← Акыда

Акыда · id 12039

عقيدة محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي

صالح بن عبد الله العبود

Полный текст (1 147 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ومن هؤلاء العلماء الجهابذة الذين حملوا عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، وقربهم الملك عبد العزيز وصدر عن علمهم، العالم الحافظ الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، أخذ العلم عن والده، ثم سافر لطلب العلم نحو تسع سنين فأخذ عن الشيخ نذير حسين الدهلوي، والشيخ شريف حسين، والشيخ محمد بشير السهسواني، والشيخ سلامة الله الهندي والشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى النجدي، وكلهم أجازوه، وأخذ عن جماعة من علماء مكة منهم: الشيخ حسب الله الهندي، والشيخ عبد الله الزواوي، والشيخ أحمد أبو الخير، وجم غفير، ولما رجع من رحلته لطلب العلم من الهند ثم من مكة إلى بلده الأفلاج قال الشيخ سليمان بن سحمان فيه: على بلد الأفلاج أشرق سعدُه ... فآبت لها الألطاف من كل جانب هنيئا لكم أهل العَمَارِ١ بمن له ... مآثر تزهو كالنجوم الثواقب هنيئا لكم هذا القدوم بعالم ... سلالة حبر فاضل ذي مناقب ولما فتح الملك عبد العزيز الرياض عام ١٣١٩هـ، واستولى على الأفلاج، نقله منها إلى الرياض قاضيا في جميع قضايا البادية وجميع الدماء من القتل فما دونه من أنواع الجراحات، كما عينه الملك عبد العزيز إماما

стр. 947

في جامع الرياض الكبير، وفي هذا المسجد الواسع عقد له حلقتين للتدريس إحداهما بعد طلوع الشمس حتى امتداد النهار، والثانية بعد صلاة الظهر، وكان حريصا على ما يلقيه من الدروس، شديد التثبت لمعنى ما يقرأ عليه، فلا يلقي درسه، ولا يسمعه من الطالب، حتى يراجع عليه شروحه وحواشيه، وما قاله العلماء عليه، وضبطه لغة ونحوا وصرفا حتى يحرر الدرس تحريرا بالغا، وقد أوقع الله محبته في القلوب، وأمده بسعة العلم، وكان كثير الدعاء والابتهال، متواضعا عند العامة، رفيع القدر عند الخاصة، مجالسه معمورة بالعلماء، مشحونة بالفقهاء والمحدثين، مشتغلا بنفسه، وبإلقاء الدروس المفيدة على أصحابها كما وصفنا، وأخذ العلم عنه الجم الغفير، منهم أبناؤه محمد وعبد العزيز وحمد، وأخذ عنه إخوته الشيخ عبد العزيز والشيخ عبد اللطيف والشيخ عبد الله، ومحمد بن أخيه عبد العزيز، والشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ محمد، والشيخ عبد اللطيف، والشيخ عبد الملك أبناء الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ عبد الله والشيخ عمر أبناء الشيخ حسن بن حسين والشيخ سعد بن سعود بن رشود، والشيخ عبد الرحمن وإبراهيم ابنا حسين، وعبد الرحمن بن الشيخ إسحاق، والشيخ عبد اللطيف بن محمد بن عبد الرحمن آل الشيخ، والشيخ محمد بن عثمان الشاوي، والشيخ سليمان بن حمدان، والشيخ عبد الله بن حمد الدوسري، والشيخ إبراهيم بن سليمان، والشيخ فيصل بن عبد العزيز آل مبارك، والشيخ عبد

стр. 948

العزيز بن مرشد، والشيخ عبد الله بن حسن بن إبراهيم بن عبد الملك، والشيخ عبد العزيز بن محمد الشثري، والشيخ عبد الله بن رشيدان، والشيخ عبد الرحمن بن عودان، والشيخ محمد بن رشيد، والأستاذ حمد الجاسر، وغيرهم خلق كثير١. كما تصدى لنشر العلم بالكتابة والرسائل والنصائح، وحرر الفتاوى والأجوبة على الأسئلة فرقها الشيخ ابن قاسم في مجموعه المسمى: "الدرر السنية"، و"نظم مختصر المقنع" المسمى "زاد المستقنع" حتى كاد أن يتمه، وأتمه الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن سحمان وطبع بعنوان: "نيل المراد بنظم متن الزاد " بمراجعة الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق، وله رسالة سماها: "حجة التحريض في تحريم الذبح للمريض" في مكتبة جامعة الملك سعود برقم ٢١٥، ورسالة أخرى سماها: "عقيدة الطائفة النجدية في توحيد الألوهية" وقد طبعت، قال فيها بعد أن حمد الله وصلى وسلم على رسوله اللهم صل وسلم على رسولك: "أما بعد؛ فقد سألني بعض الأحباب أن أكتب ما أَعتقده ويعتقده مشايخي من أهل بلدي فيمن يأتي إلى قبر النبي ﷺ ويقول يا رسول الله أغثني أو اشفع لي أو غير ذلك من أنواع السؤال، وكذلك ما نعتقده في

стр. 949

شد الرحل إلى قبر النبي ﷺ ، وما نعتقده في التوسل بالنبي ﷺ ". ثم أورد عقيدة السلف الصالح، أهل السنة والجماعة، الفرقة الناجية إلى أن قال: " ونعوذ بالله من كل قول أو فعل يخالف ما شرعه الله ورسوله، ومن يعرف أحوالنا يعلم أنما ينسبه إلينا أكثر الناس لا أصل له، بل هو من البهتان، وسبب ذلك أن الرجل المشهور الذي أقام الله به هذه الملة الحنيفية ونفع بدعوته جمعا غفيرا من الأمة وهو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، لما دعا إلى تجريد التوحيد وإِخلاص العبادة لله والتخلي من الرسوم العادية والوسائل الشركية شرق بذلك أكثر الناس واستعظموه قائلين ما قال إخوانهم الأولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ ١ وجنوا عليه وعلى أتباعه بالسب والتكفير، واستحلوا دماءهم وأموالهم وسعوا لهم بالغوائل. كل ذلك عند قوله: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢ كما قال رحمه الله تعالى في تفسير الفاتحة: "ومن عرف البردة ومن فتن بها عرف غربة الإسلام، وعرف أن العداوة واستحلال

стр. 950

دمائنا وأبنائنا ونسائنا ليس عند التكفير والقتال، فإنهم الذين بدأونا بالقتال، بل عند قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١ وعند قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ٢ وعند قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٣ انتهى. وجعل أهل العداوة والحسد خصوصا بعض علماء السوء، يرمونه بالعظائم ويلفقون من الأكاذيب ما الله به عليم، ومرادهم بذلك تنفير الناس عنه وعن ما دعا إليه، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولوكره الكافرون، والكلام في هذه المادة على وجه الكمال لا تحتمله هذه الأوراق. ومما يجب أن يعلم أَن أكثر الناس في هذه الأزمان قد غرهم الشيطان ولبس عليهم حتى وقعوا في الشرك وغيروا اسمه وأسموه توسلا فتجدهم يدعون الأنبياء والصالحين من الأموات والغائبين ويسألونهم ما لا يقدر عليه إلا الله ويسمون ذلك توسلا فيخدعون الجهال بهذه التسمية ويلبسون على خفافيش البصائر بقولهم هذا الذي نفعل توسلا وليس بشرك، والله يعلم وملائكته وعباده المؤمنون أنه هو الشرك الذي قال الله

стр. 951

فيه: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ١ ٢. على العموم فكتاباته وفتاواه تدل على غزارة علمه وسعة اطلاعه وحسن تصوره، وهو في عداد كبار علماء نجد المقربين من الملك عبد العزيز ويعتمد عليه في مهام الأمور الدينية كما ذكرنا وهو معزز محترم عند علماء الدعوة إلى عقيدة السلف الصالح يجلونه ويقدرونه ويعرفون له حقه ومكانته العلمية ونشاطه في الدعوة إلى عقيدة السلف الصالح وموالاة أهلها، ومازال على أحواله الكريمة وسجاياه الحميدة، حتى توفي في الرياض في اليوم الثالث عشر من جمادى الأولى عام ١٣٤٩هـ ودفن في مقبرة العود في الرياض وبكاه الناس ورثاه الشعراء٣. وممن رثاه الشاعر محمد بن عثيمين بالقصيدة التي مطلعها: أهكذا البدرُ تُخفِي نوره الحفرُ ... ويفقدُ العلمُ لا عينٌ ولا أثرُ إلى أن قال: وابْكِ على العَلَمِ الفرد الذي حَسُنَتْ ... بذكر أفعاله الأخبار والسير من لم يبال بحق الله لائمةً ... ولا يحابي امرءا في خده صعر بَحْرٌ من العلم قد فاضت جداوله ... أضحى وقد ضمه في بطنه المدر

стр. 952

فليت شعري من للمشكلات إِذا ... حارت بغامضها الأفهام والفكر من للمدارس بالتعليم يعمرها ... ينتابها زمر من بعدها زمر هذي رسوم علوم الدين تندبه ... ثكلى عليه ولكن عزها القدر طوتك يا سعد أيام طوت أمما ... كانوا فبانوا وفي الماضين معتبر إن كان شخصك قد واراه مَلْحَدُهُ ... فعلمك الجم في الآفاق منتشر والأسوة المصطفى نفسي الفداء له ... بموته يتأسى البدو والحضر بَنَى لكم حَمَدٌ ياللعقيق علاً ... لم يبنها لكم مال ولا خطر لكنه العلم يسمو من يسود به ... على الجهول ولو من جده مضر١ ورثاه الشيخ عبد الملك بن إبراهيم بن عبد اللطيف بمرثية مطلعها: مصاب دهى بالمعضلات النوازل ... وَرُزْءٌ عظيم قد أَهاج بلابل إلى أن قال: لدن جاءنا الناعى مساءا مخبرا ... بموت إمام العلم زاكي الشمائل هو الشيخ سعد من غدا متفردا ... بكل فنون العلم بين القبائل إمام لعمري ناسك متورع ... تقي نقي ما له من مماثل إمام لعمري كان بالعلم عاملا ... يراقب ربا ليس عنه بغافل إمام لعمري كان للعلم باذلا ... يقرر للتوحيد بين المحافل

стр. 953

إلى أن قال: له مجلس بالعلم يزهر دائما ... تشد إليه مضمرات الرواحل يؤمّونه الطلاب من كل وجهة ... تراهم عكوفا بين قار وسائل فيلقون حبرا للغوامض كاشفا ... يحل عويص مشكلات المسائل١ ﵀ رحمة واسعة ورحم جميع العلماء وسائر المسلمين. ومن هؤلاء العلماء المحققين المجاهدين ذوي العقول الكبيرة صاحب السماحة ذو العقل الراجح، الطود الثابت والعالم الراسخ الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية، ورئيس قضاتها ومرجع علمائها ورئيس رابطة العالم الإسلامى، والجامعة الإسلامية في زمانه، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. حفظ القرآن عن ظهر قلب ثم أخذ في تلقي العلم عن والده الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف الذي كان قاضيا لمدينة الرياض في مطلع القرن الرابع عشر الهجرى، وقد قرأ على والده في مختصرات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومبادىء النحو والفرائض، ثم أخذ العلم عن عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وقد مر ذكره قبل قليل٢، قرأ على عمه هذا، "كتاب التوحيد " تأليف جده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب

стр. 954

وغيره من كتب عقيدة السلف الصالح كالواسطية والحموية وقرأ على عمه أيضا في أصول التفسير والحديث، وقرأ على الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق في الفقه ومصطلح الحديث ولازمه ملازمة تامة، وقرأ على الشيخ حمد بن فارس في الألفية وغيرها من المؤلفات النحوية وفي الفقه، وقرأ على الشيخ عبد الله بن راشد بن جلعود في الفرائض. ولم يزل مجدا في طلب العلم إلى أن صار مرجع العلماء وأبرز الفقهاء ونادرة الأذكياء. وكان عمه وشيخه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف كما ذكرنا من قبل ممن أعان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل بعلمه وعمله ومحض النصيحة والولاء والإخلاص، فلما مرض مرض موته أوصى الملك عبد العزيز به خيرا وأخبره بكفاءته العلمية والدينية وأنه بموجب ذلك يصلح أن يكون خليفة بعده وتوفي سنة ١٣٣٩هـ، فعينه الملك عبد العزيز خلفا لعمه في الفتيا وإمامة المسجد والتدريس فباشر ذلك بكفاءة وإخلاص، وعزيمة ومضاء وفي سنة ١٣٤٥هـ أرسله جلالة الملك عبد العزيز إلى أهل الغطغط لما شددوا تشديدا ينافي الشرع فمكث عندهم ستة شهور يبين لهم معاني الكتاب والسنة وعبارات رسائل علماء دعوة التوحيد السلفية، ويحذرهم من الغلو ومجاوزة الحدود ثم رجع إلى الرياض واستمر في نشر العلم وتعليمه. ويقول مؤلف كتاب "مشاهير علماء نجد": "وكان ﵀ لا يدع طالب العلم المبتدىء يقرأ عليه في الفقه والمطولات حتى يقرأ في مختصرات شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وهي "شروط الصلاة

стр. 955

وأركانها" و"أربع القواعد"، و"ثلاثة الأصول"، و"كشف الشبهات"، و"آداب المشي إلى الصلاة"، و"كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد"، فإذا قرأ عليه هذه المختصرات عن ظهر قلب سمح له في القراءة عليه في مختصر المقنع وغيره من كتب الفقه، وفي القراءة في بلوغ المرام وغيره من كتب أحاديث الأحكام وشروحها، والروض المربع شرح زاد المستنقع وهذه قاعدته وقاعدة من تقدمه من علماء دعوة التوحيد السلفية- رحمهم الله١. وما زال الشيخ مستمرا في إمامة مسجد عمه المعروف بمسجد الشيخ وتدريس الطلاب فيه من عام ١٣٣٩هـ إلى قبيل وفاته ﵀. وقد تخرج على يديه أفواج من العلماء كثيرون شغلوا مناصب القضاء والتدريس والدعوة إلى الله والإرشاد والبحث العلمي. وأذكر اثنين هم أبرزهم: ١- الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز- ﵀ الذي كان نائبه في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ثم أسندت إليه رئاسة الجامعة بعد وفاة شيخه ورئيسها ثم أسند إليه منصب رئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد. ٢- الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد- ﵀ وكان آخر ما

стр. 956

أسند إليه منصب رئيس المجلس الأعلى للقضاء. وقد قضى خمسين عاما من بعد وفاة عمه في الدعوة إلى عقيدة السلف الصالح والجهاد في سبيل الله، والذب عن الإسلام بجد وحزم وصبر. هذا ومع أعماله الكثيرة التي قام بها وهي تشق على الجماعة من الرجال، قد خلف وراءه من الفتاوى ما يبلغ المجلدات الكثيرة وقد جمع بعضها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وأكثرها في ملفات دار الإفتاء ويجري طبعها حاليا، وطبع منها حتى الآن عدة مجلدات. وله نصائح توجيهية عامة وخاصة، ورسائل قيمة كبيرة الفائدة قد طبع كثير منها١. وتوفي ﵀ عام ١٣٨٩هـ _ ورثي بمراثي كثيرة ما بين شعر ونثر ومنها قصيدة للشيخ عبد الله بن إدريس تبلغ أبياتها عشرين بيتا- ومطلعها: ما عاش إلا للعلوم وشرعة الإنصاف ... وقضى الحياة مكرم الأَوصاف ومنها قصيدة للدكتور كامل الفقي تبلغ اثنين وثلاثين بيتا ومطلعها: دهى الجزيرة خطب ليس يحتمل ... فلتنفطر مهج ولتنهمر مقل٢ وقد أصدرت صحيفة الدعوة التي تصدر بالرياض عددا خاصا عنه، وذلك عددها٢٣١ الصادر يوم الإثنين ١٣ شوال عام ١٣٨٩هـ يشتمل

стр. 957

على سبع وعشرين مقالة نثرا وشعرا١. وقد عُني بترجمته وتدوينها أتم ما يعنى بتراجم علماء الأمة الإسلامية، الذين هم لأمتهم رواسى، ترسيهم أن يجهلوا أو يميدوا، كما هي الجبال، أوتاد ورواسى للأرض أن تميد أو تضطرب٢، أولئك حملة عقيدة السلف الصالح والمتأثرون بها والدعاة إليها، وناشروها ومعلمو أممهم إياها- والذين وصفهم الشاعر المفلق محمد بن عثيمين بقوله: الثابتين على الإيمان جَهْدَهُمُ ... والصادقين فما خانوا ولا ختروا الصادعين بأمر الله لو سخطوا ... أهل البسيطة ما بالو ولو كثروا والسالكين على نهج الرسول على ... ما قررت محكم الآيات والسور والعادلين عن الدنيا وزهرتها ... والآمرين بخير بعدما ائتمروا لم يجعلوا سلما للمال علمهم ... بل نزهوه فلم يعلق به وضر٣ إلى أن قال: هذى المكارم لا تزويق أبنية ... ولا الشفوف التي تكسى بها الجدر٤

стр. 958

ولقد صدق الشاعر العثيمين في وصفهم فإنهم قد سلكوا منهج الرسول ﷺ وصدعوا بأمر الله غير مبالين، ولا طامعين في الدنيا بديلا عن الآخرة. وذلك الذي ذكرته عن العلماء ونشرهم العقيدة السلفية هو من آثار قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة إلى عقيدة السلف الصالح. وقد كانوا في عهد الملك عبد العزيز وعهد أبنائه من بعده. وما ذكرناه من ذلك أمثلة يسيرة، ثم لا يعزب عن البال أَن الحاضرة من الناس تبع لهؤلاء العلماء ويصدرون عنهم في عقيدتهم وعبادة ربهم لاسيما تحت حزم الحكومة على ذلك. أما ما يختص بالبادية الذين شملهم الله تعالى بنعمة الأمن والاستقرار تحت ولاية الملك عبد العزيز وقيادته وحزمه الموفق، فقد شمل إكرامه جميع عشائر البدو الرحل، وسعى في تحضيرهم ولم شملهم وتشجيعهم على الاستقرار يعاونهم على بناء المدن والقرى وهي ما يسمى بالهجر وسكناها لأن حياة البداوة والغزو والسلب والتفرق وسفك الدماء لا تقوم معها حياة دينية ولا دنيوية صحيحة مستقرة فأخذ يسكنهم هذه الهجر ويشجعهم على التعلم وتلقي علوم دينهم وأصول عقيدة السلف الصالح ومختصرات الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ذلك على أيدي المشايخ وأئمة المساجد وطلبة العلم وصار يبعث إليهم من يعلمهم ويرشدهم ويبث فيهم عقيدة السلف الصالح بكل عناية وحزم. وذلك ابتداء من سنة

стр. 959

١٣٣٠هـ تقريبا، حيث كانت هجرة الأرطاوية أول هجرة بنيت سنة ١٣٣٠هـ١. ويقول حافظ وهبه: إن من أعظم المشروعات الإصلاحية التي قام بها الملك عبد العزيز: مشروع تحضير البادية وإِقطاعهم الأراضي للسكنى والزراعة، وتعليم المبادىء الدينية ومكارم الأخلاق، ولا شك أَنه حصل نجاح عظيم لإصلاحات الملك عبد العزيز وإِقبال على دين الله خاصة من البدو الرحل فقد أَقبلوا على الهجر يبنونها بمساعدة الملك عبد العزيز، ويبني لهم المساجد، ويبعث إليهم المشايخ والأئمة وطلبة العلم يعلمونهم دين الله ورسوله ﷺ ، حتى تم تهجيرهم وأَقبل الناس على بناء حضارة إسلامية، وأغدق الله عليهم من نعمه الكثيرة في الدين والدنيا، والعلم والقراءة، والأمن والاستقرار، وما لا يحصى من النعم. ويذكر حافظ وهبة: أنه في سنة ١٣٤٧هـ في ثامن شهر جمادى الأولى أمر الملك بعقد المؤتمر النجدي أو الجمعية العمومية٢، وكان مؤتمرا عاما، وفي هذا المؤتمر، قال الملك علنا وبصراحة تامة: "إني لم أطلب منكم أَن تجتمعوا اليوم في هذا المكان خشية منكم، فإني قد أسست هذه المملكة بقدرة الله وحده الذي عاضدني وساعدني والذي كتب لي الفوز وكتب

стр. 960

لي التوفيق، وإن خوفي من الله وحده هو الذي حدا بي لأن أجمع شملكم اليوم لنتباحث معا وقد فعلت ذلك حتى لا أقع في نقيصة الإعجاب بالنفس والكبرياء". وقال الملك: "أيها الإِخوان! تعلمون عظم المنة التي من الله بها علينا بدين الإسلام إذ جمعنا به بعد الفرقة، وأعزنا به بعد الذلة، واذكروا قوله تعالى: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ... ﴾ الآية، إِن شفقتي عليكم وعلى ما منَّ الله به علينا وخوفي من تحذيره بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ كل هذا دعاني لأن أجمعكم في هذا المكان لتذكروا: أولا: ما أنعم الله به علينا فنرى ما يجب عمله لشكران هذه النعمة. وثانيا: لأمر بدا في نفسي وهو أنني خشيت أن يكون في صدر أحد شيء يشكوه مني أو من أحد نوابي وأمرائي بإساءة كانت عليه أو بمنعه حقا من حقوقه، فأردت أن أعرف ذلك منكم لأخرج أمام الله بمعذرة من ذلك وأكون قد أديت ما علي من واجب. وثالثا: لأسألكم عما في خواطركم وما لديكم من الآراء وما ترونه يصلحكم في أمر دينكم ودنياكم". وقال الملك: "إن القوة لله جميعا، وكلكم يذكر أنني خرجت عليكم وكنتم فرقا وأحزابا يقتل بعضكم بعضا، وينهب بعضكم بعضا، وجميع من ولاه الله أمركم من عربي أو أجنبي كانوا يدسون لكم الدسائس؛ لتفريق كلمتكم، وإضعاف قوتكم لذهاب أمركم، ويوم خرجت كنت

стр. 961

محل الضعف وليس لي من عضد وساعد إلا الله وحده ولا أملك من القوة إلا أربعين رجلا تعلمونهم، ولا أريد أن أقص عليكم ما من الله به علي من فتوح ولا بما فعلت من أعمال معكم كانت لخيركم، إن تاريخ ذلك منقوش في صدركل واحد منكم وأنتم تعلمونه جميعا وكما قيل: السيرة تبين السريرة. إنني لم أجمعكم اليوم في هذا المكان خوفا أورهبا من أحد منكم، فقد كنت وحدي من قبل وليس لي مساعد إلا الله فما باليت الجموع والله هو الذي نصرني، وإنما جمعتكم كما قلت لكم خوفا من ربي ومخافة من نفسي أن يصيبها زهو أو استكبار، جمعتكم هنا في هذا المكان لأمر واحد ولا أجيز لأحد أن يتكلم في غيره، ذلك هو النظر في أمر شخصي وحدي فيجب أن تجتنبوا في هذا المجلس الشذوذ عن هذا الموضوع، أما الأشياء الخارجة عن هذا فسأعين لكم اجتماعات خاصة وعامة ننظر فيها. أريد منكم أن تنظروا أولا فيمن يتولى أمركم غيري، وهؤلاء أفراد الأسرة أمامكم فاختاروا واحدا منهم ومن اتفقتم عليه فأنا أقره وأساعده وكونوا على يقين بأنني لم أقل هذا استخباراً. لأنني ولله الحمد لا أرى لأحد منكم منة علي في مقامي هذا بل المنة لله وحده، ولست في شيء من مواقف الضعف حتى أترك الأمر لمنازع بقوة، ولا يحملني على القول إلا أمران:

стр. 962

الأول: محبة راحتي في ديني ودنياي. والثاني: إني أعوذ بالله من أن أتولى قوما وهم لي كارهون، فإن أَجبتموني إلى هذا فذلك مطلبي ولكم أمان الله، فإن من يتكلم في هذا فهو آمن ولا أعاتبه لا آجلا ولا عاجلا، فإن قبلتم طلبي هذا فالحمد لله، وإن لا تزالوا مصرين على ما كلمتموني به على إثر دعوتي لكم فإني أبرأ إلى الله أن أخالف أمر الشرع وفي اتباع ما تجمعون عليه مما يؤيد شرع الله". ثم قال: "ابحثوا في شخصي وأعمالي، من كان له علي أنا عبد العزيز شكوى أو حق أو انتقاد في أمر دين أودنيا فليبينه، ولكل من أراد الكلام عهد الله وميثاقه وأمانه إنه حر في كل نقد يبينه ولا مسؤولية عليه، وإني لا أبيح لإنسان من العلماء ولا من غيرهم أن يكتم شيئا من النقد في صدره، وكل من كان عنده شيء فليبينه ولكم علي أن كل نقد تذكرونه أسمعه فما كان واقعاً أقررت به وبينت سببه وأَحْلت حكمه للشرع يحكم فيه، وما كان غير بين وهو عندكم من قبيل الظنون فلكم علي عهد الله وميثاقه أنني أبينه ولا أكتم عليكم منه شيئا، وأحكم في كل ما تقدم شرع الله فما أثبته أثبته وما نفاه نفيته. أنتم أيها الإِخوان: ابدوا ما بدا لكم وتكلموا بما سمعتموه وبما يقوله الناس من نقد ولي أمركم أو من نقد موظفيه المسؤول عنهم. وأنتم أيها العلماء! اذكروا أن الله سيوقفكم يوم العرض وستسألون عما سئلتم عنه اليوم، وعما أمنكم عليه المسلمون، فابدوا الحق في كل ما تسألون عنه، ولا تبالوا بكبير ولا صغير، وبينوا ما أوجب الله للرعية على

стр. 963

الراعي، وما أوجب للراعى على الرعية في أمر الدين والدنيا، وما تجب فيه طاعة ولي الأمر، وما تجب فيه معصيته، وإياكم وكتمان ما في صدوركم في أمر من الأمور التي تسألون عنها ولكل من تكلم الحق عهد الله وميثاقه أنني لا أعاتبه. إني أكون مسرورا منه، وإني أنفذ قوله الذي يجمع عليه العلماء، والقول الذي يقع الخلاف بينكم فيه أيها العلماء، فإني أعمل فيه عمل السلف الصالح، إذ أقبل ما كان أقرب إلى الدليل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أو قول أحد العلماء الأعلام، المعتمد عليهم، عند أهل السنة والجماعة، وإياكم أيها العلماء أن تكتموا شيئاً من الحق تبتغون بذلك مرضاة وجهي، فمن كتم أمرا يعتقد أَنه يخالف الشرع فعليه من الله اللعنة، أظهروا الحق وبينوه وتكلموا بما عندكم" ١. وقد بين الملك لهم أنه فاوض البريطانيين حول المخافر التي بنيت على حدود السعودية من جهة العراق ولكنهم أصروا على ذلك وتمسكوا بمبانيهم بسبب ما افتاته الدويش عليه حيث غزاهم بحجة الجهاد من غير إذن الإمام فقتلوا عمال المخفر وبعض شرطته وأخذوا أموالهم واستباحوها غير مرة وبدون إذن الإمام فالدويش هو المسؤول عن فشل المفاوضات التي لولا ما فعله الدويش لنجحت، وعلى كل فالجهاد لابد فيه من إذن

стр. 964

الإمام فهو يرى ما فيه المصلحة وهو نائب عن المسلمين ورأيه لهم خير من رأيهم لأنفسهم. ولنعد إلى خطبة الملك نتأمل ما ورد فيها على ضوء عقيدتنا السلفية كما هو موضوعنا: فهذا الملك قد خرج من الكويت ممتشقا سيفه يقطع به رؤوس الفتن ويخضع به كل معاند مستكبر حتى ذلت له كل صعبة وانقاد له كل مستعص وأمسك بيده زمام الأمور حتى أصبح أعظم ملك في زمانه عندئذ قال كلمة العقيدة السلفية الخالصة قالها من مركز القوة، مركز من يقول ويفعل، لأنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، وقالها من مركز التضحية والفداء، لأن بذل حظوظ النفس بسخاء هكذا، دليل صدق القائل بقوله. أما مكاسب عقيدة السلف الصالح التي نصرها واستردها من غاصبيها فذلك أمر لا يتنازل عنه بحال، كيف؟ وقد كان يوم خروجه من الكويت يسترد مكاسب عقيدتهم السلفية على ما وصف من القلة والذلة ومع ذلك لم يبال بالجموع ولا من بأقطارها من الدول ثقة بالله وحده وطمعا في نصره سبحانه لهذه العقيدة المهضوم أهلها، والمستباح بيضتهم من أنفسهم. ولكنه كان مستعدا لتنازله عن مكاسبه الشخصية وحظوظه النفسية، وهي وإن كان يستحقها لكنه يتنازل عنها في سبيل ظهور العقيدة السلفية وانتصارها وعدم المساس بشيء من مكاسبها التي

стр. 965

استردها، فحين يحيل في خطابه المؤتمرين إلى أحد أفراد الأسرة ليختاروا منها غيره هو دليل صدقه في تنازله عن حظوظه الشخصية مع عدم تفريطه بأي شيء من مكاسب عقيدة السلف الصالح. والأسرة السعودية هي من مكاسب عقيدة السلف الصالح التي دعا إليها الشيخ، فلم تنعم الجزيرة كما هو المعروف من التاريخ بأنصار لعقيدة السلف مثل هذه الأسرة المباركة كما أن هذه الأسرة لم يكن لها شأن يميزها بالأفضلية قبل أن تنصر عقيدة السلف الصالح، وكأن الكلام الذي جرى بين الأمير محمد بن سعود والشيخ محمد ابن عبد الوهاب "الدم بالدم والهدم بالهدم" هو ترجمان هذا الالتحام المصيري ومنذ تبايعا وتعاهدا وتعاقدا على نصرة دين الله ورسوله كان قد تم ظهور عقيدة السلف الصالح بائتلاف علماء العقيدة السلفية مع أنصارها لأن هذا الائتلاف من ماهية هذه العقيدة ومن ذاتيتها لا يتخلف إلا إذا تخلفت قلوب الناس عنها. ولذا فإن حملة العقيدة السلفية لا ينسون لهذه الأسرة تاريخها ولا يرتابون في صدق وفائها لعهودها وعقودها، ولا يمكن أن تطمئن نفوسهم من خلال تجاربهم التاريخية لغيرهم، وحملة عقيدة السلف الصالح هم أهل الحل والعقد، لأن هذه العقيدة هي مركز ثقل المسلمين وثقتهم وقد جَرَّبُوا غياب هذه الأسرة عن الحكم فرأوا في غيبتهم ضعف العقيدة والتفرق وعدم الأمن، وهذا ما يفهمه الملك عبد العزيز راسخا في نفوس المؤتمرين،

стр. 966

بل إِنه يذهب إلى أبعد من ذلك في سبيل تحقيق مكاسب عقيدة السلف الصالح، إنه لا يتأخر عن تقديم نفسه وأسرته ضحية في سبيل ذلك. قال ﵀ من خطبة له: "أنا مبشر أدعو لدين الإسلام، ولنشره بين الأقوام. أنا داعية لعقيدة السلف الصالح، وعقيدة السلف الصالح هي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله وما جاء عن الخلفاء الراشدين، أما ما كان غير موجود فيها، فأرجع بشأنه إلى أقوال الأئمة الأربعة، فآخذ منها ما فيه صلاح المسلمين. أنا مسلم، وأحب جمع كلمة الإسلام والمسلمين. وليس أحب عندي من أن تجتمع كلمة المسلمين ولو على يد عبد حبشي، وإنني لا أتأخر عن تقديم نفسي وأسرتي ضحية في سبيل ذلك" ١. ويقول: "ليس لهذا الملك وعظمته عندي من قيمة وإنما الذي أحبه وأريده هو رضاء الله تعالى". ويقول: "أرجو الله أن يوفقنا للخير، وافهموا أننا لا نُعِزُّ أحدا ولا نذل أحدا، وإنما المعز والمذل هو الله ، ومن التجأ إليه نجا ومن اعتز بغيره هلك" ٢. وقد بين العلماء ونصحوا كما أمرهم الملك الإمام وقد كانوا من

стр. 967

أول الأمر ينصحون للراعي والرعية، وما زالوا يسايرون الأحداث ويداوونها بعقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى. وكم كان للشيخ عبد الله بن عبد اللطيف من مواقف حاسمة وإرشادات صحيحة تُنْبِئُ عنها مراسلاته للإخوان في عهد الملك عبد العزيز يحذرهم الضلال والفرقة ويبين الهدى والجماعة، وهذه المراسلات موجودة في الدرر السنية في الجزء٧ من ص ٢٦٥ –٢٧٨ ومن ذلك قوله في بعضها: " قد بلغني عن بعض من غره الغرور من الطعن في العلماء ورميهم بالمداهنة وأشباه هذه الأقاويل التي صدت أكثر الخلق عن دين الله وزين لهم الشيطان بسبب ذلك الطعن في الولاية بأمور حقيقتها البهتان والطعن بالباطل" ١. وقد كتب هو وعدد من العلماء للملك عبد العزيز رسالة سنة ١٣٣٨هـ هذا أولها بعد البسملة: " من عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وحسن بن حسين، وسعد بن حمد بن عتيق، ومحمد بن عبد اللطيف، إلى جناب عالي الجناب الإمام المفخم والرئيس المقدم عبد العزيز ابن الإمام عبد الرحمن آل فيصل".

стр. 968

ثم ذكروا السبب لتحريره وأَنه محض النصيحة وبينوا له نعمة الإسلام، ومن ذلك أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بالسمع والطاعة، كما لا يخفى على الملك ولا على أحد له معرفة بالإسلام، ومن ذلك منة الله تعالى في آخر هذا الزمان الذي اشتدت فيه غربة الإسلام، بهداية غالب بادية أهل نجد خصوصا رؤساؤهم وما جعله الله من حظ وافر للملك عبد العزيز في إعانتهم ببناء مساجدهم ومدنهم، وفشو الإسلام في نجد جنوبا وشمالا، وعناية الله بعباده، وحكمته لا يعلمها إلا هو، ولكن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ومن معه رأوا أمرا يوجب الخلل على أهل الإسلام ويدخل التفرق في دولتهم وهو الاستبداد من دون إمامهم بزعمهم أنه بنية الجهاد، ولم يعلموا أن حقيقة الجهاد ومصالحة العدو وبذل الذمة للعامة وإقامة الحدود أنها مختصة بالإمام ومتعلقة به، ولا لأحد من الرعية دخل في ذلك إلا بولايته، والذي يعقد له راية ويمضي في أمر من دون إذن الإمام ونيابته فلا هو من أهل الجهاد في سبيل الله، إلى آخر ما دونوه في هذه الرسالة١. وفي رسائل أخرى ومناسبات متعددة كان جميع المشايخ من علماء الدعوة يبينون عقيدة السلف الصالح للناس ويحثونهم على الجماعة والسمع والطاعة، ويبينون حقوق الراعي والرعية وما يجب لكل وما يجب عليه

стр. 969

ويحذرون من خطر القول على الله وعلى رسوله ﷺ بلا علم، والتحذير من أمور الشيطان التي يدخلها على أهل الدين من المسارعة في التكفير والتهاجر والتقاطع واتهام علماء المسلمين بالمداهنة وإساءة الظن بهم وعدم الأخذ عنهم مما هو سبب للحرمان من العلم النافع وإساءة الظن بولي الأمر وعدم الطاعة له وعلى العموم فقد كانت للمشايخ فتاوى سديدة ومواقف حميدة، تجاه كل حادثة وفي كل مناسبة وما قصروا في بيان عقيدة السلف الصالح واستقصاء ذلك يطول، وحصره يصعب، ومن أراد الاطلاع على شيء من ذلك فنحيله على مجموعة الدرر السنية ج٧ ص ٢٧٧- ٣٤٥. وهكذا كان أثر عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية يخمد الفتن ويداوي الأمراض ويجمع الأمة تحت راية واحدة، ويُلم شعثها على إمام واحد، وينبذ الفرقة والخلاف ولا يقر الشذوذ والاعتساف، ويميت الهوى والبدعة، ويدعو إلى الائتلاف وإقامة السنة ولا غرو فعقيدة الشيخ هي مذهب أهل السنة والجماعة وعقيدة السلف الصالح رحمهم الله تعالى. وما زال أثر عقيدة الشيخ يحمله العلماء والزعماء وكلما مضى علماء وزعماء ورثهم علماء وزعماء آخرون حتى وصل إلينا عن طريق علمائنا وزعمائنا المعاصرين وأذكر منهم بالثناء طبقة الشيخ محمد بن إبراهيم وتلاميذه الذين كانت لهم حلقات علم في المساجد وغيرها. وكذلك من تخرج من الكليات الشرعية في جامعات المملكة وتلقى عقيدة السلف الصالح بالقبول والرضى والعمل.

стр. 970

وأخص بالذكر الرّئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية والتي تحولت إلى جامعة باسم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وتعددت فروعها في أنحاء المملكة خصوصا معاهدها العلمية، فقد كان لها أثر طيب في نشر عقيدة السلف الصالح. وأذكر بالثناء والولاء والعرفان الزعماء الذين عاصروا أولئك العلماء إلى يومنا هذا من آل سعود ومن وازرهم في نشر الإسلام، منذ الملك عبد العزيز ﵀. كما ذكرنا جانبا من أثر عقيدة الشيخ السلفية على يديه ويدي من بعده إلى يومنا هذا، وأنه بعد أن توفي الملك عبد العزيز تولى بعده الملك سعود بن عبد العزيزرحمه الله والذي تم على يديه فتح الجامعة الإسلامية، وكان في المناسبات يشكر الله على ما حبا به الشعب السعودي من نعمة التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في السمع والطاعة ولزوم طريق أهل السنة والجماعة. ويذكر أن أول ما يهم الجميع هو الاعتصام بحبل الله المتين واتخاذ الوسائل التي تمكن روح التوحيد الخالص في قلوب أفراد الشعب كافة حتى يخلص الجميع العبادة لله وحده، والسير في ذلك بهدي الكتاب والسنة في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في كل مجال وعلى الأخص في المدارس، ومراقبة ذلك وحث الناس على كل ما يأمر به الشرع الإسلامي ومنعهم من كل ما ينهى عنه، لأن في ذلك خيري الدنيا

стр. 971

والآخرة ولأنه ليس شيء من الخير، إلا أمر به الإسلام، وليس شيء من الشر إلا ينهى عنه الإسلام١. ثم الملك فيصل بن عبد العزيز ذو الأفق الواسع والجهد الصادق في السير مع المسلمين والدول الإسلامية في ما يحقق للمسلمين جميعا تضامنهم عملا بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٢ ومادام أن العالم الإسلامي يشكل كتلة واحدة تربط أجزاءه وشعوبه عقيدة واحدة، كما ورد ذلك في القرآن الكريم ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: ٩٢) ، ويتعرض العالم الإسلامي كله لهجمات سياسية وفكرية من أعدائهم فكل ذلك يحتم على المسلمين أن يتضامنوا لاسيما في مقابل تضامن أعدائهم عليهم من اليهود والصهيونية في كل أنحاء العالم، وأن جَمْعَ أكثر من ستمائة مليون مسلم على الشعور بالرابطة الإسلامية وتوحيدهم بذلك كفيل بالوقوف دون أعدائهم أن يستبيحوا بيضتهم وأن يتسلطوا عليهم، ويحتلوا ديارهم كفلسطين وغيرها. ولهذا تبنى الملك فيصل ﵀ الدعوة إلى مؤتمر القمة الإسلامي

стр. 972

بالرباط سنة ١٣٨٩هـ، ثم تلته مؤتمرات إسلامية أخرى. ومن خطاب له ألقاه في موسم الحج للدعوة إلى تضامن المسلمين: " إخواني ... إننا اليوم في هذا العصر الذي يتعرض فيه الإسلام إلى امتحان واختبار، نتجه بأفئدتنا إلى العلي القدير ضارعين أن يثبتنا جميعا وأن يهدينا سواء السبيل، وأن ينير لنا طريقنا القويم. أيها الإخوة ... إن الإسلام هو دين المحبة دين الأخوة دين السلام، دين القوة، دين العلم، دين البناء، دين التقدم، دين الفضيلة ... لم يبق فضيلة ولا مكرمة إلا دعا إليها، ولم يبق رذيلة إلا حذر منها، فحينما نقوم بالدعوة إلى الله وإلى اتباع ما جاء به في كتابه وسنة نبيه، فإنما تؤدون واجبا مفروضا عليكم تجاه ربكم ودينكم وتجاه أنفسكم، وإن واجب المسلمين أن يتكاتفوا وأن يثبتوا لما يصيبهم من مكاره وما يعترض سبيلهم من صعاب، وعليهم أن يسعوا إلى ما يؤلف قلوبهم ويقرب بينهم، ويبذر بذور المحبة والأخوة والتعاون فيما يصلح دينهم ودنياهم " ١. وقال ﵀ في خطبته التي ألقاها في موسم الحج عام ١٣٨٨هـ، وهو يتحدث عن تحرير المسجد الأقصى: " أيها الإخوة المسلمون! نريدها غضبة ونهضة إسلامية، لا تدخلها

стр. 973

قومية ولا عنصرية ولا حزبية، إنما دعوة إسلامية دعوة إلى الجهاد في سبيل الله، في سبيل ديننا وعقيدتنا دفاعا عن مقدساتنا وحرماتنا، وأرجوا الله أنه إذا كتب لي الموت أن يكتب لي الموت شهيداً في سبيل الله" انتهى. ونرجو أن يكون قد نال الشهادة التي تمناها١. ومن كلمة له ارتجلها في الحفل الذي أقامته الجامعة الإسلامية بمناسبة زيارته لها قال: " ليس غريباً أن أرى وأسمع وألمس في هذه الجامعة ما يثلج الصدور ويبهج الخاطر من انطلاقة إسلامية كبرى وأرجو لها النجاح وأرجو أن تؤتي ثمارها في أقطار العالم الإسلامي لخدمة هذه الدعوة المباركة والنهوض بها والسعي إلى نشرها بين أبناء الملة الإسلامية والدعوة إليها بين أبناء الملل الأخرى وإنني لأرجو لها نجاحا باهرا مادامت ترتكز على مثل هذه السواعد ومثل هذه الروح الوثابة المنطلقة بحول الله لنشر هذا الدين والدعوة إليه والجهاد في سبيله. أيها الإخوة: إن المسئولية الملقاة على عواتقكم وعواتق الجميع مسئولية كبرى فاسعوا إلى التفقه في دينكم ومعرفة كل ما يمكن معرفته لتكونوا مسلحين

стр. 974

بسلاح العلم وسلاح الفقه وبسلاح المعرفة حتى تكونوا مستعدين لما يجابهكم من صعاب ومن دعوات مضلله ومن مجهودات يرغب ويأمل أصحابها أن يأخذوا من هذا الدين وأن يحطوا من قدره وأن يهاجموه بكل ما أوتوا من قوة، وإنني لأرجو الله مخلصا أن يهبكم الصبر والشجاعة والقوة لتكافحوا في سبيل هذا الدين ولتبصروا الناس بما يحتويه هذا الدين وما تحتويه هذه الدعوة والشريعة من مزايا ومن مكارم ومن أسس هي أصلح ما يكون للبناء الذي يهدف إلى صالح البشر وإلى خير الأمة ولا يهدف إلى التزوير وإلى البدع والمضللات وإلى هدم الكيانات البشرية وإلى هدم الأخلاق وكل ما هو كريم في بني الإنسان. أيها الإخوة: إن أمامكم طريقا شاقا وطريقا طويلا وصعابا جمة، وأرجو أن تتسلحوا لها بالعلم والعرفان والنفس المطمئنة الصابرة الحكيمة في الدعوة إلى الله - وقد قال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وجادل الكفرة وجادل المشركين وجادل المرتدين والملحدين والمعاندين حتى تلقمهم الحجة وتتغلب عليهم بالحكمة والعقل والصبر، فهذا هو السبيل إلى الدعوة وهذا هو السبيل إلى تنوير أذهان الناس وتبصيرهم فيما تحتويه هذه الدعوة وما يحتويه الشرع الإسلامي، والدين الإسلامي من مزايا وخصائص لا يمكن أن تخطر على قلب بشر ولا يمكن أن ينكرها أو يجحدها إلا جاحد أو مكذب ".

стр. 975

إلى أن قال: " إن ما نقوم به في سبيل نشر العلم والدعوة إلى الله ونشر الثقافة الإسلامية ما هو إلا قليل مما يجب علينا، ولكننا نسير حسب الإمكانيات وحسبما يتحمله أو يقتدر عليه مجهود البشر، ولكن ثقوا بحول الله، أننا سائرون بكل ما أوتينا من قوة لنصر ديننا ولخدمة الإسلام وللدفاع عنه ولتبصير الناس به، فمن أراد الحق ومن أراد الخير فسبيله واضح، ومن أراد غير ذلك استعنا عليه بالله ، ثم بقوة العقيدة والإصرار على التمسك بها، فإن أخشى ما يخشى على المسلمين هو إدخال الشك في نفوسهم من عقيدتهم ومن دينهم، وهذا ما يخشى على المسلمين منه، وإنني أرجو الله مخلصا أن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه وأن يحفظنا بالإسلام وأن يوفقنا لسبيل الحق والصواب " ١. ومن كلمات الملك فيصل ﵀: " إن غيرنا من الحكام مقلدون وليسوا مبتكرين ونحن لسنا في حاجة إلى استيراد تقاليدنا من الخارج، وقد كان لنا تأريخ مجيد وقدنا العالم، نحن لنا أجداد وأمجاد وتاريخ وتراث، فلماذا نتنصل من هذا ونلتفت يمينا وشمالا نتلمس الطريق ونتلمس المبادىء، تراثنا أشرف تراث وتاريخنا أشرف تاريخ وأمتنا خير أمة أخرجت للناس ونحن لا نقبل أبدا أن يقال

стр. 976

عن ديننا وعن شريعتنا إنه دين التأخر والجمود نحن نريد لأمتنا أن تكون قائدة لا مقودة وأن تكون في المقدمة لا في المؤخرة وبإمكاننا أن نتقدم ونمسك الأمر إذا اتبعنا كتاب الله وسنة نبيه" ١. ومن ضمن ما تدعو إليه مفاوضات الملك فيصل مع رؤساء الدول الإسلامية هو التمسك برسالة الإسلام الخالدة نصا وروحا. وقام الملك فيصل برحلات إلى الأقطار الأفريقية والآسيوية وبعض الدول الأوربية لشرح وجهة نظر المملكة من منطلق إسلامي تجاه الخطر الصهيوني على العرب والمسلمين. وكان فيصل ﵀ قد تربى في بيت جده لأمه العلامة الحبر الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ والذي تقدم ذكر شيء عنه. وتعهده منذ نعومة أظفاره بتلقينه أصول الدين الحنيف ومبادىء العلوم، وحفظ في رحاب أبيه الملك عبد العزيز كثيرا من تجاربه، وقال: "إن والدي هو مدرستي الحقيقية" ٢. ثم الملك خالد وكان ﵀ رجلا فاضلا متواضعا ذا سجايا حسنة وأخلاق فاضلة وزامل كبار تلاميذ الشيخ محمد بن إبراهيم في

стр. 977

الدراسة، كالشيخ عبد الله بن حميد- وقد حدثني بذلك الشيخ ابن حميد ﵀. وكان مما أعلنه الملك خالد في أول جلسة لمجلس الوزراء بعد توليه الملك شعوره بعظم المسؤولية ومشقتها التي تحملها هو وأعضاء حكومته وبين أن الواجب هو الإستعانة بالله وحده والحرص على بذل المجهود والاهتمام بكل ما من شأنه إِسعاد هذه الأمة وحفظ دينها وإصلاح دنياها وبين أن البلاد السعودية ليست مثل بلاد العالم من الناحية الإسلامية لأن كل المسلمين يتطلعون إليها وأن أهل هذه البلاد مغبوطون بشريعة الله وسنة رسوله كما هم مغبوطون بثروتهم المادية. وقد عاضده ولي عهده الملك فهد بن عبد العزيز وإخوانه في تحمل هذه المسؤولية وفي عهده عقد مؤتمر القمة الإسلامي في مكة والطائف وعن ذلك المؤتمر صدر بلاغ مكة للعالم الإسلامي. ثم الملك فهد بن عبد العزيز أيده الله وأعز به الإسلام، وهو الرئيس الأعلى للجامعة الإسلامية، وكان في كل مناسبة يحث على التمسك بالعقيدة الإسلامية ويؤكد أن قوتنا مستمدة من العقيدة الإسلامية وتنفيذ العقيدة الإسلامية حرفياً ونفتخر بذلك. ويقول: " هذه الجامعة عندما أسست قصد بها شيء معين في الواقع هو المساهمة في بث روح العقيدة الإسلامية الصحيحة الخالية من الشوائب".

стр. 978

ويقول عن نشاط الجامعة في الخارج: "نؤكد أن الأساس هو كيف يمكن أن تعطى المملكة مجالا بواسطة الجامعة الإسلامية وأن تبرز العقيدة الإسلامية في إطارها الصحيح الخالي من الشوائب وأظن الإخوان يدركون تماما أنه فاتت مئات السنين وأدخلت على العقيدة الإسلامية أمور كثيرة والعقيدة الإسلامية براء منها، وقد أدخل هذه الأمور من أراد أن يبرز العقيدة الإسلامية بأنها عقيدة غير صالحة وغير مفيدة وأن دورها انتهى، والواقع أن دور العقيدة الإسلامية يتجدد دائما...... كذلك أبانت الطريق وأنارته لما فيه خير المجتمع سواء كان من ناحية العبادات أو من ناحية التشريع وبهذا يكون البشر سعيدا إذا التزم بمبادىء العقيدة الإسلامية. هذا الباب طُرِقَ من مستشرقين غير مسلمين وأبانوا بشكل أو بآخر التنظيمات والتشريعات التي أنزلها رب العزة والجلال على نبيه، على أنها صالحة في هذا العصر وفي هذا الوقت، لأن العالم جرب مبادىء وعقائد مادية مختلفة ووجد أنها غير كافية ولا تستطيع أن تسعد البشر ووجد في العقيدة الإسلامية الرأفة والرحمة والمحبة والقوة التي تبني على الحق، فلذلك نأمل أن نوفق ونؤدي واجبنا في هذا الإطار" إلى أن قال: " الآن وهذا من فضل الله أصبحت البلاد الإسلامية وغير الإسلامية حرة تتمتع بالحرية التامة وقادة المسلمين فيها هم المسؤلون مسئولية مباشرة عن أن يجعلوا العقيدة الإسلامية هي الأساس في تكوينهم سواء في العبادات أو في أمورهم الخاصة والعقيدة الإسلامية والحمد لله صريحة وواضحة المعالم ومن سلك الطريق الإسلامي على الأسس

стр. 979

الصحيحة، لابد أن يصل إلى فضيلتين: فضيلة ما ينعم به الله عليه في هذه الدنيا والرصيد الأكبر في الآخرة، ربنا أبان لنا الطريق ... إنما الدنيا كلها زائلة ولا يبقى إلا ما قدم الإنسان من عمل صالح ". ثم قال: " بقي شيء واحد وهو أن أوجه كلمة قصيرة لطلبة الجامعة الإسلامية هي أن يواصلوا هذا المجهود الخير، سواء في ذلك إخواننا الذين قدموا من جميع البلدان الإسلامية أو من السعوديين الموجودين فيها، أن يستبصروا العقيدة الإسلامية التبصر الصحيح ... العقيدة الإسلامية والحمد لله أبانت الأمور بشكل غير قابل للنقاش إلا من أراد أن يوهم بأشياء أخرى.. الدين الإسلامي وسط.. لا رهبنة في الإسلام.. لأنه يمكن الكثير يعتقد في ناحية التصوف أو النواحي الأخرى التي هي بعيدة عن منطق الإسلام. هذا هو الإسلام. بالعكس الإسلام فيه المرونة والمحبة والتقوى والعمل والجد والنشاط، لم تأمر العقيدة الإسلامية بالكسل أو التكاسل أو التصوف على غير معنى ... لأن هذا البلد والحمد لله بلد إسلامي وكل ما أرجوه أن يكونوا رسل البلاد الإسلامية الذين شرفوا المملكة العربية السعودية ورحبت بهم أن يعودوا إلى أوطانهم دعاة للإسلام في الإطار الصحيح كلنا نعرف ما أدخل على العقيدة الإسلامية والسبب من المسلمين أنفسهم.. ليس من العقيدة الإسلامية.. العقيدة الإسلامية إلى أن تقوم الساعة وهي القمة فلذلك أرجو أن ندرك معنى العقيدة الإسلامية،

стр. 980

ولا نقع فيما وقع فيه الغير بواسطة من يريد أن يبعدنا عن مسار العقيدة الإسلامية الصحيح ". إلى أن قال: " وسوف نسير في الخط المستقيم إن شاء الله، ونجعله دائما الهدف الرئيسى ... نتمسك بعقيدتنا الإسلامية وربنا وعدنا بالحق: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (محمد:٧) ." وكل هذه الكلمات قد سمعناها من الملك فهد خلال لقائه مع منسوبي الجامعة الإسلامية وغيرهم بالمدينة المنورة يوم الثلاثاء١٦ محرم ١٤٠٣هـ١. وعلى العموم فولاة الأمر قد فهموا أَن من واجبهم واللازم عليهم أن يكونوا حماة لمهد الإسلام ومكاسب عقيدة السلف الصالح، والتي تحققت على أيديهم وأن يكونوا أمناء على خدمة الإسلام ونشره بالنفس والنفيس، وأن يكونوا قدوة في التمسك بعقيدة السلف الصالح والعمل بأحكام الشريعة الإسلامية. يقول حافظ وهبة في أثر التمسك بعقيدة السلف الصالح:

стр. 981

"إن العقيدة الراسخة عند النجديين- أمرائهم وعلمائهم- أن الله مكنهم في جزيرة العرب، وأن سلطانهم في تلك الجزيرة لإحياء معالم الشريعة، وإظهار دين الله وجعل سلطان التوحيد في الجزيرة هو السلطان الأول. وإزالة كل أثر من آثار الشرك". ولقد قال الإمام سعود في خطبته بعد دخول مكة سنة ١٢١٨هـ: "إنا كنا من أضعف العرب، ولما أراد الله ظهور هذا الدين دعونا إليه، وكل يهزأ بنا ويقاتلنا". وكان الملك عبد العزيز ﵀ في كل مناسبة يشير إلى هذا ذاكرا فضل الله عليه وعلى أجداده من قبل وأن ما وقع على آل سعود في أيامهم الأولى لم يكن إلا عقوبة لهم من الله تعالى لتهاونهم في أمر المحافظة على الدين والانصراف إلى أمور الدنيا. ولذا فإن المشايخ من وقت لآخر مازالوا يقدِّمون النصيحة لإمامهم ويوصونه بالمحافظة على الدين والأخذ على أيدى المتهاونين به، إذا رأوا شيئا من التراخي والتهاون من ذوي النفوذ والسلطان " ١. وكما قال حافظ وهبة: " لا يزال العلماء وذوو الحجى في كل عهد يقدمون النصيحة ولا يتوانون في لفت نظر ولي الأمر منهم إلى ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين ويذكرونه بعاقبة التفريط وأن الله لا يغير ما

стр. 982

بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ١. وقد ثبت الله بهؤلاء جميعا الأمة، ونفع بعلم العلماء منهم الناس وقمع بهم بوادر الفتن بسلطان العلم، وسلطان السيف كما قال الشاعر في الملك عبد العزيز: فجئت بالسيف والقرآن معتزم ... تمضي بسيفك ما أمضاه قرآن وأبلغ من ذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: ٢٥) . هذا ومن يتأمل عهد آل سعود وأثر عقيدة الشيخ السلفية فيه يجده متكامل البناء متصل الحلقات، وكم لهم من يد طولى في نشركتب السلف الصالح وطباعتها وبذل الأموال الطائلة على التعليم ونشر الإسلام في الآفاق وهم بذلك أسبق أمم أهل الأرض في هذا الزمان قاطبة وأسدهم منهجا، وأسلمهم طريقا، فمنذ عهد الملك عبد العزيز وكتب السلف تطبع وتنشر وتوزع مجانا، هذه مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، والدرر السنية، ومجموعة فتاوى ابن تيمية، وكتب ابن القيم، وكتب الفقه، والتفسير، والحديث، في ذلك بين أيدينا شاهدة بآثارهم، وغيرها مما لا يحصيه إلا الله تعالى وقد تمت طباعة ذلك ونشره في هذا العهد المبارك، مما

стр. 983

كان له أعظم سبب في نشر عقيدة السلف الصالح ولولا فضل الله تعالى بهذا العهد الميمون ما وصل إلينا من ذلك عين ولا أثر، ونخص رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالذكر لما لها من اختصاص بهذه الناحية وأعمال جليلة ظاهرة من نشر لكتب السلف، ودعوة وإرشاد وإفتاء في عقيدة السلف الصالح ﵏. انتشار مؤلفات وآثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ويحسن هنا استعراض كيفية انتشار مؤلفات وآثارالشيخ محمد بن عبد الوهاب بصفة خاصة لما لها من أثر في نشر عقيدة السلف الصالح وإعادة الناس إليها غير أنه تمشيا مع ما تقتضيه طبيعة الدراسة الجامعية وهي الإِفادة من جهود السابقين إذا كانت جهودا علمية صادقة وعدم إهدارها أو إغفالها، لأن الدراسات العلمية متكاملة، وتهدف إلى الوصول إلى الحقيقة العلمية، فسأكتفي في هذه النقطة بالإحالة على مجهود سبقني قد أتى عليها وفرغ من بحثها صاحبه ألا وهو: دليل ببليوجرافي: أصدره الدكتور أحمد الضبيب وهو عميد شؤون المكتبات بجامعة الرياض في كتاب عنوانه: "آثار الشيخ محمد بن عبد الوهاب، سجل ببليوجرافي لما نشرمن مؤ لفاته" ١.

стр. 984

ومقصود مؤلفه أن يجد الباحث بغيته ميسرة، توخى فيه مؤلفه أن يكون كتابا جامعا للمتفرق من أعمال الشيخ ولجميع ما سطره مما وصل إلى علمه مطبوعا، يدل على مظانها وتواريخ طبعها، وأماكن نشرها، وعدد هذه الطبعات وصورها المختلفة. وجعلها في ثلاثة أبواب خصص أولها وأضخمها لما كتبه الشيخ في العقيدة ذلك أن معظم ما كتبه الشيخ يتعلق بالعقيدة، والثانى لما كتبه الشيخ في الفقه، والثالث لما كتبه الشيخ في التفسير والحديث والسيرة النبوية. وقسم الباب الأول إلى فصول ثلاثة: ١- الكتب والرسائل والنبذ، ويشتمل على ما كتبه مستقلا في شكل كتاب، أو عالجه في رسائل قصيرة أو مطولة، أو سطره في هيئة نبذ قصيرة تتعلق بموضوعات معينة وقد طبع بعض ذلك مستقلا، وطبع بعضه ضمن مجموعات الدعوة السلفية. ٢- المسائل والأجوبة، وأكثر هذه ردود على أسئلة موجهة للشيخ حول موضوعات معينة في العقيدة، أجاب عنها إجابات تختلف طولا وقصرا. ٣- المكاتبات، وتشمل رسائله الخاصة التي بعثها إلى أشخاص

стр. 985

بأعيانهم أو منشوراته العامة التي يوجهها إلى أهالي القرى والمدن ومن يراها من المسلمين. والباب الثاني لما كتبه الشيخ في الفقه، وضمنه فصلين:- الأول: الكتب والرسائل والنبذ. الثاني: الفتاوى والأجوبة الفقهية. والباب الثالث: لما كتبه الشيخ في تفسير القرآن الكريم والتعليق على بعض آياته، وما ألفه في الحديث والسيرة النبوية، واشتمل هذا الباب على فصلين: الأول: ما كتبه في تفسير القرآن الكريم والتعليق على بعض آياته واستمداد بعض المسائل من هذه الآيات. والثاني: ما كتبه في الحديث والسيرة النبوية، وتعليقات الشيخ على بعض الأحاديث. إلا أن الباحث في عقيدة الشيخ السلفية لا يستغني بهذا القسم الذي سماه الدكتور قسم العقيدة عن ما كتبه الشيخ ﵀ في التفسير والحديث والسيرة وفروع الدين مما له صلة وثيقة بالعقيدة، فإن الشيخ ﵀ بين الوحدة الموضوعية الجامعة لهذا الدين برسالته العظيمة الأصول الثلاثة، الرب، المعبود، والعبادة ودين الإسلام بمراتبه الثلاث وأدلته من الكتاب والسنة، والرسول بخصائصه وحقوقه ﷺ . ولذا لابد من الإلمام بجميع ما أثر عن الشيخ بقدر الطاقة.
следующие страницы →