حدثنيه الحسن بن عبد الرحيم أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا موسى بن إسماعيل أنبأنا ابن المبارك أخبرنا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ.
الأهتم الثنايا الَّذِي انكسرت ثناياه من الأصل والأقصم الَّذِي انكسرت أسنانه من عرضها يُقَالُ رجل أقصم الثنية بين القصم وأهتم بين الهتم قال الفرزذق:
إن الأراقم لن ينال قديمها ... كلب عوى متهتم الأسنان ١
وَأَخْبَرَنِي* أبو محمد الكراني أخبرنا البيروذي أخبرنا المنقري أخبرنا الأصمعيّ قَالَ قَالَ أبو عمرو بن العلاء من تدلت ثنيتاه ٢ إلى أسفل فهو أروق وإذا كانتا خارجتين عَنِ الفم قيل أشغى والمكسور الثنية يُقَالُ له: أقصم والسن على السن يُقَالُ له: الراغول والمقلوع الثنيتين يُقَالُ له: أهتم.
وَقَوْلُهُ: انحاز عليها: أي أكب عليها والانحياز أن يجمع نفسه وينضم بعضه إلى بعض.
وَقَوْلُهُ أزمَّ عليها أي قبض عليها بأسنانه يُقَالُ: أزم يأزم وأزم يأزم إذا قبض على الشيء بفمه وبزم إذا كان ذلك بمقدم الفم يُقَالُ: أزم عليهم الدهر إذا عضهم كلبه والأزمة السنة قَالَ الراجز:
أرأيت إن كان الكتاب قد جلد ... وأزم الدهر علينا وجمد
ولم يكن لي سبد ولا لبد ... أآخذي أنت بما لست أجد
стр. 1473
يعنى الكتاب الَّذِي يكتبه المصدق في عدد الأبل والغنم وَقَالَ آخر:
حلفت له بطه والمثاني ... لقد فنيت وقد بقي الكتاب
ألظ بها رماديإ أزوم ... له ظفر تخرمها وناب
[٩١] يصف السنة أنها عضوض والرمادي منسوب إلى سنة صعبة كانت قد أتت عليهم وهي عام الرمادة.
وَقَوْلُهُ عكر عليه أي عطف عليه واعتكر القوم إذا رجع بعضهم على بعض ومنه اعتكار الليل وهو اعتكار ١ سواده والتباسه.
стр. 1474
حَدِيثُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁
حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ كَانَ رَجُلا صَيِّتًا وَأَنَّهُ نَادَى يَوْمَ حُنَيْنٍ فقال: "ياأصحاب السمرة ".
...
حَدِيثُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ كَانَ رَجُلا صَيِّتًا وَأَنَّهُ نَادَى يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ: يَا أَصْحَابَ السَّمُرَةِ, فَرَجَعَ النَّاسُ بَعْدَ مَا وَلَّوْا حَتَّى تَنَاشَبُوا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَرَكُوهُ فِي حَرَجَةِ سَلَمٍ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ وَالْعَبَّاسُ يَشْتَجِرُهَا بِلِجَامِهَا ١.
أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَاشِمٍ أخبرنا الفضل بن العباس القرطمي أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن سهم الأنطاكي أخبرنا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ.
قوله: تناشبوا: معناه تدانوا وتضامُّوا حتى نشب بعضهم ببعض يُقَالُ: نشب الشيء بالشيء إذا تعلق به ونشب الصيد في الحبالة إذا لم يقدر على الخلاص.
وفي رواية أخرى حتى تأشبوا وهذا والأول سواء يُقَالُ: تأشب النبات إذا كثر والتف ويقال: أمر أشب أي مختلط. ومنه الأوشاب وهم أخلاط الناس والحرجة الشجراء الملتفة قَالَ الشاعر:
أيا حرجات الحي يوم تحملوا ... بذي سلم لا جادكن ربيع ٢
стр. 1475
والسلم: شجر من العضاه وهو كل شجر لها شوك وَقَوْلُهُ يشتجرها بلجامها معناه يمسكها ويردها ومنه الشجار وهو الخشبة التي توضع خلف الباب سميت شجارا لأنها ترد الباب وتمسك ١ والشجر أن ترفع ما يتدلى من غصن شجر وذيل ثوب أو ما أشبه ذلك.
стр. 1476
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ النَّاسَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَقَدِ اسْتَبْطَنْتُمْ بِأَشْهَبَ بَازِلِ ١.
مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ الْوَاشِحِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عكرمة.
قوله بأشهب بازل أي بأمر شديد أو بيوم صعب أو نحو ذلك من نعت المكروه قَالَ مقاس العائذي وهو جاهلي:
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب ٢
ويقال: جَيْشٌ أشهب وكتيبة شهباء لما فيهما من بياض السلاح والشهباء أيضا من أسماء السنة.
أَخْبَرَنِي أبو عمر أنبأنا أبو موسى عَنْ أَبِي العَبَّاس ثَعْلَبٍ قَالَ: يُقَالُ: أصابتهم كحل, والضبع, والشهباء, والبيضاء, والبرشاء, والرشماء, والقشفاء, والقشراء, والرملاء, والسوداء, والحمراء, وأصابتهم أزمة
стр. 1477
وأزبة, وأزلة وعام, كل ذلك في الجدب والمحل ويقال: أيضا يومٌ أشهب إذا كان شديد البرد قَالَ ابن هرمة:
وكانت لعباس ثلاث يعدها ... إذا ما جناب الناس أصبح أشهبا
فسلسلة تنهى الظلوم وجفنة ... تراح فتكسوها السنام المرعبا
وحلة عصب ما تزال معدة ... لعار ضريك ثوبه قد تهببا ١
ويقال: كان للعباس ثوب لعاري بني هاشم وجفنة لجائعهم ومقطرة لجاهلهم. [٩٢]
فالشبهة في كل ما وصفوه من هذا يراد بها المكروة ينذرهم العباس يقول لهم دهيتم بأمر صعب لا طاقة لكم به والبازل المسن الشديد من الإبل ضربه مثلا لشدة الأمر الَّذِي نزل بهم.
وَقَوْلُهُ يأسن معناه تغير الرائحة قَالَ اللَّه تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ ١ قَالَ أَبُو زيد يُقَالُ: أجن الماء يأجن أجونا إذا تغير غير أَنَّهُ شروب وأسن يأسن ويأسن أسنا وأسونا وهو الَّذِي لا يشربه أحد لنتنه ويقال: ماء أجن وآجن وأسن وآسن.
فأما قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ ٢ فمعناه التَّغَيُّر والفساد من طول مر السنين ومضي الأعوام عليه وليس من الأسن وتغير الريح في شيء هذا باب وذاك باب آخر والهاء في قوله لم يتسنه أصلية في مذهب من قرأ في الوصل لَمْ يتسنه وانظر وذلك لأن بعض العرب يقول سنه وفي الجمع سنهات وأكريت الدار مسانهة وهي في مذهب الآخرين زائدة يجعلونها من الواو فيقال: سنة وسنوات وقرؤوا في الوصل لم يتسن وانظر فإذا وقفوا قالوا: لَمْ يَتَسَنَّهْ زادوا الهاء لبيان الحركة بمنزلة الهاء في قوله ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٣ وكتابيه وحسابيه ونحو ذلك.
وكان عُمَر قد مانعهم في دفن رسول اللَّه وَقَالَ: أَنَّهُ لم يمت ولكنه صعق كما صعق موسى ثم تبين الحق فاعتذر إليهم في مقام آخر بكلام له قد ذكرناه في حديثه.
صَالِحاً﴾ ١ فَحَفِظْتَهُمَا ٢ فَاحْفَظِ اللَّهُمَّ نَبِيَّكَ فِي عَمِّهِ فَقَدْ دَلَوْنَا بِهِ إِلَيْكَ مُسْتَشْفِعِينَ ٣.
هذا قد ذكره ابن قتيبة ٤ في كتابه وفسره فَقَالَ قوله قفية آبائه يريد تلوهم وتابعهم وهو من قفوت الرجل إذا تبعته وكنت في إثره يُقَالُ: هذا قفي الإشياخ وقفيتهم إذا كان الخلف منهم.
وَقَوْلُهُ دلونا إليك أي متتنا واستشفعنا وأصله من الدلو.
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ أما قفية آبائه فإنه تلوهم وتابعهم والخلف منهم فمن المستقيم المطرد في اللغة إلا أَنَّهُ من البعيد الممتنع أن يكون عُمَر جعل العبَّاس / تابع آبائه أو رآه خلفا منهم في طريق دين أو دنيا وإنما [٩٣] يحسن أن يتأول المتأول الكلام على معانيه اللائقة به المنقادة له دون الوجوه الأبية عليه النافرة عنه ومعنى القفية المختار.
قَالَ أَبُو زيد يُقَالُ: اقتفيت الشيء بمعنى اخترته والاسم القفوة يريد أَنَّهُ المختار من آبائه ومنه القفي وهو ما يؤثر به الرجل من طعام
وقد يحتمل أن يكون أراد أَنَّهُ تابعهم والمتقيل لأثرهم في الاستسقاء وذلك أن عبد المطلب قد استسقى لأهل الحرم حين أقحطوا فسقاهم اللَّه وقد ذكرنا هذه القصة وفسرناها فِي حَدِيثِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا أعلم لما
стр. 1484
ذهب إليه ابن قتيبة وجها غير هذا وكان الواجب عليه إن كان أراده أن يذكره ولا يغفله.
وأما قوله دلونا به إليك أي متتنا واستشفعنا فإنه محرف عَنْ وجهه وموضوع في غير موضعه إنما يُقَالُ: أدليت بالألف بمعنى متت وتوسلت.
يُقَالُ: فلان يدلي بحجة ويدلي بقرابة ونحو ذلك تمثيلا لَهُ. ومن يرسل الدلو يستقي ماء يُقَالُ: أدلى الرجل دلوه إذا ألقاها في البئر ودلاها إذا نزعها ومعنى دلونا في قول عُمَر أقبلنا به وسرنا قَالَ الفراء الدلو السير الرويد وأنشد:
لا تعجلا بالسير وادلواها ١
وَقَالَ غيره الدلو السير ٢ الرفيق وكلاهما واحد وقال الراجز:
لا تقلواها وادلوها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا ٣
стр. 1485
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا كَانَ إِمَامٌ تَخَافُ عَتْرَسَتُهُ فَقُلِ: اللَّهُمَّ رَبِّ السموات ... ".
...
حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁
قَالَ أَبُو سليمان في حديث عبد الله أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ إِمَامٌ تَخَافُ عَتْرَسَتُهُ فَقُلِ: اللَّهُمَّ رَبِّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ كُنْ لِي جَارًا مِنْ فُلانٍ ١.
أخبرناه محمد بن المكي أخبرنا الصائغ أخبرنا سعيد بن منصور أخبرنا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سويد عن عبد الله.
العترسة القسر والغلبة وبه سمي الأسد عنتريسا كما لقسره يسمى قسورة وكما لحدارته يسمى حيدرة والحادر الغليظ.
والعنتريس من نعت الإبل وهو الشديد ويقال: الجريء.
وقد روينا عن عبد الله بْنِ أَبِي عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ فِي سَفَرٍ فَسُرِقَتْ عَيْبَةٌ لِي وَمَعَنَا رَجُلٌ يُتَّهَمُ فَاسْتَعْدَيْتُ عَلَيْهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ أَرَدْتُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ آتِي بِهِ مَصْفُودًا قَالَ: تَأْتِينِي بِهِ مَصْفُودًا تَعْتَرِسُهُ فَغَضِبَ وَلَمْ يَقْضِ لَهُ بِشَيْءٍ ٢.
والمصفود المقيد والصفد ساكنة الفاء القيد. والصفد مفتوحها العطاء يُقَالُ: صفدته من القيد وأصفدته من العطاء قال الشاعر:
стр. 1486
وأصفدني على الزمانة قائدا ١
وَقَالَ النابغة:
هذا الثناء فإن تسمع به حسنا ... فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد ٢
стр. 1487
وَقَالَ أبو سليمان في حديث عبد الله أَنَّهُ قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ أَنْتَ لِي عَدُوٌّ فَقَدْ كَفَرَ أَحَدُهُمَا بِالإِسْلامِ ١.
أَخْبَرَنَاهُ ابْنُ الأعرابي أخبرنا الحسن بن سهل المجوز أخبرنا شعيث بن محرز أخبرنا شُعْبَةُ قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ أَخْبَرَنِي قَالَ قَالَ أَبُو وَائَلٍ سمعت عبد الله يَقُولُ ذَلِكَ قَالَ شُعْبَةُ وَهَذَا حَدِيثٌ شَدِيدٌ.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ وجه هذا والله أعلم أَنَّهُ أراد كفران النعمة لأن اللَّه جل وعز قد من على المسلمين بما جمعهم عليه من ألفة الإسلام فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ٢ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخوانا فمن جهل هذه النعمة ولم يعظم موقع المنة فيها فقد قابلها بالكفران ولو أراد الكفر المطلق الَّذِي هو الخروج من الملة لأشبه
стр. 1488
أن يقول كفرا وكفر بالله وإنما قَالَ: فقد كفر بالإسلام إشارة إلى هذا المعني والله أعلم.
وقد يحتمل أن يكون المعنى في تكفيره إياه أن كان أراد بالكفر خروجه من الملة أَنَّهُ مكذب بالقرآن فقد أخبر اللَّه في كتابة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١ وَقَالَ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ٢ فمن جعل بعضهم أعداء بعض فقد كذب بالقرآن والمكذب به كافر.
فَأَمَّا حَدِيثُهُ الآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: "قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ" ٣ فَمَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ لَهُ وَالتَّغْلِيظُ فِيهِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَالْكُفْرِ فَلا تُقَاتِلُهُ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: الْفَقْرُ الْمَوْتُ أَيْ كالموت ونظير هذا قوله: "كُفْرٌ بِاللَّهِ انْتِفَاءٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ وَادِّعَاءُ نَسَبٍ لا يُعْرَفُ" ٤. أَيْ كَالْكُفْرِ وَلَمْ يَرِدْ أَنَّ مَنِ ادَّعَى نَسَبًا لا يُعْرَفُ كَانَ كَافِرًا وَمِثْلُهُ فِي الْكَلامِ كَثِيرٌ.
فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ أَنَّهُ قَالَ: "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" ٥ فَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَاهُ لا يُكَفِّرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَتَسْتَحِلُّوا بِهِ أَنْ تُقَاتِلُوا وَيَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ أَرَادَ بهذا الكلام أهل الردة.
стр. 1489
أَخْبَرَنِي إبراهيم بن فراس سمعت موسى بن هارون يقول هؤلاء أهل الردة قتلهم أَبُو بَكْر وقد قيل معنى قوله كفارا متكفرين بالسلاح أي لابسين له.
قَالَ بعض أهل اللغة إذا لبس الرجل فوق درعه ثوبا قيل قد كفر فهو كافر وقال: كل ما غطى شيئا فقد كفره قَالَ الشاعر:
قد درست غير رماد مكفور ... مكتئب اللون مروح ممطور ١
يريد أن الريح سفت عليه التراب فوارته به قَالَ: ومن هذا اشتقاق الكافر وذلك أنه غطى نعمة اللَّه ولم يظهرها.
وَقَالَ بعضهم: الكافر بمعنى المكفور فاعل بمعنى مفعول وذلك أَنَّهُ مغمور على قلبه مغطى عليه.
وَقَوْلُهُ فَقَدْ كَفَرَ أَحَدُهُمَا بِالإِسْلامِ أَرَادَ بِهِ الْقَائِلَ دُونَ الْمَقُولِ لَهُ وَمِنْ مَذْهَبِ الْعَرَبِ اسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِي كَلامِهَا وَتَرْكُ التَّصْرِيحِ بِالسُّوءِ وَهُوَ كَقَوْلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِرَجُلٍ قَدْ عَلِمَتَ أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ: إِنَّ أَحَدَنَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْنِيهِ بِذَلِكَ وَقَدْ يَقُولُ الرَّجُلُ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُكَذِّبُهُ وَاللَّهِ إِنَّ أَحَدَنَا لَكَاذِبٌ وَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢.
стр. 1490
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الله أَنَّهُ قَالَ: "مَحَاشُّ النِّسَاءِ عَلَيْكُمْ حرام ١"
стр. 1491
أخبرناه ابن الأعرابي أخبرنا سعدان أخبرنا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ حَجَّاجٌ عَنْ أبي القعقاع عن عبد الله.
يريد الأدبار والمحشة الدبر وهي المحسة أيضا ومن أسمائها التينة والرماعة والعفاقة ومنه قولهم للرجل كذبت عفاقته.
стр. 1492
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الله أَنَّهُ ذَكَرَ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ الرُّومَ وَفَتْحَ قُسْطَنْطِينِيَّةِ فَقَالَ: يَسْتَمِدُّ الْمُسْلِمُونَ ١ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَلْتَقُونَ تُشْرَطُ ٢ شُرْطَةٌ لِلْمَوْتِ لا يَرْجِعُونَ إِلا غَالِبِينَ ٣.
أخبرناه محمد بن هاشم أخبرنا الدبري عن عبد الرزاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ الْعَدَوِيِّ عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
الشرطة أول طائفة من الجيش تشهد الوقعة قَالَ الهذلي:
ألا لله درك من ... فتى قوم إذا رهبوا
فكان أخي لشرطتهم ... إذا يدعى لها يثب ٤
стр. 1493
[٩٦] / وإنما سموا شرطة لتقدمهم أمام الجيش ١ ولذلك سمي قرنا الحمل الشرطين وهو أول نجم من الربيع.
قَالَ بعض أهل اللغة ومن هذا سمي نخبة أصحاب السلطان الشرط وذلك لأنه قد رتبهم ببابه وقدمهم على غيرهم من جنده وأنكر ما ذهب إليه أَبُو عبيد من أنهم سموا شرطا لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامة عرفوا بها وأنكر قوله في أشراط الساعة أنها علاماتها وأن يكون الاشتراط الَّذِي يشترطه الناس بعضهم على بعض من هذا قال: وذلك لأن الشرط يجمع على الشروط لا على الأشراط قَالَ: وإنما الأشراط جمع الشرط مفتوحة الراء قَالَ: والشرط الدون من كل شيء وأنشد للكميت:
وجدت الناس غير بني نزار ... ولم أذممهم شرطا ودونا ٢
قَالَ: فأشراط الساعة ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل أن تقوم الساعة قَالَ: فأما قول الشاعر:
فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا ٣
وتأويل أبي عبيد أَنَّهُ أعلم نفسه فغلط قَالَ: ومعناه أَنَّهُ استخف بنفسه واستهان بها فجعلها شرطا كشرط المال.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو عُمَر أنبأنا العباس ثَعْلب عن ابن الأعرابي قَالَ: هم الشرط والنسبة إليهم شرطي والشرطة والنسبة إليهم شرطي ويقال:
стр. 1494
مطر أشراطي إذا نسب إلى نوء الشرطين ورجل شريطي إذا كان يعمل الشرط وهي جمع شريطة وهي العيبة.
стр. 1495
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الله أَنَّ زِيَادًا الْيَرْبُوعِيَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكَبِهِ وَكَانَ رَجُلا جَسِيمًا فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: اعْلُ عَنَّجِ ١.
هَكَذَا حَدَّثُونَا بِهِ عَنْ علي بن عبد العزيز أخبرنا حَجَّاجٌ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أخبرنا سيار بن سلامة أَبُو الْمِنْهَالِ عَنْ رَفِيعِ أَبِي الْعَالِيَةِ.
قوله عنج إنما هو عني أبدل الياء جيما وهو لغة لبعضهم وأنشدوا في ذلك:
يا رب إن كنت قبلت حجتج ... فلا يزال راكب يأتيك بج ٢
فأما الذين من لغتهم أن يجعلوا الياء الثقيلة جيما أعجمية فهم قوم من ربيعة وأنشدوا لهم:
المطعمون اللحم بالعشج ... وبالغداة فلق البرنج ٣
فأما من يجعل كاف المخاطبة جيما فهم قبائل من اليمن ولقد رأيت رجلا منهم يسأل بعض الفقهاء عَنْ مسألة فَقَالَ له: أصلحج الله ماتقول في كذا يريد أصلحك اللَّه وعلى هذا رووا حديث عائشة: "إيذني له فإنه عمج".
стр. 1496
حَدَّثَنِيهُ عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ أهل مدينة السلام أخبرنا محمد بن عمر البجيري أخبرنا عبيد بن محمد الكشوري أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: قَرَأْنَا على مطهر أخبرنا هِشَامٌ الْقُرَدُوسِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عروة عن أبيه عن الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَةَ أَبِي قُعَيْسٍ أَرْضَعَتْنِي وَإِنَّ أَخًا لأَبِي قُعَيْسٍ يَأْتِينِي فَيَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ فقال النبي: "ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمَّجِ" يُرِيدُ عَمَّكِ ١ وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا مِنْ قبل بعض النقلة وكان لا يَتَكَلَّمُ إِلا بِاللُّغَةِ الْعَالِيَةِ.
[٩٧] فأما الذين من لغتهم أن يجعلوا / كاف خطاب المؤنث شينا فهم بكر وتُسَمَّى هذه كشكشة وبها قرأ من قرأ منهم: "إن اللَّه اصطفاش وطهرش"٢.
وَأَخْبَرَنِي محمد بن الرهني أخبرنا ابن دريد أخبرنا أبو حاتم أخبرنا الأَصْمَعِيُّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ يَوْمًا: أَيُّ النَّاسِ أَفْصَحُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ السِّمَاطِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ ارْتَفَعُوا عَنْ فُرَاتِيَّةِ الْعِرَاقِ وَتَيَاسَرُوا عَنْ كَشْكَشَةِ بَكْرٍ وَتَيَامَنُوا عَنْ عَنْعَنَةِ تَمِيمٍ لَيْسَ فِيهِمْ غمغمة قضاعة ولا طمطانية حِمْيَرَ قَالَ: فَمَنْ هُمْ قَالَ قَوْمُكَ قُرَيْشٌ ٣.
وَقَوْلُهُ: أعل عني معناه تنح عني قَالَ الكسائي يُقَالُ: أعل عَنِ الوسادة وعال عنها أي تنح عنها.
стр. 1497
وقَالَ غيره يُقَالُ: علوت عَنِ ١ الوسادة إذا ارتفعت عنها وأعليت عنها إذا نزلت قَالَ: وإذا وقع ثوب الرجل تحت رجل آخر قَالَ له: أعل عَنْ ثوبي أي خل عنه.
وَقَالَ بعضهم: قول الناس تعال بمعنى أقبل إنما هو تفاعل من العلو أي ارتفع قَالَ الفراء ثم كثر استعماله حتى جعلوه بمنزلة أقبل.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ ومن هذا قول أبي سفيان بن حرب لعمر يوم أحد أنعمت فعال عنها.
حَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بن هاشم أخبرنا الدبري عن عبد الرزاق عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا جَرَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ مَا جَرَى مِنَ الْقَتْلِ وَالْمَثْلِ أَقْبَلَ أَبُو سفيان وهو يقال: اعْلُ هُبَلَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانُ: أَنْعَمَتْ فَعَالِ عَنْهَا ٢.
ومعنى هذا الكلام أن الرجل من قريش كان إذا أراد أن يبتدئ أمرا عمد إلى سهمين من سهامه فكتب على أحدهما نعم وعلى الآخر لا ثم يتقدم إلى هذا الصنم فيجيل سهامه فإن خرج سهم الإنعام أقدم على أمره وتم لوجهه وإن خرج السهم الزاجر تركه وأعرض عنه وهو معنى ما ذكره اللَّه في كتابه من استقسامهم بالأزلام وهي القداح التي كانوا يحيلونها ويسمونها أيضا الأقلام لأنهم كانوا يكتبون عليها بأقلامهم نعم ولا ومن هذا قوله تعالى:
стр. 1498
﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ١ يريد والله أعلم سهامهم حين أقرعوا أيهم يكفلها أنشدني أَبُو عُمَر أنشدنا أبو العباس ثعلب عَنِ ابن نَجْدَة عَنْ أَبِي زيد:
إن امرأ أمن الحوادث سالما ... ورجا الخلود كضارب بقداح
يريد أَنَّهُ في جهله كمن يستفتي الصنم ويستقسم بالأزلام وكان أَبُو سفيان لما أراد الخروج إلى أحد امتنعت عليه رجال قومه لما أصابهم من البلية يوم بدر فواضعهم على أن يستفتي هذا الصنم فخرج له سهم الإنعام فاستجر بذلك قريشا وقادهم إلى أحد فذلك قوله أنعمت فعال عنها أي تجاف عنها ولا تذكرها بسوء فقد صدقت في فتواها.
وَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِكَسْرِ هُبَلَ فَكُسِّرَ فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ لأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ قَدْ كُسِّرَ هُبَلُ أَمَا إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ مِنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ فِي غُرُورٍ حِينَ تَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ أَنْعَمَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ دع هذا [٩٨] عنك يابن الْعَوَّامِ / فَقَدْ أَرَى لَوْ كَانَ مَعَ إِلَهِ مُحَمَّدٍ غَيْرُهُ لَكَانَ غير ما كان ٢.
стр. 1499
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الله أَنَّهُ قَالَ: مَا كُنَّا نَتَعَاجَمُ أَنَّ مَلِكًا يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ١
حَدَّثَنِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أخبرنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ خَلِيلٍ أخبرنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا شُرَيْكٌ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافَعٍ عن عبد الله
стр. 1500
قَوْلُهُ: نَتَعَاجَمُ أَيْ نُكَنِّي وَنُوَرِّي وكل من كنى عَنْ شيء وأخفى بيانه فلم يفصح به فقد أعجمه قَالَ ذو الرمة:
أُحِبُّ المَكانَ القَفْرَ من أجْل أَنَّني ... بِهِ أتَغنَّى باسمها غَيْرَ معجم ١
وإنما قيل للبهيمة عجماء لأنه لا بيان لصوتها ويقال: رجل أعجم إذا كان في لسانه عجمة قَالَ كثير:
وما زال كتمانيك حتى كأنني ... برجع جواب السائلي عنك أعجم
لأسلم من قول الوشاة وتسلمي ... سلمت وهل حي على الناس يسلم
وأخبرنا ابن مالك أخبرنا الدغولي عن المازني أخبرنا الأصمعي قَالَ: جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء وبين مُحَمَّد بن مسعر الفدكي فَقَالَ أَبُو عمرو ما تقول قَالَ: أقول إن اللَّه وعد وعدا وأوعد إيعادا فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده فَقَالَ أَبُو عمرو: إنك رجل أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب إن العرب تعد الرجوع عَنِ الوعد لؤما وعَنِ الإيعاد كرما وأنشد:
فإني وإن أوعدته أو وعدته ... ليكذب إيعادي ويصدق موعدي ٢
ويقال: رجل أعجم إذا كان في لسانه عجمة وإن كان من العرب ورجل أعجمي وعجمي إذا كان أصله من العجم وإن كان فصيح اللسان.
قَالَ الفراء: ويقال: رجل أعرابي إذا نسب إلى أَنَّهُ من أعراب البادية وعربي إذا نسبته إلى آبائه من العرب فإذا كان يتكلم بالعربية وهو من العجم قلت عرباني.
стр. 1501
وحدثني عبد العزيز بن محمد أنبأنا ابن الجنيد أخبرنا قتيبة أخبرنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ لا نَشُكُّ أَنَّ السَّكِينَةَ تَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِ عمر ﵁ ١.
стр. 1502
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الله أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُصَلُّونَ جَمِيعًا وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا كَانَ لَهَا الْخَلِيلُ تَلْبِسُ الْقَالِبَيْنِ تَطَاوَلُ بِهِمَا لِخَلِيلِهَا فَأُلْقِيَ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضُ"١.
أَخْبَرَنَاهُ محمد بن هاشم أخبرنا الدبري عن عبد الرزاق عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابن مسعود قال فقلت لعبد الرزاق مَا الْقَالِبَيْنِ قَالَ: رَقِيصَيْنِ مِنْ خَشَبٍ. الرَّقِيصُ النَّعْلُ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَبَنُو أَسَدٍ يُسَمُّونَ النَّعْلَ الْغَرِيفَةَ وَإِنَّمَا أُلْقِيَ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضُ عُقُوبَةً لَهُنَّ لِئَلا يَشْهَدْنَ الْجَمَاعَةَ مع الرجال.
стр. 1503
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الله أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّكُمْ مَعَاشِرَ هَمْدَانَ مِنْ أَحْجَى حَيٍّ بِالْكُوفَةِ يَمُوتُ أَحَدُكُمْ وَلا يَتْرُكُ عَصَبَةً فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلْيُوصِ بِمَالِهِ كُلِّهِ"١.
أخبرناه محمد بن المكي أخبرنا الصائغ أخبرنا سعيد بن منصور أخبرنا سفيان أخبرنا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شرحبيل عن عبد الله.
стр. 1504
قوله أحجى معناه أولى وأجدر قَالَ الأعشي:
أم الصبر أحجى فإن امرأ ... سينفعه علمه إن علم ١
ويقال أحج بذاك وأعس به وأحر به وأقمن به وأجدر به وأخلق به كله بمعنى التعجب ويقال: [٩٩] هو حجي أن يفعل وعسي ومنهم من يحذف الياء فيقول حج وعس ومنهم من يقول حجي وحرى.
قَالَ ابن كيسان: أصله من الحجى وهو العقل يراد أن العقل يوجب فعله. قال: وأما عسي فهو من قولك عسى أن يقوم زيد أي مظنون به لذلك وذكر في سائرهن اشتقاقا لا يعتمد أكثره.
وفيه من الفقه أَنَّهُ رأي أن بطلان الوصية بأكثر من الثلث إنما هو لحق الوارث فإذا لم تكن ورثة كان لصاحب المال أن يضعه حيث شاء وفيه أَنَّهُ لم يأمر برد ماله إلى القبيلة إذا لم يكن له قعود ٢ في النسب.
стр. 1505
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الله أَنَّهُ قَالَ: سَرْجٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرَحْلٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ ١.
قَالَ أَبُو عبيد: كأنه كره المحمل.
قَالَ ابن قتيبة: المحامل إنما أحدثت في زمن الحجاج فكيف يكره ابن مسعود ما لم يره ولم يحدث في زمانه.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ قد كانت المحامل قبل زمان الحجاج وإنما كان من الحجاج فيها أَنَّهُ أمر بإحكام صنعتها والزيادة في قدرها والتوسيع لها لينام المسافر فيها فعلى هذا المعنى نسبت إليه والأمر في ذلك بين عند أصحاب المعرفة بالأخبار وأهل العناية فيها وفي ذلك يقول بعضهم:
ومحملا أترص حجاجيا
أي أحكم وسوي وكانوا قبل يسمون المحامل الملابن قَالَ الراجز:
لا يحمل الملبن إلا الجرشع ٢
стр. 1506
يريد الضخم من الإبل ولم يزل من عادة العرب أن يتخذوا لأسفارهم المراكب والمشاجر والهوادج ويركب فيها الشيوخ والنساء والضعفة فأما الملابن فإنما كان يتخذها أهل الترفه والنعمة ومن مال إلى الدعة فيهم وكل هذه المراكب على اختلافها في القدر والسعة محامل وإن كانت قد تختلف في الأسماء لما لها من اختلاف الصنعة والتركيب والهيئة وإذا كانت هذه الأمور موجودة في الزمان الأول وكان معلوما أنهم إنما كانوا يتخذونها طلبا لراحة الدعة وهربا من تعب المشقة وكان الأمر في الرحل بخلافها لقلة ارتفاق المسافر به وعدم الدِّعة في ركوبه وكانت الإشارة من عبد الله للحاج ١ إليه إنَّمَا هو لأن يقل حظه من الدعة ٢ والراحة وليمسه طرف من المشقة فيكون أفضل لحجه وأكثر لأجره فقد عقل أن الَّذِي أحدثه الناس بعد من المحامل والكنائس والعماريات داخل تحت هذا المعنى الَّذِي أشار عبد الله إليه ولاحق بحكمه فعلى هذا المعنى تأول أَبُو عبيد الحديث وأضاف إلى عبد الله كراهية المحمل وإن كان هذا النوع من المحامل غير موجود في زمانه.
وَنَظِيرُ هَذَا فِي الحَدِيثُ أن رَسُولَ الله صَلَّى الله عليه قَدْ نَهَى عَنْ إِسْبَالِ الإِزَارِ لأنه من المخيلة قال: "لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ جَرَّ إِزَارَهُ خُيَلاءَ", وَقَالَ: "فَضْلُ الإِزَارِ فِي النَّارِ" ٣ وَكَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي عَهْدِه إِنَّمَا يَلْبِسُونَ الأَرديَةَ وَالأُزِرِ فلما لبس الناس المقطعات وصار عامة لباسهم القمص واتخذوا الدراريع ٤ وأذالوها واستعملوا محدث اللباس كان حكمها حكم الإزار في كراهة السدل والتذييل فكان للمستدل أن يستبدل فيها بخبر الإزار وأن
стр. 1507
يمد بحكمه عليها وإن يضيف النهي عنها والكراهية لها إلى رسول الله إذ كانت كلها داخلة في معنى ما نهى عنه من ذلك.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ما قاله رسول الله فِي الإِزَارِ فَهُوَ فِي الْقَمِيصِ ١.
وَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْحَاجُّ, فَقَالَ: "الأَشْعَثُ التَّفِلُ" ٢ يُرِيدُ أَنَّ مِنْ صِفَةِ الْحَاجِّ أَنْ يَهْجُرَ الطِّيبَ وَالدُّهْنَ حَتَّى يَشْعَثَ بَدَنُهُ وَتَتَغَيَّرَ رَائِحَتُهُ ولو استدل مستدل بها على أَنَّهُ كره للحاج استعمال / الغالية [١٠١] وتغليف رأسه بها لكان مصيبا في الاستدلال واضعا في موضعه وإن كانت الغالية إنما أحدثت بعد عصره بزمان طويل وإنما يذكر أنها صنعت لبعض ملوك بني مروان هشام أو غيره وأنهم لما رفعوا الحساب فيها وقد أكثروا النفقة عليها قَالَ هذه غالية فلقبت بها.
وَقِيلَ لِرَسُولِ الله وَقَدْ وَكَفَ مَسْجِدُهُ أَلا نَرْفَعُ لَكَ هَذَا الْمَسْجِدَ وَنُصْلِحُهُ فَقَالَ: "لا عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى" ٣.
فلو اقتضي مقتض من هذا نهيه عَنْ تنجيد المساجد وتزويقها واتخاذها بمشاوب الذهب كان مصيبا في ذلك وإن لم يكن شيء منها معهودا في ذلك الزمان وإنما أحدث تزويق المساجد فيما يذكر الوليد بن عَبْد الملك وأنكر فعله فيها أكثر العلماء ومثل هذا كثير والأمر فيه بين واضح إن شاء اللَّه.
стр. 1508
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الله أَنَّ ابْنَ مُعَيْزٍ ١ السَّعْدِيَّ قَالَ خَرَجْتُ سَحَرًا أَسَقِّدُ بِفَرَسٍ لِي فَمَرَرْتُ عَلَى مَسْجِدِ بَنِي حَنِيفَةَ فسمتهم يَذْكُرُونَ مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ نبي فأتيت عبد الله بْنَ مَسْعُودٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِمِ الشُّرْطَ فَجَاؤُوا بِهِمْ فَاسْتَتَابَهُمْ قَالَ فَتَابُوا فَخَلَّى عَنْهُمْ وَقَدِمَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ٢.
حَدَّثَنِيهُ الأَزْهَرِيُّ أخبرنا محمد بن عبد الرحمن السلمي ٣ أخبرنا أبو الصلت أخبرنا أبو بكر بن عياش أنبأنا عَاصِمُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنِ ابْنِ مُعَيْزٍ السَّعْدِيِّ.
قوله أسقد فرسا أي أضمره والسقدد الفرس المضمر يُقَالُ سقده وسلقده أي ضمره.
стр. 1509
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الله أَنَّ رَجُلا أَتَاهُ بِابْنِ أَخِيهِ وهو سكران فأمر عبد الله بِسَوْطٍ فَدُقَّتْ ثَمَرَتُهُ ثُمَّ قَالَ لِلْجَلادِ اضْرِبْ وَارْجِعْ يَدَيْكَ ثُمَّ قَالَ بِئْسَ لَعَمْرِو اللَّهِ وَلِيُّ الْيَتِيمِ هَذَا مَا أَدَّبْتَ فَأَحْسَنْتَ الأَدْبَ وَلا سَتَرْتَ الْخَرْبَةَ فَقَالَ يا أبا عبد الرحمن أَنَّهُ لابْنُ أَخِي وَإِنِّي لأَجِدُ لَهُ مِنَ الَّلاعَةِ مَا أَجِدُ لولدي ولكن لم آله ١.
стр. 1510
أخبرناه محمد بن هاشم أخبرنا الدبري عن عبد الرزاق عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عبد الله التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي مَاجِدٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ أَبُو مَاجِدٍ ارْجِعْ يَدَيْكَ يُرِيدُ لا تَتَمَتَّى.
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: يريد أَنَّهُ لا يرفع يديه ولا يمدهما إذا أرادت ١ الضرب والتمتي. هو التَّمَطِّي يُقَالُ مط ومت ومد بمعنى واحد ومنه قولهم مت فلان إلى فلان بحرمه أي مد إليه بها وتقرب بسببها.
قَالَ الفراء: إنما قيل تمطى الرجل لأنه يمد مطاه أي ظهره يُقَالُ منه مطوت أمطوا وَقَالَ أَبُو عبيدة تمطى أصله تمطط فاستثقلوا الجمع بين الطاءات فقالوا: تمطى كقوله:
تقضي البازي إذا البازي كسر ٢
وثمرة السوط عذبته وهي طرفه المرسل قَالَ الشاعر:
وإذا الركاب تكلفتها عطفت ... ثمر السياط قطوفها ووساعها ٣
ومن هذه ثمرة اللسان وهي عذبته وَقَالَ رَجُلٌ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ آخِذًا بِثَمَرَةِ لِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ وَيْحَكَ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ وَأَمْسِكْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ ٤.
/ حَدَّثَنَاهُ ابْنُ خَيْرَانَ الأبلي أخبرنا إبراهيم بن فهد أخبرنا معاذ بن [١٠٢]