Полный текст (652 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
كانوا بالشام فهذه العرب العاربة لأن لسانهم الذي جبلوا عليه العربية وأعطى حاما الغرب والساحل وأعطى يافث ما بين المشرق والمغرب: ﴿إِنَّ الْأرض لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ونريد أن نرد هذه القسمة فنأخذ ما في أيديكم من العمارة والأنهار عوضا عما نحن فيه من الشوك والحجارة والبلد القفر فلما سمع فلسطين كلام عمرو بن العاص علم أنه رجل ماكر فقال له: صدقت في قولك إلا أن القسمة قد جرت فإن نقضتموها كنتم من الباغين علينا واعلم أنه ما حملكم على ذلك وأخرجكم من بلادكم إلا الجهد العظيم فقال له عمرو: أيها الملك أما زعمت أن الجهد أخرجنا من بلادنا فنعم كنا نأكل خبز الشعير والذرة فإذا راينا طعامكم واستحسناه فلن نبارحكم حتى نأخذ البلاد من أيديكم وتصيروا لنا عبيدا ونستظل تحت أصول هذه الشجرة العالية والفروع المورقة والأغصان الطيبة الثمار فإن منعتمونا مما ذقناه من بلادكم من لذيذ العيش فما عندنا إلا رجالا أشوق إلى حربكم من حبكم الحياة لآنهم يحبون القتال كما تحبون أنتم الحياة قال: وأفحم فلسطين عن جوابه فرفع رأسه إلى قومه وقال أن هذا العربي صادق في قوله وحق الكنائس والقربان والمسيح والصلبان ما لنا معهم ثبات قال عمرو فوجدت إلى وعظهم سبيلا وقلت معاشر الروم أن الله قد قرب عليكم ما كنتم تطلبون أن كنتم تريدون بلدكم فادخلوافي ديننا وصدقوا قولنا فإن الدين عند الله الإسلام.
قال فلسطين يا عمرو انا لا نفارق ديننا وعليه مات آباؤنا وأجدادنا قال عمرو فإن كرهت الإسلام فاعطنا الجزية منك ومن قومك وأنتم صاغرون قال فلسطين لا أجيبك إلى ذلك لأن الروم لا تطاوعني إلى أداء الجزية ولقد قال لهم: أبي ذلك من قبل فأرادوا قتله فقال هذا ما عندي من الأعذار ولقد حذرتكم ما استطعت ولم يبق بيننا حكم إلا السيف والله يعلم أني دعوتكم إلى أمر فيه النجاة فعصيتموه كما عصى أبوكم عيصو عن أمه فخرج من الرحم قبل أخيه يعقوب وأنتم تزعمون أنكم أقرباؤنا في النسب وأنا لبراء إلى الله منكم ومن قرابتكم إذ أنتم تكفرون بالرحيم أنتم من والد عيصو بن اسحق ونحن من ولدا اسمعيل بن ابراهيم ﵇ وإن الله تعالى اختار لنبينا خير الأنساب من لدن آدم إلى أن أخرج من صلب أبيه عبد الله فجعل خير الناس من ولد اسماعيل فتكلم بالعربية وتكلم اسحق على لسان أبيه فولد اسمعيل العرب ثم جعل خير الناس كنانة ثم جعل خير العرب قريشا وخير قريش بني هاشم ثم جعل خير بني هاشم بني عبد المطلب وخير بني عبد المطلب نبينا محمد ﷺ فبعثه رسولا واتخذه نبيا وأهبط عليه جبريل بالوحي وقال له: طفت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر أفضل منك قال فخضعت جوارح القوم حين ذكر رسول الله ﷺ ووجلت قلوبهم ودخلت الهيبة في قلب فلسطين حين سمع كلام عمرو فقال صدقت في قولك كذلك
стр. 352
الأنبياء تبعث من خير بيوت قومها على لسان ربها ثم قال له: يا عمرو وهل في أصحابك رجل بين كلامه سريع الجواب إذا سئل فقال له: اعلم إني والله أحب أن أمضي وآتيك بهم لتقف على صحة قولي ثم وثب وسار إلى عسكره وركب وأتى جيشه فحمدوا الله المسلمون على سلامته وباتوا يتحادثون فلما صلى عمرو بالناس صلاة الفجر أمرهم بالركوب إلى قتال عدوهم قال فأسرعوا إلى ذلك واستووا على متون خيولهم واصطفوا للحرب والقتال.
стр. 353
المعركة
قال الواقدي: حدثنا عروة بن زيد عن موسى مولى الحضرميين عن موسى بن عمران وابن الصباح لما كان يوم الحرب صف فلسطين جيشه ثلاثة صفوف وقدم المشاة وعدل الميمنة والميسرة ورفع الصليب أمامه وتقدم أمام الجيش فنظر عمرو إلى فلسطين وقد رتب عساكره وعزم على الحرب فهيأ المسلمين وصفهم صفا واحدا وجعل في الميمنة الحماة من أصحاب رسول الله ﷺ ومعهم شرحبيل بن حسنة كاتب الوحي وصابوب بن جباية الليثي عن شماله وكان أحد فرسان المسلمين فبينما الناس كذلك إذ خرج فارس من الروم وعليه ديباج ودرع وجوشن وفي عنقه صليب من الذهب فحمل حتى خطى برمحه من الميمنة إلى الميسرة ومن الميسرة إلى الميمنة ثم إلى القلب ثم وقف بازاء جيش المسلمين وركز رمحه بازائه وأخذ القوس بيده وفوق سهمها ورمى رجلا من الميمنة فاثبت السهم فيه فجرحه ورمى آخر من الميسرة فقتله فنظر إليه عمرو وما قد صنع فصاح بالمسلمين إلا ترون هذا العلج اللعين وما يصنع بقوسه فمن يكفينا أمره ويزيل عن المسلمين شره فخرج إليه رجل من ثقيف وعليه بردة دنسة وبيده قوس عربية قد فوق سهمها وخرج إلى العلج يريده فنظر إليه العلج وليس عليه شيء من الحديد يستره إلا فروة دنسة وما معه من السلاح غير القوس فازدرى به وبلبسه وأطلق سهما من كبد قوسه فوقع سهمه في صدره فاشتبك في الفروة ووقع غير مصيب وكان اللعين أرمى أهل زمانه ما رمى قط شيئا إلا نفذ فيه فغضب لذلك وهم أن يرميه بسهم ثان فامتعط الثقفي نبلة ورمى بها نحوه فلم يرها لصغرها وخفاء موقعها فاشتبكت النبله في حلق العلج فخرجت من قفاه فما تمالك العلج إلا أن وقع صريعا فأسرع الثقفي إلى جواده فأخذه واستوى على متنه ونزع بيضة المشرك عن راسه وجعل يسحبه نحو جيش المسلمين فاستقبله ابن عم له وكلمه فلم يجبه من فرحه بما صنع ثم اقبل إلى عمرو فاعطاه إياه فنظرت الروم إلى فعل الثقفي فغاظهم ذلك وجعلوا يشيرون إلى السماء فلعلمنا أنهم يقولون أن الملائكة تنصرنا قال: ونظر فلسطين إلى ذلك فعظم عليه وقال لبعض البطارقة اخرج إلى هؤلاء العرب وحام عن دينك فخرج البطريق وعليه ديباجة
стр. 354
خضراء ودرع حصين ومن تحت الدرع جوشن منيع وفي عنقه صليب من الذهب الأحمر ومعه غلام من ورائه يجنب جنيبه وعليه سيفه ودرقته فخرج حتى وقف بين الصفين فجعل يسال القتال فلما نظر المسلمون إليه أقبلوا إليه ينظرون ولا يخرج إليه أحد.
فقال عمرو معاشر العرب من يخرج إليه ويهب نفسه لله فخرج إليه رجل من العرب وهو يقول أنا أكون ذلك فقال عمرو بارك الله فيما تريد وحمل صاحب المسلمين عندما خرج مصمما واستقبله البطريق وجعلا يتجاولان ساعة وهما يتعانقان بالسيوف إلى أن خرجت لهما ضربتان فسبقه البطريق بالضربة فاخذها الرجل بالدرقة فقدها نصفين وكانت جلد بعير بطانة واحدة فلم يصل إليه من الضربة شيء وضربه الرجل ضربة في أثرها فقطعت البيضة وسلكها فتقهقر البطريق إلى ورائه ولم يصل إليه أذى فلما رجعت إليه روحه حمل على المسلم وضربه فجرحه جرحا فاحشا فألوى إلى اصحابه فصاح به رجل من العرب من وهب نفسه لا يرجع من بين يدي عدوه فقال الرجل أما كفاك هذه الضربة حتى توبخني أن الله ليلومني بأن ألقي بيدي إلى التهلكة ثم شد جراحه وعظم عليه ما قال ابن عمه فلما خرج قال له ابن عمه الذي خاطبه: ارجع فخذ هذه البيضة واجعلها على رأسك فقال ثقتي بالله أعظم من حديدك ثم دلق نحو البطريق وهو يقول:
يقول لي عند الخروج للقا
...
دونك هذا الترس فاجعله وقا
من علج سوء قد بغى وقد طغى
...
أقسمت بالله يمينا صادقا
لأتركن البيض فوق المرتقى
...
وأدخل الجنة دار الملتقى
قال فدعا له المسلمون بالنصر وقالوا: اللهم أعطه ما تمنى وحمل على البطريق وضربه ضربة هائلة فوقعت على عاتقه وخرجت من علائقه ثم حمل في جيش الروم فقتل رجلا وجندل أبطالا ولم يزل كذلك حتى قتل رحمه الله تعالى فقال عمرو هذا رجل اشترى الجنة من الله بنفسه اللهم أعطه ما تمنى.
стр. 355
البطريق قيدمون
قال الواقدي: وكان هرقل حين بعث ولده فلسطين إلى قيسارية بعث معه بطريقا من البطارقة وكان اسمه قيدمون وكان من أفرس الروم ويقال انه خال فلسطين وقد كان لقي عسكر الفرس وعسكر الترك وعسكر الجرامقة قال: وكان اللعين يحفظ سائر اللغات فقال فلسطين لا بد لي من قتال العرب قال: وخرج وعليه لامة وخرج مبارزا فلما رآه المسلمون قد خرج وكأنه جبل قد انهد من أعلاه إلى أسفله وهو يلمع من بريق الجوهر ضج المسلمون بقول لا إله إلا الله فلما وقف في الميدان أقبل يرطن بلغته ويطلب
стр. 356
البراز فاقبل العرب يهرعون إليه من كل جانب ومكان يريدون قتاله لأجل ما عليه فقال عمرو ثواب الله خير لكم مما عليه فلا يخرج أحد لطلب سلبه فيكون خروجه لأجل ذلك وإن قتل مات في سبيل ما خرج إليه وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" قال فخرج غلام من اليمن ومعه أمه وأخته يريدون الشام وأخته تقول له يا ابن أمي جد بنا في السير لنصل إلى الشام فنأكل من خيره ونعمه.
فقال لها أخوها إنما أذهب لأقاتل لمرضاة الله وقد سمعت معاذ بن جبل يقول أن الشهداء عند ربهم يرزقون فقالت له أخته: كيف يرزقون وهم أموات قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أن الله تعالى يجعل ارواحهم في حواصل طيور الجنة فتأكل تلك الطيور من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها فتغدوا أرواحهم في حواصل تلك الطيور فهو الرزق الذي جعله الله لهم" فلما كان قتال قيسارية خرج ذلك الغلام إلى القتال بعد أن ودع أمه وأخته وداع الموت وقال لهم: نجتمع على حوض رسول الله ﷺ ثم خرج وبيده قناة وهي موصولة كثيرة العقد وتحته جواد هجين.
فلما خرج الغلام حمل على البطريق من ساعته وطعنه بسنانه قال فاشتبك السنان في درع البطريق فلم يقدر على انتزاعه فضرب البطريق قنا الغلام بسيفه فقطعها وحمل على الغلام وضربه على هامته فشطرها فوقع الغلام ميتا ﵀ وجال قيدمون على مصرعه ثم طلب البراز فخرج إليه ابن قثم فقتله البطريق فلما نظر إلى ذلك شرحبيل بن حسنة ﵁ اقبل يعاتب نفسه ويقول تتفرجين على قتل المسلمين ثم خرج والراية بيده التي عقدها له ابو بكر ﵁ يوم خروجه إلى الشام فلما رآه عمرو قد عول على الخروج قال: يا عبد الله اركز الراية لئلا تشغلك فركزها شرحبيل فوقفت كالنخلة وغاصت في حجر كأنها منه فتفاءل بالنصر وخرج إلى لقاء قيدمون والمسلمون يدعون له بالنصر على عدوه فلما رآه البطريق ضحك من زيه وكان للملعون صوت عال وهو ضخم من الرجال وكان شرحبيل نحيف الجسم من كثرة الصيام والقيام بالليل والبطريق في ميدانه فحمل كل واحد منهما على صاحبه واختلفا بضربتين وكان السابق شرحبيل فلم يعمل السيف في لامة البطريق شيئا وثبت السيف في بيضته وحمل قيدمون على شرحبيل فشجه ثم تجاولا على الجوادين قال سعيد بن روح وكان ذلك اليوم كثير البرد والسحاب فبينما هما في المعركة إذ نزل المطر كافواه القرب قال فنزلا عن الجوادين وجالا يتصارعان في وسط الطين وذلك أن قيدمون حمل على شرحبيل فضرب يده في مراق بطنه فاقتلعه من الأرض ورمى به على ظهره ثم استوى
стр. 357
على صدره وهم أن ينحره فنادى شرحبيل يا غيات المستغيثين فما استتم كلامه حتى خرج إليه فارس من الروم وعليه لامة مذهبة ومن تحته جواد من عتاق الخيل فقصد موضع البطريق وشرحبيل فظن قيدمون أنه إنما خرج ليعطيه جواده ويعينه فلما قرب منهما ترجل وأمال البطريق برجليه عن صدر شرحبيل وقال: يا عبد الله قد أتاك الغوث من غيات المستغيثين فوثب شرحبيل قائما ينظر إليه متعجبا من قوله وفعله وكان الفارس متلثما ثم جرد سيفه وضرب البطريق ضربة قطع رأسه وقال: يا عبد الله خذ سلبه فقال شرحبيل والله ما رأيت أعجب من أمرك وإني رايتك جئت من عسكر الروم فقال أنا الشقي المبعد أنا طلحة ابن خويلد الذي ادعى النبوة بعد رسول الله ﷺ وكذب على الله وزعم أن الوحي كان ينزل عليه من السماء فقلت له يا أخي: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] وقد وسعت رحمته كل شيء ومن تاب وأقلع وأناب قبل الله توبته وغفر له ما كان منه والنبي ﷺ يقول التوبة تمحو ما قبلها أما علمت يا ابن خويلد أن الله لما انزل على نبيه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] طمع فيها كل شيء حتى ابليس فلما نزل قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] قالت اليهود نحن نؤتى الزكاة ونتصدق فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] قالت اليهود نحن مؤمنون بما أنزل الله في الصحف والتوراة فأراد الله أن يعلمهم أنها خاصة بأمة محمد ﷺ بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فقال طلحة بن خويلد مالي وجه أرجع إلى الإسلام وهم أن يسير على وجهه فمنعه شرحبيل وقال له: يا طلحة لست أدعك تمضى بل ترجع معي إلى العسكر قال: ما يمنعني من المسير معك إلا الفظ الغليظ خالد بن الوليد وإني أخاف أن يقتلني فقلت يا أخي انه ليس معنا وهذا الجيش لعمرو بن العاص قال فرجع معي فلما قربنا من المسلمين تبادروا الينا وقالوا: يا شرحبيل من هذا الرجل معك فلقد صنع معك جميلا قال: ولم يعرفوه لانه كان متلثما بفضل عمامته فقلت هذا طلحة بن خويلد الذي ادعى النبوة فقالوا: او تاب ورجع إلى الله فقال أنا تائب إلى الله قال شرحبيل فاتيت به إلى عمرو بن العاص فسلم عليه وبش في وجهه ورحب به.
قال: حدثنا حسان بن عمر لربعي عن جده أن طلحة بن خويلد لما ادعى النبوة وجرى له ما جرى من الحرب مع خالد بن الوليد ﵁ وسمع أن خالدا قتل مسيلمة الكذاب وقتل الاسود العنسي ايضا لانه قال انه نبي فخاف طلحة على نفسه من خالد فهرب بالليل ومعه زوجته للشام واستجار برجل من آل كلب فأجاره الكلبي وأنزله في داره وكان الكلبي مؤمنا وبقي عنده مدة أيام إلى أن استخبره عن حاله فحدثه طلحة بجميع أحواله مع خالد بن الوليد ووقائعه معه وكيف ادعى النبوة فغضب الكلبي لكلامه
стр. 358
وطرده من جواره فأقام طلحة بالشام وقد تاب من أمره فلما بلغه أن أبا بكر الصديق ﵁ قد قبض قال ذهب من جردت السيف في وجهه فمن ولي بعده قالوا: عمر بن الخطاب قال الفظ الغليظ وهاب أن يمضي إليه وفزع من خالد بن الوليد أن يراه بالشام فيقتله فقصد قيسارية ليركب في المراكب ويطرح نفسه في بعض جزائر البحر فلما نظر إلى جيش فلسطين قد خرج إلى قتال العرب قال أسير مع هذا الجيش فلعلي انكب نكبة واغسل بها شيئا من أوزاري وتكون لي قربة إلى الله تعالى والى المسلمين فلما نظر شرحبيل في عين الهلكة قال: لا صبر لي عنه فخرج واستنقذه كما ذكرناه فلما وقف بين يدي عمرو بن العاص شكره وبشره بقبول التوبة فقال: يا عمرو إني أخاف من خالد بن الوليد أن يراني بالشام فيقتلني فقال عمرو فإني أشير اليك بشيء تصنعه وتأمن به على نفسك في الدنيا والآخرة قال: وما هو؟
قال أكتب معك كتابا بما صنعت وشهادة المسلمين فيه وتنطلق به إلى عمر ابن الخطاب وتدفعه إليه وأظهر التوبة فإنه يقبلها وسيندبك إلى الفتوح وقتال الروم فتمحو عنك ما سلف من خطاياك فأجابه طلحة إلى ذلك فكتب له عمرو كتابا إلى عمر بن الخطاب ﵁ بما صنع وأخذ.
طلحة ومشى به إلى مدينة رسول الله ﷺ فلم يجد عمر في المدينة وقيل له: هو بمكة فمضى حتى وردها فوجد عمر متعلقا بأستار الكعبة فتعلق معه وقال: يا أمير المؤمنين اتي تائب إلى الله وحق رب هذا البيت مما كان مني قال عمر من أنت قال أنا طلحة ابن خويلد قال فنفر عمر عنه وقال:
يا ويلك أن أنا عفوت عنك فكيف الأمر غدا بين يدي الله بدم بن محصن الاسدي قال طلحة يا أمير المؤمنين عكاشة رجل اسعده الله على يدي وشقيت أنا بسببه وارجو أن يغفر الله لي بما عملته قال عمر وما عملت فأخرج له كتاب عمرو بن العاص فلما قرأه عمر وفهم ما فيه فرح به وقال أبشر فإن الله غفور رحيم وأمره عمر أن يقيم بمكة حتى يرجع إلى المدينة فأقام معه أياما فلما رجع عمر إلى المدينة وجه به إلى قتال أهل فارس.
قال الواقدي: رجعنا إلى الحديث قال لما قتل البطريق قيدمون على يد طلحة ونجا شرحبيل مما كان قد لحقه ورجع إلى عمرو وكان المطر شديدا فقطع الناس القتال ولحق الناس الاذى لأن أكثرهم بلا أخبية ولا بيوت والتجئوا إلى الجابية وتستروا بدورها وكان من رحمة الله بالمسلمين أن وقع في قلب فلسطين الفزع والرعب لما قتل قيدمون البطريق وكان ركنه ودعامته فشاور أصحابه في الرجوع إلى قيسارية وقال: يا معاشر الروم أنتم تعلمون أن جيوش اليرموك ما ثبتت لهؤلاء العرب وإن أبى قد ولى إلى القسطنطينية من خوفهم وقد ملكوا الشام جميعه وما بقي غير هذا الساحل وإني أخاف أن ندهي من
стр. 359
قبلهم ويملكوا قيسارية والرحيل أوفق من المقام ههنا فأجابوه إلى ذلك فلما كان الليل ارتحل القوم والمطر ينزل قال سعيد بن جابر الاوسى وكان ذلك كله رحمة للمسلمين من الله قال فلما كان في اليوم الرابع ارتفع المطر وطلعت الشمس فخرجنا من الجابية نطلب قتال الروم فلم نر لهم أثرا فوالله لقد فرحنا بطلوع الشمس أكثر من فرحنا برحيل الروم فكتب عمرو بذلك إلى أبي عبيدة كتابا يقول فيه بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن العاص السهمي إلى أمير جيوش المسلمين أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك ورحمة الله وبركاته أما بعد فيا صاحب رسول الله ﷺ فإن فلسطين بن هرقل قد أخرج إلى لقائنا ثمانين ألفا من الروم وكان لقاؤنا معهم على موضع ي قال له: نخل وأخذ شرحبيل ابن حسنة وكان الذي ملك اسره قيدمون ابن خالة هرقل ثم خلصه الله على يد طلحة بن خويلد الاسدي وقتل قيدمون ابن خاله هرقل ثم وجهته بكتاب إلى عمر بن الخطاب وقد انهزم عدو الله فلسطين وأنا منتظر جوابك والسلام عليك وعلى من معك من المسلمين ورحمة الله وبركاته وبعث الكتاب مع جابر بن سعيد الحضرمي فلما قرأ ابو عبيدة الكتاب فرح بسلامة المسلمين وسير الجواب وقال إذا قرأت كتابي فانزل على قيسارية وأنا في اثر الكتاب معول على السير إلى صور وعكاء وطرابلس والسلام ثم سلم الكتاب إلى جابر بن سعيد وأمره بالرجوع.
стр. 360
ذكر فتح صور وعكاء وطرابلس الشام وقيسارية
قال: وعول أبو عبيدة على النهوض إلى الساحل فقام إليه عبد الله يوقنا وقال: أيها الأمير اعلم أن الله قد اباد المشركين ورفع علم الموحدين وإني أريد أن أسير قبلك إلى الساحل لعلي أفوز من القوم بغزوة فقال: يا عبد الله أن أنت عملت شيئا يقربك إلى الله تجده بين يديك فافعل فوثب يوقنا قائما وأخذ اصحابه وكان قد انضاف إليه من كان يخدمه بحلب وكلهم رجعوا إلى الإسلام وكانوا أربعة آلاف وفي عسكر العرب ايضا ممن اسلم من البطارقة ما يزيد عن ثلاثة آلاف فارس من البطارقة المعدة وعليهم وال يقال له جرفاس:
ولما انهزم فلسطين إلى قيسارية وتحصن بها بعث إلى أهل طرابلس أن يبعثوا له بنجدة فبعثوا له بثلاثة آلاف فارس قال: وساروا يطلبون قيسارية فلما كانوا بالقرب منها نزلوا في مرج ليعلقوا على خيولهم فبينما هم كذلك إذ اشرف عليهم يوقنا وأصحابه وكان قد صحبهم فلنطانوس صاحب رومية وأصحابه وكانوا معولين على زيارة بيت المقدس والمقام بها فلما أشرفوا على المرج وهم بزيهم ما غيروا منه شيئا ورآهم جرفاس ركب بنفسه يختبر حالهم فلما قرب منهم سلم عليهم ورحب بهم وقال من أنتم قالوا: نحن الذين لجأنا إلى هؤلاء العرب واستكفينا شرهم وظننا أنهم على شيء
стр. 361
فإذا هم طغاة لا دين لهم فهربنا بديننا ونحن اصحاب حلب وقنسرين وعزاز ودارم وانطاكية ونحن قاصدون إلى الملك هرقل لنكون في جنابه فلما سمع جرفاس من القوم ذلك فرح بهم وأنس لكلامهم وقال انزلوا عندنا كي تستريحوا ساعة من التعب فلا شك إنكم سرتم الليل والنهار وخافت أنفسكم من العرب قال يوقنا اين انتم سائرون قال بعث الينا فلسطين لنكون في طرابلس فقال يوقنا تيقظوا لأنفسكم فإن أمير العرب أبا عبيدة تركناه على نية القدوم إلى الساحل فقال جرفاس وماذا ينفع حذرنا ودولتنا قد اضمحلت وأيامنا قد ولت ولسنا نرى الصليب يغني عن أهله شيئا.
قال الواقدي: فنزلوا عندهم ساعة وقدموا لهم من أزوادهم فاكلوا ثم ركبوا وهم جرفاس أن يركب لركوبهم فقال يوقنا اشتغل باصحابك والبسهم أفخر ثيابهم فإن ذلك مما يظهر الرعب في قلوب أعدائكم.
قال الواقدي: حدثني سليم بن عامر عن نوفل بن عبد الله عن جرير بن البكاء وكان أعرف الناس بفتوح الشام قال: ما دخل إلى ساحل البحر حتى أتقن الحيلة وذلك أنه قد نزل فيه الحرث بن سليم من بني عمه يرعون ابلهم وكانوا في مائتي بيت من العرب فأغار عليهم يوقنا وأخذهم وشدهم كتافا ودخل بهم إلى بلاد الساحل فلما جن الليل جمعهم إليه وقال: لا تظنوا إني رجعت عن الإسلام وإنما فعلت بكم هذا كي تسمع الروم بسواحلها إني غدرت بالعرب وأخذتهم قال فاطمأنت العرب إلى كلامه وقالوا له: أن كنت تريد اقامة دين الله فالله ينصرك وبالاعداء يظفرك قال: ووكل يوقنا رجالا تسوق الاموال وإنما اطمأن جرفاس وأصحابه إلى يوقنا لما رأى الأسرى من العرب والجمال والانعام فلما ركب يوقنا وأصحابه ورأى أنهم طالبون لساحل البحر نكب عن طريق طرابلس وكمن في الليل على طريق القوم قال: وإن جرفاس فرق خزائنه التي كانت عنده على أصحابه وقعد حتى جن الليل وأكلت الخيل عليقها ثم ركبوا واستقاموا على الطريق فلما توسطوا أطبق عليهم يوقنا واصحابه وداروا بهم ولم يمهلوهم بالقتل وأخذوهم أخذا بالكف وانتشرت الخيل في تلك الأرض لئلا يكون قد انفلت من الروم أحد فلما حصلوا في قبضتهم وتحت أسرهم أرادوا أن يطلقوا الحرث بن سليم وأصحابه فقال الحرث إني أرى من الرأي أن تتركونا على حالنا فإن ثواب الله قد حصل وصبحوا بنا بلاد العدو فإنكم ما تشرفون على بلد من بلاد الساحل إلا فتحه الله لكم قال يوقنا هذا راي صحيح ثم أمر اصحابه أن يستوثقوا من الأسرى وكمن ألفين من أصحابه وأصحاب فلنطانوس مع الأسرى وهم ثلاثة آلاف فارس وقال إذا جاءتكم رسلي فاقدموا ثم ألبس اصحابه زي الروم مثل اصحاب قيسارية الذين أخذوهم وساروا نحو طرابلس فلما خرج كل من في البلد إلى لقائهم كان كتاب فلسطين قد وصل إليهم
стр. 362
إني قد بعثت اليكم بثلاثة آلاف فارس مع جرفاس بن صليبا ودخل يوقنا مع أصحابه حتى استقر قراره في دار الامارة ودخل عليه شيوخ طرابلس والبطارقة وأهل الحشمة منهم فلما حصلوا عنده أمر بهم وقبض عليهم وقال: يا أهل طرابلس أن الله قد نصر الإسلام وأهله وقد كنا في عيش مظلم نسجد للصلبان ونعظم الصور والقربان ونجعل لله زوجة وولدا حتى بعث لنا هؤلاء العرب فهدانا وألحقنا بهم ببركة نبيهم ﷺ وهو النبي المبعوث الذي ذكره الله في التوراة وبشر به عيسى المسيح وإن الإسلام حق وقوله الصدق ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وينطقون بالحق ويتبعون الصدق ويوحدون الله وينزهونه عن الصاحبة والولد ويجاهدون في سبيله وهو الذي أمر به أنبياءه ورسله فإما أن ترجعوا إلى دين الإسلام أو تؤدوا الجزية والا بعثتكم عبيدا للعرب وهذا ما عندي والسلام.
قال فلما سمعوا كلامه علموا أن يوقنا اجتاز عليهم وأخذ أصحاب الملك في الطريق فقالوا: أيها السيد نحن نفعل ما أمرتنا به فمنهم من أسلم ومنهم رضي بالجزية وعدل يوقنا فيهم وبعث إلى اصحاب الكمين فحلوا الأسرى فعرض عليهم الإسلام فأبقوا فأمر بحبسهم وبعث إلى أبي عبيدة بالخبر وما جرى له وبعث الكتاب مع الحرث بن سليم من وادي بني الأحمر وقال: يا عبد الله كن للأمير مبشرا بهذا الفتح قال سافعل ذلك أن شاء الله تعالى وسار بالكتاب حتى وصل إلى أبي عبيدة وسلم عليه وناوله الكتاب فلما قرأه وعلم معناه فرح وقال للحرث بن سليم ألم تستأذني أن تسير أنت وبنو عمك إلى وادي بني الأحمر فمن أوصلك إلى طرابلس قال أوصلني القضاء والقدر وذلك أن يوقنا أغار علينا وأخذنا أسرى وحدثه بحديثهم فعجب من ذلك أبو عبيدة وقال: اللهم ثبتهم وايدهم بنصرك.
قال: حدثني عامر بن أوس قال اخبرني ابن سالم قال: حدثني موسى بن مالك قال أن عمرو بن العاص لما ارتفع المطر رحل من الجابية ونزل على أبواب قيسارية وأما ما كان من أمر يوقنا فإنه لما ملك طرابلس واحتوى عليها واستوثق من سورها وأبوابها ترك أصحابه على الأبواب وقال: لا تدعو أحدا يخرج من الأبواب وكان في المرسى مراكب كثيرة فرفع آلاتها وأخذها كل ذلك ولا يعلم أحد من أهل الساحل بما صنع وقال: وبعد ايام جاءت مراكب كثيرة زهاء من خمسين مركبا فتركهم يوقنا حتى نزل أكثرهم إلى المدينة فأمر بهم إليه فاستخبرهم عن حالهم وقال من أين جئتم قالوا: جئنا من جزيرة قبرص ومن جزيرة أقريطش وقالوا: معنا العدد والسلاح مضروبة لملك فلسطين فاراهم الفرح والسرور وسلم عليهم وقال إني أريد أن اسير معكم ثم أمر بهم إلى دار الضيافة وبعث إلى قواد المراكب فأنزلهم وقدم لهم السماط فلما أكلوا قال إني
стр. 363
أريد أن اسير اليكم الزاد والعلوفة وعدة السلاح إلى خدمة الملك ولكن تقيمون عندي ثلاثة ايام فقالوا: أيها البطريق انا على عجل من أمرنا نخاف من لوم الملك ولسنا نقدر على ذلك ولم يزل بهم حتى اذعنوا له.
فقال أريد أن تنزلوا الشراعات والمقاذيف فتكونوا في المدينة ليطمئن قلبي بذلك ففعلوا وألصقوا المراكب بالسور ونزل كل من في المراكب وما بقي في المراكب إلا ثلاثة رجال فلما دبر هذا التدبير قبض على الجميع فلما كان الليل سلم طرابلس لبني عمه وللحرث بن سليم وفلنطانوس وعمر المراكب برجاله وهم بالصعود اليها وإذا عند غروب الشمس قد أقبل خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه في ألف فارس من أصحابه فلما رآهم يوقنا سجد لله شكرا وسلم على خالد بن الوليد وسلم له المدينة وحدثه بما جرى له وما قد عزم عليه فقال نصرك الله وايدك ثم أن يوقنا ركب من ليلته وسار وكان على سور دمشق جيش فلسطين وهو أرمويل بن نشطة ومعه اربعة آلاف فما أصبح يوقنا إلا وهو في مدينة صور فأمر بالبوقات فضربت والرايات فنشرت ووقف الدمستق يختبر خبرهم فعاد صاحب البحرالية فقال هؤلاء أهل قبرص وجزيزة اقريطش قد أقبلوا بالعلوفات والطعام والعدد يريدون قيسارية في خدمة الملك ففرح أهل صور بذلك وأمروهم بالنزول فنزل يوقنا واصحابه وكان جملة من نزل معه تسعمائة رجل وكان قد استخلصهم لنفسه فصنع لهم الدمستق طعاما ومد لهم سماطا عظيما وأحضر لقوادهم الخلع ويوقنا ينتظر الليل حتى يثور باصحابه وكان جملة من نزل معه تسعمائة رجل كما ذكرنا وترك الباقين في المراكب وقال أن لم يتم لنا ما نريد ولم نظفر بهم فلا تبرحوا من مراكبهم وأنقذ إلى خالد وأخبره بالقصة.
قال الواقدي: ما سمع بأعجب من هذه القصة ولقد حدثنى ابن مزاحم عن الارقط بن عامر عن عمار بن ياسر الربعي قال لما حصل يوقنا والتسعمائة بمدينة صور وأكلوا سماط الملك وخلع على كبرائهم أقبل عليهم في السر رجل من بني عم يوقنا ممن استحكمت الضلاله في قلبه واحتوى الكفر على أقانيم جسده فأقبل إلى الدمستق وحدثه بأمر يوقنا وما قد عزم عليه وإنه مسلم وإنه يقاتلكم مع العرب وقد فتح طرابلس وأخذ البطريق جرمانس صاحب الملك فلما سمع الدمستق ذلك لم يكذب خبرا دون أن ركب بأصحابه وقبض على يوقنا وأصحابه ووقع الصياح وكثر الضجيج وسمع بذلك اصحاب يوقنا فعلموا أن ذلك بسبب أصحابهم وإنه قبض عليهم فاغتموا لذلك غما شديدا وأخذوا على أنفسهم من عدو يقبل عليهم قال فلما استوثق عليهم الدمستق أرمويل بن نشطة وكل بهم ألف رجل وقال سيروا بهم إلى الملك يفعل فيهم ما يريد وأقبلوا يعنفون يوقنا واصحابه ويقولون لهم ما الذي رأيتم في دين العرب حتى تبعتموهم وتركتم دينكم
стр. 364
ودين آبائكم قد طردكم المسيح عن بابه وأبعدكم عن جنانه فلما هموا أن يسيروا بهم وقع الصياح من الأبواب ونفر أهل القرى ومن كان بالقرب من صور فسألوهم عن أخبارهم فقالوا: قدمت العرب عليكم.
قال الواقدي: وكان عمرو بن العاص لما نزل على قيسارية وجه يزيد ابن أبي سفيان في ألفي فارس إلى صور فلما سمع الدمستق أمر بالأبواب فأغلقت وصعدت الرجالة على الاسوار وعمروا الابراج ونصبوا المجانيق وأدخل الدمستق يوقنا إلى قصر صور واستوثق منهم لئلا يتم عليه أمر منهم وبات القوم يحرسون وأضرموا نيرانهم على الاسوار فأقبلوا يرقصون ويشربون طول ليلتهم فلما كان الغد أشرف عليهم يزيد بن أبي سفيان نظر إليهم الدمستق فلما رآهم قليلا استحقرهم وطمع فيهم وقال: وحق المسيح لا بد لي من الخروج إليهم وهزم هذه الشرذمة اليسيرة ثم لبس الدمستق اللباس وأمرهم بالخروج وترك على حفظ يوقنا واصحابه ابن عمه باسيل قال: وكان باسيل هذا من قرأ الكتب السالفة والاخبار الماضية وكان قد رأى النبي ﷺ في دير بحيرا الراهب وكان باسيل قد مضى إلى زيارة بحيرا فلما قدمت عير قريش وجمال خديجة بنت خويلد وفيها رسول الله ﷺ نظر بحيرا إلى القافلة ورسول الله ﷺ في وسطها والسحابة على رأسه تظله من حر الشمس فلما تبينه قال: والله هذه صفة النبي الذي يبعث من تهامة ثم انتظروا وإذا بالركب قد نزل ورسول الله ﷺ نزل وحده تحت شجرة يابسة واستلقى اليها فأورقت الشجرة بين يدي رسول الله ﷺ فلما عاين بحيرا ذلك صنع طعاما لقريش واستدعاهم فدخلوا الدير وبقي هو مع الابل ليرعاها فلما نظر بحيرا إليهم ولم يره في جملتهم قال: يا معشر قريش هل بقي منكم أحد قالوا: نعم بقي فينا من تخلف لحفظ القافلة ورعي الابل قال: ما اسم من يرعى الابل قالوا: محمد بن عبد الله قال هل مات أبوه وأمه قالوا: نعم قال هل كفله جده وعمه قالوا: نعم قال: يا قريش هو والله سيدكم وبه يعظم في الدنيا مجدكم قالوا: من أين علمت ذلك قال لما أشرفتم علي من البرية لم يبق صخر ولا مدر إلا خر له ساجدا.
قال الواقدي: فبقي باسيل في حيرة من أمرهم وكتم سره وعلم أن بحيرا لا يتكلم إلا بالحق فلما وقع يوقنا وأصحابه ووكله الدمستق على حفظهم قال أن الإسلام هو الحق وقد بشر به بحيرا الراهب ولعل الله يغفر لي إذا حللت هؤلاء القوم.
قال الواقدي: من حسن تدبير الله لعباده المؤمنين أنه لما خرج الدمستق إلى لقاء يزيد ابن أبي سفيان لم يتأخر أحد من شباب المدينة لا صغير ولا كبير إلا وخرج معه وبقيت العوام ينتظرون على الاسوار ما يكون بينهم وبين العرب فلما نظر باسيل إلى المدينة وخلوها واشتغل أهلها بالحرب أخذ رايه على خلاص يوقنا ومن معه فأقبل إليهم
стр. 365
بالليل والتفت إلى يوقنا وأصحابه وقال: أيها البطريق كيف تركت دين آبائك وأجدادك من قبل وعولت على دين هؤلاء العرب وما الذي رأيت من الحق حتى تبعتهم وقد كانت الروم تتخذك عصدا لها وعونا قال له يوقنا: يا باسيل ظهر لي من الحق ما ظهر لك من الحق فعرفته وقد هتف بي هاتف يقول لي أن الذي هداك إلى دينه يخلصك وبشرني بالخلاص على يديك قال فلما سمع زاد ايقانه وتحقق إيمانه وقال ليوقنا لقد انطق الله لسانك بالحق وإن الله تعالى كشف حجاب الغفلة عن قلبي منذ رايت نبي هؤلاء القوم بدير بحيرا الراهب وهو في قافلة لاهل مكة ورأيت من دلائله أنه لا يسير على الأرض إلا والشجر تسير إليه والسحابة على رأسه تظلله ولقد استند إلى شجرة يابسة فأورقت في الحال وأنبأني بحيرا الراهب أنه وجد في العلم أن جماعة من الانبياء استندوا اليها وجلسوا حولها فلم تورق فلما استند بظهره اليها أورقت أغصانها وأينعت فعجبت من ذلك وسمعت بحيرا يقول هذا والله الذي بشر به المسيح فطوبى لمن تبعه وآمن به وصدقه فلما عدت من زيارة بحيرا سافرت إلى القسطنطينية بتجارة وطفت في بلاد الروم وأقمت ما شاء الله ثم عدت إلى قيسارية فرأيت الروم في هرج ومرج فسألت عن أحوالهم فقيل قد ظهر نبي في الحجاز اسمه محمد بن عبد الله وقد أخرجه قومه من مكة وقد أتى إلى المدينة التي بناها تبع وقد ظهر على قومه ونصر عليهم فما زلت أسأل عن أخباره وهي في كل يوم تنمو وتزيد حتى مات ثم ولى صاحبه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأنفذ جيوشه إلى الشام فلم يلبث إلا يسيرا ثم مات وولى هذا الرجل عمر بن الخطاب ففتح بلادنا وهزم جيوشنا وأنا مع ذلك أنتظر قدومهم إلى هذا الساحل حتى أتى الله بهم فقال له يوقنا: وما الذي عزمت عليه قال عزمت والله أن أفارق قومي وأتبعكم فإن الحق بين ثم حل يوقنا وأصحابه وسلم إليهم العدد والسلاح وقال ليوقنا اعلم أن مفاتيح أبواب المدينة عندي والعسكر خارج المدينة مشتغل بقتال العرب وليس في المدينة من يخاف جانبه فانهض على اسم الله فقال يوقنا جزاك الله خيرا فلقد هداك الله إلى دينه وسلك بطل طريق النجاة وختم لك بخير ويجب الآن علينا أن نظهر أنفسنا ونبعث في المراكب حتى ينزلوا الينا ونكون نحن يدا واحدة.
فقال باسيل سأفعل ذلك ثم إنه خرج في حال الخفاء وفتح باب البحر ومعه رجل من بني عم يوقنا وركبا زورقا حتى وصلا إلى البحر والمراكب وحدثاهم بما قد كان فأقبل كل مركب برجاله إليهما وساروا إلى أن نزل الجيمع وحصلوا داخل المدينة أعني مدينة صور وأعمى الله أبصار الكفار فلما هموا أن يثوروا قال يوقنا ليس هذا من الرأي وأين من يهب نفسه لله ويخفي أمره ويخرج من الباب ويدور إلى عسكر المسلمين ويتوصل إلى أميرهم ويعلمه بما كان منا ويكون على أهبة وإذا سمع بنا أحد لا يهوله وليصدم جيش العدو فقال رجل من القوم أنا أكون ذلك الرجل ثم خرج متنكرا
стр. 366
واغلق باسيل خلفه ووصل إلى يزيد بن أبي سفيان وحدثه بالأمر على حقيقته وبما كان من أمر يوقنا فسجد لله شكرا وبعث من ساعته إلى المسلمين ليأخذوا على أنفسهم في الكبة على القوم ففعلوا ذلك.
وأما يوقنا ﵀ فلما علم أن الخبر وصل إلى المسلمين قال لاصحابه: ليصعد منكم خمسمائة رجل إلى السور ويقتلوا من عليه قال باسيل ليس هذا رايا فإن العوام لا اعتبار لهم ولعل الله أن يهديهم إلى الإسلام ولكن مر أصحابك أن يلزموا مطالع السور حتى لا ينزل أحد منهم ويزعقوا بالامان قال فاستصوب رايه ووكل الرجال بالمطالع ثم زعق يوقنا وأصحابه بصوت مزعج وقالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله فسمع كل من في المدينة ومن على السور ذلك فعلموا أن يوقنا وأصحابه تخلصوا من الاسر ووثبوا في المدينة وطارت عقولهم وانزعجت أفئدتهم على أولادهم وأهإليهم فبقوا في حيرة فسمع يزيد بن أبي سفيان الضجة فعلم أن المسلمين قاموا في المدينة فكبر وكبرت المسلمون وهلل الموحدون فسمع الدمستق الضجة من المدينة فعلم أن يوقنا وأصحابه تخلصوا من الاسر وهم الذين فعلوا ذلك فوقع الرعب في قلوبهم ونظروا إلى النيران قد اشتعلت في عسكر المسلمين وتاهبوا للحملة عليهم فلم يبق لهم صبر وقد انقطعت قلوبهم من أجل أموالهم وأولادهم الذين في داخل المدينة وقيسارية محاصرة وليس لهم مدد من ولد الملك فولوا الادبار واتبع المسلمون آثارهم وملكوا خيامهم وما كان فيها فلما أصبح الصباح فتح يوقنا باب المدينة ودخل يزيد بن أبي سفيان ومن معه من المسلمين واحتووا على أموال الروم ونادى من كان على السور الغوث الغوث فأمنهم المسلمون ونزلوا بأجمعهم فقال لهم: يزيد أن الله قد فتح لنا مدينتكم عنوة وأنتم الآن لنا عبيد فما شئنا حكمنا فيكم ولكن نحن إذا عاهدنا وفينا وإذا قلنا صدقنا وقد أعطيناكم الامان من أنفسنا ولكن عليكم الجزية على من لم يدخل في ديننا ومن اسلم منكم فله مالنا وعليه ما علينا فاجاب القوم إلى ذلك وأسلم أكثر القوم وبلغ الخبر إلى فلسطين بأن صور قد فتحت فعلم أنه لا بقاء له فأخذ الفرصة وانهزم وأخذ خزائنه وأمواله وذخائره وخدمه واركبهم في المراكب بالليل وقلع يريد اللحوق إلى قسطنطينية فلما نظر أهل قيسارية إلى ذلك خرجوا إلى عمرو بن العاص وصالحوه على أن يسلموا له المدينة فصالحهم على مائة ألف درهم وما ترك الملك من خزائنه ورجاله فأجابوه إلى ذلك وكتب لهم كتاب الصلح فعندها دخل عمرو بن العاص إلى قيسارية وأخذ بقية ما ترك الملك وضرب الجزية عليهم من السنة الآتية كل رجل أربعة دنانير وبذلك أمرهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وبعث عمرو جيشا إلى صور مع ياسر بن عمار بن سلمة وكان شيخا كبيرا قد شهد مع رسول الله ﷺ حنينا والنضير وقتل أخوه يوم حنين قتله مالك بن عون النضيري فبعثه عمرو إلى صور ومعه رجل من
стр. 367
أصحابه وصالح عمرو بن العاص أهل قيسارية على مائة ألف درهم وما خلفه فلسطين من بقية ذخائره قال: ودخلها يوم الأربعاء في العشر الاول من رجب الفرد سنة تسع عشرة من الهجرة ووصل الخبر إلى الرملة وعكاء وعسقلان ونابلس وطبرية فعقدوا كلهم صلحا مع المسلمين وكذلك أهل بيروت وجبلة واللاذقية وملك الله الشام كله للمسلمين ببركة سيد المرسلين ﷺ .
стр. 368
ذكر فتوح مصر
بسم الله الرحمن الرحيم وهو حسبي قال زياد بن عامر قال شام بن عبد الله العنبري حدثنا سالم مولي عروة بن نعيم اليشكري قال لما فتح عمرو بن العاص قيسارية صلحا كان لعمر في الخلافة أربعة أعوام وستة اشهر وبلغ الخبر إلى أهل الرملة وعكاء وبلقاء وعسقلان وصيدا وغزة ونابلس وطبرية فأتي كبراؤهم إلى أبي عبيدة وأصلحوا أمرهم معه على مال لا يحصى وكذلك أهل بيروت وجبلة واللاذقية وأنفذ ابو عبيدة لعمرو بن العاص أن يسير إلى مصر بأمر عمر بن الخطاب ﵁ وملك المسلمون اقاصي البلاد ببركة نبينا محمد ﷺ وعظم وكرم قال: وسكنها العرب وتفرقوا في البلاد والمدن ودانت لهم العباد وكل يوم يزدادون فلم يبق في الشام وأعمالها مركز من مراكز الروم إلا أخذ المسلمون وتوالدوا وتناسلوا وكثروا ببركة سيدنا محمد ﷺ .
يقال محمد بن اسحق الاموي رحمه الله تعالى قال: حدثنا يونس بن عبد الاعلى قراءة عليه بالخضراء بمدينة عسقلان قال أخبرنا الليث بن سعد قال: حدثنا نوفل بن عامر قال أخبرني يحيى بن ساكن المدني قراءة عليه يوم الجمعة ونحن عند منبر يونس بن متى قال لما فتح الله ساحل الشام على المسلمين في سنة تسع عشرة من هجرة رسول الله ﷺ كتبوا بذلك إلى أمير جيوش المسلمين أبي عبيدة عامر بن الجراح بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو ابن العاص إلى أمين الامة أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد ﷺ وإن الله جل وعلا قد فتح ما كان قد بقي من الساحل وأخذنا قيسارية صلحا وهرب منها فلسطين بن هرقل بأمواله وعياله ونحن بها ننتظر أمرك والسلام وكتب أيضا يزيد بن أبي سفيان بما تم ليوقنا في صور وإن الله قد عضد الدين ووصل الكتابان إلى أبي عبيدة وقد رحل من حلب يريد طبرية فوصل إليه الخبر وهو نازل على الزراعة فلما قرأ الكتابين تهلل وجهه فرحا وضج المسلمون بالتهليل والتكبير وكتب من وقته وساعته إلى عمر بن الخطاب ﵁ يبشره بما فتح الله على المسلمين وبما فعله يوقنا ووجه الكتاب مع عرفجة بن مازن فركب ناقته وسار حتى وصل المدينة قال عرفجة بن مازن وعلي من ديباج الروم قباء
стр. 369
فاخر وعلى رأسي مطرف خز مذهب قال فلما أتيت المدينة ودخلتها يوم الجمعة أول ليلة من شهر رمضان قبل مغيب الشمس وعمر ﵁ قد أتى يريد المسجد فلما أبركت ناقتي وعقلتها وجئته لأسلم عليه نظر الي شزرا وقال من الرجل قلت عرفجة بن مازن فقال: يا ابن مازن أما كان لك برسول الله اسوة حسنة وإن هذه ثياب الجبارين ومن جعل الله لهم الدنيا جنة وهذا الديباج حرام على الرجال منا ولا يصلح إلا للنساء وهذا الذي عليك تصدق به على فقراء المدينة أما والله لقد دخلت يوما على رسول الله ﷺ وهو نائم على سرير مرمل بشريط وليس بين جلده وبين الشريط شيء وقد أثر الشريط في نعومة جلد رسول الله ﷺ فلما رايت ذلك بكيت.
فقال لي: "يا عمر ما الذي ابكاك" فقلت يا رسول الله أن كسرى وقيصر يعيشان في ملك الدنيا وأنت رسول الله بهذه المثابة.
فقال: يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال عرفجة فسلمت إليه الكتاب فلما قرأه تهللت أسارير وجهه قال عرفجة ثم نزلت على خالتي عفراء بنت أبي أيوب الانصاري وبت عندها ليلتي فلما أصبحت لم اقدر أن أقابل عمر بذلك الزي فأعطيت الثوب والعمامة لخالتي فباعتهما وتصدقت بثمنهما على فقاء المدينة قال: وسرت إلى عمر وعلى ثوب من كرابيس الشام كان تحت ثيابي فلما رآني تبسم في وجهي وقال: يا ابن مازن ما فعلت بديباجتك قلت يا أمير المؤمنين باعتها خالتي وتصدقت بثمنها على المسلمين فقرأ عمر: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧] ثم إنه كتب إلى أبي عبيدة يقول بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر ابن الخطاب إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي علي نبيه محمد ﷺ وقد فرحت بما فتح الله على المسلمين وما وعدنا به رسول الله من كنوز قيصر وسيفتح علينا من كنوز كسرى والحمد لله على ذلك كثيرا وقد بلغني أن بادية الاعراب قد استلذوا الدنيا وزينتها وقد نصبت لهم شباك محبتها وقد تمسكوا بذيل غرورها ونسوا نعيم الجنة وقصورها ورفلوا في ثياب الديباج والخز وأكلوا الحلواء وخبز الحنطة لهاهم ذلك عن الآخرة وقد بلغني يا ابن الجراح أنهم قد تهاونوا بالصلاة ونسوا المفترضات فجرد عليهم عتاق الخيل ذوات الهمم وأغلظ عليهم ولا تكن لهم حاملا فيطمعوا فيك ومن أخل منهم بشيء مما فرض عليهم فأقم فيهم حدود الله وأعلم بأنك راع مسئول عن رعيته قال الله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١] وقد قال فيك رسول الله ﷺ : "أبو عبيدة أمين هذه الأمة" فأعط الامانة حقها ومن ترك صلاته فأضربه عليها ولقد كان رسول الله ﷺ يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم
стр. 370
يعرفنا ولم نعرفه اشتغالا بالصلاة وبعظمة الله وعنه ﷺ أنه قال أن الله يقول أن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري فيها عمارها بالعبادة فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني فحق على المزور أن يكرم زائره وقال ﷺ : "جميع المفترضات افترضها الله علي في الأرض إلا الصلاة فإن الله افترضها علي في السماء" وإذ قرأت كتابي هذا فأمر عمرو بن العاص أن يتوجه إلى مصر بعسكره ويقدمهم عامر بن ربيعة العامري ومشايخ من أصحاب رسول الله ﷺ يفضي بهم عند مشورته وأنفذ من قدرت عليه إلى أرض ربيعة وديار الجد بن صالح والله أسأل أن يكون لكم عونا ومعينا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وسلم الكتاب إلى عرفجة بن مازن وأمر له بنفقة من بيت المال.
قال عرفجة فأخذت الكتاب وسرت به على طريق تيماء فلقيت عند بيت لحم ركبا من أهل وادي القرى فسألتهم عن أبي عبيدة فأخبروني أنه على غباغب وهو طالب طبرية قال عرفجة أطلب الغور والجولان وأقصد طبرية قال فالتقيت بأبي عبيدة على الأردن فسلمت عليه وناولته كتاب عمر ﵁ فما قرأه جمع المسلمين وقرأه عليهم فلما فرغ قال: ما من رجل ترك الصلاة أو أخل بشيء مما افترضه الله عليه إلا جلدته ومن الغد أتى خالد بن الوليد من طرابلس فقرأ عليه الكتاب وأنفذه إلى عمرو بن العاص أرسل يحثه على المسير إلى أرض مصر فلما وصل الكتاب إلى عمرو أخذ على نفسه بالمسير وسار معه يزيد بن أبي سفيان وعامر بن ربيعة العامري وجماعة من الصحابة وسار معه يوقنا في أربعة آلاف من أصحابه وقد وهبوا أنفسهم لله ورسوله فسار عمرو على البيداء من وراء العريش قال: وكانت أرض مصر وريفها عامرة بالديور والصوامع وكان دير الزجاج في مملكة القبط وكان ملكهم يومئذ المقوقس ابن راعيل وكان هذا الملك من أهل الرأي والتدبير والفضل والحكمة وكان تلميذ الحكيم أعاشادمون وهو الذي لما غلبت الحيات على أرض مصر واخربتها صنع لها جلجلا وكان أن حركه سمع صوته من مقدار ميل قال فتخرج الحيات من حجرتها فمن هربت نجت ومن وقعت هلكت وكان المقوقس من أعلم أهل زمانه وكانت القبط معه في عيشة مرضية وكان يتوقع ظهور رسول الله ﷺ .
وكان حكيم ذلك الزمان بمصر يقال له عطماوس: وهو الذي صنع دواليب الريح ورحى الهواء وكان عمر في الأجيال واطلع على مكنون الحكم والأسرار وعرف عمل صنعة الاكسير وعمل الذهب والفضة والجوهر والحركات المتحركة من نفسها بهبوب الريح وأجناس الأهوية في أجسامها وكان يجد في عمله أن الله يبعث نبيا من أرض تهامة ينشر دينه وتعلو كلمته وتملك أصحابه البلاد فعمل في أيام راعيل أبي
стр. 371
المقوقس هيكلا عظيما على أعمدة من نحاس بمكان يعرف بعين شمس وجعل عليه أشخاصا مجوفة وجعل وجهها إلى جهة مصر وكتب عليها بالقبطية إذا دارت هذه الأشخاص إلى جهة الحجاز فقد قرب ملك العرب قال فبينما المقوقس راكب في بعض الأيام للصيد وقت هجرة رسول الله ﷺ وقد انتهى سيره إلى عين شمس إذ هو سمع أصواتا من الأشخاص قد علت ثم إنها حولت وجهها نحو الحجاز فأيقن بتلف ملكه وزواله فعاد من ركوبه وهو قلق ودخل قصر الشمع وجلس على سريره وجمع القسوس والرهبان وكبراء القبط وقال لهم: يا أهل دين النصرانية اعلموا أن زمانكم قد مضى وهذا النبي المبعوث لا شك فيه وهو آخر الأنبياء ولا نبي بعده وقد بعث بالرعب ولا بد لرجل من أصحابه أن يملك ما تحت سريري هذا فانظروا إلى ملككم وأصلحوا ذات بينكم وارفقوا برعيتكم ولا تجوروا في حكمكم وأمنوا ضعفاءكم وإياكم واتباع الظلم فإن الظلم وبيل ومرتعه وخيم وأعطوا الحق من أنفسكم ولا يستطل قويكم على ضعيفكم وما دامت الدنيا لأحد من قبلكم حتى تدوم لكم وكما ملكتموها ممن كان قبلكم كذلك يأخذها منكم من كان بعدكم فاصلحوا نياتكم فيما بينكم وبين خالقكم فإن فعلتم ذلك رجوت لكم النصر على أعدائكم ومن يريدكم وإن اتبعتم أهواءكم تبين هلاككم.
قال: حدثنا ابن اسحق عن عبد الملك عن أبيه عن حسان بن كعب عن عبد الواحد بن عوف عن موسى بن عمران عن حميد الطويل عن أبي اسحق الراوي المغازي مع رسول الله ﷺ قال لما جاء النبي ﷺ من مكة إلى المدينة وبايعه الأوس والخزرج كتب إلى ملوك الأرض وفي الجملة كتابا إلى المقوقس ملك مصر وكان الذي كتب الكتاب إليه أبو بكر الصديق ﵁ ونسخةى الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم من عند رسول الله ﷺ إلى صاحب مصر أما بعد فإن الله أرسلني رسولا وأنزل علي كتابا قرآنا مبينا وأمرني بالانذار والاعذار ومقاتلة الكفار حتى يدينوا بديني ويدخل الناس فيه وقد دعوتك إلى الاقرار بوحدانية الله تعالى فإن أنت فعلت سعدت وإن أنت أبيت شقيت والسلام ثم طوى الكتاب وختمه بخاتمه قال أنس بن مالك فاستخرجه رسول الله ﷺ من أصبعه وكان فصه عليه ثلاثة أسطر السطر الأول محمد السطر الثاني رسول السطر الثالث الله ولا نقش أحد على خاتمه كنقشه قال سمرة بن عوف قلت لحميد الطويل أكان لخاتم رسول الله ﷺ فص أم لا قال: لا أدري قال: وسأل رجل جابر بن عبد الله الأنصاري فقال له: في أي يد كان يتختم رسول الله ﷺ فقال في يده اليمنى ويقول: "اليمنى أحق بالزينة من الشمال" وفص الخاتم في يمينه وقال عبد الله بن عباس رأيت رسول الله ﷺ يتختم في يمينه ثم حوله إلى يساره.
стр. 372
حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يتختم في يساره وحدثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن والحسين ﵃ جميعا يتختمون في اليسار.
قال الراوي: فلما طبع الكتاب بخاتمه قال: "أيها الناس أيكم ينطلق بكتابي هذا إلى صاحب مصر وأجره على الله" قال فوثب إليه حاطب بن أبي بلتعة القرشي وقال أنا يا رسول الله فقال له: "بارك الله فيك يا حاطب" قال فأخذت الكتاب من يد رسول الله ﷺ وودعته واصحابه وسرت إلى منزلي وشددت راحلتي وودعت أهلي واستقمت على الطريق إلى نحو مصر فلما بعدت عن المدينة بثلاثة ايام أشرفت على ماء لبني بدر فأردت أن أورد ناقتي الماء وإذا على الماء رجلان ومعهما ناقتان ومعهما رجل آخر راكب على جواد أدهم فلما رأيتهم وقفت وإذا بالفارس أتى الي وقال لي: من أين أقبلت وأين تريد فقلت يا هذا لا تسأل عما لا يعنيك فتقع فيما يحزنك ويخزيك أنا رجل عابر سبيل وسالك طريق فقال: ما إياك أردنا ولا نحوك قصدنا نحن قوم لنا دم وثأر عند محمد بن عبد الله وقد جئت أنا وهذان الرجلان وتحالفنا على أن ندهمه على غفلة فلعلنا نجد منه غرة فنقتله قال حاطب والله لقد أمكنني الله منهم فلأجعلن جهادي فيهم ولو بالخديعة فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحرب خدعة".
فبينما أنا أخاطب الفارس وإذا بالراكبين قد وصلا الي وقالا لي بغلظة وفظاظة ويحك لعلك من أصحاب محمد فقلت لهما لقد كاد أن يتبدل لكما الطريق عن سبيل التحقيق وإني رجل مثلكما أطلب ما تطلبون وأنا قاصد يثرب وقد عولت علي صحبتكم لأكون معكم ولكن سمعت في طريقي هذا ممن أثق به أن محمدا أنفذ رسولا من أصحابه إلى مصر بكتاب فلعله في هذا الوادي فإن وقعنا به قتلناه فقال صاحب الفرس أنا أسير معك ثم إنه تقدم أمامي وتركنا صاحبيه واقفين ينتظران قال حاطب فلما بعدت به عن أصحابه وغبنا عنهما قلت ما اسمك قال اسمي سلاب بن عاصم الهمداني قلت يا سلاب اعلم أنه لا يقدر أن يدخل على يثرب إلا من كان له جنان وقلب وغدر ومكر لأن بها سادات الأرض وأبطالها مثل عمر وعلي ولكن كيف سيفك قال سيفي ماض قلت أرني إياه فاستله من غمده وسلمه الي فأخذت السيف من يده وهززته وقلت سيف ماض ثم قلت:
سيوف حداد يالؤي بن غالب
...
مواض ولكن أين للسيف ضارب
فقال: ما معنا هذا الكلام قلت يا ابن عاصم أن سيفك هذا من ضرب قوم عاد من ولد شداد وما ملكت العرب سيفا مثله ولا أمضى من هذا السيف ولكن وجب علي أكرامك وأريد التقرب اليك بحيلة أعلمك إياها تقتل بها عدوك فقال بذمة العرب
стр. 373
افعل ذلك فقال حاطب إذا كنت في مقام حرب وقتال وخصمك بين يديك وتريد قتله فهز هذا السيف حتى يهتز هكذا وتلتئم مضاربه واضرب عدوك بحرفه فإنه أسرع للقتل والقطع وملت بالسيف على عنقه وإذا برأسه طائر عن بدنه فنزلت إليه وأمسكت الجواد لئلا ينفلت فينذر أصحابه وتركته مربوطا إلى شجرة وأسرعت إلى صاحبيه وإذا هما ينتظراننا فلما رأياني أقبل أحدهما الي فقال: ما وراءك وأين سلاب فقلت أبشر بأخذ الثأر وكشف العار واعلم بأننا وجدنا رجلين من أصحاب محمد وهما نائمان وقد وجهني سلاب بأن يمضي أحدكما حتى نتمكن منهما ويقف أحدكما ههنا فإن هذا الوادي ما خلا ساعة من اصحاب محمد فقال: نعم الرأي الذي قد اشرت به وسار معي فلما غيبته عن صاحبه قلت ما اسمك قال عبد اللات قلت كن رجلا وإياك والخوف فإنك إذا رأيتنا وقد هجمنا على الرجلين فاستيقظ فقال: لا بد أن أفعل ذلك فقلت له إني أرى غبرة ولا شك أن تحتها قوما ممن صبأ إلى دين محمد فجعل يتأمل كأنه الواله الحيران فعاجلته بضربة على غفلة فرميت رأسه عن بدنه وعدت إلى الثالث فلما رآني وحدي تيقن بالشر فقارعني وقارعته وصدمني وصدمته إلا أن الله أعانني عليه فقتلته وأخذت الراحلتين والفرس وأسلابهما ووضعت الجميع عند رجل من أصحابي وكان رفيقا لي من زمن الجاهلية وهو من عبد شمس ثم توجهت أريد مصر ولم أزل إلى أن أتيتها فلما وصلت إلى باب الملك قالوا: من اين جئت قلت أنا رسول إلى ملككم فقالوا: من عند من قلت من عند رسول الله ﷺ فلما سمعوا بذلك أحاطوا بي وأوصلوني إلى قصر الشمع بعد أن استأذنوا لي وأوقفوني على باب الملك فأمرهم باحضاري بين يديه فعقلت راحلتي وسرت معهم عند المقوقس وإذا هو في قبة كثر الجوهر في حافتها ولمع الياقوت من أركانها والحجاب بين يديه فأومأت بتحية الإسلام فقال حاجبه يا أخا العرب أين رسالتك قال فأخرجت الكتاب فأخذه الملك من يدي بيده قال فباسه ووضعه على عينيه وقال مرحبا بكتاب النبي العربي ثم قرأه وزيره الباكلمين فقال له: اقرأه جهرا فإنه من عند رجل كريم فقرأه الوزير إلى أن أتى إلى آخره فقال الملك لخادمه الكبير هات السفط الذي عندك فأتى به ففتحه واستخرج نمطا ففتح ذلك النمط وإذا فيه صفة آدم وجميع الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وفي آخره صفة محمد ﷺ فقال لي: صف صاحبك حتى كأنني أراه قال حاطب ومن يقدر أن يصف عضوا من أعضاء رسول الله ﷺ فقال: لا بد من ذلك قال فوقفت بعدما كنت جالسا وقلت أن صاحبي وسيم قسيم معتدل القامة بعيد الهامة بين كتفيه شامة وله علامة كالقمر إذا برز صاحب خشوع وديانه وعفة وصيانة صادق اللهجة واضح البهجة اشم العرنين واضح الجبين سهل الخدين رقيق الشفتين براق الثنايا بعينيه دعج وبحاجبيه زجج.
стр. 374
وصدره يترجرج وبطنه كطي الثوب المدبج له لسان فصيح ونسب صحيح وخلق مليح قال: والملك ينظر في النمط فلما فرغت قال: صدقت يا عربي هكذا صفته فبينما هو يخاطبني إذ نصبت الموائد وأحضروا الطعام فأمرني أن أتقدم فامتنعت فتبسم وقال قد علمت ما أحل لكم وحرم عليكم ولم أقدم لك إلا لحم الطير فقلت إني لا آكل في هذه الصحاف الذهب والفضة فإن الله قد وعدنا بها في الجنة قال فبذلوا طعامي في صحاف فخار فاكلت فقال: أي طعام أحب إلى صاحبك فقلت الدباء يعني القرع فإذا كان عندنا شيء منه آثرناه على غيره فقال ففي أي شيء يشرب الماء فقلت في قعب من خشب قال: أيحب الهدية قلت نعم فإنه قال ﷺ : "لو دعيت إلى كراع لأجبت ولو أهدى الي ذراع لقبلت" قال: أيأكل الصدقة قلت لا بل يقبل الهدية ويأبى الصدقة وقد رأيته إذا أتى بهدية لا يأكل منها حتى يأكل صاحبها فقال الملك ايكتحل قلت نعم في عينه اليمنى ثلاثا وفي اليسرى اثنتين وقال من شاء اكتحل اكثر من ذلك أو أقل وكحله الأثمد وينظر في المرآة ويرجل شعره ويستاك فقال المقوقس إذا ركب ما الذي يحمل على رأسه فقلت راية سوداء ولواء ابيض وعلى اللواء مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله فقال إله كرسي يجلس عليه أو قبة قلت نعم له قبة حمراء تسع نحو الأربعين قال فما الذي يحب من الخيل قلت الأشقر الأرتم الأغر المحجل في الساق وقد تركت عنده فرسا يقال لها المرعد قال فلما سمع كلامي انتخب من خيله فرسا من أفخر خيول مصر الموصوفة وأمر به فأسرج وألجم فأعده هدية لرسول الله ﷺ وهو فرسه المأمون وأرسل معه حمارا ي قال له: عفير وبغلة يقال لها دلدل وجارية اسمها بريرة وكانت سوداء وجارية بيضاء من أجمل بنات القبط اسمها مارية وغلام اسمه محبوب وطيب وعود وند ومسك وعمائم وقباطي وأمر وزيره أن يكتب إلى رسول الله ﷺ كتابا يقول فيه باسمك اللهم من المقوقس إلى محمد أما بعد فقد وصل الي كتابك وفهمته وأنت تقول أن الله أرسلك رسولا وفضلك تفضيلا وأنزل عليك قرآنا مبينا فكشفنا يا محمد خبرك فوجدناك أقرب داع إلى الله وأصدق من تكلم بالصدق ولولا أنثى ملكت ملكا عظيما لكنت أول من آمن بك لعلمي إنك خاتم النبيين وامام المرسلين والسلام عليك ورحمة الله وبركاته مني إلى يوم الدين قال: وسلم الكتاب والهدية الي وقبلني بين عيني وقال بالله عليك قبل بين عيني محمد عني هكذا ثم بعث معي من يوصلني إلى بلاد العرب والى مأمني قال فوجدنا قافلة من بلاد الشام وهي تريد المدينة فصحبتها إلى أن وردت المدينة فأتيت المسجد وأنخت ناقتي ودخلت وسلمت على رسول الله ﷺ وأنشأت أقول:
أنعم صباحا يا وسيلة أحمد
...
نرجو النجاة غدا بيوم الموقف
стр. 375
إني مضيت إلى الذي أرسلتني
...
أطوي المهامه كالمجد المعنف
حتى رأيت بمصر صاحب ملكهم
...
فبدا إلي بمثل قول المنصف
فقرا كتابك حين فك ختامه
...
فأطل يرعد كاهتزاز المرهف
قال البطارقة الذين تجمعوا
...
ماذا يروعك من كتاب مشرف
قال اسكتوا يا ويلكم وتيقنوا
...
هذا كتاب من نبي المصحف
قالوا: وهمت فقال لست بواهم
...
إني قرأت بيان لفظ الأحرف
وبكل سطر من كتاب محمد
...
خط يلوح لناظر متوقف
هذا الكتاب كتابه لك جامعا
...
يا خير مأمول بحبك نكتفي
قال الراوي: ورجعنا إلى الفتوح قال: حدثني أحمد بن عبيد عن عبد الله بن عمر السلمي عن محمد الزهري عن عبد الله بن زيد الهذلي عن أبي اسحق الأموي وهو المعتمد عليه في فتوح مصر وأرض ربيعة والفرس.
حدثنا عمر بن حفص ولم ينفرد بهذه الرواية سواه وكان أصحاب السير قد اشتغلوا بوقائع العراق وفتوحه وما تجدد من سعد بن أبي وقاص وبني كسرى أنوشروان وتركوا فتوح الشام وأرض مصر فيما بعد وكان قد ارتحل عنهم فتركوه لأجل الزيادة والنقصان فيه وإنما انفرد ابن اسحق لأنه انفرد عن مشايخ ثقات قد وثق بهم من آل مخزوم اجتمع بهم في الرملة بعد الفتوح أحدهم نوفل بن ساجع المخزومي وكان عمه خالد بن الوليد وكان من المعمرين شهد تبوك مع النبي ﷺ وشهد بعدها الحديبية وشهد يوم اليمامة ومسيلمة وكان مع عمرو بن العاص بأرض مصر في جميع فتوحها والثاني فهد بن عاصم بن عمرو بن سهل بن عمرو المخزومي وغيرهما من الثقات ممن شهد فتوح أرض مصر والوقائع كلها قالوا: جميعا ومنهم من قال أن عمرو بن العاص لما انفصل من ساحل الشام وكتب الله سلامة المسلمين وسار متوجها يريد أرض مصر فلما كان بمكان ي قال له: رفح قال له يوقنا: يا عمرو أنت تريد أن تدهم مصر على حين غفلة من أهلها وأنا ممن يمكني ذلك لأن ثواب الله أجل غنيمة فإن قلبي ملوث بحب الدنيا وإني كنت ممن أشرك بالله سواه وأنا أجتهد في الخلاص وأقاتل من كنت انصره على الكفر وعباده الصلبان والسجود للصور من دون الله وقد أخذت الإسلام بنية وقبول لأنه الحق وأريد أن أتقدم إلى أرض مصر فلعلي أجد لكم بالحيلة سبيلا فقال عمرو وفقك الله وأعانك وحفظك وصانك قال: فسار يوقنا ليلا من رفح يطلب الفرماء ولم يقرب من العريش ولا القاربا وكلها حصون عامرة وقد سكنها أقوام من العرب المختلطة وكانوا يؤدون المال إلى الملك المقوقس بن راعيل وسنذكر فتوحها فيما بعد إن شاء الله
стр. 376
تعالى قال: وإن يوقنا اشرف على الفرماء وكان بها وال من قبل المقوقس اسمه الرندبان والفرماء على جانب بحيرة تنيس من الشرق فرأى يوقنا خياما منصوبة وقبابا مضروبة فلما رأوا يوقنا وقع الصائح فركب من كان هناك وكانت الأخبار ترد عليهم كل وقت بما صنع الصحابة فلما بلغهم أن قيسارية فتحت اغتموا لذلك لأنه كان فلسطين بن هرقل قد تزوج بابنة المقوقس ارمانوسة وكان قد جهزها أبوها وأرسلها مع غلمانها وأموالها إلى بلبيس ثم إنها وجهت حاجبها تميلاطوس إلى الفرماء في ألفى فارس لحفظ ذلك المكان.
стр. 377
الاستعداد
حدثنا ابن اسحق أخبرنا موسى بن محمد بن ابراهيم بن الحرث التيمي عن أسامة ابن زيد بن أسلم قال ابن اسحق: حدثني رجل من القبط رأيته وقد دخل في دين الإسلام فقربت إليه وسألته فاخبرني أنه من قبط مصر من جند المقوقس فقلت له كيف كان من أمركم لما سمعتم بقدوم المسلمين من الشام وكسر جيوش هرقل قال لما بلغنا ذلك بعث المقوقس رسله إلى جميع اطراف بلاده مما يلي الشام بأن لا يتركوا أحدا من الروم ولا غيرهم يدخل أرض مصر كل ذلك لئلا يتحدثوا بما صنع المسلمون بجنود هرقل فيدخل الرعب في قلوب قومه فلأجل ذلك أنه لما دخل يوقنا أرض مصر لم يعلم به أحد فلما ركبوا إلى لقائه ورأوا حشمه وعسكره وكانوا بزي الروم سالوه عن مكانه وكان قد أخبر في طريقه من حصن كيفا وأعلموه بابتعاد فلسطين عن زوجته أرمانوسة وإن اباها قد جهزها وهي على مدينة بلبيس فقال يوقنا ومتى تزوجها قالوا: تزوجها والمسلمون على حصن حلب.
فقال لهم: انه قد ركب في البحر وترك قيسارية وقد أرسلني حتى آخذها في المراكب من دمياط ومضى يوقنا يقول أنا قد جئت رسولا من الملك فلسطين إلى الملك المقوقس حتى يرسل معي ابنته إلى زوجها فلما سمعوا كلامه قالوا: أن الملكة في بلبيس وقد أنفذها إليه وما منعها من المسير إلا خوف العرب وهروب فلسطين من قيسارية فسار يوقنا حتى قرب من بلبيس فنزل هناك وسار حاجبها اليها وعرفها بما قاله يوقنا فقالت علي به فأتى إليه الحاجب وأمره بالمسير فركب وركب اصحابه وهم بأحسن زي وأتوا إلى عسكر أرمانوسة وإذا به عسكر كبير أكثر من عشرة آلاف قال فترجل يوقنا وترجل قومه ووقفوا على باب قصرها واستأذنوا عليها فأذنت لهم بالدخول فلما وقفوا بين يديها خضعوا لها فأمرت لهم بكراسي فوضعت لهم فأمرتهم بالجلوس فجلسوا ووقفت الحجاب والمماليك والخدم فقالت الملكة أرمانوسة له من غير ترجمان كم لكم عن الملك فقال شهر فقالت أكان رحل من المراكب أم قبل رحيله فقال
стр. 378
يوقنا: بل قبل رحيله وحين ركب منهزما ولما وصلت إلى غزة بلغني أنه سار وقد قال لي في السر بيني وبينه لا طاقة لنا بقتال هؤلاء العرب فإن أبي هرقل ترك أنطاكية وذهب وقد قاتلهم بجميع جنوده واستنصر عليهم بجيمع دين النصرانية وأنفذ إليهم ماهان الأرمني إلى اليرموك في ألف ألف فهزموه وقتلوه وإني اريد أن آخذ خزائني وأطلب القسطنطينية ثم إنه وجهني اليك أيتها الملكة لتركبي في المركب إليه.
قال فلما سمعت ذلك أطرقت برأسها إلى الأرض ثم رفعت رأسها وقالت إني لا أقدر أن أصنع شيئا إلا بأمر الملك أبي وإني مرسلة إليه قال فقام يوقنا وصقع لها ودعا ثم خرج من عندها فوجد غلمانه قد ضربوا خيامه فنزل بها وارسلت إليه العلوفة والضيافة قال ابن اسحن الأموي ﵁ ولقد بلغني انه لما جن الليل أتت اليها الجواسيس وأعلموها بفتح قيسارية ومدائن الساحل جميعها وبتوجه عمرو بن العاص إلى مصر وبحديث يوقنا صاحب حلب وحذروها منه وعرفوها بجميع الأخبار مفصلة وإنه هو الذي فتح طرابلس وصور وجبلة قال فلما سمعت ذلك دخل في قلبها الرعب وعلمت انه محتال فطلبت حاجبها وقالت له: مر العسكر بلبس السلاح وإن يكونوا مستيقظين فقد جرى من الأمر كذا وكذا ثم إنها أوقفت مماليكها وغلمانها وقالت لهم إذا دخل هذا الرجل وخواصه فاقبضوا عليهم فإذا نحن ملكناهم انخذل عسكر المسلمين فلما رتبت هذا أرسلت تطلب يوقنا فذهب حاجبها إليه وقال له: أيها البطريق الكبير أن الملكة تطلبك لتوصيك بما تقوله لأبيها فقال له: السمع والطاعة ها أنا راكب وأصحابي فذهب القاصد فقال يوقنا لأصحابه اعلموا أن الملكة شعرت بنا والقوم قد عولوا على قتلنا فإن حصلنا في أيديهم قتلونا لا محالة وتضرب بنا الأمثال لمن يأتي بعدنا فموتوا كراما ولا تلقوا بأييديكم إلى القتل بايدي الكفار وكونوا نصرة لدين الإسلام وما عسى نرجو من هذه الدنيا الغدارة التي ما صفت لأحد إلا وغيرته بالكدر فاعمروا دار البقاء وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده فلعلكم ترضونه بذلك قال فأخذ القوم على أنفسهم وأشتدوا وركبوا وتوكلوا على الله في جميع أمورهم.
حدثنا ابن اسحق قال لقد بلغني أن الملكة أقامت تنتظر قدومهم لتقبض عليهم فاستبطأتهم فبعثت رسولا ثانيا تستحثهم فقال له يوقنا: ارجع إلى صاحبتك وقل لها ما جرت بذلك عادة الملوك يبعثون يطلبون الرسل إلا لأمر يحدث وقد كنت عندها فما الذي تريده نصف الليل مني فعاد الرسول وأخبرها بما قاله فركبت من وقتها وتقدمها حاجبها وأمرت الجيش كله أن يركب ودارت بيوقنا وأصحابه ولم تحدث بشيء إلى الصباح فأقبل صاحب الملكة إليهم وقال: ما حملكم أن تركتم دين آبائكم وهجرتم دين المسيح وأمه وقد جئتم تحتالون علينا إلا وإن المسيح قد غضب عليكم فقال يوقنا:
стр. 379
إن المسيح عبد من عبيد الله لا يقدر على شيء لانه مأمور مكلف وقد أنطقه الله بذلك وهو في المهد فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وقال: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً*وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم:٣٣] ومن يؤمر بالصلاة والزكاة ويموت فليس باله إنما هو عبد الله مكلف بالعبادة مثل واحد منا وإن الله لا يتشبه بأحد منا وإن الله لا يشبهه شيء ولا يتشبه بأحد ولقد أضلكم من صدكم عن ذلك وزاغ بكم عن طريق الحق بقوله على الله والمسيح ولقد كنا مثلكم نسجد للصلبان ونعظم القربان ونسجد للصور ونجعل مع الله الها آخر إلى أن تبين لنا دين محمد ﷺ فشفانا بعد العمى وشرح صدورنا للهدى ودين الإسلام هو الدين الواضح وكنا نقول مثل قولكم أن المسيح ابن الله وإن ابراهيم واسحق كانا نصرانيين فكذبنا الله بقوله في كتابه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وها نحن قد جئناكم لنجاهدكم اما أن تقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله واما الجزية واما القتال قال فلما سمع الحاجب كلامه قال لقومه دونكم وهؤلاء فقد جاءوا يريدون قتلكم وأخذ أموالكم وأولادكم وحريمكم قال فحملوا على يوقنا وأصحابه وعمل السيف بينهم بقية يومهم فلما كان من الغد ركبوا وداروا بهم وتصايحت عليهم القبط ودارت بهم الخيل والرجال فبلى يوقنا ومن معه بما لا طاقة لهم به وقتل منهم جماعة وقتلوا هم من القبط خلقا كثيرا ولكنهم صبروا لأمر الله وقالوا: والله لا نسلم أنفسنا أو نموت كلنا فقد حصل لنا ما كنا نطلب من رضا ربنا قال ابن اسحق.
حدثنا سيف بن شريح عن يونس بن زيد عن عبد الله بن عمر بن حفص عن عبد الله بن الحرث قال لما أخرت الجواسيس أرمانوسة بقصة يوقنا أنفذت كتابا إلى ابيها المقوقس تعلمه بذلك وإنها مغلوبة معهم وإن العرب متوجهون مع رجل يقال له عمرو بن العاص: وأنا منتظرة جوابك قال فلما وصل الكتاب إليه دعا أرباب دولته وقال لهم: قد تم من الأمر علي كذا وكذا فما تشيرون به علي قالوا: أيها الملك نرى لك من الأمر أن تنفذ جيشا إلى الملكة ينصرها على عدوها وتنفذ إلى جلباب ملك البرية تستنصر به على هؤلاء العرب وتنفذ إلى مازع بن قيس ملك البجاوة ينفذ لك جيشا وتنفذ إلى من بالاسكندرية يأتون والى من بالصعيد يأتون فإذا اجتمعت اليك هذه الأمم فالق بهم العرب ولا تأمن لهم فيطمعوا فيك فقال: يا أهل دين النصرانية اعلموا أن الملك محتاج إلى سياسة ومن ملك عقله ملك رأيه ومن ملك رأيه أمن من حوادث دهره وليست الغلبة بالكثرة وإنما هي بحسن التدبير والله لقد كان قيصر أكثر مني جندا وأوسع بلادا وأعظم عدة وقد جمع من بلاد الروم إلى اليونانية ومن اقاليمه ومن القسطنطينية ومن
стр. 380
سائر البلاد وبلاد الاندلس واستنصر بنا وبغيرنا فما أغنى عنه جمعه شيئا ولا قدر أن يرد القضاء والقدر عنه واعلموا أن العقل اساس الآدمي المخاطب المكلف المفضل به على سائر ما خلق على الأرض فمن ملك أمره ومن لم يجد منه حظا كان بجهله ارضيا ولن تنال الحكمة إلا بالعقل.
قال الحكيم ماسوسي: أن الحكمة مرقى جليل وطالبها نبيل وتاركها ذليل لانها غذاء الارواح وقوت القلوب واعلموا أني لست أتكلم إلا بالصدق وأنتم تعلمون أن محمدا في ايامه بعث الينا يدعونا إلى دينه فاستدليت على صدق قوله بكتابه وما ظهر من معجزاته وقد سمعتم أنه لما بعث ما سمع أحد بذكره إلا وخاف منه وقد سمعتم أن القمر انشق له والذراع المسموم كلمه وقال: يا رسول الله أني مسموم فلا تأكلني وقد كلمه الضب والحجر والشجر والمدر وعرج به إلى السماء وركب أوج الماء وأول من تغلب عليه قومه وحاربه عشيرته حين أنكروا قوله وفعله فنصر عليهم وقهرهم وقد تبين لهم الحق فاتبعوه ونصروه وهم هؤلاء الذين فتحوا الشام وما أنكرت من أمرهم شيئا فإنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون حدود الله التي أمر بها وما في كتابهم شيء إلا وفي الانجيل مثله وقد اضلكم بولس وأغواكم حين غر بكم وبدل شرعكم وسماكم باسم لا يليق بكم وكيف وقد عاد بكم من الطريق الواضح وأحل لكم جيمع ما حرم عليكم من قبل وهذا هو عين المحال وداعية العمى أن تتعدوا ما قال نبيكم وكيف نبغي لروح الله عيسى بن مريم أن يكلمكم بما لم يرسله الله اليكم ثم أن بولص قال لكم انه أحل لكم الخنزير وشرب الخمر وارتكاب المعاصي ما ظهر منها وما بظن فاطعتم أمره وصدقتم قوله وحاشا المسيح أن يفعل ذلك وما كان أحد من الانبياء إلا على ما جاء به محمد وهؤلاء الحكماء الأولون ما منهم إلا من يتكلم بوحدانية الله تعالى وهذا الحكيم دمونا الذي صنع في براري اخيم ارصادا وجعلها مثلا للامم الآتية وذكر فيها من يأتي من الامم والاجيال إلى آخر الزمان وصور الحكماء منفردة به والنسر يعقد رأس الحمل والنسر يقيم في كل برج ثلاثة آلاف سنة كما قدر بالمقدار الحكيمي وكأن قدر صور صورة وكتب على رأسها بقلم اليونانية أربعة اسطر الاول من خاف الوعيد سلم مما يريد الثاني من خاف ما بين يديه صان دموعه بما في يديه الثالث أن كنت تريد الجزيل فلا تنم ولا تقيل الرابع بادر قبل نزول ما تحاذر فمن كان هذا كلامهم فكيف صنع سواهم وهذه فريضة هؤلاء القوم المحمديين قال فأطرقوا برؤوسهم إلى الأرض غيظا على الملك قال: وما تلكم المقوقس بهذا الكلام حتى أوقف عنده من مماليكه الف غلام فوق رأسه بالسيف لانه كان قد سمع ما جرى لقيصر وهرقل مع بطارقته لما جمعهم ونصحهم فوثبوا عليه وارادوا قتله أما المقوقس فإنه استوثق بمماليكه حتى لا يطمع فيه قال فلما تكلم بذلك قال له وزيره: أيها الملك رأيك
стр. 381
راجح وأنا أول من يؤمن بما تقول فقال للوزير اكتب إلى ابنتي كتابا تأمرها فيه أن تتلطف بالقوم وتعطيهم الامان وتنفذهم الينا حتى نخلع عليهم وتطيب قلوبهم ويكونوا معنا يقاتلون من يريد قتالنا وما أراد بذلك إلا أن يسلم مثل يوقنا وأصحابه إذ هم على الحق قال فكتب الوزير إلى الملكة كتابا بما قاله أبوها فلما وصل الكتاب اليها وقرىء عليها أمرت أصحابها أن يرجعوا عن قتل يوقنا ومن معه فرجعوا وأرسلت إلى يوقنا تعلمه بكتاب أبيها وأرسلت إليه الكتاب فلما قرأه قال لرسولها امض اليها حتى استخبر الله تعالى في ذلك.
فقال يوقنا لاصحابه أن الله قد كشف حجاب الغفلة عن قلب هذا الملك وقد ظهر له ما ظهر لنا من الحق فما الذي ترون من الرأي قالوا: نحن نسمع من رأيك فقال دعوني هذه الليلة قال فلما جن عليه الليل قام يصلي وأمر أصحابه أن لا ينزلوا عن خيولهم مخافة من غدر القوم فبينما هو يصلي وإذا بشخص قد دخل عليه فارتاع منه ثم تأمله فإذا هو عمر بن أمية الضمري ساعي رسول الله ﷺ فلما رآه يوقنا فرح وكان قد رآه مرارا فقال له: مرحبا يا عمرو من أين فقال أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بعثني إلى عمرو بن العاص لأحثه على المسير إلى مصر فوجدته قد وصل وها هو منك قريب وقد أرسلني اليك لأعرفه خبرك فأخبره بما وقع له وقال له: امض يا عمرو ودعه يعجل بالمجيء يعيننا على هؤلاء القوم وحدثه بجميع ما جرى علينا فرجع عمرو مسرعا إلى عمرو بن العاص واعلمه بقصة يوقنا قال فترك عمرو بن العاص الاثقال ومعها من يحفظها وركب وسار بجرائد الخيل وترك مع الاثقال عامر بن ربيعة العامري فما كان قبل طلوع الفجر إلا وهو عند يوقنا فدار بالقوم فلما أحس بهم يوقنا كبر هو ومن معه ورفع الجميع أصواتهم بالتهليل والتكبير ووضعوا السيف في القبط فما طلعت الشمس إلا وقد قتل من القبط أكثر من ألف وأسر منهم خلق كثير وولى الباقي منهزمين وأخذت ارمانوسة ابنة الملك وجميع ما معها من الاموال والرجال والجواري والغلمان.
فقال عمرو بن العاص لاصحاب رسول الله ﷺ مثل يزيد بن أبي سفيان وهاشم بن سعيد الطائي والقعقاع بن عمرو التميمي وخالد بن سعيد وعبد الله بن جعفر الطيار وصفوان وأمثالهم أن الله قد قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] إلا الاحسان وهذا الملك قد علمتم أنه كاتب رسول الله ﷺ وبعث هدية ونحن أحق بمن كافأ عن نبيه ﷺ هديته وكان يقبل الهدية ويشكر عليها وقد رأيت أن ننفذ إلى المقوقس ابنته وما أخذنا معها ونحن نتبع سنة رسول الله ﷺ وقد سمعته يقول: "ارحموا عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر" فاستصوبوا رأيه فبعث بها مكرمة مع جميع ما معها مع قيس بن سعد ﵁.
стр. 382
ذكر فتح مدينة مصر
قال بن اسحق الاموي ﵁ لما ورد المهزمون على الملك وأخبروه بما تم عليهم وعلى ابنته ضاق صدره وبقي متفكرا فيما يصنع وليس له نية في القتال مع الصحابة فبينما هو متفكر إذ جاءه البشير بقدوم بنته وما معها فخف عنه بعض ما كان يجده فلما دخل عليه قيس رفع مجلسه فوق الملوك والحجاب وأرباب دولته وكانوا قد اجتمعوا يهنئونه بابنته فلما حضر قيس بن سعد ساله الملك عن أشياء لعل اصحابه أن تلين قلوبهم إلى الإسلام فقال: يا اخا العرب اخبرني عن صاحبكم ما الذي كان يركب من الخيل قال الاشقر الارتم المحجل في الساق وكان اسمه المترجل فقال لقد بلغنا أنه كان لا يركب إلا الجمال فقال قيس أن الله أكرم الابل وشرفها قال لها كوني فكانت وأخرج ناقة من الصخر وخص بها العرب من دون غيرهم من بني آدم وكان يركبها لكونها قد جعلها الله مباركة تقنع بما تجد وتصبر على الحمل الثقيل والسير الشديد وتصبر عن الماء اياما وقد ذكرها ربنا في قوله في كتابه العزيز فقال: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] .
ولما غزا رسول الله ﷺ من غزواته غزوة بدر كان معه مائة ناضح من الأبل وكان معه فرسان يركب أحدهما المقداد بن الاسود الكندي ويركب الاخر مصعب بن عمير وانا لقينا قريشا في عددها وعديدها فهربوا ببركة رسول الله ﷺ وكان اصحابه يتعاقبون في الطريق وكان ﵊ وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد حليف حمزة بن عبد المطلب وغيرهم يتعاقبون شامخا وكان أيها الملك يركب الحمار الذي أهديته إليه ويردف وراءه معاذ بن جبل وعلى الحمار ركاب من ليف وخطامه ليف واعلم يا ملك القبط أنه كان يخصف نعله ويرقع ثوبه ويقول: "من رغب عن سنتي فليس مني" وكان قميصه من القطن قصير الطول والكمين ليس له ازرار ولقد أهدى إليه ذويزن حلة اشتراها له قومه بثلاثة وثلاثين بعيرا فلبسها رسول الله ﷺ مرة واحدة وأهدى له جبة من الشام فلبسها حتى تخرقت وخفين فلبسهما حتى تخرقا وكان له رداء طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعات ونصف وكان له ثوب خز يلبسه للوفد إذا قدموا عليه وكان افصح الناس إذا تكلم بكلمة يرددها ثلاثا وكلما راى قوما سلم عليهم ورأيته كلما تحدث تبسم في حديثه وكان إذا اجتمع إليه اصحابه واراد أن ينهض قال سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا إله إلا انت استغفرك واتوب اليك قلنا يا رسول الله أن هذه الكلمات اتخذتهن عادة قال امرني بهن جبريل واخرجت لنا زوجته لما قبض كساء وازارا غليظين وقالت قبض رسول الله ﷺ فوق هذين.
стр. 383
فقال المقوقس هذه والله أخلاق الانبياء فطوبى لمن اتبعه فإن أمته هي الامة الموصوفة في الانجيل فقال بعض من حضر أيها الملك ما تكون أمة عند الله افضل من هذه الامة وهم نحن فغضب الملك من قوله وقال: وبأي شيء أنتم أفضل عند الله أبأكلكم الحرام وارتكابكم الآثام وصنعكم المنكرات وتجنبكم الحسنات وظلمكم في الرعية وميلكم إلى الدنيا أين أنتم من قوم عبر عليهم الاسكندر فرآهم ليس بينهم قاض ولا حاكم ولا أمير قائم عليهم ولا فيهم من يختص بالغنى دون أخيه بل هم سواء في كل ما هم فيه أكلهم وشربهم واحد غير متناف ولامتضاد وملبسهم غير متناف ولا متباعد فتعجب الاسكندر منهم وسأل الأكابر منهم عما رآه من أحوالهم فقالوا: أيها الملك انا وجدنا جمجمة وعليها مكتوب يا ابن آدم ما خلقت إلا من التراب وقد خلوت بما قدمت اما صالحا فيسرك واما طالحا فيضرك فتندم حيث لا ينفعك الندم ولم يكن لك إلى الدنيا مرجع فطوبى للكيس العاقل الذي ليس ببليد ولا غافل يتزود إلى ما إليه يصير ولا يلقي الاتكال على التقصير فبادر إلى الخير قبل الموت واغتنم حياتك قبل الفوت وكأنك بالحي وقد هلك وترك كل ما ملك فلما قرأنا هذا اعتبرنا أيها الملك بهذه الموعظة البالغة ولبسنا أثوابها السابغة فقال: ما بال مساجدكم شاسعة نائية وقبوركم دانية فقالوا: أما مساجدنا فبعيدة ليكثر الاجر بكثرة الخطا وقبورنا قريبة لنذكر الموت فننتهي عن الخطأ فقال مالي أرى أبوابكم بغير غلاق قالوا: لأننا ما فينا خائن ولا سرق فقال: ما لي لا أرى فيكم أميرا ولا حاكما فقالوا: لاننا ما فينا معتد ولا ظالم.
فقال: ما لي لا أرى فيكم معسرا ولا فقيرا قالوا: لأن رزق الله فينا الكبير والصغير ثم إنهم أخرجوا له جمجمتين عظيمتين فقالوا: أيها الملك هذه جمجمة رجل عادل سالم وهذه جمجمة رجل ظالم وكلاهما صار إلى هذا المصير ولم يغن عنهما الجمع والتدبير أما العادل فمسرور ريان وأما الظالم فنادم حيران فاز المتقي وخسر الشقي فاختر ما تراه قبل الحين أيها الملك لأنك قد ملكت النواصي ونفذ أمرك في الداني والقاصي واستخلفك الله في الأرض وأمرك بالقيام بالنفل والفرض فتذكر مرجعك ورمسك واعمل لنفسك واعلم أنه لا ينفعك جدك إذا قبضت روحك واشتمل عليك لحدك فاترك أوامر الشيطان ودواعيه وخذ بأوامر الرحمن ونواهيه ولا يغرنك النعيم فتبوء بالاثم العظيم اذكر أيها الملك ما فعل الشيطان بأبيك حين نصب له مكيدته وأدار عليه حيلته فنصب له فخ العداوة وغره فيه بحبة البر فقال قيس أيها الملك أتدري من أولئك قال: لا قال هم قوم مؤمنون قال الله عنهم في كتابه: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٨١] وقد رآهم نبينا ﷺ ليلة عرج به فلما عاد أخبر أصحابه بهم قالوا: يا رسول الله أهم قوم مؤمنون بما أنزل عليك فأراد أن.
стр. 384
يعلمهم أن أمة محمد أفضل منهم فأنزل الله: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:١٨١] فقال المقوقس لقيس بن سعد يا أخا العرب ارجع إلى أصحابك وأخبرهم بما سمعت وبما رايت وانظر فيما يستقر عندكم وبينكم فقال قيس أيها الملك لا بد لنا منكم ولا ينجيكم منا إلا الإسلام أو أداء الجزية أو القتال فقال المقوقس أنا اعرض ذلك عليهم واعلم أنهم لا يجيبون لأن قلوبهم قاسية من أكل الحرام.
حدثنا ابن اسحق ﵁ حدثنا عبد الله بن سهل عن عدى بن حاطب عن سليمان ابن يحيى قال أن الملك المقوقس كان من عادته أنه في شهر رمضان لا يخرج إلى رعيته ولا يظهر لأحد من أرباب دولته ولا أحد منهم يعلم ما كان يصنع وكانت مخاطبته لقيس بن سعد في أواخر شعبان سنة عشرين من الهجرة فخرج قيس من عنده ومضى إلى عمرو بن العاص وحدثه بما كان منه قال ابن اسحق: وكان ولي عهد الملك ولده اسطوليس وكان جبارا عنيدا وإنه لما سمع ما تحدث به أبوه رأى ميله إلى الإسلام وعلم انه لا يقاتلهم وربما أسلم وسلم إليهم ملكه صبر إلى أن دخل أبوه إلى خلوته التي اعتاد أن يدخلها ويختلي فيها كل سنة فجمع أرباب الدولة في الخفية لئلا يدري به أحد فيعلم أباه وقال لهم: اعلموا أنكم قد ملكتم هذا الملك وإن أبي يريد أن يسلمه إلى العرب لانني فهمت من كلامه ذلك فقالوا: أيها الملك أنت تعلم أن هذا الأمر مرجعه اليك وأنت ولي عهده فاعمل أمرا يعود صلاحه عليك وعلينا قال فطلب صاحب شراب ابيه وأعطاه ألف دينار ووعده بكل جميل وأعطاه سما وقال له: ضعه في شرابه قال ففعل الساقي ما أمر به وسقي الملك فمات فأتى الساقي إلى أرسطوليس وأعلمه أن أباه قد مات فذهب إليه ودفنه في الخفية وقتل الساقي وجلس على سرير الملك كأنه نائب عن أبيه إذا غاب كعادته في كل عام ولم يعلم أحد بموته هذا ما كان منه وأما عمرو بن العاص فإنه ارتحل من بلبيس ونزل على قليوب وبعث إلى أهل البلاد والقرى وطيب خواطرهم وقال لهم: لا يرحل أحد من بلده ونحن نقنع بما توصلونه الينا من الطعام والعلوفة فاجابوا إلى ذلك وارتحل من قليوب ونزل على بحر الحصى فارتجت بنزولهم اليها ووقع التشويش فيهم وعلا الضجيج وأغلقوا الدروب والدكاكين ووقف أهل كل درب على دربهم بالسلاح ليحموا حريمهم قال: وأما عمرو بن العاص فإنه أمر أهل اليمن ومن معه من العربان أن يحدقوا بالبلد وإن أهل البلاد أقبلت إليهم بالعلوفة والطعام والخيرات وهم يردون عليهم من كل فج.
ثم أن عمرو أراد أن يرسل إلى صاحب مصر رسولا وكان عنده غلام له من أهل الرملة وكان اسمه وردان وكان يعرف سائر الألسن فقال له عمرو: يا وردان إني اريد أن أرسلك إلى هؤلاء القبط فإنك تعرف بلسانهم ولا تظهر لهم إنك تعرفه فقال: سمعا.
стр. 385
وطاعة فقال اريد أن أكتب معك كتابا وهم أن يكتب وإذا برسول أرسطوليس قد أقبل وقال: يا معاشر العرب أن ولي عهد الملك يريد منكم أن تبعثوا له رجلا منكم ليخاطبه بما في نفسه فلعل الله أن يصلح ذات بينكم فقال عمرو ليزيد بن أبي سفيان ولهاشم الطائي ولعبد الله بن جعفر الطيار وللنعمان بن المنذر ولسعيد بن وائل اعلموا أني قد ضربت على ملوك الروم ولست أرى من يتكلم مثلي وما يسير إلى هؤلاء إلا أنا فإني اريد أن ارد القوم وأنظر حالهم وما هم فيه من القوة وإن لا يخفى علي شيء من أمرهم فقالوا: يا صاحب رسول الله ﷺ قوى الله عزمك وما عندنا إلا النصيحة للدين والنظر في مصالح المسلمين فافعل ما أردت تعان فقال لشرحبيل قد قلدتك أمور المسلمين فكن مكاني حتى أمضي إلى القوم وآتيكم بما فيه فقال له شرحبيل: الله يوفقك ويسددك.
قال فلبس عمرو ثوبا من كرابيس الشام وتحته جبة صوف وتقلد بسيفه وركب جواده وسار ومعه غلامه وردان وسار الثلاثة إلى قصر الشمع وإذا هم بالمواكب مصطفة والعساكر واقفة وهم بالدروع والجواشن والعدد وقد أظهروا ما أمكنهم من القوة فلما وصلوا إلى قصر الملك أخبروا ارسطوليس أن رسولك أتى بواحد من العرب فأمرهم باحضاره فدخل عمرو راكبا وهو متقلد بسيفه فاراد الحجاب أن ينزلوه عن جواده فابى وإن يأخذوا سيفه فأبى وقال: ما كنت بالذي أنزل عن حصاني ولا أسلم سيفي فإن أذن صاحبكم أن أدخل على حالتي والا رجعت من حيث أتيت فاننا قوم قد اعزنا الله بالإيمان ونصرنا بالإسلام فما لنا أن ننزل لأهل الشرك والطغيان وأنتم طلبتمونا ونحن لم نطلبكم فأعلموا الملك بما قاله فقال أرسطوليس دعوه يدخل كيف شاء فخرجوا إليه وقالوا له: ادخل كيف اردت فدخل عمرو وهو راكب حتى وصل إلى قبة الملك ورأى السريرية والحجاب وقوفا والبطارقة وهم في زينة عظيمة فلما رأى عمرو ذلك تبسم وقرأ: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦] قال: وكان قصر الملك قد بناه الريان بن الوليد بن أرسلاووس وهو الذي استخلف يوسف على مصر بعد العزيز ثم خرب وأقام خرابا خمسمائة سنة وما بقي إلا اثره فلما بعث عيسى وانتشرت دعوته ورفعه الله إليه وافترقت أمته فرقا وادعوا فيه ما ادعوا من الالهية وتقول الكذب ولي مصر رجاليس بن مقراطيس فبنى ذلك القصر الخراب وهو في وسط قصر الشمع وإنما سمي قصر الشمع لانه لا يخلو من شمع الملوك فلما بناه أحضر الحكماء الذين كانوا قد بنوا في برية الحميم وكان المقدم عليهم قربانس فقال لهم: إني قد قرأت كثيرا من الكتب التي أنزلت على الانبياء من الله وقرأت صحف موسى ورايت أن الله يبعث نبيا قوله حق ودينه صدق واخلاقه طاهرة وشريعته ظاهرة وقد بشر به المسيح فما تقولون فيه فقال قربانس الحكيم أن الذي قرأته هو الصحيح قال فثم من يخالف ذلك.
стр. 386
قالوا: نعم قال الحكيم أريد أن أصنع تمثالا من الحكمة ونجعله بيتا للعبادة ونجعل على هيكلها تماثيل يكون وجوهها مما يلي التمثال باعلى قصرك فإذا جاء وقت مبعث هذا النبي يحول كل تمثال وجهه عن صاحبه وأما الذي يجعل على الكنيسة فإنه عند مبعث النبي العربي يقع على وجهه ويكون موضع عبادة القوم واقامة شرعهم قال فأخذوا في عمل الحكمة واقاموا التماثيل على ما ذكرنا فلما بعث النبي ﷺ حول كل شخص وجهه عن صاحبه وسقط الذي كان على سطح الكنيسة وهو الجامع اليوم وأما التمثال العالي فبقي على حاله بأعلى القصر فلما دخل عمرو بجواده سمعوا من التمثال صوتا عظيما ثم إنه سقط على وجهه فارتاع له الملك وأرباب دولته وصكوا وجوههم ودخل الرعب في قلوبهم وقالوا بلسانهم: ما وقع هذا التماثل إلا عند دخول هذا العربي وما جرى هذا إلا لأمر عظيم ولا شك أنه هو الذي يقلع دولتنا ويأخذ ملكنا فأمروا عمرا أن ينزل عن جواده فنزل وترجل وجلس حيث انتهى به المجلس وأمسك عنان جواده بيده ويده اليسرى على مقبض سيفه ونظر إلى زينتهم وزخرفة قصرهم فقرأ.
: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣, ٣٥] ثم قال اعلموا أن الدينا دار زوال وفناء والآخرة هي دار البقاء أما سمعتم ما كان من نبيكم عيسى وزهده وورعه كان لباسه الشعر ووساده الحجر وسراجه القمر وقد قال نبينا ﷺ : "إن الله اوحى إلى عيسى أن نح على نفسك في الفلوات وعاتبها في الفلوات وسارع إلى الصلوات واستعمل الحسنات وتجنب السيئات وابك على نفسك بكاء من ودع الأهل والاولاد وأصبح وحيدا في البلاد وكن يقظان إذا نامت العيون خوفا من الأمر الذي لا بد أن يكون" فإذا كان روح الله وكلمته خوف بهذا التخويف فكيف يكون المكلف الضعيف وأول من تكلم في المهد قال إني عبد الله فإذا كان أقر لله بالعبودية فلم تنسبون إليه الربوبية تعالى الله ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ولا أشرك في حكمه أحدا جل عن الصاحبة والاولاد والشركاء والاضداد لا صاحبه له ولا ولد ولا شريك له ولا وزير ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انتهاء ولا يحويه مكان ليس بجسم فيمس ولا بجوهر فيحس لا يوصف بالسكون والحركات ولا بالحلول والكيفيات ولا تحتوي عليه الكميات ولا المنافع ولا المضرات ثم إنه قرأ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: ٩٣, ٩٥] فقال له الوزير: أصح عندكم معاشر العرب أن المسيح تكلم في المهد قال: نعم قالوا له: فهذه فضيلة قد انفرد بها عن جميع الأنبياء فقال عمرو قد تكلم في المهد أطفال منهم صاحب يوسف وصاحب جريج وصاحب الأخدود وغيرهم.
стр. 387
فقالوا: يا عربي أتكلم نبيكم بغير العربية قال: لا قال الله في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [ابراهيم: ٤] قالوا: أبعث الله منكم أنبياء غير نبيكم قال: نعم قالوا: من قال صالح وشعيب ولوط وهود قال فلما سمعوا كلام عمرو وفصاحته وجوابه الحاضر قالوا بالقبطية للملك: أن هذا العربي فصيح اللسان جريء الجنان ولا شك أنه المقدم على قومه وصاحب الجيش فلو قبضت عليه لانهزم أصحابه عنا قال: وغلام عمرو وردان يسمع ذلك فقال الملك انه لا يجوز لنا أن نغدر برسول لا سيما ونحن استدعيناه الينا فقال وردان بلسان آخر: ما قالوه ففهم عمرو كلامه.
ثم أن الملك قال: يا أخا العرب ما الذي تريدون منا وما قصدنا أحد إلا ورجع بالخيبة وانا قد كاتبنا النوبة والبجاوة وكأنكم بهم قد وصلوا الينا فقال عمرو اننا لا نخاف من كثرة الجيوش والأمم وإن الله قد وعدنا النصر وإن يورثنا الأرض ونحن ندعوكم إلى خصلة من ثلاث اما الإسلام واما الجزية واما القتال فقالوا: انا لا نبرم أمرا إلا بمشورة الملك المقوقس وقد دخل خلوته ولكن يا أخا العرب ما نظن أن في اصحابك من هو أقوى منك جنانا ولا افصح منك لسانا فقال عمرو أنا ألكن لسانا ممن في صحابي ومنهم من لو تكلم لعلمت أني أقاس به فقال الملك هذا من المحال أن يكون فيهم مثلك فقال أن أحب الملك أن آتيه بعشرة منهم من يسمع خطابهم فقال الملك ارسل فاطلبهم فقال عمرو لا يأتون برسالة وإنما أن أراد الملك مضيت وأتيت بهم فقال الملك لوزرائه إذا حضروا قبضنا عليهم والأحد عشر أحسن من الواحد ووردان يفهم ذلك ثم أن الملك قال لعمرو امض ولا تبطىء علي فوثب عمرو قائما وركب جواده فقال الملك بالقبطية لاقتلنهم أجمعين فلما خرج من مصر قال له وردان: ما قاله الملك فلما وصل إلى الجيش أقبلت الصحابة وسلموا عليه وهم يقولون والله يا عمرو لقد ساءت بك الظنون فأقبل يحدثهم بما وقع له معهم وبما قالوه وبما قاله وردان فحمدوا الله على سلامته وكان أقبل الليل فلما أصبح صلى عمرو بالناس صلاة الفجر وأمرهم بالتأهب للقتال وإذا برسول الملك قد أقبل وقال له: أن الملك ينتظرك أنت والعشرة فقال عمرو أن الغدر يهلك أصحابه وأهله وإن على الباغي تدور الدوائر يا ويلكم ينفذ صاحبكم يطلب منا رسولا فلما أتيته أراد أن يقض علي وقال كذا وكذا فأنت يا ويلك ما الذي يمنعني عنك إذا أردت قتلك ولسنا نحن ممن يخون ويغدر ارجع إليه وقل له إني فهمت ما قاله وما بقي بيننا وبينه إلا الحرب قال ابن اسحق: ﵀ ورضي عنه هكذا وقع له مع القبط وكان عمرو إذا ذكر ذلك يقول لا والذي نجاني من القبط قال: وعاد الرسول وأخبر الملك بما قاله عمرو فعند ذلك قال أريد أن أدبر حيلة أدهمهم بها فقال الوزير اعلم أيها الملك أن القوم.
стр. 388
متيقظون لأنفسهم لا يكاد أحد أن يصل إليهم بحيلة ولكن بلغني أن القوم لهم يوم في الجمعة يعظمونه كتعظيمنا يوم الاحد وهو عندهم يوم عظيم وأرى لهم من الرأي أن تكمن لهم كمينا مما يلي الجبل المقطم فإذا دخلوا في صلاتهم يأتي إليهم الكمين ويضع فيهم السيف قال فأجابه الملك إلى ذلك وأقاموا ينتظرون ليلة الجمعة قال: وأما عمرو فإنه ارسل يوقنا إلى القرى التي صالحوها ليأتيه منها بما يأكلونه ويعلفون به خيلهم قال فركب يوقنا إلى القرى التي صالحوها وسار في عسكره وبني عمه إلى ما يأتي به ومضى نحو الجرف وكان معهم جواسيس الملك في عسكرهم فاتوا إلى الملك وأخبروه بما جرى من المسلمين فعندها دعا بابن عمه ماسيوس وهو المقدم على جيوش مصر وقال له: اختر من جيوشنا أربعة آلاف وأمض بهم وأكمن وراء عسكر المسلمين من جهة الجبل وإياك أن يظهر عليكم أحد وليكن لكم ديدبان فإذا دخل القوم في صلاتهم فاحملوا عليهم وضعوا فيهم السيف قال ففعل ماسيوس ما أمره به الملك ومضى في الليل من نحو مغارة السودان ولم يعلم بهم أحد فلما كان وقت صلاة الجمعة أتاهم الديدبان وأعلمهم أنهم دخلوا في الصلاة وكانوا قد أخذوا بغالا ودواب وحملوها برا وشعيرا وكان قد قال لهم: إذا أردتم أن تحملوا عليهم فقدموا الحمول أمامكم فإنهم يأمنون ويحسبون أنها هي التي مضى صاحبهم يأتي بها قال ففعلوا ذلك.
حدثنا ابن اسحق حدثنا عمارة بن وهب عن سعيد بن عامر سليمان بن ناقد عن عروة عن جابر عن محمد بن اسحق قال هكذا دبر عليهم القبط وكان بين القوم وبينهم نصف ميل وليس عند المسلمين خبر ما صنع المشركون وكان سعيد بن نوفل العدوي يقول لعمرو أيها الأمير ما الذي يمسكنا عن قتال هؤلاء القبط فيقول والله ما تأخري جزع وإنما قد علمتم قصد هذا الملك المقوقس وما عليه من الدين والعقل وهو مقر بنبوة نبينا وقد دخل إلى خلوته التي سنها لنفسه في هذا الشهر المعظم وقد بقي منه خمسة أيام ويظهر ونبعث إليه رسولا ونرى ما يكون جوابه فإما الصلح واما القتال قال فبينما هم يتحادثون في ذلك إذ أتاهم رسول من عند أرسطوليس بن المقوقس وقال لهم: معاشر العرب أن ولي عهد الملك يسلم عليكم ويقول لكم أني لا أقدر أن أحدث أمرا حتى يخرج الملك من خلوته وقد بقي له خمسة ايام وهو يدبر في رعيته بما يشاء فقال له عمرو: قد علمنا ذلك ولولا الملك وما نعلم منه أنه يحب نبينا وإنه مؤمن به ما أمهلناكم طرفة عين فمضى الرسول قال ابن اسحق: وما بعث هذا اللعين هذا الرسول إلا ليطمئن المسلمون وليقضي الله أمرا كان مفعولا وإذا جاء القدر لا ينفع الحذر وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه.
стр. 389
قال الراوي: فكان المسلمون قد أطمأنت قلوبهم بذلك الخبر وقربت الصلاة فقام عمرو وخطبهم خطبة بليغة حذر فيها وأنذر فلما فرغ اقيمت الصلاة وأقاموا موإليهم يرقبون مخافة العدو أن يكبسهم في صلاتهم قال صابر بن قيس ونحن لا نرى أحدا من أهل مصر لا فارسا ولا راجلا قال فاصطففنا خلف عمرو للصلاة وليس بينا لنا عدو نخافه فلما أحرمنا وقرأ عمرو ركعنا وأومأنا للسجود إذ أشرفت الدواب والبغال وعلى ظهورها الأحمال والعسكر من ورائها وهم أهل الكمين الذي أكمنه أعداء الله وهم على عدد أصحابنا الذين مع يوقنا فلما رآهم موالينا ظنوا أنهم اصحابنا وقد أقبلوا بالعلوفة فرفعوا أصواتهم بالفرح وقالوا: جاء يوقنا وأصحابه ولم يكلمهم العدو حتى أتونا ونحن في الصلاة ووضعوا السيف فينا ونحن ساجدون السجدة الأخيرة ونحن بين يدي الله تعالى قال: وإذا بالسيوف تقرقع في لحومهم وما أحد منهم قام من سجوده وكان القتل في آخر صف من المصلين والصف الذي يليه وهم من اليمين ومن بجيلة ومن وادي القرى ومن الطائف ومن وادي نخلة ثم قال ابن عتبة وكنت قد شهدت وقائع الشام وحضرموت واليرموك فوالله ما قتل منا في وقعة من الوقائع مثل ما قتل منا يوم بحر الحصى في أرض مصر بالحيلة التي دبرها عدو الله علينا وقال: والله ما منا من انحرف عن صلاته ولا حول وجهه عن ربه وقد أيقنا بالهلاك عن آخرنا حتى أشرف علينا يوقنا باصحابه فلما نظروا ما حل بالمسلمين صاحوا ورموا ما على رؤوسهم من العمائم وقال يوقنا لبني عمه والله من قصر منكم عن عدوه فالله يطالبه به يوم القيامة وما أرى إلا أن الاعداء قد غدروا وكبسوا المسلمين فدوروا من حولهم وضعوا السيوف فيهم واحذروا أن ينفلت منهم أحدا فحملوا وأطبقوا على القبط فدفعوهم عن أصحاب رسول الله ﷺ ولم يزل القتال بينهم حتى فرغ عمرو من الصلاة ومن معه وثاروا ثوران الاسد وركب عمرو ومعاذ وسعيد بن زيد وجميع الصحابة وحملوا في العدو وطحنوهم طحنا قال جابر بن أوس وحلنا بينهم وبين الوصول إلى مصر فوالله ما نجا منهم أحدا وبقوا كأنهم طيور وقعت عليهم شبكة صياد فلما وضعت الحرب أوزارها هنأ المسلمون بعضهم بعضا بالسلامة وشكروا الله على ما أولاهم من نصره واثنوا على يوقنا خبرا وافتقدوا قتلاهم فكانوا أربعمائة وستة وثلاثين قد ختم الله لهم بالشهادة قال: واتصل الخبر إلى أرسطوليس بقتل ابن عمه ومن معه وانهم لم ينج منهم أحد فصعب عليه ذلك وأيقن بهلاكه فدعا ببطارقته وأرباب دولته وشاورهم في أمره فقالوا: أيها الملك أنت تعلم بأن الدنيا ما دامت لأحد ممن كان قبلك حتى تدوم لك وما زالت الملوك تنكسر وتعود وما أنت بأكثر ممن انهزم من ملوك الأرض وقد سمعنا أن داونوس بن اردين بن هرمز بن كنعان بن يزحور الفارسي هزمه الاسكندر الرومي سبعين مرة فاخرج إلى لقاء القوم واضرب معهم مصاف ولا تيأس وهؤلاء القسوس والرهبان والشمامسة والمطران والبترك.
стр. 390
يدعون لك بالنصر قال فعول على لقاء المسلمين وفتح خزائن أبيه وأنفق على الجند وأعطاهم السلاح وطلب شباب مصر وأمرهم بالخروج وبعث يستنجد بملك النوبة وملك البجاوة وأقام مدة ينتظر قدومهم.
قال: حدثنا محمد بن اسحق القرشي عن عقبة بن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه قال لما كان من أمر المسلمين ما ذكرنا مما قد قدره الله عليهم من كبسة عدوهم كتب بذلك عمرو بن العاص الىعمر بن الخطاب ﵁ بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو ابن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سلام عليك وإني أحمدج الله اليك وأصلي على نبيه أما بعد فقد وصلت إلى مصر سالما وجرى لنا على بلدة بلبيس مع ابنة المقوقس كذا وكذا ونصرنا الله عليهم ورحلنا إلى بحر الحصى وقد كنا صالحنا قوما من أهل قرى بلاد مصر ببلاد يقال لها الجرف حتى يعينونا بالعلوفة والميرة ويجلبوا الينا الطعام وإني أرسلت عبد الله يوقنا ليشتري لنا منهم طعاما ومضى في خيله وسرت بنفسي رسولا إلى مخاطبة القوم فهموا بالقبض علي ونجاني الله منهم وانهم أكمنوا لنا كمينا من الليل واشغلونا برسول والكمين كان من الليل فلما استوت صفوفنا للصلاة كبسوا علينا ونحن في الصلاة فلم نشعر حتى بذلوا فينا السيف وقتلوا منا اربعمائة وستة وثلاثين رجلا والاعيان منهم ستون ختم الله لهم بالشهادة ونحن الآن في بحر متلاطم أمواجه من كثرة القوم والعساكر فانجدنا يا أمير المؤمنين وأدركنا بعسكر ليعيننا على عدونا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وختم الكتاب واعطاه عبد الله بن قرط فسار من ساعته وجد في السير إلى أن وصل المدينة فقدمها في العشر الاوسط من شوال سنة اثنين وعشرين من الهجرة فأناخ مطيته بباب المسجد ودخل فرأى عمر بن الخطاب عند قبر رسول الله ﷺ قال ابن قرط فدفعت الكتاب إليه فنظر الي وقال عبد الله قلت نعم قال من أين أتيت قلت من مصر من عند عمرو بن العاص قال مرحبا بك يا ابن قرط ثم فك الكتاب وقرأه وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قال من ترك الحزم وراء ظهره تباعدت عنه فسيحات الخطأ ووالله ما علمت عميرا إلا حازم الرأي مليح التدبير ضابط الأمر حسن السياسة ولكن إذا نزل القضاء عمي البصر ثم إنه كتب كتابا إلى أبي عبيدة وذكر له ما جرى لعمرو بن العاص بمصر وأمره أن ينفذ إليه جيشا عرمرما وانفذ الكتاب مع سالم مولى أبي عبيدة قال عبد الله بن قرط فاقمت في المدينة يومين واستأذنته في المسير فزودني من بيت المال وكتب الىعمرو يقول بسم الله الرحمن الرحيم من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص أما بعد فإني أحمد لاله الذي لا إله إلا هو وأصلي وأسلم على سيدنا محمد ﷺ وقد بلغني ما جرى لكم بمصر من غدر عدوكم كما سبق في أم الكتاب وكان يجب عليك يا بن العاص أن لا تطمئن إلى عدوك ولا تسمع منه حيلة وما كنت أعرفك إلا حسن الرأي والتدبير.
следующие страницы →