← История

История · id 12047

فتنة مقتل عثمان بن عفان

محمد بن عبد الله غبان الصبحي

Полный текст (883 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة معالي مدير الجامعة الإسلامية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن أشرف ما تتجه إليه الهمم العالية هو طلب العلم، والبحث والنظر فيه، وتنقيح مسائله، وسلوك طريقه، لأن ذلك هو الذي يوصل إلى السعادة كما قال الرسول ﷺ : "مَن سلَكَ طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ". وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وأول ما بدئ به رسول الله ﷺ هو وحي الله إليه بالعلم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. وقال تعالى يخاطبه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ … ﴾. وقال تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وما قامت به الحياة السعيدة في الحياة الدنيا والآخرة إلا بالعلم النافع. ولذا كان التعليم هو الهدف الأعظم لمؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز ﵀، ولأبنائه كذلك من بعده، ففي عهد خادم الحرمين الشريفين، أول وزير للمعارف بلغت مسيرة التعليم مستوى عالية، وازدهر التعليم العالي وارتقت الجامعات، ومن هذه الجامعات

стр. 2

العملاقة، الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، فهي صرح شامخ، يشرف بأن يكون إحدى المؤسسات العلمية والثقافية، التي تعمل على هدي الشريعة الإسلامية، وتقوم بتنفيذ السياسة التعليمية بتوفير التعليم الجامعي والدراسات العليا، والنهوض بالبحث العلمي والقيام بالتأليف والترجمة والنشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها. ومن هنا، فعمادة البحث العلمي بالجامعة تضطلع بنشر البحوث العلمية، ضمن واجباتها، التي تمثل جانبا هاما من جوانب رسالة الجامعة ألا وهو النهوض بالبحث العلمي والقيام بالتأليف والترجمة والنشر. ومن ذلك كتاب (الأمثال القرآنية القياسية المضروبة الإيمان بالله مع نماذج من بعض الأمثال) تأليف: د. عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع. نفع الله بذلك ونسأله سبحانه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. معالي مدير الجامعة الإسلامية د/ صالح بن عبد الله العبود.

стр. 3

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٣).

стр. 4

وعسى الله أن يقيض لإبراز هذه الجوانب النيرة في ذاك العصر أحداً ممن يحب، ليؤكدوا صلاحيته للقدوة والاقتداء، ويكشفوا عن دور الداسِّين عليه المشوهين صورته الحسنة بالأخبار السيئة المكذوبة المتزيدة. فإن هذه الفتن، لم تشع فحسب، بل زيد فيها الكثير، وحرف منها شيء غير قليل، وشُوِّه أكثرها، حتى ظهرت تلك الحوادث مشوهة، دعت كثيرين إلى تجنب الحديث عنها، باعتبارها مما شجر بين الصحابة (١) عملاً بقوله ﷺ : "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا … " (٢). فإن "من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ كما وصفهم الله في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) وطاعة النبي ﷺ في قوله: "لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٤).

стр. 5

ويتبرؤون من طريقة الروافض، الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب، الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم، منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير من وجهه، والصحيح منه، هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم، عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق، والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم -إن صدر- حتى إنهم يغفر لهم من السيئات، ما لم يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم .. " (١). وهم يعلمون: أن الله حفظ لنا الدين، بصحابة رسول الله ﷺ ﵃ الذين نقلوه إلى الجيل الذي لقيهم، ومن ثم انتقل إلينا عبر الأجيال، جيلاً بعد جيل، حتى وصل إلينا؛ كما تعلموه من رسول الله ﷺ .

стр. 6

إلا أن أعداء الإسلام، لما جهدوا فعجزوا عن تشكيك المسلمين بعقيدتهم، ودينهم الصحيح، عمدوا إلى الطعن في نقلته الأخيار صحابة رسول الله ﷺ ﵃. يقول الإمام مالك عن أمثال هؤلاء: "إنما هؤلاء أقوام، أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء، ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين" (١). ويقول أبو زرعة: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن؛ أصحابُ رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب، والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة" (٢). فعمد هؤلاء المغرضون إلى الفتن، التي حدثت بين الصحابة، وأحاطوها بالكذب والافتراء، والتزييف، والتزيّد وجعلوا منها وسيلة إلى الطعن، في الصحابة ﵃. ومن تلك الفتن: مقتل عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه ونجح القوم في تحقيق شيء من بغيتهم، فانطلت حيلتهم على كثيرين، وتخيلوها من خلال الروايات الضعيفة المكذوبة، التي يرويها الهلكة، والمتروكون،

стр. 7

أما بعد (١): فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (٢). وبعد: فإن الدراسة المثمرة للتاريخ، تكون لهدف صحيح، ويجب أن يكون التاريخ المعتمد لذلك، تاريخاً صحيحاً، من حيث نقله، وإلا فستكون الثمرة ثمرة فاسدة. ولا يكون التاريخ صحيحاً إلا إذا استُمِد من المصادر الموثوقة الصحيحة، التي في مقدمتها كتاب الله العزيز، الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٣) ففيه مادة تاريخية واسعة، متنوعة العصور، تتناول عدداً من الح-وادث، وتتعم-ق -أحياناً- في تفصيلات دقيقة. ويلي هذا المصدر الموثوق، ما صح عن النبي ﷺ من أحاديث، فإنها تحتوي على معلومات تاريخية، عن بعض الأمم السالفة، وعن عصر

стр. 8

السيرة ١. أما المصدر الثالث، من مصادر التاريخ الموثوقة، فهو: الروايات التاريخية المسندة؛ صحيحة الأسانيد، التي يرويها أصحاب المصنفات المسندة والتي منها: كتب الحديث، وكتب التاريخ، والكتب التي خُصصت لتراجم الرجال؛ يروونها بأسانيدهم الصحيحة إلى شاهد العيان. هذه هي مصادر التاريخ الموثوقة ٢ التي يجب على كل باحث، في سيرة النبي ﷺ وتاريخ الخلفاء الراشدين، أن يستقي معلوماته منها. وعليه أن يتجنب الروايات الواهية، والموضوعة، ليكون بناؤه التاريخي سليم القواعد، صالحاً للتحليل، واستمداد العبر منه، والوصول إلى قوانين العمران، وسنن الاجتماع. وأصدق، وأصلح تاريخ لذلك هو تاريخ الأنبياء، وفي مقدمتهم ١ من المعروف أن علماء الحديث، خصصوا أبواباً لروايات السيرة النبوية في مصنفاتهم الحديثية، ككتاب المغازي في صحيح البخاري، وكتاب الجهاد في صحيح مسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وموطأ مالك. ٢ ومن مصادر التاريخ التي لا تتناسب مع موضوع هذا البحث: ١ - ما يذكره المؤرخون في كتبهم التاريخية، دون إسناد، ولم تثبت معاصرتهم للأحداث: فهذا المصدر غير موثوق به خاصة بالنسبة لموضوع هذا البحث، لأهميته، وضرورة استمداد معلوماته من المصادر الموثوقة. ٢ - ما يستنتجه المتخصصون في علم الآثار، من التنقيب والحفريات وغيرها، وهذا المصدر لا يناسب موضوع هذا البحث أيضاً.

стр. 9

خاتمهم محمد ﷺ وتاريخ خلفائه الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. فإن هذا التاريخ، تاريخٌ سليم من الشذوذ، والأمراض الاجتماعية، والفكرية، ومن الأهواء والتطرف. هذا هو طابعه العام، أما ما وقع في أواخر هذه الفترة، من فتن وحروب، فعلى فرض صحة ما صورته الروايات التاريخية، فإنه لا يعمم الحكم عليها، مع أنه قد أدخل فيها الكثير من الدس، والتحريف، ثم أبرز وأشيع. فشاعت فتنة مقتل عثمان ﵁ وموقعة الجمل، وصفين، والتحكيم، شيوعاً أعظم مما كان فيها من مواضع القدوة، وما كان فيها من العدل والإنصاف، والمثل العليا في تحقيقها، وأكثر مما كان من قصص أولئك المؤمنين الصادقين الأبرار، مما يبين قوة إيمانهم، ويقينهم، وتعلقهم بخالقهم، مما يزيد الإيمان ويحسن الاقتداء بهم (١). لقد طغت شهرة هذه الفتن، على هذه المعاني السامية، من حيث الانتشار، فلا يكاد يعلم الكثيرون عن هذه الفترة إلا الفتن التي حدثت في آخرها.

стр. 10

ومن ثم أحجموا عن دراستها وجمعها ظناً منهم أنها مما شجر بين الصحابة، وأخذ أفراخ أولئك الأعداء يحاجون المسلمين، ببعض المواقف المستقاة من تلك الروايات المكذوبة، فمن المسلمين من يبهت، ويسكت، ومنهم من يتلمس الأعذار، ولم يناقش في أسانيد تلك الأكذوبات، إلا عدد قليل من الأئمة؛ أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية. ولم أقف على كتاب جمع مرويات هذه الفتنة ودرس أسانيدها، ومَيَّز صحيحَها من ضعيفِها، ثم بَنَى على الروايات الصحيحة صورة صحيحة حقيقية لها. فقمت بذلك في هذا الكتاب -قدر الجهد والاستطاعة- مما أظهر لي أن هذه الفتنة، لا تعد مما شجر بين الصحابة ﵃ وأرضاهم، إنما هي مما شجر بين الصحابة، وأناس ليسوا من الصحابة، كما أوضحت موقف الصحابة الحقيقي تجاه عثمان ﵁ وقتله، وأن أحداً من الصحابة لم يشترك في التحريض عليه، فضلاً عن قتله، ولم يخرج أحد من الصحابة عليه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنة الفردوس مأوانا ومأواهم، وحشرنا جميعاً تحت لواء خير أوليائه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. وليس معنى هذا أن السلف أغفلوا دراسة هذه الفتنة عموماً فقد بذل أهل السنة والجماعة جهوداً عظيمة، في توضيح صورتها على حقيقتها والرد على تلك الروايات الباطلة، التي شوهت صورتها، وكشف زيفها كابن تيمية في منهاج السنة، وابن العربي في العواصم من القواصم، والمحب

стр. 11

الطبري في الرياض النضرة، فجزاهم الله خيراً، وأجزل لهم المثوبة. إلا أن الموضوع كما أسلفت، لم يستكمل البحث فيه، من جهة دراسة أسانيد تلك الروايات، والبناء على صحيحها، والتحذير من ضعيفها، مع كشف عللها وبيان سبب ضعفها، وهذا العمل فيه دفاع عن العقيدة، وتصحيح لجانب من جوانبها، ألا وهو حب الصحابة، وإنزالهم من-زلتهم التي أنزلهم ربهم. وقد تنبه إلى هذا الأمر، أساتذة فضلاء دعوا إلى تنقية الروايات الواردة في فتنة مقتل عثمان ﵁ على منهج المحدِّثين، في نقد الروايات، وذلك بدراسة أسانيدها، ومتونها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ثم البناء على ما صح منها. وكان من هؤلاء الأساتذة: الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري، فقد اقترح عليَّ الكتابة في هذا الموضوع على هذا المنهج، فوافق ذلك رغبة في نفسي لعدة أسباب منها: أولاً: رغبتي في الذبِّ عن الصحابة، وإظهار براءة من اتُّهم منهم، ودفع الشبهات التي ألصقت بهم ﵃، لأن محبتهم توجب ذلك، لا سيما وقد ظهر من يقدح فيهم بالباطل، يقول ابن تيمية: "إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل، فلا بد من الذب عنهم، وذكر ما يبطل حجته بعلم وعدل" (١) ولا يعد ذلك، مما نهينا عنه، من الخوض فيما شجر

стр. 12

بينهم، بل هو إظهار للحقيقة التي تدفع عنهم ما ألصق بهم من باطل. ثانياً: التنبيه على أن هذه الفتنة ليست مما شجر بين الصحابة، كما هو المشهور عند الكثيرين. ثالثاً: رغبتي القوية في تأصيل الصورة الصحيحة، وتصحيح المفاهيم بحقيقة هذه الفتنة، على أسس صحيحة قوية مبنية على نقد الأسانيد والمتون. رابعاً: استجابتي لحث العلماء، على تصحيح التاريخ الإسلامي، وتخليصه مما علق به من شوائب، باستخدام منهج قوي ومتين، ليتهيأ للمربين، فيربوا عليه أجيال المسلمين تربية صحيحة. خامساً: حبي الشديد لدراسة الأسانيد ومتونها. هذا وقد اعتمدت في إعداد هذا البحث، منهجاً يعين على بناء صورة تاريخية صحيحة، وهو منهج المحدثين في التعامل مع الروايات، فقمت بجمع روايات الفتنة، من بطون كتب الحديث، والتاريخ العام، وتواريخ المدن، وكتب التراجم والطبقات؛ وغيرها من المصادر المسندة للروايات. ثم قمت بتصنيف هذه الروايات، التي بلغ عددها ما يربو على ألفي رواية ودمجت المكررات، مع الإشارة إلى الفروق بينها من جهة الإسناد والمتن. ثم درست هذه الأسانيد، فتميز لديَّ صحيحها من ضعيفها، ثم اعتمدت الروايات الصحيحة، فشكلت من صحيحها صورة تكاد تكون

стр. 13

متكاملة عن فتنة مقتل عثمان ﵁. ثم جمعتها مخرجة بطرقها، ودراسة أسانيدها في قسم ألحقته بآخر الرسالة، لأتيح للقارئ متابعة النتائج التي توصلت إليها، وليقف على تراجم رواة الروايات التي حكمت عليها صحة وضعفاً. واعتمدت بعض الروايات المرسلة، والضعيفة في بعض المسائل التاريخية، التي لا علاقة لها بالعقيدة، ولا الشريعة لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة؛ كما في تاريخ قتله، وسنه عند استشهاده، ونحو ذلك، ففي مثل هذه الموضوعات، آخذ بأصح ما رُوي منها، وقد أدرس متونها وأقابلها بالروايات الصحيحة، فأقدم ما ترجح لدي، مع ذكر أسباب الترجيح. وإلا فإني أطبق ما أعلمه من قواعد مصطلح الحديث دون تساهل، وذلك في ما له علاقة بالعقيدة، أو الشريعة مع تحفظ شديد، فقد يظهر للمطالع -أحياناً- أن الخبر لا علاقة له بذلك، ثم مع التأمل تظهر علاقته، لذا فإني أراعي ذلك وأتأمل الرواية قبل دراستها. وتطبيق منهج المحدثين، هو المنهج الذي أراه مناسباً، لنقد روايات التاريخ الإسلامي، وخاصة السير وعصر الخلفاء الراشدين منه، وأخص الفتن التي حدثت ابتداءً من مقتل عثمان ﵁ ثم الجمل وصفين؛ لسلامة أسسه في النقد، وجودة نتائجه. ونجد أن بعضاً من غير المتخصصين في التاريخ قد رفضوا هذا

стр. 14

المنهج (١) فجانبوا الصواب، ولا حجة لهم؛ بأن السلف لم يعتمدوا هذا المنهج، في نقد الروايات التاريخية، لأنهم أعملوه كابن كثير فقد حكم على بعض الروايات بالصحة، وعلى أخرى بالضعف، وغيره كثير، كما ستراه منقولاً عنهم في هذه الرسالة. وقد نادى باستخدام هذا المنهج في التاريخ، وبالأخص في فتنة مقتل عثمان ﵁ مجموعة من الأساتذة المتخصصين في التاريخ من المعاصرين منهم: محب الدين الخطيب (٢) وصادق عرجون (٣) ويوسف العش (٤). وذلك لمعرفتهم بمنهجي المحدثين والغربيين، في نقد الروايات التاريخية، مما جعلهم يؤثرون منهج المحدثين؛ لقوته وصلاحيته لذلك، ولا شك أن من لم يستوعب هذا المنهج، ولم يعرفه، يصعب عليه التسليم به، فضلاً عن تبنيه والعمل به. وإني لأدعو كل من يتردد في قبول هذا المنهج الأصيل، إلى التجرد أولاً، ثم إلى دراسته وتأمله، فإنه سيصل إلى ما وصل إليه غيره ممن دعوا

стр. 15

إليه. هذا وقد أثر عن السلف الصالح، ما يبين مكانة الإسناد في الدين الإسلامي، من ذلك: ما صح عن محمد بن سيرين أنه قال: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (١) وقوله أيضاً: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". وفي ذلك يقول عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" (٢). ومن الدين حب صحابة رسول الله ﷺ وسلامة القلوب تجاههم، فهم الذين حملوه إلينا صافياً نقياً، كما سمعوه من الرسول ﷺ بل إن أهل السنة والجماعة جعلوا ذلك أصلاً من أصولهم كما تقدم. يقول الطحاوي: "وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (٣). وقال محمد بن حاتم بن المظفر: "إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة، وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديماً وحديثاً إسناد موصول، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم

стр. 16

أخبارهم" (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وعلم الإسناد والرواية مما خص الله به أمة محمد ﷺ وجعله سُلَّماً إلى الدراية، فأهل الكتاب لا إسناد لهم يأثرون به المنقولات، وهكذا المبتدعون من هذه الأمة أهل الضلالات، وإنما الإسناد لمن أعظم الله عليه المنة، أهل الإسلام والسنة، يفرقون به بين الصحيح والسقيم والمعوج والقويم. وغيرهم من أهل البدع والكفار، إنما عندهم منقولات، يؤثرونها بغير إسناد، وعليها من دينهم الاعتماد، وهم لا يعرفون فيها الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل، وأما هذه الأمة المرحومة، وأصحاب هذه الأمة المعصومة، فإن أهل العلم منهم والدين هم من أمرهم على يقين، فظهر لهم الصدق من المين، كما يظهر الصبح لذي عينين" (٢). وذكر ابن حزم أن نقل الثقة عن الثقة، حتى يصل إلى النبي ﷺ لم يوجد عند غير المسلمين، وأن المبادئ الأساسية للإسلام، والشريعة المنقولة عن النبي ﷺ وما يتعلق به من الأحكام، كلها ثابت بهذا النوع من النقل (٣). يقول الدكتور/ محمد أبو شهبة: "ولا أكون غالياً، أو متعصباً إذا

стр. 17

قلت: إن الأصول التي وضعها علماء أصول الحديث لنقد المرويات، هي أرقى وأدق ما وصل إليه العقل البشري في القديم والحديث … " (١). ويقول أبو حاتم الرازي: "لم يكن في أمة من الأمم، منذ خلق الله آدم، أمناء يحفظون آثار الرسل، إلا في هذه الأمة" (٢). ومن يترك هذا المنهج الصحيح، في نقد الروايات المتعلقة بالسيرة، وعصر الراشدين، فمصيره إلى الخطأ والغلط ومن الأمثلة الواقعية لذاك: ما نقله أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) عن ابن أبي الحديد قوله: " … فلما رأت البكرية ما صنعت الشيعة، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو: "لو كنت متخذاً خليلاً"، فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو: "سدوا الأبواب" فإنه كان لعلي، فقلبته البكرية إلى أبي بكر … ". وزاد أحمد أمين: "وتلمح أحاديث كثيرة، لا تكاد تشك وأنت تقرؤها أنها وضعت لتأييد الأمويين، أو العباسيين، أو العلويين، أو الحط منهم" (٣).

стр. 18

وهذان الحديثان اتفق على تصحيحهما البخاري، ومسلم، ومن ثم المسلمون كلهم بالإجماع، لإجماعهم على أن كل ما في الصحيحين من أحاديث مسندة فهو صحيح (١). فانظر إلى من يترك منهج المحدثين، ويعتمد مناهج أخرى لنقد المتون دون الإسناد، كيف يقع في مثل هذا الخطأ الجسيم. ومما يبين أهمية استخدام هذا المنهج، في نقد روايات فتنة مقتل عثمان ﵁ أن من يطالع هذه الروايات، لا يستطيع أن يخرج بصورة متكاملة عن الفتنة، إلا وتأتي روايات مضادة تهدم هذه الصورة، لتحل مكانها أخرى، ثم يتكرر هذا مراراً، مما يوقع القارئ في حيرة شديدة، فهذا يؤكد أن هذا التناقض يرجع إلى وجود روايات موضوعة مكذوبة، دست لأهداف دنيئة. لذا فإن أَنْسَبَ منهج لمحاكمة هذه الروايات، هو منهج المحدثين، الذي يعتمد على دراسة الإسناد، والمتن معاً؛ وهو الذي اعتمدته -كما تقدم- في نقد روايات الفتنة. وقد قسمت الكتاب إلى قسمين: القسم الأول: وسردت فيه الصورة التاريخية للحادثة، ووثقت

стр. 19

المعلومات في الحاشية دون تفصيل، ثم أحيل إلى القسم الثاني. ليجد القارئ فيه دراسة أوسع للروايات من حيث: تخريجها وشواهدها وتراجم رواتها، وسبب الحكم عليها بالصحة، أو الحسن، أو الضعف، وأيضاً لينظر القارئ إلى الرواية كاملة غير مجزأة. ورغم أني لم أستفد كثيراً من الروايات الضعيفة، والشديدة الضعف والموضوعة في بناء الصورة التاريخية إلا أني خصصت لها موضعاً في الملحق مع دراستها وذلك ليرجع إليها، من يريد معرفة مصدر تلك الصور الباطلة المشتهرة بين الناس، مع معرفة سبب ضعفها، وبطلانها. مصادر فتنة مقتل عثمان ﵁: إن المصادر التي تناولت فتنة مقتل عثمان ﵁ تنقسم إلى قسمين؛ منها ما هو عن الفتن عامة، ومنها ما هو عن فتنة مقتل عثمان ﵁ خاصة، وسأذكر فيما يلي المصادر المفقودة التي لم أطلع عليها، ثم أذكر بعض المصادر التي استفدت منها في إعداد هذا البحث: أما المصادر المفقودة التي ألفت عن الفتن عامة فمنها: ١ - كتاب (الفتن) لعثمان بن أبي شيبة، المتوفى سنة (٢٢٧) هـ (١). ٢ - كتاب (الفتن) لعبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المتوفى سنة (٥٣٢) هـ (٢).

стр. 20

٣ - كتاب (الفتن) لإسماعيل بن عيسى العطار البغدادي (١). وأما المصادر المفقودة التي ألفت عن فتنة مقتل عثمان ﵁ خاصة فمنها: ١ - كتاب (الشورى) ومقتل عثمان لأبي مخنف لوط بن يحيى المتوفى سنة: (١٥٧) هـ (٢). ٢ - (مقتل عثمان) لأبي عبيدة معمر بن المثنى التميمي المتوفى سنة: (٢١٠) هـ (٣). ٣ - كتاب (مقتل عثمان بن عفان) للمدائني أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي يوسف المتوفى سنة: (٢١٥) هـ (٤). ٤ - (مقتل عثمان) لعمر بن شبة بن عبيد بن ريطة (أبو معاذ) المتوفى سنة: (٢٦٢) هـ (٥). ٥ - (سيرة عثمان) للعياشي أبي النظر محمد بن مسعود، المتوفى

стр. 21

سنة: (٣٢٠) هـ (١). ٦ - (المقتل) لأبي الحسن محمد بن إبراهيم بن يوسف بن أحمد بن يوسف الكاتب، ولد سنة (٢٨١) هـ بالحسينية، وكان يتظاهر بالشافعية، ويبطن رأي الشيعة الإمامية، وكان فقيهاً على المذهبين، وله عدة كتب على مذاهب الشيعة؛ منها هذا الكتاب (٢). ٧ - كتاب (المقتل) لعيسى بن مهران (٣) وهو (رجل سوء) كما قال الدارقطني (٤) و (من شياطين الرافضة) ومردتهم كما قال الخطيب (٥) و (رافضي كذاب جبل) كما قال الحافظ ابن حجر (٦) و (كذاب) كما قال أبو حاتم (٧) وصنفه ابن النديم في فقهاء الشيعة (٨). وهذه الكتب كلها مفقودة، لم يصلنا منها إلا نقولات عن بعضها

стр. 22

يسيرة عند الطبري، وغيره، ومما تجدر الإشارة إليه أن الطبري وابن سعد وسائر المصادر التي استقيت منها روايات الفتنة، لم تنقل من كتاب أبي مخنف شيئاً من الروايات؛ فلعلهم أعرضوا عنه، لما فيه من كثرة الدسّ، والتحريف؛ كما هي عادته، فهو شيعي محترق (١). أما المصادر التي استفدت منها في إعداد هذا الكتاب، فمنها مصادر أولية، ومنها مصادر ثانوية: أما المصادر الأولية، فمنها: ١ - كتاب (الطبقات) لابن سعد، وهو كتاب نفيس للغاية، تتقدم أسانيده مروياته، وتتصف بالعلو، لأن مؤلفه توفي في أوائل القرن الثالث الهجري؛ سنة (٢٣٠) هـ مما جعل إسناده سهل الدراسة والتحقيق، كما أن غالب رجال أسانيده معروفون، ولهم تراجم، عدا أكثر شيوخ شيخه الواقدي (٢). ومن الجدير بالذكر، أن ابن سعد لم يرو عن سيف في طبقاته عن الفتنة إطلاقاً، ويبدو لي أن ذلك قد يرجع إلى أحد أمرين: الأول: أنه لم يطلع على روايات سيف عن الفتنة.

стр. 23

الثاني: أنه اطلع عليها، ولم يأنس لأسانيدها، التي تتسم بالإرسال -غالباً- ولم يتسامح معه كما تسامح مع شيخه الواقدي الذي يشابهه إلى حدٍّ كبير في ذلك، وإن كان يوجد في روايات الواقدي عدد لا بأس به من الروايات التي يظهر أنها متصلة الأسانيد. وتتسم روايات ابن سعد، بالاعتدال غالباً، إلا ما يرويه من طريق شيخه الواقدي، فلا اعتدال فيه ولا كرامة، بل يتسم بالغلو المفرط في تشيين مواقف الصحابة ﵃. ٢ - كتاب (التاريخ) لخليفة بن خياط، المتوفى سنة ٢٤٠ هـ ويعدّ من أحسنها، ونجد أن مصنفه يسند رواياتِه، وقد يهملها أحياناً. ويشابه تاريخ خليفة إلى حدّ كبير، طبقات ابن سعد، إلا أنه يفوقه في سلامة متون رواياته، من حيث إبراز الفتنة، بالصورة الصحيحة، النقية، السالمة من تشويه مواقف الصحابة رضوان الله عليهم وتمتاز طبقات ابن سعد على تاريخ خليفة بكثرة الروايات عن الفتنة. ٣ - (تاريخ الأمم والملوك) لمحمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ هـ، وكان دور الطبري في كتابه هذا، هو الجمع المستفيض، فقد حوى في كتابه عدة كتبة مفقودة. وبعد استقراء روايات الطبري، عن فتنة مقتل عثمان ﵁ نتج لدي أن موارده فيها هي: - أ - بلفظ (حدثني): - أحمد بن إبراهيم، وأحمد بن ثابت، وأحمد ابن زهير بن أبي خيثمة، وأحمد بن عثمان بن حكيم، والحارث، وزياد بن

стр. 24

أيوب، وعبد الله بن أحمد بن شبوية، وعبد الله بن أحمد المروزي، وعمر ابن شبّة، ومحمد بن موسى الحرشي، ويعقوب بن إبراهيم. ب - بلفظ (قال): - علي بن محمد، ومحمد بن مسلمة، وأبوبكر، وأبو المعتمر، وأبو معشر، وابن عمر، وابن أبي سبرة، وآخرون (١). ج - بلفظ (حُدثت عن): - الحسن بن موسى الأشيب، وزكرياء ابن عدي. د - بلفظ (ذُكر عن): - هشام بن محمد الكلبي. هـ - بلفظ (ذَكر): - محمد بن عمر الواقدي. و - بلفظ (في رواية) - أبومخنف، وسيف بن عمر التميمي. ز - وقد يذكر معلومات قليلة جداً دون عزوها إلى أي مصدر. وتتضمن هذه الروايات -المتنوعة المصادر- الغث، والسمين من الأخبار التاريخية، بل يغلب عليها الأول. ويعود ذلك، إلى تنوع ميول أصحاب تلك المصادر، التي اعتمدها المؤلف في جمع رواياته. ولا يعيب ذلك الطبري، لأنه قد أسند هذه الروايات، ومن أسند فقد أحال وبرئت ذمته، وكان هذا هو شعار الفترة، التي كان يعيشها الطبري. وقد قال في مقدمة كتابه: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه

стр. 25

عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يُؤت في ذلك من قِبَلِنا، وإنما أُتي من قِبَل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدِّي إلينا" (١). بل يشكر على ذلك، لما في صنيعه هذا من كشف لمصادر تلك المعلومات المغلوطة على الصحابة ﵃ التي تناقلها الناس من زمن الفتنة إلى يومنا هذا. وطريقة الطبري هذه لم ينفرد بها، بل هي طريقة أهل عصره، من العلماء من أهل الحديث، وغيرهم، من القرن الثاني، فقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة الطبراني= سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني؛ ما يأتي: "الحافظ الثبت المعمر … وقد عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جمعه الأحاديث بالإفراد على ما فيها من النكارة الشديدة، والموضوعات، وفي بعضها القدح في كثير من القدماء من الصحابة وغيرهم، وهذا أمر لا يختص به الطبراني، فلا معنى لإفراده اليوم (٢) بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمّ جراً، إذا ساقوا الحديث بإسناده، اعتقدوا أنهم برؤا من عهدته، والله أعلم" (٣).

стр. 26

ومع ذلك فإن الطبري أشار إلى أنه أعرض عن ذكر بعض الأخبار، كراهة منه لبشاعتها (١). ٤ - كتاب (المحن) لأبي عرب المتوفى سنة (٣٣٣) هـ، ففيه قليل من الروايات المتعلقة بالفتنة، ولكنه محققه لم يتقن إخراج نصه، فقد وقع في أخطاء كثيرة في قراءة مخطوطة الكتاب. وأما المصادر الثانوية فمنها: ١ - كتاب (الرياض) النضرة للمحب الطبري، المتوفى سنة (٦٩٤) هـ، وقد اعتمد فيه مؤلفه عدداً من المصادر المفقودة، كالسيرة للملائي وغيرها، إلا أنه لم يضف على المصادر الأولية معلومات مهمة، فكأن تلك المصادر المفقودة قد جمعت من المصادر الأولية. ومما أنقص قيمة روايات المحب الطبري خلوها من الإسناد، فإنه يكتفي - غالباً- بذكر مُسْنِدِ الرواية، ويقتطع باقي السند، ثم يشير بعد ذكر الرواية إلى مُخَرِّجِها. وقد قدم المؤلف لكتابه بمقدمة ذكر فيها قائمة مصادره التي اعتمد عليها في كتابه، وهي جديرة بالاهتمام، لما تحتويه من أسماء عدد من المصادر التأريخية المفقودة. ٢ - كتاب (التمهيد) والبيان في مقتل الشهيد عثمان ﵁ لمحمد بن يحيى بن محمد بن يحيى الأشعري المالكي المعروف بابن بكر،

стр. 27

المتوفى سنة (٧٤١) هـ (١). ولم يضف مؤلفه مادة علمية على المصادر الأولية المتقدمة، ويكاد يكون كتابه ملخصاً لروايات سيف بن عمر التميمي، وجُلّ هذه الروايات في تاريخ الأمم والملوك للطبري، ويُشْعِرُ المؤلف أحياناً أنه يستقي هذه الروايات من كتاب سيف بن عمر مباشرة، فلعله اطلع عليه. ٣ - كتاب (البداية والنهاية)، وقد انحصرت استفادتي من هذا المصدر، في تعليقات مؤلفه الحافظ ابن كثير، المتوفى سنة (٧٧٤) هـ؛ وحكمه على بعض الأسانيد، حيث إنّهُ لم يضف روايات على المصادر المتقدمة الموجودة بين أيدينا، وجلُّ مصادره قد استقيت منها الروايات التي اعتمدها مباشرة. أما المراجع التي كتبت عن الفتنة في عصرنا الحاضر، فكثيرة جداً، ولم أستفد منها في جمع المعلومات، لأنني اشترطت اعتماد الروايات المسندة. وتناولت في آخر الكتاب كتاب العقاد، فنقدت بعضاً مما جاء فيه من أخطاء حول فتنة مقتل عثمان ﵁ (٢). والمتأمل في كتابات المعاصرين عن الفتنة، يجد أنها تنقسم إلى قسمين:

стр. 28

القسم الأول: ينتقي أسوأ الروايات، ويبني عليها صورة مشوهة لهذه الحادثة. القسم الثاني: يخلط بين الروايات الحسنة، والسيئة غير معتمد على منهج موحد في الأخذ منها، إنما يأخذ ما طالته يده من الروايات، ثم يبني عليها صورة فيها حق وباطل. كما يظهر من خلال النظر في هذه الدراسات المعاصرة عن الفتنة، أنها تتنوع في تفسيرها للفتنة، فقسم منها ينحو منحاً قبلياً، فيصور الصحابة ﵃ بصورة العصابات القبلية التي تحاول كل منها اجترار الخلافة إلى قبليتها، ونزعها من عثمان ﵁ وأنهم يؤثرون ذوي القربى، فبنو هاشم كانوا يريدونها لعلي ﵁ وبنو تيم يريدونها لطلحة بن عبيد الله ﵁. وبعد دراسة الروايات الصحيحة، كانت النتيجة مضادة لهذه التفسيرات الباطلة المعتمدة على الروايات الضعيفة، فهذه التصورات الخيالية غير صحيحة، وليس لها أصل في تلك الفترة الفاضلة. وقسم من هذه الدراسات، ينحو منحاً مادياً في تفسير الفتنة، فيصور أهل ذاك العصر بأنهم أناس طغى عليهم حب الدنيا، وتفشى فيهم الطمع، وتقاتلوا من أجل الدنيا، والغنائم، والأعطيات. وهذا باطل من وجوه عديدة، فإن الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- نزعوا من قلوبهم التعصب الجاهلي، منذ دخولهم في الإسلام، والشواهد والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر، حتى إن الابن لا يبالي

стр. 29

بأن يقتل والده، في سبيل نشر الدعوة إلى الإسلام، ويتخلى الفرد عن عشيرته، ويهاجر بعضهم من مسقط رأسه في سبيل تمسكه بالإسلام (١). كما أن الروايات التي اعتمدها هؤلاء في تفسيرهم هذا، روايات ضعيفة الأسانيد، يرويها الضعفة المتهمون بالرفض، والروافض (٢). ولعل سبب توجه هذه الدراسات، إلى هاتين الوجهتين المنحرفتين هو من تأثير المعسكرين الشرقي الشيوعي الإلحادي، والغربي الرأسمالي المادي، على بعض مدعي الإسلام، فنفخوا بأصحابها، ليؤكدوا هذا التفسير الباطل، والتصور الخاطئ لأفضل العصور على الإطلاق، فيسهل بذلك -عليهم- ضرب الإسلام والمسلمين من الداخل، إذ إن الأمة تحيا وتموت بعقيدتها وتأريخها. وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني إلى تجليةِ هذا الحدث العظيم، تجليةً وافية تبرز أحداثه على حقيقتها، دون نيل من أحد من الصحابة، وأن يجد القارئ فيها ما لم يجده في غيرها، من التحقيق والتمحيص. وقد قسمت هذا الكتاب إلى قسمين: قسم صورت فيه حادثة قتل عثمان ﵁، والآخر ضمنته الروايات الواردة في فتنة مقتله. وجاء القسم الأول في مقدمة، وتمهيد، وبابين.

стр. 30

أوردت بعد هذه المقدمة التمهيد الذي عنونته ب-: (لمحات من سيرة عثمان ﵁. ذكرت فيه مقتطفات من سيرته؛ منذ ولادته، حتى اشتعال الفتن التي ظهرت في أواخر خلافته، وتضمن ذلك الأحاديث النبوية الواردة في الإخبار عن الفتنة التي ستؤدي إلى استشهاده. وعنونت للباب الأول ب-: مسوغات الخروج وبدء الفتنة وقسمته إلى فصلين: الفصل الأول: مسوغات الخروج على عثمان ﵁. وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: ما صح أنهم سوغوا به خروجهم عليه أو عابوه به فقط. المبحث الثاني: ما روي في ذلك ولم يصح إسناده. المبحث الثالث: ما اشتهر من ذلك وليس له إسناد. الفصل الثاني: مثيرو الفتنة وبدؤها. وفيه مبحثان: المبحث الأول: مثيرو الفتنة. المبحث الثاني: قدوم أهل الأمصار. وعنونت للباب الثاني بـ: يوم الدار وقتل عثمان ﵁. وقسمته إلى ثلاثة فصول: الفصل الأول: يوم الدار.

стр. 31

وفيه ستة مباحث: المبحث الأول: وصف الدار. المبحث الثاني: بدء الحصار. المبحث الثالث: المفاوضات بين عثمان ومحاصريه. المبحث الرابع: دفاع الصحابة عنه ورفضه. المبحث الخامس: القتال يوم الدار. المبحث السادس: آخر أيام الحصار (الرؤيا. الفصل الثاني: قتله وقاتله. وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: صفة قتله. المبحث الثاني: تاريخ قتله. المبحث الثالث: سنه عند استشهاده. المبحث الرابع: قاتله. المبحث الخامس: جنازته والصلاة عليه ودفنه. الفصل الثالث: متفرقات عن الفتنة. وفيه مبحثان: المبحث الأول: ما أثر عن الصحابة في آثار قتل عثمان. المبحث الثاني: نقد لمواضع من كتاب العقاد: (ذو النورين عثمان بن عفان. ثم الخاتمة: وفيها أهم النتائج التي أبرزها هذا الكتاب.

стр. 32

أما القسم الثاني: فهو قسم الملاحق، وقسمته تسعة أقسام: القسم الأول: الأحاديث المرفوعة الصحيحة. القسم الثاني: الأحاديث المرفوعة الضعيفة والموضوعة. القسم الثالث: الروايات التاريخية الصحيحة والحسنة. القسم الرابع: الروايات التاريخية الضعيفة. القسم الخامس: الروايات التاريخية الضعيفة جداً. القسم السادس: الروايات التاريخية الموضوعة. القسم السابع: روايات سيف بن عمر التميمي عن الفتنة. القسم الثامن: روايات محمد بن عمر الواقدي عن الفتنة. القسم التاسع: الروايات المتعلقة بعبد الله بن سبأ. ثم فهرست الروايات الواردة في الرسالة، والأعلام المترجمين، والمصادر والمراجع، وموضوعات الرسالة. وفي ختام هذه المقدمة: أكرر حمدي لله تعالى الذي منَّ عليَّ بإتمام هذا الكتاب، وأشكره على كريم فضله وعظيم امتنانه، ثم أتقدم بالشكر لوالديّ الكريمين على ما قدماه لي من حسن رعاية وتشجيع طوال تأليفي لهذا الكتاب، وأشكر الجامعة الإسلامية المباركة التي كان لي شرف الانتساب إليها طيلة ربع قرن، وفي مقدمتهم مديرها معالي الدكتور/ صالح بن عبد الله العبود، والدكتور/ محمد بن حمود الوائلي، وكيل الجامعة للبحث العلمي والدراسات العليا، وأصحاب الفضيلة أعضاء المجلس العلمي، والدكتور/ محمد الأعظمي، مدير مركز البحث العلمي

стр. 33

سابقاً، والدكتور/ محمد بن خليفة التميمي عميد البحث العلمي في الجامعة، الذين رشحوا هذا الكتاب لطباعته ضمن مطبوعات المجلس العلمي. كما أتقدم بالشكر، والعرفان بالجميل إلى فضيلة أستاذي المشرف على هذا الكتاب طوال إعداده: الدكتور/ أكرم ضياء العمري، وكل من ساهم معي في إعداده من أصحاب الفضيلة المشايخ، والأساتذة الأربعة الفضلاء: اللذين ناقشاه وهو رسالة، والآخرَين اللَّذَيْن قاما بتقويمه للطباعة بعد ترشيحه، فأسأل الله العلي القدير للجميع المثوبة، والجزاء الحسن، وأن يعوض الجميع عما بذلوه من وقت وجهد، وأن يجعله في ميزان حسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

стр. 34

التمهيد: لمحات من سيرة عثمان بن عفان من الولادة إلى الشهادة

стр. 35

هو: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب (١) ينتسب إلى بني أُميّة؛ إحدى القبائل القرشية. ولد في مكة، بعد عام الفيل بستّ سنين على الصحيح (٢) ونشأ على الأخلاق الفاضلة الكريمة، والسيرة الحسنة الحميدة، وكان حيياً، شديد الحياء (٣) عفيف النفس، واللسان، أديب الطبع، هادئاً يتجنب إيذاء الناس، ويميل إلى الهدوء، ويكره الفوضى، والشجار، والصخب، وقد يضحّي في سبيل البعد عن ذلك ولو بحياته (٤). ولحسن خلقه، ومعاملته؛ أحبته قريش حتى ضربت العرب المثل بحبها له. وفي ذلك يقول الشعبي: "كان عثمان في قريش محبباً يوصون إليه، ويعظمونه، وإن كانت المرأة من العرب تُرقِّص صبيها وهي تقول: أُحِبُّك والرحمن حبَّ … قريش لعثمان (٥) نشأ عثمان ﵁ وأطل على هذه الحياة، وهو بين مشركي

стр. 36

قريش الذين يعبدون الأصنام، فنبذ في نفسه ما هم عليه من شرك ووثنية، وعادات قذرة. فتجنب أرجاسهم الجاهلية، فلم يزن، ولم يقتل قط (١) ولما أمر الله رسوله ﷺ بالدعوة إلى الله، ودخل أبوبكر الصديق في الإسلام، ذهب إلى عثمان ﵄ يدعوه إلى الإسلام، فتأمل عثمان في هذه الدعوة بهدوء كعادته في معالجة الأمور، فوجد أنها دعوة إلى الفضيلة، ونبذ الرذيلة، دعوة إلى التوحيد، وتحذير من الشرك، دعوة إلى العبادة وترهيب من الغفلة، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة، وترهيب من الأخلاق السيئة. ثم نظر إلى قومه، فإذا هم يعبدون الأوثان، ويأكلون الميتة، ويسيئون الجوار، ويستحلون المحارم من سفك الدماء وغيرها (٢). وإذا بالنبي محمد بن عبد الله ﷺ صادق أمين، يعرف عنه كل خير، ولا يعرف عنه شر قط، فلم تُعهد عليه كذبة، ولم تحسب عليه خيانة، فإذا هو يدعو إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، وإلى صلة الرحم، وحسن الجوار، والصلاة والصوم، وألا يعبد غير الله (٣).

стр. 37

فأسلم عثمان على يد أبي بكر الصديق ﵁ فكان من السابقين الأولين إلى الإسلام (١). فلم يدعه قومه، بل آذوه، وعذبوه مع إخوانه المؤمنين السابقين إلى الإسلام، وعدوا عليه، وفتنوهم في دينهم ليردوهم إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن يستحلوا من الخبائث، فلما ازداد عليهم الأذى والتعذيب، وقهروهم، وظلموهم وضيقوا عليهم، وحالوا بينهم وبين دينهم (٢) خرجوا إلى الحبشة، وفي مقدمتهم عثمان بن عفان ﵁ ومعه زوجه رقية بنت النبي محمد بن عبد الله ﷺ ورضي عنها (٣) فكان أول من هاجر بأهله من هذه الأمة (٤). فرَّ بدينه تاركاً وطنه وأهله، في سبيل التمسك بدينه وعقيدته، مما يبين مدى إيمانه ويقينه وتعلقه بربه وآخرته. تحمل الغربة، وفقد مركزه التجاري، ومكانته الاجتماعية، بين أهل مكة، وشخصيته المرموقة، وانتقل إلى بلاد غير بلاده لله، وفي الله لا لتجارة دنيوية، ولا لربح مادي، إنما لتجارة أخروية؛ للفوز بالجنة والنجاة

стр. 38

من النار. ثم لما أشيع أن أهل مكة قد أسلموا، وبلغ ذلك مهاجري الحبشة، أقبلوا حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فدخلوا في جوار بعض أهل مكة، وكان فيمن رجع عثمان بن عفان وزوجه رقية ﵄ (١). وبقي عثمان في مكة، يلقى الأذى والقهر من أهل مكة، ولم يرده ذلك عن دينه حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة النبوية ومعه الصحابة ﵃ فهاجر معهم عثمان، فكان ممن هاجر الهجرتين (٢). وثبت ﵁ على إيمانه، بل كان إيمانه يزداد يوماً بعد يوم، ومكث في المدينة، لا يفارقها إلا ويسارع إلى العودة إليها، فقد صحح الحافظ ابن حجر عنه أنه كان لا يودع النساء -أي: وهو خارج من مكة- إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج خشية أن يرجع في هجرته (٣). وكان له في عهد النبي ﷺ مكانة عالية، يعرفها الصحابة - رضوان الله عليهم - وينزلونه إياها، وفي ذلك يقول ابن عمر ﵄: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان

стр. 39

ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم " (١). ومما يبين مكانة عثمان ﵁ عند النبي ﷺ أنه كان ذات يوم قاعداً في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه (أو ركبته) فلما دخل عثمان غطاها (٢). وكان ذات يوم مضطجعاً في بيت عائشة ﵂ كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبوبكر، ثم عمر، وأذن لهما، وهو على حالته، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه، فقالت له عائشة ﵂ في ذلك، فقال: "ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة " (٣).

стр. 40

وكان يقول أيضاً: "إنه رجل حيي" (١). ولم يكتف عثمان ﵁ بالقيام بفرائض الإسلام من صلاة وصيام ودفع الزكاة بل قدم الغالي والرخيص في سبيل نشر الإسلام، ونصرة المسلمين؛ فقد بذل في عهد رسول الله ﷺ الكثير من ماله، نصرة للإسلام وعوناً للمسلمين. فمن ذلك أنه لما قدم المهاجرون إلى المدينة، لم يكن بها ماء يستعذب غير بئر تسمى (رومة) (٢) ولم يكن يومئذ مال للمسلمين، فقال النبي ﷺ : "من يشتري بئر رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير منها في الجنة"، فاشتراها عثمان ﵁ من صلب ماله" (٣). ومن ذلك ما كان منه في غزوة تبوك، فلما تهيأ النبي ﷺ للغزوة نقصت المؤن فقال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة"، فلما سمع عثمان ذلك، وكان رجلاً موسراً جهزه. فجاء وهو يحمل ألف دينار، فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل -عليه
следующие страницы →