بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر ولا تعسر
الحمد لله بارئ النسم، رازق القسم، الحكيم فيما أنشأ ودبر، الخبير بما قدم وأخر، الذي وسع خلقه علمه، وعدل فيهم حكمه، يخلق ويختار، وكل شيء عنده بمقدار، اختص بالأثرة الإنسان فأكرمه بتعليم البيان، ويسره للنطق والكلام، والفهم والإفهام، ليبلو فيها طاعته ويكمل بها سعادته، أحمده على ما عم من نعمه، وخص من مننه، وأشكره على حسن ما اختار لنا من دينه، وأكرمنا به من سنة نبيه، وأخلص القول بأن لا إله إلا الله، شهادة الموحد المستبصر غير المتوقف المتحير، وأشهد أن محمدا عبده الأمين على وحيه، ورسوله الصادع بأمره ونهيه، المؤيد بجوامع الكلم، المبين للناس ما نزل إليهم بلسان عربي مبين، فيه واضح يعرفه السامعون، وغامض لا يعقله إلا العالمون، لتكون آثار الحكمة فيها قائمة، ودلائل الاعتبار عليها شاهدة، وليرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات.
وكان أرفعهم في العلم درجة، وأعلاهم قدرا ورتبة أئمة القرون الثلاثة، الذين نالتهم الخيرة، ولحقتهم الدعوة في قوله ﷺ : (خير الناس قرني، ثم
стр. 2
الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). وهم الصدر الأول، والنمط الأفضل، ورثة علم السنة والحافظون لها على من بعدهم من الأمة، ثم لم يزل أول منهم يلقيه إلى آخر، ويتلقاه خالف عن سالف، ليكون دين الله بهم محروسا عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فصلى الله عليه وعلى المصطفين من آله، ورضي الله عن الغر المنتخبين من أصحابه، وغفر للتابعين لهم بإحسان.
ثم إن الحديث لما ذهب أعلامه بانقراض القرون الثلاثة، واستأخر به الزمان، فتناقلته أيدي العجم، وكثرت الرواة وقل منهم الرعاة، وفشا اللحن، ومرنت عليه الألسن اللكن، رأى أولو البصائر والعقول، والذابون عن حريم الرسول أن من الوثيقة في أمر الدين والنصيحة لجماعة المسلمين، أن يعنوا بجمع الغريب من ألفاظه، وكشف المغدَف من قناعه، وتفسير المشكل من معانيه، وتقويم الأود من زيغ ناقليه، وأن يدونوه في كتب تبقى على الأبد، وتخلد على وجه المسند، لتكون لمن بعدهم قدوة وإماما، ومن الضلال عصمة وأمانا.
فكان أول من سبق إليه ودل من بعده عليه أبو عبيد القاسم بن سلام
стр. 3
فإنه قد انتظم بتصنيفه عامة ما يحتاج إلى تفسيره من مشاهير غريب الحديث، فصار كتابه إماما لأهل الحديث، به يتذاكرون، وإليه يتحاكمون، ثم انتهج نهجه ابن قتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم، فتتبع ما أغفله أبو عبيد من ذلك، وألف فيه كتابا لم يأل أن يبلغ به شأو المبرِّز السابق، وبقيت بعدهما صبابة للقول فيها متبرض، توليتُ جمعها وتفسيرها مستعينا بالله ومسترسلا إلى ذلك بحسن هدايتهما وفضل إرشادهما، وبما نحوته نم التيمم لقصدهما والتقيُّل لآثارهما، وكان ذلك مني بعد أن مضى عليَّ زمان وأنا أحسب أنه لم يبق في هذا الباب لأحد متكلم، وأن الأول لم يترك للآخر شيئا، وأتكل مع ذلك على قول ابن قتيبة حين يقول في آخر الخطبة من كتابه (وأرجو ألا يكون بقي بعد هذين الكتابين من غريب الحديث ما يكون لأحد فيه مقال).
ثم إنه لما كثر نظري في الحديث، وطالت مجالستي أهله، ووجدت فيما يمر بي ويرد علي منه ألفاظا غريبة لا أصل لها في الكتابين، علمت أن خلاف ما كنت أذهب إليه من ذلك مذهبا، وأن وراءه مطلبا فصرفت إلى جمعها عنايتي، ولم أزل أتتبع مظانها وألتقط آحادها وأضم نشرها، وألفق بينها، حتى اجتمع منها ما أحب الله أن يوفق له، واتسق الكتاب، فصار كنحو من كتاب أبي عبيد أو كتاب صاحبه، ونحوت نحوهما في الوضع والترتيب، وابتدأت أولا بتفسير حديث رسول الله ﷺ ، ثم ثنيت بأحاديث الصحابة، وأردفتها أحاديث التابعين، وألحقت بها مقطعات من الحديث، لم أجد لها في الرواية سندا، إلا أنها قد أخذت عن المقانع من أهل العلم،
стр. 4
والأثبات من أصحاب اللغة، وختمت الكتاب بإصلاح ألفاظ من مشاهير الحديث، يرويها عوام النقلة ملحونة ومحرفة عن جهة قصدها، رأيت داعية الحاجة منهم إلى ذكرها شديدة والفائدة في تقويمها لهم عظيمة، ولم أعرض لشيء فسر في كتابيهما إلا أن يتصل حرف منه بكلام، فيذكر في ضمنه، أو يقع شيء منه في استشهاد أو نحوه، وإلا أحاديث وجدت في تفسيرها لمتقدمي السلف أو لمن بعدهم من أهل الاعتبار والنظر أقاويل تخالف بعض مذاهبهما، وتعدل عن سنن اختيارهما، اقتضى حق هذا الكتاب، وشرط ما هو ضامنه من استيفاء هذا الباب أن يكون مشتملا عليها ومحيطا بها، ويكفي من العذر فيما أَورَده [؟ أُورِده] منها أن الغرض فيه أن يظهر الحق وأن يبين الصواب، دون أن يكون القصد به الاعتراض على ماضٍ أو الاعتداد على باق، ولعل بعضَ ما نأثره منها لو بلغ أبا عبيد وصاحبه لقالا به وانتهيا إليه، وذلك الظن بهما يرحمهما الله، فأما سائر ما تكلمنا عليه مما استدركناه بمبلغ أفهامنا وأخذناه عن أمثالنا فإنا أحقاء بألا نزكية وألا نؤكد الثقة به، وكل من عثر منه على حرف أو معنى يجب تغييره فنحن نناشده الله في إصلاحه وأداء حق النصيحة فيه، فإن الإنسان ضعيف لا يسلم من الخطأ إلا أن يعصمه الله بتوفيقه، ونحن نسأل الله ذلك ونرغب إليه في دركه إنه جواد وهوب.
وقد بقي في هذا الباب كتب غير ما ذكرناه، منها كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى، وكتاب ينسب إلى الأصمعي يقع في ورقات معدودة، وكتاب محمد بن المستنير الذي يعرف بقطرب، وكتاب النضر بن شميل، وكتاب إبراهيم بن إسحاق الحربي، وكتاب أبي معاذ المروزي صاحب
стр. 5
القراءات، وكتاب شمر بن حمدويه، وكتاب الباجُدَّائي، وكتاب آخر ينسب إلى رجل يعرف بأحمد بن الحسن الكندي، إلا أن هذه الكتب على كثرة عددها إذا حُصِّلت كانت كالكتاب الواحد؛ إذ كان مصنفوها لم يقصدوا بها مذهب التعاقب كصنيع القتيبي في كتابه، إنما سبيلهم فيها أن يتوالوا على الحديث الواحد فيعتوروه فيما بينهم، ثم يتبارون في تفسيره يدخل بعضهم على بعض، ولم يكن من شرط المسبوق منهم أن يفرج للسابق عما أحرزه وأن يقتضب الكلام في شيء لم يفسر قبله، على شاكلة مذهب ابن قتيبة وصنيعه في كتابه الذي عقب به كتاب أبي عبيد، ثم إنه ليس لواحد من هذه الكتب التي ذكرناها أن يكون شيء منها على منهاج كتاب أبي عبيد في بيان اللفظ وصحة المعنى وجودة الاستنباط وكثرة الفقه، ولا أن يكون من شرح [؟ شرج] كتاب ابن قتيبة في إشباع التفسير وإيراد الحجة وذكر النظائر والتخلص للمعاني، إنما هي أو عامتها إذا انقسمت وقعت بين مقصر لا يورد في كتابه إلا أطرافا وسواقط من الحديث، ثم لا يوفيها حقها من إشباع التفسير وإيضاح المعنى، وبين مطيل يسرد الأحاديث المشهورة التي لا يكاد يشكل منها شيء، ثم يتكلف تفسيرها ويطنب فيها.
وفي بعض هذه الكتب خلل من جهة التفسير، وفي بعضها أحاديث منكرة، لا تدخل في شرط ما أنشئت له هذه الكتب، وكتاب شمر أشفُّها [؟ أشفاها] وأوفاها.
وفي الكتابين غنى ومندوحة عن كل كتاب ذكرناه قبل، إذ كانا قد
стр. 6
أتيا على جماع ما تضمنه من تفسير وتأويل، وزادا عليه فصارا أحق به وأملك به، ولعل الشيء بعد الشيء منها قد يفوتهما، إلا أن الذي يُفلتهما من جملة ما فيها إنما هو النبذ اليسير الذي لا يعتد به ولا يؤبه به.
ولابن الأنباري من وراء هذا مذهب حسن في تخريج الحديث وتفسيره، وقد تكلم على أحاديث معدودة وقع إليَّ بعضها، وعامتها مفسرة قبلُ، إلا أنه قد زاد عليها وأفاد، وله استدراكات على ابن قتيبة في مواضع من الحديث، ربما نذكر الشيء منها في أضعاف كتابنا هذا وننسبه إليه، وسيمر بك ذلك في مواضعه إن شاء الله.
وأما كتابنا هذا فقد كان خرج لي بعضُه وأنا إذ ذاك ببخارى في سنة تسع وخمسين وثلثمائة، فطلب إلي إخواننا بها أن أمكنهم من انتساخه وأحبوا أن يتعجلوا فائدته من غير تعريج علي في إتمامه وتلوم في النظرة لأن يبلغ إناه، فأفرجت لهم عنه ولما يأت النظر بعدُ على استيفاء ملاحظته، ولم يقع الاحتشاد مني لتهذيبه، وقد قال الحكيم: دعوا الرأي حتى يَغِبَّ.
وأخبرني أبو عمر محمد بن عبد الواحد النحوي قال: أخبرنا أبو العباس ثعلب عن ابن نجدة عن أبي زيد قال: لا يبيضُّ الكتابُ حتى يسود.
وعليها من حال، فلم تكن أيضا كتبي التي أعتمدها معي، ولعلي مع
стр. 7
ذلك لم أكن من فراغ البال وزوال تقسُّم القلب بحيث كنت أتسع لتهذيب ما كنت سبيلُه أن يهذب منه.
ولما تنفس الوقت، ورزق الله التوفيق لما أحب أن يوفق منه، وتصفحت ما في تلك النسخة تبينت في أحرف منها خللا، فغيرتُ وأصلحت، وزدت وحذفت، ورتبت الكتاب على الوجه الذي استقر الآن عليه، فمن وقف على شيء من تلك النسخة فليقف على السبب فيه، والله الموفق للصواب. ولا حول ولا قوة إلا به.
قال أبو سليمان: وقد رأيت أن أقدم هذه الفصول بين يدي ما أنا مفسره من غريب الحديث في كتابنا هذا ليمتثلها أصحاب الحديث وطلاب الأثر، فتكون تقدمة للمعرفة وتوطئة للصناعة، وأجعلها رفدا للمسترفدين وزادا للمقوين، والله ينفعنا وإياهم بمنه.
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
القول فيما يجب على من طلب الحديث من تعلم كلام العرب
وتعرف مذاهبها ومصارف وجوهها
إن بيان الشريعة لما كان مصدره عن لسان العرب، وكان العمل بموجبه لا يصح إلا بإحكام العلم بمقدمته، كان من الواجب على أهل العلم وطلاب الأثر أن يجعلوا أولا عظم اجتهادهم، وأن يصرفوا جل عنايتهم إلى علم اللغة والمعرفة بوجوهها، والوقوف على مُثُلها ورسومها.
ثم إن فنونها كثيرة، ومنادحها واسعة، والطمع عن الاستيلاء عليها منقطع، والإمعان في طلبها يستغرق العمر، ويصد عما وراءها من العلم، وملاك الأمر فيما تمس بهم إليه الحاجة منها معرفة أبواب ثلاثة: وهي أمثلة الأسماء، وأبنية الأفعال، وجهات الإعراب، فإن من لم يحكم هذه الأصول لم يكمل لأن يكون واعيا لعلم أو راويا له، وبالحريِّ [؟ وبالحرَى] أن يكون ما يفسده منه أكثر مما يصلحه، وقد قال رسول الله ﷺ : (نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها، وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). فالذاهب عن طريق الصواب فيها كيف
стр. 9
يؤديها كما سمعها، وهو لم يتقن حفظها، ولم يحسن وعيها، وكيف يبلغها من هو أفقه منه وهو لا يملك حملها ولا ينهض بعبئها، فهو إذن مغتصب على الفقيه حقه، قاطعٌ لطريق العلم على من بعده، والله المستعان. وأنا ممثل لك يا طالب الحديث في كل باب من هذه الأبواب الثلاثة مثلا من الحديث تستدل بها على ما أردت بيانه لك منها إن شاء الله.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).
الرواية بتحريك اللام في الخلف، وقد رواه بعضهم بسكون اللام، فأزال الخبر عن جهته، وأحال معناه. لأن رسول الله ﷺ لم يقصد بقوله هذا ذم عدول حملة العلم، إنما أراد به مدحهم والثناء عليهم. وإنما الخلف بسكون اللام خلف السوء. قال الله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾، ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيتُ في خلف كجلد الأجرب
ويقال: فلان خلف صدق من أبيه، وخلف سوء -متحركة اللام- فإذا لم تذكر خيرا ولا شرا قلت في الخير خلَف، وفي الشر خلْف.
ومن هذا الباب حديثه الآخر، أنه قال: (من تزوج ذات جمال ومال،
стр. 10
فقد أصاب سِدادا من عوز)، رواه هشيم بن بشير سدادا -بفتح السين- فأزال المعنى، وإنما هو السِّداد -مكسورة السين- من سد الخلة، وكل شيء سددت به فرجة، أو ردمت به ثلمة فهو سداد، ولذلك سمي صمام القارورة سدادا، فأما السداد -بفتح السين- فهو مصدر سد رأيُ فلان يسد سدادا. وكان المأمون قد سمع هذا الحديث من هشيم، فرواه ملحونا كما سمعه اتباعا للرواية، فراجعه النضر بن شميل في ذلك، فامتعض من هجنة اللحن.
حدثني أحمد بن عبدوس، ثنا مسبح بن حاتم العكلي، نا حسين بن أحمد الأصبهاني، عن النضر بن شميل قال: لما قدم علينا المأمون خراسان دخلنا عليه فحدثنا عن هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : (من تزوج ذات جمال ومال، فقد أصاب سَدادا من عوز)، فقلت له: حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : (من تزوج ذات جمال ومال، فقد أصاب سِدادا من عوز). فقال: أتلحنونني؟ فقلت: لحن هشيم، وكان لحانا، فقال: وما حجتك؟ قال: قلت: قول العرجي:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
قال: فسكت.
وأما الغلط في التصريف وأبنية الفعل فكالحديث الذي رُوي أنه
стр. 11
(أتي بأسير يُرعَد فقال لهم أدفُوه)، يريد أدفئوه من الدفاء ولم يكن من لغته الهمز، فذهبوا به فقتلوه، فوداه رسول الله ﷺ ، ولو كان يريد به معنى القتل لقال: دافُوه أو دافُّوه بالتثقيل، يقال: دافيت الأسير وداففته إذا أجهزت عليه.
ومما نقل من هذا الباب معدولا به عن سمته حديثه الآخر، حين أتاه قوم من العرب كان لهم طول على آخرين، فقالوا: لا نرضى إلا بأن يقتل بالعبد منا الحر منهم، فأمرهم ﷺ أن يتباوؤوا، يرويه المحدثون: يتباأوْا، وكذلك رواه هشيم وغيره من الرواة، والصواب يتباوؤوا، على مثال: يتقاولوا، من البَواء، وهو التساوي في القصاص؛ قال الأعشى:
إما يصبك عدو في مباوأة يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر
فأما يتباأوا فإنما يكون من بأو الكبر والزهو، وهو ضد المعنى الذي أمرهم به من التساوي.
وأما الإعراب وما يختلف من معاني الحديث باختلافه فكقوله: (ذكاةُ الجنين ذكاةُ أمه). الرواية بضم الذكاتين على مذهب الخبر، وقد حرَّفه بعضهم فنصب الذكاة على مذهب الأمر، لينقلب تأويله فيستحيل به المعنى عن الإباحة إلى الحظر.
стр. 12
وكقوله: (احتج آدم وموسى، فحج آدمُ موسى). الوجه أن ترفع آدم لأن الفعل له، وتنصب موسى لأنه المحجوج، فمن أغفل مراعاة الإعراب ونصب آدم أحال في الرواية وأنكر القدر.
ومن تتبع هذا الباب في الحديث وجد منه الكثير، وفيما أوردت دليل على ما أردت، فواجب على من دأب في طلب الحديث ولهج بتتبع طرقه أن يُعنى أولا بإصلاح ألفاظه وإحكام متونه لئلا يكون حظه من سعيه عناء لا غناء معه، وتعبا لا نُجح فيه.
التصحيف وسوء التأويل
إن طالب الحديث إذا أغفل معرفة الأبواب الثلاثة التي قدمنا ذكرها لم يكد يسلم من التصحيف وسوء التأويل؛ وذلك لأن فيما يرد من الحديث ألفاظا كثيرة متشابهة في الصورة والخط، متنافية في المعنى والحكم، فحق على طالب الحديث أن يرفق في تأمل مواضع الكلام، ويحسن التأني [؟ التأتي] لمحنة اللفظ، ومعرفة ما يليق به من المعنى، ليستوضح به قصده، ويصيب جهته، فإن قوما أغفلوا تفقد هذا الباب فلحقتهم سمة التحريف ولزمتهم هجنة التقصير، وصاروا سُبة على أهل الحديث تُنْثَى زلاتهم وتُذكر عثراتهم.
حدثني عبد العزيز بن محمد المسكي، نا محمد بن عبد الله بن الجنيد نا سويد، نا ابن المبارك، عن ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة، يقول: أخبرني عبد الله بن أبي عمار قال: سرقت لي عيبة ومعنا رجل يتهم، فقال
стр. 13
أصحابي: يا فلان، اردد عليه عيبته، فقال: ما أخذتها فجئت إلى عمر بن الخطاب، فأخبرته القصة وقلت: يا أمير المؤمنين، لقد هممت أن آتي به مصفودا، قال: تأتيني به مصفودا بغير بينة، وغضب، فما كتب لي فيها وما سأل.
قال الخليل: هذا مما صحف فيه الرواي، إنما قال له عمر: تعترسه بمعنى تقهره وتظلمه، قال: وذلك لأنه لو أقام عليه البينة لم يكن في الحكم أن يكتفه.
وأخبرنا ابن الأعرابي قال: نا العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين، وذكر حديث أبي الدرداء (أَتْقَنوا عليك البنيان وتركوك لمتَلِّك) أي لمصرعك.
قال يحيى بن معين: صحفه فلان فرواه: لمثلك.
قال يحيى: وصفح فلان حديث أبي عبيدة: (أنه كان على الحُسَّر) فرواه: على الجسر. والحُسَّر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه.
قال: وصحف في حديث يرويه شبابة عن ورقاء فيه عِبْر
стр. 14
الوادي، فقال: عَبَر الوادي، وإنما هو العِبْر، يريد شاطئ الوادي، قال النابغة:
ترمي أواذيُّه العبرين بالزبد
ومن تصحيف بعض الرواة في الحديث الذي يروى (إن صمتم حتى تكونوا كالأوتار، وصليتم حتى تكونوا كالحنائر).
رواه الجنائز، وإنما هي الحنائر جمع حنيرة، وهي القوس لا وتر عليها. والحنيرة أيضا: الطاق المعقود من طيقان البناء.
وفي حديث يأجوج ومأجوج (أنها إذا هلكت أكلت منها دواب الأرض، فتسمن وتشكر شكرا)، بلغني عن بعضهم أنه كان يقول: تسكر سكرا، من سكر الشراب، وإنما هي تشكر أي تمتلئ شبعا.
أخبرني أبو عمر، أنا أبو العباس ثعلب، عن عمر بن شبة، قال: قيل لمحمد بن واسع: ما للقراء أغلم الناس؟ قال: لأنهم لا يزنون، قال: فما بالهم آكل الناس؟ قال: لأنهم لا يَشكَرون؛ أي لا يمتلئون شبعا.
واستقصاء هذا الباب يطول، وإنما أردت التنبيه لمنتحلي الحديث؛ لئلا
стр. 15
يضاهوا مذهب من ذكرناهم، فيخرجوا به من جملة من عدَّله الرسول في قوله (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ..) الحديث.
ذكر ما درج عليه الصدر الأول من لزوم الإعراب، وما أنكروه من
اللحن وعابوه من أهله
أخبرنا ابن داسة، نا محمد بن عيسى بن السكن، نا أبو عمران الجبلي: موسى بن إسماعيل، نا نوح بن عباد، عن الحكم بن عبد الله الأيلي، عن الزهري، عن سالم عن أبيه قال: أتى عمر بن الخطاب على قوم يرمون رشقا لهم، فأساؤوا الرمي، فقالوا: يا أمير المؤمنين نحن قوم متعلمين، فقال عمر: لإساءتكم في لحنكم شر من إساءتكم في رشقكم أو رميكم، رحم الله امرأ أصلح من لسانه.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز بن شابور، نا علي بن عبد العزيز، أراه عن رجل، عن عبد الواحد بن زياد، عن المسعودي، عن القاسم، قال: قال عمر: تعلموا العربية، فإنها تثبت العقل.
حدثني عبد الله بن محمد، قال: حدثت عن أحمد بن حنبل، نا يحيى بن آدم، نا أبو بكر، عن عاصم قال: كان زر بن حبيش الأسدي من أعرب الناس، وكان عبد الله بن مسعود يسأله عن العربية.
стр. 16
حدثنا عبد الرحمن بن الأسد، نا الدبري، عن عبد الرزاق، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضرب ولده على اللحن.
أخبرني محمد بن المكي: أنا الصائغ، نا سعيد بن منصور، أنا هشيم، أنا حصين، أنا عبيد الله بن عبد الله قال: رأيت ابن عباس يُسأل عن عربية القرآن فينشد الشعر. قال سعيد: ونا جرير بن عبد الحميد، عن إدريس -وكان من خيار الناس- قال: قيل للحسن: إن لنا إماما يلحن، فقال: أخروه.
حدثنا عبد الله بن شاذان الكراني، أنا زكريا بن يحيى الساجي، نا الحسن بن إدريس، نا العلاء بن عمرو، نا عبد القدوس، عن حجاج قال: قال عطاء: وددت أني أحسن العربية، وهو يومئذ ابن تسعين سنة.
أخبرني أبو رجاء الغنوي، نا أبي، نا عمر بن شبة، حدثني عفان، عن همام قال: ما سمعتم من حديث قتادة ملحونا فأعربوه، فإن قتادة كان لا يلحن.
أخبرني ابن شابور، نا علي بن عبد العزيز، نا الزبير بن بكار، نا النضر بن شميل، عن الخليل بن أحمد قال: لحن أيوب، فقال: أستغفر الله.
أخبرنا الكراني، نا عبد الله بن شبيب، نا زكريا بن يحيى المنقري، نا
стр. 17
الأصمعي قال: سمعت حماد بن سلمة يقول: (من لحن في حديثي فليس يحدث عني).
أخبرني محمد بن يعقوب المتوثي، نا أحمد بن عمرو الزئبقي، نا أبي، نا الأصمعي قال: قال لي شعبة: إني وصفتك لحماد بن سلمة، وهو يحب أن يراك، قال: فوعدته يوما فذهبت معه إليه فسلمت عليه، فحيا ورحب، فقال له شعبة: يا أبا سلمة، هذا ذاك الفتى الأصمعي الذي ذكرته لك، قال: فحياني بعد وقرب، ثم قال لي: كيف تنشد هذا البيت:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا ... فقلت:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
يعني بكسر الباء، فقال لي: انظر جيدا، فنظرت فقلت: لست أعرف إلا هذا، فقال: يا بني، أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البُنا بضم الباء، القوم إنما بنوا المكارم، ولم يبنوا باللبن والطين، قال: فلم أزل هائبا لحماد بن سلمة ولزمته بعد ذلك.
قال أبو سليمان: وأنشدنيه بعض الأثبات، عن محمد بن حاتم المظفري، أنشدناه الرياشي فقال: البُنا بالضم، قال: وواحدتها بُنية. قال أبو العباس
стр. 18
محمد بن يزيد: واحدتها بِنية وبُنية، فجمع بنية بنى، مثال كسرة وكسر، وجمع بُنية بنى مثل ظلمة وظلم، فأما المصدر من بنيت بناء فممدود، ويشبه أن يكون حماد إنما اختار الضمة وأنكر الكسرة فيها لئلا يلتبس بالبناء الذي هو باللبِن والطين، إذ كان من مذهبهم أن يستجيزوا قصر الممدود في الشعر.
وأخبرنا ابن الأعرابي نا الدوري، عن يحيى بن معين، قال: كان شعبة صاحب عربية وشعر.
وأخبرني أحمد بن إبراهيم بن مالك، نا الدغولي، نا المظفري، نا أبو بهز بن أبي الخطاب السلمي قال: كان زريع أبو يزيد بن زريع على عَسَس بلال بن أبي بردة، قال: فقال لي: بلغني أن أهل الأهواء يجتمعون في المسجد ويتنازعون فاذهب فتعرَّف ذاك، قال: فذهب ثم رجع إليه فقال: ما وجدتُ فيه إلا أهل العربية حَلَقة حلَقة، فقال له: ألا جلست إليهم حتى لا تقول حلقة حلقة. قال أبو سليمان: وإنما هي الحلْقة، حلقة القوم وحلقة القرط ونحوها.
أخبرني أبو عمر أنا ثعلب، عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: لا أقول حلقة إلا في جمع حالق. وحدثني محمد بن معاذ، أنا بعضُ أصحابنا، عن أبي داوود السنجي: سمعت الأصمعي يقول: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي ﷺ : (من كذب علي متعمدا فليبتوأ مقعده من النار)؛ لأنه لم
стр. 19
يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه، فهؤلاء الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أعلام الحديث وحفاظ الأثر كل منهم يحض على تقويم اللسان وإعراب الكلام، ويذم اللحن ويهجن أهله، وعلى هذا مضى من لم نذكره منهم، حيث كانوا في كل عصر وزمان، وفي كل مصر ومكان إلا عوام الغُثْر الذين لا نظام لهم ولا اعتبار بمذاهبهم، فإن فساد كل صناعة من كثرة الأدعياء وقلة الصرحاء، وطلاب الحديث كثير وأصحابه قليل.
حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار، سمعت العباس بن محمد الدوري يقول: أردت الخروج إلى البصرة فصرت إلى أحمد بن حنبل، وسألته الكتاب إلى مشايخها، فكلما فرغ من كتاب قرأته فإذا فيه: وهذا فتى ممن يطلب الحديث، ولم يكتب من أصحاب الحديث.
ذكر فصاحة رسول الله ﷺ
وما يؤثر من حسن بيانه
إن الله جل وعز لما وضع رسوله موضع البلاغ من وحيه، ونصبه منصب البيان لدينه، اختار له من اللغات أعربها، ومن الألسن أفصحها وأبينها، ليباشر في لباسه مشاهد التبليغ وينبذ القول بأوكد البيان والتعريف، ثم أمده بجوامع الكلم التي جعلها ردءا لنبوته وعلما لرسالته؛ لينتظم في القليل منها علم الكثير، فيسهل على السامعين حفظه ولا يؤودهم حمله، ومن تتبع الجوامع من كلامه لم يعدم بيانها، وقد وصفت منها ضروبا، وكتبت لك من أملتها حروفا تدل على ما وراءها من نظائرها وأخواتها، فمنها في القضايا والأحكام قوله: (المؤمنون تَكافأُ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من
стр. 20
سواهم، وقوله: (المنيحة مردودة، والعارية مؤداة، والدين مقضي، والزعيم غارم)، فهذان الحديثان على خفة ألفاظهما يتضمنان عامة أحكام الأنفس والأموال.
ومنها قوله ﷺ : (سلوا الله اليقين والعافية) فتأمل هذه الوصية الجامعة تجدها محيطة بخير الدنيا والآخرة؛ وذلك أن ملاك أمر الآخرة اليقين، وملاك أمر الدنيا العافية، فكل طاعة لا يقين معها هدر، وكل نعمة لم تصحبها العافية كدر، فصار هذا الكلام على وجازته وقلة حروفه أحد شطريه محيطا بجوامع أمر الدين، وشطره الآخر متضمنا عامة مصالح الدنيا.
ضرب آخر:
ومن فصاحته وحسن بيانه أنه قد تكلم بألفاظ اقتضبها لم تُسمع من العرب قبله، ولم توجد في متقدم كلامها، كقوله: (مات حتف أنفه)، وقوله: (حمي الوطيس)، وقوله في المسلم والكافر: (لا تراءى
стр. 21
ناراهما). في ألفاظ ذات عدد من هذا الباب تجري مجرى الأمثال، وقد يدخل في هذا النوع إحداثُه الأسماءَ الشرعية، ولذكرها موضع غير هذا.
ضرب آخر:
ومن فصاحته وسعة بيانه أنه قد يوجد في كلامه الغريبُ الوحشي الذي يعيا به قومه وأصحابه وعامتهم عرب صرحاء، لسانهم لسانه، ودارهم داره.
حدثني عبد الله بن محمد المسكي، نا إسحاق بن إبراهيم، نا عبدوس بن سليمان البلخي، أخبرني الحكم بن المبارك، نا محمد بن حرب الخولاني، حدثني محمد بن الوليد، عن سليم بن عامر، عن فرات البهراني، عن أبي عامر (أن رجلا قال: يا رسول الله، من أهل النار؟ قال: كل قعبري، قال: يا رسول الله، وما القعبري؟ قال: الشديد على الأهل، الشديد على العشيرة، الشديد على الصاحب). وأخبرنا ابن الأعرابي، نا محمد بن منظور بن منقذ الأسدي، نا أبو غسان، نا إسرائيل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم
стр. 22
بأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسدول الله، قال: كل جظ جعظ، قلت: ما الجظ؟ قال: الضخم، قلت: ما الجعظ؟ قال: العظيم في نفسه).
ضرب آخر:
ومن حسن بيانه ترتيب الكلام وتنزيله منازله:
حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك، نا عمر بن حفص السدوسي، نا عاصم بن علي، نا عيسى بن عبد الرحمن، حدثني طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: (جاء أعرابي إلى البي ﷺ فقال: علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: أعتق النسمة وفك الرقبة، قال: أوليسا واحدا؟ قال: لا، عتق النسمة أن تفرَّد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها).
حدثنا الأصم، نا الربيع بن سليمان، نا الشافعي، أنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه قال: (نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها .. الحديث)، فتأمل كيف رتب الوعي على الحفظ، فاشترط عليه الحفظ أولا، وهو تلقف ألفاظها وجمعها في صدره، ثم أمره بالوعي، وهو مراقبته إياها بالتذكر، وتخولها بالرعاية والاستصحاب لها إلى أن يؤديها فيخرج من العهدة فيها.
стр. 23
وهذا الباب يطول على من يريد أن يتقصَّاه، وإنما نريد الإذكار لا الإكثار.
السبب الذي من أجله كثر غريب حديث رسول الله ﷺ
إن الذي قدمناه من ذكر جوامع كلامه، وفصلناه من ضروب بيانه يكفي سببا لكثرة ما يوجد من الغريب في حديثه، ثم إنه صلى الله عليه بعث مبلغا ومعلما، فهو لا يزال في كل مقام يقومه وموطن يشهده يأمر بمعروف وينهى عن منكر، ويشرع في حادثة، ويفتي في نازلة، الأسماع إليه مصغية، والقلوب لما يرد عليها من قوله واعية، وقد تختلف عباراته، ويتكرر فيها بيانه، ليكون أوقع للسامعين، وأقرب إلى فهم من كان منهم أقل فقها وأقرب بالإسلام عهدا، وأولو الحفظ والإتقان من فقهاء الصحابة يرعونها كلها سمعا، ويستوفونها حفظا، ويؤدونها على اختلاف جهاتها، فيجتمع لذلك في القضية الواحدة عدة ألفاظ، تحتها معنى واحد، وذلك كقوله: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، وفي رواية أخرى (وللعاهر الإثلب)، وقد مر بمسامعي ولم يثبت عندي (وللعاهر الكثكث).
وقد يتكلم صلى الله عليه في بعض النوازل وبحضرته أخلاط من الناس قبائلهم شتى ولغاتهم مختلفة ومراتبهم في الحفظ والإتقان غير متساوية وليس كلهم يتيسر لضبط اللفظ وحصره، أو يتعمد لحفظه ووعيه، وإنما
стр. 24
يستدرك المراد بالفحوى، ويتعلق منه بالمعنى، ثم يؤديه بلغته ويعبر عنه بلسان قبيلته، فيجتمع في الحديث الواحد إذا انشعبت طرقه عدة ألفاظ مختلفة موجبها شيء واحد، وهذا كما يروى (أن رجلا كان يُهدي إلى رسول الله كل عام راوية خمر، فأهداها عام حرمت، فقال: إنها حرمت، فاستأذنه في بيعها، فقال له: إن الذي حرم شربها حرم بيعها، قال: فما أصنع بها؟ قال: سُنَّها في البطحاء، قال: فسَنَّها). وجاء في رواية أخرى (فهَتَّها)، وفي رواية أخرى (فبَعَّها) والمعنى واحد.
ولكثرة ما يرد من هذا ومن نظائره يقول أبو عبيدة معمر بن المثنى: أعيانا أن نعرف أو نحصي غريب حديث رسول الله صلى الله عليه.
حدثنيه أحمد بن مالك، نا الدغولي، عن المظفري قال: قال ذلك أبو عبيدة. وحدثني إبراهيم بن فراس، نا أحمد بن علي الأعرج، سمعت علي بن خشرم، سمعت سفيان بن عيينة يقول: سألت عن تفسير الحديث خمسين سنة. قال أبو سليمان: وقد كان قد بقي عليه بعدُ ما لم يعرفه.
حدثني محمد بن الحسين الآبري، نا محمد بن إسحاق بن خزيمة، سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سئل ابن عيينة عن قوله: (من استجمر فليوتر) فسكت، فقيل له: أترضى بما قال مالك؟ قال: وما قال
стр. 25
مالك؟ قيل، قال مالك: الاستجمار: الاستطابة بالأحجار، فقال ابن عيينة: مثلي ومثل مالك كما قال الأول:
وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس
قال: وبلغني أن أبا عبيد القاسم بن سلام مكث في تصنيف كتابه أربعين سنة يسأل العلماء عما أودعه من تفسير الحديث، والناس إذ ذاك متوافرون، والروضة أنف، والحوض ملآن، ثم قد غادر الكثير منه لمن بعده، ثم سعى له أبو محمد سعي الجواد إذا استولى على الأمد، فأسأر القَدْر الذي جمعناه في كتابنا هذا، وقد بقي من وراء ذلك أحاديث ذات عدد لم أتيسر لتفسيرها، تركتها ليفتحها الله على من يشاء من عباده، ولكل وقت قوم، ولكل نَشْء علم، قال الله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾.
معنى الغريب واشتقاقه
الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم كالغريب من الناس، إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل، ومنه قولك للرجل إذا نحيته وأقصيته: اغرُب عني: أي ابعد، ومن هذا قولهم: نوى غربة: أي
стр. 26
بعيدة، وشأو مغرِّب، وعنقاء مغرب: أي جائية من بعد، وكل هذا مأخوذ بعضه من بعض، وإنما يختلف في المصادر، فيقال: غرَب الرجل يغرب غربا إذا تنحى وذهب، وغرُب غربة إذا انقطع عن أهله، وغرُبت الكلمة غرابة وغرَبت الشمس غروبا، ثم إن الغريب من الكلام يقال به على وجهين: أحدهما أن يراد به بعيدُ المعنى غامضه، لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر، والوجه الآخر أن يراد به كلام من بعدت به الدار ونأى به المحل من شواذِّ قبائلِ العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها، وإنما هي كلام القوم وبيانهم، وعلى هذا ما جاء عن بعضهم وقال له قائل: أسألك عن حرف من الغريب، فقال: هو كلام القوم، إنما الغريب أنت وأمثالك من الدخلاء فيه.
أخبرني الحسن بن خلاد، أنا ابن دريد قال: قال أبو زيد: قلت لأعرابي: ما المحبنطئ؟ قال: المتكأكئ. قلت: ما المتكأكئ؟ قال: المتآزف. قلت: ما المتآزف؟ قال: اذهب، أنت أحمق.
стр. 27
المجلد الأول
تفسير غريب حديث رَسُول الله ﷺ
مارواه أبو سليمان من غريب حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ
فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَهُمْ بُغَيْشٌ فَنَادَى مُنَادِيهِ مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّي في رحلة فليفعل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير غريب حديث رَسُول الله:
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهُمْ كَانُوا مَعَهُ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَهُمْ بُغَيْشٌ فَنَادَى مُنَادِيهِ مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّي فِي رَحْلِهِ فَلْيَفْعَلْ ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ الْعَامِرِيُّ نا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ عَامِرِ بْنِ عُبَيْدَةَ الْبَاهِلِيِّ نا أَبُو الْمُلَيْحِ الْهُذَلِيُّ عَنْ أَبِيهِ:
قوله: بُغَيْش تصغير بَغْش وهو المَطَر الخفيف قَالَ الأصمعي أخَفُّ المطر وأَضْعَفُه الطَّلُّ ثُمَّ الرَّذَاذُ ثُمَّ البَغْشُ يقال بُغِشَت الأرضُ إذا نَدِيت بالمطر فهي مَبْغُوشَة قَالَ رؤبة:
سِيدًا كَسِيد الرَّدْهَةِ المَبْغُوشِ ٢
قَالَ ويقال أرض مبغوشةً من البَغْش وأرضٌ مُرَذٌّ عليها من الرَّذَاذِ ولا يقال مُرَذَّة ولا مَرْذُوذة قَالَ الكسائي يقال أرض مُرَذَّةٌ من الرَّذَاذ ومَطْلُولَة من الطَّلّ ومَوْبُولةٌ من الوابل ومَجْودَةٌ من الجوْدِ
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُمْ كَانُوا معه في بعض المغازي
стр. 28
فَأَصَابَهُمْ رِكٌّ ١ أي مطر ضعيف يقال مَطَرٌ رِكٌّ وَرَكِيك وجمعه ركاك قال ذو الرمة:
تر شفن دِرّات الذِّهاب الرَّكَائِكِ ٢
ومنه قيل للرجل إذا كان ضعيف العقل رَكِيك
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ فِي صَلاةِ الْمُسَافِرِ ٣ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا ابْتَلَّتِ النِّعَالُ فَالصَّلاةُ فِي الرِّحَالِ. فالنعل ما غَلُظَ من الأرض ٤ في صلابة قَالَ الشاعر:
قَومٌ إذا اخْضَرَّت نِعالُهمُ ... يتناهَقُون تَنَاهُقَ الْحُمُرِ ٥
يريد أنهم يَبطَرون إذا أَخْصَبُوا. وإنما قيل للأرض نَعْلٌ لأنها تُنْعَلُ وتُوطَأ ويقال للرجل الذليل نَعْلٌ تَشْبِيهًا له بالنَّعْل التي تُوطَأ وتُداسُ بالأَرجل أنشدني أبو عُمَر أنشدنا أبو العباس ثعلب:
إني إذا ما الأمرُ كان مَعْلا ... وأَوْخَفَت أَيدي الرجال غِسْلا
وكان ذو الحِلْم أَشدَّ جَهْلا ... من الوُغُولِ لم تَجِدْني وَغلا
ولم أكن دارجة ونعلا ٦
стр. 29
قَالَ أبو عمر المَعْل الاخْتِلاسُ وقوله: أَوْخَفَت معناه ارتعشت شبّه ارتعاشَ يَدِ الجبان باضطراب يدي مُوخِف الغِسْل إذا حَرّكه بيده والغِسْلُ الخِطْمِيّ قَالَ والدّارجة الخَسِيس.
وفي الحديث من الفقه أَنَّ المطر الخَفِيفَ عُذرٌ في التخلف عن صلاة الجماعة. وفيه أيضًا أن الاجتماع للصلاة في السفر مندوب إليه كَما هُوَ في الحَضَر.
стр. 30
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ أَتَى امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ فَهَشَّتْ لَهُ صَوْرًا وَذَبَحَتْ لَهُ شَاةً فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ حَانَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أُتِيَ بِعُلالَةِ الشَّاةِ فَأَكَلَ مِنْهَا ثُمَّ قَامَ إِلَى الْعَصْرِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . ١
أَخْبَرَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا بِشْرُ بْنُ مُوسَى نا الْحُمَيْدِيُّ نا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُهُ.
قوله: أُتِي بعُلالَةِ الشاةِ يريد بَقِيَّةَ لحمِها ويقال لبقية اللبن في الضَّرع ولبقيَّة جَرْي الفرس ولبقيَّة قُوةِ الشيخِ عُلالة قَالَ النجاشيُّ:
ونَجَّى ابنَ حربٍ سابحٌ ذو عُلالَةٍ ... أجشُّ هزيمٌ والرِّماحُ دَواني ٢
وقال الطِّرمَّاح:
أبَوْا لشَقائِهم إلا ابتِعاثي ... ومثلي ذو العلالة والمتان ٣
стр. 31
وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ المُطَيَّنِ ١ بإسناد له أن عقيل بن أبن طَالِبٍ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ وَفِيهِ شَبَابٌ مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ فَتَنَحَّوْا لَهُ عَنِ الأُسْطُوَانَةِ فقالوا اجلس إليها يَا عَمُّ فَقَالَ يَا بُنَيْ أَخِي أَنْتُمْ خَيْرٌ لِشُيُوخِكُمْ مِنْ مَهْرَةَ كَانَ إِذَا كَبُرَ الشَّيْخُ شَدُّوهُ عِقَالا ثُمَّ قَالُوا لَهُ ثِبْ فَإِنْ [١٥] / وَثَبَ ٢ خَلَّوْا سَبِيلَهُ وَقَالُوا فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ عُلالَةٍ وَإِنْ لَمْ يَثِبْ تَرَكُوهُ فِي الْعِقَالِ حَتَّى يَمُوتَ.
والعُلالَةُ مأخوذة من العَلِّ وهو الشُّرْبُ الثاني بعد الأول ومنه سُمِّيت المرأة عَلَّة وذلك أنها تَعْل بعد صاحبتها أي ينتَقِل الزوجُ إليها بعد الأخرى
وأما الصَّوْرُ فإن الأصمعيَّ يقول هُوَ جماعةُ النخّل الصّغار ولا واحد له من لَفظِه ومثله الحائِشُ
وقال ابن الأعرابي واحدة الصَّوْر صَوْرَة وهي النخّلة وقال غَيُره يجمع الصَّور صِيرَانًا.
وفي الحديث من الفقه أنه لم يَرَ فيما مسَّت النارُ وُضُوءًا
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُهُ الْآخَرُ أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ دَاسَةَ نا أَبُو دَاوُدَ نا ابْنُ السرح ٣ أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ نا عُتْبَةُ بْنُ ثُمَامَةَ الْمُرَادِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ أَنَّ رسول الله مَرَّ بِرَجُلٍ وَبُرْمَتُهُ تَفُورُ عَلَى النَّارِ فَقَالَ لَهُ أَطَابَتْ بُرْمَتُكَ قَالَ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً فَلَمْ يَزَلْ يَعْلِكُهَا حَتَّى أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ ٤
أَيْ يَمْضُغُهَا والعِلْكُ مَضْغُ ما لا يُطاوع الأَسنان وسُمِّي العِلْكُ لأنه
стр. 32
يُعْلَك وفلان يَعْلُكُ أُرَّمَه إذا صَرفَ بأضراسِه من الغَيْظ قَالَ الشاعر:
ظَلُّوا غِضَابًا يَعْلِكون الأُرَّما ١
ومثله يحرِق أُرَّمه
وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النبي مَرَّ عَلَى قِدْرٍ فَانْتَشَلَ عَظْمًا مِنْهَا قَالَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ٢
النشيل: ما أخذ من اللحم قبل النُّضْج قَالَ الشاعر:
إن الشواء والنشيل والرغف ... القينة الحسناء والكأس الأنف
لطاعنين الخَيلَ والخيْل خُنُف ٣
والعظم العُراق بما عليه من اللحم [والخناف في الخيل: سُرعة نقل قوائمه في السير] ٤
стр. 33
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ كَانَ مَنْهُوشَ الْكَعْبَيْنِ ١
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدُوسَ نا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ أنا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بن سمرة ورواه غندر
стр. 34
عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ: مَنْهُوسُ الْعَقِبَيْنِ. وَرَوَى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ مَبْخُوصَ الْعَقِبَيْنِ
قوله: مَنهُوش الكعبين أي ناتئ الكعبين معروقها يقال رجل مَنهوشٌ إذا كان مجهودًا سَيِّءَ الحال. قَالَ رؤبة:
كم من خَلِيلٍ وأخٍ مَنْهوشِ ... مُنْتَعِشٍ بفَضْلِكم مَنْعوُشِ ١
فأما المنهوس فإن شُعْبَةَ قَالَ: قلت لسِماك ما مَنْهوسُ العَقِبَيْن قَالَ: قليلُ لحم العَقِب وهو مأخوذ من النَّهسِ وهو عَرْق العَظْم وأخذُ ما عليه من اللَّحم والنَّهْسُ أبلغُ من النَهْشِ والمَبْخوص قريب منهما والبَخْصَة [والبَخَصُ] لَحْمُ أسفَلِ القدمين وقيل للقليل منه مَبخوص عَلَى معنى أنَّ ذَلِكَ قد نِيلَ منه وأُخذ فعَرِيَ مكانه من اللحم [قَالَ ابن السكيت البَخْص مصدر بَخَصت عينه بَخْصًا والبَخَص لحم القدم ولحم الفِرسِنِ] ٢ وفيه وجه آخر إن وافَقتْه الرواية وهو منحوض العَقِبين أي قليل لحم العقبين يقال نخضت الْعُضْوَ إذا أخذتَ عنه لحَمه والنحض اللحم.
وَحَدَّثَنِيهِ ابْنُ الْفَارِسِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَكَمِ ثنا عَبْدَانُ نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وقال فيه الصَّريف وهو أيضًا غلط وتصحيف ويشبه أن يكون الكاتِب قد فَخَّم الباءَ من الضَّريب فصارت كالفاء لانتفاخها والضّريب الجليد وإنما يقع ذَلِكَ في شدة البرد وأوان سُقوط ورق الشَّجر قَالَ الأعشى:
وهم يطعمون إن قحط القطـ
...
ـر وهبَّتْ بشَمألٍ وضريبِ ١
وقال آخر:
رِجْلا عُقابٍ يوم دَجْنٍ تُضْرَبُ
معناه يُصيبها الضّريب.
والضَّريب أيضًا اللبنُ يُحلَب بعْضُه عَلَى بعض قاله الأصمعي: ولا موضع له في هذا الحديث.
قَالَ ابن أحمر:
وما كُنتُ أخْشى أن تَكُونَ مَنِيَّتي
...
ضَريبَ جِلادِ الشَّوْلِ خمطا وصافيا ٢
بْنُ الْمَكِّيِّ نا الصَّائِغُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ نا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ نا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبي وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: "لَيْسَ فِيهَا عَضْبَاءُ وَلا عَطْفَاءُ"
العَقْصاءُ الملتوية القَرن وكذلك العطفاء هي التي انعطف قَرنُها ورجل عقِص إذا كان عَسِرًا فيه التواء. قَالَ ذو الرُّمَّة:
ومُنْتَابٍ أناخَ إلى بلال ... فلا زُهدًا أصاب ولا اعتلالا
ولا عَقِصًا بحاجَتِه ولكن ... عطاءً لم يكن عدةً مِطالا ١
قَالَ وإنما نفى عنها العَقَص ليكون أنكى في العقوبة وأدنى إلى أن تجرحَ المنطوحَ وتَمور فيه قُرونُها نَعوذ بالله من عذابه. والجَلْحاء التي لا قَرْن لها وهي الجَمَّاءُ أيضًا.
والأَجْلَحُ من الناس هُوَ الَّذِي انْحَسَرَ الشَّعَر عن مُقَدَّم رأسِه فإن انكَشَفَ حتى يتَّصل بموضع الصَّلع فهو أَجْلَى قَالَ العَجَّاج:
وحِفْظَةٍ أَكنَّها ضَمِيرِي ... مع الجَلا ولائح القَتِير ٢
والعضباء المكسورة القَرْن وأصلهُ من العَضْب وهو القطع يقال ظبي أعضَب والعرب تَتَشاءم به.
أَنشدونا عن أبي العَبَّاس ثَعْلَب أنشدَني الزُّبيرُ بن بكّار:
غُرابٌ وظَبْيٌ أعضَبُ القرن ناديَا ... بصُرْمٍ وصِردانُ العشي تصيح
стр. 39
[١٧] / وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النبي أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقَالَ " اتَّقِ .. يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَلا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِكَ شَاةٌ لَهَا ثُؤَاجٌ " ١
حَدَّثَنَاهُ الأَصَمُّ أنا الرَّبِيعُ أنا الشَّافِعِيُّ نا ابْنُ عُيَيْنَةَ عن ابن طاووس عَنْ أَبِيهِ.
الثُّؤاجُ صَوْتُ النَّعجة يقال ثَأجَتَ تَثْأَجُ ثَأْجًا وثُؤَاجًا قَالَ الكُميت:
رأيُه فيهم كرَأْيِ ذوي الثلـ ... ـة في الثَّائِجات جُنْحَ الظَّلامِ ٢
وأخبرني أبو محمد الكُرانيّ نا عَبْد الله بن شَبِيب نا المِنْقري نا الأصمعيّ قَالَ قَالَ أبو عمرو بن العلاء العرب تقول الفَرس يَصْهَل والبَغْلُ يَشْحَج والحمار يَنْهق والبَعير يرغُو والبقرة تَخُور والشاةُ تَثْغُو والنعجة تَثْأَجُ والأسد يَزْأَرُ والكلب يَنْبَح والسِّنَّور يَمُوء أو يَبْغُم والحمامة تَهْدِر وتنوح وتبكي وتهتف وتُنَقْنِق ٣ والدِّيك يَسْقَع ويَصيح والبُلْبُل يُعندِل.
وكان هذا القول منه ﷺ لِعُبَادَةَ عَلَى وَجْهَ الشفقة لا عَلَى طريق التُّهمَة له وهو تأويل قولهِ : ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٤
стр. 40
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " لَمَّا آجَرَ مُوسَى نَفْسَهُ مِنْ شُعَيْبٍ قَالَ لَهُ شُعَيْبٌ لَكَ مِنْهَا يَعْنِي مِنْ نِتَاجِ غَنَمِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ قَالِبَ لَوْنٍ قَالَ فَجَاءَتْ بِهِ كُلِّهِ قَالِبَ لَوْنٍ غَيْرَ وَاحِدَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ لَيْسَ فِيهَا عَزُوزٌ وَلا فَشُوشٌ وَلا كَ مُوشٌ وَلا ضَبُوبٌ وَلا ثَعُولٌ" ١
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ نا مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى نا ابْنُ الْمُبَارَكِ نا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ أَنَّ رسول الله قَالَ: "آجَرَ مُوسَى نَفْسَهُ بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ لَكَ مِنْهَا يَعْنِي مِنْ نِتَاجِ غَنَمِهِ مَا جَاءَتْ بِهِ قَالِبَ لَوْنٍ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ السَّقْيِ وَضَعَ مُوسَى قَضِيبًا عَلَى الْحَوْضِ فَجَاءَتْ بِهِ كُلِّهِ قَالِبَ لَوْنٍ وَاحِدٍ" وَذَكَرَ الْحَدِيثَ
وفي غير هذه الرواية من طريق عُتْبَةَ بن النُّدَّر أن موسى وقف بإزاء الحوض أو عند إزائه فلما وردت الغنمُ لم تصدر شاةٌ إلا طعن جُنْبَها بِعَصاه فوضَعَت قَوالِبَ ألوان
قوله: بشِبْع بَطْنِه أي ما يُشْبعه من الطعام وهو الشِّبْع ساكنة الباء إذا أردتَ الاسم والشِّبَع بفتحها إذا أردتَ المَصْدَر والعَزُوز من الشَّاءِ البَكِيئَةُ التي تُجهَد حتى يَنزِل لها لَبَن ويقال إن اشتقاقها من العَزَازِ وهو الأرضُ الصّلبة يقال تعزَّزَتِ الشَّاة والفَشُوش التي يَنْفَشُّ لبنها بسرعة إذا هي حُلِبَت وذلك لِسَعةِ الإِحْليل ولَبَنُها مع ذَلِكَ قَليل قَالَ رؤبة:
وازجُرْ بَنِي النّجّاخَةِ الفَشُوشِ ... عن مُسْمَهرٍّ لَيْسَ بالفيوش ٢