قريش الذين يعبدون الأصنام، فنبذ في نفسه ما هم عليه من شرك ووثنية، وعادات قذرة.
فتجنب أرجاسهم الجاهلية، فلم يزن، ولم يقتل قط (١) ولما أمر الله رسوله ﷺ بالدعوة إلى الله، ودخل أبوبكر الصديق في الإسلام، ذهب إلى عثمان ﵄ يدعوه إلى الإسلام، فتأمل عثمان في هذه الدعوة بهدوء كعادته في معالجة الأمور، فوجد أنها دعوة إلى الفضيلة، ونبذ الرذيلة، دعوة إلى التوحيد، وتحذير من الشرك، دعوة إلى العبادة وترهيب من الغفلة، ودعوة إلى الأخلاق الفاضلة، وترهيب من الأخلاق السيئة.
ثم نظر إلى قومه، فإذا هم يعبدون الأوثان، ويأكلون الميتة، ويسيئون الجوار، ويستحلون المحارم من سفك الدماء وغيرها (٢).
وإذا بالنبي محمد بن عبد الله ﷺ صادق أمين، يعرف عنه كل خير، ولا يعرف عنه شر قط، فلم تُعهد عليه كذبة، ولم تحسب عليه خيانة، فإذا هو يدعو إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، وإلى صلة الرحم، وحسن الجوار، والصلاة والصوم، وألا يعبد غير الله (٣).
стр. 37
فأسلم عثمان على يد أبي بكر الصديق ﵁ فكان من السابقين الأولين إلى الإسلام (١).
فلم يدعه قومه، بل آذوه، وعذبوه مع إخوانه المؤمنين السابقين إلى الإسلام، وعدوا عليه، وفتنوهم في دينهم ليردوهم إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن يستحلوا من الخبائث، فلما ازداد عليهم الأذى والتعذيب، وقهروهم، وظلموهم وضيقوا عليهم، وحالوا بينهم وبين دينهم (٢) خرجوا إلى الحبشة، وفي مقدمتهم عثمان بن عفان ﵁ ومعه زوجه رقية بنت النبي محمد بن عبد الله ﷺ ورضي عنها (٣) فكان أول من هاجر بأهله من هذه الأمة (٤).
فرَّ بدينه تاركاً وطنه وأهله، في سبيل التمسك بدينه وعقيدته، مما يبين مدى إيمانه ويقينه وتعلقه بربه وآخرته.
تحمل الغربة، وفقد مركزه التجاري، ومكانته الاجتماعية، بين أهل مكة، وشخصيته المرموقة، وانتقل إلى بلاد غير بلاده لله، وفي الله لا لتجارة دنيوية، ولا لربح مادي، إنما لتجارة أخروية؛ للفوز بالجنة والنجاة
стр. 38
من النار.
ثم لما أشيع أن أهل مكة قد أسلموا، وبلغ ذلك مهاجري الحبشة، أقبلوا حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فدخلوا في جوار بعض أهل مكة، وكان فيمن رجع عثمان بن عفان وزوجه رقية ﵄ (١).
وبقي عثمان في مكة، يلقى الأذى والقهر من أهل مكة، ولم يرده ذلك عن دينه حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة النبوية ومعه الصحابة ﵃ فهاجر معهم عثمان، فكان ممن هاجر الهجرتين (٢).
وثبت ﵁ على إيمانه، بل كان إيمانه يزداد يوماً بعد يوم، ومكث في المدينة، لا يفارقها إلا ويسارع إلى العودة إليها، فقد صحح الحافظ ابن حجر عنه أنه كان لا يودع النساء -أي: وهو خارج من مكة- إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج خشية أن يرجع في هجرته (٣).
وكان له في عهد النبي ﷺ مكانة عالية، يعرفها الصحابة - رضوان الله عليهم - وينزلونه إياها، وفي ذلك يقول ابن عمر ﵄: "كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان
стр. 39
ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا نفاضل بينهم " (١).
ومما يبين مكانة عثمان ﵁ عند النبي ﷺ أنه كان ذات يوم قاعداً في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه (أو ركبته) فلما دخل عثمان غطاها (٢).
وكان ذات يوم مضطجعاً في بيت عائشة ﵂ كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبوبكر، ثم عمر، وأذن لهما، وهو على حالته، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه، فقالت له عائشة ﵂ في ذلك، فقال: "ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة " (٣).
стр. 40
وكان يقول أيضاً: "إنه رجل حيي" (١).
ولم يكتف عثمان ﵁ بالقيام بفرائض الإسلام من صلاة وصيام ودفع الزكاة بل قدم الغالي والرخيص في سبيل نشر الإسلام، ونصرة المسلمين؛ فقد بذل في عهد رسول الله ﷺ الكثير من ماله، نصرة للإسلام وعوناً للمسلمين.
فمن ذلك أنه لما قدم المهاجرون إلى المدينة، لم يكن بها ماء يستعذب غير بئر تسمى (رومة) (٢) ولم يكن يومئذ مال للمسلمين، فقال النبي ﷺ : "من يشتري بئر رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير منها في الجنة"، فاشتراها عثمان ﵁ من صلب ماله" (٣).
ومن ذلك ما كان منه في غزوة تبوك، فلما تهيأ النبي ﷺ للغزوة نقصت المؤن فقال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة"، فلما سمع عثمان ذلك، وكان رجلاً موسراً جهزه.
فجاء وهو يحمل ألف دينار، فصبها في حجر النبي ﷺ فجعل -عليه
стр. 41
الصلاة والسلام- يقلبها بيده ويقول: "ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم، يرددها مراراً" (١).
وشهد ﵁ مع النبي ﷺ المواقع كلها، فلم يتخلف عن غزواته إلا بأمر منه في غزوة بدر.
فقد أمره بالبقاء في المدينة، لتمريض (٢) زوجه رقية بنت النبي ﷺ ، وضرب له بسهم في الغنيمة والأجر، فامتثل الأمر وبقي في المدينة يمرضها، فلما توفيت (٣) وخرج لدفنها، جاء البشير بانتصار المسلمين في بدر، فلما عاد النبي ﷺ زوجه بأختها أم كلثوم ﵂ فلذلك كان يلقب بذي النورين (٤).
واستمر عثمان ﵁ على ذلك طوال العهد النبوي، وكان ﵊ يخبره ويخبر غيره من الصحابة رضوان الله عليهم المرة تلو الأخرى، بأن فتنة ستقع يكون فيها عثمان وأصحابه على الحق، ويشير عليهم باتباعه عند وقوعها.
стр. 42
وإخبار النبي ﷺ بوقوع هذه الفتنة التي يقتل فيها عثمان ﵁، يُعدّ ضمن قائمة كبيرة من الحوادث التي أخبر ﵊ في حياته بأنها ستقع بعد وفاته (١) ووقع عدد منها، وما بقي منها سيقع حتماً ولو بعد حين.
ولا يدل ذلك على علم النبي ﷺ بالغيب فإن علم الغيب صفة من صفات الله جل وعلا، ليست لأحد من خلقه، وإنما ذلك علم أطلعه الله عليه وأمره أن يبينه للناس، كما أمره أن يبين للناس أنه لا يعلم الغيب المستقبل، وأنه لا اطلاع له على شيء من الغيب إلا ما أطلعه هو عليه (٢).
وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣).
وهذه المشيئة منه تعمُّ الرسول الملكي والبشري. وبذلك يفهم قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا
стр. 43
شَاءَ﴾ (١).
وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (٢).
فمما صح عن رسول الله ﷺ في وقوع فتنة يقتل فيها عثمان بن عفان ﵁، ما رواه عبد الله بن عمر ﵄، قال: "ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل فقال: يقتل فيها هذا المقنع يومئذٍ، قال: فنظرت، فإذا هو عثمان بن عفان" (٣).
ويروي كعب بن مرة (٤) البهزي ﵁ قصة مشابهة لهذه القصة، فقد سمع رسول الله ﷺ يذكر فتنة فقرَّبها: فمرّ عثمان مقنَّعاً فقال النبي ﷺ ، وهو يشير إلى عثمان: "هذا يومئذ وأصحابه على الحق والهدى".
وسواء أكانت هاتان الروايتان لقصتين اثنتين أم لواحدة، فإنَّ إخبار
стр. 44
النبي ﷺ بقتل عثمان ﵁ في هذه الفتنة ثابت في كلتا القصتين، وتضيف رواية كعب بأنه وأصحابه على الحق في هذه الفتنة.
مما دفع كعباً إلى زيادة التحري من الشخص المقصود بقول النبي ﷺ فقام إلى هذا الرجل، وأخذ بضبعيه، فإذا هو عثمان بن عفان، فاستقبل به النبي ﷺ وقال: هذا؟ فقال له النبي ﷺ : هذا (١).
وقد تأخرت وفاة كعب ﵁ إلى ما بعد الخمسين من الهجرة، ولم يرد أنه حضر يوم الدار ليخبر بهذا الحديث الناس ليرجع المغرر به منهم، فلعله كان في الشام حيث إنَّ وفاته كانت فيها.
ويبدو أنَّ تحديث كعب للناس بهذا الحديث، لم يكن إلا بعد الفتنة بسنوات، نستشف ذلك من خلال رواته عنه، فقد رواه عنه كل من: محمد بن سيرين (٢) وعبد الله بن شقيق (٣) وأبو الأشعث الصنعاني (٤)
ومحمد بن سيرين ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان ﵁، فإذا قدرنا سماعه منه وهو في الرابعة عشرة، فإنه يكون قد حدثه به بعد الفتنة باثنتي عشرة سنة.
стр. 45
أما رواية أبي الأشعث فجزماً بأنها كانت، بعد الفتنة، فإن مضمون الرواية ينص على أنها كانت في خلافة معاوية ﵁، وعبد الله بن شقيق من طبقتهما.
ومنها ما رواه أبو هريرة ﵁ وذلك عندما استأذن عثمان يوم الدار للحديث، فلما أذن له قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافاً، فقال قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟، فقال: عليكم بالأمين وأصحابه وهو يشير إلى عثمان بذلك" (١).
ومن هذه الروايات ما يحدد فيه النبي ﷺ تاريخ وقوع هذه الفتنة وذلك فيما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تدور رحى (٢) الإسلام على رأس خمس وثلاثين أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين … " (٣).
стр. 46
فهذا الحديث، يدل دلالة واضحة على أن الفتنة ستقع في سنة من هذه السنوات الثلاث. ويحتمل أن الشك إنما أتى من قبل أحد رواة الحديث، وعلى فرض صحة نسبة الشك إلى النبي ﷺ فالمعنى: أن ذلك يكون فيما يشاء الله من تلك السنين.
ويحتمل أن يكون في الحديث تصحيف، وذلك بزيادة الهمزة قبل الواو، وأن الواو للعطف، فتكون هذه السنوات الثلاث كلها سني فتنة، والتاريخ يشهد لذلك فقد وقعت في هذه السنوات الثلاث، فتنة قتل عثمان ﵁، والفتن التي قامت في عهد علي ﵁ وموقعة الجمل، وصفين.
وشاء الله ذلك في السنة الخامسة والثلاثين، باشتعال الفتنة التي انتهت بقتل عثمان ﵁ (١).
ومن هذه الأحاديث ما يقرن فيه النبي ﷺ هذه الفتنة بفتنة الدجال من حيث قوة اجتذابها للناس، وافتتانهم بها، وأن من ينجو منها فقد نجا.
وذلك فيما رواه عبد الله بن حوالة (٢) ﵁ عن النبي ﷺ
стр. 47
قال:
"من نجا من ثلاث فقد نجا - ثلاث مرات - موتي، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطيه" (١).
ومعلوم أن الخليفة الذي قُتل مصطبراً بالحق، معطياً القتل، أو الحق إنما هو عثمان بن عفان ﵁.
فالقرائن تدل على أن الخليفة المقصود بهذا الحديث، هو عثمان بن عفان ﵁.
وفي الحديث - والله أعلم - لفتة عظيمة، إلى أهمية السلامة من الخوض في هذه الفتنة حسياً ومعنوياً، أما حسياً فذلك يكون في زمن الفتنة، من تحريض وتأليب، وقتل وغير ذلك.
وأما معنوياً فبعد الفتنة من خوض فيها بالباطل، وكلام فيها بغير حق، وبهذا يكون الحدث عاماً للأمة، وليس خاصاً بمن أدرك الفتنة والله أعلم.
ومن الأحاديث التي أخبر فيها النبي ﷺ عن وقوع استشهاد عثمان بن عفان ﵁ ما روى أبو موسى الأشعري ﵁ أن
стр. 48
النبي ﷺ أمره أن يبشر عثمان بالجنة على بلوى تصيبه (١).
وما روى أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كان ذات يوم على أحد (٢) ومعه أبوبكر، وعمر، وعثمان، فرجف الجبل، فقال النبي ﷺ :
"اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان" (٣).
فالنبي والصديق معروفان، ولم يبق لعمر وعثمان ﵄ إلا الصفة الثالثة، وهي الشهادة. فهذه شهادة من النبي ﷺ صريحة لعثمان ﵁ بالاستشهاد في سبيل الله، وقد تكررت هذه الشهادة في قصة أخرى مرة ثانية، وعلى جبل آخر، وهو حراء (٤).
стр. 49
فقد روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ كان ذات يوم على حراء ومعه أبوبكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : "اهدأ فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد" (١).
وتحقق ما قاله ﷺ فقد استشهد كل من عمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير.
ولعلم النبي ﷺ بوقوع هذه الفتنة - بإخبار الله له -، ولشدة محبته لعثمان ﵁، وحرصه على مصالح الأمة بعده، دعاه - ذات يوم - وأخبره بأشياء تتعلق بهذه الفتنة التي ستنتهي بقتله، وحرص ﵊ على سرِّيتها، حتى إنه لم يصل إلينا منها إلا ما صرح به عثمان ﵁ أثناء الفتنة لما قيل له: ألا تقاتل؟ فقد قال: لا، إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهداً، وإني صابر نفسي عليه (٢).
стр. 50
ويظهر من قوله هذا، أن النبي ﷺ قد أرشده إلى الموقف الصحيح، عند اشتعال الفتنة، وذلك أخذاً منه ﷺ بحجز الفتنة أن تنطلق.
وفي بعض الروايات زيادة تكشف عن بعض مكنون هذه المسارَّة، فقد جاء فيها أن النبي ﷺ قال له: "وإن سألوك أن تنخلع من قميص قمصك الله فلا تفعل " (١).
ولا يدل ذلك على أن النبي ﷺ قد عهد إلى عثمان ﵁ بعهد فيه خلافة، أو نحوها، كما يعتقد الروافض في علي ﵁، بل مضمون هذا العهد الذي ذكره عثمان ﵁ يتعلق بالفتنة، والوصية بالصبر فيها وعدم الخلع كما تقدم.
وإن كان يفهم من هذه الأحاديث بأنه سيكون خليفة يوماً ما.
ويبدو أن هناك وصايا، وإرشادات تتعلق بهذه الفتنة، انفرد بمعرفتها عثمان ﵁، وذلك محافظة من النبي ﷺ على السرِّية فيها، ومما
стр. 51
يبين ذلك أنه أمر عائشة ﵂ بالانصراف (١) عندما أراد الإسرار بها لعثمان ﵁.
كما أنه أسرَّ إليه إسراراً، رغم خلو المكان من غيرهما، حتى تغير لونه، مما يدل على عظم المسرِّ به، وربط عائشة ﵂ هذا الإسرار بالفتنة دليل واضح على أن هذه المسارة كانت حول الفتنة التي قتل فيها.
فإنها ﵂ كانت تسمع بعضاً منها، وفي ذلك تقول: فلم أحفظ من قوله إلا أنه قال: "وإن سألوك أن تنخلع من قميص قمصك الله فلا تفعل" (٢).
وهذا دليل على أن الإسرار تضمن توجيهات منه ﷺ ، إلى عثمان ليقف الموقف الصحيح عند عرض الخلع عليه.
وأن النبي ﷺ لم يقتصر فيه على الإخبار بوقوع الفتنة، فقد أخبر بذلك علانية - كما تقدم - فإسراره يدل على أن هذا الإسرار، تضمن أشياء أخرى زيادة على الإخبار عن وقوعها، ورغب ﵊ بالمحافظة على سريتها لحكمة اقتضت ذلك الله أعلم بها.
وهذا الحديث يفسر لنا جلياً سبب إصرار عثمان على رفض القتال
стр. 52
أثناء الحصار كما يفسر أيضاً سبب رفضه للتنازل عن الخلافة، وخلعها، عندما عرض القوم عليه ذلك.
وهما موقفان طالما تساءل الباحثون عن السبب الذي أدى عثمان إليهما واستشكلوهما.
وهذا كله يفرض علينا زيادة في الاحتياط، والتحفظ عند الحديث عن مواقف عثمان ﵁ يوم الدار، إذ قد تكون تلك المواقف عملاً بنصائح وإرشادات النبي ﷺ ، بل إن بعضها يُجزم بأنه كذلك، كما في رفض الخلع.
هذا ما وقفت عليه من الأحاديث الصحيحة، عن النبي ﷺ التي تتعلق بفتنة مقتل عثمان ﵁، وقد رُويت أحاديث أخرى، تَبَيّن لي بعد تحقيقها أنها ساقطة الأسانيد لا تصلح للاستدلال بها (١).
ولا شك أن عثمان ﵁ بعد سماعه لهذه الأحاديث، أيقن بتحقق ذلك يوماً ما، وإن طال الزمان، فكان ينتظر وقوعه بين حين وآخر.
أنّه سيقتل ظلماً في فتنة تشتعل في خلافته، ويكون فيها على الحق هو وأصحابه، والنبي ﷺ أوصى باتباعه عند وقوع هذه الفتنة، إنها أخبار تخص عثمان ﵁ تفرحه فرحة مشوبة بالقلق، فمتى وكيف
стр. 53
سيكون ذلك؟
عثمان ﵁ رجل عاقل، حيي - بل شديد الحياء -، لم ينازع في الإمارة لا في جاهلية وفي إسلام، فلم ينازع أشراف مكة الرئاسة، ولم يطمع فيها، فإن خلقه، وسمته يأبيان عليه ذلك، ورغم ذلك فإنه سيكون أميراً، - وإن كره - لم تدفعه تلك الأخبار إلى التتوق، والتطلع إلى الخلافة، فلم يناقش، ولم ينازع عندما توفي الرسول ﷺ ، ولم يتقدم بما معه من أدلة على أنه سيكون خليفة -يوما ما- بإخبار من النبي ﷺ ، بل بايع مع باقي المسلمين أبا بكر الصديق، ثم عمر ﵂؛ فإنه يعلم فضلهما عليه وأحقيتهما بالخلافة قبله، وأنه لم يحن وقته.
وقضى أيام خلافتيهما، وهو على أحسن سيرة، حتى استشهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁، على يد مجوسي حاقد (١).
وفي تلك الآونة بدأ المجتمع الإسلامي يصيبه بعض التغيير، فالإسلام انتشر وغزا بلاد الفرس، والروم، وفتحت بلادهم، وتظاهر بعض منهم بالإسلام، وأبطنوا الكفر، وكانوا يخططون لهدم الإسلام، والوقيعة بأهله، فكان من ذلك استشهاد عمر ﵁ على يد أحدهم.
وفي أثناء مرض عمر بن الخطاب ﵁ على إثر طعنة ذلك العلج المجوسي، دخل عليه عدد من الصحابة ﵃ فقالوا له:
стр. 54
أوص يا أمير المؤمنين: استخلف.
قال: "ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر - أو الرهط - الذين توفى رسول الله ﷺ وهو عنهم راض" فسمى عثمان وعلياً والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن.
وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء - كهيئة التعزية له - فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمِّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة.
وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار خيراً، الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يَقبل من محسنهم، وأن يُعفى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيراً، فإنهم ردء الإسلام، وجباة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم إلا فضلهم عن رضاهم.
وأوصيه بالأعراب خيراً، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، وأن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويُرد على فقرائهم.
وأوصيه بذمة الله، ورسوله ﷺ أن يوفي لهم بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفون إلا طاقتهم.
فلما قبض، خرج الصحابة ﵃ به فانطلقوا يمشون، فسلم عبد الله بن عمر بن
стр. 55
الخطاب ﵄ قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه (١) فأُدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه. فلما فُرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط.
فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.
فقال عبد الرحمن بن عوف: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان (٢) فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إلي والله علي أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم.
فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمّرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن.
ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق. قال: ارفع يدك يا
стр. 56
عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه (١).
وفي رواية أخرى للبخاري - أيضاً - أن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال لأهل الشورى:
لست بالذي أنافسكم على هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم. فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن، حتى لم ير أن أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحوا منها، بايعوا عثمان ﵁.
وفي هذه الرواية يقول المسور بن مخرمة ﵁: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استيقظت، فقال: أراك نائماً، فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث (٢) بكثير نوم. انطلق فادع الزبير وسعداً، فدعوتهما له، فشاورهما، ثم دعاني، فقال: ادع علياً، فدعوته فناجاه حتى ابهارَّ الليل (٣).
ثم قام علي من عنده، وهو على طمع، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً. ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح. فلما صلى للناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند
стр. 57
المنبر، فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين، والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد - وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر - فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال:
أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً. فقال: أبايعك على سنة الله، وسنة رسوله، والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن بن عوف، وبايعه المهاجرون، والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون (١).
اتفق الصحابة ﵃ على بيعة عثمان بن عفان بالخلافة، وفي ذلك يقول ابن مسعود ﵁: "استخلفنا خير من بقي ولم نأله" (٢).
تولى الخلافة ﵁، وكان على خير حال، وعلى درجة قوية من الإيمان، فقد كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة فلا تبكي! وتبكي من هذا؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه" (٣)
стр. 58
وكان يطيل التهجد (١).
ولعله توقع قرب تحقق ما أخبر به النبي ﷺ ، مما دفعه إلى أن يلين في سياسته مع الناس، ويتخذ من المسامحة منهجاً في التعامل مع الرعية، تجنباً للفتن، وتخفيفاً من وطأتها إن وقعت، لأنها ستقع حتماً، لإخبار النبي ﷺ بوقوعها.
سار ﵁ على هذه السياسة طوال فترة خلافته، ومع ذلك تحقق ما أخبر به النبي ﷺ ووقعت الفتنة المنتظرة.
وذلك في آخر عام من خلافة عثمان ﵁.
أترى كيف وقعت، وما موقف عثمان فيها؟ وما مواقف الصحابة ﵃ عند اشتعالها؟ فيما يلي تفصيل لأحداث هذه الفتنة؛ مبنية على الروايات الصحيحة والحسنة الواردة فيها.
стр. 59
الباب الأول: مسوغات الخروج وبدء الفتنة
стр. 60
الفصل الأول: مسوغات الخروج على عثمان
стр. 61
تمهيد:
قبل الخوض في تفاصيل الفتنة، أود أن القي نظرة فاحصة على ما تناقلته المصادر، والمراجع حول مسوغات خروج الخارجين على الخليفة عثمان ﵁، فإن سبر هذه المسوغات التي ذاعت بين الناس يصنفها إلى ثلاثة أصناف من حيث صحة وضعف وقوعها من الخارجين عليه.
الأول: معايب صح أن الخارجين عليه أظهروا تسويغهم الخروج عليه بها أو عابوها عليه فقط.
الثاني: معايب لم يصح أن الخارجين عليه سوغوا بها خروجهم عليه، وورد ذكرها في روايات ضعيفة الأسانيد.
الثالث: معايب لم أقف على إسناد لها، واشتهر في المصادر والمراجع المتأخرة عن الحادثة دون إسناد أن الخارجين عليه سوغوا خروجهم بها عليه.
وهذه المعايب - بأصنافها الثلاثة- منها ما هو مفترى عليه، ومنها ما هو منقبة له قلبتها القلوب الحاقدة إلى مثلبة، والباقي منها أمور لا يعيبه بها إلا من فسدت طويته، وقصد التسويغ لباطل أراد تنفيذه.
وفيما يلي حديث مفصل عن هذه الأصناف الثلاثة، والمسوغات التي تندرج ضمنها:
стр. 62
المبحث الأول: ما صح أن الخارجين سوغوا خروجهم عليه به أو عابوه عليه
أولاً: عدم شهوده غزوة بدر
كانت غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة، وذلك لما ندب النبي ﷺ أصحابه إلى الخروج إلى عير لقريش، وتعجل بمن كان مستعداً، دون أن ينتظر أهل العوالي لاستعجاله بالخروج (١).
ووافق ذلك أن كانت رقية ﵂ ابنة النبي ﷺ مريضة، قعيدة الفراش، وفي أمس الحاجة إلى من يمرضها ويرعى شؤونها، وخير من يصلح لذلك هو زوجها؛ لأن الزوجة لا تكتمل حريتها عند غير زوجها؛ لذلك كله أمر النبي ﵊ زوجها عثمان بن عفان ﵁ بالبقاء في المدينة بجانب زوجته ليقوم بتمريضها، وضرب له بسهمه في غزوة بدر فقال عثمان: وأجري يا رسول الله؟ فقال ﵊: "وأجرك" (٢).
стр. 63
وبذلك يتبين أن عثمان ﵁ لم يشهد غزوة بدر، ولكنه كمن شهدها لضرب النبي ﷺ له بسهم فيها، من الغنيمة والأجر.
وعلم ذلك الصحابة رضوان الله عليهم فلم يصح عن أحد منهم أنه عابه بعدم شهوده بدراً، واستمر الأمر على ذلك.
حتى انفجرت ينابيع الفتنة، وبدأ الخارجون على عثمان ﵁ يتلمسون ما يظهرون للناس أنهم سوغوا به الخروج عليه، فعابوه بعدم شهوده بدراً.
ولكن ذلك لا ينطلي إلا على الجهلة من الناس، فإن أهل البصيرة يعلمون أن عدم شهوده ﵁ هذه الغزوة إنما كان بأمر من النبي ﷺ ومن شهد بدراً لم يحصّل ذاك الأجر العظيم إلا لامتثاله أمره ﷺ فالمتخلف بأمره والشاهد بأمره سواء بسواء.
وبناء على ذلك ذكره الزهري (١) وعروة بن الزبير (٢) وموسى بن عقبة (٣) وابن إسحاق (٤) وغيرهم (٥) فيمن شهد بدراً.
стр. 64
ولما جاء أحدهم (١) إلى ابن عمر ﵄ يسأله عن حضور عثمان بدراً، أجابه بأنه لم يشهدها، فكبر السائل فرَحاً وشماتةً بعثمان، فناداه ابن عمر ﵄ وبيّن له أن تخلف عثمان هذا لم يكن من قِبله، إنما كان بأمر من رسول الله ﷺ فلا يُعدّ عيباً فيه، فقال له: وأما تغيبه عن بدر، فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له النبي ﷺ : "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه" (٢).
فلم يتخلف عثمان عن غزوة بدر رغبة عن الأجر، ولا جُبناً، ولا خوفاً، وإنما تديناً وطاعة لرسول الله ﷺ .
كما أن النفير -كما تقدم- لم يكن عاماً، وبسبب ذلك تخلف عن بدر كثير من الصحابة رضوان الله عليهم ممن كانوا في العوالي، وممن لم يحضروا ساعة الاستعداد للرحيل، لشدة استعجال النبي ﷺ ؛ خشية أن تفوت العير فلا يدركونها.
فعدم حضور بدر ليس بعيب في آحاد الصحابة رضوان الله عليهم
стр. 65
الذين لم يأمرهم رسول الله ﷺ بالقعود في المدينة؛ فكيف يكون عيباً فيمن قعد لأمر رسول الله ﷺ .
ومما يكشف زيف استساغتهم الخروج عليه، بعدم شهوده بدراً، عدم عيبهم لسائر المتخلفين عنها الذين لم يتهيأ لهم الخروج إليها، وإن كان ذلك لعذر، فإن عذر عثمان ﵁ أقوى من عذرهم، فلم ينقل لنا شيء من هذا، مما يؤكد لنا أن القوم يتصيدون ما يمهدون به للخروج على الخليفة فحسب.
والتخلف عن شهود غزوات النبي ﷺ مع العذر، ممن لديه رغبة صادقة في شهودها، لا يوقع حرجاً على صاحبه، إذا كان ناصحاً لله ورسوله، وقد بين الله جل وعلا ذلك في قوله:
﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (١).
فليس على هؤلاء سبيل، بل شهد الله لهم بالإحسان.
أما الذين يستأذنون النبي ﷺ للقعود عن القتال، وهم أغنياء
стр. 66
مستطيعون، ليس لهم عذر، ولكن رضوا بأن يكونوا مع المتخلفين، فهؤلاء هم الآثمون الذين يعاقبهم الله بالطبع على قلوبهم.
كما في قوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
فمن يتخلف عن غزوة من غزوات النبي ﷺ بأمر منه، ويضرب له رسول الله ﷺ بسهم في الغنيمة وفي الأجر، فإنه أولى بأن لا يكون عليه سبيل ممن تخلف عنها لعدم الاستطاعة والقدرة.
ثم لو كان قد أخطأ فتخلف عن غزوة بدر بدون عذر، فإن ذلك لا يسوغ قتله صبراً، ولا يسوغ الخروج عليه وهو خليفة؟!
ولو كان عثمان ﵁ آثما لتخلفه عن غزوة بدر؛ فلم لم يعاتبه رسول الله ﷺ على ذلك؟ فهل هؤلاء الطاعنون فيه بهذا السبب أعرف بدين الله من رسول الله ﷺ ؟!
وهم أوباش الناس، ليست لهم صحبة ولا فضل، ولم يعرفوا بخير قط، ولولا الفتنة ما عرفوا ولا ذكروا.
ويستنبط المتجرد من الهوى والتعصب ضد عثمان ﵁ مِنْ عدم شهوده بدراً، فضلاً ومزيَّة له على من شهدها، وذلك من جهة أن له
стр. 67
مثل ما لهم من الأجر الدنيوي والأخروي، ومن جهة امتثاله لأمر النبي ﷺ بالقعود عنها، ومن جهة قيامه بعمل من أفضل القربات، وهو تمريض زوجته ابنة رسول الله ﷺ .
يقول أبو نعيم: "وإن طُعن عليه بتغيبه عن بدر، وعن بيعة الرضوان، قيل له: الغيبة التي يستحق بها العيب: هو أن يقصد مخالفة الرسول ﷺ ؛ لأن الفضل الذي حازه أهل بدر في شهود بدر؛ طاعة الرسول ﷺ ومتابعته، ولولا طاعة الرسول ومتابعته لكان كل من شهد بدراً من الكفار كان لهم الفضل والشرف، وإنما الطاعة التي بلغت بهم الفضيلة، وهو كان ﵁ خرج فيمن خرج فردَّه الرسول ﷺ للقيام على ابنته، فكان في أجلِّ فرض؛ لطاعته لرسول الله ﷺ وتخليفه، وقد ضرب له بسهمه وأجره، فشاركهم في الغنيمة والفضل والأجر، ولطاعته الله ورسوله وانقياده لهما" (١).
стр. 68
ثانياً: توليه يوم أحد عن المعركة
ومنها توليه عن القتال، في معركة أحد التي وقعت في شهر شوال من العام الثالث للهجرة، بين المسلمين، والمشركين بالقرب من جبل أحد، الذي يقع شمال المدينة النبوية.
وكان المسلمون قد انتصروا في أول المعركة، وقتلوا عدداً من المشركين، وفي ذلك يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (١).
ونتيجة لمخالفة أمر النبي ﷺ من بعض المقاتلين فقد المسلمون مواقعهم، وأخذوا يقاتلون دون تخطيط، فلم يستطيعوا تمييز بعضهم من بعض وأسقط في أيديهم، ففر كثيرون منهم من ميدان القتال، وانتحى بعضهم جانباً دون قتال، في حين آثر آخرون الموت على الحياة فقاتلوا حتى الموت (٢).
وقد ذكر الله جل وعلا خبر فرار من فر، وعفوه عنهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ
стр. 69
بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١).
فبين الله أنه قد عفا عن جميع المتولين يوم أحد، فدخل فيهم من هو دون عثمان في الفضل والسابقية، فكيف لا يدخل هو مع فضله، وسابقته، وكثرة حسناته (٢).
ولكن الخارجين عليه لم يعبؤوا بهذا العفو من الله، بل أظهروا وأشاعوا أنهم نقموا عليه فراره يوم أحد، مما يدل دلالة واضحة على أن تسويغهم ليس بتسويغ مجتهد مخطئ، أو تسويغ متحمس ضال، إنما هو تسويغ مضل مفسد يتلمس ما يسوغ به إفساده.
وإلا لما عابوا عليه أمراً قد عفا الله عنه وغفره، ولما أشاعوا ذلك بين المسلمين على ولي أمرهم أمير المؤمنين خليفة رسول الله ﷺ .
كما أن فراره يوم أحد لا يُحل قتله، فكيف وقد غفر الله له، ولو استحق ذلك لما ترك رسول الله ﷺ معاقبته، ولما بايعه الصحابة جميعاً بالخلافة.
فلم ير الصحابة ﵃ في موقفه بأحد ما يستوجب التردد في بيعته بعد عفو الله عنه وعن سائر الفارين.
بل رأوا في مواقفه الأخرى، ما يقدمه إلى أعظم مسؤوليات الدولة، وهي: الخلافة.
стр. 70
ولكن الخارجين عليه كانوا يفتشون عن مسوغات للفتنة، والتمرد، وقتل الخليفة، فتشبثوا بهذا الأمر وبغيره من المسوغات الواهية الأخرى.
مما يبين جلياً أن الشيطان قد استحوذ عليهم، حتى أنساهم ذكر الله (١) وزين لهم أعمالهم فأضلهم عن السبيل، وهم يحسبون أنهم مهتدون.
ولما سأل ذلك الخارجي (٢) ابن عمر ﵄ عن فرار عثمان يوم أحد، شهد ابن عمر على فراره؛ فكبر الخارجي شماتة بعثمان، فقال له ابن عمر: تعال لأخبرك، ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد، فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له … اذهب بها الآن معك (٣).
стр. 71
ثالثاً: تخلفه عن بيعة الرضوان:
ومنها تخلفه عن بيعة الرضوان (١) وقد كانت بيعة الرضوان في مستهل ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، تحت شجرة سمرة في مكان بالقرب من مكة يسمّى بالحديبية (٢).
دعا إليها النبي ﷺ بعد أن أرسل عثمان ﵁ إلى أهل مكة يفاوضهم، ويبين لهم هدف المسلمين من قدومهم، وأنه العمرة وليس القتال، فلما استبطأ النبي ﷺ عثمان، وبلغه أن المشركين قد قتلوه، بايع أصحابه على قتال المشركين ثأراً لعثمان ﵁.
ونظراً لاحتمال عدم صدق الخبر بايع النبي ﷺ بيده على اليد الأخرى عن عثمان ﵁.
وقد بيّن الله جل وعلا فضل أصحاب هذه البيعة، في آيات عديدة، كما بينه أيضا الرسول ﷺ .
فمن الآيات قوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ
стр. 72
وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (١).
ومن الأحاديث قول النبي ﷺ يوم الحديبية لمن شهدها: "أنتم خير أهل الأرض" (٢).
وقوله ﷺ : "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" (٣).
ومنذ أداء تلك البيعة للنبي ﷺ ، ظلت مفخرة لمن شهدها، يعرف الناس فضلهم وقدرهم، ومكانتهم، ولا يعاب من لم يشهدها ممن كان في المدينة، وغيرها من المسلمين، ولما بدأ الناس في الطعن على عثمان ﵁، وتلمسوا ما يعيبونه به، أظهروا أنهم استساغوا الخروج عليه بعدة أمور: منها المفتراة، ومنها ما هو منقبة له في الحقيقة.
وعدم شهوده بيعة الرضوان هو من هذا الصنف الأخير، فإن عدم شهوده إياها فيه ما يدل على سموّ مكانته عند رسول الله ﷺ ، وليس فيه منقصة له.
لكن أفهام القوم قاصرة، وقلوبهم حاقدة، حتى إن أحدهم جاء إلى ابن عمر ﵄ يناشده: أَشَهِد عثمان ﵁ بيعة الرضوان؟.
стр. 73
فقال له ابن عمر: لا، وقبل انصراف الرجل، بيّن له ابن عمر ﵄ أن عدم شهوده البيعة لا يعدّ عيباً فيه، بل منقبة له، فإن سبب تغيبه عنها هو أن النبي ﷺ بعثه إلى أهل مكة، وبايع النبي ﷺ بإحدى يديه لعثمان (١) فَيَدُ رسول الله ﷺ خير من يد من بايع بيده.
وفي ذلك يقول أبو نعيم: "وأما بيعة الرضوان فلأجل عثمان ﵁ وقعت هذه المبايعة، وذلك أن النبي ﷺ بعثه رسولاً إلى أهل مكة لِمَا اختص به من السؤدد والدين، ووفور العشيرة، وأُخبِر الرسول ﷺ بقتله، فبايع رسول الله ﷺ والمسلمون له على الموت ليوافوا أهل مكة (٢).
فعدم حضور عثمان ﵁ بيعة الرضوان يُعَدّ منقبة له وليس مثلبة فيه، ولكن القلوب الحاقدة قلبتها إلى مثلبة وعابته بها.
وتتلخص هذه المنقبة في أمور أربعة:
الأول: أن النبي ﷺ اختاره لأداء تلك المهمة، وهذا دليل على فضله ﵁ وصلاحيته لها.
الثاني: أنه من أهل بيعة الرضوان؛ لأن النبي ﷺ بايع له بإحدى يديه
стр. 74
على الأخرى.
الثالث: أنه ﵁ امتاز على باقي أصحاب الشجرة بأن النبي بايع عنه بيده الأخرى، فيد النبي ﷺ خير من أيديهم ﵃ أجمعين.
الرابع: أن البيعة إنما عقدت من أجله مما يبين مكانته عند النبي ﷺ .
стр. 75
رابعاً: حميه الحمى:
ومنها حميه الحمى (١) فلما قدم أهل مصر المدينةَ، واستقبلهم عثمان ﵁ قالوا له: ادع بالمصحف، فدعا به، فقالوا: افتح السابعة - وكانوا يسمون سورة يونس السابعة - فقرأ حتى أتى قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٢).
فقالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله تفتري؟.
فقال عثمان ﵁: امضه نزلت في كذا وكذا (٣) فأما الحمى، فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لِما زاد من إبل الصدقة، امضه .. (٤).
ورُوي أن عائشة ﵂ قالت للخارجين على عثمان ﵁: اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له: إنكم عبتم على عثمان في ثلاث