قضاعة:
يقول ابن حزم: "قال قوم: هو قضاعة بن عدنان، وقال قوم: هو قضاعة بن
стр. 37
مزلك بن حمير وقال قوم منهم الكلبي: هو قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير. والله أعلم".
"وبعض النسابين يجعلون قضاعة جذمًا مستقلًا مثل جذم قحطان وعدنان. ومرد هذا الاختلاف إلي عوامل سياسية أثرت تأثيرًا كبيرًا في تصنيف الأنساب، ولا سيما في أيام معاوية وابنه يزيد اللذين بذلا أموالًا جسيمة لرؤساء قضاعة في سبيل حملهم على الانتفاء من اليمن والانتساب إلى معد، لكونها قوة كبيرة في بلاد الشام في ذلك العهد، ولا سيما أن منهم بني كلب، فذكر أن زعماءها وافقوا بسبب هذه المغريات على الانتساب إلي معد، غير أن الأكثرية رفضت ذلك، وأبت إلا الانتساب إلى قحطان٢٤".
ويقال إن: "قضاعة كانوا ملوكًا في بلاد الشحر، ثم ملكوا نجران، فغلبهم عليها بنو الحارث ابن كعب بن الأزد، فهاجروا إلى الحجاز من جراء ذلك، ودخلوا في قبائل معد، ومن أجل ذلك نسبوا إلى عدنان. والصحيح أن أم قضاعة مات عنها مالك بن حمير، وهي حامل بقضاعة، فتزوجها معد، وولدت قضاعة في حجره٢٥.
وإذا كان الأمر كذلك فقضاعة من الجنوبيين من نسل حمير، وتناسل من قضاعة الفروع الآتية:
١- مَهْرَة: ومواطنهم في ناحية الشحر من اليمن ببلاد العنبر على ساحل البحر٢٦.
٢- بهراء: وهم حي لقاح لا يدينون لأحد، وهم أهل سؤدد وعز، ومن بينهم: بنو هنب، وبنو قاس، وشبيب وهم الذين يقول فيهم الشاعر علقمة:
وحارب من غسان أهل حفاظها ... وهنب وقاس جالدت وشبيب
٣- بَليّ: ويقول عنها الهمداني إنها ممن تطرقت إلى بلاد طيئ٢٧، علي مقربة من تيماء بين مواطن جهينة وجذام، أي في المنطقة التي كانت لثمود. ومن بليّ بنو فران، وبنو هنء.
٤- عذرة: ومنهم الشاعر جميل بن معمر صاحب بثينة، ويقول الهمداني: "ومن
стр. 38
عذرة من ينزل بجزيرة بالصعيد من مصر" ويعد منهم بنى أبير، وبنى حن. وتقع منازل عذرة في أعالي الحجاز في جوار نهد وجهينة وكلب وبليّ، وفي جوار أرض غطفان، ومن مواضعها وادي القرى وتبوك حتى أيلة.
٥- جهينة: ويقول عنهم الهمداني: إنهم كذلك ممن تطرقوا إلى بلد طيئ، وأرضهم يندد ومثغر ووادي غوى ويقال له وادى رشد، وفي وادي إضم، وكانت ديارهم في الأصل في نجد، ثم هاجروا فسكنوا قريبًا من يثرب بين البحر الأحمر ووادي القرى.
٦- نَهْد: وهم من أولاد أسلم بن الحافي بن قضاعة. وقد سكنت أكثر بطونها في منطقة نجران.
٧- الحارث بن سعد: ومنهم هدبة بن الخشْرَم الشاعر، ويقول عنه إنه من بنى أبير من عذرة.
٨- حُلْوان بن عمران: وأمه ضَرِيَّة بنت ربيعة بن نزار بن معد، وإليها ينسب "حمى ضرية" المذكور في الأشعار. ومن بني حلوان حماطة، وهو ضجعم، كانوا ملوكًا بالشام قبل غسان٢٨.
٩- جرم: ومن أولاده، جدة الذى ولدته أمه بجدة فسمته جدة٢٩، ويقول الهمداني: إن ديار جرم متفرقة بين العرب، منها باليمامة ومنها بالبصرة ومنها بحضرموت، وصعدة، وما بين صنعاء ومأرب٣٠ ومن جرم كان عصام حاجب النعمان٣١.
١٠- تنوخ: وهم بنو فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة، وكانوا عن يسار بهراء بديار الفضيض.
١١- بنو القَين بن جسر: واسمه النعمان، حضنه عبد له يقال له القين، فغلب اسمه عليه. وكان للقين جمع عظيم وثروة في أكناف الشام.
١٢- كلب: يقول ابن حزم٣٢ إن من "نسل كلب هؤلاء: امرؤ القيس بن الحمد بن
стр. 39
مالك بن عبيدة بن هبل وهو ابن حمام الشاعر القديم الذي يقول فيه بعض الناس: "ابن خذام"، وقد قيل إنه من بكر بن وائل، وهو الذى قال فيه امرؤ القيس:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن حمام٣٣
قال ابن هشام بن السائب: فأعراب كلب إذا سئلوا بماذا بكى بن حمام الديار أنشدوا خمسة أبيات متصلة من أول:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
ويقول: إن بقيتها لامرئ القيس، وقد أنشد له الحاتمى أبياتًا في حلية المحاضرة وهو شاعر قديم دثر شعره.
ومن بطون كلب: "بنو عامر بن بكر بن عوف ... وهو بطن عظيم، وعامر هذا هو أخو عامر بن صعصعة لأمه، وأمهما عمرة بنت عامر بن الظرب العدواني ولدت عامر بن صعصعة على رمل، وولدت عامر بن عوف عند أصل جبل، فأخبرها الكاهن أنه سيعظم أمرهما وعددهما٣٤ ومن كلب هذه دحية بن خليفة بن فضالة صاحب رسول الله الذي أتاه جبريل على صورته ومنهم كذلك هشام أبو المنذر محمد بن السائب النسابة٣٥. وكانت مساكن كلب بالسماوة لا يخالط بطونهم فيها أحد٣٦. وكانت تتاخم ديار جذام من الشمال"٣٧.
стр. 40
وتروي كتب الأنساب أن ولد عدنان: معد، وعك، وأن أولاد معد: نزار، وإياد، وقنص. وروى البكري٣٩: عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه سأله رجل عن ولد نزار بن معد، فقال: هم أربعة: مضر وربيعة وإياد وأنمار.
وكانوا في بدء الأمر ينزلون مكة وما والاها، كلما زاد عددهم اتسعت رقعة ديارهم حول موطنهم الأصلي، إلى أن وقعت بينهم الفتن والحروب، بسبب ما حدث بينهم "من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ، والتماس المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضًا على البلاد والمعاش، واستضعاف القوي الضعيف، فانضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما بينهم"٤٠. فتفرقت جماعتهم، وتباينت مساكنهم، وأصبح لكل قبيلة وطن خاص نزلت به.
وعلى رأي ابن عباس يرجع أولاد نزار إلى أصول أربعة، هم مضر، وربيعة، وإياد، وأنمار. وبعضهم ينسب أنمارًا لكهلان وولد له خثعم وبجيلة وقد أشرنا إلي ذلك آنفًا، حيث عدت هاتان القبيلتان "خثعم وبجيلة" من أولاد كهلان من العرب الجنوبيين. وهناك من يقول: أنمار من عدنان، وبعد أن ولد له خثعم وبجيلة صاروا إلى اليمن ويقال إنه "انتسب إلى اليمن لأنه فقأ عين أخيه مضر بن نزار، فهرب وانتسب إليهم"٤٢.
وسوف نتحدث فيما يلي عن مضر وربيعة وإياد.
стр. 41
وتروي كتب الأنساب أن ولد عدنان: معد، وعك، وأن أولاد معد: نزار، وإياد، وقنص. وروى البكري٣٩: عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أنه سأله رجل عن ولد نزار بن معد، فقال: هم أربعة: مضر وربيعة وإياد وأنمار.
وكانوا في بدء الأمر ينزلون مكة وما والاها، كلما زاد عددهم اتسعت رقعة ديارهم حول موطنهم الأصلي، إلى أن وقعت بينهم الفتن والحروب، بسبب ما حدث بينهم "من الاختلاف والفرقة، وتنافس الناس في الماء والكلأ، والتماس المعاش في المتسع، وغلبة بعضهم بعضًا على البلاد والمعاش، واستضعاف القوي الضعيف، فانضم الذليل منهم إلى العزيز، وحالف القليل منهم الكثير، وتباين القوم في ديارهم ومحالهم، وانتشر كل قوم فيما بينهم"٤٠. فتفرقت جماعتهم، وتباينت مساكنهم، وأصبح لكل قبيلة وطن خاص نزلت به.
وعلى رأي ابن عباس يرجع أولاد نزار إلى أصول أربعة، هم مضر، وربيعة، وإياد، وأنمار. وبعضهم ينسب أنمارًا لكهلان وولد له خثعم وبجيلة وقد أشرنا إلي ذلك آنفًا، حيث عدت هاتان القبيلتان "خثعم وبجيلة" من أولاد كهلان من العرب الجنوبيين. وهناك من يقول: أنمار من عدنان، وبعد أن ولد له خثعم وبجيلة صاروا إلى اليمن ويقال إنه "انتسب إلى اليمن لأنه فقأ عين أخيه مضر بن نزار، فهرب وانتسب إليهم"٤٢.
وسوف نتحدث فيما يلي عن مضر وربيعة وإياد.
стр. 42
أنساب العدنانين:
العدنانيون هم العرب الشماليون، وهم من عدنان الذي هو "من ولد إسماعيل بلا شك في ذلك، إلا أن تسمية الآباء بينه وبين إسماعيل قد جهلت بصلة قاطعة ونقل ثابت إلى إسماعيل، ولا إلى إسحاق ﵉"٣٨.
стр. 43
مضر
قد تفرع من مضر فرعان عظيمان هما: إلياس، وقيس عيلان. أما إلياس فأولاده ثلاثة، هم: عامر وهو مدركة، وعمرو وهو طابخة، وعمير وهو قمعة، وأم الثلاثة خِندِف، من قضاعة فنسبوا إليها. وقد تفرع من خندف أولاد إلياس، الفروع الآتية:
١- خزاعة: من أولاد قمعة المذكور. ومن أولاد قمعة كثير بن عبد الرحمن الشاعر
стр. 44
صاحب عزة، "ويقال إنه من بني الصلت بن مالك أخي فهد بن مالك، ولذلك كان كثير ينتمي إلي قريش"٤٣. وكانوا بمكة نزلوا فيها على جرهم، ثم استولوا على مكة وأجلوا جرهم عنها٤٤، فكانت منازلهم في أنحاء مكة في مر الظهران٤٥ وما يليه.
٢-هذيل بن مدركة، وفيهم نيف وسبعون شاعرًا كلهم مشاهير. وتعد هذيل من القبائل الكبيرة في القرن السادس الميلادي ومنازلهم سراة هذيل بين مكة والمدينة، وفي جوار بني سليم وكنانة، ومن هذيل: عبد الله بن مسعود، والمؤرخ المسعودي.
٣- غِفَار: من عبد مناة بن خزيمة بن مدركة، ومنهم أبو ذر الغفاري، وعزة صاحبة كثير.
٤- قريش: وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، ومن قريش:
أ- بيت هاشم بن عبد مناف بن قصي الذي كان منه رسول الله ﷺ ، وعلي بن أبي طالب وبنوه، وحمزة، والعباس وبنوه من نسله العباسيون.
ب- عبد شمس بن عبد مناف: ومنه أمية الأصغر وأولاده يسمون العبلات وهم بمكة، منهم أم الحكم والثريا صاحبة عمر بن أبي ربيعة المخزومي الشاعر، وهي سيدة الغريض المغني، تزوجها سهيل بن عبد الرحمن وفيها يقول عمر بن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عَمْرك الله كيف يلتقيان
هى شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان٤٦
ومن عبد شمس هذا: أمية الأكبر، ومن ذرية أمية هذا أبو العاصي بن أمية ومنه عثمان بن عفان ﵁، والعرجي الشاعر، ومن ذريته كذلك الحكم بن أبي العاصي، والد مروان بن الحكم والد عبد الملك بن مروان وعبد العزيز بن مروان، وبشر بن مروان.
стр. 45
ومن نسل أمية الأكبر هذا كذلك حرب الذي كان من ذريته أبو سفيان وابنه معاوية وابنه يزيد، ومن هؤلاء العتبي الشاعر.
جـ- زهرة بن كلاب بن مرة، ومنهم أم الرسول ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومنهم كذلك سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف.
د- تيم بن مرة، ومنهم أم الخير وهي سلمى أم أبي بكر الصديق رضى الله عنه، ومنهم أبوقحافة والد أبي بكر.
هـ- مخزوم: وهو من يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، ومنهم فاطمة أم عبد الله والد رسول الله ﷺ .
و عدي بن كعب بن لؤي، ومنهم نفيل الذي كان من ذريته عمر بن الخطاب ﵁.
٥- أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ومن أسد الفروع الآتية:
أ- بنو جعدة بن صعب بن أسد.
ب- عمرو بن أسد، ومنهم أيمن بن خريم والأقيشر الشاعران.
جـ- كاهل بن أسد، ومنهم قاتل حجر والد امرئ القيس الشاعر، وهو علياء بن حارثة وكان شاعرًا.
د- دودان بن أسد، ومنهم بنو سعد الذين كان من نسلهم عبيد بن الأبرص الشاعر، وبنو قعين، وفيهم شعراء كثيرون، ومنهم بشر بن أبي خازم وعبد الله بن الزبير بن الأشيم، ودثار الذى يقول فيه امرؤ القيس:
كأن دثارا حلفت بلبونه ... عقاب تنوفي لا عقاب القواعل٤٧
والطماح الذي يقول فيه امرؤ القيس كذلك:
"لقد طمح الطماح من بعد أرضه" ومنهم الشاعران:
الكميت الأول، والكميت الثاني٤٨.
стр. 46
ومن دودان بنو قعين الذين منهم: عامر بن عبد الله صاحب لواء بني أسد في الجاهلية وطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة٤٩.
٦- الرِّباب: أولاد عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس، وهم خمسة: تيم، وعدي، وعوف، وثور، وأشيب، وسموا بالرباب لأنهم تحالفوا مع بني عمهم ضبة بن أد، على بني عمهم تميم بن مر، فغمسوا أيديهم في رب، ثم خرجت عنها ضبة، واكتفت بعددها، وبقي سائرهم٥٠ وتقع ديار الرباب بالدهناء في جوار بني تميم. ومن ذرية الرباب:
عكل: وهذا اسم حاضنة لهم فغلب على اسمهم
ومنهم الشاعر النمر بن تولب.
ومن بني تيم بن عبد مناة بنو ذهل الذين منهم عمر بن لجأ الشاعر.
ومن بني عدي بن عبد مناة، ذو الرمة الشاعر.
٧- ضبّة: أولاد عم الرباب، وتعد ضبة جمرة٥١ من جمرات العرب، وتقع منازلها في اليمامة، ومنهم المفضل الضبي، وهو المفضل بن محمد بن يعلى صاحب المفضليات.
٨- مزينة: وهم بنو عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس، ومزينة اسم أمهم، ومنهم الشعراء، زهير بن أبي سلمى، وابناه بجير، وكعب، ومعن بن أوس.
٩- تميم: وهو تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس، وهم من القبائل الكبيرة، وديارهم منتشرة في نجد والعراق، وفي أنحاء مختلفة من جزيرة العرب، وكانوا مجاورين لأسد وغطفان وبني عبد القيس وتغلب، وذرية تميم: الحارث، وعمرو، وزيد مناة.
فمن عمرو: الحكيم المشهور أكثم بن صيفي، والقاضى يحيى بن أكثم وأوس بن حجر الشاعر، وقطري بن الفجاءة، والمازني النحوي، والمقرئ أبو عمرو بن العلاء.
ومن زيد مناة الفروع الآتية:
أ- سعد بن زيد مناة، ومنهم الراجز بن الراجز رؤبة بن العجاج. وعبدة بن الطبيب
стр. 47
الشاعر، وقيس بن عاصم المنقري، والسليك بن السلكة والزبرقان بن بدر، وعوير بن شجنة الذي يقول فيه امرؤ القيس:
عُوَير ومن مثل العوير ورهطه ... أبر بأيمان وأوفى بجيران
وبنو أنف الناقة الذين منهم المخبل الشاعر.
ب- ربيعة بن مالك: بن زيد مناة، ومنهم علقمة بن عبدة وأخوه شاس وحميد الأرقط الراجز.
جـ- يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، ومن يربوع الفروع الآتية:
ثعلبة بن يربوع: ومنهم مالك ومتمم ابنا نويرة، وداود بن متمم، والشاعر الكلحبة بن هبيرة.
الحارث بن يربوع: ومنهم سليط وضباب.
بنو كليب بن يربوع: ومنهم جرير الشاعر ومن ذريته شعراء:
العنبر بن يربوع: ومنهم سجاح المتنبئة.
رياح بن يربوع: ومنهم الشاعر سحيم بن وثيم وهو القائل:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
والشاعر الأحوص بن عمر بن عتاب الردف بن هرمي بن رياح بن يربوع.
د- مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، ومن ذرية مالك هذا: نهشل، ومجاشع وعبد الله.
ومن نهشل: الأسود بن يعفر الشاعر.
ومن مجاشع: الأقرع بن حابس والفرزدق الشاعر، والبعيث الشاعر.
ومن عبد الله: عدس، ومن ذريته: زرارة وأولاده عشرة، ومنهم أبو عكرشة حاجب، وأبو نهشل لقيط.
стр. 48
قيس عيلان بن مضر:
وأما قيس عيلان بن مضر بن نزار فهو ثاني فرعي مضر العظيمين. ويقول ابن حزم عن
стр. 49
عيلان إنه كان عبدًا حضن قيسًا٥٢ فينسب قيس إليه، ويعرف نسل قيس عيلان بالقيسيين، وبالقيسية كذلك وهم كتل ضخمة من القبائل. وأولاد قيس: خصفة، وسعد، وعمرو.
ومن أولاد عمرو: فهم وعدوان. ومن فهم تأبط شرًّا ومن عدوان: عامر بن الظرب وذو الإصبع العدواني.
ومن سعد بن قيس عيلان: أعصر، وغطفان، ومن أعصر:
أ- باهلة: ومنهم الأصمعي. وكانت منازلهم في الأصل في اليمامة٥٣.
ب- غنىّ. وأم غنىّ وباهلة همدانية. وكانت ديار غنىّ بنجد في جوار طيئ وعند حمى ضربة٥٤. ومنهم طفيل الغنوي الشاعر، وكعب بن سعد الغنوي.
جـ- الطفاوة: وهم ثعلبة وعامر ومعاوية أولاد أعصر نسبوا إلى أمهم الطفاوة بنت جرم بن زيان.
ومن غطفان: بنو بغيض بن ريث بن غطفان وهم أنمار، وعبس، وذبيان.
ومن أنمار فاطمة بنت الخرشب الأنمارية التي ولدت الكملة.
ومن عبس: زهير بن جذيمة وأولاده قيس صاحب حرب داحس والغبراء والحارث بن زهير "قتله كليب بن عراعر" وشاس بن زهير "قتله رباح بن الأشل من غنيّ"، ومالك بن زهير "قتلته فزارة"، وعون بن زهير "قتلته أيضًا فزارة". وورقاء بن زهير، والحصين وحراش وجرير وكثير أمهم تماضر بنت الشريد السلمية. ومنهم كذلك: الشاعر المساور بن هند بن قيس بن زهير والشاعر الفارس عنترة بن شداد.
ومن ذبيان:
أ- بنو مرة بن عوف، ومنهم الشاعر أرطأة بن سهية وهى أمه، وهرم بن سنان الذى مدحه زهير بن أبي سلمى، ومنهم شبيب بن البرصاء الشاعر، والنابغة الذبياني
стр. 50
والحارث بن ظالم الفاتك المشهور، وابن ميادة الشاعر، والحصين بن الحمام الشاعر، وحصين بن ضمضم.
ب- بنو فزارة، ومنهم: حذيفة وحمل ابنا بدر. وتقع منازل غطفان شرقى خيبر وتمتد إلى جبلي طيئ، وكانت منازل أشجع في جوار يثرب، أما عبس وذبيان فتقع منازلهما عند شرية والربذة٥٥.
أما خصفة بن قيس فكان من أولاد بكر بن هوزان الذى كان منه الفروع الآتية:
١- سعد بن بكر: بن هوازن، ومنهم حليمة السعدية مرضعة رسول الله ﷺ
٢- ثقيف: ومنهم الحجاج بن يوسف، والشاعران أبو محجن وأمية بن أبي الصلت.
وكانت ثقيف بالطائف.
٣- جُشم: بن معاوية بن بكر بن هوازن، ومنهم دريد بن الصمة الشاعر وكانت مواطنهم بالسروات.
٤- عامر بن صعصعة: وتقع منازل بنيه بين منازل قبائل هوازن وسليم وثقيف، وقد تفرع منه الفروع الآتية:
أ- هلال بن عامر: ومنهم الشاعر حميد بن ثور الأرقط.
ب- نمير: ومنهم الراعي النميري الشاعر.
جـ - كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ومن هؤلاء: القتال الكلابي الشاعر، وشريح قاتل لقيط بن زرارة يوم جبلة، وعلقمة بن علاثة الذي نافر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس أخو لبيد الشاعر لأمه، وهو الذي أراد قتل رسول الله ﷺ مع عامر بن الطفيل فدعا عليه فمات بصاعقة، ومنهم عامر، وهو أبو براء ملاعب الأسنة، والطفيل، وابنه عامر بن الطفيل، وربيعة والد لبيد الشاعر وربيعة الرحال الذى أجار لطيمة الحيرة فقتله البراض الكناني ففيه كانت حرب الفجار، وبنت عروة هذا كبشة أم عامر بن الطفيل ولدته يوم جبلة ومنهم كذلك يزيد بن عمرو بن الصعق الشاعر.
د- كعب بن ربيعة بن عامر، ومنهم: الشاعر تميم بن مقبل، وليلى التي كان يشبب بها قيس المجنون، والنابغة الجعدي، وقيس بن الملوح المجنون، وعويمر بن أبي عدي
стр. 51
فارس بني عقيل بن كعب، ويقال إنه دعا عنترة بن شداد العبسي إلى المبارزة وقال له: "ابرز إليّ أيها العبد، فإن قتلتك فلأضيقن أصحابك بعدك، وإن قتلتنى رجعت بإبل قومى". فلم يقدم عنترة على مبارزته٥٦.
ومن هؤلاء أيضًا: توبة بن الحمير صاحب ليلى الأخيلية. ويروي ابن حزم أن منهم ثور بن أبي سمعان قاتل توبة بن الحمير، ومن أجل قتله جلى جميع بني عوف بن عقيل عن بلادهم، فتحملوا كلهم إلى الجزيرة٥٧.
هـ- عمرو فارس الضحياء: ومنهم خداش بن زهير الذي أجار قيس بن الخطيم حتى قتل العبقسي قاتل أبيه.
ومن أولاد خصفة بن قيس عيلان: سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة. وتعد قبيلة سليم من القبائل المهمة الساكنة في الحجاز في أرض اشتهرت بمعادنها وبخصبها، وبها حرة بني سليم، وحرة ليلى، وبها مياه استفادت منها القبيلة في الزرع وتجاوز قبائل غطفان وهوازن وهلال، وكانوا على صلات حسنة باليهود كما كانوا على صلات وثيقة بقريش، وتحالف معها أشراف مكة وكبارها لما لهم من علاقات اقتصادية بهذه القبيلة. ومن سليم: بنو ذكوان، وبنو بهثة، وبنو بهز، وبنو الشريد، وبنو ظفر. ومنهم العباس بن مرادس الشاعر، والعباس بن الأصم من فرسان الجاهلية٥٨.
стр. 52
ربيعة
هذا هو القسم الثاني من أقسام العرب العدنانيين، وقد كان منه الفروع الآتية:
١- ضبيعة بن ربيعة بن نزار. ومنهم الشاعر المسيب، وهو خال أعشى بكر الشاعر.
ومنهم المتلمس الشاعر.
٢- عبد القيس: ومن هؤلاء:
أ- شن: ومنهم يزيد بن شن، وهو أول٥٩ من ثقف القنا بالخط, ومنهم الديل.
стр. 53
ومنهم الأعور الشاعر.
ب- لكيز: ومنهم البراجم، وهم عبد شمس وعمرو وحي: بنو معاوية بن ثعلبة ومن لكيز كذلك. الحطم بن محارب الذي تنسب إليه الدروع الحطمية، والمثقب الشاعر والممزق الشاعر، ويقال إنه سمي كذلك لقوله:
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزق
٣- النمر بن قاسط ومنهم عامر الضحيان، ويقال عنه إنه ساد ربيعة أربعين٦٠ عامًا وأبو حوط الحظائر، وابنه جابر الخير، أخو المنذر بن ماء السماء لأمه٦١.
٤- تغلب بن وائل بن قاسط، ومنهم الأراقم: وهم جشم، ومالك، والحارث، وعمرو، وثعلبة، ومعاوية أولاد بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب.
ومن بني جشم: عمرو بن كلثوم، وبنوه عبد الله والأسود شاعران، وعباد، ومن ولده العتابي الشاعر٦٢، ومنهم كذلك كليب ومهلهل، وليلى بنت مهلهل وهى أم عمرو بن كلثوم. ومن جشم كذلك: القطامي الشاعر والأخطل الشاعر، ومن بني عوف بن بكر بن حبيب: الشاعر كعب بن جعيل. ومن بني عمرو بن بكر بن حبيب. الوليد بن طريف الخارجي وأخته ليلى القائلة.
أيا شجر الخابور مالك مورقًا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف
ومنهم الأخنس بن شهاب الشاعر الفارس.
ومن بني ثعلبة بن بكر بن حبيب: عميرة بن جعل الشاعر.
وقد سكنت تغلب في العراق وفي بادية الشام، واتصلت بحكم منازلها بالغساسنة والمناذرة والروم والفرس، وكانت غالبيتها على النصرانية عند ظهور الإسلام٦٣.
٥- بكر بن وائل بن قاسط، وهؤلاء منهم الفروع الآتية:
أ- يشكر: ومنهم الحارث بن حلزة وسويد بن أبي كاهل.
стр. 54
ب- مالك بن صعب بن بكر، ومنهم شهل بن شيبان بن زمَّان، وهو المعروف بالفند الزمَّاني.
جـ - حنيفة بن لجيم: وهو أهل اليمامة، أصحاب نخل وزرع٦٤. ومن حنيفة: عدي بن حنيفة، ومن هؤلاء مسيلمة الكذاب، والعباس بن الأحنف الشاعر.
ومن حنيفة كذلك الدول، ومنهزهوزة بن علي الذى توجه إلى كسرى ومنهم كذلك عمرو بن عبد الله قاتل المنذر بن ماء السماء يوم أباغ.
د-عجل بن لجيم: ومنهم ثعلبة بن حنظلة صاحب القبة يوم ذي قار والأغلب العجلي الراجز، وأبو النجم الراجز، والعديل الفرح الشاعر.
هـ - سعد بن ضبيعة: ومنهم الأعشى، قيس بن ميمون.
و مالك بن ضبيعة: ومنهم المرقش الأكبر، والمرقش الأصغر. وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة، وعمرو بن مرثد.
ز- عباد بن ضبيعة: منهم الحارث بن عباد، وابنه بجير.
حـ - محلم بن ذهل بن شيبان: ومنهم عوف بن محلم الذي يقال له: لا حر بوادى عوف.
ط - أبو ربيعة بن ذهل شيبان، ومنهم هانئ بن مسعود الذي هاج القتال بين بكر وبين تميم وضبة والرباب يوم ذي قار.
ى- مرة بن ذهل بن شيبان: ومنهم المثنى بن حارثة الذى حارب الفرس أيام أبي بكر ﵁. وجساس بن مرة "قاتل كليب" وهمام بن مرة. ومن نسل همام هذا: بسطام بن قيس بن مسعود، وابنه زريق بن بسطام، والدحدراء التى تزوجها الفرزدق٦٥.
وبكر من القبائل التى تركت ديارها القديمة في تهامة إلى اليمامة ثم إلى البحرين والعراق.
стр. 55
إياد:
هم القسم الثالث من العرب العدنانيين، وكانت منازلهم عين أباغ وما والاها٦٦.
стр. 56
ويقول عنهم ابن قتيبة٦٧: "وكانت إياد أكثر نزار عددًا. وأحسنهم وجوهًا، وأمدهم، وأرشدهم، وأمنعهم وكانوا لقاحًا لا يؤدون خرجًا. "واللقاح: بفتح اللام، يقال: قوم لقاح. وحي لقاح: لم يدينوا للملوك، ولم يصبهم في الجاهلية سباء". وهم أول مَعَدِّي خرج من تهامة. فنزلوا السواد، وغلبوا على ما بين البحرين إلى سنداد والخورنق، وسنداد نهر كان بين الحيرة إلى الأبلة. وكانوا أغاروا على أموال لأنوشروان، فأخذوها، فجهز إليهم الجيوش، فهزموهم مرة بعد مرة. ثم إن إيادًا ارتحلوا حتى نزلوا الجزيرة فوجه إليهم كسرى بعد ذلك ستين ألفًا في السلاح، فنبههم لقيط الإيادي بقصيدة أرسلها إليهم٦٨، فاستعدت إياد لمحاربة جنود كسرى، ثم التقوا، فاقتتلوا قتالا شديدًا، أصيب فيه من الفريقين، ورجعت الخيل، ثم اختلفوا بعد ذلك. فلحقت فرقة بالشام، وفرقة رجعت إلى السواد، وأقامت فرقة بالجزيرة".
ومن إياد لقيط بن يعمر الإيادي الشاعر، وقس بن ساعدة الحكيم المشهور، وأبو دؤاد الشاعر، واسمه جارية بن الحجاج، وكعب بن مامة الجواد المشهور.
стр. 57
منازل القبائل العربية
كثيرًا ما نجد في افتتاحيات القصائد الجاهلية الحديث عن رحلة قبائل الحبيبات، وتركهم ديارًا كانوا يحتلونها إلى ديار أخرى. ولكننا مع ذلك نجد كثيرًا من كتب الأدب والتاريخ والجغرافيا تتحدث عن ديار القبائل عند الكلام على أنسابهم.
ولا شك أن شبه الجزيرة العربية كانت بها مدن وقرى، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، فالقوم الذين كانوا يسكنون هذه المدن والقرى كانوا يعيشون فيها عيشة استقرار، حيث كانت موارد الرزق فيها ثابتة ومنتظمة، أما بقية الأماكن يعيش فيها البدو، وهم من القبائل الذين يتصلون بالبادية أشد اتصال، يعتمدون في حياتهم على الحيوانات، فكانوا مضطرين للبحث عن غذاء لما يملكون من ماشية، ولهذا كانوا يتتبعون مواقع الغيث ومنابت الكلأ لينزلوا بها، حيث يجدون هناك ما يفي بحاجتهم وحاجة حيواناتهم من غذاء وماء. ومن ثم شاع الاعتقاد بأن حياة هؤلاء البدو كانت موزعة بين الإقامة والظعن، تبعًا لوجود الكلأ ونفاده، فإقامتهم في المكان كانت لفترة، تنتهي بانتهاء ما فيه من عشب وماء، فإذا نضب معينه حزموا أمتعتهم وشدوا رحالهم إلى مكان آخر لفترة أخرى، وهكذا باستمرار. وكأن افتتاحيات القصائد في الشعر الجاهلي توحي بذلك وتؤيده.
حقيقة أن البدو من طبيعتهم حب الانتقال، ومن ثم قيل إنهم لم يقيموا لهم دورًا ثابتة، وإنما جعلوها سهلة في البناء، خفيفة في الارتحال، لا تحتاج في إقامتها أو اقتلاعها إلى جهد أو عناء ولكنا لا نعتقد أن هذا الارتحال كان يحدث باستمرار، في كل شهر أو كل عام، ربما كان التنقل السريع في بادئ الأمر حينما كانت كل قبيلة تبحث عن مكان ملائم من شتى الوجوه.
فإذا ما عثرت على ضالتها. وتحققت أمنيتها -وربما كان ذلك بعد محاولات كثيرة من الحل والترحال- كانت تتخذ هذا المكان الملائم دارًا لها. ولا نستطيع أن نتصور كل واحدة من هذه القبائل تنزل بالمكان شهرًا أو شهرين، ثم تقلع عنه بحثًا عن آخر لفترة قصيرة وهكذا، كأنما كانت كل البقاع خالية أمامها، تنزلها حيث شاءت، وكأنما لم يكن في البادية قبيلة أخرى سواها تبحث عن مورد رزق لها، وهل يمكن أن تنزل القبيلة مكانًا خاصًا هذا العام فتقيم به
стр. 58
ما دام فيه الكلأ والعشب، ثم ترحل عنه وتتركه لمن شاء من غيرها أن يحتله كأنما تأكدت هذه القبيلة أن هذا المكان قد أقفر إلى الأبد، وأنه لن ينبت أبدًا بعد تركهم إياه.
ولا شك أن هناك ظروفًا مختلفة تضطر إلى الهجرة والارتحال: فكثرة النسل تؤدي إلى ضيق المكان بأهله، وذلك يجعل القوم يحاولون توسيع الرقعة التي ينزلونها، إما حواليها وفيما يتصل بها إن كان هناك ما يسمح لهم بذلك، وإما بالبحث عن مكان أوسع في بقعة أخرى، وقد يكون ذلك بارتحال الكل أو بعضهم تبعًا لمقتضيات الأحوال، كما حدث في بادئ الأمر عندما تكاثر أبناء القحطانيين والعدنانيين، وسجلته كتب الأدب والتاريخ١.
كما أن الحروب والشقاق والتناحر والتنافس كثيرًا ما ينجم عنها هجرات، واحتلال وارتحال، من ذلك ما يحكيه أبو عبيدة في شرح النقائض٢ عن عبس في حرب داحس والغبراء من أنهم بعد جفر الهباءة ظعنوا إلى كلب بعراعر، ثم حدثت موقعة عراعر، فحلوا على بني سعد وهم بالفروق، إلي أن حدثت موقعة الفروق فسار بنو عبس حتى وقعوا باليمامة حيث أرادوا محالفة بني حنيفة، ثم لحقوا ببني عامر بن صعصعة وجاوروهم، حتى غرتهم بنو ذبيان وبنو أسد ومن تبعهم من بني حنظلة يوم جبلة، فتوجهوا نحو تغلب وأخيرًا أشار عليهم قيس بالذهاب إلى قومهم ومصالحتهم.
وقد تحدث الهجرة بسبب ظروف اقتصادية كما حدث للقبائل اليمنية بعد سيل العرم وانهيار سد مأرب.
وسكان البادية كانوا يعتمدون في حياتهم على الماشية، ومن ثم كان أول ما يعنيهم هو البحث عن غذاء لهذه الماشية، فكانوا يخرجون بها إلى الأمكنة التي توجد بها الأعشاب والنباتات التي تصلح غذاء لها. وقد يمكثون في هذه الأماكن المعشبة بعض الوقت، ولكن مهما كان مكثهم فيها، طال أم قصر، فإنهم لم يتخذوها مواطن إقامة ثابتة، بل كانوا إذا انتهى الموسم عادوا إلى موطنهم ينتظرون أن يحول الحول وينزل الغيث.
ولعل مسيرة القبائل إلى مواطن الكلأ في المرتبع، وإقامتهم فيها ما دام العشب هناك،
стр. 59
وارتحالهم عنها بعد انتهائه إلى منازلهم الأصلية، كانت السبب فيما تردد ذكره في افتتاحيات القصائد الجاهلية، وقد ورد في الشعر الجاهلي، وتعليقات الباحثين عليها ما يؤيد ذلك، من ذلك مثلًا ما يقوله الأعلم الشنتمري في شرحه لبيتي امرئ القيس٤:
فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رأى من تَفرق ... أَشت وأَنْأَى من فراق المُحَصَّبِ
فريقان، منهم جازعٌ بطن نَخْلَةٍ ... وآخر منهم قاطعٌ نجدَ كَبْكَبِ
فهو يقول: "تفرق القوم فرقتين، فمنهم من أخذ سفلًا، ومنهم من أخذ علوًا، وإنما يعنى افتراق الحيين بعد انقضاء المرتبع الذي كان يجمعهم، فيلقى به كل منهم من كان يحب، ورجوع كل حيّ إلى مائه وموضع إقامته"٥.
ولأنهم ما كانوا ينوون الإقامة في مثل هذه المواطن إقامة دائمة أو لمدة طويلة كانوا يصنعون بيوتهم فيها من خشب ضعيف، ويظللونها بالثمام. يقول الشنتمري في تعليقه على البيت٦.
أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر
"المرخ: شجر خوار ضعيف يتخذ منه الزناد والخيام، وهو خشب ينصب بالمرتع ويظلل بالثمام، فيسكنونها، فإذا رجعوا إلى المياه تركوها حتى يعودوا إليها، وإنما يفعلون ذلك لأن ظل الثمام أبرد من ظل الأبنية. والعشر شجر ينبت بالغور، ومعنى البيت: يتساءل الشاعر فيقول: أأنجدوا أم أغاروا؟ أي أتوا نجدًا أم الغور أم لم ينزلوهما؟ ".
فديارهم كانت في أماكن معينة، وإنما كانوا يتحركون في أوقات العشب بدوابهم إلى مواطنه، ويتخذون فيها مساكن مما تنبته الأرض هناك من شجر وحشائش، ثم يعودون بعد انتهاء الكلأ إلى منازلهم الأصلية، وكما رأينا في تعليق الأعلم يبدو أن القوم كانوا دائمًا يعاودون الرجوع إلى هذه المواطن التي ينتجعونها في مواسم العشب، مما يؤيد أنهم كانوا يتمسكون بالمكان الذي ينزلونه في أي وقت، وفي أي مكان.
стр. 60
ويبدو أن بعض القبائل كانوا يتخذون لهم ديارًا مختلفة تبعًا لفصول السنة ففي الصيف ينزلون دارًا، وفي الشتاء أخرى، وفي مثل هذا يقول طرفة٧:
حيثما قاظوا بنجد وشتوا ... بين ذات الحاذِ من ثِنْبَى وقُر
ويقول بعض العرب: "من قاظ الشريف، وتربع الحزن، وشتا الصمان، فقد أصاب المرعى"٨. فإذا ما انتهى الموسم عادت القبيلة إلى منازلها.
فارتحال القبائل البدوية وتنقلها بين ربوع الصحراء، بمعنى تركهم منازلهم إلى غير رجعة، ما كان يحدث باستمرار على فترات قصيرة، كل شهر أو كل عام، إنما كان يحدث بعد فترات طويلة وتحت ظروف كالتي أشرنا إليها، أما ذهابهم المؤقت إلى بعض الأمكنة في موسم من المواسم ثم يعودون بعد انقضاء حاجاتهم هناك إلى منازلهم الأصلية، فهذا لا شك كان يحدث بحكم الظروف التي كانوا يعيشون فيها، ولعل افتتاحيات القصائد في الشعر الجاهلي كان الشاعر يعبر فيها حقيقة عما حدث فعلًا في رحلات الرعي، أو لعله كان في بدء الأمر حقيقة واقعة تحدث عنها الشعراء الأوائل حينما كانت القبائل تبحث عن مكان ملائم تتخذه منزلًا دائمًا لها.
فكانت تقضي في مكان أو أمكنة بعض الوقت، ثم ترحل إلى أن وجدت كل منها مكانًا يحقق رغباتها، فاتخذته لها منزلًا وديارًا. ثم أصبح هذا الافتتاح الشعري تقليدًا جرى عليه الشعراء اللاحقون تبعًا لأسلافهم السابقين.
ومع أننا ذكرنا ديار القبائل في أثناء الحديث عن أنسابها في الفصل السابق، فسنورد فيما يلي مقتطفات مما جاء في كتب الأدب والتاريخ والشعر في هذا الشأن.
فمما جاء في كتب الأدب والتاريخ عن منازل القبائل العربية في الجاهلية، ما يقوله البكري٩ عن سكان الحجاز.
"وجاء الله بالإسلام، وقد نزل الحجاز من العرب: أسد وعبس وغطفان وفزارة ومزينة وفهم وعدوان وهذيل وخثعم وسلول وهلال وكلاب بن ربيعة، وطيئ -وأسد وطيئ حليفان- وجهينة نزلوا جبال الحجاز: الأشعر الأجرد وقدسا، وآره ورضوى،
стр. 61
وأسهلوا إلى بطن إضم. ونزلت قبائل بليّ شغبا وبدا، بين تيماء والمدينة. ونزلت ثقيف وبجيلة حضرة الطائف، ودار خثعم من هؤلاء: تربة وبيشة وظهر تبالة على محجة اليمن من مكة إليها، وهم مخالطون لهلال بن عمرو، وبطن تبالة لبني مازن، ودار سلول في عمل المدينة، ومنازل أزد شنوءة السراة، وهي أودية مستقبلة مطلع الشمس بتثليث وتربة وبيشة، وأوساط هذه الأودية لخثعم على ما تقدم وأحياء مذحج. وهذه الأودية تدفع في أرض بني عامر بن صعصعة. ومن بقي بأرض الحجاز جشم ونصر بن معاوية، ومن ولد خصفة بن قيس فهم بالحرة، حرة بني سليم، وحرة بني هلال، وحرة الربدة، إلى قرن تربة، وهم مخالطون لكلاب بن ربيعة. وهؤلاء كلهم من ساكني الحجاز".
ويقول عن سكان نجد: "ونزل نجدًا من العرب بنو كعب بن ربيعة بن عامر، ودارهم الفلج وما أحاط بها من البادية، ونزل نمير بن عامر، وباهلة بن يعصر وتميم كلها بأسرها باليمامة، وبها دارهم إلا أن حاضرتها لربيعة بن نزار وإخوتهم".
وتحدث عن انتشار ربيعة ومضر ابني نزار. فقال١٠: "وحدثت حروب بين بني ربيعة فتفرقت وتمايزت، فارتحلت عبد القيس وشن بن أفصى فاختاروا البحرين وهجر، واقتسموها فيما بينهم، فنزلت جذيمة بن عوف بن عبد القيس الخط وأعناءها، ونزلت شن طرفها وأدناها إلى العراق، ونزلت نكرة وسط القطيف وما حوله. ونزلت عامر بن الحارث بن عبد القيس الجوف والعيون والأحساء حذاء طرف الدهناء".
ويقول كذلك١١: "وظعنت بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل يتبعون الكلأ والماء، وينتجعون مواقع القطر والغيث على السمت الذي كانت عبد القيس سلكت.. وسكنوا اليمامة".
ويقول أيضاً١٢: "وأقامت سائر قبائل ربيعة من بكر وتغلب وغفيلة وعنزة وضبيعة في بلادهم من ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة حتى وقعت الحرب بينهم، فتفرقوا، فتبددت تغلب في البلاد، وانتشر بكر بن وائل وعنزة وضبيعة باليمامة فيما بينها وبين البحرين إلى أطراف سواد العراق ومناظرها وناحية الأبلة إلى هيت وما والاها من البلاد. وانحازت النمر وغفيلة
стр. 62
أطراف الجزيرة وعانات وما دونها إلى بكر بن وائل وما خلفها من بلاد قضاعة من مشارق الأرض".
وقد جاء في الشعر الجاهلي كثير عن منازل القبائل في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. من ذلك في المفضليات قصيدة للأخنس بن شهاب التغلبي وأخرى للأسود بن يعفر النهشلي، وفي صفة جزيرة العرب قصيدة لبعض آل أسعد بن مليكيكرب يذكر فيها منازل من خرج من اليمن في سائر جزيرة العرب وغيرها "ص٢٠٦" وأخرى لجماعة البارقي "ص ٢٢٠" تحدث فيها عن الأزد ١٣.
стр. 63
حياتهم ومعيشتهم
هذه القبائل العربية بفرعيها العظيمين الجنوبي والشمالي، كانت موزعة في شبه الجزيرة العربية بين ربوع صحاريها الواسعة، ومدنها وقراها التي سبق أن أشرنا إلى بعضها. فمن كان يسكن المدن والقرى كانوا يسمون "الحضر" ومن كان ينزل في البادية كانوا يسمون "البدو" وكان لكل من هذين النوعين أسلوب خاص في الحياة المعيشية. أوجدته ظروف البيئة التي كانت تحيط به.
فالحضر، وهم سكان المدن، والقرى كانوا يعيشون على موارد ثابتة من الرزق كالزراعة والتجارة، والأولى تزدهر حيث الأرض الخصبة والمياة الغزيرة اللازمة للإنبات والزرع والسقي والاستثمار، وهذه توجد في الجهات التي تسقط فيها الأمطار بكثرة، أو تفيض فيها العيون والآبار بوفرة، وهذه الأماكن توجد في الجنوب والشرق وواحات الحجاز مثل يثرب والطائف ووادى القرى ودومة الجندل وتبوك وخيبر وتيماء. وقد كانت اليمن جنة وارفة الظلال حتى أجمع المؤرخون على امتداح غنى اليمن، وسموها بالأرض السعيدة١. يدل على هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ .
فكان اليمن على وجه العموم أهل حضر، وكانت لهم مدن وقصور وأثاث ورياش، ولبسوا الخز، وافترشوا الحرير، واقتنوا آنية الذهب والفضة، وغرسوا الحدائق والبساتين، ويحكي المؤرخون عن حضارتهم وأبهتهم ما يفوق الخيال.
ويعزى رقي تلك الربوع الجنوبية السعيدة إلى عوامل عديدة، منها نصيبها الوافر من الأمطار وقربها من البحر، ومركزها الجغرافي الخطير على خط الاتصال بالهند، وكان من حاصلاتها الطيوب والمر وسواهما من طرائف العطور والأفاويه التي تستعمل توابل للطعام، أو تحرق في حفلات البلاط والمراسيم الدينية، وأجدرها بالذكر البخور، وهو أثمن البضائع التي
стр. 64
تداولتها التجارة القديمة. وإلى هذه البلاد ترد الحاصلات الغالية والمرغوبة، فكان يرد اللؤلؤ من خليج العجم والأنسجة والسيوف من الهند، والحرير من الصين والأرقاء والقرود والعاج وريش النعام والذهب من الحبشة، وكانت جميعها تجد طريقها إلى أسواق بلاد العرب٢.
فحيثما وجدت الزراعة كان الخير الكثير، والحياة المستقرة، فأقام الناس بين مزارعهم، وجعلوا مساكنهم ثابتة في وسطها، فنشأت هناك القرى والمدن. أما التجارة، فكان هناك من السكان من اشتغل بها، وقد مر ذكر هذه الطرق التى كانت تسلكها القوافل التجارية من أطراب شبه الجزيرة العربية وعبرها، "وكان الجزء الجنوبي من بلاد العرب بلد اللبان والطيب والبهار، وكان سكانه همزة الوصل بينهم وبين أسواق الهند وبلاد الصومال"٣ وقد تهيأت للمملكة أسباب سياسية ودينية واقتصادية جعلتها مركزًا هامًّا للتجارة في الجاهلية، فكان يوجد في شبه الجزيرة العربية طريقان عظيمان للتجارة بين الشام والمحيط الهندي، إحداهما تسير شمالًا من حضرموت إلى البحرين على الخليج العربي، ومن ثم إلى صور والثانية تبدأ من حضرموت أيضًا، وتسير محاذية للبحر الأحمر، متجنبة صحراء نجد وهجيرها ومبتعدة عن هضاب الشاطئ ووعورتها، وعلى هذه الطريق الأخيرة تقع مكة في المنتصف تقريبًا بين اليمن وبطرة.
وكان اليمنيون ينقلون غلات حضرموت وظفار، وواردات الهند إلى الشام ومصر، وبعد أن انحط اليمنيون حل محلهم عرب الحجاز حوالي القرن السادس الميلادى، فكان الحجازيون يشترون السلع من اليمنيين والحبشيين ويبيعونها على حسابهم في أسواق الشام ومصر. وكانت مكة قاعدة لعرب الحجاز، وعندما اشتدت العداوة بين الروم والفرس اعتمد الرومانيون إلى حد كبير على تجارة مكة.
وكانت السلع التي تتاجر فيها قريش: الأدم والزبيب والصمغ والطيب والتبر والحرير والبرد اليمانية والثياب العدنية والأسلحة ومصنوعات الحديد، والذهب من معدن بني سليم، والسلع المستوردة من إفريقية والهند والشام وحوض البحر المتوسط، ومن المنسوجات النفيسة
стр. 65
الغالية التي استوردها التجار لبلاد العرب: الديباج والإستبرق والسندس٤ التي كان يتنافس الأغنياء وذوو الثراء والجاه في اقتنائها.
وكان في مكة البيت الحرام الذي يقدسه جميع العرب، وكانت قريش سدنة هذا البيت، يقومون بالعناية به والمحافظة عليه، فأكسبهم ذلك احترامًا عظيمًا فكانت لهم منزلة سامية في نفوس العرب جميعًا، ومما كان له أثر كبير في تحسين مركزهم التجاري العظيم، كما أن زمزم كانت تفيض بالقرب من مكة ماءً سلسبيلًا، مما جعلها مركزًا هامًّا للقوافل التجارية، فكانت القوافل تستقي منها، وتأخذ حاجتها من الماء، فنشطت التجارة في مكة نشاطًا عظيمًا، واشتهرت قريش بها، وأثرت بسببها ثراء عظيمًا، حتى إن صاحب لسان العرب قال: إنها سميت بهذا الاسم، لأنهم كانوا أهل تجارة، من قولهم "فلان يتقرش المال" أي يجمعه، وامتن الله عليهم بهذا الثراء وما كانوا فيه من أمن بقوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ . فكان لهم رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى بلاد الشام، ولم تكن قريش تستورد التجارة لتخزنها في مكة وحدها، فمكة وحدها بلد صغير، لا تستوعب أسواقها هذه التجارات، بل كانت تستوردها من الشمال والجنوب لتصرف ما يمكن بيعه في أسواق مكة وهو القليل، ولتصدر -وهى الغالب- ما استوردته من الجنوب إلى الشام، ولتصدر ما استوردته من الشام إلى اليمن، ومنها إلى بقية العربية الجنوبية والسواحل الإفريقية المقابلة، فتستفيد من هذه الصفقات ربحًا حسنًا٥.
فحيثما كانت توجد موارد الرزق الثابتة من الزراعة أو التجارة عاش القوم على ما ينتج لهم من ذلك، واستقروا فأقاموا القرى والمدن.
أما الصناعة فكانت قليلة وعلى شيء يسير، ولكن حيثما وجدت كانت تقام البيوت الثابتة وتنشأ القرى، كما يحكى الهمداني عن صعدة مثلًا، فيقول: "قال بعض علماء العراق:
стр. 66
إن النصال الصاعدية تنسب إلى صعدة، وهي كورة بلاد خولان. وموضع الدباغ في الجاهلية الجهلاء، وذلك أنها في موسط بلاد القرظ"٦. ويقول عن الطائف: "وهي مدينة قديمة جاهلية، وهي بلد الدباغ، يربغ بها الطائفية المعروفة"٧ كما اشتهرت اليمن بدباغة الجلود ومن أهم المواد المصنوعة من الجلود الدلاء والقرب والنعال والخفاف والأنطعة ومواد أخرى تستعمل في البيت. واشتهرت اليمن كذلك بالنسيج والحياكة. ومن أشهر ثيابهم البرود: العصب والسحل والسيراء٨.
وأما البدو فكانوا غالبية السكان قبائل متفرقة متناثرة في الصحراء التي تشتهر بالجدب والقحط، وليس فيها من زرع إلا ما ينبت من الشعب غب المطر، فاعتمد أهلها على ما في هذه الصحراء من حيوان، مستأنسًا كان أم متوحشًا، فكانوا يصطادون الوحش، يقتلونه، ويشوون لحمه ويتخذون منه غذاء شهيًا، وتعهدوا المستأنس بالتربية والرعاية والعناية، وكان أهم هذه الحيوانات المستأنسة الإبل والخيل والغنم والمعز، فكانوا يتحذون من الإبل والغنم موارد رزقهم. ووسائل حياتهم، يأكلون لحمها ويشربون لبنها، ويتخذون من أصوافها وأوبارها وأشعارها لباسًا يقيهم الحر والبرد، ومساكن يقيمون فيها، وأثاث بيوتهم وأمتعتهم، واعتمدوا على الخيل في السلم وفي الحرب، يصيدون بها الوحش من الحيوان للغذاء، ويغيرون بها أو يقاتلون. وكانت الإبل كذلك عونًا لهم في الحرب كما كانت في السلم، وكانت ثروة الواحد منهم تقدر بما لديه من هذه الحيوانات، وبخاصة الإبل والخيل، ولذلك كان لهذين النوعين من الحيوانات قيمة عظيمة في نظرهم. ومن ثم كان العربي يميل إلى الإكثار من ماشيته سواء بالتربية والرعاية، أو بالاستيلاء عليها عن طريق الإغارة والحرب. فموارد رزق البدوي، ومصادر ثروته كانت هذه الحيوانات التي يملكها، وما يغنمه من الغارات والحروب إن حالفه الحظ، وما يتقاضاه من جعل يدفعه أصحاب القوافل التجارية التي تخترق الصحراء؛ نظير حمايتها والمحافظة عليها.
стр. 67
وما كان البدوي يفكر في الاشتغال بمورد ثابت يربطه بمكان لا يبرحه طول حياته، وتستره حيطانه عن نور الفضاء، واتساعه الفسيح الأرجاء، ومن ثم أنف من الاشتغال بالزراعة، أو الصناعة فتركوا ذلك لغيرهم ممن كانوا يعتبرونهم أقل من البدو، أنفة وكبرياء، وكان مبدأ العربي: "الذل بالحراث، والمهانة بالبقر. والعز بالإبل، والشجاعة بالخيل"٩. ولهذا تمسكوا بالصحراء، وعاشوا بين جنباتها الواسعة، تحت سقوف خيامهم، وبين حيواناتهم، يتنفسون من هوائها العذب، ونسيمها العليل، يحمل بين هبوبه وحركاته، الحرية والسيادة المطلقة، فكان يغذي روحهم المتعشقة للانطلاق، والمطبوعة على الأنفة من الحدود والقيود.
ولكن بسبب الجدب الضارب أطنابه لم يكن هناك من الموارد ما يكفي لإنعاش هؤلاء البدو، وتوفير عيشة هنيئة لهم جميعًا، لذلك انتشر الفقر والبؤس فيهم، ولم يكن فيهم من الأغنياء إلا قلة، خصوصًا في متاهات هذه الصحراء الواسعة وبين مرتفعاتها ومنحدراتها ومنحنياتها، حيث تضل الطريق وتعمى السبل حتى على كثير ممن لديهم خبرة بطرقاتها ودروبها. ومن ثم وجدت جماعة الصعاليك١٠ وانتشر قطاع الطرق، وكثرت الغارات، وكان الأمن معدومًا، والقوة فقط هي صاحبة السيادة والسلطان.
ومما كان له أثر كبير في موارد الرزق ومعيشة العرب جميعًا، الحضر منهم والبدو، تبادل السلع، والبيع والشراء، والأخذ والعطاء، ولذلك كانت لهم أسواق كثيرة، منها ما كانت ثابتة مع أيام السنة، ومنها ما كانت موسمية تعقد في مواسم معينة فإذا انتهى الموسم انفضت، وهذه جعلوها في أماكن متفرقة في أنحاء شبه الجزيرة، حتى تنال كل بقعة نصيبها منها، ولا يحرم بعض السكان من وجود هذه الأسواق في ديارهم، كما جعلوا لكل منها وقتًا خاصًّا، بحيث لا يتعارض بعضها مع بعض، ليستطيع كل من شاء أن يحضر جميع هذه الأسواق دون أن تفوته واحدة منها. وقد ذكر الألوسي كثيرًا من هذه الأسواق١١ ومواقيتها، فمما ذكره من هذه الأسواق:
стр. 68
١- دومة الجندل: كانوا ينزلونها أول يوم من ربيع الأول، وكانت تستمر نصف شهر أو شهرًا، ورؤساؤها غسان أو كلب، أي الحيين غلب قام. ويقال إن المبايعة فيها كانت ببيع الحصاة١٢.
٢- سوق هجر: "بالبحرين" كانون ينتقلون إليها في شهر ربيع الآخر.
٣- سوق عمان: كانوا يرتحلون من سوق هجر إليها، فتقوم بها سوقهم إلى أواخر جمادى الأولى.
٤- سوق المشقر: "وهو حصن بالبحرين" تقوم من أول يوم من جمادى الآخرة. ورؤساؤها بنو تيم رهط المنذر بن ساوي.
٥- سوق سحار: تقوم لعشرين يمضين من رجب لمدة خمسة أيام، وكانت لا يحتاج فيها إلى خفارة.
٦- سوق الشحر: تقوم في النصف من شعبان، وكانت مهرة تقوم بها.
٧- سوق عدن أبين: تقوم إلى أيام من رمضان، ومنها كان يحمل الطيب إلى سائر الآفاق.
٨- سوق صنعاء: تقوم في النصف الثاني من رمضان.
٩- سوق ذي المجاز: كانت بناحية عرفة إلى جانبها.
١٠- سوق مجنة: موضع قرب مكة، تقوم سوقها قرب أيام الحج، ويحضرها كثير من قبائل العرب.
١١- سوق عكاظ: كانت من أعظم أسواقهم، وعكاظ واد بين نخلة والطائف وهو أقرب إلى الطائف. وكانت تقام أيام موسم الحج، وتحضرها كل القبائل، وبها كانت مفاخرة العرب، وحالاتهم، ومهادنتهم.
ولا شك أن هذه الأسواق كان لها أثر كبير من الناحية الاقتصادية فكانت بطبيعة الحال ذات تأثير فعال في حياة القوم ومعيشتهم، كما كان لها تأثير في النواحي العامة الأخرى للعرب، فإذا كانت القبائل تفد إليها للبيع والشراء، فلا يستبعد بالطبع ورود تجار أجانب من غير
стр. 69
العرب إليها، فقد كان الروم مثلًا يتوغلون في هذه الأرضين إلى مسافات بعيدة للبيع والشراء، كما كان يقصدها أناس من أماكن بعيدة بحثًا عن طلب أو ترويجًا لرأي١٣.
قد استعمل أهل العربية الجنوبية النقود في معاملاتهم فاستعملوا نقودًا سكت من الذهب ونقودًا سكت من الفضة، وأخرى سكت من النحاس ومن معادن أخرى، وقد عثر على نماذج من كل نوع من هذه الأنواع، كما استعملوا نقودًا أجنبية أيضًا، وصلت إليهم بتعاملهم مع الأسواق الأجنبية. وقد عثر على بعض منها في مواضع من جزيرة العرب أكثرها يوناني أو روماني١٤.
أما أهل الحجاز١٥ فقد تعاملوا بالنقود الرومية والساسانية، تعاملوا بالدراهم، وتعاملوا بالدنانير١٦ ولعلهم كانوا يتعاملون بنقود أهل اليمن كذلك، وبنقود أهل الحبشة، فقد كان أهل مكة تجارًا، يتاجرون مع اليمن، ويتاجرون مع العراق وبلاد الشام، وتجارتهم هذه تجعلهم يستعملون مختلف النقود، خاصة أنهم كانوا في مكان فقير لا يساعد على ضرب النقد فيه.. وقد ذكر أهل الأخبار أن أهل المدينة كانوا يتعاملون بالدراهم عند مقدم الرسول، ويتعاملون بالعدد، فأرشدهم إلى الوزن كما يفعل أهل مكة، ودرهم أهل مكة ستة دوانيق، وعدلت بعد الإسلام، فكانت تعرف بالدراهم المعدلة، وهي بوزن سبعة مثاقيل لكل عشرة دراهم.
стр. 70
حالتهم السياسية
يجتمع المؤرخون على أن اليمن كان فيها نظام الملكية، وقامت فيها دول مختلفة، وكان لها حضارات ومدنيات أشرنا إلى بعض مما حكاه المؤرخون عن أوصافها. ولكن المدن والقرى الأخرى التي كانت في غيرها من شبه الجزيرة يبدو أن النظام السياسي في كل منها كان يختلف في بعضها عن بعض، وفي ذلك يقول الدكتور جواد علي١: "ويلاحظ أن بعض المدن والقرى، ولا سيما في العربية الغربية مثل مكة لم يكن عليها ملك، إنما يحكمها عدة رجال قسمت الأعمال بينهم. ولا يلقب زعيمم والمتنفذ فيهم بلقب ملك و"للملأ" وهم أصحاب الحل والعقد في البلد الحكم في الناس على وفق العادات والأعراف والقوانين الموروثة، ويكون لهم في البلد مجتمع خاص يكون ناديهم ومقر حكمهم، عرف بـ"دار الندوة" في مكة وبـ"المزود" عند أهل اليمن. ويمكن أن نقول إنه مجلس ذلك الزمن و"برلمان" ذلك العهد، وإن نظام الحكم في أمثال هذه المدن هو ما يقال له "حكومات المدن" عند المؤرخين الغربيين".
"أما يثرب حيث تنازع فيها الأوس والخزرج، فقد أراد كل فريق منهما أن يكون الحاكم من رجاله، وبعد جدل وحرب استقروا على أن يكون الحكم بينهما بالمناوبة. فيحكم في كل زعيم من زعماء الحي الواحد، يليه في العام الثانى زعيم من الحي الثاني، وشاءوا أن يكون "ملك" لقب الحاكم عندهم. وبذلك يكونون قد وضعوا لهم نظام التناوب في الحكم، فيكون لهذه المدينة ملك كل عام".
"وأما بقية المدن العربية فقد رأينا أن بعضها كان يحكمها عند ظهور الإسلام حكام يلقبون أنفسهم ملوكًا، وهم في الواقع مشايخ مدن، أو مشايخ مقاطعات، وكذلك كان يحكم العربية الجنوبية مثل حضرموت عدة مشايخ يلقبون بألقاب الملك".
"فكان هناك "ملوك" في اليمن والعراق والشام حيث الخصب الطبيعي وموارد الرزق
стр. 71
الواسعة واعتدال المناخ، ولكن نوع تلك الحكومات في تلك الدول غير معروف، ويبدو أنها كانت على وجه عام من الحكومات المطلقة الاستبدادية"٢.
أما البدو. فكان النظام القبلي هو السائد فيهم، ولم تكن هناك حكومة مركزية ترعى مصالح الشعب بأجمعه، وتنفذ القانون على الجميع، وتنشر العدل والطمأنينة والأمن بين جميع الطبقات، إنما كانت كل قبيلة بمثابة دول مستقلة لها كيانها الذاتي الخاص، شعبها يتكون من أفرادها فقط، ولها وطنها وحرمها الذى تحافظ عليه، وتدافع عنه وتحميه، ولذلك كان يسمى الحمى، وهذا الحمى كان حرمًا للقبيلة لا ينبغي أن يمسه أو يقترب منه أجنبي، مثله مثل حدود الدولة في عصرنا الحاضر. وكان أفراد القبيلة يتعاونون ويتساندون في الحفاظ على شرف القبيلة وحماها وهم متساوون فيما بينهم، ولا يعتبرون غيرهم أعلى منهم، أو حتى مساويًا لهم، ولا يدينون بالطاعة إلا لرئيس قبيلتهم، فوطنيتهم كانت وطنية قبلية لا وطنية شعبية، كما كانت الحرية التي يتغنون بها ويتمسكون بها حرية شخصية لا حرية اجتماعية، وكان على القبيلة في مجموعها أن تحمي كل فرد من أفرادها وتهب كلها للدفاع عنه والأخذ له بحقه والانتصاف له إن أصابه ضيم، أو مست كرامته، ومن هنا كان لهم القول المشهور: "في الجريرة تشترك العشيرة"؛ فالقبيلة كانت تعتمد على أفرادها في قوتها وحياتها وشرفها وهيبتها، وكان الفرد يعتمد على القبيلة في كل ما له من حقوق، نظير ما كان عليه من واجبات، لذلك اشتد تعلق القبائل بأفرادها، كما اشتد تعلق الفرد بقبيلته، ومن هنا وجدت بينهم العصبية قوية، فكان التعصب للدم شديدًا، ووقف الفرد بجانب أخيه من قبيلته في جميع الأحوال ظالمًا كان أم مظلومًا.
ولشدة اهتمامهم بالقرابة والصلة العصبية ولحمة الأبوية اهتموا بالأنساب اهتمامًا عظيمًا. فكان الواحد منهم يعرف نسبه ونسب قبيلته محددًا مضبوطًا، ونرى أثر ذلك في أشعارهم التى تفيض بذكر الأباء والأجداد والبنين والأحفاد، ولشدة اهتمامهم بالنسب عرف قوم منهم كانوا مشهورين بمعرفة أنساب العرب حتى سموا بالنسابين.
ولوجود النظام القبلي بين أهل البادية، وانتشار الفوضى وتهديد الأمن والسلام في أية لحظة كان يهم القبيلة أن يكون أفرادها كثيرين، فمن أقوالهم: "للكثرة الرعب" حتى يمكنها
стр. 72
أن تواجه الأخطار بما يملأ قلوب الأعداء خوفًا ورهبة. وكثرة الأفراد كانت إما عن طريق كثرة أفراد القبيلة نفسها، أو عن طريق التحالف مع قبيلة أو قبائل أخرى، فيكون أفراد هذا الحلف، وإن اختلفت قبائلهم، متضامنين يشد كل منهم أزر الآخر، فيكونون بمثابة قبيلة واحدة. وأفرادها إخوة كأنهم من دم واحد لا يعتدي أحد منهم على الآخر، ويقف بجانبه في الشدة، ويشاركه في البأساء والضراء، ويكون لكل فرد من أفراد هذا الحلف ما لزميله من الحقوق، وعليه ما على صاحبه من واجبات.
والعربي في النظام القبيلي "كان يتأرجح بين قطبين: فردية تدفعه إلى رفع كل ضغط وتثبيت الحقوق الدائمة لنفسه تجاه الحقوق الجماعية، وتعلق من ناحية أخرى بجماعته بصورة عميقة قد تصل إلي حد التضحية بالنفس"٣.
والقبيلة تظل متمسكة بكل فرد من أفرادها، تحافظ عليه، وترعاه، وتنتصف له، ما دام يسير وفق قانونها، وحسب نصائحها، ووفق رغبتها وإرادتها، فإذا ما بدر منه سلوك لا ترضاه، أو اعتاد أمورًا لا توافق عليها، خلعته من جماعتها ونفته من مجلسها، وطردته من بينها. وفي ذلك يقول طرفة:
وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي
إلى أن تحامتني القبيلة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد٤
فتتنصل منه القبيلة على رءوس الأشهاد، وتعلن تبرؤها مما اقترفه من أفعال، وكثيرًا ما كان يحدث ذلك حيث الجميع حضور، ليعرف الناس ذلك فلا يؤاخذوها على جرائم يقترفها، فصبح مخلوعًا٥ من القبيلة كأنما سحبت منه جنسيته وعليه حينئذ أن يبحث عن مكان يؤويه أو جماعة ينزل معها أو تساعده والغالب أن ينتقل من مكان إلى مكان، ومن قبيلة إلى أخرى لصعوبة حمايته إذا كان من المشاغبين الأشرار، الذين لا يستطيعون المعيشة بهدوء كسائر الناس.
"وقد يتكتل هؤلاء الخلعاء ويجتمعون مع الصعاليك، فيؤلفون عصابات خطيرة تعيش
стр. 73
على السلب والنهب وقطع الطرق لكسب الرزق، فتلقي الرعب في النفوس، وتنعم بما في يديها من مال حرام تبدده وتبذره على عادة الشذاذ من الناس، ومن يحصل على قوته بهذه الطرق.
ولعدم مبالاة هؤلاء وشجاعتهم، وعدم اهتمامهم بالحياة استخدم بعضهم في أعمال انتقامية مثل الفتك بالخصوم"٦.
"والحقيقة أن التشكيلات القبلية لم تكن محصورة في أهل البدو فقط، بل كانت كذلك موجودة في المدن بين أهل الحضر. فكان على رأس كل قبيلة أو رهط مجلس مؤلف من رؤساء الأسر أو رؤساء الرهط تبعًا لمقياس القبيلة، وإلى هذا المجلس تعود مناقشة جميع القضايا التي تهم القبيلة"٧.
"وكان لكل مجلس رئيس، هو شيخ القبيلة، وهو شخصية فذة يختارها الجميع ليكون المعبرة بلسان جماعتهم، والمنفذ لإرادتهم، فكانت أوامره مستمدة من مداولات المجلس، وهو بعبارة أوضح منفذ، مزود بسلطة إيحائية. وعليه بعد استشارة القدماء والذوات أن يقود جماعته إلى المعارك، وأن يستقبل الوفود، وأن يشرف على مفاوضات الصلح والمحالفات وإشهار الحرب وإضافة الضيوف، واتخاذ التدابير في سني القحط، وتحديد حركات الظعون٨".
وكان الرئيس يختار من ذوي الشخصيات القوية الممتازة، وتتحقق فيه صفات خاصة أهمها الوقار، والهيبة، وسداد الرأى وبعد النظر، والطموح والحزم والإيثار والتضحية، والغنى، والجود، والسخاء، والشجاعة والقوة، والحلم، والصبر، والرزانة والثبات، فلا يفرح للخير، ولا يكبو للضر، ولا تبطره النعمة، ولا تغمه الشدة، قد أحكمته التجارب، وله خبرة بطبائع النفوس، وحسن معالجة الأمور، ويتسم بالإخلاص، والأمانة، والوفاء، والسهر للمصلحة العامة، والعمل على إعلاء كلمة القبيلة ورفع شأنها، ومن خير ما قيل من شعر في أهم صفات الرئيس قول لقيط الإيادي٩:
وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
стр. 74
لا مُتْرفًا إن رَخَاء العيش سَاعده ... ولا إذا عضَّ مكروهٌ به خَشَعا
لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم يكاد سناه يقصم الضلعا
مسهد النوم تعنيه أموركم ... يروم منها إلى الأعداء مطلعا
ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعًا طورًا ومتبعًا
حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأى لا قحما ولا ضرعا١٠
وليس يشغله مال يثمره ... عنكم، ولا ولد يبغي له الرفعا
وكانوا إذا غنموا أموالًا أخذ الرئيس ما بعده لما قد يطرأ، ولما يتحمل من النفقات، وذلك هو: المرباع والصفي والنشيطة والفضول١١.
ولشخصية رئيس القبيلة أثر كبير في مكانة القبيلة، فالزعماء في المجتمعات القبلية رجال السياسة، وبحكمتهم وكفايتهم تقرر الأمور، ورب كلمة من زعيم أو هفوة تصدر منه تثير حربًا أو تسبب كارثة له ولقبيلته، أو للحلف الذي يتزعمه، ذلك أن أعصاب رجال البادية مرهفة حساسة تثيرها الكلمات، ولا سيما إذا كانت تتعلق بالشرف والجاه١٢.
وكان الشعراء في قبائلهم لسان حالهم، والمذيعين لأخبارهم، والمسجلين لأفضالهم وأمجادهم.
وقد تسبب عن هذه العصبيات القبلية الضيقة عدم وجود مجتمع واحد كبير، كما أن المنافسات بين هذه العصبيات وزعمائها نشأ عنها تفكك اجتماعي، وعدم استقرار، وحروب كثيرة، ومن ثم لم تتكون منهم دولة واحدة قوية وحكومة مركزية عامة تتولى نشر العدل والأمن والطمأنينة بين جميع المواطنين.
стр. 75
حالتهم الإجتماعية
مدخل
...
حالتهم الاجتماعية
لقد كان للبيئة والظروف التي أحاطت بالقبائل العربية قبل الإسلام أثر كبير في حالتهم الاجتماعية، فالنظام القبلي، وعدم وجود حكومة مركزية، وجدب الصحراء وضيق الأفق كان لها دخل كبير في وجود كثير من الصفات والعادات عند العرب الجاهليين.
فحب الفرد لقبيلته وتفانيه في إخلاصه لها، والعمل على رفع شأنها، وإعلاء كلمتها، وتعصبه لها وحدها، كل ذلك جعله يتجاهل غيرها، ولا يعترف بحق الحياة أو الملكية أو المتعة لأحد من سواها، كأنما لم يخلق في الوجود غيره وغير قبيلته، فدفعه هذا الاعتقاد إلى الاعتداء على حقوق الآخرين، ما دام يملك القوة أو الفرصة المواتية، فكانت الغارات والحروب التي ينجم عنها إزهاق الأرواح، ونهب الأموال وأسر الرجال، وسبي النساء، مما يشيع الرهبة في قلوب الآخرين، ويعلي من شأن المنتصرين، وينمي ثروتهم، بما غنموه من مال، أو كسبوه من فداء الأسرى والسبايا، أو احتلال أرضهم، ونزول ديارهم. وما كانوا يكفون عن الغارات والحروب إلا في الأشهر الحرم، ولكن الحمية الجاهلية كانت تشتط بهم فيقاتلون فيها غير مبالين، كما كان في حرب الفجار بين قريش وكنانة، أو يتخذون النسيء فيؤخرون الأشهر الحرم كما يشاءون. وإزهاق الأرواح، وإنزال الخسائر، وإحداث الهزائم، وما كانت لتقف عند حد، فالقبيلة المنهزمة ومن حاقت بهم الخسائر، ما كانوا ليقفوا مكتوفي الأيدي، بل لا بد أن ينتقموا لكرامتهم، ويردوا شرفهم، فكان لابد من الأخذ بالثأر، وكان الاعتقاد السائد أن روح القتيل كانت تخرج من قبره كل يوم في صورة طائر يسمونه "الهامة" وتصيح قائلة "اسقوني، اسقوني" ولا تكف عن الصياح حتى يأخذ بثأره. فكل معركة كانت تتبعها معركة بل معارك، وقد ساعد على انتشار هذه الفوضى، وشيوع الرعب وعدم الطمأنينة والأمن، عدم وجود حكومة مركزية يدين لها جميع القبائل بالولاء والطاعة، وتتولى نشر العدل بين الناس على السواء. وكان التعصب القبلي الأعمى يقوي من نيران العداوة والحروب، فالتزام الوقوف بجانب أي فرد من القبيلة في جميع الأحوال، ظالمًا أو مظلومًا بصرف النظر عن مدى الحق في موقفه، وبدون ترو أو تفكير فيما هو مقدم عليه، زاد الطين