والإِقبال والحل والعقد١
إنه رغم حلول النكبة وإِصابة المصيبة فإن عقيدة الشيخ السلفية لم تمت ولم تنته ولم تزل ولله الحمد، لقد أَتاح الله لعقيدة السلف الصالح، عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد ذلك الذي جرى نوراً ساطعا، وسيفاً لمن أثار الفتنة قاطعا، فكشف الله بسببه المحن، وشهره من غمده في رؤوس أهل الفتن، الإمام الوافي بالعقود والمتم للعهود تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود. وذلك بعد سنوات من حلول النكبة تقارب خمس سنوات أو ستا.
قال ابن بشر عن الإمام تركي: "أطفأ الله به نار الفتنة بعد اشتعال ضرامها وهان على كثير من الناس دينها وإسلامها كأنهم لم يكونوا حدثا بإسلام، ولم يجتمعوا على إمام، وتهاون كثير منهم بالصلاة، وأَفطروا في
стр. 878
البلدان في شهر رمضان، وصار هذا الشهر العظيم عندهم كأنه جمادى أو شعبان وتعذرت بين البلدان الأسفار واتخذوا دعوى الجاهلية لهم شعارا، فحارب البلدان وقاتل العربان، ودعاهم إلى الجماعة والسمع والطاعة حتى ضرب الإسلام بجرانه وسكنت الأمة في أمنه وأمانه"١.
وكان من شأن الإمام تركي فيما يتعلق بنصره دين الله وعطفه على الرعية وحزمه مع أمرائه ما يذكره ابن بشر؛ قال: "لما خرج من الدهناء نزل على غدير يقال له وثيلان، فأمر على رؤساء النواحى أن يجتمعوا، فلما حضروا قام فيهم وذكرهم نعمة الله عَلَيْهِمْ بالاجتماع بعد الفرقة والأخوة بعد العداوة، والغنى بعد العَيْلَةِ، واعترف عند ذلك بنعمة الله عليه وضعفه وعجزه وتقصيره وحقر نفسه، ثم إِنه أَغلظ الكلام على الأمراء وتهددهم وتوعدهم عن ظلم الرعايا والأخذ منهم غير الحق، ثم قال وإنكم إذا ورد أمري عليكم بالمغزا؛ حملتموهم زيادة لكم، وإياكم وذلك فإنه ما منعني أن أجعل على أهل البلدان زيادة ركاب في غزوهم إلا الرفق بهم وإني ما حملتهم إلا بعض ما حملهم الذين من قبلي والله تعالى يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وإنه إذا ورد عليكم أمري فرحتم بذلك لتأكلوا في ضمنه وصرتم كراصد النخل يفرح بشدة الريح ليكثر الساقطة عليه، واعلموا أني لا أبيحكم أن تأخذوا من الرعايا شيئا
стр. 879
ومن حدث منه منكم ظلم على رعيته، فليس أدبه عزله بل أجليه عن وطنه.
ثم قال للرعايا: أيما أمير ظلمكم؛ فأخبروني، فقام أمير بريدة عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن حسن، فقال: "يا إمام المسلمين خص بقولك ولا تعم به فإن كنت نقمت على أحد منا فأخبره بفعله، فقال: إنما القول فيك وفي أمثالك، تحسبون أَنكم ملكتم البلدان بسيوفكم وإنما أخذها لكم وذللها سيف الإِسلام والاجتماع على إمام" ١.
وكان من توفيق الله للإمام تركي أَن أتاح له شيخا من شيوخ العقيدة السلفية هو الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ قدم على الإمام تركي من مصر ففرح به الإمام وأكرمه، ووضعه بالمكان الرفيع وقربه إليه فأحيا الله به مدارس العلم بعد ما عطلت وتزينت بدروسه المساجد بعدما أقفرت وكان الشيخ من أعلام عقيدة السلف الصالح ومن علمائها العاملين، كان قد أخذ عن جده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في صغره، وولي القضاء في الدرعية زمن سعود وابنه عبد الله٢. ثم أخذ مع من أخذ إلى مصر، ولكن الله تعالى منَّ عليه بالعودة سنة إحدى وأربعين ومائتين بعد الألف مع ما من به عليه من ثبات على
стр. 880
العقيدة، وإِتاحة الناصر لها من آل محمد بن سعود وزاده الله في العلم النافع بسطة فاغتبط بطلعته المسلمون خاصهم وعامهم، وبذل وقته لطالبي العلم وانتفع بعلمه كثير من المستفيدين١.
قال ابن بشر عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "فممن انتفع به وتفقه عليه حتى صار قاضياً يرجع في الفتوى إليه من ذريته وذرية جده محمد بن عبد الوهاب عدد كثير منهم العالم الفاضل ابنه الشيخ عبد اللطيف قدم من مصر سنة أربع وستين ومائتين وألف ومعه كتب كثيرة وانتفع الناس بعلمه وكان عنده حلقة في التدريس وكان أخذ العلم عن أبيه في مصر وأخذ أيضاً عن غير أبيه واستعمله الإمام فيصل قاضيا في الأحساء، ثم كان قاضياً مع أبيه في الرياض، وتفقه على الشيخ عبد الرحمن بن حسن أيضاً الشيخ العالم عبد الرحمن بن القاضي حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان قاضياً في ناحية الخرج، وتفقه عليه أيضاً الشيخ العالم الفقيه حسن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قاضي الإمام تركي في الرياض، ولم تطل مدته مات شاباً سنة خمس وأربعين ومائتين وألف، وتفقه عليه أيضاً الشيخ العالم عبد الملك بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب القاضي في حوطة بني تميم للإمام فيصل، وتفقه عليه أيضاً الشيخ حسين بن حمد بن حسين بن الشيخ محمد