ثم أورد الشيخ ابن عبد اللطيف الأدلة على بعض أَفراد هذه الحكمة.
ثم يصف تلك المحنة ويقول: "إِنها فتنة عم شرها وطار شررها وتفرق الناس فيها أحزاباً وشيعاً ما بين ناكث لعهده، خالع لبيعة إمامه بغير حجة ولا برهان، بغضاً للجماعة ومحبة للفرقة والشناعة، وبين مجتهد لما رأى إِمامه صدر مكاتبة للدولة، وبين واقف عند حده يلوح بين عينيه، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان، والرابع ضعيف العنان خوار الجنان، مع هؤلاء تارة ومع الآخرين تارة يتبع طمعه، وكل فرقة من هذه الفرق تضلل الأخرى وتفسقها أو تكفرها بل وتنتسب إلى طالب علم تأتم به وتقلده وتحتج بقوله عياذا بالله، والمعصوم من عصمه الله، وحساب الجميع على الله، وهو أعلم بسرائرهم وسيحكم بينهم سبحانه بعلمه".
ويقول:"ثم أذهب الله ذلك بالعود إلى الجماعة وتجديد الأخوة الإسلامية، وذهاب الشحناء، وعاد الأمر إلى ما كان عليه من ثبوت الإمامة والدعوة إلى الجماعة وتجديد العهود والمواثيق على ذلك؛ فحمدنا الله تعالى وسألناه المزيد من فضله ورحمته، وكنا مغتبطين وأَذهب الله عنا هباء الشبهات وأطفأ نار تلك الضلالات".
ثم جعل الشيخ ابن عبد اللطيف يحذر هؤلاء العلماء خاصة وينصحهم من بوادر بدرت تريد المشاقة وفل جميع المسلمين - إلى أن قال
стр. 912
محذرا:
"فاستأنف النهار يا ابن جبير قبل أن تنفرج ذات البين بينكم معشر العلماء ويضلل بعضكم بعضاً أو يفسقه أو يكفره فتكونوا بذلك فتنة لجاهل مغرور، أو ضحكة لذي دهاء وفجور تستباح بذلك أعراضكم، ولا ينتفع بعلمكم، فاعقدوا لكم محضرا، ولو طال منا ومن بعضكم لأجله سفر، للنظر فيما يصلح الإسلام، وتقوم به الحجة، ولو لم يعمل به عامل، تسدوا بذلك عنكم باب الفرقة، نصحاً لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فأنا والله لا أخال الجرح يندمل، ولا الحية تموت، إلا أن يشاء ربي شيئا، وذلك لكثرة الطلاب لهذا الأمر، فقد وقع والله بكثرتهم البأس وأَعضل واحتاج العاقل للنظر فيما هو الأصلح لدينه، والأرْضى لربه، بالاجتماع على الأسَدِّ فالأسدّ، والأجدِّ فالأجدّ١، والأصلح فالأصلح، فإن الشيطان متكىء على شماله متحيل بيمينه فاتح حصنه لأهله، يدأب بين الأمة بالشحناء والعدواة عنادا لله ولرسوله ولدينه تأليباً وتأنيباً يوسوس بالفجور، ويدلي بالغرور، ويزين بالزور، ويمني أهل الفجور والشرور، يوحي إلى أوليائه بالباطل دأباً له منذ كان، وعادة له منذ أهانه الله في سالف الأزمان، لا ينجو منه إلا من أحب الآجل وغض الطرف عن العاجل، وقط هامة عدو الله وعدو الدين باتباع الحق والعمل
стр. 913
به، رضي ذلك من رضيه وسخطه من سخطه".
هذا هو الشيخ عبد الله ذو الرأي السديد، والعقيدة السليمة، والعلم الرشيد وقد كان الملك عبد العزيزكما سيأتى الحديث عنه في الدور الثالث كان موفقا غاية التوفيق حيث اختاره وقربه إليه، واعتبره المرجع في بيان منهج السلف الصالح وعقيدتهم، التي صمم العزم على نصرتها واستعادة مكاسبها، كما صمم أسلافه عزمهم وإِرادتهم التي تضعضعت أمامها الممالك والقوى من حولهم.
هذا وما زال مشائخ الدعوة في تلك الفترة بعد انتهاء الدور الثاني من أدوار دولة آل سعود مازال مشائخ الدعوة يحملون عقيدة السلف الصالح، ويبثون العلم بها بين الناس رغم ضعفهم وقلتهم وهوانهم على الناس وغيبة الناصر لها لأن الله تكفل بحفظ دينه، وكما أخبر رسول الله ﷺ من أنه لا تزال طائفة على الحق لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم إلى قيام الساعة وقد أنعم الله سبحانه على هاتين الأسرتين الكريمتين. فمهما بقيت عداوة من يعاديهما من أجل عقيدة السلف الصالح والمحافظة عليها، فسوف يبقي الله هاتين الأسرتين ما يغيظ أعداءهم الذين ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، وهذا هو أثر عقيدة السلف الصالح الذي لا يتخلف أبدا حتى قيام الساعة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ولذا فقد قيض الله لأهل هذه العقيدة السلفية السليمة الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن
стр. 914
آل سعود.
وبقيام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود يبدأ الدور الثالث من أدوار دولة أنصار عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية- فإلى ذلك في الفصل التالي.
стр. 915
الفصل الرابع: أثر عقيدة الشيخ السلفية في الدور الثالث الحاضر
إن الله عاد بعائدته، كما جرت به سنته للطائفة المنصورة فقيض الله لعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية إماما راشدا وسلطاناً نصيرا وملكا حاميا، ألا وهو أبو الملوك، الملك عبد العزيز ابن عبد الرحمن آل سعود رحمهم الله تعالى، الذي سار على سنة آبائه في نصرة عقيدة السلف الصالح وإِعزاز أهل الدين الحق واستعادة مكاسب آبائه من ذلك وتجديد مجدهم وإِحياء سنتهم الراشدة.
يقول الشاعر الأديب العالم محمد بن عثيمين ﵀ يخاطبه:
أرضيتَ آباءك الغر الكرام بما ... جددت من مجدهم من بعد ما بانوا
نبهت ذكراً توارى منه حين علا ... للمارقين ضباب فيه دخان
فجئت بالسيفِ والقرآن معتزما ... تُمضي بسيفك ما أَمضاه قرآن
حتى انجلى الظلم والإظلام وارتفعت ... للدين في الأرض أعلام وأركان
دين ودنيا وبأس في الوغى وندى ... تفيض من كفه بالجود خُلْجَانُ١
стр. 916
ويقول فيه أيضا:
تلألأت بك للإسلام أنوار ... كما جرت بك للإسعاد أقدار
إن الذي قدَّر الأشيا بحكمته ... لما يريد من الخيرات يختار
والعبد إن صلحت لله نيته ... لابد يبدو لها في الكون آثار
إلى أن قال يخاطبه:
تألفتْ بك أهواءٌ مفرقةٌ ... تَأَجَّجت بينهم من قَبْلِك النار
فأصبحوا بعد توفيق الإله لهم ... بعد الشَّقَا والجفا في الدين أخيار
إلى أن قال:
كنا نمر على الأموات نغبطهم ... من قَبْله إذ تولَّى الأمر أشرارُ
فالآن طابت به الأيام إذ أخذت ... به لأهل الهدى والدين أوتارُ١
ويقول فيه أيضا:
إمام هدى للرشد يهدي ويهتدي ... مقيم سواء بالرعيةِ يرفق
إلى أن قال:
فيا معشر الإخوان دَعْوَة صارخ ... لكم ناصحٌ بالطبع لا مُتخلِّق
يود لكم ما يمتنيه لنفسه ... ويعلم أن الحب في الله أوثق
تحاموا على دين الهدى مع إمامكم ... وكونوا له بالسمع جندا توفقوا
وإياكم والافتراق فإنه ... هو المهلك في الدنيا وللدين يوبق
стр. 917
فو الله ثم الله لا رب غيره ... يمين امرىء لا مفتر يتملَّق
لما علمت نفسي على الأرض مثله ... إماما على الإسلام والخلق يشفق١
وصدق ابن عثيمين، فإن عبد العزيز، الإمام لما خرج من الكويت، خرج وهو يريد أن يسترد مكاسب العقيدة السلفية، التي اكتسبها آباؤه، حين تأثروا بعقيدة السلف الصالح، وطبقوها، وقد علم يقينا أن مفتاح استردادها هو العمل لنصرتها كما كان آباؤه وأجداده، ولن يصلح آخرهم إلا ما صلح أولهم ولا سبيل لبلوغ هذه الغاية إلا التمسك بالشريعة السمحاء وإقامة حدود الله والحكم بما أنزل الله وفي سبيل ذلك لابد من نشر العلم والمعرفة بعقيدة سلفنا الصالح، وتعليم فرائض الدين وأحكام الشريعة كما كان هذا هو منهجهم أيضا.
وما أن أظهره الله بالاستيلاء على الرياض إلا وكان أول همته تقريبه العلماء، وتكريمه لآل الشيخ من أجل الشيخ وعهده مع جده، ولأجل ما يتصفون به من علم راسخ وعمل ثابت.
وقد كان الملك يشارك العلماء في البيان والنصيحة وبيان منهج السلف الصالح في تطبيق العقيدة تطبيقا عملياً لرعيته حتى يجنبهم المخاطر ودروب الهلاك والفرقة مع كونه يجمعهم مع العلماء في مجالس يبينون لهم، ويكشفون عنهم الشبه، ومن ذلك مجلس عقده وفيه جمع من العلماء،
стр. 918
وبعده وجه نداء عاما شرح فيه حقيقة ما هو عليه من العقيدة هذا نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود إلى الإِخوان وفقنا الله وإياهم إلى فعل الخيرات وترك المنكرات آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ذلك: تفهمون أَن الله قد أنعم علينا بنعمة الإسلام ومن علينا بأن جعلنا من أهله، ولا يخفى عليكم ما مضى عليه أسلافكم من الأعراب من انحرافهم عن الدين والتقيد بشريعة سيد المرسلين، بما يأتونه من ارتكاب الأمور التي تغضب الله ورسوله، من استحلال الدماء ونهب الأموال وترك فرائض الإسلام، فأنتم اليوم لما أنَّ الله جل شأنه مَنَّ عليكم بهدايته لكم على دينه القويم وجب عليكم أن تقيدوا تلك النعمة بالشكر للمنعم ﵎، وأعظم الشكر لله هو اتباع أمره واجتناب نهيه، على وفق ما جاء به نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام، وأَن لا تحيدوا عنه ذات اليمين وذات الشمال، فتكونوا من الهالكين.
إني أريد أن أشرح لكم حقيقة ما نحن عليه من العقيدة في الدين، التي أشار إليها العلماء في جوابهم السابق في هذا المجلس، فاسمعوا واحفظوا عني ما أقوله لكم تنجوا من المهالك:
إن أصل الدين كتاب الله تعالى، وسنة نبيه محمد ﷺ ، وما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فهم السلف الصالح ثم الأئمة الأربعة من بعدهم، أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضى الله عنهم،
стр. 919
وعن سلف الأمة من الصحابة ومن تبعهم إلى يوم القيامة، فإن هؤلاء الأئمة المقتدى بهم عند جميع المسلمين من أهل الكتاب والسنة، فإنه لا خلاف بينهم في أصل الدين، من توحيد الله تعالى في ربوبيته وفي أُلوهيته وأسمائه وصفاته وهذا - والحمد لله - ثابت في كتبهم الموجودة بين أيديكم، وإن حصل بينهم اختلاف في الفروع، فما ذاك إلا من شدة حرصهم وتمسكهم بكتاب ربهم، وما صح عن نبيهم ﷺ واستخراج معانيهما، كل منهم على قدر ما آتاه الله من العلم والفهم في دينه، وكلهم إن شاء الله تعالى على حق، ومن سلك طريقهم وحذا حذوهم إلى يوم القيامة.
فهذا الذي ندين لله به، وهو اعتقادنا نحن واعتقاد مشايخنا وأسلافنا وهو الصراط المستقيم، والميزان العدل، فمن استقام عليه فهو المتبع المهتدي ومن حاد عنه وهو جاهل فيجب عليه الرجوع والتوبة إلى الله ﵎، ومن خالفه معتقدا بطلانه فهذا ليس على شيء من الدين، لا أصله ولا فرعه، نعوذ بالله من ذلك، ولا يقال عن هذا إِنه مكذب للمشايخ، بل مكذب لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
وإِن من حضر منكم هذا المجلس المبارك، وسمع كلام العلماء بغير واسطة، فقد قامت عليه الحجة، وليس هو بمعذور بما يأتيه من المخالفة وعلى الشاهد أن يبلغ الغائب، وإني أحذركم من التفرق في الدين وتتبع الخلافات فيه، فإن هذا من أعظم أسباب الهلاك.
стр. 920
وإنكم في زمن قد تشعبت فيه الأمة الإسلامية وكثرت فيها الفرق وفشت فيها البدع، ودنس وجه الدين بما ليس منه، وكثرت فيه شبه الضالين المضلين، غير أَنه بحمد الله لم يخل زمان من قائم لله في أمر دينه ينفي عنه غلو الغالين وانتحال المبطلين، أولئك هم علماء الدين، وهم ورثة الأنبياء وهم الحافظون لدين الله تعالى، حيث أقامهم لذلك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وكل يدعي أَنه القائم لله بحفظ دينه، ولكن ميزان العدل في ذلك هو اتباع هذا النبي الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ .
إني أرشدكم إلى أعظم قائم لله تعالى في نصر دينه، بعد الأئمة الأربعة ﵃، وذلك بعد أن كثرت الملل والنحل، وتشعبت الأهواء، وتفرق الناس شيعا كل حزب بما لديهم فرحون، ذلك: هو شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام محمد بن قيم الجوزية - رحمهما الله تعالى-، ومن هو على طريقتهم في الدعوة والتحقيق إلى يوم القيامة، فقد قام هذان الشيخان بما أوجبه الله على العلماء من بيان الحق، وعدم كتمانه، ولم تأخذهما في الله لومة لائم، فقد توفي الشيخ ابن تيمية ﵀ بينما كان محبوسا في قلعة دمشق، وما ذنبه إلا بيان الحق والدعوة إليه وإبطال ما خالفه من العقائد الزائفة، والطرائق الضالة الفاسدة، فهذه كتب هذين الشيخين بحمد الله بين أيديكم قد سهل الله نشرها بعد أن كانت مدفونة في زوايا الترك والإِهمال، فعليكم بمطالعتها، فإنها بأَدلة
стр. 921
الكتاب والسنة تجلو عن القلوب صداها، وبمآثر الصحابة وهديهم تميط عن الأبصار غشاها.
وهذا شيخنا ذلك الإمام١ الوحيد في زمانه، الجليل القدر رحمه الله تعالى، قد قام بما قام به هذان الشيخان من الدعوة إلى تحقيق التوحيد لله تعالى في أسمائه وصفاته وتوحيده في أُلوهيته، بإِفراده بالعبادة له، وحده لا شريك له بجميع أنواعها، وهذا التوحيد هو أصل بعثة الرسل من نوح إلى نبينا محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢.
وهذا التوحيد هو أصل الأصول للدين، الذي لا يجوز التقليد فيها، فعليكم بالتفقه في دينكم واتباع نبيكم ﷺ وسلفكم الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة.
وقد تقدم لكم البيان بأَننا في الأصل على القرآن، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁.
إن هذا المقام ليس مقام تفصيل وإِطالة، بل هو مقام نصيحة وتنبيه لكم فيما تأتونه من أمور دينكم بأن تكونوا فيه على بصيرة، قال تعالى:
стр. 922
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١ وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٢.
فمن كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر وقصده في هجره البداوة، وانتسابه إلى الخير طلب رضا الله تعالى والتماس ما عنده من الثواب لمن تاب إليه وأناب؛ فلا يتمسك أحدكم بأموردينه برأيه، وليس الدين بالاستحسان، فكل طريق إلى الحق غير طريق نبيه ﷺ فإنه مسدود، وكل عمل على غير سنته فهو إلى صاحبه مردود فاتبعوا ولا تبتدعوا، وقاربوا فمن سار على الدرب وصل.
وهذا ما يجب لكم علينا من النصيحة، فمن خالف ما بيناه لكم بقول أو فعل فذمتنا وذمة المسلمين منه بريئة ولا يأمن البطش بنفسه وبحلاله ومن أنذر فقد أعذر.
نرجو الله أن يوفقنا وإياكم للخير، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته وأن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين" ٣.
وفي موضع آخر يقول الملك عبد العزيز: " على أَنه في آخر الأمر
стр. 923
أظهر الله شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ثم بعدهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ ونفع بهم الإسلام والمسلمين، وخصوصا محمد بن عبد الوهاب، عندما اندرست أعلام الإسلام، وكثرت الشبهات والبدع، فلما رأى أسلافنا موافقة أقوالهم وأفعالهم لما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قبلوا ذلك وقاموا بما أظهره الله على أيديهم، ونحن إن شاء الله على سبيلهم ومعتقدهم، نرجو أن يحيينا على ذلك، ويميتنا عليه، وقد عرفناكم بذلك لموجب ذكر المشائخ في الاعتقاد، والعمدة على ما ذكروه".
إلى أن قال: "ومن أَشكل عليه شيء من الأمور فليرده إلى طالب العلم المنصوب عندكم بأمر الولاية ورضى المشائخ" ١.
وله رسالة إلى من يراه من علماء المسلمين وإخوانهم المنتسبين في سنة ١٣٣٩هـ يقرر فيها ما كتبه إليهم المشائخ: حسن بن حسين، وسعد ابن حمد بن عتيق، وسليمان بن سحمان، وصالح بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن عبد اللطيف، وعمر بن عبد اللطيف، وعبد الله بن حسن، ومحمد ابن إبراهيم بن عبد اللطيف، وكافة آل الشيخ؛ حيث كتبوا يذكرون بما أظهر الله على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب من دين الإسلام والعمل به، ثم ذريته من بعده سلكوا على منواله، وأيدهم الله
стр. 924
بولاة الأمر من آل سعود، وآخر من قام بهذا الأمر في زمانهم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، ثم يبينون أَنه من المتعين على الجميع لزوم الاقتداء بهم، والسلوك على منهاجهم، وأَنه لا ينبغى لأحد من الناس العدول عن طريقة آل الشيخ، ومخالفة ما استمروا عليه من أصول الدين؛ فإِنه الصراط المستقيم، الذي من حاد عنه فقد سلك طريق أصحاب الجحيم، وكذلك في مسائل الأحكام والفتوى لا ينبغى العدول عما استقاموا عليه، واستمرت عليه الفتوى منهم، لأن الاختلاف بين الناس - خصوصا في جهة نجد - لابد أن يكون سبب شر وفساد وفتنة، وسد باب الشر والفتن والفساد أمر مطلوب في الشريعة، بل من أعظم مقاصدها؛ كما لا يخفى.
فقرر الملك على ذلك قائلا: "هذا كتاب إخوانكم المشائخ تشرفون عليه والعمل إن شاء الله على مافيه، ثم بعد ذلك ما هو بخافيكم أول منشأ هذا الأمر وتقويمه إنه من الله ثم أسباب الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وأوائلنا ﵏، وما جرى على المسلمين من اختلاف ولايتهم مرارا وكلما اختلف الأمر وشارف الناس لنقض دين الله وإِطفاء نوره؛ أَبَى الله وأخرج من ها الحمولتين من يقوم بذلك حتى إِن آخرهم والدنا وشيخنا الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف".
стр. 925
إلى أن قال الملك: "والحمد لله ما حنا١ في شك من أمر ديننا، وتفهمون أَنه من حين أظهر الله الشيخ محمد بن عبد الوهاب في قرن أطيب من وقتنا ورجال أطيب من رجالنا وعلماء أطيب من علمائنا، فسدد الله به، وقام بهذه الكلمة وجدد الله أمر هذا الأصل، وأنقذ الله بأسبابه الناس من الظلمات إلى النور، فبان أمره لأولي الأبصار وخفي ذلك على كثير من الناس، وعاند من أزاغ الله قلبه وأعمى بصيرته، وقبل هذا الحق ورضيه آباؤنا وأجدادنا وعلماء المسلمين فيما أتى به من الأصل والفروع ويتعين علينا إن شاء الله أن نقتدى بما اقتدوا به".
إلى أن قال الملك: " فالآن يكون الأمر على ما ذكر المشائخ أعلاه فمن أفتى أو تكلم بكلام مخالف لما عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده عبد الله وعبد الرحمن وعبد اللطيف وعبد الله بن عبد اللطيف فهو متعرض للخطر، لأننا نعرف أَنه ما يخالفهم إلا إنسان مراوز للشر والفتنة بين المسلمين".
إلى أن قال الملك مستثنيا: "إلا إِن كان هنا إنسان عنده في مخالفتهم دليل من الكتاب أو السنة" ... إلخ ما قاله رحمه الله٢.
стр. 926
ومن كلمات الملك عبد العزيز وخطبه قوله:
" إني مسافر إلى مكة لا للتسلط عليها بل لرفع المظالم والمغارم التي أرهقت كاهل عباد الله، إني مسافر إلى حرم الله لبسط أحكام الشريعة وتأييدها، فلن يكون بعد اليوم سلطان إلا للشرع.
ثم استطرد قائلا: " ... الذي أبغيه من هذه الديار أن تعمل بما في كتاب الله وسنة نبيه في الأمور الأصلية أما في الأمور الفرعية فاختلاف الأئمة رحمة " ١.
ومن خطبة له بمكة يقول:
"أَنا بذمتكم وأنتم بذمتى، إن الدين النصيحة، أنا منكم وأنتم مني، هذه عقيدتنا في الكتب، بين أيديكم؛ فإن كان فيها ما يخالف كتاب الله، فردونا عنه واسألونا عما يشكل عليكم فيها، والحكم بيننا كتاب الله وما جاء في كتب الحديث والسنة".
ويقول: "ما كنا عرباً إلا بعد ما كنا مسلمين، كنا عبيدا للعجم، ولكن الإسلام جعلنا سادة، ليس لنا فضيلة إلا بالله وطاعته واتباع محمد، ويجب أن نعرف حقيقة ديننا وعربيتنا، ولا ننساهما.
كل حرية باطلة، إلا حرية الإسلام، والإنسان لا ينفع إلا بالدين، ونحن لا نبغي محاربة أوربا، وإنما نطلب حقوقنا باتحادنا فنعتصم بالله،
стр. 927
والإسلام أكبر وسيلة وأكبر حصن، هو أكبر مزايا الحسب والنسب، فيجب على المسلم محبة دينه وشعبه ووطنه".
ويقول في خطبة له بمكة أيضا: "يسموننا بالوهابيين، ويسمون مذهبنا بالوهابي. باعتبار أَنه مذهب خاص وهذا خطأ فاحش، نشأ عن الدعايات الكاذبة التي كان يبثها أهل الأغراض، "نحن لسنا أصحاب مذهب جديد، أوعقيدة جديدة، ولم يأت محمد ابن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا هي عقيدة السلف الصالح التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح، ونحن نحترم الأئمة الأربعة، ولا فرق بين الأئمة مالك والشافعى وأحمد وأبي حنيفة؛ كلهم محترمون في نظرنا" ١.
ومن خطبتين له في مكة إحداهما عام ١٣٥٣هـ يقول:
" هذه عقيدتنا في الكتب التي بين أيديكم، فإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فردونا عنه ... والحكم بيننا وبينكم كتاب الله وما جاء في كتب الحديث والسنة.
إننا لم نطع (ابن عبد الوهاب) وغيره إلا في ما أيدوه بقول من كتاب الله وسنة رسوله، وقد جعلنا الله، أنا وآبائي وأجدادي مبشرين ومعلمين بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح، ومتى وجدنا الدليل القوي في أي مذهب من المذاهب الأربعة، رجعنا إليه وتمسكنا به،
стр. 928
وأما إذا لم نجد دليلا قويا؛ أخذنا بقول الإمام أحمد؛ فهذا كتاب
" الطحاوية " في العقيدة الذي نقرأه وشرحه للأحناف وهذا تفسير " ابن كثير" وصاحبه شافعي١.
ويقول ينبه بعض المستعمرين:
" قد فاتكم أن الراعي مسئول عن رعيته وقد فاتكم أن صاحب السيادة لا يستقيم أمره إلا بالعدل والإحسان، وقد فاتكم أن العرب لا ينامون على الضيم، ولا يبالون إذا خسروا كل ما لديهم وسلمت كرامتهم" ٢.
ولما دخلت بلاد الحجاز في ولاية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود حصل اتفاق بين علماء مكة ونجد وقد نشرته رئاسة إدارات البحوث العلمية والإِفتاء والدعوة والإِرشاد بالمملكة العربية السعودية بعنوان: " البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد عن عقائد التوحيد"، وقد اشتمل على بيان ما يجب على الأمة الإسلامية اعتقاده من توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وتحذيرها من كل ما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كدعاء غير الله والاستغاثة والاستعانة بالأموات وطلب الشفاعة منهم، والذبح والنذر لغير الله، وكالحلف بغير الله وتعظيم القبور
стр. 929
بغير ما شرع الله من البناء عليها واتخاذها مساجد وشد الرحال إليها والطواف حولها والتبرك بها مما عمت به البلوى، وقد سبق نشرها في جريدة أم القرى في أجزاء متفرقة في سنة ١٣٤٣ هـ ثم جمعت في رسالة تحت عنوان: " البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد " وطبعت عام ١٣٤٤هـ ثم ضم إِليها مناظرة في نفس الموضوع جرت بين علماء مكة ونجد نشرتها " جريدة أم القرى " يوم الجمعة ١٥/٥/ ١٣٤٣هـ، وطبعت بمطابع دار الثقافة بمكة عام ١٣٩٨هـ طبعتها الثانية، وأولها نداء عام من علماء بلد الله الحرام إِلى أمتنا الكريمة وإلى شعبنا النبيل، بينوا فيه ذلك المضمون الذي ذكرناه، ووقعه كل من الشيخ محمد المرزوقي قاضي مكة المكرمة والشيخ عبد الله بن إبراهيم حمدوه، والشيخ سعد وقاص، والشيخ حسين مكي الكتبي، والشيخ عيسى دهان، والشيخ عبد القادر أبو الخير مرداد، والشيخ محمد سعيد أَبو الخير، والشيخ أَبو بكر ابن محمد خوقير، والشيخ حسين عبد الغني، والشيخ محمد نور محمد الفطاني، والشيخ محمد عرابي سجيني، والشيخ عباس المالكي، والشيخ محمد أَمين فوده، والشيخ محمد جمال المالكي، والشيخ محمد عبد الهادي كتبي، والشيخ درويش عجيمي.
ثم أَعقبه خطاب رئيس القضاة الشيخ عبد الله بن بليهد الذي ألقاه في الاجتماع الذي عقد بين علماء نجد وعلماء مكة المكرمة، ثم ذكر المناظرة التي وقعت بين علماء مكة وعلماء نجد وما توصلوا إليه واتفقوا
стр. 930
عليه في بيان نذكر نصه كما يلي:
" بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
من علماء حرم الله الشريف وأئمته الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي، والشيخ عمر باجنيد أَبي بكر، والشيخ درويش عجيمي، والشيخ محمد مرزوقي، والشيخ أحمد بن علي النجار، والشيخ جمال المالكي، والشيخ عباس المالكي، والشيخ حسين بن سعيد بن محمد بن سعيد عبد الغني، والشيخ حسين مفتي المالكية والشيخ عبد الله حمدوه، والشيخ عبد الستار، والشيخ سعد وقاص، والشيخ عمر بن صديق خان، والشيخ عبد الرحمن الزواوي إِلى من يراه من علماء الحكومات الإِسلامية وملوكهم وأمرائهم ...
أما بعد؛ فقد اجتمعنا نحن المذكورين مع مشايخ نجد حين قدومهم إِلى الحرم الشريف مع الإمام عبد العزيز حفظه الله، وهم: الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف، والشيخ عبد الله بن حسن، والشيخ عبد الله بن عبد الوهاب بن زاحم، والشيخ عبد الرحمن بن محمد بن داود، والشيخ محمد بن عثمان الشاوي، والشيخ مبارك بن عبد المحسن بن باز، والشيخ إبراهيم بن ناصر بن حسين، فجرى بيننا وبين المذكورين والمحترمين مباحثة فعرضوا علينا عقيدة أهل نجد وعرضنا عليهم عقيدتنا، فحصل الاجتماع بيننا وبينهم بعد البحث والمراجعة في مسائل أصولية:
стр. 931
منها: أن من أقر بالشهادتين وعمل بأركان الإِسلام الخمسة ثم أتى بمكفر ينقض إِسلامه قولي أو فعلي أو اعتقادي إنه يكون كافرا بذلك يستتاب ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل.
ومنها: من جعل بينه وبين الله وسائط من خلقه؛ يدعوهم في جلب نفع أو دفع ضر، أو يقربونه إلى الله زلفى أنه كافر يحل دمه وماله، ومن طلب الشفاعة من غير الله لا يقدر عليه إلا الله؛ أن ذلك شرك، فإِن الشفاعة ملك لله ولا تطلب إلا منه، ولا يشفع أَحد إلا بإذنه، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (البقرة: ٢٥٥) . وهو لا يأذن إلا فيمن رضي قوله وعمله؛ كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (الأنبياء: ٢٨) وهو لا يرضى إِلا بالتوحيد والإخلاص.
ومنها: تحريم البناء على القبور، وإسراجها وتحري الصلاة عندها أن ذلك بدعة محرمة في الشريعة.
ومنها: أن من سأل الله بجاه أحد من خلقه فهو مبتدع مرتكب حراما.
ومنها: أَنه لا يجوز الحلف بغير الله لا الكعبة ولا الأمانة ولا النبي ولا غير ذلك لقول النبي ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك".
فهذه المسائل كلها لما وقعت المباحثة فيها حصل الاتفاق بيننا وبين المذكورين ولم يحصل خلاف في شيء، فاتفقت بذلك العقيدة بيننا معاشر
стр. 932
علماء الحرم الشريف وبين إخواننا علماء أهل نجد، نسأل الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه آمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى.
وهكذا يحصل الاتفاق على الحق، ويحصل زهوق الباطل " إن الباطل كان زهوقا".
وكتب الملك عبد العزيز إلى الشيخ أبي اليسار الدمشقي، وناصر الدين الحجازي نزيل دمشق، كتب إِليهما في الشام كتابا يعتبر منشورا إعلاميا وبيانا لما عليه الملك عبد العزيز من عقيدة السلف الصالح، ونورد نصه لأنه وثيقة لا يقدر أحد أن ينكرها:
" بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى جناب الأخوين المكرمين الشيخ الفاضل أبو اليسار الدمشقي، وناصر الدين الحجازي، سلمهما الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
" أما بعد فإِني أحمد إليكما الله الذي لا إِله إلا هو على نعمه التي من أجلِّها نعمة الإسلام، ونشكره سبحانه إذ جعلنا من أهلها وأَنصارها والذابين عنها، ونسأله أن يصلي على عبده ورسوله وحبيبه وخيرته من خلقه محمد وآله وصحبه وحزبه.
وغير ذلك ورد علينا ردكم على عبد القادر الإسكندراني فرأيناه ردا سديدا وجوابا صائبا مفيدا، وافيا بالمقصود، فحمدنا الله على ما من به عليكم من معرفة الحق والبصيرة فيه، وعرضناه على مشائخ المسلمين
стр. 933
فاستحسنوه وأجازوه.
فالحمد لله الذي جعل لأهل الحق بقية وعصابة تذب عن دين المرسلين وتحمي حماه عن زيغ الزائغين، وشبه المارقين والملحدين، فلربنا الحمد لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أَثنى على نفسه، وفوق ما يثنى به عليه خلقه.
وهذه منة عظيمة، ومنحة جليلة جسيمة، حيث جعلكم الله في هذه الأزمان التي غلب على أَكثر أهلها الجهل والهوى والإعراض عن النور والهدى، واستحسنوا عبادة الأَصنام والأَوثان، وصرفوا لها خالص حق الملك الديان، ورأوا أَن ذلك قربة ودينا يدينون به، ولم يوجد من أَزمان متطاولة من ينهى عن ذلك أو يغيره، فعند ذلك اشتدت غربة الإِسلام واستحكم الشر والبلاء، وطمست أَعلام الهدى، وصار من ينكر ذلك ويحذر عنه خارجيا قد أَتى بمذهب لا يعرف لأنهم لا يعرفون إِلا ما أَلفته طباعهم وسكنت إِليه قلوبهم، وما وجدوا عليه أَسلافهم وآباءهم من الكفر والشرك والبدع والمنكرات الفظيعة، فالعالم بالحق والعارف له والمنكر للباطل والمغير له يعد بينهم وحيدا غريبا.
فاغتنموا رحمكم الله الدعوة إِلى الله وإِلى دينه وشرعه، ودحض حجج من خالف ما جاءت به رسله ونزلت به كتبه من البينات والهدى، وأَن تكون الدعوة إِلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بالحجة والبيان، حتى يمن الله عليكم بمن يساعدكم على هذا، فإِن القيام في ذلك من أوجب
стр. 934
الواجبات، وأهم المهمات وأفضل الأَعمال الصالحات لا سيما في هذا الزمان الذي قلَّ خيره وكثر شره، قال ﷺ : "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أَن ينقص من أجورهم شيء"، وقال لعلي بن أَبي طالب ﵁: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ونحن إن شاء الله من أنصاركم وأعوانكم.
ومن حسن توفيق الله لكم أن أقامكم في آخر هذا الزمان دعاة إلى الحق وحجة على الخلق فاشكروه على ذلك، واعلموا أن من أقامه الله هذا المقام لابد أن يتسلط عليه الأعداء بالأذى والامتحان، فليقتد بمن سلف من الأنبياء والمرسلين، ومن على طريقهم من الأئمة المهديين، ولا يثنيه ذلك عن الدعوة إلى الله، فإن الحق منصور وممتحن، والعاقبة للمتقين في كل زمان ومكان.
وهذه١ هدية نهديها إليكم من كلام علماء المسلمين وبيان ما نحن ومشائخنا عليه من الطريقة المحمدية والعقيدة السلفية ليتبين لكم حقيقة ما نحن عليه وما ندعو إليه، نحن وسلفنا الماضون نسأل الله لنا ولكم التوفيق، والهداية لأقوم منهج وطريق، والسلام"٢.
стр. 935
والهدية السنية التي أشار إليها الملك عبد العزيز وقال إنها تبين حقيقة ما نحن عليه وما ندعو إليه، نحن وسلفنا الماضون هي مجموعة رسائل خمس لكبار أئمة نجد وعلمائها جمع وترتيب الشيخ سليمان بن سحمان طبعت بأمر ملك الحجاز وسلطان نجد عبد العزيز آل سعود، وقف على طبعها وعلق عليها بعض الفوائد والإِيضاحات محمد رشيد رضا، الطبعة الثانية في سنة ١٣٤٤هـ، بمطبعة المنار بمصر وأعيد طبعها في مطابع دار الثقافة بمكة المكرمة، على نفقة فهد بن قاسم بن علي آل ثاني عام ١٣٩٣هـ، وهي عبارة عن:
رسالة من الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى من يراه من العلماء والقضاة في الحرمين والشام ومصر والعراق وسائر علماء المشرق والمغرب يشرح فيها حقيقة العبادة ويبين التوحيد والفرق بين حق الله وحق أنبيائه وأوليائه ويحذر من الشرك ويبينه ما هو ليجتنب، وسبق ذكرها في أثر عقيدة الشيخ في الدور الأول من أدوار دولة أنصارها١.
والثانية من الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، وسبق ذكرها في أثر عقيدة الشيخ في الدور الأول من أدوار دولة أنصارها٢، وفيها شرح مذهب الشيخ وأنصاره وأتباعه، وأنه مذهب أهل السنة والجماعة، وهي
стр. 936
عبارة عن محضر سجل ما وقع بالفعل ووثيقة تاريخية لا يقدر أحد أن ينكرها.
والرسالة الثالثة هي: "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" للشيخ حمد بن ناصر بن معمر، وهي كذلك وثيقة تاريخية سجلت مناظرة وقعت بين الشيخ حمد بن معمر وأصحابه وبين علماء مكة وأعيانها في دعاء غير الله وتمييز الشرك من التوحيد وفي حكم تارك الصلاة والزكاة وفي حكم البناء على القبور، وسبق ذكرها أيضا في أثر عقيدة الشيخ في الدور الأول من أدوار دولة أنصارها١.
والرسالة الرابعة للشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ في نبذة من سيرة جده الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومجمل عقيدته وأَتباعه، وهي نبذة أصيلة من مؤتمن لا يشك في أمانته العلمية، فتعتبر أصدق مرجع في زمانها يؤخذ منه حقيقة ما عليه الشيخ محمد وأتباعه وأنصاره، وسبق ذكرها في الدور الثاني من أدوار دولة أنصارها٢.
والرسالة الخامسة للشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ تتضمن سجلا بما عمله الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن من بعثه هذا الشيخ إلى اليمن وعسير وتهامة لينشر عقيدة السلف الصالح هناك ويبين التوحيد
стр. 937
ليعمل به والشرك ليجتنب، وهي وثيقة تاريخية جليلة لا يقدر أحد أن ينكرها أو أن ينكر صلتها الحاضر بالماضي وبيانها أن الحاضرلم ينحرف عن الماضى، وإنما على سننه- كما قال الملك عبد العزيز: "هدية نهديها إليكم من كلام علماء المسلمين، وبيان ما نحن ومشائخنا عليه من الطريقة المحمدية، والعقيدة السلفية، ليتبين لكم حقيقة ما نحن عليه، وما ندعو إليه، نحن وسلفنا الماضون".
ثم ختامها بقصيدة دالية للشيخ سليمان بن سحمان في جملة عقيدة الشيخ السلفية وقصيدة من صاحب لنجه في بيان طريقة الشيخ، وأرجوزة للعلامة محمد بن الشيخ أحمد الحفظي الحجازي اليمني في بيان عقيدة الشيخ وذكر مآثر آل سعود لما استجابوا لداعي الحق حتى ظهر دين الله وبان منهاج الشريعة المحمدية١.
ولا شك أن الملك عبد العزيز كان كأسلافه عقيدته سلفية وكان نصيرا لعقيدة السلف ويستشير العلماء في أمور الدين وينفذ أحكامهم ويعمل بنصائحهم وفتاويهم مع أَنه ذو فكر سديد، وإدراك عميق، واعتقاد سليم، مبني على استقلال في الشخصية، وحرية في الاختيار، وقوة
стр. 938
في الإِرادة، ومضاء في العزيمة، وسعة في الأُفق، ويشاركهم في التوجيه والنصائح والإِرشاد والدعوة إلى عقيدة السلف الصالح كما ذكرنا١ مما يدل على علمه ورسوخ قدمه في عقيدة السلف الصالح وأَن عليها اعتقاده رحمه الله تعالى، لكنه مع ذلك يدرك أهمية العالم المتخصص، المعروف بالديانة والصدق ويضعه في مكانه، ويعلم أن ذلك هو منهج الصواب.
وكان من أبرز هؤلاء المشائخ الذين استعان بهم هو العلامة التقي الورع شيخ الإسلام الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولد في الأَحساء سنة ١٢٦٥هـ وقدم بلد الرياض سنة ١٢٧٢هـ وأخذ العلم عن أبيه وجده والشيخ حمد بن عتيق وغيرهم وبرع في جميع الفنون، الأصول والفروع والتفسير والنحو وغيرها، وصار رفيع القدر جم الفضائل، انتهت إليه الرئاسة في العلم والرأي والكرم، له اليد الطولى في التدريس ومجالسه المحفوفة بفحول العلماء والمدرسين وأهل الرأي، وله صدور المجالس والمحافل، وإلى قوله المنتهى في الفصل بين العشائر والقبائل، له رسائل وفتاوى ونصائح كثيرة مفيدة ورأي راجح في الحوادث المدلهمة، وهيبة أَلبسها بين الأمة، وأخذ عنه العلم جم غفير ترعرعوا ونموا في مدرسته ونالوا من إِكرام الملك ونصرته ما تمم نموهم وإِدراكهم فكانوا خير عون
стр. 939
له، وعلى رأس هؤلاء التلاميذ للشيخ عبد الله علامة الديار النجدية ومفتى المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀.
وهذه قائمة بأسماء التلامذة الأوائل الذين ضمتهم مدرسة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وأخذوا عنه مباشرة، وقربهم الملك عبد العزيز واستعان بهم:
١- الشيخ عبد الملك بن عبد الله.
٢- الشيخ عبد اللطيف بن عبد الله.
٣- الشيخ محمد بن عبد الله.
٤- الشيخ صالح بن عبد الله.
٥- الشيخ إسحق بن عبد الرحمن بن حسن.
٦- الشيخ محمد بن عبد اللطيف.
٧- الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف.
٨- الشيخ عبد العزيز بن عبد اللطيف.
٩- الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف.
١٠- الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن.
١١- الشيخ محمد بن إبراهيم.
١٢- الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم.
١٣- الشيخ عبد الرحمن بن إسحق.
١٤- الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللطيف.
стр. 940
١٥- الشيخ عبد الملك بن إبراهيم بن عبد الملك.
١٦- الشيخ عبد الله بن حسن بن ابراهبم بن عبد الملك.
١٧- الشيخ على بن عبد العزيز.
١٨- الشيخ عمر بن حسن.
١٩- الشيخ صالح بن عبد العزيز بن محمد.
٢٠- الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن محمد.
٢١- الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري.
٢٢- الشيخ عبد الله بن فيصل.
٢٣- الشيخ عبد العزيز بن بشر.
٢٤- الشيخ عبد الرحمن بن سالم.
٢٥- الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن داود.
٢٦- الشيخ عبد العزيز بن حمد بن عتيق.
٢٧- الشيخ عبد الله بن سليمان السياري.
٢٨- الشيخ عبد الله بن حمد الدوسري.
٢٩- الشيخ سالم الحناكي.
٣٠- الشيخ محمد الحناكي.
٣١- الشيخ عمر بن سليم.
٣٢- الشيخ عبد الرحمن بن عودان.
٣٣- الشيخ محمد بن عثمان الشاوي.
٣٤- الشيخ ناصر بن سعود بن عيسى.
стр. 941
٣٥- الشيخ مبارك بن عبد المحسن.
٣٦- الشيخ عبد الله بن زاحم.
٣٧- الشيخ عبد الله بن بليهد.
٣٨- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله النمر.
٣٩- الشيخ سعد بن سعود.
٤٠- الشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك.
٤١- الشيخ إبراهيم بن سليمان بن راشد.
٤٢- الشيخ عبد الله بن عتيق.
٤٣- الشيخ عبد اللطيف بن عتيق.
٤٤- الشيخ إبراهيم بن حسين.
٤٥- الشيخ عبد الرحمن بن حسين.
٤٦- الشيخ عبد الله بن رشيدان.
٤٧- الشيخ سليمان بن حمدان.
٤٨- الشيخ محمد بن علي البيز.
٤٩- الشيخ فالح بن عثمان بن صغير.
٥٠- الشيخ عبد العزيز الشثري.
٥١- الشيخ عبد العزيز بن مرشد.
٥٢- الشيخ حمد بن محمد بن موسى.
стр. 942
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وأخذ عن الشيخ عبد الله خلق لا يحصيهم إلا الله تعالى١.
وقد أخذ عن هؤلاء أضعاف مضاعفة ممن صاروا علماء وقضاة ودعاة إلى عقيدة السلف الصالح٢.
وتوفي الشيخ عبد الله سنة ١٣٣٩هـ رحمه الله تعالى- ورثاه العلماء والشعراء وممن رثاه: الشيخ محمد بن إبراهيم بقصيدة مطلعها:
على الشيخ عبد الله بدر المحافل ... نريق كصوب الغاديات الهواطل
ورثاه غيره٣، ومن الشعراء: الشاعر محمد بن عثيمين والذي من مرثيته قوله:
شيخ مضى طاهرَ الأخلاق متبعا ... طريقة المصطفى بالله معتصما
بحر من العلم قد فاضت جداوله ... لكنه سائغ في ذوق من طعِما
تنشقُّ أصدافه في البحث عن درر ... تهدي إلى الحق مفهوما وملتزما
فكم قواعد فقه قد أبان وكم ... أشاد رسما من العليا قد انثلما
نعى إلينا العلا والبر مصرعه والعلم ... والفضل والإحسان والكرما
стр. 943
هذي الخصال التي كانت تفضله ... على الرجال فاضحى فيهم علما
فليت شعري من للمشكلات إِذا ... ما حل منها عويص يبهم الفهما
وللعلوم التي تخفى غوامضها ... على الفحول من الأحبار والعلما
إلى أن قال:
لهفي عليه ولهف المسلمين معي ... لو أَن لهفا شفى من لاهف سدما
ولهف مدرسة بالذكر يعمرها ... ومسجد كان فيه ينشر الحكما١
ولا ننسى في خضم هذا الأثر علما بارزا من تلاميذه هو الشيخ سليمان بن سحمان، العالم العلامة حَسَّان زمانه وشاعر عقيدة السلف الصالح في وقته، المجاهد بنثره ونظمه والمنافح بجهده وبيانه عن عقيدة الشيخ السلفية، أخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه عبد اللطيف وابنه عبد الله، وكان له دور في التدريس ونشر العلم النافع، وهو من العلماء الذين استعان بهم الملك عبد العزيز في الدعوة إلى التمسك بالعقيدة السليمة، وطلب العلم النافع والالتزام بالعمل الصالح وتخريج العلماء وتنشئتهم، وقد تخرج على يديه الكثير من العلماء الذين نفع الله بهم، وله المؤلفات النافعة منها:
١- " الضياء الشارق، في رد شبهات الماذق المارق ".
стр. 944
٢- " الهدية السنية " جمعها ورتبها وفي آخرها " المنظومة
الدالية " له.
٣- "تبرئة الشيخين الإمامين من تزوير أهل الكذب والمين ".
٤، ٥- "منهاج أهل الحق والاتباع "، و"إرشاد الطالب ". في مجلد واحد.
٦- "الصواعق المرسلة ".
٧- وديوان شعر، ومؤلفات غيرها.
وهو القائل:
نعم نحن وهابية حنفية ... حنيفية نَسْقِي لمن غاضنا المرا
ومن هاضنا أو غاضنا بمغيضة ... سنصعقه صعقا ونكسره كسرا
وكم من أخي جهل رمانا بجهله ... فعاد حسيرا خاسئا نائلا شرا
بمحكم آيات وسنة أحمد ... نصول على الأعدا فنأطرهم إِطرا
إلى أن قال:
وأَلفت كتبا نثرها ونظامها ... يؤيد أهل الحق أَرجو بها الأجرا١
وله جهود في جمع وتحقيق رسائل علماء الدعوة إلى عقيدة السلف الصالح كمجموعة الرسائل والمسائل النجدية أربعة أجزاء في مجلدات كبار، وقد طبعها الملك عبد العزيز ونشرها ضمن ما اتفق عليه وعلى
стр. 945
طبعه من كتب علماء العقيدة السلفية في جميع فنون العلم.
وقال في الانتصار لها الشاعر محمد بن عثيمين سنة ١٣٤٦هـ:
شموس من التحقيق في طالع السعد ... تجلت فأجلت ظلمة الهزل والجد
قواطعُ من آي الكتاب كأنها ... بأَعناق أهل الزيغ مرهفة الحد
إلى أن قال:
كفاناهم من لم يزل متجردا ... لنصر الهدى والدين أكرم به مهدي
سليمانُ من سارت فضائلُ مجده ... مسير مهب الريح في الغور والنجد
إلى أن قال:
تمسك بما في محكم النص ظاهرا ... وبالسنة الغرا عن الصادق المهدي
وطالع تصانيف الإمام محمد ... وأبنائه أهل الدراية والنقد
فإن بها ما يُطْفِيُء الغلَّة التي ... بها من أُوار الجهل وَقْدُ على وقْدِ
هُمُ قدوة في ذا الزمان وحجة ... وميزان عدل لا يميمل عن القصد١
وكانت وفاة الشيخ سليمان سنة ١٣٤٩هـ في الرياض رحمه الله تعالى٢.
وقد رثاه حمد الجاسر، ورثى معه سعد بن عتيق- ومن ذلك قوله:
مضى عنها سُليمان محثا ... يَؤم إِمامه قد سارَ سعد
فأَضحى العلم بعدهما يتيماً ... يحاربه كثير وهو فَرد٣
стр. 946
ومن هؤلاء العلماء الجهابذة الذين حملوا عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، وقربهم الملك عبد العزيز وصدر عن علمهم، العالم الحافظ الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، أخذ العلم عن والده، ثم سافر لطلب العلم نحو تسع سنين فأخذ عن الشيخ نذير حسين الدهلوي، والشيخ شريف حسين، والشيخ محمد بشير السهسواني، والشيخ سلامة الله الهندي والشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي، وكلهم أجازوه، وأخذ عن جماعة من علماء مكة منهم: الشيخ حسب الله الهندي، والشيخ عبد الله الزواوي، والشيخ أحمد أبو الخير، وجم غفير، ولما رجع من رحلته لطلب العلم من الهند ثم من مكة إلى بلده الأفلاج قال الشيخ سليمان بن سحمان فيه:
على بلد الأفلاج أشرق سعدُه ... فآبت لها الألطاف من كل جانب
هنيئا لكم أهل العَمَارِ١ بمن له ... مآثر تزهو كالنجوم الثواقب
هنيئا لكم هذا القدوم بعالم ... سلالة حبر فاضل ذي مناقب
ولما فتح الملك عبد العزيز الرياض عام ١٣١٩هـ، واستولى على الأفلاج، نقله منها إلى الرياض قاضيا في جميع قضايا البادية وجميع الدماء من القتل فما دونه من أنواع الجراحات، كما عينه الملك عبد العزيز إماما
стр. 947
في جامع الرياض الكبير، وفي هذا المسجد الواسع عقد له حلقتين للتدريس إحداهما بعد طلوع الشمس حتى امتداد النهار، والثانية بعد صلاة الظهر، وكان حريصا على ما يلقيه من الدروس، شديد التثبت لمعنى ما يقرأ عليه، فلا يلقي درسه، ولا يسمعه من الطالب، حتى يراجع عليه شروحه وحواشيه، وما قاله العلماء عليه، وضبطه لغة ونحوا وصرفا حتى يحرر الدرس تحريرا بالغا، وقد أوقع الله محبته في القلوب، وأمده بسعة العلم، وكان كثير الدعاء والابتهال، متواضعا عند العامة، رفيع القدر عند الخاصة، مجالسه معمورة بالعلماء، مشحونة بالفقهاء والمحدثين، مشتغلا بنفسه، وبإلقاء الدروس المفيدة على أصحابها كما وصفنا، وأخذ العلم عنه الجم الغفير، منهم أبناؤه محمد وعبد العزيز وحمد، وأخذ عنه إخوته الشيخ عبد العزيز والشيخ عبد اللطيف والشيخ عبد الله، ومحمد بن أخيه عبد العزيز، والشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ محمد، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ عبد الملك أبناء الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ عبد الله والشيخ عمر أبناء الشيخ حسن بن حسين والشيخ سعد بن سعود بن رشود، والشيخ عبد الرحمن وإبراهيم ابنا حسين، وعبد الرحمن بن الشيخ إسحاق، والشيخ عبد اللطيف بن محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ، والشيخ محمد بن عثمان الشاوي، والشيخ سليمان بن حمدان، والشيخ عبد الله بن حمد الدوسري، والشيخ إبراهيم بن سليمان، والشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك، والشيخ عبد
стр. 948
العزيز بن مرشد، والشيخ عبد الله بن حسن بن إبراهيم بن عبد الملك، والشيخ عبد العزيز بن محمد الشثري، والشيخ عبد الله بن رشيدان، والشيخ عبد الرحمن بن عودان، والشيخ محمد بن رشيد، والأستاذ حمد الجاسر، وغيرهم خلق كثير١.
كما تصدى لنشر العلم بالكتابة والرسائل والنصائح، وحرر الفتاوى والأجوبة على الأسئلة فرقها الشيخ ابن قاسم في مجموعه المسمى: "الدرر السنية"، و"نظم مختصر المقنع" المسمى "زاد المستقنع" حتى كاد أن يتمه، وأتمه الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سحمان وطبع بعنوان: "نيل المراد بنظم متن الزاد " بمراجعة الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق، وله رسالة سماها: "حجة التحريض في تحريم الذبح للمريض" في مكتبة جامعة الملك سعود برقم ٢١٥، ورسالة أخرى سماها: "عقيدة الطائفة النجدية في توحيد الألوهية" وقد طبعت، قال فيها بعد أن حمد الله وصلى وسلم على رسوله اللهم صل وسلم على رسولك:
"أما بعد؛ فقد سألني بعض الأحباب أن أكتب ما أَعتقده ويعتقده مشايخي من أهل بلدي فيمن يأتي إلى قبر النبي ﷺ ويقول يا رسول الله أغثني أو اشفع لي أو غير ذلك من أنواع السؤال، وكذلك ما نعتقده في
стр. 949
شد الرحل إلى قبر النبي ﷺ ، وما نعتقده في التوسل بالنبي ﷺ ".
ثم أورد عقيدة السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، الفرقة الناجية إلى أن قال:
" ونعوذ بالله من كل قول أو فعل يخالف ما شرعه الله ورسوله، ومن يعرف أحوالنا يعلم أنما ينسبه إلينا أكثر الناس لا أصل له، بل هو من البهتان، وسبب ذلك أن الرجل المشهور الذي أقام الله به هذه الملة الحنيفية ونفع بدعوته جمعا غفيرا من الأمة وهو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، لما دعا إلى تجريد التوحيد وإِخلاص العبادة لله والتخلي من الرسوم العادية والوسائل الشركية شرق بذلك أكثر الناس واستعظموه قائلين ما قال إخوانهم الأولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ١ وجنوا عليه وعلى أتباعه بالسب والتكفير، واستحلوا دماءهم وأموالهم وسعوا لهم بالغوائل. كل ذلك عند قوله: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢ كما قال رحمه الله تعالى في تفسير الفاتحة: "ومن عرف البردة ومن فتن بها عرف غربة الإسلام، وعرف أن العداوة واستحلال
стр. 950
دمائنا وأبنائنا ونسائنا ليس عند التكفير والقتال، فإنهم الذين بدأونا بالقتال، بل عند قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١ وعند قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ٢ وعند قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٣ انتهى.
وجعل أهل العداوة والحسد خصوصا بعض علماء السوء، يرمونه بالعظائم ويلفقون من الأكاذيب ما الله به عليم، ومرادهم بذلك تنفير الناس عنه وعن ما دعا إليه، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولوكره الكافرون، والكلام في هذه المادة على وجه الكمال لا تحتمله هذه الأوراق.
ومما يجب أن يعلم أَن أكثر الناس في هذه الأزمان قد غرهم الشيطان ولبس عليهم حتى وقعوا في الشرك وغيروا اسمه وأسموه توسلا فتجدهم يدعون الأنبياء والصالحين من الأموات والغائبين ويسألونهم ما لا يقدر عليه إلا الله ويسمون ذلك توسلا فيخدعون الجهال بهذه التسمية ويلبسون على خفافيش البصائر بقولهم هذا الذي نفعل توسلا وليس بشرك، والله يعلم وملائكته وعباده المؤمنون أنه هو الشرك الذي قال الله