*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عروة أنه قال: "قتل في بني عمرو بن عوف "٢٢٨" / قتيل يعني خطأ، فجُعِل عَقْلُهُ على بني عمرو بن عوف، فما زال وارثه وهو عمير ابن فلان بَعْلِيًّا حتى مات"١.
أخبرناه محمد بن هاشم، أخبرنا الدَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عروة، عن أبيه.
стр. 2067
قوله: بَعْلِيًّا، روي تفسيره عن بعض رواة هذا الخبر أنه الكثير المال.
قال: إذا علا الناسَ بماله فهو البَعْلِيُّ, قال أبو سليمان: ولست أدري ما صحة هذا، ولا أراه شيئاً إلا أن يكون نسبه إلى بعل النخل، يريد أنه اقتنى نخلًا كثيرًا من بعل النخل, فنسب إليه فقيل: بعلي، كما يقال: نخلي إذا نسب إلى النخل، والبعل أيضا: الرئيس، والبعل: المالك, وقد روينا فيما تقدم من هذا الكتاب أن رجلًا خاصم آخر في ناقة, فقال: "أنا والله بعلها", أي: مالكها, فعلى هذا يكون قوله: بعلياً، أي رئيسًا متملكًا، والله أعلم.
[وفيه وجْهٌ آخر: هُوَ أشْبَه بالكلام، وهو أن يكون بِعَلْياء على وزن فَعْلاء، من العلاء, قال الأصمعي: وهو مَثَل، يقال: "ما زال منها بِعَلْياء"١, يقال ذلك للرجل يفعل الفعلة, فيشرف بها, ويرتفع قدره.] ٢.
стр. 2068
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عروة: "أنه قال في المرأة البدوية يُتَوَفَّى عنها زوجها: أنها تنتوي حيث انتوى أهلها "١.
رواه ٢ مالك، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبيه.
قوله: تَنْتَوِي: أي تتحول وتنتقل.
стр. 2069
حَدِيثِ القاسم بن محمد
حديث القاسم: أنه سئل: هل تنكح المرأة على خالتها أو عمتها ؟ .....
...
حديث القاسم بن محمد
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ القاسم: "أنه سئل: هل تنكح المرأة على خالتها أو عمتها؟ , فقال: لا، فقيل: إنه دخل بها وأَعْوَلَت، أفَتُفَرِّقُ بينهما؟ فقال: لا أدري"١.
أخبرناه محمد بن هاشم، أخبرنا الدَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٌ، عَنْ سَمَّاكِ بْنِ الْفَضْلِ.
قوله: أَعْوَلَت: أي ولدت منه أولاداً، والأصل فيه أَعْيَلَت إذا صارت ذات عَيَايِل، أي صبيان صغار، وواحدهم عَيِّل، كما يقال: سَيِّد وسَيَايِد.
قال الشاعر:
وعَيِّلًا شعْثًا صغارًا كالحَجَلْ ٢
стр. 2070
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ القاسم، "أنه سئل عن قتل الجان, فقال: أُمِرَ بقتل الأَيْمِ منهنَّ "١.
مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ٢، أخبرنا محمد بن بكر البُرساني، أنا حنظلة
стр. 2071
قال: سمعت القاسم يُسأَل عن ذلك.
الجانُّ: حية بيضاء كبيرة، والأيم: ما لَطُفَ من الحيات، قَالَ عمر بن أبي ربيعة:
خرجت تَأَطَّرُ في الثياب كأنها ... أَيْمٌ يسيب علا كثيبا أهيلا ١
стр. 2072
حديث أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
حديث أبي سلمة أنه قال: "لم يكن أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ متحزقين ولا متماوتين .... "
...
حديث أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ أبي سلمة أنه قال: "لم يكن أَصْحَابِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ متحزقين ولا متماوتين، كانوا يتناشدون الأشعار ويذكرون أمر جاهليتهم"١.
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مالك، أخبرنا الحسن بن سفيان، أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أخبرنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع, عن أبي سلمة.
التَّحَزُّق: التجمُّع وشدة التقبص، والحِزْقَة، الجماعة, ويجمع على حِزَق، قال رؤبة:
ولَفَّ سِدْرَ الهجريّ حِزَقَا ٢
والحَزِيْق: الجماعة أيضًا، قال لبيد:
стр. 2073
ورقاق عصب ظِلمانُه ... كَحَزِيق الحبشيين زُجَلْ ١
ويقال للرجل البخيل: حُزُقَّة؛ وذلك لضيقه وشدته، قال الشاعر:
"٢٢٩" / وما تسعون يحفزها ثلاثٌ ... تضمن عقدها رجل شديدُ
بكف حُزُقَّة جمعت لِوَجْءٍ ... بأنكد من عطائك يا يزيدُ
стр. 2074
حديث سليمان بن يسار
حديث سليمان: "أن قومًا كانوا في سفر .... "
...
حديث سليمان بن يسار
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ سليمان: "أن قومًا كانوا في سفر، فكانوا إذا ركبوا قالوا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
قال: وكان فيهم رجل على ناقة له رازمٍ، فقال: أما أنا فإني لهذه مقرن، قال: فقمصت به, فصرعته, فدقت عنقه."١.
يَرْوِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حماد بن زيد، عن يزيد بن حازم، عن سليمان بن يسار.
قال أبو زيد: الرازم: الذي لا يتحرك هزالًا، وقد رَزَم يَرْزِم رُزَاماً، وبعير رَازِم، وإبل رَزْمَى.
قال أبو زيد: والرازح مثل الرازم.
وقال الفراء: الماقط مثل الرازم، وقد مَقَطَ مُقُوطاً.
وفي قصة خيبر: أنهم وجدوا في الكتيبة طعاما كثيراً، قد كانوا أمسكوه لمأكلتهم، وكانت سنة مُرْزِمَة: أي مُقْحِطَة يهزل فيها المال وتعجف الدواب.
وقوله: إني لهذه مُقْرِن: أي مُطِيق. يقال: أقرنت لهذا الأمر، أي أطقته.
стр. 2075
ويقال: قَمَصَتِ الدابة قُِماصاً إذا وثبت، أنشدني أبو عُمَر، عن أبي العباس ثعلب:
ليس خليلي بالملول اللَّاصِي ... ولا كبِرذُونٍ خَصَاه الخاصِي
فلجَّ في ذُعْر وفي قُمَاصِ
стр. 2076
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ سليمان: "أنه قال: الجَذع التام التمم يجزئ ."١
يرويه ابن أبي شيبة، عن وكيع, عن موسى بن عبيدة، عن سليمان بن يسار.
التَّمَم: التَّام، وأصله تَمَّ، فأظهروا المِيْمَين لما رده إلى الأصل.
يقال: تام وتم بمعنى واحد، قال رؤبة:
في حسَب تمَّ إلى مُتمِّمِ ٢
قال سيبويه: قد يبلغ بمضعَّف الكلام الأصل, فيقال: في رادٍّ رادد، وفي ضنوا ضننوا، كقول كعب بن زهير:
مهلًا أعاذل قد جرَّبت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضَنِنُوا ٣
وكقول رؤبة:
الحمد لله العلي الأجْلَلِ ٤
стр. 2077
وقال أبو زيد: تثقيل المخفف لغة لبعضهم, وأنشد:
تعرضت لي بمكان حِلِّ ... تعرض المهرة في الطِّوَلِّ ١
يريد الطِّوَلَ.
وأنشد أبو زيد أيضاً:
كأن مهواها على الكَلْكَلِّ ... موضع كفَّيْ راهب يُصَلِّي ٢
وأنشدني الحَسَنُ بن خَلاد، أنشدني أبو موسى في نحو ذلك:
إني لأرجو أن تروا جَدْبَبَّا ... في عامكم ذا بعدما أخصَبَّا
إذا الدبى فوق المتون دَبَّا ... وهبت الريح بمُورٍ هَبَّا
يترك ما بقي الدبى سَبْسَبَّا ... أو كحريق وافق القَصْبَبَّا ٣
стр. 2078
حديث عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة
حديث عبيد الله: "أن عطاء بن السائب قال: أتيته, فقلت: امرأة كان زوجها مملوكاً فاشترته، قال: إن اقْتَوَتْهُ فُرِّقَ بينهما ... "
...
حديث عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبيد الله: "أن عطاء بن السائب قال: أتيته, فقلت: امرأة كان زوجها مملوكاً فاشترته، قال: إن اقْتَوَتْهُ فُرِّقَ بينهما، "٢٣٠ " / وإن أعتقته, فهما على نكاحهما"١.
أخبرناه محمد بن هاشم، أخبرنا الدَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ معمر، عن عطاء بن السائب.
قوله: اقْتَوَتْه: أي استخدمته، وأصله من القَتْو وهو الخدمة، قال الشاعر:
إني امرؤ من بني خزيمة لا ... أحسن قَتْوَ الملوك والخببا ٢
ويقال للخدم المَقَاتِيَة، واحدهم مَقْتَوِيٌّ، وإذا جمع بالنون خففت الياء فقالوا ٣: مَقْتَوُون، قال عمرو بن كلثوم:
متى كنا لأمك مَقْتَوِينَا ٤
стр. 2079
حديث عبد الرحمن بن يزيد النخعي
حديث عبد الرحمن: "أن ابنه سأله: يا أَبَه، في إِمْرَة الحجاج أَتَغْزُو؟ فقال: يا بني لو كان رأي الناس مثل رأيك ما أُدِّيَ الأَرْيَانُ "
...
حديث عبد الرحمن بن يزيد النخعي
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عبد الرحمن: "أن محمدا ابنه قال: قلت له: يا أَبَه، في إِمْرَة الحجاج أَتَغْزُو؟ فقال: يا بني لو كان رأي الناس مثل رأيك ما أُدِّيَ الأَرْيَانُ"١.
يرويه وكيع، عن مالك بن مغول، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مصرفٍ، عَنْ محمد بن عبد الرحمن.
قال أبو عبيدة: كانت العرب تسمي الخراج الإتاوة والأَرْيَان. قال الحَيْقُطَان ٢.
وقلتم: لقاح لا نؤدِّي إِتَاوة ... وإعطاء أَرْيَانٍ من الضر أيسرُ
واللقاح: البلد الذي لا يؤدِّي إلى الملوك خرجاً يقال: قوم لقاح إذا لم يملكوا.
قال أبو سليمان: ولست أدري كيف قال: الأَرْيان أو الأُرْبان, وأشبهه بكلام العرب أن يكون الأُربان ٣ بالباء وهو الزيادة على الحق.
يقال: أُرْبان وعُرْبان بمعنى واحد.
стр. 2080
حديث أبي الأحوص عوف بن مالك
حديث أبي الأحوص أنه قال: "تسبيحة في طلب حاجة خير من لَقُوحٍ صَفِيٍّ في عام أَزْبَةٍ أو لَزْبَة "
...
حديث أبي الأحوص: عوف بْنِ مَالِكٍ
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ في حديث أبي الأحوص: "أنه قال: تسبيحة في طلب حاجة خير من لَقُوحٍ صَفِيٍّ في عام أَزْبَةٍ أو لَزْبَة".١
حدثنيه ابن مالك، أخبرنا الحسن بن سفيان، أخبرنا ابن أبي شيبة، أخبرنا وكيع، عن مسعر, عن الوليد بن العيزار، عن أبي الأحوص.
اللَّقوح: الناقة اللبون، وتجمع على اللُّقُح، وهي اللِّقْحَة أيضا وتجمع على اللِّقَاح.
وأخبرني الغنوي، عن ثعلب قال: اللَّقُوح هي التي نتجت حديثاً، فهي لَقوح شهرين أو ثلاثة، ثم هي لَبون بعد ذلك.
والصَفِيُّ: الغزيرة.
قال: قال الأصمعي: الناقة الصفي، والخُنْجُور واللُّهْمُوم: الغزيرة اللبن.
قال أبو عمرو: يقال منه: صَفُوَت وصَفَت: أي غزرت، والأَزْبَة واللَّزْبَة، القحطُ والشدة.
أَخْبَرَني أَبُو عُمَر، أَخْبَرَنِي أَبُو موسى، عَنْ أَبِي العَبَّاس ثَعْلب قال: يقال: أصابتهم أَزْمة وأَزْبة وأَزْلة وعام، وذلك في المَحْل والجدب.
стр. 2081
حديث أبي رجاء العطاردي عِمْران بن مِلْحان
حديث أبي رجاء أنه قال: "لا تكون متقيًا حتى تكون أذل من قَعُود، كل من أتى عليه أَرْغَاه "
...
حديث أبي رجاء العطاردي: عِمْران بن مِلْحان
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ أبي رجاء أنه قال: "لا تكون متقيًا حتى تكون أذل من قَعُود، كل من أتى عليه أَرْغَاه"١.
أخبرناه أبو رجاء الغنوي، عن الحسن بن عُلَيل العنزي، أخبرنا أبو سلمة الباهلي: يحيى بن خلف، أخبرنا أبو جبلة حيان بن عبد الله، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ أبي رجاء.
القَعُود: البعير الذلول الذي يرحل ويقتعد.
وقوله: أَرْغاه معناه قهره وأذله، وذلك أن البعير إنما يرغو عن ذل واستكانة.
قال الأصمعي: الإبل إذا نشطت صرفت بأنيابها، وإذا ضجرت رغت، والرغاء: صوت الإبل, والثغاء: صوت الغنم.
والعرب تقول: ما له "٢٣١" / راغية ولا ثاغية, وأتيت فلانًا فما أَرْغى ولا أَثْغى: أي ما أعطاني إبلًا ولا غنماً.
стр. 2082
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ أبي رجاء، أن الربيع بن بدر قال:"قال فلان: أرسلني رجل إلى أبي رجاء: أيُّمَا أحبُّ إليك: ضبٌّ مَكُون أم بِيَاحٌ مُرَبَّب؟ فقال: ضبَّةٌ مَكُون ١.
المَكُون: هي التي جمعت المَكْن، وهو بيض الضَّبِّ، والواحدة مَكْنَة.
يقال: ضَبَّة مَكُون، كما يقال: دجاجة بَيُوض.
والبِيَاح ٢: ضرب من صغار السمك يستطيبه أهل العراق. وقال بعض الأعراب ووصف ضَبًّا اشتواه:
شديد اصفرار الكليتين كأنما ... يطلى بورس بطنه وشواكِلُهْ
فذلك أشهى عندنا من بِيَاحِكُم ... لحا الله شاريه وقبح آكِلُهْ
стр. 2083
حَدِيثِ أبي الأسود الدُّؤَلِيّ
حديث أبي الأسود: "أنه وضع النحو حين اضطرب كلام العرب فَغَلَبَت السَّلِيقِيَّة "
...
حديث أبي الأسود الدُّؤَلِيّ
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ أبي الأسود: "أنه وضع النحو حين اضطرب كلام العرب فَغَلَبَت السَّلِيقِيَّة."١
حُدِّثت به عن أبي خليفة، عن محمد بن مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ الْجُمْحِيُّ قَالَ: أول من أَسَّسَ العربية, وفتح بابها, وأنهج سبلها, ووضع قياسها أبو الأسود، وكان رجلَ أهل البصرة، وإنما فعل ذلك حين اضطرب كلام العرب, فغلبت السَّلِيقِيَّة.
السَّلِيقِيَّة من الكلام: ما كان الغالب عليه السهولة، وهو مع ذلك فصيح اللفظ منسوب إلى السَّلِيقَة، وهي الطبيعة، ومعناه ما سمح به الطبع, وسهل على اللسان, من غير أن يُتَعهد إعرابه.
يقال: فلان يقرأ بالسَّلِيقِيَّة: أي بطبعه- لم يقرأْ على القراء, ولم يأخذه عن تعليم.
قال الشافعي: كان مالك بن أنس يقرأ بالسَّلِيقِيَّة يستقصره في ذلك، والسَّلِيقِيَّة تُذَم مرة وتُمدح أخرى، إذا ذمت فلعدم الإعراب، وإذا مدحت فللذَّرَابَة والفصاحة، قال الشاعر:
стр. 2084
ولست بنحويٍّ يلوك لسانَه ... ولكن سليقيٌّ أَقُول فَأُعربُ ١
стр. 2085
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ أبي الأسود: "أن أعرابياً وقف عليه وهو يأكل تمرًا, فقال: شيخ هِمٌّ غَابر ماضين ووافد محتاجين، أكلني الفقر ورذلني الدهر ضعيفًا مُسِيْفًا، فناوله تمرة, فضرب بها وجهه, وقال: جعلها الله حظَّك من حظِّك عنده."١.
حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إسماعيل، أخبرنا محمد بن دريد ٢، أنا أَبُو عثمان الأشنانداني قال: أنا به التَّوَّزي.
قوله: مُسِيفًا: من أَسَاف الرجل إذا ذهب ماله، وأصله من السُّواف؛ وهو داء يصيب الإبل فيهلكها، مضمومة السين مثل القلاب والكباد.
وكان أبو عمرو الشيباني يقول: هو السَّواف، بفتح السين، قال: وجاء هذا شاذاً خارجًا عن قياس أخواته، وذلك أن الأدواء كلها جاءت على وزن فُعَال، وقد يستعار ذلك في غير الإبل فيقال: أَسَاف الرجل، إذا هلك أهله.
أخبرني ابن الزئبقي،٣ أخبرنا أبي: أحمد بن عمرو الزئبقي، أخبرنا أبي، أخبرنا الأصمعي قال: كنت يوماً في منزلي فأتاني رجل, فقال: تركت في سوق الصيارفة أعرابيًّا ٤ يسأل لم أَرَ أفصح منه، فقمت وأنا أجر ثوبي "٢٣٢" / حتى
стр. 2086
أتيت السوق, فإذا به قائماً يسأل, فوجَأْتُ في صدره فقلت: من أنت؟ قال: أنا عكَّاف بن رؤيبة، أَبَوْتُ عشرة وأَخَوْتُ عشرة، كنت مَقْنَعًا للهِمة ومفزعًا للملمة، فانْبَاقَ عليَّ الدهر بكلكله مُتَحَيِّفًا إخوتي واحداً فواحداً، حتى أَسَاف رِجَاليَه، وأَبَاد مالِيَه، فقَرِع مُرَاحي وفنيت أوضاحي، وَمَكَّكَتْنِي السنون، وحَدَجَتْنِي بالمذلة العيون، فرحم الله من أعان أخا جُهْدٍ وشَصَاص وحاجة ولَأْوَاء، نَعَشَكم ١ الله بإسباغ الرزق, واصطناع العُرْف".
قال: وإذا هو أبو فرعون الأعرابي.
قوله: انْبَاق علي الدهر بكلكله، أي وطئني بثقله, وأصابني بمكروهه، وأصله من البوق, يقال: باقَتْه بائِقَة، إذا نزلت به نازلة شديدة, ويقال: إن أصل البَوْق كثرة المطر.
وقوله: متحيفًا إخوتي: أي متتبعًا لهم، يأتيهم من نواحيهم, فيهلكهم، وأصله من الحافة وهي الناحية, يقال: حافة الوادي: أي ناحيته, وقد يكون التَّحَيُّفُ من الحيف أيضاً.
وقوله: قَرِع مُراحي: أي صفر وخلا من الغنم, والعرب تقول في دعائها: اللهم إنا نعوذ بك من قرع الفناء وصفر الإناء.
والأوضاح: جمع الوضح، وهو الدراهم الصحاح، والوضح أيضًا حُلِيٌّ من فضة, وجمع على الأوضاح.
وقوله: مَكَّكَتْنِي السنون، أي جهدتني، والأصل في ذلك أن يستقصي
стр. 2087
الجدي ما في الضرع من اللبن, يقال: مَكَّ الجدي ضرع أمه وامْتَكَّهُ وامْتَككت المخة: إذا مصصتها.
وقوله: حدجتني بالمذلة العيون: أي رمتني أبصار الناظرين بالذل, والشَّصَاص: الضيق والشدة, ويقال: إنه لفي شَصَاصاء: أي في شدة وضيق.
стр. 2088
حديث زياد
حديث زياد أنه بلغه قول المغيرة بن شعبة: "لَحَديث من عاقل أحب إلي من الشُّهْد بماء رَصَفة ..... "
...
حديث زياد ١
* وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ زياد أنه بلغه قول المغيرة بن شعبة: "لَحَديث من عاقل أحب إلي من الشُّهْد بماء رَصَفة، فقال زياد: أكذاك هو؟ فلهو أحب إلي من رَثيئة فُثِئت بسُلالةٍ من ماء ثَغْب في يوم ذي وَدِيقة ترمَض فيه الآجال"٢.
أخبرناه ابن الأعرابي، أخبرنا عباس الدوري، أخبرنا يحيى بن معين، أخبرنا علي بن الحسن بن شقيق، أنا ابن المبارك، عن سفيان، عن أبي حمزة الثمالي.
الرَّصَفَة: الحجارة التي قد رصف بعضها إلى بعض، وتجمع على الرِّصَاف، قَالَ بِشْرُ بْن أَبِي خازِم:
كأن مدامة من أذرعاتٍ ... كميتاً لونها كدم الرُّعَافِ
على أنيابها بغريض مزنٍ ... أحالته السحابة في الرِّصَافِ ٣
والرَّثِيْئَة: لبن حليب يصب على لبن حامض، ومثله المُرِضَّة، قال الشاعر:
стр. 2089
إذا شرب المُرِضَّة قال: أَوْكِي ... على ما في سقائك قد روينا ١
والفَثْءُ: كَسْرُك الحار بالبارد.
والثَّغْب مستنقع الماء في صخر، وسُلالته: ماؤه, وكل ما سل من شيء واستخرج منه فهو سلالة، ولذلك سميت النطفة سلالة. قال الله تعالى: "٢٣٣" / ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ ٢, والوَدِيقة: حر الظهائر قال ذو الرمة:
إذا كافحتنا نفحة من وَدِيقةٍ ... ثنينا برود العصب فوق المراعفِ ٣
والآجال: جمع إِجْل، وهو جماعة البقر الوحشية، ومثله الرَّبْرَب، اسم جماعة لا واحد له من لفظه, وترمض: تحترق من شدة حر الرمضاء.
стр. 2090
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ زياد: "أنه لما ولي البصرة أمر بهدم المَوَاخير "١.
المواخير: بيوت الخمارين، وأصله فارسي, كأنه قيل: مَيْ خُور، فعرب وجمع, قال جرير أو الفرزدق:
فما في كتاب الله هدم ديارنا ... بتهديم مَاخُور خبيث مداخلُهْ ٢
стр. 2091
* وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ زياد: "أنه لما أراد أهل الكوفة على البراءة من علي, جمعهم, فملأ منهم المسجد والرَّحْبَة ".
قال عبد الرحمن بن السائب: "فإني لمع نفر من الأنصار والناس في أمر عظيم، إذ هَوَّمَت تَهْوِيمَة فزَنَج شيء أَقْبَلُ طويل العنق, أهدبُ أهدلُ, فقلت: ما أنت؟ فقال: النَّقَّاد ذو الرقبة، بُعِثْتُ إلى صاحب القصر، فاستيقظت وإذا الفَالِجُ قد ضربه"١.
حدثنيه أحمد بن عبدوس، عن ابن أبي الدنيا، حدثني أبي، عن هشام بن محمد، حدثني ٢ أبو المقوم الأنصاري، عن عبد الرحمن بن السائب.
التَّهْوِيم: أن يأخذ الرجل النعاس حتى يخفق برأسه، يقال: هَوَّمَ الرجل وَتَهَوَّمَ.
وقوله: زَنَج شيء، هكذا قال ابن عبدوس بالجيم، ولست أدري ما هو، وأحسبه غلطاً, وهو بالحاء ٣ أشبه بالكلام، والزَّنْجُ: الدفع، كأنه يريد هجوم هذا الشخص وإقباله، وقد يحتمل أن يكون ذلك سَنَح، أي عرض من السُّنُوح، فغلط به ٤ بعض الرواة, فقلب السين زاياً, والأهدب: الطويل أشفار العينين.
стр. 2092
والأهدل: الساقط الشفة السفلى، وبعير هَدِلٌ إذا كان طويل المشفر مسترخيه، فأما الأحدل: فالمائل العنق، قال الراجز:
حدلاء كالزِّقِّ نَحَاه الماخضُ ١
стр. 2093
حديث مجاهد بن جبر
حديث مجاهد أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر التُّراز "
...
حديث مجاهد بن جبر
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ مجاهد أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يكثر التُّراز."١.
أخبرناه ابن الأعرابي، أخبرنا عباس الدوري، أخبرنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا محمد بن بشر العبدي، عن مجاهد بن رومي، عن مجاهد بن جبر.
التُّرازُ: موت الفجاءة، قال رؤبة:
عَوَاثراً موَّتن موت التُّرْز ٢
وقال الشماخ:
كأن الذي يرمي من الوحش تارِزُ ٢
يصفه بالإصابة في الرمي، يريد ٤ الرَّميَّة، لا يمكنه أن يحيد عن سهمه, فكأنه ميت تارز لا حراك به.
والتُّراز: مأخوذ من قولك: تَرَز الشيء إذا يبس، ويقال: خرجت خبزتك تارزة: أي يابسة، وأترزته الريح إذا أيبسته, قال امرؤ القيس:
стр. 2094
بِعجْلِزَةٍ قد أَتْرَزَ الجري لحمها ... كميت كأنها هِرَاوة منوالِ ١
وقد يشبه الميت والنائم الذي لا حراك به بالخشب اليابس والشجر البالي, ومنه الحديث في نعت المنافقين: إنهم خشب
بالليل ٢: أي نيام لا يتهجدون.
وقال امرؤ القيس "٢٣٤" / يذكر أن فرسه قد أصاده حُمُرًا وتيوسًا, فصرعهن كأنهن الشجر البالي:
فغادر صرعى من حمار وخاضبٍ ... وتيس وثور كالهشيمة قَرهَب ٣
فالهشيمة: شجرة يابسة قد سقطت, شبَّه الثور مصروعاً بها.
فأما الحديث الذي يرويه الحسن رفعه قال: "لا تقوم الساعة حتى يظهر الموت الأبيض", قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الموت الأبيض؟ قال: "موت الفجاءة" ٤.
فإنما نراه، والله أعلم، سماه الموت الأبيض؛ لأنه يغافص ٥ الإنسان مغافصة من غير أن يتقدمه مرض يغير لونه، لكن يأخذه ببياض لونه ونضارته، فلذلك سماه الموت الأبيض.
فأما الموت الأحمر؛ فإنما يقال ذلك لشدته وصعوبته، والموت على كل حال شديد, والله المستعان.
стр. 2095
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ مجاهد في قوله: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ ١ قال: "أجناب الناس كلهم"٢.
يرويه: شبابة، عن ورقاء، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد.
الأَجْنَاب: الغرباء، واحدهم جنب, قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ ٣, وهو الذي جاورك من قوم آخرين, قال الحطيئة:
والله ما معشر لاموا امرأ جنباً ... من آل لأي ابن شماس بأكياس ٤
وقالت الخنساء:
فابكي أخاك لأيتامٍ وأرملةٍ ... وابكي أخاك إذا جاورت أَجْنَابا ٥
ومثله: رجل جانب وقوم جُنَّاب، كقولك: راكب ورُكَّاب.
ويقال: رجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب، الواحد والجماعة والذكر والأنثى فيه سواء.
стр. 2096
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ مجاهد في قوله: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ ١, قال: "بَسْطُ أجنحتهن, وتَلَذُّعُهُنَّ وتَقَبُّضُهُنَّ ٢".
يرويه: شبابة، عن ورقاء، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد.
يقال: لَذَعَ ٣ الطائر جناحيه إذا رفرف, فحرك الجناح بعد تسكينه.
стр. 2097
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ مجاهد: "أنه قال: في الفادر العظيم من الأروَى بقرة، وفيما دون ذلك من الأروى شاة، وفي الوَبْر شاة "١.
أخبرناه محمد بن هاشم، أخبرنا الدَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ معمر، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد.
الفَادِرُ: المسن من الوُعُول، وهو الفَدُور أيضاً، وتجمع على الفُدُر، قال الشاعر يصف الضلوع:
وكأنما انبطحت على أثباجها ... فُدُر تشابه قد تممن وُعُولَا ٢
والوَبْرُ: دويبة على قدر السنور أو نحوه, قال الشاعر:
ثعالب يبحثن الحصا وأبورُ
يقال: وُبُور وأُبُور.
стр. 2098
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ مجاهد أنه قال: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ ١ قال: "هو الرَّان".
الرَّان والرَّيْن لغتان، وهو ما يغشى القلب ويتخلله من ظلمة الذنوب، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢. جاء في التفسير: طُبع على قلوبهم.
ويقال: ران يَرِيْن رَيْنًا ورَانًا، كما يقال: عَابَه عَيْبًا وعَابًا، وذامه ذَيْمًا وذَامًا، ومثله مخ رِيْر ورَار: أي رخو رقيق، قال الشاعر:
أَرَار الله مخكِ في السلامى ... إلى كم بالحنين تُشَوِّقِينَا ٣
стр. 2099
"٢٣٥" /* وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ مجاهد أنه قال: "من أسماء مكة بكة، وهي أُمُّ رُحْم، وهي أُمُّ القُرَى، وهي كُوثى، وهي البَاسَّةُ "١.
حدثنيه محمد بن نافع, أخبرنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو الوليد الأزرقي، أخبرني جدي، عن داود بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ جريح، عن مجاهد.
أخبرني أبو عمر، عن أبي العباس ثَعْلب، عن ابن الأعرابي قال: إنما سميت مكة مكة؛ لأن الشيء فيها ضيق، يقال: مَكَّنِي الشيء إذا ضاق عني, وسميت بكة؛ لأن الناس يَتَبَاكُّون فيها: أي يتزاحمون.
والرُّحْم: الرحمة, يقال: رحمته رَحْمَة ورُحْمًا ومَرْحَمَة.
стр. 2100
[وقال غيره: إنما سميت مكة؛ لأنها تَمُكُّ الذنوب: أي تذهب بها كلها، من قولهم: مَكَّ الفصيل ضرع أمه، وامْتَكَّ إذا امتص كل ما فيه من اللبن.
قال: وسميت أُمُّ رُحْم؛ لأنها تصل ما بين الناس كلهم في الحج, فيجتمع فيها أهل كل بلد، ويقال: لأن الناس يتزاحمون فيها] ١.
وكُوثَى: بقعة بمكة, وهي محلة ٢ بني عبد الدار، وأما كُوثَى ٣ العراق فهي قرية ولد بها إبراهيم ﵇ يقال لها: كُوثَى رَبَّى، وأنشد أبو العباس ثعلب:
لعن الله منزلا بطن كُوثَى ... ورماه بالفقر والإمعارِ
ليس كُوثَى العراق أعني, ولكن ... كُوثَة الدَّارِ دَارِ عبد الدارِ
والبَاسَّة إنما سميت بها؛ لأنها تَبُسُّ من أَلْحَدَ فيها، أي تحطمه وتهلكه، والبَسُّ: الحطم والكسر.
ومنه قوله : ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً﴾ ٤.
وقد يروى أيضا: النَّاسَّةُ، بالنون، ومعناه أنها تَنُسُّ من ألحد فيها: أي تطرده، والنَّسُّ: السَّوْق, ويقال: السير الشديد. قال الحطيئة:
стр. 2101
وقد نظرتكم إيناء صادرة ... في الحي طال بها حوزي وتَنْسَاسِي ١
فالحَوْزُ: السير الرُّوَيد، والتَّنْسَاسُ: السير الشديد.
قال المبرد: ومن أسماء مكة صَلَاح.
قال: وقال حرب بن أمية لأبي مطر الحضرمي يدعوه إلى حلفه ونزول مكة:
أبا مطر هلم إلى صَلَاحٍ ... فتكفيك الندامى من قُرَيْش ٢
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ مجاهد، في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾ ٣. قال: "ما رُفِعَ قِلْعُهُ"٤. [يرويه] ٥ شبابة، عن ورقاء، يعني عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مجاهد.
القِلْعُ: الشِّرَاع.
وبهذا الإسناد في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ ٦.
قال: "يَرُوزُك ويسألك"٧.
يَرُوزُك: أي يمتحنك، ويقال: رُزْتُ الرجل، إذا امتحنته لتنظر ما عنده، أَرُوزُهُ رَوْزًا.
стр. 2102
* وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ مجاهد: "أنه ذكر قصة داود وبكاءه على خطيئته, قال: فَنَحَب نَحْبَة هاج ما ثم من البقل "١.
حدثنيه ابن مالك، أخبرنا الحسن بن سفيان، أخبرنا ابن أبي شيبة، أخبرنا محمد بن فضيل، عن ليثٍ، عن مجاهد.
قوله: هاج: أي يبس, يقال: هاج البقل، إذا ذوى واصْفَرَّ.
стр. 2103
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ مجاهد أنه قال: "ليلة القدر ليلةُ أربعٍ وعشرين من شهر رمضان "١.
قال أبو سليمان: هذا القول يخالف ظاهره أقاويل أهل العلم ٢ في هذه الليلة، وقد تواترت الأخبار عن رسول الله أنها في ليالي الوتر من العشر الأواخر من الشهر، وأرى مجاهدًا تأول في هذا قول الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٣. "٢٣٦" / وبلغه حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : "أن القرآن نزل ليلة أربع وعشرين من رمضان".
حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مالك، أخبرنا أبو مسلم الكشي، أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا عمران, عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "نزلت صحف إبراهيم أول ليلةٍ من رمضان, وأنزلت التوارة لسِتٍّ مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من
стр. 2104
رمضان، وأنزل الزبور لثمانِ عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربعٍ وعشرين خلت من رمضان" ١.
قال أبو سليمان: وقد يتَّفِق مع هذا أن يكون الباقي من الشهر بعد الأربع والعشرين وتراً إذا كان الشهر تسعًا وعشرين، فيخرج هذا على وفاق ما جاء في الحديث من قوله ﷺ : "اطلبوها لتاسعة تبقى, أو لسابعة تبقى, أو لخامسة تبقى, أو لثالثة تبقى, أو لواحدة تبقى" ٢.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نحو من هذا.
حَدَّثَنَاهُ جَعْفَرُ بْنُ نُصَيْرٍ الْخُلْدِيُّ، أخبرنا أبو مليل الكلابي، وكان من سراة الناس.
أخبرنا محمد بن العلاء، أخبرنا المحاربي، عن شريك، عن أبي بكير مرزوق التيمي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ, قَالَ: قمنا مع ابن عباس ذات ليلة في المسجد الحرام، فخفق برأسه خفقة فقال: أي ليلة هذه؟ قلنا: ليلة أربع وعشرين, قال: الليلة ليلة القدر، رأيت الملائكة نزلوا من السماء عليهم ثياب بياضٍ ٣.
стр. 2105
حديث عِكرمةَ مولى ابن عبّاس
حديث عكرمة أنه قال: "من لم يغتسل يوم الجمعة, فلْيَسْتَوْغِلْ "
...
حديث عِكرمةَ مولى ابن عبّاس
*وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ عكرمة أنه قال: "من لم يغتسل يوم الجمعة, فلْيَسْتَوْغِلْ"١.
أخبرناه محمد بن هاشم، أخبرنا الدَّبَرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ معمر، عمن سمع عكرمة.
قوله: يَسْتَوْغِلْ، يريد غسل الباطن، وتخليل المغابن والمراقِّ بالماء، وأصله من وَغَلْتُ في الشيء وُغُوْلًا إذا دخلت فيه حتى تبلع أقصاه، وكان القوم مِهْنَة أنفسهم وعامتهم يعالجون العمل الشاق، ويستنجون بالحجارة وبلادهم حارة، وهذه الأسباب إذا اجتمعت تعاونت على تغيير الرائحة، فأمروا بالاغتسال للجمعة وتنظيف البدن بالماء.
يقول عكرمة: من فاته كمال الطهارة بالغسل العام، فلا يعجزن عن غسل المراقِّ وتنظيفها بالماء، ولا يقتصرن على الاستنجاء بالحجارة جريًا على العادة في سائر الأيام.