← Адаб

Адаб · id 12046

في تاريخ الأدب الجاهلي

علي الجندي

Полный текст (554 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الواسعة واعتدال المناخ، ولكن نوع تلك الحكومات في تلك الدول غير معروف، ويبدو أنها كانت على وجه عام من الحكومات المطلقة الاستبدادية"٢. أما البدو. فكان النظام القبلي هو السائد فيهم، ولم تكن هناك حكومة مركزية ترعى مصالح الشعب بأجمعه، وتنفذ القانون على الجميع، وتنشر العدل والطمأنينة والأمن بين جميع الطبقات، إنما كانت كل قبيلة بمثابة دول مستقلة لها كيانها الذاتي الخاص، شعبها يتكون من أفرادها فقط، ولها وطنها وحرمها الذى تحافظ عليه، وتدافع عنه وتحميه، ولذلك كان يسمى الحمى، وهذا الحمى كان حرمًا للقبيلة لا ينبغي أن يمسه أو يقترب منه أجنبي، مثله مثل حدود الدولة في عصرنا الحاضر. وكان أفراد القبيلة يتعاونون ويتساندون في الحفاظ على شرف القبيلة وحماها وهم متساوون فيما بينهم، ولا يعتبرون غيرهم أعلى منهم، أو حتى مساويًا لهم، ولا يدينون بالطاعة إلا لرئيس قبيلتهم، فوطنيتهم كانت وطنية قبلية لا وطنية شعبية، كما كانت الحرية التي يتغنون بها ويتمسكون بها حرية شخصية لا حرية اجتماعية، وكان على القبيلة في مجموعها أن تحمي كل فرد من أفرادها وتهب كلها للدفاع عنه والأخذ له بحقه والانتصاف له إن أصابه ضيم، أو مست كرامته، ومن هنا كان لهم القول المشهور: "في الجريرة تشترك العشيرة"؛ فالقبيلة كانت تعتمد على أفرادها في قوتها وحياتها وشرفها وهيبتها، وكان الفرد يعتمد على القبيلة في كل ما له من حقوق، نظير ما كان عليه من واجبات، لذلك اشتد تعلق القبائل بأفرادها، كما اشتد تعلق الفرد بقبيلته، ومن هنا وجدت بينهم العصبية قوية، فكان التعصب للدم شديدًا، ووقف الفرد بجانب أخيه من قبيلته في جميع الأحوال ظالمًا كان أم مظلومًا. ولشدة اهتمامهم بالقرابة والصلة العصبية ولحمة الأبوية اهتموا بالأنساب اهتمامًا عظيمًا. فكان الواحد منهم يعرف نسبه ونسب قبيلته محددًا مضبوطًا، ونرى أثر ذلك في أشعارهم التى تفيض بذكر الأباء والأجداد والبنين والأحفاد، ولشدة اهتمامهم بالنسب عرف قوم منهم كانوا مشهورين بمعرفة أنساب العرب حتى سموا بالنسابين. ولوجود النظام القبلي بين أهل البادية، وانتشار الفوضى وتهديد الأمن والسلام في أية لحظة كان يهم القبيلة أن يكون أفرادها كثيرين، فمن أقوالهم: "للكثرة الرعب" حتى يمكنها

стр. 72

أن تواجه الأخطار بما يملأ قلوب الأعداء خوفًا ورهبة. وكثرة الأفراد كانت إما عن طريق كثرة أفراد القبيلة نفسها، أو عن طريق التحالف مع قبيلة أو قبائل أخرى، فيكون أفراد هذا الحلف، وإن اختلفت قبائلهم، متضامنين يشد كل منهم أزر الآخر، فيكونون بمثابة قبيلة واحدة. وأفرادها إخوة كأنهم من دم واحد لا يعتدي أحد منهم على الآخر، ويقف بجانبه في الشدة، ويشاركه في البأساء والضراء، ويكون لكل فرد من أفراد هذا الحلف ما لزميله من الحقوق، وعليه ما على صاحبه من واجبات. والعربي في النظام القبيلي "كان يتأرجح بين قطبين: فردية تدفعه إلى رفع كل ضغط وتثبيت الحقوق الدائمة لنفسه تجاه الحقوق الجماعية، وتعلق من ناحية أخرى بجماعته بصورة عميقة قد تصل إلي حد التضحية بالنفس"٣. والقبيلة تظل متمسكة بكل فرد من أفرادها، تحافظ عليه، وترعاه، وتنتصف له، ما دام يسير وفق قانونها، وحسب نصائحها، ووفق رغبتها وإرادتها، فإذا ما بدر منه سلوك لا ترضاه، أو اعتاد أمورًا لا توافق عليها، خلعته من جماعتها ونفته من مجلسها، وطردته من بينها. وفي ذلك يقول طرفة: وما زال تشرابي الخمور ولذتي ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي إلى أن تحامتني القبيلة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد٤ فتتنصل منه القبيلة على رءوس الأشهاد، وتعلن تبرؤها مما اقترفه من أفعال، وكثيرًا ما كان يحدث ذلك حيث الجميع حضور، ليعرف الناس ذلك فلا يؤاخذوها على جرائم يقترفها، فصبح مخلوعًا٥ من القبيلة كأنما سحبت منه جنسيته وعليه حينئذ أن يبحث عن مكان يؤويه أو جماعة ينزل معها أو تساعده والغالب أن ينتقل من مكان إلى مكان، ومن قبيلة إلى أخرى لصعوبة حمايته إذا كان من المشاغبين الأشرار، الذين لا يستطيعون المعيشة بهدوء كسائر الناس. "وقد يتكتل هؤلاء الخلعاء ويجتمعون مع الصعاليك، فيؤلفون عصابات خطيرة تعيش

стр. 73

على السلب والنهب وقطع الطرق لكسب الرزق، فتلقي الرعب في النفوس، وتنعم بما في يديها من مال حرام تبدده وتبذره على عادة الشذاذ من الناس، ومن يحصل على قوته بهذه الطرق. ولعدم مبالاة هؤلاء وشجاعتهم، وعدم اهتمامهم بالحياة استخدم بعضهم في أعمال انتقامية مثل الفتك بالخصوم"٦. "والحقيقة أن التشكيلات القبلية لم تكن محصورة في أهل البدو فقط، بل كانت كذلك موجودة في المدن بين أهل الحضر. فكان على رأس كل قبيلة أو رهط مجلس مؤلف من رؤساء الأسر أو رؤساء الرهط تبعًا لمقياس القبيلة، وإلى هذا المجلس تعود مناقشة جميع القضايا التي تهم القبيلة"٧. "وكان لكل مجلس رئيس، هو شيخ القبيلة، وهو شخصية فذة يختارها الجميع ليكون المعبرة بلسان جماعتهم، والمنفذ لإرادتهم، فكانت أوامره مستمدة من مداولات المجلس، وهو بعبارة أوضح منفذ، مزود بسلطة إيحائية. وعليه بعد استشارة القدماء والذوات أن يقود جماعته إلى المعارك، وأن يستقبل الوفود، وأن يشرف على مفاوضات الصلح والمحالفات وإشهار الحرب وإضافة الضيوف، واتخاذ التدابير في سني القحط، وتحديد حركات الظعون٨". وكان الرئيس يختار من ذوي الشخصيات القوية الممتازة، وتتحقق فيه صفات خاصة أهمها الوقار، والهيبة، وسداد الرأى وبعد النظر، والطموح والحزم والإيثار والتضحية، والغنى، والجود، والسخاء، والشجاعة والقوة، والحلم، والصبر، والرزانة والثبات، فلا يفرح للخير، ولا يكبو للضر، ولا تبطره النعمة، ولا تغمه الشدة، قد أحكمته التجارب، وله خبرة بطبائع النفوس، وحسن معالجة الأمور، ويتسم بالإخلاص، والأمانة، والوفاء، والسهر للمصلحة العامة، والعمل على إعلاء كلمة القبيلة ورفع شأنها، ومن خير ما قيل من شعر في أهم صفات الرئيس قول لقيط الإيادي٩: وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

стр. 74

لا مُتْرفًا إن رَخَاء العيش سَاعده ... ولا إذا عضَّ مكروهٌ به خَشَعا لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم يكاد سناه يقصم الضلعا مسهد النوم تعنيه أموركم ... يروم منها إلى الأعداء مطلعا ما انفك يحلب هذا الدهر أشطره ... يكون متبعًا طورًا ومتبعًا حتى استمرت على شزر مريرته ... مستحكم الرأى لا قحما ولا ضرعا١٠ وليس يشغله مال يثمره ... عنكم، ولا ولد يبغي له الرفعا وكانوا إذا غنموا أموالًا أخذ الرئيس ما بعده لما قد يطرأ، ولما يتحمل من النفقات، وذلك هو: المرباع والصفي والنشيطة والفضول١١. ولشخصية رئيس القبيلة أثر كبير في مكانة القبيلة، فالزعماء في المجتمعات القبلية رجال السياسة، وبحكمتهم وكفايتهم تقرر الأمور، ورب كلمة من زعيم أو هفوة تصدر منه تثير حربًا أو تسبب كارثة له ولقبيلته، أو للحلف الذي يتزعمه، ذلك أن أعصاب رجال البادية مرهفة حساسة تثيرها الكلمات، ولا سيما إذا كانت تتعلق بالشرف والجاه١٢. وكان الشعراء في قبائلهم لسان حالهم، والمذيعين لأخبارهم، والمسجلين لأفضالهم وأمجادهم. وقد تسبب عن هذه العصبيات القبلية الضيقة عدم وجود مجتمع واحد كبير، كما أن المنافسات بين هذه العصبيات وزعمائها نشأ عنها تفكك اجتماعي، وعدم استقرار، وحروب كثيرة، ومن ثم لم تتكون منهم دولة واحدة قوية وحكومة مركزية عامة تتولى نشر العدل والأمن والطمأنينة بين جميع المواطنين.

стр. 75

حالتهم الإجتماعية مدخل ... حالتهم الاجتماعية لقد كان للبيئة والظروف التي أحاطت بالقبائل العربية قبل الإسلام أثر كبير في حالتهم الاجتماعية، فالنظام القبلي، وعدم وجود حكومة مركزية، وجدب الصحراء وضيق الأفق كان لها دخل كبير في وجود كثير من الصفات والعادات عند العرب الجاهليين. فحب الفرد لقبيلته وتفانيه في إخلاصه لها، والعمل على رفع شأنها، وإعلاء كلمتها، وتعصبه لها وحدها، كل ذلك جعله يتجاهل غيرها، ولا يعترف بحق الحياة أو الملكية أو المتعة لأحد من سواها، كأنما لم يخلق في الوجود غيره وغير قبيلته، فدفعه هذا الاعتقاد إلى الاعتداء على حقوق الآخرين، ما دام يملك القوة أو الفرصة المواتية، فكانت الغارات والحروب التي ينجم عنها إزهاق الأرواح، ونهب الأموال وأسر الرجال، وسبي النساء، مما يشيع الرهبة في قلوب الآخرين، ويعلي من شأن المنتصرين، وينمي ثروتهم، بما غنموه من مال، أو كسبوه من فداء الأسرى والسبايا، أو احتلال أرضهم، ونزول ديارهم. وما كانوا يكفون عن الغارات والحروب إلا في الأشهر الحرم، ولكن الحمية الجاهلية كانت تشتط بهم فيقاتلون فيها غير مبالين، كما كان في حرب الفجار بين قريش وكنانة، أو يتخذون النسيء فيؤخرون الأشهر الحرم كما يشاءون. وإزهاق الأرواح، وإنزال الخسائر، وإحداث الهزائم، وما كانت لتقف عند حد، فالقبيلة المنهزمة ومن حاقت بهم الخسائر، ما كانوا ليقفوا مكتوفي الأيدي، بل لا بد أن ينتقموا لكرامتهم، ويردوا شرفهم، فكان لابد من الأخذ بالثأر، وكان الاعتقاد السائد أن روح القتيل كانت تخرج من قبره كل يوم في صورة طائر يسمونه "الهامة" وتصيح قائلة "اسقوني، اسقوني" ولا تكف عن الصياح حتى يأخذ بثأره. فكل معركة كانت تتبعها معركة بل معارك، وقد ساعد على انتشار هذه الفوضى، وشيوع الرعب وعدم الطمأنينة والأمن، عدم وجود حكومة مركزية يدين لها جميع القبائل بالولاء والطاعة، وتتولى نشر العدل بين الناس على السواء. وكان التعصب القبلي الأعمى يقوي من نيران العداوة والحروب، فالتزام الوقوف بجانب أي فرد من القبيلة في جميع الأحوال، ظالمًا أو مظلومًا بصرف النظر عن مدى الحق في موقفه، وبدون ترو أو تفكير فيما هو مقدم عليه، زاد الطين

стр. 76

بلة، وأرث الأحقاد في القلوب وعمل على توسيع الهوة بين القبائل، فأصبحوا متفككي الأوصال لا تجمعهم وحدة، ولم يكن لديهم شعور بفكرة نحو التجمع تحت لواء واحد. وحبه لنفسه وعشيرته جعله يبالغ في فهم معنى الشرف، فالعصبية الجنسية، والأثرة الواضحة في حياتهم وحب الظهور، والمبالغة في معنى الإباء والعزة والشرف، أوجدت فيهم الحمية والجاهلية المشهورة عنهم، فكانوا يثورون لأتفه الأسباب، ويدخلون المعارك والحروب ويزهقون الأرواح في سرعة وتهور، دون أدنى تفكير لمجرد فهم قد يكون خطأ، فرب كلمة لا يريد قائلها بها شرًّا، أو نظرة عابرة غير مقصودة لإحدى فتيات العشيرة، تثير حربًا شعواء بين حيين أو أحياء كثيرة، لاعتقادهم أن شرف القبيلة قد مس أو أن كرامتهم قد أهنيت، وكانت النساء النقطة الحساسة في شرفهم، ومن ثم أحاطوها بسياج متين من القيود والحدود حتى لا يقع لهن أدنى إساءة، وقد بلغ ببعضهم الخوف على شرف نسائهم إلى أن كانوا يقدمون على وأد البنات حتى لا يحدث لهن ما يجلب عليهم العار. وربما كان من المبالغة في الأثرة والمحافظة على كرامة العرض أن يتزوج الرجل زوجة أبيه بعد وفاته. وأن يجمع بين الأختين أو يتزوج أخت صديقه على أن يزوجه أخته، ونحو ذلك من العادات التي كانت فيهم. وتنافس القبائل في السيادة والعزة والطموح جعل الفرد منهم محبًّا للزهو ميالًا إلى المباهاة وحب الظهور فدفعهم ذلك إلى ارتكاب كثير من الحماقات التي نتج عنها كثير من المصائب والويلات، ولكن من ناحية أخرى كان داعيًا لتمجيد بعض المثل العليا، فشاع لديهم إكبار الجميل وصنع المعروف ومد يد العون والمساعدة للمحتاجين، أقارب أم أباعد: أجود على الأباعد باجتداء ... ولم أحرم ذوي قربى وإصر فأكبروا الإسراع إلي إجابة المستغيث، وحماية اللاجئ وإكرام النازل والدفاع عن الجار، وكانت المبالغة في الإسراف إلى حد الإتلاف، وشرب الخمر، ولعب الميسر، من الأمور التي كان يتباهى بها الجاهليون. وكان من أثر الحرب وانتشار الفقر والبؤس في البلاد، أن قل الغذاء، وعز الطعام، فأحسوا الجوع ينشب أنيابه بين أحشائهم، ويكاد يفتك بهم، وبخاصة إذا كانوا مسافرين أو عابري سبيل، فقدروا معنى الإنسانية الحقيقية بتقديم ما يحفظ على الإنسان حياته أو يسد

стр. 77

رمقه، أو يروي غلته، لذلك عظموا الكرم وإطعام الطعام، ووصفوا بالكرم عظماء القوم، ومدحوا به، وكان الكرم في مقدمة الفضائل التي يحب العربي أن يتحلى بها. ومن أعظم المكرمات في تلك الصحراء المترامية الأطراف التي ليس فيها ما يرشد الضال، أو يهدي عابر السبيل، أن يوقدوا نارًا يهتدى بها الضيفان فيعرفون بها منازل القوم، فيفدون إليهم حيث يجدون بينهم النزل السهل، والترحيب الجميل، والمقام الكريم، كأنهم بين العشيرة والأهل. وفي جنبات الصحراء الواسعة، وبين مرتفعاتها وأوديتها، تجري الحيوانات وتمرح، بين المروج، والأعشاب، فتبدو عليها النضارة والنعمة، مما يسيل لعاب القوم للحومها، فأغراهم ذلك على مطاردتها وقنصها، فكان هناك الصيد والصيادون واشتهر أفراد كثيرون بالصيد. واقتنوا الجوارح من الحيوانات والطيور كالكلاب والصقور، ودربوها على الطرد والقنص، وقد تردد هذا في الشعر الجاهلي كثيرًا من ذلك قول امرئ القيس١: فًصبَّحه عند الشروق غُديَّةً ... كلابُ ابن مُرٍّ أو كلابُ ابن سِنْبِسِ مُغَرَّثَةً، زُرْقًا، كأن عيونها ... من الذَّمرِ والإيحاءِ ثُوارُ عِضْرِسِ وابن مروان وابن سنبس صائدان من طيئ معروفان بالصيد. وكان من أثر العصبية القبلية أن وجدت الحرية الشخصية، ولم يكن للحرية الاجتماعية وجود، فشاعت الفوضى، وكانت الغلبة للقوة والبطش، والسيادة للظلم والطغيان. فالضعيف مأكول ومهان، والقوى ظالم ومهاب: تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي صولة المستأسد الحامي ولم تكن القوة في حد ذاتها كافية، بل كان لا بد من ممارستها، حتى تملأ القلوب رهبة، وتمنع كيد الطامعين: ومن لم يَذدْ عن حَوضِهِ بِسلاحه ... يُهدم، ومن لا يَظلمِ الناسَ يُظْلَمِ

стр. 78

وكان من أثر الحياة القاسية التي كان يحياها الجاهليون، وعدم استعمال العقل والحكمة في كثير من مظاهر الحياة، أن كانوا لا يحسنون ربط الأسباب بمسبباتها، فوجدت لديهم عادات واعتقادات عجيبة بعيدة عن مجال العقل والمنطق الصحيح، من ذلك مثلًا:

стр. 79

١- الكهانة والعرافة: ويقصدون بالكهانة ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع، وقال الأصفهاني في كتاب الذريعة: الكهانة مختصة بالأمور المستقبلة والعرافة بالأمور الماضية. وذلك بالاستدلال ببعض الحوادث الحالية على الحوادث الآتية بالمناسبة، أو بما يكون بينها من ارتباط أو مشابهة خفية، أو غير ذلك، واشتهر بالكهانة: عزى سلمة، وشق أنمار، وسطيح بن مازن، وخنافر بن التوءم الحميري، وسواد بن غارب الدوسي، وطريفة الكاهنة، وزبراء، وسلمى الهمدانية، وعفيراء الحميرية، وفاطمة بنت مر الخثعمية، ومن العرافين رباح بن عجلة عراف اليمامة، والأبلق الأسدي عراف نجد٢.

стр. 80

٢- زجر الطير وضرب الحصى وخط الرمل: ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا فعل أمر أو تركه زجروا الطير حتى يطير، فإن طار يمينًا كان له حكم، وإن طار شمالًا كان له حكم، وإن طار من فوق رأسه كان له حكم، ومن ثم سميت الطيرة، أخذًا من الطير، فما تيامن منها وأخذ ذات اليمين سموه سانحًا، وما تياسر منها سموه بارحًا، وما استقبلهم منها فهو الناطح، وما جاء من خلفهم فهو القعيد. ومن العرب من يتشاءم بالبارح لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه، ويتبرك بالسانح. ومن تبرك بشيء مدحه، ومن تشاءم بشيء ذمه٣. وأكثر ما عولوا عليه من ذلك الغراب، ثم تعدوه إلى غير الطير من الحيوان، ثم جاوزوا ذلك إلى ما يحدث في الجمادات من كسر أو صدع، وما يقع من ظواهر الطبيعة المختلفة كالريح والسحاب والرعد والبرق والمطر، وغير ذلك. كما شاع فيهم طرق الحصى بعضها ببعض عند السؤال. فيدعي الطارق بذلك معرفة الجواب، وكذلك خط الرمل. وكثيرًا ما كان يتخصص في زجر الطير وطرق الحصى وخط الرمل أفراد معينون فاشتهروا بذلك. وقد قيل في الزجر والطرق شعر كثير، من ذلك قول حسل بن عامر الهمداني:

стр. 81

تخبرني بالنجاة القطاة ... وقول الغراب بها شاهد يقول: ألا قد دنا نازح ... فداء له الطرف والتالد ولكن كثيرًا من الشعراء أنكروا الزجر وعارضوا فكرته، من ذلك قول ضابئ بن الحارث البرجمي: وما أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب ولا السائحات البارحات عشية ... أمرَّ سليم القرن أم مرَّ أعضب وقال لبيد: لعمرك ما تدرى الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع

стр. 82

٣- الاستقسام بالأزلام: وهي نوع من الطيرة، كانوا إذا أرادوا فعل أمر ولا يدرون ما الشأن فيه أخذوا قداحًا مكتوبًا على بعضها "افعل" وعلى بعضها "لا تفعل" وعلى بعضها، "نعم" وعلى بعضها "لا" إلى غير ذلك، فإذا أراد أحدهم سفرًا مثلًا أتى سادن الأوثان، فيضرب له بتلك القداح، ويقول: "اللهم إن كان خيرًا له فأخرجه". فما خرج له عمل به. وإذا شكوا في نسب رجل أجالوا القداح، وفي بعضها مكتوب "صريح" وفي بعضها "ملحق" فإن خرج الصريح أثبتوا له نسبه وإن خرج الملحق نفوه، حكى أبو الفرج الأصبهاني، أنهم كانوا يستقسمون عند ذي الخلصة وهو صنم مشهور، وأن امرأ القيس لما قتل أبوه وخرج امرؤ القيس يطلب بثأره استقسم عنده بقداحه وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص، فأجالها، فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي، ثم أجالها فخرج الناهي فجمعها وكسرها، وضرب بها وجه الصنم، وسبه ثم قال. لو كنت يا ذا الخلص الموتورا ... مثلي، وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زورا٤

стр. 83

٤- الميسر: وهو ضرب من القمار، كانوا يقتسمون لحم الجزور التى يذبحونها بحسب

стр. 84

قداح يضربونها، لكل قدح منها نصيب معلوم، والميسر: مصدر ميمي من يسر ييسر، واشتقاقه إما من اليسر أي أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره. وكان الميسر من مفاخر العرب لأنهم كانوا يفعلونه في أيام الشدة والقحط والجوع. وكل قصيدة يفخر فيها الشاعر كان الميسر يحتل جزءًا بارزًا فيها. وقيل: كانت صفة الميسر أن يجتمع الفتيان وذوو اليسار منهم ويشتروا جزورًا وينحرها الجزار ويقسمها عشرة أجزاء، ثم يحضر الأيسار وهم القوم المجتمعون في الميسر، ويؤتى بالقداح، وهي عيدان متساوية الطول، وهى عشرة: القذ والتوءم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلى. وهذه لها أنصباء، للأول سهم، وللثاني اثنان، والثالث ثلاثة، وهكذا إلى المعلى له سبعة أسهم، والثلاثة الباقية لا نصيب لها وهي المتيح والسفيح والوغد، فهذه أغفال ليس فيها جزوز ولا علامات لها، وهي للتكثير، ولنفي التهمة وإبعاد المحاباة. فإذا حضرت القداح وحضر الأيسار أخذ كل منهم من القداح على قدره وطاقته ورياسته، ثم يدفعون القداح إلى رجل كانوا يسمونه "الحرضة" وهو الذي يضرب للأيسار بالقداح -وأكثر ما كانوا يجتمعون للميسر بالليل ويوقدون نارًا لذلك- ثم يؤخذ ثوب شديد البياض فيلف على يد الحرضة ليغشى بصره، فلا يعرف قدح فلان من قدح فلان منعًا للمحاباة، فإذا أخذ القداح لم ينظر إليها، ويجلس خلفه شخص آخر كان يطلق عليه اسم الرقيب، ليعرف ما يخرج من القداح فيخبرهم به ويعتمدون على قوله فيه، ثم يجلس الأيسار حوله دائرين به، ثم يفيض بالقداح، فإذا نشز أي ارتفع منها قدح استسله الحرضة من غير أن ينظر إليه ثم ناوله الرقيب، فينظر الرقيب لمن هو فيدفعه إلى صاحبه، فيأخذ من الجزور على قدر نصيب القدح منها وذلك هو الفوز. وعند انتهاء توزيع أقسام الجزور على أصحاب القداح الفائزة، يعرفون القداح التي لم تفز، ويغرم أصحابها، كل بقدر نصيب قدحه٥.

стр. 85

٥- عبادة الأصنام والأوثان: والمخلوقات التي لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، وسنتحدث عنها إن شاء الله في الحالة الدينية.

стр. 86

٦- البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ٦: وهي أمور خاصة بالحيوانات، وخصوصًا الإبل إذا تم لها أمر معين مثل ولادة بطون معينة أو بلوغ سن مخصوصة: فكانت الناقة: إذا نتجت خمسة أبطن آخرها ذكر، بحروا أذنها أي شقوها وخلو سبيلها، فلا تركب ولا تحلب. وكان الرجل منهم إذا مرض يقول: إذا شفيت، فناقتى سائبة، وبجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها. وقيل هي التي تسيب للأصنام فتعطى للسدنة ولا يطعم من لبنها إلا أبناء السبيل ونحوهم. وقيل غير ذلك٧. وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم. وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم. وإن ولدتهما معًا قالوا: وصلت الأنثى أخاها. وقيل هي الشاة تنتج سبعة أبطن فإن كان السابع أنثى لم ينتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال دون النساء. فإذا ماتت اشتركوا فيها. وإذا نتج من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره، ولم يمنعوه ماء ولا مرعى وقالوا: لقد حمى ظهره، وكانت بينهم عادة حمل التمائم والتعاويذ للمداواة أو خوفًا من الموت أو البلاء٨. كما كان من عاداتهم ضرب الثور إذا عافت البقر ورود الماء، فهو يضرب ليقتحم الماء، فتقتحم البقر بعده، قال نهشل بن جري: كذاك الثور يضرب بالهراوى ... إذا ما عافت البقر الظماء ومثل ذلك ما يفعلونه في العر٩ عندما يصيب الإبل، فيكوى الصحيح ليبرأ

стр. 87

السقيم١٠. قال النابغة: وكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع وتعليق الحلي والجلاجل على اللديغ ليشفى، ويعللون ذلك بأن اللديغ إن نام سرى السم فيه فيهلك فشغلوه بالحلي والجلاجل وأصواتها عن النوم. وقيل لبعض الأعراب: أتريدون سهره؟ فقال: إن الحلي لا تسهر، ولكنها سنة ورثناها، وإلى ذلك يشير النابغة بقوله: فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرّقش في أنيابها السم ناقع يسهد من ليل التمام سليمُها ... لحلي النساء في يديه قعاقع وكانوا يقولون عن اللديغ: السليم: تفاؤلًا بسلامته وشفائه. كما سموا البادية وهي المهلكة بالمفازة تفاؤلًا بالفوز والنجاة.

стр. 88

حالتهم الدينية كان في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام أديان ومعتقدات مختلفة، تبعًا لقدرتهم على التفكير الديني، أو تأثرهم بالأديان السابقة، أو اختلاطهم بأهل الأديان التى لها أصل سماوي. فكان فيهم الموحدون، والوثنيون، واليهود، والنصارى، والمجوس، والزنادقة، والصابئة. أما الموحدون: من العرب قبل الإسلام فكانوا قليلين، عبدوا الله وحده ولم يشركوا معه في عبادته شيئًا آخر، ويقولون إنه كان منهم: ورقة بن نوفل، وخالد بن سنان العيسي، وحنظلة بن صفوان، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة الإيادي، وعامر بن الظرب العدواني، وزهير بن أبي سلمى، وعبيد بن الأبرص، وأمية بن أبي الصلت، ومنهم كذلك النابغة الجعدي الذي يقال عنه إنه أنكر في الجاهلية الخمر، وهجر الأوثان، والأزلام، وقال في الجاهلية: الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلم١ وأما الصابئة: فهم الذين كانوا يعبدون الكواكب، وهم يعتقدون في الأنواء ويقولون إن أول من دان بذلك من العرب قبائل سبأ الحميرية، إذ كانوا يعبدون الشمس، وقد ورد ذكر ذلك في القرآن الكريم٢ كما يقولون إن كنانة كانت تعبد القمر، وكان بنو جرهم ولخم يسجدون للمشترى، وقريش عبدوا الشعرى العبور، وهي الشعرى اليمانية. ويقال إن من آثار عبادة الكواكب ما جاء من أسمائهم مثل عبد شمس. كما يقولون إن من بقايا آثار عبادة الشمس ما يفعله الغلام إذا سقطت سنه. وأما المجوسية: فهى عبادة النار، وكانت المجوسية في العرب في تميم. ومن آثار هذه الديانة نار الحلف، وحلفهم بالرماد والنار، ومن مذاهبهم زواج البنات.

стр. 89

والزندقة: يقول عنها صاحب القاموس: "الزنديق: من الثنوية أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإسلام". وفي اللسان: الزنديق: القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب، وهو بالفارسية "زندكراي" يقول بدوام الدهر، وقال ابن قتيبة في كتاب المعارف عند الكلام على أديان العرب في الجاهلية: كانت الزندقة في قريش، أخذوها عن الحيرة. وقال البلخي في كتاب البدء والتاريخ: كانت الزندقة والتعطيل في قريش. والثنوية يعتقدون أن الصانع اثنان ففاعل الخير نور وفاعل الشر ظلمة. وهما قديمان، لم يزالا ولن يزالا قويين حساسين.. وهما مختلفان في النفس والصورة متضادان في العقل والتدبير، فالنور فاضل حسن تقي طيب الريح حسن المنظر ونفسه خيرة كريمة حكيمة نفاعة، منها الخيرات والمسرات والصلاح، وليس فيها شيء من الضرر والظلمة ضد ذلك٣. أما اليهودية: فهى دين موسى ﵇، نسبة إلى يهوذا أحد أسباط إسرائيل الذي تناسل منه أكثر الملوك. والذى أدخل اليهودية إلى اليمن تبع الأصغر، ومن اليهود الذين نزلوا المدينة بنو قريظة وبنو النضير، وأشهر من دان باليهودية من قبائل العرب: بنو نمير كنانة، وبنو الحارث بن كعب، ولعلها سرت إليها من مجاورة اليهود لهم في تيماء ويثرب وخيبر. وأما النصرانية: فهي دين المسيح عيسى بن مريم ﵇، نسبة إلى الناصرة أول قرية بث عيسى فيها دعوته، فقال العرب: "ناصري ونصراني". ودخلت النصرانية بلاد العرب زمن الحواريين، فنقل أن القديس لوقا أول من دعا إليها في بلاد اليمن أثناء مسيره إلى الهند، وبولس دعا إليها في الشام. وفي تاريخ العصور الوسطى أن عرب غسان تنصروا في أيام القيصر، وقال ابن خلدون: كان أهل نجران "وهم بنو الحارث بن كعب بن مذحج" من بين العرب يدينون بالنصرانية. وأشهر من تدين بالنصرانية من العرب، قضاعة كأنهم تلقوها عن الروم، فقد كانوا يكثرون من التردد إلى بلادهم للتجارة؛ والغساسنة بالشام لمجاورتهم نصارى الروم، وكثير من

стр. 90

تنوخ وتغلب وطيئ وحمير، وشاعت النصرانية في قبائل شتى بالحيرة، يقال لهم العباد ومنهم عدي بن زيد العبادي. وأما الوثنيون، فكانوا أكثرية العرب الجاهليين، وهم عبدة الأصنام والأوثان، والصنم يكون غالبًا تمثالًا، أما الوثن فيكون غالبًا حجرًا، وقد يسمى الصنم بالوثن. يقول ابن الكلبي: المعمول من خشب أو ذهب أو فضة صورة إنسان فهو صنم، وإذا كان من حجارة فهو وثن. وقال السهيلي: يقال لكل ما كان من حجر أو غيره صنم، ولا يقال وثن إلا لما كان من غير الصخر كالنحاس وغيره. وكانوا في عبادتهم للأوثان يؤمنون بالله، زاعمين أنها تشفع لهم عند الله يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ . ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . ويروي ابن الكلبي في كتاب الأصنام: "أن إسماعيل بن إبراهيم صلى الله تعالى عليهما وسلم لما سكن مكة وولد له بها أولاد كثيرة حتى ملئوا مكة ونفوا من كان فيها من العماليق فضاقت عليهم مكة، وقعت بينهم الحروب والعداوات وأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد والتماس المعاش، وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيمًا للحرم، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة صبابة بها وحبًّا، وهم على إرث أبيهم إسماعيل من تعظيم الكعبة والحج والاعتمار، ثم سلخ ذلك بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم كقوم نوح، وفيهم بقايا على دين أبيهم إسماعيل، مع إدخالهم فيه ما ليس منه٤. وكان لكل قبيلة صنم أو أكثر وكان منها عند الكعبة كثير، حتى قال الزمخشري إنه كان حولها ثلثمائة وستون صنمًا. ومن هذه الأصنام: إساف ونائلة: وهما صنمان عبدتهما العرب وكانوا ينحرون ويذبحون عندهما، ويقال إنهما كانا في الأصل رجلًا وامرأة فجرا في الحرم فمُسِخا "فوجدوهما مسيخين

стр. 91

فوضعوهما بوضعهما فعبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت من العرب"٥ وقيل: هما حجران نحتا ومثلا على هيئة إساف ونائلة وسميا باسميهما٦. ومنها ذو الخلصة لخثعم، والشارق؛ وهبل "كان أعظم الأصنام عند قريش، وكان من عقيق أحمر على صورة إنسان" وود "عبدته كلب بدومة الجندل"؛ ونسر "لحمير وهمدان منصوب بصنعاء". وسواع "لكنانة". والعزى لغطفان، واللات لثقيف وكان بالطائف، ومناة للأوس والخزرج، ويغوث لمذحج٧. إن عبادة الأصنام عند العرب الجاهليين، وممارسة بعض الطقوس الدينية. واعتناق بعض الأفكار، نمت فيهم وشاعت تقليدًا للآباء، سيرًا على ما ورثوه عن أجدادهم السابقين وامتثالًا للعرف والعادة، فقد ورد في القرآن الكريم أنهم كانوا دائمًا يقولون: إننا نتبع ما كان

стр. 92

عليه آباؤنا الأقدمون. فعاب عليهم القرآن هذا التقليد الأعمى، وطالبهم باستعمال العقل والتفكير في العقيدة وصفة الإله الذي يستحق العبادة والتقديس، واستهزأ بسلوكهم هذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ ٨ وقيل إن فكرة الأصنام وتقديسها انتقلت إليهم من خارج بلادهم، فقد ورد أن قريشًا في الأصل كانت على دين إبراهيم يحجون البيت ويقيمون المناسك خرج عمر بن لحي إلى أرض الشام فوجدهم يعبدون الأصنام ويتقربون إليها. فأحب أن يفعل قومه مثل ذلك، فجاءهم بصنم، ودانت العرب للأصنام ثم وضعوا إسافًا ونائلة، كل واحد منهما على ركن من أركان البيت وكانت العرب إذا حجت ورأت الأصنام سألت قريشًا وخزاعة، فيقولون إنما نعبدها لتقربنا إلى الله زلفى، لما رأت العرب ذلك اتخذت أصنامًا كثيرة فجعلت كل قبيلة لها صنمًا. ويقال إن عمرو بن لحي هذا -وكان رئيسًا- هو الذي أمرهم بعبادة الصخرة التي يلت عليها السويق للحجاج، فاستجابوا لأمره، وبنوا عليها بيتًا هو "اللات" فالوثني في الجاهلية لم يكن يتمسك في دينه بعقيدة قائمة على عقل سديد، أو تفكير سليم، إنما هي عادات تأصلت في نفوسهم تقليدًا لغيرهم أو تمسكًا بسلوك آبائهم وأجدادهم السابقين.

стр. 93

اتصالاتهم كان العرب الجاهليون على اتصال داخلي بعضهم ببعض، واتصال خارجي بغيرهم ممن جاورهم، أو بعد عنهم، ممن كانت تربطهم بهم روابط تستدعي هذا الاتصال. فبجانب المجالس الخاصة التي كانت تعقدها القبيلة للبحث في أمورها، وتبادل الآراء في كل ما يتصل بها وبخاصة ما كان يتطلب بحثًا عميقًا، ورأيًا جماعيًّا كانت هناك مجالس اللهو والسمر، التي يعقدونها حينما ينفضون من مشاكلهم الحيوية، وحاجاتهم اليومية، ترويحًا عن النفس، ورغبة في الإحساس بالهدوء ونعيم الحياة، حيث تكون فيها الطرائف الأدبية، والأحاديث المسلية، والأخبار، والقصص، مع الموسيقى والطرب والرقص والغناء، إلى غير ذلك من وسائل التسلية والترفيه. كما كانت هناك اتصالات أوسع مدى تجمع بين عدة قبائل بحكم صلات ودية وروابط اجتماعية أو سياسية كالنسب والجوار والتحالف والعداوة المشتركة، أو مفاوضات المصاهرة والمصالحة بعد الحروب والمشاحنات والمنازعات. ثم هناك الاتصالات الداخلية الكبرى التي تضم عددًا كبيرًا من القبائل شماليها وجنوبيها، كلها أو معظمها، في مناسبات عامة أو على نطاق واسع، كالأسواق ومواسم الحج، وفي هذه المناسبات تعقد المجالس والندوات، وتوجد الفرص للتعارف، والتفاهم وتبادل الآراء والمشاعر، ومناقشة الأمور، ومعرفة الميول والاتجاهات، وقضاء المصالح، وتحقيق الرغبات بقدر الإمكان. ولم يكن الجاهلي ليستطيع أن يعيش بمعزل عن العالم الخارجي، كما أن العالم الخارجي كذلك كان يهمه أن يكون على صلة به، فضرورات الحياة دائمًا تقتضى ذلك في جميع العصور والأحوال، فلدى كل من الجانبين ما يحتاج إليه الآخر، ومن ثم كان لا بد من الاتصال الخارجي تبعًا لاحتكاك المصالح، وتبادل المنافع. وقد كان في شبه الجزيرة العربية منتجات وبخاصة في الجنوب وعلى الشواطئ وهذه لا بد من تصريف ما يفيض منها على حاجة السكان في مناطق الإنتاج، كما كان العرب محتاجين إلى كثير من منتجات البلاد الخارجية، هذا إلى أن البلاد العربية كانت بحكم موقعها

стр. 94

الجغرافي عامل اتصال بين بعض الأمم الذين لا يمكن اتصالهم إلا عن طريق بلاد العرب. ومن ثم نشطت التجارة في شبه الجزيرة منذ القدم، ووجدت مراكز تجارية هامة في الشمال والجنوب والوسط ومن الشاطئ. وعبرتها القوافل التجارية طولًا وعرضًا، صيفًا وشتاءً تنقل حاصلات اليمن وغيرها من البلاد العربية، وتجارات الهند والحبشة والشام إلى شبه الجزيرة وخارجها، وبالعكس، فكانوا ينقلون من اليمن وحوض المحيط الهندي وأفريقية الشرقية اللبان والطيب والبخور والجلود وثياب عدن النفيسة وتوابل الهند ورقيق إفريقية والصمغ والعاج، كما كانوا ينقلون من الطائف الزبيب.. كل ذلك كانوا ينقلونه إلى حوض المتوسط ويعودون محملين بالأسلحة والقمح والزيت والخمر والثياب القطنية والكتانية والحريرية١، وقد سبق أن ذكرنا السلع التي كانوا يتاجرون فيها. ثم هذه القوافل التجارية كانت في حاجة إلى من يحافظ عليها ويحميها من غارات الأعداء واللصوص وقطاع الطرق، فاشتدت صلة العرب بغيرهم من الأمم وبخاصة الفرس الروم والحبشة والهند، وقوى هذا الاتصال وبخاصة بينهم وبين الأولين، وجود إمارات عربية في الحيرة وغسان ونجد، فكان ملوك المناذرة والغسانيين وكندة بحكم عربيتهم، وحكم اتصال الأولين بالفرس والغسانيين بالروم، وتأرجح كندة بين هؤلاء وأولئك تبعًا لمصالحهم، غير صلة بين العرب الجاهليين ومملكتي الأكاسرة والقياصرة. واحتلت الحبشة اليمن فترة من الزمن، وحاولت اقتحام الحجاز. ولا شك أن هذه الاتصالات كان لها أثر كبير في حياة العرب الجاهليين ولغتهم وأدبهم فقد أدخل الحجاج وسائقو القوافل والتجار والأحباش واليمنيون والسوريون والفلسطينيون وأهل ما وراء النهر والإيرانيون مع سلعهم التجارية ألفاظًا وأسماء كثيرة. وبدراسة هذه الأسماء يمكننا أن نعرف أهي من أصل عبراني أو آرامى أو حبشي، أو استعيرت بصفة مباشرة أو غير مباشرة من الإيراني أو اللاتيني، مثل كلمة فردوس "محرفة من اليونانية أو الفهلوية، ومعناها: الحديقة" ودين "من الفهلوية". وسجل "من اليونانية" والصراط "من اللاتينية"، ومن الحبشية: "الرجيم والإنجيل والمنير والحواري".

стр. 95

ومن ثم نرى أن تجار الحيرة واليمن لم يجلبوا معهم السلع الغربية فحسب بل طائفة من الأفكار والعادات التي من شأنها توسيع مدارك المحيط العربي"٢. وقد حمل التجار معهم شيئًا أهم وأعظم قيمة من التجارة هو حروف الهجاء، الحروف التي أخذ منها الخط الذي كتب به القرآن الكريم، فصار الخط الرسمي للمسلمين، الخط الذي لم يقتصر استعماله على العرب، بل صار خطا لملايين المسلمين الذين تربطهم بالعرب رابطة الدين٣. ثم إن ارتحال بعض هؤلاء العرب إلى ديار القوم في أعمالهم واتصالاتهم بهم جعل عيونهم تقع على أشياء كثيرة من ظواهر الحضارة والمدنية التي كان يعيش فيها أهل هذه الأمم، وهذا بالطبع يؤثر في حياتهم وتفكيرهم. وقد ظهر هذا الأثر في الإمارات العربية التي كانت شديدة الصلة بالأمم الأخرى كالحيرة وغسان، فقد تحدث التاريخ كثيرًا عن مظاهر الترف والنعيم التي كان يعيش فيها ملوكهما وأمراؤهما لصلتهما الوثيقة بالفرس والروم وسنرى فيما بعد إن شاء الله أن هذا كان له أثر كبير في الأدب العربي، وبخاصة في الشعر والشعراء. هذا إلى جانب الرقيق الذي كان في ذلك الوقت "بضاعة ضرورية لا بد منها لأهل المال تدر عليهم أرباحًا عظيمة فهم آلات ذلك الزمن، ومصدر من مصادر الاستغلال للحصول على الثروة، كما أنهم سلاح يستخدم للدفاع عن السادة الأثرياء في أيام السلم وفي الحرب". فكان هناك رقيق أسود، ورقيق أبيض، قوم من أصل إفريقي اشتراهم أثرياء مكة للعمل في مختلف الأعمال ولخدمتهم، "والأسرى البيض الذين كانوا يقعون في أيدي الفرس والروم أو القبائل المغيرة على الحدود، فيباعون في أسواق النخاسة، ومنها ينقلون إلى مختلف أنحاء الجزيرة للقيام بمختلف الأعمال. يضاف إلى هؤلاء الرقيق المستورد من أسواق أوروبة لبيعه في أسواق الشرق". ومثل هذه البضاعة "لا بد أن تترك أثرًا في البيئة التي استوردت إليها"٤.

стр. 96

معارفهم لقد هيأت الظروف التي كان يعيش فيها الجاهليون الفرص لتكوين بعض المعارف لديهم تبعًا لأنواع النشاط الذي كانوا يمارسونه في حياتهم. وقد سبق أن ذكرنا أن اليمن وبعض واحات الحجاز مثل يثرب وخيبر الطائف ووادي القرى كانوا يعيشون على الزراعة، لوفرة المياه اللازمة لها، ومن ثم فإننا نتوقع أن يكون لمن يتخذونها مهنة لهم خبرة بنواحيها المختلفة مثل البذر والحصاد والري، وإقامة السدود والقناطر، وشق الترع والقنوات والمحافظة على منابع المياه ومصادرها، كذلك لا شك كانت لديهم خبرة بإقامة البيوت والمنازل التي يستلزمها استقرار الناس حول مزارعهم، وقد أوردنا سابقًا بعض ما ذكره المؤرخون القدامى عن مظاهر الترف والنعيم التي كان يعيش فيها أهل اليمن، منذ القدم. وأما مركز التجارة، فلا شك في أنه كان لدى أصحابها خبرة عن طرق تثمير الأموال، وتصريف البضائع، وترويج سوقها. ولا شك أن اتصالاتهم التي تحدثنا عنها آنفًا كانت سببًا في معرفة كثير من أخبار الأمم السابقين من العرب وغيرهم بما كانوا يروون من القصص، وما يتناقلونه من أحاديث. ومن ذلك يقول الهمداني:١ "ليس يوصل إلى خبر من أخبار العجم والعرب إلا بالعرب وبينهم، وذلك أن من سكن من العمالقة وجرهم وخزاعة بمكة أحاطوا بأخبار أمم مختلفة من العرب البائدة والفراعين العاتية وأخبار أهل الكتاب، وكانوا يدخلون البلاد للتجارة فيعرفون أخبار الناس. وكذلك من سكن الحيرة وجاور العجم قد حووا علم الأعاجم وأخبارهم وعنهم صار أكثر ما رواه محمد بن السائب الكلبي والهيثم بن عدي من رواة الأخبار. وكذلك من وقع بالشام من مشايخ غسان خبير بأخبار الروم وبني إسرائيل واليونان. ومن وقع بالبحرين من تنوخ وغيرهم، فعنهم أتت طسم وجديس. ومن وقع بعمان من ولد نصر بن الأزد فعنه

стр. 97

أتى كثير من أخبار السند والهند، وشيء من أخبار فارس. ومن وقع باليمن أتته أخبار الأمم جميعًا لأنه كان في ظل الملوك السيارة. ولشدة اتصالهم بالصحراء الواسعة الأرجاء المترامية الأطراف، ومظاهرها الطبيعية المختلفة وسمائها الصافية، وشمسها الساطعة، وقمرها الناصع، ونجومها المتلألئة، عرفوا كثيرًا عن صفات الأرض الصلدة والصلبة والحجرية والصخرية، والسهل والجبل، والقمة، والمنحدر، والوهاد والأودية، ومواقع القطر، ومواطن الغيث، ومواسم المطر، ومسيل الماء، ومنابع العيون، وخصائص الحيوان والطير والحشرات والهوام التي في بلادهم، وأنواع الأشجار والنباتات التي تنمو في أرضهم، وعرفوا شيئًا عن النجوم وأبراجها، والكواكب ومسيرها، والرياح وأنواعها، والأعاصير والزوابع ومهابها، وأحوال السحب وأنواع الأمطار والأنواء، وغير ذلك من مظاهر الطبيعة وأحوالها. ولاعتمادهم على حيواناتهم في حياتهم، عرفوا ما يتصل بهم، وبخاصة الإبل والخيل، فعرفوا أعضاءها، كبيرها وصغيرها، وتركيب أجسامها، وخصائصها، وعرفوا الكثير من أمراضها وعللها وتحايلوا بتجاربهم الكثيرة المختلفة على شفائها فتكون لديهم شيء من علم البيطرة. كذلك دفعتهم ظروف الحياة إلى إجراء تجارب على أجسامهم حينما كانت تلم بهم العلل والأسقام، فعرفوا شيئًا من الطب، ولكنها كانت خبرات بسيطة وصلت إليهم عن طريق تجارب قاموا هم بها، أو وصلتهم عن طريق التوارث، فكانوا يعالجون بالأشربة المتخذة من العسل والمركبات المصنوعة من بعض الأخلاط، وكان لهم عناية خاصة باستعمال الكي بالنار في كثير من الأمراض، وكذلك الحجامة، وقد اشتهر منهم أطباء مثل الحارث بن كلدة الثقفي، وأصله من ثقيف من أهل الطائف، رحل إلى فارس وتعلم الطب فيها ومارسه وأجاد هذه الصناعة حتى زاولها في بلاد فارس نفسها، واشتهر بعده ابنه النضر بن الحارث، ثم ابن رومية التميمي، وكان جراحًا ماهرًا، وابن حذيم وهو من تيم الرباب، وكان يضرب به المثل في الطب. ولما كانت القبيلة تعتبر وحدة سياسية واجتماعية كاملة، تعتمد على أفرادها الحقيقيين، فقد اهتموا بحفظ الأنساب وكان اعتمادهم في ذلك على ذواكرهم لعدم شيوع الكتابة والتدوين عندهم، وشاع فيهم القول المأثور: "من لم يعرف النسب لم يعرف الناس، ومن لم يعرف

стр. 98

الناس لم يعد من الناس"، واشتهر منهم كثير بحفظ أنسابهم وأنساب القبائل الأخرى حتى عرفوا بالنسابين، منهم: ١- دغفل بن حنظلة السدوسي من شيبان، وتحكى عنه منافسته لأبي بكر ﵁ في معرفة الأنساب، فقد كان كل منهما مشهورًا بالإحاطة بأنساب العرب وأحوالهم وصفاتهم. روى الهيثم بن عدي عن عوانة، قال: سأل زياد دغفلا عن العرب فقال: الجاهلية لليمن، والإسلام لمضر، والفتنة لربيعة. قال: فأخبرني عن مضر. قال: فاخر بكنانة، وكابر بتميم، وحارب بقيس، ففيها الفرسان والنجوم، وأما أسد ففيها ذل وكيد. وقيل له: ما تقول في بني عامر بن صعصعة؟ قال: أعناق ظباء، وأعجاز نساء.. فما تقول في أسد؟ قال: عافة قافة، فصحاء كافة.. فما تقول في خزاعة، قال: جوع وأحاديث.. فما تقول في اليمن، قال: سيود أيوك. ٢- ابن لسان الحمرة، وهو خطيب بليغ نسابة، اسمه عبد الله بن حصين أو ورقاء بن الأشقر. ٣- زيد بن الكيس النمري: وكان ممن يقارب دغفلا في العلم بالأنساب. ٤- والنخر بن أوس بن الحارث بن هذيم القضاعي. ٥- صعصعة بن صوحان العبيدي: كان من المشاهير بمعرفة أنساب العرب، ومن المقدمين بعلم أحوال قومه في الجاهلية وقد أدرك الإسلام٢. وأحاديثهم في مجالسهم، وتنافسهم في مجتمعاتهم، وبخاصة في الأسواق وموسم الحج، وحاجتهم إلى التأثير في القلوب، وامتلاك الافئدة كي يصلوا إلى ما يريدون من قضاء الحاجات أو حل المشكلات، أو الزهو والتعالي على سواهم أوجد عندهم نهضة بلاغية ممتازة، حتى اشتهروا بالفصاحة والبيان وما أثر عنهم من أدب وبخاصة الشعر يدل على بلوغهم درجة عليا في حسن التصوير وجودة التعبير، والذوق الأدبي الرفيع. وما أثر عنهم من حكم وأمثال يبين ما كان لديهم من خبرة قوية بالحياة وأحوال النفس

стр. 99

البشرية مما يدل على شدة اليقظة، وحدة الفطنة، وحسن الاستفادة من نواميس الطبيعة وطبائع المخلوقات، ومن أشهر حكمائهم حاجب بن زرارة، والأقرع بن حابس، ومجاشع بن دارم، وسليط بن كعب بن يربوع، ولؤي بن غالب، وقس بن ساعدة، وقصي بن كلاب، وعامر بن الظرب العدواني، وأكثم بن صيفي. وكانت أجيال الأدباء، وبخاصة الشعراء، تعكف بشغف ونهم على آثار سابقيهم من العلماء والأدباء والحكماء، إحاطة وشمولًا، ودراسة وفهمًا وحفظًا، لتغذية مواهبهم وتقوية ملكاتهم فكانوا طبقة مثقفة ممتازة، ولذلك نبغ منهم كثير في صغر سنهم كطرفة ولبيد. وقد عودتهم ظروف الحياة الاعتماد على قوة الملاحظة، ودقة التمييز بين كثير من الأشياء المتشابهة فتكونت لديهم الفراسة أو القيافة، وهي الاستدلال بأشياء ظاهرة على أمور خفية كالاهتداء بآثار الأقدام على أربابها، وكانوا يميزون بين آثار كل من الرجل والمرأة، والشيخ والشاب، والبصير والأعمى، والأحمق والكيس، وكذلك كانوا يفعلون في الحيوان، وتوسعوا في هذه المعرفة فكانوا يستدلون بهيئته وأعضائه على نسبه، وكانوا ينظرون إلى أشخاص مجهولي النسب، فيلحقون كلا منهم بعشيرته، وتروى لهم في ذلك حكايات عجيبة أقرب ما تكون إلى الخيال٣ ويقال إن عرب اليمن كانوا أوفر حظًّا في الفراسة. وساعدت الظروف التي عاشوا فيها على كثرة الغارات والحروب. فتكونت لديهم خبرات عملية عن القتال وأدواته وبخاصة الرماح والسيوف والقسي والسهام، والدرع والترس والبيضة، وحركات الكر والفر، والطعن والضرب والرمي، وغير ذلك من فنون القتال: وشعر الحرب خير شاهد على ما كان لديهم من قدرة على اتزان التفكير وحسن التصرف في الظروف الحرجة والأوقات العصيبة٤. وقد كانت بلاد العرب محاطة بالبحار كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، ومن ثم كان منهم من يسكن على سواحل: بحر القلزم في الغرب، وبحر الهند في الجنوب، وبحر العرب في الشرق، ولا شك أن سكان هذه السواحل من العرب كانت لهم صلة وثيقة بالبحر فاشتغلوا بالصيد، والتجارة مع الهند والحبشة والروم وغيرهم، فكانت الحاجة ماسة إلى ركوب البحر، ولهذا

стр. 100

لا بد أنهم كانوا على شيء من علم الملاحة، وصناعة السفن، ومن ثم ورد ذكرها في الشعر الجاهلي كثيرًا، من ذلك قول عمرو بن كلثوم: ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وماء البحر نملؤه سفينا وقال طرفة بن العبد: كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد عدولية أو من سفين ابن يامن ... يجور بها الملاح طورًا ويهتدي ولابد أن الملاحة اضطرتهم إلى معرفة كثير من النجوم والكواكب للاهتداء بها في سيرهم عند ركوب البحر. ولا شك أن صناعة السفن الكبيرة تحتاج إلى أخشاب وإلى مسامير من حديد تستعمل في ربط الألواح والأخشاب بعضها ببعض، وإلى أيد فنية عاملة، ولم تتيسر هذه الأشياء في جزيرة العرب، ولهذا اقتصرت صناعة السفن على السفن الصغيرة في الغالب٥، هذا إلى جانب الصناعات المختلفة التي أشرنا إليها فيما سبق: ولا بد أنهم كانوا على الأقل ذوي خبرة بهذه الصناعات. ولا شك أن هذه الخبرات العملية التي أشرنا إليها كانت وليدة الحاجة جاءتهم عن طريق التجارب العديدة التي قاموا هم أو أسلافهم بها، وهي وإن كانت بسيطة أو تعتبر خطوات أولى في ميادينها، فإنها تدل على ما كان لديهم من كمال العقل ونضج التفكير، وقوة الملاحظة، وحب الاستطلاع، ويقظة ووعي لما يقع تحت أعينهم ومحاولة للاستفادة منه بقدر ما يستطيعون. وأما علم الخط والكتابة، فلم يكن منتشرًا بينهم، وإنما كان موجودًا فيهم، وقد ورد في كثير من أشعارهم وأخبارهم ما يؤيد ذلك. ويقول ابن خلدون: "كان الخط العربي بالغًا مبلغه من الإحكام والإتقان في دولة التبابعة، لما بلغت من الحضارة والترف، وهو المسمى بالخط الحميري، وانتقل منها إلى الحيرة لما كان بها دولة آل المنذر نسياء التتابعة في العصبية والمجددين لملك العرب في العراق". ومن الحيرة لقنه أهل الطائف وقريش٦

стр. 101

ويقول علماء المسلمين في القرن السابع: "إن مرامر بن مرة الأنباري أول من اخترع الخط العربي"، ويروى عن الأصمعي المتوفى سنة ٨٢٨م أن الكتابة انتقلت من الأنبار إلى الحيرة ومنها إلى الحجاز٧. قال المدائني: أول من كتب بالعربية مرامر بن مرة من أهل الأنبار، ويقال من أهل الحيرة. قال: وقال سمرة بن جندب: نظرت في كتاب العربية، فإذا هو قد مر بالأنبار قبل أن يمر بالحيرة، ويقال إنه سُئل المهاجرون: من أين تعلمتهم الخط؟ فقالوا: من الحيرة. وسُئل أهل الحيرة: من أين تعلمتم الخط؟، فقالوا: من الأنبار٨. وبلاشير بعد بحث طويل، يرجع أصل الكتابة العربية إلى الخط النبطي المتفرع من الآرامي الذي تفرع من الفينيقي٩، ويوافقه على ذلك رينان الذي يقول إن الفضل يرجع إلى المعينيين في اقتباس الأبجدية من الفينيقيين الذين هم أيضًا أمة سامية عريقة، واستعمل المعينيون هذه الأبجدية من الفينيقيين في الكتابة على طرق مختلفة حتى تطورت وتنوعت وانتهت في آخر الأمر إلى الخط المسند المشهور أو القلم الحميري١٠.

стр. 102

حول الأدب الجاهلي حقائق عامة ... حقائق عامة الأدب الجاهلي هو ذلك الأدب الذي ينسب إلى العرب الذين كانوا قبل الإسلام وليس المقصود في دراستنا هذه الأدب بمعناه العام الذي يشمل جميع نتائج القرائح العربية في أي نوع من أنواع النتاج العقلي، فذلك ليس من شأننا الآن، إنما المقصود هنا الأدب بمعناه الخاص، وهو النتاج العاطفي الذي يعبر فيه صاحبه بالألفاظ عن شعور عاطفي، وفيه إثارة للقارئ والسامع، أي ذلك التعبير العاطفي المثير، وهذا يكون عادة في الشعر الرائع والنثر البليغ. ومن يرجع إلى كتب الأدب والقصص والتاريخ والأخبار والسير يجد أن الأدباء في العصر الجاهلي كانوا أكثر من أن يحيط بهم حصر، فكل قبيلة كان بها عدد كبير من الأدباء الذين روي لهم نتاج أدبي، وبطبيعة الحال كان فيهم المقل والمكثر، وهم يتفاوتون في إنتاجهم كمًّا وكيفًا، وإذا تذكرنا أن عدد القبائل العربية شماليها وجنوبيها كان كثيرًا توقعنا أن نجد لهم نتاجًا أدبيًّا ضخمًا. وقد كانت ظروف الجاهليين تساعد على إبداع النصوص الأدبية في جودة وإتقان، فالأحداث التي كانت تقع بينهم، والصلات الاجتماعية التي كانت تربط بعضهم ببعض والمجالس التي كانت تعقد إما بين أفراد القبيلة الواحدة أو القبائل المتحالفة للتشاور وحل المشكلات، وإما بينهم وبين خصومهم لإنهاء نزاع أو فض خلاف، والمناسبات المختلفة التي كانت تستدعي بعث الرسل والوفود، والمجتمعات العامة التي كانت تضم أكبر عدد من القبائل، فتعرض فيها الأمور على نطاق واسع -كل هذه الظروف- كان الاعتماد فيها على فصيح القول وبليغ العبارات، ثم إن مجالس السمر التي كانت تعقد ليلًا حينما ينتهون من مشكلاتهم اليومية، فيلتفون حول المواقد، أو في رحاب النسيم العليل، كانت تهيئ فرصًا ذهبية لأصحاب المواهب الفنية ليمارسوا نشاطهم الأدبي، في كل ما يروقهم من قصص أو أخبار، أو تصوير أدبي، نثرًا كان أم شعرًا، كل حسب ميوله واستعداده، يشجعه

стр. 103

على القول والإجادة فيه إرهاف الجميع أسماعهم إليه من صغيرهم إلى كبيرهم، رجالًا كانوا أم نساء. ولا شك أن مما ساعد على كثرة النصوص الأدبية، والحرص على جودتها، ما كان من تنافس طبيعي بين أصحاب المواهب الأدبية في القبائل المختلفة التي كان يسود بينها النظام القبلي، وكل منها تعمل على أن تحتل الذروة العليا في جميع الميادين، وفي مقدمتها ميدان الفصاحة والبيان الذي يجعل ذكرها على كل لسان، في كل زمان ومكان. كل هذا يجعلنا نعتقد أن نتاج الجاهليين الأدبي كان وفيرًا غزيرًا، ولكن للأسف لم يحفظ لنا من هذا التراث إلا شيء قليل جدًّا، يدل على ذلك قول أبي عمرو بن العلاء: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير"١. ويستدل ابن سلام على ذهاب هذا العلم وسقوطه، بقلة ما بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وصفا من الشهرة والتقدمة، ويقول: "إن كان ما يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكانهما على أفواه الرواة، ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير غير أن الذي نالهما من ذلك أكثر، وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذلك. فلما قل كلامهما حمل عليهما حمل كثير"٢. كما أننا كثيرًا ما نجد في كتب الأدب والتاريخ شعراء يذكرون في بعض الأخبار والحوادث، ولهم بيت أو أبيات معدودة، ومن المستبعد أن يكون ذلك كل ما قالوه في حياتهم، حقيقة قد يكون هؤلاء أو بعضهم غير مشهورين، ولكن من المحتمل أن يكونوا قد قالوا أكثر من ذلك، ولكنه ضاع أو أهمله الرواة. والحق أن كثيرًا من نتاج الجاهليين الأدبي قد ضاع، ولعل من أهم الأسباب في ذلك بعد الزمن بين وقت إنشائه ووقت تدوينه وحدوث أحداث جسام في هذه الفترة جعلت رواته وحفظته يتشاغلون عنه أو يقلون. ويؤيد ذلك ما رواه ابن عوف عن ابن سيرين عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: "كان الشعر علم قول لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء

стр. 104

الإسلام، فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يئلوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب، فألفوا ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم منه أكثره"٣. على أن ما تحدث عنه عمر ﵁ من أدب الجاهليين الباقي ووصفه بالقلة، لم يصل إلينا كله، إذ جاءنا منه جزء قليل بسبب ما حدث عن عوادي الزمن، والاضطرابات السياسية المختلفة، ونهب المراكز الحضرية على يد المغول، فكل ذلك كان له أثر كبير في ضياع جزء كبير مما كان له حظ التدوين من هذا التراث. ومع قلة التراث الجاهلي، فإننا نجد أن النثر فيه أقل بكثير جدًّا من الشعر فيه، فالغالبية العظمى من هذا التراث شعر، مع أن العكس كان ينبغي أن يكون، فالعادة والواقع يؤيدان أن النثر أكثر من الشعر، وذلك لسهولة الأول وخلوه من الحدود والقيود، والشعر يحتاج إلى موهبة خاصة، ومقدرة لغوية ظاهرة، ومن ثم فالنثر أكثر دورانًا على الألسنة، وأسهل تأليفًا من الشعر، ولعل السبب في قلة الموروث من النثر الجاهلي أن أدب هذه الفترة كان يحفظ ويتناقل بطريق السماع والحفظ والرواية، ولم يدون إلا بعد مرور العصر الجاهلي بفترة طويلة، كما سنرى فيما بعد إن شاء الله. والنثر عادة مما يصعب حفظه، كما أنه لا يبقى في الذاكرة طويلًا، في حين أن الشعر يعلق بالذهن بسهولة، لما فيه من النغمات الموسيقية المنتظمة، وهذه تحبب كلا من القارئ والسامع فيه، وتستهويه لترديده، فيعلق أسرع وأسهل، ويظل في الذاكرة زمنًا أطول من النثر. والأدب الجاهلي بالصورة التي وصل بها إلينا، يدل دلالة قاطعة على أن العرب في جاهليتهم كانوا قد قطعوا أشواطًا كثيرة متباعدة في سبيل التطور الأدبي، فهو أدب ممتاز في درجة عالية من التقدم والكمال، ولا يستطيع الإنسان معه أن يتصور أن هذا كان أول ما قاله العرب، أو أول محاولة أدبية لهم، حقيقة هو أقدم ما وصل إلينا من تراث أدبي للعرب، ولكن ليس أول ما قالوه في هذا المجال، بل لابد أنهم كانوا قد حاولوا محاولات شتى في التعبير الأدبي، وصوره الفنية حتى وصلوا بأدبهم إلى هذه الدرجة العليا من الكمال. ولو حفظ

стр. 105

لنا التاريخ جميع الخطوات التي سارها العرب في سلم التدرج نحو الكمال بأدبهم لاستطعنا أن نقف من وراء ذلك على ناحية هامة جدًّا من نواحي التطور العقلي والنفسي والعاطفي لدى الإنسان بوجه عام، والعربي بوجه خاص. ولا شك أن الأدب الجاهلي كامل من ناحية اللغة والموسيقى والمعنى، ويدل دلالة قاطعة على تطور ناضج عند العرب في مجال التعبير والتصوير الأدبي الممتاز. مما يدل على روعته وعظم شأنه بقاؤه حيًّا خالدًا إلى اليوم بعد مرور هذا الزمن الطويل منذ نشأته إلى عصرنا الحاضر، كما أن الأدباء، كانوا ومازالوا، قديمًا وحديثًا، ينسجون على منواله، ويتخذونه المثل الأعلى، ويتمنون أن يجيء نتاجهم مثله، أو قريبًا منه، قوة، وروعة، وجمالًا، وصدقًا في التعبير والتصوير. وفي خلال عمره الطويل، قامت عدة محاولات للخروج على تقاليده، أو منهجه، ومن ذلك ما حاوله بعض الأدباء في عصرنا الحاضر من التخلص بعض الشيء من قيود التقليدية، مقلدًا بعض الآداب الأجنبية، ولكن معظم هذه المحاولات لم يكتب لها من التوفيق ما كتب للأدب الجاهلي، ولم تجد من المتشيعين أو المشجعين ما يمكنها من الذيوع والانتشار، وما زال الأدب القديم صاحب السيادة والسلطان، ويحظى بالاحترام والإكبار من الجميع، مما يدل على أنه يتجاوب تجاوبًا تامًّا مع الذوق العربي العام في كل عصر منذ وجوده إلى اليوم، وهذا معناه أن العرب القدماء، كانوا قد وصلوا بحسهم الفني الصادق إلى خبرة عميقة دقيقة بالنفس الإنسانية ومشاعرها المختلفة وعواطفها الحقيقية، فأحسنوا تصويرها، وأجادوا التعبير عنها. والحق أن الإعجاب بالأدب الجاهلي وكماله الفني ليس مقصورًا على العرب والذوق العربي فقط، بل وصل إلى الأمم الأجنبية، فقد قرأ أبناء هذه الأمم الأدب الجاهلي، فوجدوا فيه النضج والكمال، ولمسوا مواطن الحسن والجمال فيه، فترجم كثير منه إلى لغات الأمم الأخرى، وهكذا عرف العرب وغير العرب مكانة الأدب الجاهلي الفنية الممتازة. والتراث الذي بين أيدينا من الأدب المنسوب إلى الجاهليين ليس إلا تراث فترة قصيرة لا تتعدى قرنين من الزمان، قبل ظهور الإسلام، فأقدم نص فيه يرجع تاريخه إلى أوائل القرن الخامس الميلادي.

стр. 106

لغة الأدب الجاهلي مدخل ... لغة الأدب الجاهلي جاء الأدب الجاهلي كله بلغة عربية واحدة، وصاغه بهذه اللغة الواحدة جميع الذين نسب إليهم أنهم قالوه من العرب شماليهم وجنوبيهم لا فرق بين من أصله قحطاني ومن أصله عدناني. وهنا نحب أن نشير إلى ملاحظة هامة جدًّا، ينبغي ألا تغيب عن البال، هي أن الأدباء الجنوبيين الذين جاءت لهم نصوص أدبية في تراث الجاهليين كانوا قد استقروا في الشمال، أو قريبًا منه في أطراف اليمن المتاخمة للعدنانيين ولم يكن منهم من يسكن في أقاصي اليمن أو أطرافها البعيدة عن الشماليين، وإن ظلت نسبة من استقر منهم بالشمال إلى اليمن، فإنما هي نسبة قبيلة الشاعر منهم إلى أصلها الأول، وهذا بالطبع لا يؤثر على اللغة الأدبية السائدة التي أصبحت لغة الشعر والأدب قبل ذلك بزمن؛ فهذا مثل ما يقال عن أبي الحسن علي بن العباس بأنه الرومي، وعن مهيار بن مرزويه بأنه الديلمي، فكلاهما من أصل غير عربي، وكل منهما شاعر عربي فصيح. وهذا معناه أن الأدب قبل الإسلام بفترة من الزمن قد أصبحت له لغة خاصة، يستعملها الأدباء في إنشائهم، بصرف النظر عما قد يكون للأديب من لهجة خاصة يستعملها هو وقبيلته في تفاهمهم اليومي العادي؛ والدليل على سيادة هذه اللغة الأدبية قبل ظهور الإسلام بين العرب، نزول القرآن الكريم بها، وكان القرآن الكريم خطابًا عامًّا لجميع العرب على الخصوص، ففهموه وناقشوه، وجادلوه، وحاول بعضهم تقليده، ولكن الفشل حالفهم في هذه المحاولات. ففهم العرب للقرآن الكريم، ومجادلاتهم للنبي ﷺ دليل على شيوع لغته بينهم قبل نزوله بزمن. ولكن هذه النقطة بالذات دفعت بعض الباحثين إلى الطعن في أصالة الأدب الجاهلي، ورميه بالضعة والانتحال، كما سيأتي الحديث عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله. وقد اختلف الباحثون في أمر هذه اللغة التي جاء بها الأدب الجاهلي؛ تلك اللهجة التي كان لها الحظ، فأصبحت لغة الأدب من بين اللهجات العربية المختلفة في الشمال والجنوب، فالمعروف أن العرب كانوا قسمين: القحطاني والعدناني. والجميع وإن كانوا عربًا من أصل

стр. 107

واحد، ولغتهم في الأصل كانت واحدة، فإن النظام الخاص الذي سار عليه كل منهم في الحياة والمعيشة، كفيل بأن يجعل كُلا منهم يتخذ لنفسه أسلوبًا خاصًّا في التعبير، وكيفية النطق بالألفاظ وأصواتها المختلفة، فلا شك حيئنذ في أن عربية كل من القسمين دخلها بمرور الزمن وظروف الحياة بعض التغييرات، فكان هناك بعض الاختلاف بين عربية الجنوب وعربية الشمال، وقد عبر عن ذلك أبو عمرو بن العلاء بقوله: "ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا، ولا عربيتهم بعربيتنا"١. وكل من هذين القسمين الكبيرين قد تكاثر فتعددت قبائله، وتبع ذلك أن صار لكل قبيلة لهجة خاصة، بينها وبين غيرها من أخواتها اللهجات الأخرى، بعض الاختلاف في دلالات الألفاظ، ومدلولات المعاني، والأصوات، والنطق بها، كما هو المشاهد في جميع الأقطار في شتى العصور، حتى في أرقى الأمم وأعظمها تقدمًا، ففي كل قسم أو محافظة، أو حي تشيع لهجة محلية خاصة؛ فمرور الزمن، واختلاف الظروف، مع ما في الإنسان من ميل غريزي إلى أن تكون له شخصية مميزة عن غيره، كل ذلك يستلزم حدوث بعض الاختلافات بين اللهجات المحلية، وإن اتحدت جميعها في الأصل الذي نبعت كلها منه. فالعرب قبل الإسلام كانت لهم لهجات كثيرة بسبب تعدد القبائل وانتشارها في بيئات متعددة مختلفة، وكان بين هذه اللهجات المتعددة اختلاف في الحركات أو الإعراب أو الحروف أو الكلمات أو نحو ذلك، وقد حاول ابن فارس في كتابه "الصاحبي" أن يضبط اختلاف لهجات العرب، فقال: "اختلاف لغات العرب من وجوه: وذكر من ذلك: الاختلاف في الحركات، كقولنا نستعين بفتح النون وكسرها. قال الفراء: هي مفتوحة في لغة قريش وأسد، وغيرهم يقولونها بكسر النون. والاختلاف في الحركة والسكون، مثل قولهم معَكم ومعْكم، بفتح العين وتسكينها. والاختلاف في إبدال الحروف، نحو أولئك وأولالك. ومنها قولهم: أن زيدًا وعَنَّ زيدًا، ومن ذلك الاختلاف في الهمزة والتليين نحو مستهزئون ومستهزون. والاختلاف في التقديم والتأخير نحو صاعقة "في لغة الحجازيين" وصاقعة "في لغة التميميين". والاختلاف في الحذف والإثبات، نحو استحييت واستحيت. وصددت وأصددت.

стр. 108

والاختلاف في الحرف الصحيح يبدل حرفًا معتلًّا نحو أمَّا زيد وأيما زيد. والاختلاف في الإمالة والتفخيم، مثل قضى ورمى، فبعضهم يفخم وبعضهم يميل. والاختلاف في الحرف الساكن يستقبله مثله، فمنهم من يكسر الأول، ومنهم من يضم، فيقولون: "اشتروا الضلالة" و "اشتروا الضلالة" بضم الواو وكسرها. والاختلاف في التذكير والتأنيث. فإن من العرب من يقول: هذه البقر وهذه النخيل، ومنهم من يقول: هذا البقر وهذا النخيل. والاختلاف في الإعراب نحو: ما زيد قائمًا وما زيد قائم، وإن هذين وإن هذان. "وهذان بالألف دائمًا لغة لبني الحارث بن كعب". والاختلاف في صورة الجمع، نحو أسرى وأسارى. والاختلاف في التحقيق والاختلاس نحو "يأمركم" بضم الراء وتسكينها ونحو "عفي له" بتسكين الفاء وكسرها. والاختلاف في الزيادة نحو "أنظر وأنظور". وقال ابن فارس٢: "يقع في الكلمة الواحدة لغتان كقولهم الحِصاد والحَصاد بكسر الحاء وفتحها. ويقع في الكلمة ثلاث لغات. نحو الزُّجاج والزَّجاج والزِّجاج، بضم الزاى وفتحها وكسرها. ويقع في الكلمة أربع لغات، ويكون فيها خمس لغات، مثل الشَّمال والشَّمَل والشَّمْل والشَّمْأل والشَّمِل بفتح الميم في الأول والثاني وتسكين الميم في الثالث والرابع وجعل ألف المد همزة في الرابع، وكسر الميم في الخامس. ويكون فيها ست لغات، نحو قُسطاس بضم القاف وكسرها، وبإبدال السين صادا مع ضم القاف، وقُستاط، بضم القاف، وقِساط بكسر القاف، وقُسَّاط بضم القاف. ومن أثر اختلاف اللهجات العربية وجود الترادف في اللغة العربية مثل القمح والحنطة والبُر، قال الجاحظ في البيان والتبيين: "القمح لغة شامية، والحنطة لغة كوفية، والبر لغة حجازية". ومثل مجيء عدة أسماء لكل من السيف والأسد والفرس والبعير وغيرها٣.

стр. 109

وكذلك كان من أثر الاختلاف بين القبائل في اللهجات كلمات الأضداد، فقد نجد كلمة تستعمل بمعنى عند قبيلة، ولكنها تستعمل في معنى مضاد لهذا المعنى عند قبيلة أخرى، مثل "جلل" تستعمل في معنى "عظيم" وفي معنى "حقير"، وكلمة "جون" "بفتح الجيم" يوصف بها الأبيض والأسود، ومثل "شرى" بمعنى "اشترى" وبمعنى "باع". وروي أن أبا زيد الأنصاري قال: "السدفة في لغة تميم الظلمة، والسدفة في لغة قيس الضوء.. ولمقت الشيء ألمقه لمقًا إذا كتبته في لغة بني عقيل، وسائر قيس يقولون لمقته بمعنى محوته". ولكن مهما تعددت اللهجات في لغة من اللغات، ومهما ضعفت الصلة بين هذه اللهجات بمرور الزمن واختلاف الظروف، فإن ذلك لا يمكن أن يلغي أن الأصل بينها جميعًا واحد، ولا يمكن أن يمنع أن تقوم بين أصحاب هذه اللهجات المختلفة لغة خاصة تكون لغة الأدب والحديث الممتاز مع عدم اختفاء هذه اللهجات المتعددة من الوجود، بل تظل مستعملة ويصبح استعمالها مقصورًا على أغراض الحياة العادية العاجلة. وإذا كان الأمر كذلك فما هذه اللغة التي كانت لغة الأدب بين العرب قبل الإسلام؟ لقد كان البحث عن إجابة لهذا السؤال سببًا في وجود كثير من الآراء: فتشارلز لايل٤، يقول: "إن لغة معد وهم العرب الإسماعيليون، كانت لسان وسط شبه الجزيرة، وقد سيطرت في ذلك الوقت على كل اليمن ما عدا شواطئ المحيط الهندي، حينما انتهت سيادة ملوك تبع على بقية شبه الجزيرة العربية واختفت إلى الأبد، وفى القرن السادس الميلادي زالت جميع آثارها من الوجود، حينما رجع ملوك كندة بقومهم من اليمامة وهجر إلى ديارهم الأصلية في حضرموت". وفي بيانه لسيادة اللغة الواحدة في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، يقول لايل: "فنفس التعبير اللغوي كان يُسمع من الحيرة على الفرات تحت ظلال فارس. ومن غسان في سوريا تحت سيطرة الكنيسة الرومانية بدمشق، إلى صنعاء وعدن في أقصى الجنوب حيث كان الحاكم الفارسي يحكم باسم شاهنشاه، وفي ربوع هذه البلاد كان عمل الشاعر يحظى بالشرف والمكافأة في كل مكان". وبهذا نرى أن سير لايل يرى هنا أن اللغة الشمالية هي التي سادت في أنحاء شبه الجزيرة، ولكنه لم يخصص لهجة من بين اللهجات الشمالية.

стр. 110

أما نولدكه، فيقول: إن الاختلافات في الحجاز ونجد وإقليم الفرات كانت قليلة، وأن اللغة الفصحى قد تركبت منها جميعًا، فهو كذلك لا يخصص لهجة معينة من بين لهجات هذه الأقاليم. و"جويدى" يرى أن اللغة الفصحى ليست لهجة معينة لقبيلة معينة وإنما هي مزيج من لهجات أهل نجد ومن جاورهم. وأما فيشر فيقول إنها لهجة معينة ولكنه لم ينسبها إلى قبيلة من القبائل. ويرى فولرز وهارتمان أنها لهجة أعراب نجد واليمامة وقد أدخل فيها الشعر وتغييرات كثيرة٥. وأما نالينو فيقول إنها لغة القبائل التي اشتهرت بنظم الشعر والتي جمع اللغويون والنحاة من أهلها مادتهم اللغوية وشواهدهم، وهي قبائل معد التي جمع ملوك كندة كلمتها تحت لواء حكم واحد قبل منتصف القرن الخامس الميلادي وفي رأيه أن هذه اللغة الفصحى تولدت من إحدى اللهجات النجدية وتهذبت في زمن مملكة كندة، وصارت اللغة الأدبية السائدة بين العرب. ويأتي بلاشير فيراجع القبائل التي أخذ منها اللغويون مادتهم. وهم تميم وقيس وأسد ثم هذيل وبعض كنانة وبعض طيئ، ثم يذكر الفرق بين هذه القبائل التي أخذت عنهم الفصحى فيورد رأي الفارابي إذ يقول: "إن قيسًا وتميمًا وأسدًا هم الذين أكثر ما أخذ عنهم وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين". وأما بروكلمان، فيعتقد أن لغة الأدب الجاهلي لغة فنية قائمة فوق اللهجات وإن غذتها جميعا٦: وهو يعتقد أن الفصحى تألفت تدريجيًّا بفضل الصلات التجارية التي أوجدها الظعن والحج إلى المراكز الدينية كمكة واستمدت غناها في المفردات من عدد كبير من اللهجات٧.
следующие страницы →