Полный текст (652 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قالوا: نعم قال الحكيم أريد أن أصنع تمثالا من الحكمة ونجعله بيتا للعبادة ونجعل على هيكلها تماثيل يكون وجوهها مما يلي التمثال باعلى قصرك فإذا جاء وقت مبعث هذا النبي يحول كل تمثال وجهه عن صاحبه وأما الذي يجعل على الكنيسة فإنه عند مبعث النبي العربي يقع على وجهه ويكون موضع عبادة القوم واقامة شرعهم قال فأخذوا في عمل الحكمة واقاموا التماثيل على ما ذكرنا فلما بعث النبي ﷺ حول كل شخص وجهه عن صاحبه وسقط الذي كان على سطح الكنيسة وهو الجامع اليوم وأما التمثال العالي فبقي على حاله بأعلى القصر فلما دخل عمرو بجواده سمعوا من التمثال صوتا عظيما ثم إنه سقط على وجهه فارتاع له الملك وأرباب دولته وصكوا وجوههم ودخل الرعب في قلوبهم وقالوا بلسانهم: ما وقع هذا التماثل إلا عند دخول هذا العربي وما جرى هذا إلا لأمر عظيم ولا شك أنه هو الذي يقلع دولتنا ويأخذ ملكنا فأمروا عمرا أن ينزل عن جواده فنزل وترجل وجلس حيث انتهى به المجلس وأمسك عنان جواده بيده ويده اليسرى على مقبض سيفه ونظر إلى زينتهم وزخرفة قصرهم فقرأ.
: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣, ٣٥] ثم قال اعلموا أن الدينا دار زوال وفناء والآخرة هي دار البقاء أما سمعتم ما كان من نبيكم عيسى وزهده وورعه كان لباسه الشعر ووساده الحجر وسراجه القمر وقد قال نبينا ﷺ : "إن الله اوحى إلى عيسى أن نح على نفسك في الفلوات وعاتبها في الفلوات وسارع إلى الصلوات واستعمل الحسنات وتجنب السيئات وابك على نفسك بكاء من ودع الأهل والاولاد وأصبح وحيدا في البلاد وكن يقظان إذا نامت العيون خوفا من الأمر الذي لا بد أن يكون" فإذا كان روح الله وكلمته خوف بهذا التخويف فكيف يكون المكلف الضعيف وأول من تكلم في المهد قال إني عبد الله فإذا كان أقر لله بالعبودية فلم تنسبون إليه الربوبية تعالى الله ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ولا أشرك في حكمه أحدا جل عن الصاحبة والاولاد والشركاء والاضداد لا صاحبه له ولا ولد ولا شريك له ولا وزير ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انتهاء ولا يحويه مكان ليس بجسم فيمس ولا بجوهر فيحس لا يوصف بالسكون والحركات ولا بالحلول والكيفيات ولا تحتوي عليه الكميات ولا المنافع ولا المضرات ثم إنه قرأ: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً، لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً، وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ [مريم: ٩٣, ٩٥] فقال له الوزير: أصح عندكم معاشر العرب أن المسيح تكلم في المهد قال: نعم قالوا له: فهذه فضيلة قد انفرد بها عن جميع الأنبياء فقال عمرو قد تكلم في المهد أطفال منهم صاحب يوسف وصاحب جريج وصاحب الأخدود وغيرهم.
стр. 387
فقالوا: يا عربي أتكلم نبيكم بغير العربية قال: لا قال الله في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [ابراهيم: ٤] قالوا: أبعث الله منكم أنبياء غير نبيكم قال: نعم قالوا: من قال صالح وشعيب ولوط وهود قال فلما سمعوا كلام عمرو وفصاحته وجوابه الحاضر قالوا بالقبطية للملك: أن هذا العربي فصيح اللسان جريء الجنان ولا شك أنه المقدم على قومه وصاحب الجيش فلو قبضت عليه لانهزم أصحابه عنا قال: وغلام عمرو وردان يسمع ذلك فقال الملك انه لا يجوز لنا أن نغدر برسول لا سيما ونحن استدعيناه الينا فقال وردان بلسان آخر: ما قالوه ففهم عمرو كلامه.
ثم أن الملك قال: يا أخا العرب ما الذي تريدون منا وما قصدنا أحد إلا ورجع بالخيبة وانا قد كاتبنا النوبة والبجاوة وكأنكم بهم قد وصلوا الينا فقال عمرو اننا لا نخاف من كثرة الجيوش والأمم وإن الله قد وعدنا النصر وإن يورثنا الأرض ونحن ندعوكم إلى خصلة من ثلاث اما الإسلام واما الجزية واما القتال فقالوا: انا لا نبرم أمرا إلا بمشورة الملك المقوقس وقد دخل خلوته ولكن يا أخا العرب ما نظن أن في اصحابك من هو أقوى منك جنانا ولا افصح منك لسانا فقال عمرو أنا ألكن لسانا ممن في صحابي ومنهم من لو تكلم لعلمت أني أقاس به فقال الملك هذا من المحال أن يكون فيهم مثلك فقال أن أحب الملك أن آتيه بعشرة منهم من يسمع خطابهم فقال الملك ارسل فاطلبهم فقال عمرو لا يأتون برسالة وإنما أن أراد الملك مضيت وأتيت بهم فقال الملك لوزرائه إذا حضروا قبضنا عليهم والأحد عشر أحسن من الواحد ووردان يفهم ذلك ثم أن الملك قال لعمرو امض ولا تبطىء علي فوثب عمرو قائما وركب جواده فقال الملك بالقبطية لاقتلنهم أجمعين فلما خرج من مصر قال له وردان: ما قاله الملك فلما وصل إلى الجيش أقبلت الصحابة وسلموا عليه وهم يقولون والله يا عمرو لقد ساءت بك الظنون فأقبل يحدثهم بما وقع له معهم وبما قالوه وبما قاله وردان فحمدوا الله على سلامته وكان أقبل الليل فلما أصبح صلى عمرو بالناس صلاة الفجر وأمرهم بالتأهب للقتال وإذا برسول الملك قد أقبل وقال له: أن الملك ينتظرك أنت والعشرة فقال عمرو أن الغدر يهلك أصحابه وأهله وإن على الباغي تدور الدوائر يا ويلكم ينفذ صاحبكم يطلب منا رسولا فلما أتيته أراد أن يقض علي وقال كذا وكذا فأنت يا ويلك ما الذي يمنعني عنك إذا أردت قتلك ولسنا نحن ممن يخون ويغدر ارجع إليه وقل له إني فهمت ما قاله وما بقي بيننا وبينه إلا الحرب قال ابن اسحق: ﵀ ورضي عنه هكذا وقع له مع القبط وكان عمرو إذا ذكر ذلك يقول لا والذي نجاني من القبط قال: وعاد الرسول وأخبر الملك بما قاله عمرو فعند ذلك قال أريد أن أدبر حيلة أدهمهم بها فقال الوزير اعلم أيها الملك أن القوم.
стр. 388
متيقظون لأنفسهم لا يكاد أحد أن يصل إليهم بحيلة ولكن بلغني أن القوم لهم يوم في الجمعة يعظمونه كتعظيمنا يوم الاحد وهو عندهم يوم عظيم وأرى لهم من الرأي أن تكمن لهم كمينا مما يلي الجبل المقطم فإذا دخلوا في صلاتهم يأتي إليهم الكمين ويضع فيهم السيف قال فأجابه الملك إلى ذلك وأقاموا ينتظرون ليلة الجمعة قال: وأما عمرو فإنه ارسل يوقنا إلى القرى التي صالحوها ليأتيه منها بما يأكلونه ويعلفون به خيلهم قال فركب يوقنا إلى القرى التي صالحوها وسار في عسكره وبني عمه إلى ما يأتي به ومضى نحو الجرف وكان معهم جواسيس الملك في عسكرهم فاتوا إلى الملك وأخبروه بما جرى من المسلمين فعندها دعا بابن عمه ماسيوس وهو المقدم على جيوش مصر وقال له: اختر من جيوشنا أربعة آلاف وأمض بهم وأكمن وراء عسكر المسلمين من جهة الجبل وإياك أن يظهر عليكم أحد وليكن لكم ديدبان فإذا دخل القوم في صلاتهم فاحملوا عليهم وضعوا فيهم السيف قال ففعل ماسيوس ما أمره به الملك ومضى في الليل من نحو مغارة السودان ولم يعلم بهم أحد فلما كان وقت صلاة الجمعة أتاهم الديدبان وأعلمهم أنهم دخلوا في الصلاة وكانوا قد أخذوا بغالا ودواب وحملوها برا وشعيرا وكان قد قال لهم: إذا أردتم أن تحملوا عليهم فقدموا الحمول أمامكم فإنهم يأمنون ويحسبون أنها هي التي مضى صاحبهم يأتي بها قال ففعلوا ذلك.
حدثنا ابن اسحق حدثنا عمارة بن وهب عن سعيد بن عامر سليمان بن ناقد عن عروة عن جابر عن محمد بن اسحق قال هكذا دبر عليهم القبط وكان بين القوم وبينهم نصف ميل وليس عند المسلمين خبر ما صنع المشركون وكان سعيد بن نوفل العدوي يقول لعمرو أيها الأمير ما الذي يمسكنا عن قتال هؤلاء القبط فيقول والله ما تأخري جزع وإنما قد علمتم قصد هذا الملك المقوقس وما عليه من الدين والعقل وهو مقر بنبوة نبينا وقد دخل إلى خلوته التي سنها لنفسه في هذا الشهر المعظم وقد بقي منه خمسة أيام ويظهر ونبعث إليه رسولا ونرى ما يكون جوابه فإما الصلح واما القتال قال فبينما هم يتحادثون في ذلك إذ أتاهم رسول من عند أرسطوليس بن المقوقس وقال لهم: معاشر العرب أن ولي عهد الملك يسلم عليكم ويقول لكم أني لا أقدر أن أحدث أمرا حتى يخرج الملك من خلوته وقد بقي له خمسة ايام وهو يدبر في رعيته بما يشاء فقال له عمرو: قد علمنا ذلك ولولا الملك وما نعلم منه أنه يحب نبينا وإنه مؤمن به ما أمهلناكم طرفة عين فمضى الرسول قال ابن اسحق: وما بعث هذا اللعين هذا الرسول إلا ليطمئن المسلمون وليقضي الله أمرا كان مفعولا وإذا جاء القدر لا ينفع الحذر وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه.
стр. 389
قال الراوي: فكان المسلمون قد أطمأنت قلوبهم بذلك الخبر وقربت الصلاة فقام عمرو وخطبهم خطبة بليغة حذر فيها وأنذر فلما فرغ اقيمت الصلاة وأقاموا موإليهم يرقبون مخافة العدو أن يكبسهم في صلاتهم قال صابر بن قيس ونحن لا نرى أحدا من أهل مصر لا فارسا ولا راجلا قال فاصطففنا خلف عمرو للصلاة وليس بينا لنا عدو نخافه فلما أحرمنا وقرأ عمرو ركعنا وأومأنا للسجود إذ أشرفت الدواب والبغال وعلى ظهورها الأحمال والعسكر من ورائها وهم أهل الكمين الذي أكمنه أعداء الله وهم على عدد أصحابنا الذين مع يوقنا فلما رآهم موالينا ظنوا أنهم اصحابنا وقد أقبلوا بالعلوفة فرفعوا أصواتهم بالفرح وقالوا: جاء يوقنا وأصحابه ولم يكلمهم العدو حتى أتونا ونحن في الصلاة ووضعوا السيف فينا ونحن ساجدون السجدة الأخيرة ونحن بين يدي الله تعالى قال: وإذا بالسيوف تقرقع في لحومهم وما أحد منهم قام من سجوده وكان القتل في آخر صف من المصلين والصف الذي يليه وهم من اليمين ومن بجيلة ومن وادي القرى ومن الطائف ومن وادي نخلة ثم قال ابن عتبة وكنت قد شهدت وقائع الشام وحضرموت واليرموك فوالله ما قتل منا في وقعة من الوقائع مثل ما قتل منا يوم بحر الحصى في أرض مصر بالحيلة التي دبرها عدو الله علينا وقال: والله ما منا من انحرف عن صلاته ولا حول وجهه عن ربه وقد أيقنا بالهلاك عن آخرنا حتى أشرف علينا يوقنا باصحابه فلما نظروا ما حل بالمسلمين صاحوا ورموا ما على رؤوسهم من العمائم وقال يوقنا لبني عمه والله من قصر منكم عن عدوه فالله يطالبه به يوم القيامة وما أرى إلا أن الاعداء قد غدروا وكبسوا المسلمين فدوروا من حولهم وضعوا السيوف فيهم واحذروا أن ينفلت منهم أحدا فحملوا وأطبقوا على القبط فدفعوهم عن أصحاب رسول الله ﷺ ولم يزل القتال بينهم حتى فرغ عمرو من الصلاة ومن معه وثاروا ثوران الاسد وركب عمرو ومعاذ وسعيد بن زيد وجميع الصحابة وحملوا في العدو وطحنوهم طحنا قال جابر بن أوس وحلنا بينهم وبين الوصول إلى مصر فوالله ما نجا منهم أحدا وبقوا كأنهم طيور وقعت عليهم شبكة صياد فلما وضعت الحرب أوزارها هنأ المسلمون بعضهم بعضا بالسلامة وشكروا الله على ما أولاهم من نصره واثنوا على يوقنا خبرا وافتقدوا قتلاهم فكانوا أربعمائة وستة وثلاثين قد ختم الله لهم بالشهادة قال: واتصل الخبر إلى أرسطوليس بقتل ابن عمه ومن معه وانهم لم ينج منهم أحد فصعب عليه ذلك وأيقن بهلاكه فدعا ببطارقته وأرباب دولته وشاورهم في أمره فقالوا: أيها الملك أنت تعلم بأن الدنيا ما دامت لأحد ممن كان قبلك حتى تدوم لك وما زالت الملوك تنكسر وتعود وما أنت بأكثر ممن انهزم من ملوك الأرض وقد سمعنا أن داونوس بن اردين بن هرمز بن كنعان بن يزحور الفارسي هزمه الاسكندر الرومي سبعين مرة فاخرج إلى لقاء القوم واضرب معهم مصاف ولا تيأس وهؤلاء القسوس والرهبان والشمامسة والمطران والبترك.
стр. 390
يدعون لك بالنصر قال فعول على لقاء المسلمين وفتح خزائن أبيه وأنفق على الجند وأعطاهم السلاح وطلب شباب مصر وأمرهم بالخروج وبعث يستنجد بملك النوبة وملك البجاوة وأقام مدة ينتظر قدومهم.
قال: حدثنا محمد بن اسحق القرشي عن عقبة بن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه قال لما كان من أمر المسلمين ما ذكرنا مما قد قدره الله عليهم من كبسة عدوهم كتب بذلك عمرو بن العاص الىعمر بن الخطاب ﵁ بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو ابن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سلام عليك وإني أحمدج الله اليك وأصلي على نبيه أما بعد فقد وصلت إلى مصر سالما وجرى لنا على بلدة بلبيس مع ابنة المقوقس كذا وكذا ونصرنا الله عليهم ورحلنا إلى بحر الحصى وقد كنا صالحنا قوما من أهل قرى بلاد مصر ببلاد يقال لها الجرف حتى يعينونا بالعلوفة والميرة ويجلبوا الينا الطعام وإني أرسلت عبد الله يوقنا ليشتري لنا منهم طعاما ومضى في خيله وسرت بنفسي رسولا إلى مخاطبة القوم فهموا بالقبض علي ونجاني الله منهم وانهم أكمنوا لنا كمينا من الليل واشغلونا برسول والكمين كان من الليل فلما استوت صفوفنا للصلاة كبسوا علينا ونحن في الصلاة فلم نشعر حتى بذلوا فينا السيف وقتلوا منا اربعمائة وستة وثلاثين رجلا والاعيان منهم ستون ختم الله لهم بالشهادة ونحن الآن في بحر متلاطم أمواجه من كثرة القوم والعساكر فانجدنا يا أمير المؤمنين وأدركنا بعسكر ليعيننا على عدونا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وختم الكتاب واعطاه عبد الله بن قرط فسار من ساعته وجد في السير إلى أن وصل المدينة فقدمها في العشر الاوسط من شوال سنة اثنين وعشرين من الهجرة فأناخ مطيته بباب المسجد ودخل فرأى عمر بن الخطاب عند قبر رسول الله ﷺ قال ابن قرط فدفعت الكتاب إليه فنظر الي وقال عبد الله قلت نعم قال من أين أتيت قلت من مصر من عند عمرو بن العاص قال مرحبا بك يا ابن قرط ثم فك الكتاب وقرأه وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قال من ترك الحزم وراء ظهره تباعدت عنه فسيحات الخطأ ووالله ما علمت عميرا إلا حازم الرأي مليح التدبير ضابط الأمر حسن السياسة ولكن إذا نزل القضاء عمي البصر ثم إنه كتب كتابا إلى أبي عبيدة وذكر له ما جرى لعمرو بن العاص بمصر وأمره أن ينفذ إليه جيشا عرمرما وانفذ الكتاب مع سالم مولى أبي عبيدة قال عبد الله بن قرط فاقمت في المدينة يومين واستأذنته في المسير فزودني من بيت المال وكتب الىعمرو يقول بسم الله الرحمن الرحيم من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص أما بعد فإني أحمد لاله الذي لا إله إلا هو وأصلي وأسلم على سيدنا محمد ﷺ وقد بلغني ما جرى لكم بمصر من غدر عدوكم كما سبق في أم الكتاب وكان يجب عليك يا بن العاص أن لا تطمئن إلى عدوك ولا تسمع منه حيلة وما كنت أعرفك إلا حسن الرأي والتدبير.
стр. 391
ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا فاستعمل النشاط في أمرك ولا تامن لعدوك واستعمل الحذر فإن الامام ما يكون إلا على حذر والله يعيننا وإياك على طاعته وقد أنفذت إلى أبي عبيدة أن يرسل اليكم جيشا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وختمه وسلمه لعبد الله ابن قرط قال فأخذته وسرت وأنا أجد السير حتى أتيت مصر ودفعت الكتاب لعمرو بن العاص فقرأه على المسلمين ففرحوا بذلك وأقاموا ينتظرون اخوانهم.
стр. 392
كبسة الجيش .
حدثني ابن اسحق حدثني سهل بن عبد ربه عن موسى عبد الرزاق قال لما كبس ابن المقوقس جيش المسلمين ورجعت دائرة السوء عليه وقتلوا عن آخرهم وبلغه الخبر بكى على ابن عمه وحلف بما يعتقده من دينه انه لا بد له أن يأخذ بثأرهم ثم إنه أمر أرباب دولته أن يجتمعوا بالكنيسة المعلقة في داخل قصر الشمع فاجتمعوا فجلس على سرير عند المذبح وقام فيهم خطيبا فقال: يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية اعلموا أن ملككم عقيم وبلدكم عظيم وهذه بلاد الفراعنة ممن كان قبلكم وقد ملكها عدة ملوك ممن احتوى على الاقاليم وملكها مثل الملك المعظم من آل حمير ومثل مستفان والبستق والملحان وهو يأتي هذه الاهرام ونمرود ابن كنعان ولقمان بن عاد وذي القرنين الملك العظيم وانقضى ملكهم منها ورجع إلى سبأ وأرضها وحضرموت وقصر عمان ثم تولى هذه الأرض القبط من آبائكم وأجدادكم اطسليس وبلينوس والريان بن الوليد وهو الذي استخلص يوسف لنفسه والوليد وهو المكنى بفرعون وبعدهم طبلهاوس ثم جدي راعيل ثم أبي المقوقس وجميع ملوك الأرض تحسدنا على ملك مصر وهؤلاء العرب الطماعة وليس في العرب أطمع منهم فإني أراكم قد كسلتم وفشلتم عن لقائهم فطمعوا فيكم وفي ملككم كما طمعوا في ملك الشام وانتزعوه من أيدي القياصرة فقاتلوا عن أموالكم وحريمكم وأولادكم وأما أنا فواحد منكم وأعلموا أن الملك المقوقس قد أمرني بلقاء هؤلاء العرب وقال انه لا يظهر إليهم حتى أرى ما يظهر من قومي وأرباب دولتي فما تقولون وما الذي اجتمع عليه رأيكم فقالوا: أيها الملك إنما نحن عبيد هذه الدولة وغلمانها فإنها قد استعبدت رقابنا بنعمتها واحسانها ونحن نقاتل لمحبتها فإما أن نرزق النصر من المسيح واما أن نموت فنستريح قال فشكر قولهم وخلع على أكابرهم وقال لهم: اخرجوا واضربوا خيامكم ظاهر البلد مع القوم وطاولوهم بالمبادرة إلى أن يأتي الينا نجدة من ملك النوبة والبجاوة فأجابوا إلى ذلك وأمروا غلمانهم بأن يضربوا الخيام خارج البلد فضربوها مما يلي النور والرصد.
قال ابن اسحق: وفي ليلتهم تلك جاءتهم الأخبار بأنه وقع بين ملك النوبة وملك البجاوة حرب وإنه ما يجيبكم منهم أحد وأخرجوا للملك ارمطوليس سرادقا معظما وسط.
стр. 393
جيش القبط قال: وأخذ المسلمون على أنفسهم واقبلوا يخرصون بعضهم ويحرسون قومهم بالنوبة فكان عمرو في أول الليل يطوف حول العسكر ومعاذ إذا انتصف الليل ويزيد بن أبي سفيان في آخر الليل والنور على عسكرهم والإيمان لائح عليهم وأصواتهم مرتفعة بالقرآن وبذكر الله وبالصلاة على نبيه ﷺ قال ابن اسحق: فلما وصل كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة وقرأه على المسلمين قال لخالد بن الوليد يا أبا سليمان ما ترى من الرأي فقال إذا كان أمير المؤمنين أمرك أن تنجد عمرو بن العاص فانجده فقال أبو عبيدة أن الطريق إلى مصر بعيد وإن أنا ارسلت جيشا كبيرا خفت عليه من بعد الطريق ومن المشقة فقال خالد: كم جهدك أن ترسل قال أربعة آلاف فارس فقال خالد: أن الله كفاك ذلك قال: وكيف ذلك يا أبا سليمان قال أن عزمت على ما ذكرت فابعث أربعة من المسلمين فهم مقام أربعة آلاف فارس فقال أبو عبيدة من الأربعة قال خالد: أنا أحد الأربعة والمقداد بن الاسود وعمار بن ياسر ومالك بن الحرث فلما سمع أبو عبيدة ذلك تهلل وجهه وقال: يا أبا سليمان أفعل ما تراه فدعاهم خالد وأعلمهم بما عزم عليه فقالوا: سمعا وطاعة فقال خذوا أنفسكم فنحن نسير هذه الليلة قال فلما صلى أبو عبيدة بالناس صلاة المغرب قدم الثلاثة إلى قبة خالد فركبوا وودعوا أبا عبيدة والمسلمين وأخذوا معهم دليلا يدلهم على الطريق إلى وادي موسى والشوبك وأخذوا معهم ما يحتاجون إليه وساروا يريدون مصر فما زالوا يجدون إلى أن قربوا من عقبة ايلة وإذا هم بخيل ومطايا تزيد على الف فارس فأسرعوا إليهم فإذا هم من ثقيف وطي ومرداس قد وجههم عمر بن الخطاب إلى مصر مع رفاعة بن قيس وبشار بن عون قال فلما رأوهم سلموا عليهم ورحبوا بهم واستبشروا بالنصر لما رأوا خالد وعمارا والمقداد ومالكا وارتفعت أصواتهم بالتهليل والتكبير وساروا بأجمعهم.
قال: حدثنا يوسف بن يحيى عن دارم عن منصور بن ثابت قال كنت في جملة الوفد الذي وجهه عمر ﵁ مع رفاعه وبشار والتقينا بخالد بن الوليد وأصحابه عند عقبة أيلة وسرنا معهم حتى وصلنا أرض مصر وقربنا وبقي بيننا وبينها يومان فبينما نحن نسير في بعض الليالي وكانت ليلة مظلمة لا يكاد الرجل أن يرى من شدة الظلام إذ سمعنا حسا بالبعد منا فوقفنا فقال خالد: أيكم يأتينا يا فتيان العرب بخبر هؤلاء الذين في هذا الجيش قال نصر بن ثابت وكنت راكبا فقفزت من ظهر الراحلة وسعيت على قدمي وأخفيت حسي إلى أن تبين لي جيش كثير فتحققت أمرهم فإذا هم جيش من العرب المتنصرة وهم يزيدون على ثلاثة آلاف وهم ركبان المطايا والخيل فقلت والله لاعدت إلى أصحابي إلا بالخبر اليقين قال فاتبعت أثرهم لأسمع ما يقولون وما يتحدثون فمشيت معهم قليلا فاسمعهم يقولون أذل الصليب أعداءنا فإنا قد أصابنا التعب ولحقنا.
стр. 394
الجهد ومن وقت خروجنا من مدين لم نجد أحد ومصر قد قربنا منها فانزلوا لنأخذ راحة ونريح مطايانا ونعلق على خيلنا وإذا بمقدمهم يقول وحق المسيح ما بغيتنا إلا في الخلع والأموال من ملك مصر ولكن إذ عولتم على الراحة فانزلوا قال فنزل القوم على ماء يعرف بالغدير واقبلوا يجمعون الشيح ويصنعون لهم الزاد وعلقوا على خيولهم وتركوا ابلهم ترعى قال نصر بن ثابت فعلمت أن القوم من متنصرة العرب فتركتهم وأتيت إلى أصحابي وحدثتهم بذلك فحمدوا الله كثيرا واثنوا عليه وقالوا لخالد: ما الذي ترى فقال أرى أن تركبوا خيلكم الآن وتستعدوا للحرب ونسير إليهم ونكبسهم فإنهم قد أتوا لنصرة صاحب مصر وما أتوه إلا بمكاتبة لهم يستنجد بهم على أصحابنا قال فلبسوا سلاحهم وركبوا الخيل وتركوا موإليهم مع المطايا والرجال وساروا خيلا ورجالا إلى أن قربوا من نيران القوم فصبروا حتى خمدت وناموا فتسللوا عليهم كتسلل القطاة فقال خالد: دوروا بالقوم ولا تدعوا أحد منهم ينفلت من ايديكم فيثير عليكم عدوكم قال فداروا بهم كدوران البياض بسواد الحدق وأعلنوا بالتهليل والتكبير ووضعوا فيهم السيف فما استيقظ أعداء الله إلا والسيف يعمل فيهم ووقعت الدهشة في القوم وهم في أثر النوم فقتل بعضهم بعضا ووقف ابن قيس ومعه جماعة على البعد منهم وبشار ورفقته وكل من انهزم أخذوه فلما أصبحنا راينا القتلى منهم ألفا وأسرنا منهم ألفا فعرضوهم على خالد فقال: حدثوني من أين جئتم والى أين مقصدكم.
فقالوا: أنا قوم من المتنصرة العرب وكلنا كنا أصحاب الشام فلما هزمتم الملك هرقل رحلنا من أرض الشام ونزلنا أرض مدين ونحن على خوف منكم وكاتبنا صاحب مصر وهو المقوقس لعله أن يأذن لنا أن نكون من أصحابه ونكون له عونا عليكم فلما أجابنا إلى ذلك بعثنا الخيل العربية إلى ولي عهده وصاحب الأمر من بعده فلما كان في هذه الايام جاءتنا خلعة ورسالة بالدخول إلى مصر فرحلنا إليهم فوقعتم بنا فلما سمع خالد منهم ذلك قال من حفر لمسلم قليبا أوقعه الله فيه قريبا ثم عرض عليهم الإسلام فابوا فأمر بقتلهم فقتلناهم عن آخرهم وقسمنا رحالهم وما كان معهم ووجدنا معهم الخلع التي وجهها إليهم ابن المقوقس ففرقها خالد على المسلمين وفيها خلعة سنية وكانت لمقدم القوم فأعطاها رفاعة وساروا حتى قربوا من الجبل المقطم فرأوا جيش القبط فأرسل خالد رجلا من قبله وهو نصر بن ثابت وقال له: امض إلى هذا الملك وقل له أن العرب أصحاب مدين قد أتوا لنصرتك قال فمضى الرجل إلى أن وصل إلى عسكر القبط فأخذه الحرس وقالوا له: من أنت قال أنا مبشر الملك بقدوم العرب المتنصرة إلى نصرته قال ابن اسحق: فأخذوا نصر بن ثابت وأتوا به إلى سرادق الملك قال فلما وقفت بين يديه ناداني الحجاب أن اسجد للملك ففعلت وأنا أسجد لله تعالى حتى لا ينكروا علي وكان قد صح عندهم أنه من امتنع من السجود فهو مسلم قال فلما رفعت.
стр. 395
رأسي قال لي الوزير: يا أخا العرب أوصل أصحابك إلى نصرة الملك فقلت نعم وها هم في دير الجبل المقطم قال فلما سمع الملك ذلك أمر من حجابه اناسا أن يمضوا إلى لقائهم وسرت في جملتهم وأخذوا معهم الجنائب وأظهروا زي الفراعنة وخلع على نصر بن ثابت عوض بشارته وساروا إلى لقاء المتنصرة.
قال: حدثنا عسكر بن حسان بن رفاعة بن وس عن موسى بن عون عن جده نعيم بن مرة قال كنت فيمن وجه عمر بن الخطاب من أهل نخلة وكان خالد يحبني ويقربني لأن أبي كان يسافر له ببضاعة إلى سوق بصرى قال فلما رأى خالد أصحاب الملك قد أتوا قال لي خالد: يا ابن مرة أريد أن أوصيك فقلت بماذا قال اعلم أن العدو قد أرسل يلاقينا وهو يظن أننا من متنصرة العرب ولا شك أن عمرو بن العاص ومن معه تجفل قلوبهم منا وأريد أن تنزل عن فرسك وتكمن خلف هذه الحجارة فإذا خلا لك الطريق فانسل نحو عسكر المسلمين وحدثهم بأمرنا وما قد عزمنا عليه من غدر القوم فإن عمر لا يطمئن لغيرك وأقرئه سلامي وقل له يكن على أهبة فإذا سمع تكبيرنا يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير فإن ذلك مما يزيد في رعب أعدائنا فقال: نعم قال: وفعلت كما أمرني خالد ونزلت عن فرسي وأسلمتها لغلامي دارم ومضيت نحو الجبل وكمنت بين الأحجار.
قال الراوي: وإن خالد أمر أصحابه بلبس الخلع التي أرسلها لهم ابن المقوقس فلبسوها فوق دروعهم ولبس رفاعة بن قيس وبشار بن عون أحسنها وغير خالد زيه والمقداد وعمار ومالك الاشتر قال فلما وصل مقدم جيش القبط قال خالد لرفاعة وبشار: ترجلوا له واصقعوا بين يديه وصلبوا على وجوهكم فليس عليكم في ذلك حرج واحلفوا بالمسيح والسيدة مريم وإياكم والغلط بأن تذكروا محمدا ﷺ فيظن القوم بنا واجعلوا الجهاد نصب أعينكم وتوكلوا على الله في جميع أموركم قال ففعلوا ما قال لهم خالد: وترجلوا عند رسول القبط وصقعوا.
قال: حدثنا نصر بن عبد الله عن عامر بن هبار قال: يا عم اعلم أن الله إذا أراد أمرا هيأ أسبابه وذلك أننا لما أشرفنا على اول ديار مصر نزلنا على دير يقال له دير مرقص: وكان ديرا عامرا بالرهبان فلما نزلنا عليه أشرف علينا أهله وقالوا: من أنتم قلنا نحن من أصحاب الملك هرقل ملك الشام وقد جئنا لنصرة صاحبكم فإنه قد أرسل الينا يستنفرنا لأجل هؤلاء العرب قال ففرحوا بنا ودعوا لنا وكان كبيرهم والمقدم عليهم في دينهم شيخا كبيرا وكان من قسوس الشام وكان من أعلم القوم بدينهم وأعرف الناس بآل غسان وكانت الضيحا قد أقطعها هرقل للملك جبلة ابن الأيهم وكان قد جعل على جبايتها ولد هذا القس وكان اسمه نونلس وإن المسلمين لما فتحوا بعلبك وحمص هرب هذا.
стр. 396
القس بأمواله وأولاده إلى طرابلس وركب البحر في مركب وتوصل إلى مصر وبلغ خبره المقوقس فأحضره وسأله عن حاله فحدثه بأمره فخلع عليه وجعله قيما في الكنيسة المعلقة التي في قصر الشمع وصار من أصحاب سكناه في دير مرقص ولا يدخل مصر إلا في أمر مهم فلما نزل عمرو بمن معه عليهم وقتل ابن المقوقس اباه احتاج إلى رأي البترك فارسل إليه وأنزله في الكنيسة وولي البترك مكان هذا القس نونلس بن لوقا فكان في الدير فلما نزل خالد بن الوليد ومن معه على الدير قال عامر بن المبارك الثعلبي فأشرف علينا وتأملنا وكان أعرف الناس بخالد ابن الوليد لانه رآه في مواطن كثيرة من الشام وكان صاحب حمص قد أرسله رسولا إلى أبي عبيدة ليصالحوهم قال فجعل يتفقدهم وينظر في وجوههم ثم قال: وحق المسيح ما أنتم من آل غسان وما أنتم إلا من عرب الحجاز وقد جئتم لتحتالوا علينا فإني رأيت أمامكم الذي فتح الشام وقتل ملوكها وسوف أكاتب الملك بقصتكم ليقبض عليكم فقالوا: ما عندنا خبر من الذي تقوله وقد خيل لك ذلك أما علمت أن المسلمين ما خلوا لنا حالا وقد نهبونا وأصبحنا بالذل بعد العز والفقر بعد الغنى وقد كتب الينا ملك مصر بأن نجيء إليه فأرسل الينا بالخلع وطيب قلوبنا قال عامر فضحك اللعين من قولي وقال لي: أن آل غسان أكثرهم يعرف بكلام الروم وحق ديني ما أنتم منهم وقد صح قولي إنكم مسلمون فقلنا له يا ويلك لو كنا من الذين تقول عنهم ما كنا نأتيكم بالنهار وكنا نكمن ونسير في الليل حتى نصل إلى أصحابنا وأنك استحقرت المسيح إذ جعلتنا من أصحاب محمد فقد وقعت في ذنب عظيم ثم اننا بالقرب منهم فقال أصحابه يا أبانا ليس هؤلاء القوم ممن ذكرت فلوا كانوا مسلمين ما جسروا أن يدخلوا أرض مصر في ضوء النهار ولا يقربوا العمران فقال: وحق ديني أنا أعرف الناس بهم وانهم مسلمون بلا شك فامتنعوا منهم ولا تخرجوا لهم طعاما ولا ماء وسأنفذ خبرا للملك بذلك فيكون منهم على حذر قال عامر بن هبار وكان من لطف الله بنا أن الرهبان الذين بالدير لما سمعوا كلامه قال بعضهم لبعض يجب علينا أن نأخذ لنا منهم صلحا فنكون آمنين من غائلتهم ولا نبرح من ديرنا هذا فقال أكبرهم أن أنتم فعلتم ذلك فاننا لا نعلم من ينصر من الفريقين أصحابنا أم العرب فإن كان النصر لأصحابنا خفنا من هذا القس أن يعلم بنا الملك أننا صالحنا المسلمين بغير أمره فإنه يقتلنا وإن هذا اللعين تعلمون أنه على غير مذهبنا وهو في كل يوم يكفرنا لانه نسطوري ونحن يعقوبية فإن أنتم أردتم صلح هؤلاء العرب فدونكم وهذا القس فاقبضوا عليه وسلموه لهم وخذوا منهم أمانا قال ففعلوا ذلك وقبضوا عليه وأشرفوا علينا وقالوا لنا بحق ما تعتقدون من دينكم أنتم من أصحاب محمد أم لا فانا قد قبضنا على هذا اللعين ونريد أن نسلمه لكم وإنكم تعطوننا أمانا فأنا قوم لا نعرف حربا ولا قتالا فقال لهم مالك الاشتر: يا هؤلاء اما ما زعمتم من صلحنا فانا نصالحكم وما كان أمرنا بالذي يخفى ولا.
стр. 397
نرضى بالكذب فإنه أشنع شيء عندنا ولا سيما أن الإسلام يمنعنا من استعماله ولو أن السيف على رأس أحدنا إذا سئل عن دينه أجاب به وتكلم بوحدانية الله تعالى ونحن من أصحاب محمد ﷺ ولكم الأمان وهذا أمان الله ورسوله.
قال فلما سمع الرهبان من مالك ذلك نزلوا وفتحوا الباب وسلموا لنا القس فقال له خالد: يا عدو الله أردت أمرا وأراد الله خلافه ثم إنه عرض عليه الإسلام فأبى وقال أنا هربت منكم من الشام ثم أوقعني المسيح في أيديكم وما أظن إلا أن المسيح مسلم فافعل ما أردت فضربوا عنقه قال عامر بن هبار وخرج الينا أهل الدير بأجمعهم ومعهم الطعام والعلوفة فأكلنا وأقمنا عندهم إلى الليل فقال شيخهم الذي اشار عليهم بقبض القس الرومي لخالد أيها السيد إني قد تفرست فيك الشجاعة فبالله من أنت من أصحاب محمد فقال: أنا خالد بن الوليد المخزومي فقال: أنت وحق ديني الذي فتحت بلاد الشام وأذللت ملوكها وبطارقها وإن صفتك عندي ثم إنه دخل الدير وأتى ومعه سفط ففتحه وإذا فيه بين أوراقه ورقة وفيها صفة عمر بن الخطاب ﵁ وزيه وصورته وصورة أبي عبيدة وصورة خالد بن الوليد والسيف في يده مشهور قال: ما زلت أسمع أخبارك كلها فلم عزلك عمر بن الخطاب وولى غيرك فقال خالد: أعلم أن عمر هو الامام وهو الخليفة ومهما أمرنا فلا نخالفه فإن الله أمرنا بذلك في كتابه فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فطاعته فرض علينا لانه يحكم بالعدل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وانا قد وجهنا إليه خمس الغنائم من الفتوح كلها من الأموال فما ازداد في الدنيا إلا زهدا ولا آثر الدنيا على الآخرة بل مجلسه على التراب ولباسه المرقعة ويمشي في سوق المدينة متواضعا راجلا فالتواضع لباسه والتقوى أساسه والذكر شعاره والعدل في الرعية دثاره وما زال يعطف على اليتيم ويرفق بالأرملة والمسكين ويرفد أبناء السبيل فظ في دين الله غليظ على أعداء الله قائم بشعائر الله لا يستحي من الحق ولا يداهن الخلق فقال القس أكانت له الهيبة على عهد نبيكم قال خالد: نعم سمعت سعد بن أبي وقاص يقول استأذن يوما عمر فأذن له فدخل ورسول الله ﷺ يضحك فقال عمر أضحك الله سنك يا رسول الله قال: "عجبت من هؤلاء اللواتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب" فقال عمر أنت أحق أن يهبنك وقال لهن يا عدوات أنفسكن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ فقلن نعم أنت فظ غليظ دون رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غيره" قال فلما سمع القس ذلك قال بركة نبيكم عادت على امامكم وعليكم فقال خالد: وما يمنعك من الدخول في دينننا فقال حتى يشاء صاحب هذه الخضراء ثم قال لخالد أريد أن أعطيكم من صلبان هذا الدير حتى تكمل حيلتكم قال: وأخرج لهم.
стр. 398
صلبانا كثيرة فأخذها خالد ودفعها لرفاعة بن قيس وبشار بن عون وتزيوا بزي الذين قتلوهم من آل غسان وارتحل خالد بعد ما وكل بالدير عشرة من أهل وادي القرى لئلا يخرج أحد بأخبارهم ويقربوا للملك بذلك قال: وعدنا إلى سياق الحديث فلما أشرف أصحاب ابن المقوقس عليهم راوهم وقد لبسوا خلع الملك وعلقوا الصلبان وشدوا الزنانير ورفعوا صليبا من فضة كان قد أخرجه لهم القس فلما صقعوا للحجاب ركبوا وساروا حتى وصلوا إلى سرادق الملك فترجلوا وقد أخذوا لهم اذنا فأذن لهم فدخلوا ودخل أولهم رفاعة وبشار ومن معه وخدموا الملك وسجدوا له ولم يدخل خالد ومن معه ووقفوا مع بقية العرب خارج السرادق وإن الملك لما رآهم قال لهم: يا معاشر العرب أنتم تعلمون محبتنا لكم وتقريبنا لكم وقد طلبتم أن تكونوا لنا عونا على هؤلاء العرب فإن نصحتم لنا في دولتنا شاركناكم في مملكتنا وقاسمناكم في ملكنا ونعمتنا فقال له رفاعة: أبشر أيها الملك سوف ترى ما نبذله في محبتك يوم الحرب قال فخلع عليه وخرج من عنده وأمرلهم بخيام تضرب في عسكرهم.
قال: حدثنا عامر بن أوس عن جرير بن صاعد عن نوفل بن غانم عن سهل بن مسروق قال لما قدم الجيش الذي وجه عمر بن الخطاب مع رفاعة وبشار وكان من أمرهم ما ذكرناه ونظر إليهم عمرو بن العاص ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ اقبلوا ينظرون إليهم والى زيهم فقال معاذ لعمرو ما هؤلاء من المتنصرة وإن نفسي تأبى ذلك فقال عمرو والله يا أبا عبد الرحمن لقد نظرت بنور الله وانني نظرت فيهم واحدا واحدا ورأيتهم بزي وادي القرى وزي الطائف فقال شرحبيل بن حسنة وأنا نظرت أعجب من ذلك أني رأيت خالد بن الوليد في جملتهم ولاحت لي عمامته وقلنسوته وثيابه التي كانت عليه يوم دخول طرابلس فقال يزيد بن أبي سفيان أنا والله رأيت مالكا الاشتر النخعي وعرفته بطول قامته وركبته على فرسه ثم قالوا: لا بد أن ينكشف لنا خبرهم على جليته فهم في الحديث إذ قد اتاهم نعيم بن مرة فلما رأوه تهللت وجوههم فرحا وسرورا فلما وصل إليهم وسلم عليهم وحدثهم بالحديث كله سجدوا لله شكرا وقال بعضهم لبعض ايقظوا هممكم وكونوا على يقظة من أمركم فإذا سمعتم التكبير في عسكر العدو فبادروا إليهم قال ابن اسحق: ولله في خلقه تدبير وذلك أنه لما جن الليل جمع أرسطوليس بن المقوقس أرباب دولته وقال لهم: قد ضاق صدري من هؤلاء العرب وقال لهم: قد غلا السعر عندنا لأن أهل البلاد قد أجلت من خوفهم وإن خيلهم تضرب إلى الريف من هذا الجانب والى الصعيد من هذا الجانب والنوبة والبجاوة ما يأتينا منهما أحد للفتنة التي هي بينهم والرأي عندي أن نحارب هؤلاء العرب صبيحة عيدهم قالوا: أيها الملك هذا هو الرأي فقال أخرجوا السلاح وفرقوه على من ليس معه سلاح هذا ما جرى عنده وليس عنده خبر بما جرى في قصره بعد.
стр. 399
نتائج المعركة
قال ابن اسحق: وكان من حسن تدبير الله تعالى لعباده المؤمنين انه كان للمقوقس أخ شقيق واسمه ارجانوس وكانا متحابين وكان المقومس لا يقطع أمرا دونه وكانا إذا ركبا لا يفترقان وإذا جلسا يجلسان معا على السرير وكان المقوقس قد دخل في خلوته التي ذكرنا وكان أخوه من محبته قد رتب هناك من يعرفه لما يخرج من خلوته فلما كان في هذه النوبة استبطأه فأتى إلى ابن أخيه فرآه على السرير فقال له: ما فعل الملك فقال: انه في خلوته إلى الآن وقد رأى أن طالعه ضعيف مع هؤلاء العرب وقد أمرني أن أكون مكانه حتى يرى ما يريد من قتالهم أو صلحهم قال فكتم ارجانوس الأمر في نفسه وعلم أن أخاه قد قتل وكان ارجانوس ممن يعتقد نبوة محمد ﷺ ويعلم أن دعوته تطوف المشرق والمغرب وإن الملوك تضمحل في أيام أصحابه وسينزلون على البلاد فترك أرجانوس الأمر موقوفا ولم يبد ما في نفسه لآحد فلما خرج ابن أخيه مع العسكر جمع ارجانوس الذين تركهم ابن أخيه لحفظ البلد في قصر الشمع وقال لهم: اعلموا أن العقل هو عمدة قوى ابن آدم لأن الله قد خصه به دون سائر المخلوقات وإن أخي قد قتله ولده لا محالة وقد كان محبا لكم ومشفقا عليكم واعلموا أن هؤلاء العرب قد كان قدامهم من ملكه أعظم من ملككم وما ثبت بين ايديهم وليس بين دولتكم وبين أن تزول وتضمحل إلا أن يلتقي هذان الجيشان وإن ظفر بكم هؤلاء العرب قتلوكم ونهبوكم وسكنوا في مساكنكم وأيتموا أولادكم فقالوا: أيها الملك فما يكون عندك من الرأي وما تفعل قال إني أرى من الرأي أن تستيقظوا لأنفسكم وتغلقوا أبواب هذا القصر ولا تدعوا أحدا يدخل عليكم من جند الملك ولا هو نفسه فإنهم لا يقدرون أن يقاتلوكم والعرب من ورائهم وإنه يعدي إلى الجانب الغربي ويمضي الي اسكندرية ونعقد لنا صلحا مع هؤلاء العرب على أنفسنا وأولادنا وحريمنا ونسلم لهم بعد ذلك فمن أراد يتبعهم ومن أراد يعطيهم الجزية قال فاستصوبوا رأيه واعلموا أنه نطق بالحق كان أرجانوس له في سرايته ألف مملوك قال فاحتوى على قصر الملك وأخذ الخزائن والأموال وغلق أبواب قصر الشمع وفعل ما فعل وليس عند ابن أخيه خبر إلى أن ذهب من الليل نصفه أو أكثر فجاء إليه بعض خدمه وأخبره بما فعل عمه فأيقن بتلفه وخروج ملك مصر منه قال فبينما هو في حيرة في أمره إذ كبر خالد بن الوليد ومن معه في وسط عسكره فسمع عمرو وأصحابه التكبير فكبروا ووقعت الخذلة على الكفار وحملت فيهم المسلمون ووضعوا فيهم السيوف فلما نظر أرسطوليس إلى ما نزل به والكبسة التي وقعت بعسكره لم يكن له دأب إلا أن ركب وأحدقت به مماليك أبيه وأرباب دولته وطلبوا الهزيمة وقصدوا البحر وعدوا الجانب الغربي وطلبوا اسكندرية فحازوا على مدينة مريوط وفيها الموبذان الساقي ومعه ثلاث آلاف من عسكره فلما صاح الصائح في مصر بأن الملك انهزم وما ثبت.
стр. 400
أحد من عسكر القبط وولوا والسيف يعمل فيهم وغرق منهم في البحر خلق كثير ونصر الله المسلمين وانهزموا.
قال ابن اسحق: حدثني من أثق به أنه قتل في تلك الليلة من عسكر القبط خمسة آلاف وغنم المسلمون أثقالهم وما كان فيها من الأموال فلما أقبل الصباح اجتمع خالد بالمسلمين وسلم بعضهم على بعض وهنوهم بالسلامة ودخلوا مصر وملكوا دورها وأحاطوا بقصر الشمع فأشرف عليهم أرجانوس بن راعيل أخو المقوقس وقال لهم: يا فتيان العرب اعلموا أن الله قد أمدكم بالنصر وقد فعلت في حقكم كذا وكذا ولولا حيلتي على ابن اخي لما انهزم منكم وقد ظفرتم الآن ونحن نسلم اليكم على شرط أنكم لا تتعرضون لنا ولا تمدون أيديكم لنا بسوء ومن أراد منا أن يبقى على دينه يؤدي الجزية ومن أراد أن يتبعكم يتبعكم فقال له معاذ بن جبل: قد نصرنا الله على الكفار بصدق نياتنا وصلح أعمالنا واتباعنا للحق وانا ما قلنا قولا إلا وفيناه ولا استعملنا الغدر ولا المكر وأنتم لكم الأمان على أنفسكم وأموالكم وحريمكم وأولادكم ومن بقي منكم على دينه فلن نكرهه ومن اتبع ديننا فله ما لنا وعليه ما علينا فلما سمع أرجانوس ذلك نزل إليهم بالمفاتيح فأمنوه وأمنوا من كان معه في القصر وجمعوا أكابر مصر ومشايخها وقالوا: لهم أن الله قد نصرنا عليكم وقد انهزم ملككم منا وأنتم الآن في قبضتنا وقد صرتم مماليكنا ومن أسلم منكم قبلناه ومن أبي استعبدناه فقالوا: أيها الملك ما هكذا بلغنا عنكم قال: وما الذي بلغكم عنا قالوا: سمعنا عنكم أن الله قد أسكن الرحمة في قلوبكم وأنتم تعفون عمن ظلمكم وتحسنون إلى من أساء اليكم وأنت تعلم أننا قوم محكوم علينا ولو كان الأمر الينا لاتبعناكم فارفقوا بنا وانظروا في أحوالنا فقال عمرو لأصحابه وللأمراء ما ترون من الرأي في أمر هؤلاء القوم.
فقال شرحبيل ابن حسنة اصنع ما أمر الله به من العدل فيهم وأحسن إليهم وطيب خواطرهم فاننا إذا قصدنا غير هذه المدينة وسمع أيها الأمير عنك أهل المدينة الأخرى بما فعلته مع أهل مصر يسلمون بغير منازعة ولا حرب فقال معاذ بن جبل وخالد بن الوليد والمقداد وعمار ومالك وربيعة ويزيد القول الذي قاله كاتب وحي رسول الله ﷺ هو المعمول به فقال عمرو لأهل مصر قد أمناكم على أنفسكم وأولادكم وحريمكم منه منا عليكم وقد وضعت عنكم جزية هذه السنة وفي السنة الآتية نأخذ منكم الجزية من كل محتلم أربعة دنانير ومن أسلم منكم قبلناه قال فلما سمع أرجانوس ابن راعيل كلام عمرو قال لقد أنصفت وإن الله بهذا نصركم وقد وقفت الآن على صحة دينكم وأنا أشهد أن الله وحده لا شريك له وإن محمدا عبده ورسوله واشهدوا على أن كل ما تركه أخي من الأموال والأصول والثياب والمتاع هو هبة مني اليكم بما فعلتم مع أهل بلدي.
стр. 401
قال: فلما نظر أهل مصر إلى أرجانوس وقد أسلم دخل أكثرهم في الإسلام وعمد عمرو إلى الكنيسة وعملها جامعا وهو المعروف به إلى يومنا هذا وجمع الأموال التي أخذها من وراء القبط المنهزمين ومن منازلهم وما كان في قصر الملك وأخرج الخمس وأعطى كل ذي حق حقه ثم كتب كتابا إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عليه وبعث الخمس والكتاب مع علم بن سارية وسلم المال والكتاب له وسير معه مائة فارس وأمره بالمسير إلى المدينة فاستلم الخمس وسار حتى قدم المدينة وسلم المال والكتاب لعمر بن الخطاب ﵁ فلما قرأه سجد لله شكرا وأمر بالمال إلى بيت المال فقال علم بن سارية يا أمير المؤمنين أن عمرا يسلم عليك ويقول لك أن القبط كانوا استسنوا سنة في نيلهم في كل سنة وذلك أنهم كانوا إذا أبطأ عليهم الوفاء في النيل يأخذون جارية من أحسن الجواري ويزينونها بأحسن زينة ويرمونها في البحر فيأتي الماء ويفي النيل وقد قرب ميقات ذلك ولا يفعل عمرو شيئا إلا باذنك قال فكتب عمر بن الخطاب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت مخلوقا لا تملك ضرا ولا نفعا وأنت تجري من قبل نفسك وبأمرك فانقطع ولا حاجة لنا بك وإن كنت تجري بحول الله وقوته فاجر كما كنت والسلام وأمره أن يدفعه لعمرو بن العاص يرميه فيه وقت الحاجة إليه ثم إنه كتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فالسلام عليك وانى أحمد الله اليك وأصلي على نبيه وإذا وصل اليك كتابي فأطلب أعداء الله حيث كانوا وإياك أن تلين جانبك لهم وانظر في أحوال الرعية واعدل فيهم ما استطعت وأطلب العفو بالعفو عن الناس وأجر الناس على عوائدهم وقوانينهم وقرر لهم واجبا في دواوينهم وأعل رسوم العافية بالعدل فإنما هي أيام تمضي ومدة تنقضي فإما ذكر جميل واما خزي طويل ثم إنه سلم الكتاب إلى علم بن سارية فسار هو ومن معه إلى أن قدموا مصر وسلم الكتاب إلى عمرو فأما كتابه فقرأه على المسلمين وأما كتاب النيل فإنهم قد كانوا عدوا ليالي الوفاء وتوقف النيل عن الوفاء وقد يئس الناس من الوفاء في تلك السنة فمضى عمرو إلى النيل وخاطبه ورمى فيه كتاب عمر بن الخطاب ﵁ قال فلما رماه فيه هاج البحر وزاد فوق الحد ببركة عمر بن الخطاب وانقطعت عن أهل مصر تلك السنة السيئة ببركة عمر ﵁.
حدثنا محمد بن يحيى بن سالم عن عدي بن يحيى بن عوف قال لما بلغنا أن عمرو افتح مصر وأتى إلى الكنيسة المعظمة عندهم وجد في مذبحها بيتا مغلقا وإذا فيه صورة من الفضة وأمام الصورة شخص آخر وفي يده أعلام وهي على صفة الصورة التي وجدها النبي ﷺ في الكعبة لما فتح مكة فدعا عمرو بالقسوس وقال لهم: ما هذه الصورة قالوا له: هذه صورة إبراهيم وأبيه آزر فتبسم عمرو وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ
стр. 402
يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران:٦٧] فقال معاذ بن جبل لما قدمت من اليمن سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول.
"يلقي ابراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجهه قترة فيقول له ابراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول آزر اليوم لا أعصيك فيقول ابراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من هذا فيقول الله حرمت الجنة على الكافرين ثم يقول له يا ابراهيم انظر إلى ما تحت قدميك فينظر إلى الريح وقد أخذت اباه فتلقيه في النار" قال ثم أمر عمرو بالصورتين فكسرتا وعبر عسكر المسلمون إلى الجانب الغربي وقد تقدم خالد فترجل إلى نحو الاسكندرية وتقدم على مقدمته عبد الله يوقنا وسار يوما وليلة هو وبنو عمه وهم بزي الروم.
стр. 403
ذكر فتوح مدينة مريوط
قال ابن اسحق: وكان قد بلغ المربذان الذي مع الثلاثة آلاف وهم في مدينة مريوط وقد حصنها ما حصل فلما قدم عليه يوقنا قال له الموبذان: ما الذي أقدمك علينا فقال يوقنا أن المسلمين وجهوني اليك وهم يحرضونك على خلاص نفسك ويأمرونك بتسليم هذه المدينة إليهم ولك الأمان على نفسك وأهلك ومالك ومن أردت ولك الخيار في المقام تحت يد الإسلام أو الانفصال فإن اخترت المقام فلا مانع يمنعك وإن اردت المسير أوصلناك إلى أي موضع أردت فلما سمع الموبذان ذلك قهقه ضاحكا وقال: وحق ديني أن الغدر شعاركم والمكر دثاركم فلا فلح من آمن لكم وأما أنا فلا أخون الملك في بلده وأنا وهو في أرض واحدة وسوف أبعث إليه بأن أقدم إليه وأساعده عليكم جزاء بما عملتموه من الخديعة وستعلمون على من تدور الدائرة ومن يكون المغبون في الآخرة وأنت يا معشر الروم قد كفرتم بالمسيح وجحدتم السيدة أم النور وخرجتم من ملة الحواريين وأردتم هؤلاء العرب الجياع الاكباد العراة الاجساد ولن يغنوا عنكم شيئا ووحق المسيح لأبعثن بكم إلى الملك فيقتلكم على كفركم وكان يوقنا قد ترك جماعته ومضى في عشرين رجلا منهم لعله يعمل عليه حيلة فلما دخل عليه أنزله في دار الضيافة فوضعوا سلاحهم فلما أكلوا الطعام وتحادثوا وكان قد فطن بهم وأمر غلمانه أن يكونوا على حذر وإن يهجموا عليهم فيقبضوهم يريد بذلك أن يرسلهم إلى الملك إلى الاسكندرية ورماهم في بيت مظلم في دار امارته وأقام ينتظر غفلة من عسكره وكانوا قد أحاطوا بالبلد ووكل بهم جارية اسمها رينا وهي أخت مارية التي أرسلها المقوقس إلى رسول الله ﷺ .
وكانت أختها شقيقتها وسلم اليها المفاتيح لمعزتها عنده وقال لها احفظي عليهم لأرى ما أنظر فيهم قال فلما جن الليل واشتغل عدو الله الموبدان بالشراب قال فصبرت.
стр. 404
رينا إلى أن غرق في سكره هو ومن معه وناموا وأمنت على نفسها فأتت إلى الباب وفتحت على يوقنا وأصحابه وقالت لهم أبشروا لا خوف عليكم فإن الله قد جعل رحمتكم في قلبي وأنا أخت مارية التي أهداها المقوقس لنبيكم وإني أريد منكم أن توصلوني عند أختي مارية فقال لها يوقنا أبشري بما يسرك ولكن أخاف عليك من عدو الله فما ترين فقالت والله ما جئتكم حتى سكر ونام فقال يوقنا فعرفينا الطريق التي نسلكها إلى قومنا قالت أن هذا المكان فيه سرب يخرج إلى ظاهر البلد وهو مبني من قديم الزمان وبابه الخارج مبني عليه قبة على أعمده وتحتها قبر بين المقابر فكل من رآه يظن أنه قبر وإن الذي بنى هذه المدينة امرأة يقال لها فمعمان بنت عاد وصنعت هذه المقابر التي وراء التل وهي كأنها قصور مشيدة وكان فيها أناس سكنوها فقال يوقنا افعلي بنا ما يقربك إلى الله تعالى ورسوله ولعلك أن تنزلينا من هذا السرب حتى نذهب إلى أصحابنا ونأتي بهم من هذا ما دام الموبذان سكران وهو نائم فقالت سأفعل ذلك أن شاء الله تعالى غير أني أريد أن افتح لكم باب السرب قبله حتى لا تتعوقوا.
قال الراوي: وقد مضت رينا أخت مارية وأشرفت على الموبذان فإذا هو ومن معه صرعى من الخمر فتركتهم وعادت إلى باب السرب لتفتحه وإذا هي تسمع وراءه حسا ففزعت ووقفت تسمع.
قال: حدثني عبد الرزاق بن يحيي عن سليمان بن عبد الحميد عن سفيان الأعمش عن أوس بن ماجد وكان ممن شهد فتوح مصر والاسكندرية قال لما نزل خالد بن الوليد على مريوط بجيشه تفقد يوقنا وقال لأصحابه: انه من وقت أن بعثته برسالتي إلى مريوط للموبذان ما عاد قالوا: أيها الأمير انه من وقت ما دخل إليه ما خرج ونحن في انتظاره فعلم خالد أن يوقنا مقبوض عليه فبات مهموما من أجله وكان خالد صاحب همة وعزيمة لا ينام من خوفه على المسلمين وكان معه جواسيس قد أخذهم معه من كل أقليم وقد اصطفاهم لنفسه وهو يحسن إليهم وأينما ذهب يكونوا معه ليأتوه بالأخبار فبينما هو في غم بسبب يوقنا وإذا هو بواحد منهم قد دخل عليه وأعلمه أن ولد الموبذان قد أتى من اسكندرية من عند أرسطوليس ومعه خلع وهدايا لأبيه ومعه خمسمائة فارس وقد بلغه أنكم محاصرون أباه فترك العسكر وما معه بالبعد وانفرد ومعه خادمان وأتى وما نعلم ما يريد قال فلما سمع خالد ذلك قام وأخذ معه غلامه هماما وأربعة ممن يعتد بهم وأبعد وقعد على سفح التل من نحو اسكندرية ونظروا إلى التل وإذا بولد المؤبذان ومعه الخادمان قصدوا إلى وراء التل عند تلك المقابر التي وصفتها رينا ليوقنا وقصدوا القبة فمشى خالد وراءهم وفرق جماعته من أربع جهات القبة وكبسهم وإذ هم قد فتحوا طبقا.
стр. 405
في وسط القبة فأخذهم خالد فلما رآه الموبذان ارتعدت فرائصه وخاف فقال خالد: إن صدقتموني أمنتكم وإن لم تصدقوني رميت رقابكم فقال الغلام: أنا أصدقك أنا ولد الموبذان وكنت عند الملك في اسكندرية وقد أنفذ معي خمسمائة فارس عونا لأبي وحفظا لهذه المدينة فنحن في الطريق وإذ قد جاءتني الجواسيس بأنكم نازلون على البلد فأوقفت العسكر وأتيت إلى هذه القبة فقال له خالد: وما الذي تريد من هذه القبة ألكم فيها سلاح أم مطلب فيه مال قال: لا قال فما تريد منها قال الغلام أن أمنتني قلت لك الحق.
فقال له خالد: قد أمنتك على نفسك فقبل يده وقال: يا مولاي أريد أمانا لأبي ومن يلوذ به فأعطاه فقال اعلم أن هذه القبة على سرب والسرب ينتهي إلى دار الامارة ودار الامارة في وسط المدينة قال فلما سمع خالد ذلك تهلل وجهه فرحا وسرورا وقبض على الغلام وعلى الخادمين وأمرهما مع واحد آخر ممن معه أن يفتحوا السرب ففتحوه فأرسل هماما إلى العسكر وأمره بأن يأتي بهم في السرب وإن يأتوا معهم بالنار والزيت والقناديل وإن يسرع بذلك وكان ذلك التل عاليا والذين في المدينة لا ينظرون ما وراءه فلما أقبل همام بما طلبه خالد أوقدوا المسارج ونزلوا في السرب وابن الموبذان أمامهم فوصلوا إلى الباب وإذا برينا عند الباب تريد فتحه ليوقنا ومن معه فلما سمعت حسهم قالت من أنتم فقال خالد لابن الموبذان: كلمها فقال أنا فلان بن الموبذان افتحي ولا تعلمي أبي قال: فلم يبق لها بد أن تفتح الباب ففتحت فصعد خالد ومن معه فقبضوا على رينا فقالت لهم يا قوم دعوني فإني أردت أن أخلص أصحابكم وجئت لأفتح لهم هذا الباب وأنذلهم اليكم وتملكوا هذه المدينة من ههنا وقد أتى بكم رب العالمين وأنا رينا أخت مارية زوجة نبيكم فلما سمع خالد فرح وقال لها وأين أصحابنا فأتت بهم عندهم فحلوا وثاقهم وأتوا إلى دار الامارة فوجدوا الموبذان لا يشعر بنفسه من الخمر فوكل به جماعة وأمر الباقي أن يملكوا السور وقبضوا على الحرس ونزلوا إلى الأبواب وكان لها بابان فكسروا أقفالهما وفتحوهما وأرسل إلى بقية العسكر فدخلوا المدينة والكل في حالك الليل فلما أصبح الصباح استيقظ الموبذان ومن معه وإذا بالمسلمين حولهم وكل من في المدينة قد أسر فقال له خالد: يا عبد الله لولا أني أعطيت ولدك الأمان كنت قتلتك شر قتلة ولكن خذ أهلك وانصرف فاننا قوم إذا قلنا قولا نعمل به وفهم الموبذان أن ولده قد دلهم على السرب فلما خرج الموبذان بأهله قال ولده لخالد: يا مولاي أن أنا مضيت معه قتلني ولست أريد بغيركم بدلا وأنا أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقال له خالد: أن قصر أبيك وما فيه لك وعرض خالد الإسلام على أهل مريوط فأسلم أكثرهم ثم أن خالدا قال ليوقنا ﵀ أبشر من الله.
стр. 406
بالرضوان والغفران والثواب فبصبرك على الشدائد فتح الله علينا هذه المدينة فقال: والله ما فتحها إلا بفضله وببركة نبيه ﷺ فكتب إلى عمرو بن العاص يبشره بفتح مريوط ونحن معولون على الدخول إلى اسكندرية وأرسل الكتاب إليه.
قال ابن اسحق: وأقام خالد بمريوط لأجل ذي الكلاع الحميري لانه مرض معه وكان مرضه شديدا فجلسوا عنده شهرا ولم يفارقه خالد فقدر الله له بالوفاة فحزنوا عليه حزنا شديدا عظيما فكان ذو الكلاع ملك حمير وكان قبل دخوله في الإسلام يركب له اثنا عشر ألف مملوك سود سوى غيرهم قال أبو هريرة الدوسي رضي الله عليهم ولقد رأيته بعد تلك الحشمة يمشي في سوق المدينة وعلى كتفه جلد شاة لما قدم من اليمن إلى الجهاد في أيام أبي بكر الصديق ﵁ فلما مات رثاه ولده تنوخ بما رثى به حمير أباه سبأ بن يشجب في الزمن المتقدم وهو.
عجبت ليومك ماذا فعل. ... وسلطان عزك كيف انتقل.
وسلمت ملكك ذا طائعا. ... وسلمت للامر لما نزل.
فيومك يوم رفيع النزال. ... ودورك في الدهر دور رحل.
فلا يبعدنك فكل امرىء. ... سيدركه بالسنين الاجل.
لئن صحبت نائبات الزمان. ... وشت مع الدهر وجه الامل.
لقد كنت بالملك ذا قوة. ... لك الدهر بالعز عان وجل.
بلغت من الملك أقصى المدى. ... نقلت وعزك لم ينتقل.
فطحطحت آفاقه والمدى. ... وجئت من العرب حول الدول.
حويت من الدهر اطلاقه. ... ونلت من الملك ما لم ينل.
وحملت عزمك ثقل الامور. ... فقام بها حازم واستقل.
صحبت الدهور فهنأتها. ... وما مر عيشك فيما فعل.
بنيت القصور كمثل الجبال. ... ذهبت فلم يبق إلا الطلل.
نعمنا بأيامك الصالحات. ... ومشربنا بك وبل وطل.
تؤمل في الدهر أقصى المنى. ... ولم تدر بالامر حين نزل.
فزالت لعزمك شم الجبال. ... ولم يك حزمك فيها هبل.
стр. 407
ذكر فتوح اسكندرية .
قال: وعول خالد على المسير إلى اسكندرية.
стр. 408
حدثنا زياد بن أوس الطائي عن معمر بن الرشيد قال لما نزل خالد بعد رحيله عن مريوط قال له عيونه: انه لما انهزم ابن المقوقس وأتى إلى اسكندرية وبلغه فتح مصر صعب عليه قال: وكانت اسكندرية عامرة كان فيها الخلق كثيرا والمراكب فأرسل مراكب وعمرها بالرجال وأمرهم أن يكبسوا سواحل بلاد الشام على المسلمين فقالوا: سمعا وطاعة ومضوا إلى ساحل الرملة فوجدوا بالليل نيرانا كثيرة فسألوا من كان خبيرا بالبلاد فقالوا: هذه نيران المسلمين النازلين ههنا فقالوا: هذه حاجتنا التي جئنا في طلبها فنزلوا وقصدوها وإذا بها حلل من حلل دوس بني عم أبي هريرة وكان معهم طائفة من بجيلة وفي جملتهم ضرار بن الازور وهو مريض وأخته خولة معه تمرضه وكان أبو عبيدة أمرهم بالنزول هناك لأجل كثرة المرعى وهم آمنون مطمئنون من الروم وغيرهم لأن دولة الروم قد انصرمت وأيامهم قد ولت فما فطن القوم إلا وقد كبسهم القبط في جندس الليل ووضعوا فيهم السيف فقتلوا منهم رجالا وأخذوا منهم أسارى ومن جملتهم ضرار وأخته وأخذوا ما قدروا على حمله وأتوا بهم المراكب وكان جملة من أسروه من الرجال والنساء والاولاد والعبيد ألف ومائة فوضعوهم في المراكب وأقلعوا بهم من ليلتهم وسارا طالبين اسكندرية.
قال ابن اسحق: وكان أبو عبيدة قد استوطن طبرية لكونها في وسط البلاد وهي قريبة من الاردن والشام والسواحل وإن أبا هريرة قد أتى ليزور قومه في تلك الايام ويسأل عن حال ضرار وكانوا يحبونه لشجاعته فأتى أبو هريرة ومعه حليف له من بني بجيلة فأصبحنا تلك الليلة في الحي وإذا بهم قد أخذهم القبط وبيوتهم مطروحة والرجال مقتولة وآثارهم منبوذة ووجدوا من الذين انهزموا أناسا مجروحين فسالوهم فقالوا: ما عندنا خبر حتى كبسنا قوم نصارى وما نعلم من أي الطوائف هم ولم نفق حتى وقعوا فينا بالسيوف فقتلوا ما ترون وأسروا الباقين وأخذوهم في مراكبهم فقال أبو هريرة لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم وساروا إلى ساحل البحر فلم يروا لهم أثرا فلما عولوا على الرجوع إذا بلوح من ألواح المراكب تلعب به الامواج وعليه شخص فوقفوا له حتى أقبل وخرج الرجل وإذا به أمير دوس وحيان ابن عم أبي هريرة فلما رآه ترجل له وعانقه وهنأه بالسلامة وقال له: يا ابن عم ما وراءك فقال هجم العدو علينا ليلا وأسرونا وساروا فلما توسطنا البحر بعث الله بريح فغرقت مركبنا وقد نجاني الله على هذا اللوح فقال له: ومن أعداؤكم قال من قبط مصر وإني سمعتهم يذكرون اسكندرية كثيرا قال فرجع أبو هريرة يطلب طبرية وأتى ابن عمه إلى مكان الحلة حتى يلم شعث الناس ويداوي المجروحين فجمع ما تركوه وأتى بهم إلى الرملة وأما أبو هريرة فأتى أبا عبيدة وأخبره بما جرى فاسترجع وبكى وقال أعوذ بالله من الساعات الرديئة ثم قال: والله لئن وصلوا إلى اسكندرية ما يبقيهم صاحبها طرفه عين ويموت ضرار ويمضي دمه.
стр. 409
هدرا وكتب إلى عمرو بن العاص يعلمه بذلك ويحذره من صاحب الاسكندرية وإنه أسر الفا ومائة من جملتهم ضرار وأخته وكانت تداويه وهي عنده فإذا وصل اليك كتابي هذا فاجتهد في خلاصهم وإن وقع في أيديكم أحد من القبط ففادوهم به ودفع الكتاب لزيد الخيل وأمره أن يسير إلى مصر فلما قدم زيد الخيل إلى مصر دفع الكتاب لعمرو بن العاص فلما قرأه صعب عليه وكان يحب ضرارا فأرسل الكتاب إلى خالد بن الوليد وكتب إليه يحثه بالمسير إلى اسكندرية وإنه يفتقد حال الأسرى فلما وصل الكتاب إلى خالد وقرأه صعب عليه أمر ضرار وأخته خولة.
حدثنا ابن اسحق قال: حدثنا عاصم بن منصور عن أحمد المروزي عن سلمة عن عبد الله ابن المبارك عن عبد العزيز عن أبيه قال لما أخذت النصارى حلل دوس وضرار واخته وعصفت عليهم الريح وغرق أحد المراكب ووصل الباقي إلى اسكندرية أوقفوهم أمام ابن المقوقس فأراد قتلهم فقال له: أرباب دولته أيها الملك لا تعجل عليهم واعلم أن العرب متوجهة اليك ولا بد لنا من قتالهم فإن أسر أحد منا ممن يعز عليك يكون عندنا من نفادي به ولعل أن نصالح العرب فاستصوب رايهم وقال ادفعوا هؤلاء الأسرى إلى دير الزجاج وأرسل معهم ألفي فارس يوصلونهم إلى الدير فجاءت عيون خالد وأخبروه بما وقع فقام وأخذ معه أصحابه وسار يطلب دير الزجاج فوصل خالد إلى الدير قبل وصول الأسارى ومن معهم فلما أحدقوا بالدير أشرف عليهم راهب كبير السن وكان اسمه مباحا وكان تلميذا لبحيرا راهب بصرى وكان مؤمنا بالله وبأنبيائه فقال له خالد: يا راهب كيف ترى الدنيا قال تنحف البدن وتجدد الامل وتقرب المنية وتقطع الامنية قال فما حال أهلها قال من نال منها شيئا نفضته ومن فاته منها شيء حسرته قال فما خير الاصحاب فيها قال العمل الصالح والتقي قال فما شر الاصحاب فيها قال اتباع النفس والهوى قال خالد: صدق رسول الله ﷺ إذ قال: "الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها" ثم قال كيف طابت لك الوحدة قال ألفتها قال فهل نلت منها فائدة قال: نعم الراحة من مداراة الناس قال فما أحسن هذا الاعتقاد لو كان في دين الإسلام والتوحيد قال فما أعرف غيره قال فما تقول في محمد ابن عبد الله ﷺ .
قال سيد الرسل وخاتم الانبياء وصفى الاصفياء وحجة الجبار على الورى قال فلم لا تكون في بلاد الإسلام فهي أصلح لك من ههنا قال قلبي ملوث بحب الدنيا قال خالد: أعندك خبر بالعرب الأسرى الذين أرسلهم الملك هنا قال: لا والله ولكن مر بي البارحة بطريق وأسقف واستقيا ماء من بئر هذا الدير فسالتهما من أين أتيتهما فقالا من الاسكندرية واننا رسل الملك كيماويل صاحب أرض برقة وإنه أرسلنا إلى ملك.
стр. 410
القبط يسأله أن يرسل له أسرى من عرب المسلمين حتى يراهم ويسمع كلامهم فأجاب أنه يرسل منهم جماعة وإنا ماضون نعلم صاحب برقة بذلك فقال لخالد لعلكم من المسلمين الذين فتحوا بلاد الشام قال خالد: نحن هم فقال الراهب أن أخباركم عندي في كل وقت وأعلمك أن رأيت نبيكم ﷺ وهو في قافلة قريش وأنا عند بحيرا فلما مات بحيرا انتقلنا إلى هذا الدير واعلموا أنه ما بقي من أرض الكنائس ولا بأرض العقبة ولا بأرض الرمادة أحد ولا ديار من راهب ولا قس إلا وقدم لزيارتي ويسألني عنكم وعن نبيكم ويقولون لي أنت كنت على طريقهم ورأيت نبيهم وشرحت لهم دينكم وأوصلتهم إلى ما ظهر من معجزات نبيكم ﷺ ولقد جرى بيني وبين راهب منهم بالقرب مناظرة وقال لي: أن النبي الذي بشر به عيسى المسيح ابن مريم ليس هذا فقلت له بلى هو والله النبي العربي فقال لي: اننا سمعنا في العلم أن الرسول الذي يظهر من أرض الحجاز يعرج به إلى السماء وماسمعنا أن هذا عرج به فقلت بلى والله أنا سمعت بأنه عرج به إلى السماء وخاطب العلي الاعلى وأصبح فأعلم بذلك قريشا ثم قال لخالد اعلم أن في وسط هذا الجبل ديرا يقال له دير المسيح: وقد استوى عليه بطريق ومعه جماعة وهو يقطع الطريق على قوافل العرب وإنه منذ زمان قطع الطريق على قافلة وفيها شخص من بلادكم وهو مسلم فأخذ القافلة وعرى أهلها وأطلقهم وقبض على ذلك المسلم وأخذ ماله ووضعه عنده في العذاب الشديد والرجل يستجير فلا يجار ويقول له ما أطلقك حتى تكفر بالرحمن وتسجد للصلبان ثم إنه يأتيه بصورة من نحاس وعلى رأسه عمامة سوداء ويقول له هذه صفة نبيكم وينصبه قباله ويصب فضلة كأسه على رأس هذه الصورة وذلك الرجل يستجير من فعاله قال فلما سمع خالد ذلك أخذ معه شرحبيل بن حسنة وعامر بن ربيعة ويزيد بن أبي سفيان وهاشم بن سعيد والقعقاع ورفاعة وترك بقية العسكر محيطة بالدير ومضوا إلى وسط الجبل فوجدوا الدير فوصلوا إليه وإذا بالبطريق قد اقبل ومعه وحش مذبوح وقد قصد إلى شجرة بالقرب من الدير وتحتها عين فنزل على العين وصاح بغلمانه فأتوا إليه وأضرموا النار وجعلوا يشوون له وهو يأكل ويشرب الخمر وقال لهم: هاتوا المحمدي فاتوه برجل قد ركبه الذل وغلبه القهر فلما رآه قال له: أنت قد غلبتني بتجلدك على العذاب وحق ديني لا أرفع عنك العقوبة حتى ترجع عن دينك إلى ديني فقال له: اصنع ما بدا لك فإني أعلم أن الكل بمشيئتة الله وبارادته وإني صابر على مر البلاء وما أرجع عن دين محمد المصطفى قال فهم أن يقوم إليه يضربه فصاح به خالد بن الوليد وحمل عيه وطعنه فاخرج السنان من ظهره وقتلوا غلمانه وخلصوا المسلم ونزلوا على العين ولم يكن لأهل الدير شرب إلا من تلك العين فأشرف عليهم الرهبان من أهل الدير وقالوا: ما نحن أهل سيف حتى نقاتلكم وقد نهاكم.
стр. 411
نبيكم عن قتل الرهبان فقال خالد: سلموا لنا مال هذا البطريق وعياله وأطفاله ونحن نترككم في ديركم ففتحوا لهم وسلموا لهم جميع موجوداته وأخذوا الاسير وساروا وسأله خالد بن الوليد من أين أنت فقال أنا أمية بن حاتم أخو عدى وقد أخذني هذا في أواخر ايام أبي بكر الصديق ﵁ فإني كنت طالب برقة مع قافلة ومعي بضاعة فأخذها وأخذني وكان أمر الله قدرا مقدورا قال فرجعوا عند أصحابهم ولم يأتوا القبط فما لحقوا أن ينزلوا عن خيولهم إلا والراهب صاح وقال لهم: استعدوا للقاء عدوكم فإنهم قربوا منكم فتجهزوا للقاء العدو وإذا بهم قد أقبلوا وضجيج الاطفال وبكاء الناس وأنين الرجال وصراخ المأسورات وصياح القبط عليهم يسوقونهم من ورائهم وزئير الفرسان وهفيف الصلبان والعربيات تنادي بالويل والهوان وخولة بنت الأزور على مقدمة الأسارى وهي تقول.
جل المصاب وزاد الويل والحرب. ... وكل دمع من الاجفان ينسكب.
ومادت الأرض مما قد بليت به. ... حتى توهمت أن الأرض تنقلب.
جالت يد القبط فينا عند غفلتنا. ... واستحكم القبط لما زالت العرب.
لهفي على بطل قد كان عدتنا. ... فيه العفاف وفيه الدين والادب.
قد كان ناصرنا في وقت شدتنا. ... أعني ضرار الذي للحرب ينتدب.
فيه الحمية والاحسان عادته. ... فيه التعصب والانصاف والحسب.
لو كان يقدر أن يرقى مراكبه. ... كان العدو فني والحرب تلتهب.
أو كان خالد فينا حاضرا وطنا. ... لزال عنا الذي نشكو وننتحب.
لو كان يسمع صوتي صاح بي عجلا. ... مهلا فقد زال عنك البؤس والعطب.
قال فلما سمع خالد نداءها قال لبيك يا بنت الأزور قد جاءك الفرج وذهب عنك الحرج فاطبقوا على القبط فما كان ببعيد حتى قتلوا منهم سبعمائة وأسروا الفا وثلمائة وخلصوا الأسرى وسلموا على ضرار وهنئوه بالسلامة وودعوا الراهب بعدما كتب له خالد كتابا بأن له من طعام الاسكندرية صاعا ولكل من سكن الدير من أهله وقبيلته ثم إنهم ساروا طالبين الاسكندرية وهم سائقون الأسرى من القبط بين أيديهم قال: وكان الملك أرسطوليس لما سمع بأن العرب قد أتوه أخرج عسكره وضرب خيامه خارج باب السدرة قال فلما قدم المسلمون وقع الصايح بقدومهم ووقع الخوف في قلب الملك وعسكره وقالوا له: أيها الملك ما الذي تدبر في أمر هؤلاء العرب قال: وما عسى أن أدبر والخوف قد ملأ قلوبكم وهم طمعوا فيكم ورأوا أنكم تنهزمون ولا تخافون العار وإذا قاتلتموهم كانت قلوبكم متفرقة وأهواؤكم غير متفقة وقد أسروا رجالا.
стр. 412
ولم يرهبوا قتالكم ولا مانع يمنعهم ولو أن أصحابهم الذين أرسلتهم إلى دير الزجاج عندي لكنت صالحتهم باطلاقهم ودفعناهم عنا وقد فرطنا أيضا في الألفين الذين أرسلتهم معهم فلو كان فينا لقاتلوا معنا فقال له وزيره: أيها الملك هل لك أن ترسل إليهم وتتحدث معهم في أمر الصلح ونحن نسلم إليهم أصحابهم فقال: إنهم لن يقبلوا منكم رسولا منذ صبأنا عليهم ببحر الحصى فبينما هم في ذلك وإذا بصاحب البحر قد أتى إليه وهو الموكل بالنار وأخبره أنه رأى مركبا قد ظهر من قبل الغرب ولا أعلم من أين أتى فقال: لا شك أنه من صاحب برقة الملك كيماويل وقد أنجدنا فأقبل المركب ورمى مراسيه ونزل منه شيخ مهيب مليح الشيبة ظاهر الهيبة وعليه ثياب من الصوف الاسود ونزل معه عشرون شخصا من القسوس والرهبان فلما نزلوا إلى البر جاءتهم الخيول بالمراكب المذهبة والغلمان والحجاب وعظموا شأنهم وأركبوهم وساروا بين أيديهم إلى أن أوصلوهم إلى الملك وأدخلوهم عليه فقام لهم وعظم شأنهم وأجلس ذلك الشيخ معه على السرير.
قال الراوي: وكان أرسطوليس قد أرسل هدية إلى الملك صاحب برقة وأرسل إليه يعلمه بما فعله العرب في مدة قيصر وانهم قد أتونا ومن جملة ما أرسل له يقول أيها الملك اعلم أن الدنيا دار زوال وانتقال فما وهبت إلا واستردت ولا فرحت إلا وأحزنت فالمغرور من تشبث بذيلها واطمأن اليها والسعيد من لبس ثياب الحذر منها وعمل لدار المقر أما ترى أيها الملك إلى هرقل ملك الشام كيف هرب وزال ملكه وذلك عند ما رمته الدنيا بمصائبها وشتتته بسهام نكائبها بعدما كانت في وجهه مشرقة والا يخطر له هم الاعداء على بال وما ضربت لك هذا المثال إلا لعلمي أن الدنيا لا تبقى على حال وهؤلاء العرب قد استولوا على البلاد وأذلوا بسيوفهم العباد وقد أقاموا لهم شرعا بالسيوف الحداد وقد ملكوا القياصرة وقد جاءت طائفة الينا وأخذوا مصر منا وأخذوا ملكنا وحكموا على بلادنا بعدنا ولا بد لهم منك ولا غنى لهم عنك والصواب أن تشمر لهم عن الهمم وتنجدنا على من بغى وأجرم فنحن جيرانك وكلنا جندك وأعوانك والسلام.
قال الواقدي: فلما وصلت الهدية والكتاب عرضه على أرباب دولته وقال لهم: ما ترون فيما كاتبكم به صاحب مصر والاسكندرية فقالوا له: أيها الملك ما زالت الملوك يستنصر بعضها ببعض والذي أشار إليه هو الحق وإن العرب إذا ملكت ملك القبط فلا بد لهم منا والعبور إلى بلادنا فابعث إليه بنجدة ونكون نحن وهو يدا واحدة فالمسيح يعطي النصر لمن يشاء فاجابه إلى ذلك وأمر ابن أخيه اسطفانوس أن يمضي في أربعة آلاف وأمره أن يسير لمعاونة صاحب اسكندرية ثم إنه أرسل خادمه إلى عالم أرضهم.
стр. 413
والمشار إليه في علم النصرانية وهو البترك واسمه سطيس وكان عمره مائة وعشرين سنة وكان تلميذ زيروسا وزيروسا تلميذ مرقس ومرقس تلميذ يوحنا ويوحنا أحد حواري عيسى المسيح وكان هذا البترك سطيس مؤمنا بالله وموحدا وسمع بأخبار رسول الله ﷺ ومعجزاته وهو مؤمن من قبل مبعثه وظهوره حتى بلغته أخباره ﷺ وإنه مات فبكى لموته ولزم زاوية الحزن ولم يظهر خبره لاحد مدة من الزمان وقد بنى له صومعة وانفرد بها وجعلها على قارعة الطريق فما مرت به قافلة إلا واستخبرها عنه ويسأل عمن جلس بعده للمسلمين خليفة فقالوا: أبو بكر الصديق وبلغه موته وولاية عمر ثم بلغه فتوح الشام وقدوم الصحابة إلى مصر وفتحها فلما أرسل صاحب مصر يستنجد صاحب برقة وأرسل أخاه أرسل هذا البترك في مركب يبشره بقدوم اسطفانوس إلى نصرته فلما وصل إليه وبشره فرح بذلك وقال: يا أبانا أريد من انعامك أن تسير إلى هؤلاء العرب وتختبر دينهم ونبيهم وتدعوهم إلى الصلح وتعلمهم أن في أيدينا جماعة منهم أخذناهم من ساحل الرملة وقد أنفذت بهم إلى دير الزجاج فإن أرادوا أصحابهم أطلقناهم لهم ونعطيهم شيئا من مالنا واعقد لنا ولهم الصلح بأنهم لا يرجعون الينا ولا يتعرضون لنا فقال البترك سافعل ذلك وإني قد قرأت في الكتب السالفة فوجدت فيها أن الله يبعث نبيا من أرض تهامة تعرض عليه مفاتيح الأرض وكنوزها فلا يلتفت اليها ولا يعيرها نظره ولا يختار إلا الفقر على الغنى وإن أصحابه يتبعون سنته وأنا استخبر حالهم قبل سيري إليهم فقال الملك وكيف تستخبر حالهم يا أبانا قال: أيها الملك أرسل بغلة من مراكبك وعليها مركب من ذهب وهو مرصع بالمعادن وتأمر غلمانك أن يسيروا بها ويرسلوها نحو عسكر المسلمين فإن أخذوها فنعلم أنهم يحبون الدنيا ولا يريدون الآخرة وإن ردوها فنعلم انهم يطلبون ما عند الله قال ففعلوا ذلك وأرسلوها وكانوا في حندس الليل وكان في الحرس شرحبيل بن حسنة فلما رأى البغلة وما عليها من الزينة ضحك وقال أن أعداء الله يريدون اختبارنا ومعرفة أحوالنا أن كنا نطلب الدنيا أو الآخرة فوالله ما منا من يميل إلى ما يفنى وإنما يغيتنا فيما يبقى ثم قرأ: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠] ثم أمسك بعنان البغلة وأطلقها نحو عسكر القبط قال فلما رأوها صلبوا على وجوههم وقال الملك والله بهذا نصروا وخذلنا والله أن أبي كان على بصيرة من أمرهم ثم أمر البترك سطيس أن يتوجه إليهم فمضى فلما قرب منهم رأى أقواما قد هجروا الدنيا فمنهم القارىء ومنهم الذاكر لباسهم الصوف صغيرهم يوقر كبيرهم وكبيرهم يرحم صغيرهم وصوت أحدهم لا يعلو على الآخر الذكر كلامهم والقرآن شعارهم والتقوى لباسهم والخوف من الله أنيسهم فلما دخل على عسكرهم سأل.
стр. 414
عن أميرهم وصاحبهم فدلوه على موضع خالد فقصده فلما وصل إليه وجده في ذكر الدين والقيامة فنزل عن بغلته ووقف أمامه وأومأ إليه بالسجود فمنعه خالد فقال له: أنت أمير هؤلاء القوم قال كذا يزعمون إني أميرهم ما دمت على الحق واتباع العدل والانصاف والخوف من الله محسنا للمحسنين منهم شدادا على المسيئين منهم فمتى حدت عن هذه الاشياء فلا امارة لي عليهم فقال البترك أنتم والله القوم الذين بشر بكم عيسى ابن البتول وإن الحق معكم لا يفارقكم قال فأمره خالد بالجلوس فجلس وقال: يا معاشر العرب أخبروني عن نبيكم فقال خالد: أن الله اختار من ولد آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر كنانة واختار من كنانة قريشا واختار من قريش بني هاشم واختار من بني هاشم عبد المطلب واختار من عبد المطلب عبد الله محمدا ﷺ وقال: "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" وقال لما خلق الله العرش كتب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فلما وقع آدم في الزلة رأى على ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله فقال: يا رب من هذا قال: ولدك يا آدم الذي لولاه ما خلقتك قال: يا رب فبرحمة هذا الولد ارحم هذا الوالد فقال: يا آدم لو تشفعت الينا بمحمد في أهل السموات والارضين لشفعناك ثم أن الله جعل اسمه مقرونا باسمه وذكره مع ذكره ورسمه بما وسم به نفسه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقال في حقه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] وإن الله رفع ذكره وعظم فخره وأعز قدره فقال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤] وهذا غاية الشرف والتعظيم والتبجيل والتكريم وقال: يا محمد لا أذكر حتى تذكر فمن أحبك فقد أحبني ومن سبك فقد سبني ومن جحدك فقد جحدني ومن أنكر نبؤتك فما عرفني وها أنا أشهد على نبؤتك فقال عز من قائل: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الرعد: ٤٣] قال في موضع آخر: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ [النساء: ٧٩] محمد رسول الله قال فلما سمع البترك ذلك من خالد فرح وقال لقد نجا من اتبعه وخسر من فارقه ثم جدد إسلامه على يد خالد وحدثهم بأمره من أوله إلى آخره ثم حذرهم من أخي صاحب برقة وإنه واصل ومعه أربعة آلاف فارس وإني قد سبقته في البحر وهذا الملك القبطي يريد صلحكم ويقرر لكم على إنكم تصالحونه أن يعطيكم شيئا من المال ويسلم اليكم قوما من أصحابكم قد أخذوهم من ساحل الرملة فقال خالد: أن أصحابنا قد فك الله أسرهم وجمع بنا شملهم وقد نصرنا الله على القبط الألفين الذين كانوا مع الاسارى فاننا أخذنا ألفا وثلثمائة أسير وقتلنا سبعمائة ثم إنه عرضهم عليه وعرض الإسلام عليهم فأبى أكثرهم وأسلم بعضهم فأمر خالد بضرب رقابهم بين.
стр. 415
العسكرين ثم أن البترك عاد إلى صاحب اسكندرية وقال له: هؤلاء لا نملك غرتهم لانهم حذرون من أعدائهم وعرفة بقصة اصحابه وانهم هؤلاء الذين ضربوا رقابهم قبالك فقال له: يا أبانا ومن اين هؤلاء قال قد وقعوا بهم وخلصوا اصحابهم واسروا من أصحابك ألفا وثلثمائة وقتلوا سبعمائة قال فلما سمع ابن المقوقس ذلك سقط في يده وايقن باتلاف ملكه وقال لأرباب دولته وعسكره: خذوا أهبتكم للقتال وكأنكم بعسكر الملك كيماويل صاحب برقة وقد اقبل عليكم ونقاتل هؤلاء العرب بقلوب قوية وأسرار نقية ويعطي الله النصر لمن يشاء وباتوا وهم معولون على القتال.
قال ابن اسحق: ولقد بلغني أن الملك نام بقية ليلته فرأى في منامه كان شخصا أشقر عريض الصدر قد خرج من حمام ومعه شخص آخر مليح الوجه حسن الخلق وسيم قسيم في عينيه دعج وله نور يسطع كأنه قمر فقال ابن المقوقس للاشقر من أنت قال ابن العذراء البتول أنا المسيح بن مريم وهذا الذي بشرت به من قبل مبعثه هذا محمد رسول الله العربي الامي من آمن به فقد اهتدى ومن جحد نبوته فقد اعتدى وقد جئنا لنصرة أصحابه ومقامنا على القبة.
قال ابن اسحق: ولقد بلغني أن برج القبة مما يلي باب البحر وذلك أن الاسكندرية لما بني الاسكندرية وسماها باسمه كان الخضر وزيره وهو الذي بنى الباب الأخضر وصنع تلك القبة باسمه ورسمه وكان يأوي اليها فصار ذلك الباب مشتهرا به إلى ي ومنا هذا قال ثم أن عيسى ﵇ قال للملك في نومه أن كنت من أمتي فاتبع شريعة هذا النبي وذهب عنه فلما أصبح حدث أرباب دولته بما رأى في نومه فقالوا: أيها الملك هذه أضغاث أحلام وما كان عيسى المسيح يماشي العربي وهو عدوه وإنما الشيطان قد خيل لك ذلك فلا تلتفت إليه قال فأصغى الملك إلى كلامهم ثم إنه أمر عسكره بالقتال فركبوا وصافوا المسلمين وأما الملك فإنه نظر إلى برج القبة وإذا بالقبة يسطع منها نور فدخل الوهم في قلبه مما رأى في منامه وقال: والله ما هذا النور إلا نور المسيح ومحمد وإن هذا هو الحق لا شك فيه.
حدثنا ابن اسحق حدثنا عامر بن بشر عن الأحوص قال كنت في خيل خالد بن الوليد يوم قتالنا على اسكندرية قال لما وقفنا في ميدان الحرب وقف يقاتلنا فارس وهو بطريق عظيم الخلقة وعليه لبس يلمع وتحته جواد عربي فنادانا بالعربية بلسان فصيح وقال: يا عرب انصرفوا عنا فانا لا نريد حربكم وقد ملكتم منا مصر والصعيد وأكثر الريف وقد بقي في أيدينا هذه الجهة وما نحن منازعونكم فيما أخذتموه منا ونحن لا نقلدكم في البغي ونصالحكم صلحا نعود منه عن ظلم أنفسنا ونعدل في رعيتنا وإن أبيتم صلحنا لقيناكم بأسرار نقية وقلوب للجهاد قوية فنردكم على أعقابكم منهزمين وفي أذيال.
стр. 416
الذل متعثرين لأنه ما عدا أحد على أهل هذا الدين إلا ذلك وانهزم لاننا قوم لنا الكنائس الأربع والصوامع والبيع والقسوس والرهبان والمذابح والقربان والانجيل والصلبان ثم سكت عن كلامه.
قال الراوي: وكان هو الملك بن المقوقس فكان أول من بادر إلى رد جوابه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله ﷺ فقال له: لقد افتخرت بما يؤدي صاحبه إلى البوار ويعقبه سوء الدار يا ويلكم أفتفتخرون علينا بالشرك والطغيان وعبادة الصلبان والكفر بالرحمن ونحن أولو التقى والإيمان والفوز والرضوان والقبلة والقرآن والحج والاحرام والصلاة والصيام والاجتهاد والاحترام ديننا أفضل الاديان ونبينا المبعوث بالمعجزات والبيان وبالآيات والبرهان والمنزل عليه القرآن ومن اتبعه نال من ربه الغفران ومن جحد صحبته باء بغضب الملك الديان الذي كان ولا مكان ولا دهر ولا زمان ولا وقت ولا أوان شهد لنفسه بالربوبية ولصفاته بالأزلية ولذاته بالأحدية ولملكه بالأبدية سلطانه قاهر وكرمه ظاهر وتدبيره محكم وقضاؤه مبرم وعرشه رفيع وصنعه بديع وليس بوالد ولا مولود ولا لذاته حد محدود ولا لبقائه أجل معدود خضعت الأعناق لعظمته وخشعت الاصوات لهيبته وعنت الوجوه لعزته وذلت الاقوياء لقوته لا يحصى نواله ولا يفني كماله ولا تبيد نعمه وافضاله يا ويلكم كيف طاب لكم الكفر بالهيته والاشراك بربوبيته وإن تجعلوا له ولدا من خلقه وبريته وتسجدون للصلبان في دار مملكته ولا تفزعون من عظمته ثم إنه قرأ: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩, ٢١] ثم قال شرحبيل أن لله عبادا لو أقسموا على الله أن يدكدك لهم هذا السور لفعل وكانت اشارته إلى سور المدينة فغار السور في الأرض وبانت المنازل والدور قال فارتعدت فرائص الملك لما عاين ذلك من عظيم القدرة فلوى عنان جواده إلى عسكره وأفئدتهم قد طارت وأفكار القبط قد حارت فلما جن الليل أخذ الملك خزائنه وأمواله وحريمه وعياله وركب في المراكب وسار يريد جزيرة أقريطش فلما أصبح الصباح وقع الصايح بالمدينة بأن الملك قد انهزم فاجتمع الأكابر وقالوا: أن الملك قد انهزم وما لنا من يدفع هؤلاء العرب قال: فخرجوا بأجمعهم إلى أصحاب رسول الله ﷺ ووقفوا بين يدي خالد وقالوا: أن الله قد نصركم بحق وأيدكم بصدق وإنا نريد منكم أن تعاملونا بالنصفة وتنظروا الينا بعين الرحمة والعدل سنة من كان قبلنا معكم من الروم فقال خالد: ما فعل ملككم قالوا: وانهزم بأهله وماله في البحر فقال قوم: قد أسكن الله الرحمة في قلوبنا وبصرنا بمعالم ديننا وأظهرنا على أعدائنا وفضلنا على سائر من كان قبلنا من الأجناس فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
стр. 417
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ونحن نجريكم على أحسن عوائدنا مع سائر من فتحنا بلادهم وقد أمسكنا عنكم ولو أردنا أن نملك البلد بالسيف لهان علينا ولكن خير الناس من قدر وعفا ونريد منكم مائة ألف مثال ذهبا صلحا عن أنفسكم وأهاليكم وندعوكم بعد ذلك إلى الإسلام فمن أجاب منكم كان له ما لنا وعليه ما علينا ومن عدل عن ذلك أخذنا منه الجزية عن السنة الآتية من كل رجل وغلام بلغ الحلم أربع دنانير ونشرط عليكم شروطا أن لا تركبوا دابة ولا تعلموا دوركم على دور المسلمين ولا ترفعوا أصواتكم عليهم ولا تبنوا كنيسة ولا صومعة ولا ديرا ولا تجددوا ما دثر وتلقوا المسلمين بالذل والانكسار وتسارعوا في قضاء حوائجهم وما يريدون في اصلاح شأنهم لا تعدلوا عن تعظيم أهله ومن أذنب منكم ذنبا حددناه ومن ارتد عن قولنا قتلناه وإن تشدوا الزنانير على خصوركم اظهارا لدينكم وإن لا تظهروا ناقوسا ولا صليبا ولو آمنتم بالله ورسوله لكان خيرا لكم فقالوا: فقالوا: أيها الأمير مانترك ديننا فقرأ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ، وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ، وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢١, ٢٤] فقالوا: أيها الأمير نريد أن تولي علينا رجلا منا حتى يجمع المال الذي تقرر علينا فيلمه بالعدل وليمكن معه رجل منكم من اصحابكم فقال خالد: أني لا أعرف أحدا من أجاويدكم فاختاروا لأنفسكم برضاكم من أوليه عليكم فأشاروا إلى رجل منهم اسمه شيعا بن شامس وكان مقدما في القبط فولاه خالد على جمع المال ورياسة البلد وندب معه قيس بن سعد وأوصاهم وقال خذوا من كان واحد ما يحتمل حاله ومن كان معسرا ضعيفا فدعوه واحسنوا أن الله يحب المحسنين ولا تظلموا يتيما ولا فقيرا ولا أرملة فتعجب القبط من حسن وصيته وكلامه فدخل القوم واجتمعوا في دار الامارة وبعث شيعا غلمانه يجمعون الناس.
قال: حدثنا جرير بن عاصم عن نعيم بن موسى الداراني عن سليمان بن عوف عن جده مازن بن سعيد قال: وقع القسط على أهل اسكندرية فكان أكبرهم في الحشمة وأغزرهم في المال يزن عشرة قراريط وأوسطهم حالا يزن قيراطين ولقد أتى برجل من أغنيائهم اسمه براس لا يدري ما يملك من المال والدبش والغنم وكان أبخل أهل زمانه فقال له شيعا: قد وجب عليك في هذا المال دينار قال: وحق المسيح ما أنا بالذي يؤديه ولو مت وإن تصدقت به كان أفضل من عطيتي للعرب فقال له قيس بن سعد: أن في الذي نأخذه منكم صونا لأنفسكم وحفظا لدمائكم ونحن ما نأخذه على وجه الصدقة منكم بل نأخذه حلالا لا حراما يا ويلك لو دخلنا مدينتكم بالسيف ألست كنت أنت أول.
стр. 418
من قتل ومالك أول ما نهب وقال له شيعا: خذلك الله ولعنك كل من في اسكندرية يعلم إنك كنت أولا فقيرا لا تقدر على شيء من أمور الدنيا وقد آتاك الله من فضله ووسع عليك رزقه فقال الست ورثته عن آباء كرام وأجداد عظام وما لله علي من فضل قال فغضب قيس وقام إليه وقمعه بمقرعة كانت معه وقال له: كذبت يا عدو الله ورسوله الفضل والحمد والمنة لله لأنه رزقنا من فضله وأسبغ علينا من نعمه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] ثم قال قيس اللهم أنه جحد نعمتك فأزلها عنه قال فوالله ما مضى يومه حتى جاء الخبر بان أغنامه قد هلكت جميعا وبساتينه يبست ودياره قد تهدمت وأمواله ذهبت قال قيس الله أكبر هذا والله حديث سمعته من رسول الله ﷺ وأبو هريرة بجانبي قال: "أن ثلاثة من بنى اسرائيل كان أحدهم أبرص والآخر أقرع والآخر أعمى فبعث الله إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال له: أي شيء أحب اليك فقال الجلد الحسن والابل فأتى الأقرع فقال له: أي شيء أحب اليك قال الشعر الحسن والغنم وأتى الثالث فقال له: أي شيء أحب اليك فقال النظر والبقر قال ثم أن الملك مسح بيده على جلد الأبرص فعاد أحسن جلدا وأعطاه ناقة عشراء فبارك الله له فيها حتى ضاقت بابله الديار وأما الأقرع فأتاه ومسح بيده على رأسه فأنبت الله له شعرا حسنا وأعطاه نعجة عشراء فتوالدت إلى أن ضاقت بها تلك الديار ثم أتى الأعمى ومسح بيده على عينيه فعادتا أحسن عينين وأعطاه بقرة عشراء فتوالدت إلى أن ضاقت بها تلك الديار قال ثم أتاهم ليمتحنهم فأتى الأبرص فقال له: كنت أبرص فقيرا لا تملك شيئا فأعطني مما آتاك الله من هذه الابل ناقة أتسبب عليها فقال له: ما كنت فقيرا ولا أبرص وإنما ورثت هذا المال من آبائي قال فذهب إلى الأقرع وقال له: مثل ما قال للأبرص فقال مثل ما قال الأبرص فذهب إلى الثالث وقال له: مثل ما قال لصاحبيه فاجاب وقال بسم الله والله لقد صدقت فاذهب إلى هذا البقر فاقسمها بيني وبينك فقال له: بارك الله لك في مالك وقد رد الله صاحبيك كما كانا فانهما كفرا نعمة الله".
قال الراوي: وجمعوا المال ومضوا به إلى خالد وبنى فيها المساجد وأخذ كنيستهم العظمى فجعلها جامعا وترك لهم أربع كنائس وكتب إلى عمرو بن العاص يعلمه بفتح اسكندرية ففرح وركب وترك موضعه أباذر الغفاري وذهب إلى الاسكندرية وبني فيها جامعا في الربض وهو معروف بجامع عمرو إلى يومنا هذا.
стр. 419
ذكر فتح مدينة دمياط وما والاها .
قال الراوي: وأتت إليه أهل رشيد وفوة والمحلة ودميرة وسمنود وجرجة ودمنهور وابيار والبحيرة وصالحوه على بلادهم ثم إنه بعث المقداد ومعه أربعون فارسا وهم.
стр. 420
ضرار وشاكر ونوفل وراجح وعاصم وفارس وعروة وسهل وعمير وكعب وسعيد ويزيد وصعصعة وغيرهم وأمرهم بالمسير إلى دمياط وأمر عليهم المقداد بن الأسود الكندي فساروا إلى البرلس ودمياط كان بها خال الملك المقوقس وكان عسكره اثني عشر ألفا وكان قد حصن البلد وجمع فيها من آلة الحصار من الزاد وغيره قال فلما أشرف عليه الصحابة ونظر إلى قلتهم ضحك وقال أن قوما ينفذون الينا منهم أربعين ليملكوا بلدنا لفي عجز وقلة عقل قال: وكان ولده الأكبر فارسا مشهورا في جميع بلاد النيل وكان اسمه هريرا وكان يثق به وبشجاعته وبراعته وليس في عينيه الفرسان شيئا فلما رأى الصحابه وهم أربعون قفز إليهم وهو لابس لامة حربه وطلب البراز فخرج إليه ضرار بن الازور وحمل عليه فطعنه فقتله وحمل على عسكر دمياط فالجأهم إلى حيطان البلد وهو كأنه النار في الحطب فاستعاذ منه الجيش ثم أن خال الملك وكان اسمه البامرك اجتمع بأرباب دولته وقد صعب عليه قتل ولده وكان عندهم حكيم يثقون به وبرأيه ويعتمدون على عقله فأحضروه وقالوا له: أيها الحكيم العالم ما الذي تشير به علينا في أمر هؤلاء العرب.
فقال: أيها الملك أن جوهر العقل لا قيمة له وما استضاء به أحد إلا هداه إلى سبيل نجاته وقاده إلى معالم مصالحه وهؤلاء القوم لا تذل لهم راية ولا تلحق لهم غاية قد فتحوا البلاد وأذلوا العباد واشتهر أمرهم وعلا ذكرهم وفشا خبرهم وعلت كلمتهم وطافت الأرض دعوتهم فما أحد يقدر عليهم ولا يصل إليهم وما نحن باشد من جيوش الشام ولا امنع بلدا وهؤلاء القوم قد أيدوا بالنصر وغلبوا بالقهر وإن الرحمة في قلوبهم فعاهدهم فما عاهدوا عهدا وخانوا وما حلفوا يمينا فكذبوا وقد بلغك ما هم عليه من الدين والصيانة والصدق والأمانة والرأي عندي أن تصالحهم لتنال بذلك الأمن وحقن الدماء وصون الحريم ودفع الأمر العظيم ونكون قد صالحناهم ودفعناهم بشي من مالنا قال فلما سمع البامرك ذلك من الحكيم أمر بضرب عنقه فلما عرف الحكيم أن المنية قد غشيته قال: اللهم إني بريء مما يشركون بك لا شريك لك ولا ولد ولا صاحبة لك وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا رسول الله قال فلما سمع البامرك كلامه ضربه فقتله وأمرهم بأن يأخذوا على أنفسهم للحرب فلما كان الغد خرجوا إلى ظاهر دمياط ونصبوا خيامهم قال: وكان للحكيم ولد ورث فضائل أبيه وكان فيه فطنة وعقل وتدبير فلما قتل أبوه أظهر الفرح والدعة للملك البامرك وقال لقد أراحني الملك منه ومن شره فبلغ البامرك ما قاله ابن الحكيم فأرسل إليه وخلع عليه وطيب قلبه فلما كان الليل قال: والله لآخذن بثأر أبي من هذا اللعين ومن أولاده وكانت داره ملاصقة للسور فنقب نقبا واسعا وخرج منه وقصد الصحابة فلما رأوه قالوا له: من أنت قال أن أبي قد قتل من أجلكم وقد نقبت نقبا وخرجت منه فقوموا على.
стр. 421
بركة الله وعونه حتى تملكوا المدينة منه فقال له ضرار: يا ويلك وإن الذي بعثك بهذه الحيلة أراد قتلك أما علمت أن الحذر شعارنا واليقظة دثارنا وهم بقتله فقال له المقداد: أمهل يا ضرار وفقك الله إلى الخير وةوقاك الألم والضير ثم قال المقداد إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يشير إلى شخص بين يديه وكأنما يقول على زي هذا الغلام وكأنما أتأمل إلى هذا الغلام فرأيته على ما هو عليه الآن وكان على وسطه منطقة من الأديم وفيها حلق فضة وهي تحت أثوابه ثم أن المقداد قال: يا غلام اكشف عن أثوابك فكشف عن أثوابه وإذا المنطقة بعينها فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ فقام المسلمون فصافحوه ومضى الغلام أمامهم إلى أن دخل بهم النقب ووسعوه بأيديهم حتى دخلت خيولهم ثم ردوا الحجارة والطين والبناء على حاله وأعمى الله أبصار القوم عنهم فلما كان الغد نظر أعداء الله فلم يروا للصحابة أثرا ولا خبرا فضجوا بكلمة كفرهم وماجوا وقالوا: هربت العرب ووقع الصائح في العسكر فظهر أهل البلد ليقفوا على صحة الخبر ولم يبق في البلد سوى النساء والاطفال قال ابن اسحق: وكان للحكيم بنو عم ثمانون رجلا وإن ولده طاف عليهم بالليل وأعلمهم بما فعل فأقبلوا معه وأسلموا عن آخرهم فلما كان الغد وخرج كل من في البلد بادر بنو عم الحكيم واخوته إلى الأبواب فأغلقوها وأعلنوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير فوقعت الخمدة على النساء والصبيان واستوثق القوم من المدينة بالثمانين رجلا فأمسكوهم الأبواب وخرج الصحابة ﵃ ورفعوا أصواتهم يكبرون ويدعون الله فلما نظر لهم أهل البلد علموا أنهم قد ملكوها وإن الذي فعل ذلك بنو عم الديرجان الحكيم وقد أغلقوا الأبواب وقفلوها وملكوا السور فوقف الملك ينظر إلى ما فعله الصحابة وعلم أن المدينة أخذت منهم وكان في أولاده ولد عاقل لبيب كامل الذات والصفات وافر العقل وكان منذ نشأ يتبع العلماء ويجالسهم ويطلب العلم ومنذ ملك عقله ما أكل لحم خنزير ولا كشف ذيله على محرم ولا سجد لصورة ولا لصليب وكان هم أن يبني صومعة وينفرد فيها فلم يمكنه أبوه من فرط محبته له وكان لا يستطيع فراقه وهذا الغلام اسمه شطا وكان يحب أن يسمع أخبار رسول الله ﷺ ويبحث عنها فلما نظر إلى الصحابة وقد ملكوا منه البلد وشطا عن يمين أبيه نظر شطا إلى الصحابة والى زيهم والى نور الإيمان وهو ساطع منهم.
قال فشخص شطا نحو السماء ببصره وصاح وسقط عن قربوس فرسه بوجهه قال فارتاع أبوه وجميع عسكره من تلك الصيحة فلما أفاق قال له أبوه: يا بني ما وراءك قال ظهر الله والحق وبان وقد تبينت لي حقيقة الإيمان وقد نظرت إلى عسكر هؤلاء العرب وعليهم نور عظيم ومعهم رجال عليهم ثياب خضر وهم على خيول شهب وبينهم قبتان معلقتان في الجو بلا علاقة من فوقها ولا دعامة من تحتها وفيها رجال ما رأيت.
стр. 422
أحسن من وجوههم ولا شك أنهم الشهداء ورأيت في احدى القبتين حورا لو برزن لاهل الدنيا لماتوا شوقا اليهن وإن الله تعالى ما كشف عن بصري وأراني ذلك إلا وقد اراد لي الخير وما كنت بالذي بعد هذه الرؤيا أبقى على الضلال ولا أتبع المحال وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وإن محمدا رسول الله وحرك جواده وقال من أحبني من رجالي وغلماني فليتبعني قال فتبعه القوم الف رجل ولحقوا ما فعل ولده شطا قال: والله ما فعل ولدي شطا ذلك إلا وقد رأى الحق ولست أشك في عقله ودينه ثم إنه أسلم ولحق بولده فلما نظر أرباب دولته ذلك قالوا: إذا كان الملك وولده قد أسلما فما وقوفنا نحن فاسملوا جميعا على يد أصحاب رسول الله ﷺ ودخلوا المدينة فمن أسلم تركوه ومن أبى أخرجوه إلى بلاد الارياف قال: وفتح المقداد النقب الذي دخلوا منه وأمر ببنائه بابا فسماه باب اليتيم وهو ابن الحكيم وترك عندهم المقداد رجلا من الصحابة يعلمهم شرائع الإسلام وهو يزيد بن عامر ﵁ ورجع المقداد وأصحابه إلى اسكندرية وحدثوا عمرا بما فتح الله عليه من دمياط ففرح بذلك وكتب كتابا إلى عمر بن الخطاب ﵁ بفتح مريوط والاسكندرية ودمياط ورشيد وفوة والمحلة ودميرة وسمنود وجرجة ودمنهور وابيار والبحيرة وبعث الكتاب مع عامر بن لؤى.
стр. 423
ذكر فتح جزيرة تنيس .
قال: حدثني زياد عن حميد الطويل عن يونس بن الصامت عن نصر بن مسروق قال لما فتحت دمياط وكان من أمرها ما كان قال البامرك لولده يا بني أن الله قد أنقذنا من نار الجحيم وقد هدانا إلى الصراط المستقيم وذلك لسابقة سبقت لنا في القدم وهذه تنيس بالقرب منا وهي جزيرة ولا يمكن التوصل اليها إلا في المراكب والصواب أننا نكاتب صاحبها أبا ثوب وندعوه إلى الله والى دين نبيه فإن أجاب والا قصدناه والله ينصرنا فقال شطا هذا هو الرأي وأنا أكون الرسول إليه بنفسي فقال: يا بني اعزم على بركة الله وعونه قال فركب شطا في مركب وأخذ معه أربعة من غلمانه الخواص فلما نظر يزيد بن عامر إلى ذلك قال: وأنا أسير معك إلى صاحب تنيس فإنه لو سألك عن ديننا ومعالمه لم يكن عندك به علم بأن تكلمه ونحن بحمد الله ما فينا من يتكبر ولا من يتجبر وما طلبتنا إلا الآخرة والعمل بما يقربنا إلى الله ثم سار معه يزيد ابن عامر صاحب رسول الله ﷺ حتى وصلوا إلى جزيرة تنيس وفيها رجال يحفظونها فلما نظروا إلى شطا وغلمانه وبينهم رجل بدوي قالوا: من أنتم قال لهم: شطا أنا ابن الملك البامرك صاحب دمياط ومعنا هذا الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ وقد جئناكم رسلا قال فارسلوا منهم واحدا يستأذن لهم فأذن لهم أبو ثوب قال فنزلوا في الزورق وإذا به.
стр. 424
قد أرسل لهم دوابا ليركبوها فامتنع يزيد من الركوب ووافقه شطا على ذلك وساروا كلهم رجالا إلى أبي ثوب فاستأذنوا عليه فأذن لهم فلما دخلوا قصر أبي ثوب وإذا به في حشمه وخدمه وزينته والحجاب والغلمان بين يديه وهو في مرتبه امارته وكان قد تكبر وتجبر منذ نزل أصحاب رسول الله ﷺ على مصر ومنع المال والخراج أن يؤديه للمقوقس وولده وقد اجتمع عنده مال عظيم فلما دخل عليه يزيد صاحب رسول الله ﷺ وشطا وغلمانه ونظروا إلى أبي ثوب وغلمانه وتجبره بدأ يزيد بالسلام فقال السلام على من اتبع الهدى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٨] .
قال الواقدي: حدثنا ابن سالم عن جرير بن أحمد عن أبيه عبينة عن ابن جرير وكان أعلم الناس بقصة فتوح مصر والمغرب قال كان أبو ثوب هذا من أرض العريش من متنصرة العرب من آل غسان وهو قريب جبلة وكان صاحب مال ورجال وإنه لما وقعت الهزيمة على الروم وفتح الشام وانهزم الملك هرقل وهرب معه جبلة هرب معهم أبو ثوب هذا بماله وأهله واخوته إلى أرض الجفار ونزل في البرية ما بين العريش ورفح وإن المقوقس خرج في بعض الايام يريد الصيد في عسكره فانتهى في سرحته إلى أرض العريش فانطرد قدامهم وحش كبير فطلبه الملك وتبعه ولم يتبعه أحد من عسكره وهو وراءه وحده إلى أن رماه في حلل العرب في حلة أبي ثوب فقام إليه وعظمه وبجله وعلم أنه الملك فامسك ركابه وأنزله في بيته وذبح له الاغنام ووضع له الطعام وتلاحق الجيش قال فأضافهم أبو ثوب ثلاثة أيام فلما كان في اليوم الرابع ركب في خدمة الملك وشيعه وعاد فلما دخل المقوقس إلى مصر أمر وزيره بأن يكتب إلى أبي ثوب بولاية تنيس وأعمالها وأرسل له الخلع والاموال والمماليك والغلمان فلما وصل إليه منشور الملك وخلعه فرح أبو ثوب وركب وسار إلى الفرمة وركب منها في المراكب إلى تنيس فلما مكث في ولايته بعث إلى أهله واخوته فأتوا إليه فولى أخاه أباسيف على جزيرة الصدف وولى أخاه الثاني أبا شق على جزيرة الطير وولى ولده على دنيوز فلما طال عليه الامر طغى وتجبر ومرت الأيام والليالي حتى قدم أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض مصر فمنع دفع الخراج إلى مصر وإلى المقوقس وولده ورأى نفسه في تلك الجزيرة فتحصن بها وقال: ما أحد يقدر أن يصل الي فلما قدم شطا ويزيد بن عامر ونظر إليهم أبو ثوب أظهر الاعجاب والتكبر ولم يلتفت إليهم ولم يجسر أحد من جماعته أن يأذن لهم بالجلوس فلما نظر إلى ذلك يزيد بن عامر قرأ: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] وجلس إلى جانبه شطا ونظر يزيد إلى سرير أبي ثوب فإذا هو من الذهب ووفيه صورة النخلة ومن تحتها صورة مريم والمسيح في حجرها فقرأ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ
стр. 425
النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً﴾ [مريم: ٢٤ , ٢٦] إلى قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً، وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣٠ , ٣٣] قال فلما سمع أبو ثوب كلام يزيد التفت إليه بغضب وحنق وقال: ما هذا الكلام الذي نطقت به قال يزيد هذا كلام الله ﷻ الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ الذي لا تفنى عجائبه ولا تنفذ غرائبه ولا تبدل كلماته ولا تمل آياته فقال: ما معنى الذي ذكرت ونطقت به وما تفسيره فقال يزيد أما قول الله اخبارا عن عيسى حين قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ فإنه يعلم الخلق أنه عبد الله وليس بولد جل الواحد الأحد الفرد الصمد وأما قوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ فمعناه أعلمكم الاحكام وأعرفكم الحلال والحرام وأما قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ فمعناه أني مأمور بالطاعة والخدمة والزكاة مثلكم فإن في مالي حقا لله وأما قوله: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ فيعلمهم أنه يموت ومن يموت لا يكون له العزة والجبروت وأما قوله: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ فيعلمهم أنه وإياهم مبعوثون في يوم القيامة وقوف يوم الحشر والندامة ولو كانا الهين لكان لهما ارادتان ووقع الخلف بينهما وإن الحكمة غير ذلك وهي على وحدانيته شاهدة قال فلما سمع أبو ثوب من يزيد بن عامر هذا المقال قال لقد مثلتم بالاباطيل وغرقتم في بحر الاضاليل فقال يزيد الله أعلم من هو تائه في تيه المحال مشرك بالملك المتعال الذي لا سماء تظله ولا أرض تقله ولا ليل يؤويه ولا نهار يأتيه ولا ضياء يظهره ولا ظلام يستره ولا يقهره سلطان ولا يغيره زمان كل يوم هو في شان أما لكم بصائر أما منكم من ينظر ويعتبر في قدرة الله القادر اما منكم من يعظ نفسه بذهاب النهار واقبال الليل اما أن لكم أن تنزهوه أما أن لكم أن توحدوه أما سمعتم ممن تعبدونه وتبرؤن إليه وتعظمونه فإن المسيح قد أقر له بالعبودية وتبرأ من دعوى الربوبية وقال إني عبد الله ولقد بشر بنبينا قبل مبعثه وعرف بني اسرائيل بقربه من الحق وكرامته أما سمعتم بمعجزاته وما ظهر من دلالاته أما انشق له القمر أما كلمه الضب والحجر أما خاطبه البعير والشجر أما هو من أطيب بيت من مصر قال فعجز أبو ثوب عن رد الجواب ولم يكن له ما يزيل حجته إلا أن قال ليزيد بن عامر: لقد علمنا ما فعل ولكنه كان ساحرا وإن كان قولك هذا حقا فادع الله وتوسل إليه بمحمد أن يسقينا الغيث فإن جاء الغيث علمنا أن قولك ليس فيه شك ونؤمن بالله ونصدق برسالة محمد ﷺ قال يزيد بن عامر أن الله يقدر على ما ذكرت فإن الله على كل شيء قدير أن العبد المخلص إذا دعاه أجاب دعوته ولكنه يفعل ما يشاء وأنا أتوسل إلى الله بخير خلقه وصفيه وهو الفعال لما يريد ثم أن يزيد قام وخرج من.
следующие страницы →