← История

История · id 12047

فتنة مقتل عثمان بن عفان

محمد بن عبد الله غبان الصبحي

Полный текст (883 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ثالثاً: تخلفه عن بيعة الرضوان: ومنها تخلفه عن بيعة الرضوان (١) وقد كانت بيعة الرضوان في مستهل ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، تحت شجرة سمرة في مكان بالقرب من مكة يسمّى بالحديبية (٢). دعا إليها النبي ﷺ بعد أن أرسل عثمان ﵁ إلى أهل مكة يفاوضهم، ويبين لهم هدف المسلمين من قدومهم، وأنه العمرة وليس القتال، فلما استبطأ النبي ﷺ عثمان، وبلغه أن المشركين قد قتلوه، بايع أصحابه على قتال المشركين ثأراً لعثمان ﵁. ونظراً لاحتمال عدم صدق الخبر بايع النبي ﷺ بيده على اليد الأخرى عن عثمان ﵁. وقد بيّن الله جل وعلا فضل أصحاب هذه البيعة، في آيات عديدة، كما بينه أيضا الرسول ﷺ . فمن الآيات قوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ

стр. 72

وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (١). ومن الأحاديث قول النبي ﷺ يوم الحديبية لمن شهدها: "أنتم خير أهل الأرض" (٢). وقوله ﷺ : "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" (٣). ومنذ أداء تلك البيعة للنبي ﷺ ، ظلت مفخرة لمن شهدها، يعرف الناس فضلهم وقدرهم، ومكانتهم، ولا يعاب من لم يشهدها ممن كان في المدينة، وغيرها من المسلمين، ولما بدأ الناس في الطعن على عثمان ﵁، وتلمسوا ما يعيبونه به، أظهروا أنهم استساغوا الخروج عليه بعدة أمور: منها المفتراة، ومنها ما هو منقبة له في الحقيقة. وعدم شهوده بيعة الرضوان هو من هذا الصنف الأخير، فإن عدم شهوده إياها فيه ما يدل على سموّ مكانته عند رسول الله ﷺ ، وليس فيه منقصة له. لكن أفهام القوم قاصرة، وقلوبهم حاقدة، حتى إن أحدهم جاء إلى ابن عمر ﵄ يناشده: أَشَهِد عثمان ﵁ بيعة الرضوان؟.

стр. 73

فقال له ابن عمر: لا، وقبل انصراف الرجل، بيّن له ابن عمر ﵄ أن عدم شهوده البيعة لا يعدّ عيباً فيه، بل منقبة له، فإن سبب تغيبه عنها هو أن النبي ﷺ بعثه إلى أهل مكة، وبايع النبي ﷺ بإحدى يديه لعثمان (١) فَيَدُ رسول الله ﷺ خير من يد من بايع بيده. وفي ذلك يقول أبو نعيم: "وأما بيعة الرضوان فلأجل عثمان ﵁ وقعت هذه المبايعة، وذلك أن النبي ﷺ بعثه رسولاً إلى أهل مكة لِمَا اختص به من السؤدد والدين، ووفور العشيرة، وأُخبِر الرسول ﷺ بقتله، فبايع رسول الله ﷺ والمسلمون له على الموت ليوافوا أهل مكة (٢). فعدم حضور عثمان ﵁ بيعة الرضوان يُعَدّ منقبة له وليس مثلبة فيه، ولكن القلوب الحاقدة قلبتها إلى مثلبة وعابته بها. وتتلخص هذه المنقبة في أمور أربعة: الأول: أن النبي ﷺ اختاره لأداء تلك المهمة، وهذا دليل على فضله ﵁ وصلاحيته لها. الثاني: أنه من أهل بيعة الرضوان؛ لأن النبي ﷺ بايع له بإحدى يديه

стр. 74

على الأخرى. الثالث: أنه ﵁ امتاز على باقي أصحاب الشجرة بأن النبي بايع عنه بيده الأخرى، فيد النبي ﷺ خير من أيديهم ﵃ أجمعين. الرابع: أن البيعة إنما عقدت من أجله مما يبين مكانته عند النبي ﷺ .

стр. 75

رابعاً: حميه الحمى: ومنها حميه الحمى (١) فلما قدم أهل مصر المدينةَ، واستقبلهم عثمان ﵁ قالوا له: ادع بالمصحف، فدعا به، فقالوا: افتح السابعة - وكانوا يسمون سورة يونس السابعة - فقرأ حتى أتى قوله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٢). فقالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحمى، آلله أذن لك أم على الله تفتري؟. فقال عثمان ﵁: امضه نزلت في كذا وكذا (٣) فأما الحمى، فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة، فزدت في الحمى لِما زاد من إبل الصدقة، امضه .. (٤). ورُوي أن عائشة ﵂ قالت للخارجين على عثمان ﵁: اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له: إنكم عبتم على عثمان في ثلاث

стр. 76

خلال .. وذكرت منها، وموضع الغمامة، أي الحمى (١). فبذلك يظهر أن الخارجين أظهروا أنهم سوغوا الخروج على عثمان بحميه الحِمى إلا أنهم لم يفصحوا عن المكان الذي حماه عثمان ﵁ ويظهر ردّ عثمان ﵁ أن المقصود حميه الحِمى لإبل الصدقة، فلم يعترضوا عليه بعد ردّه عليهم. ويذكر المحب الطبري أن المقصود: هو بقيع المدينة، وأنه منع الناس منه، وزاد في الحمى أضعاف البقيع، ولكنه لم يسنده ولم يعزه (٢) وهو متأخر بعيد عن الأحداث فقد توفى سنة (٦٩٤) هـ. وفي رد عثمان ﵁ على أهل مصر كفاية، وغنية، فقد ألقمهم حجراً فخرسوا عن الجواب، فإن عثمان ﵁ لم يبتدع في حمي الحمى، بل سبقه إليه النبي ﷺ ، ثم عمر ﵁، فقد حمى عمر ﵁ الشرف، والرّبذة (٣) لنعم الصدقة (٤) وهذا يدل على جواز

стр. 77

أصل حمي الحمى للخليفة، وهو مذهب الشافعية، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم (١). فالزيادة للحاجة جائزة -أيضاً- لجواز الأصل، وقد احتاجت إبل الصدقة في عهد الخليفة عثمان ﵁ إلى زيادة الرقعة المحمية لزيادة عدد إبل الصدقة، مما يدل على كثرة الخيرات في خلافته ﵁. ونهي النبي ﷺ عن الحمى في قوله: "لا حمى إلا لله ولرسوله" (٢) إنما هو نهي عن حمى الجاهلية الذي يخص به رئيس القبيلة نفسه دون غيره (٣). أما ما فعله عثمان ﵁ فإنما كان لمصلحة المسلمين عملاً بقول النبي ﷺ : "كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيّده راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته … فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته" (٤). ومما يذكر أنهم عابوه عليه في حمي الحمى إلا أنه لم يرد فيه إسناد (٥) ما ذكره المحب الطبري: من أنهم نقموا عليه حميه لسوق المدينة في

стр. 78

بعض ما يباع ويشترى، فقالوا: لا يشتري منه أحد النوى حتى يشتري وكيله من شراء ما يحتاج إليه عثمان ﵁ لعلف إبله (١). ثم ردّ على ذلك بقوله: "وهذا مما تُقُوِّل عليه واختلق، ولا أصل له، ولم يوجد له إسناد، وعلى تقدير صحة ذلك، يحمل على أنه فعله لإبل الصدقة، وألحقه بحمى المرعى لها؛ لأنه في معناه". كما ذكر أيضاً أنهم سوغوا خروجهم عليه بحميه البحر من أن تخرج فيه سفينة إلا في تجارته، ثم قال: "ولا يقول بذلك عاقل، وغاية ما يقال على تقدير صحة النقل في ذلك يحمل على أنها كانت ملكاً له، لأنه كان منبسطاً في التجارات، متسع المال في الجاهلية والإسلام، فما حمى البحر، وإنما حمى سفنه أن يحمل فيها متاع غير متاعه" (٢). وهذه ردود منه ﵀ على فرض صحة النقل، ولكن لم يثبت لأي شيء منها إسناد يعتد به.

стр. 79

خامساً: جمع القرآن: ورد بإسناد صحيح ما يدلّ على أن الخارجين على عثمان ﵁ كانوا يعيبون عليه جمعه للمصاحف، وأن علياً ﵁ كان يقول لهم: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً، أو قولوا له خيراً في المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا" (١). وورد بإسناد صحيح أيضاً إلى أبي مجلز المتوفي سنة (١٠٦) أو سنة (١٠٩) هـ أنه قال: "عابوا على عثمان تمزيق المصاحف، وآمنوا بما كتب إليهم" (٢). وذكر المحبّ الطبري: أن مما نقم على عثمان ﵁ إحراقه مصحف ابن مسعود، ومصحف أُبَيٍّ، وجمعه الناس على مصحف زيد بن ثابت (٣) ثم ردّ عيهم (٤). وذكر أبوبكر بن العربي: أنهم قالوا: "وابتدع في جمع القرآن وتأليفه، وفي حرق المصاحف" (٥) ثم ردّ عليهم (٦).

стр. 80

وقبل بيان بطلان هذا العيب الذي ألصق بعثمان ﵁، أسوق قصة جمع القرآن من بدايتها في عهد أبي بكر الصديق ﵁ إلى نهايتها في عهد الخليفة عثمان ﵁ ليتضح الأمر وينجلي. فلنعد إلى أعقاب معركة اليمامة، وذلك عندما علم عمر ﵁ أن عدداً من القراء قد استشهدوا في هذه المعركة، ففكر بعقله الواعي المتميز ببعد النظر، وسلامة التفكير في أثر هذا الحادث على الأمة الإسلامية، فخشي أن يستحر (١) القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، فجاء إلى أبي بكر الصديق ﵄ وهو الخليفة يومئذ وأبلغه بما يخشاه، ثم اقترح عليه أن يأمر بجمع القرآن، ولكن أبا بكر الصديق تردد في قبول ذلك، وقال: كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هذا والله خير، ولم يزل يراجعه حتى شرح الله صدره، ورأى رأي عمر. فأرسل إلى زيد بن ثابت ﵁ وأخبره بالحوار الذي دار مع عمر، فقال زيد ﵁: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فلم يزل يراجعه أبوبكر حتى شرح الله صدره للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. وبيَّن أبوبكر لزيد سبب اختياره للقيام بهذه المهمة العظيمة بأنه شاب عاقل لا يتهمه، وقد كان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ .

стр. 81

ثم أمره بتتبع القرآن وجمعه، وبلغ الأمر عند زيد مبلغاً عظيماً، حتى إنه كان يقول: "فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن". فانطلق زيد يتتبع القرآن يجمعه من العُسُب (١) واللِّخاف (٢) وصدور الرجال حتى أتم جمعه". فبقيت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر، وبعد وفاته انتقلت إلى عمر ﵁ وبعد استشهاده انتقلت إلى ابنته حفصة زوج النبي ﷺ (٣). واستمر الأمر على ذلك حتى مضت سنة كاملة من خلافة عثمان بن عفان ﵁ (٤) حين قام الجيش الإسلامي العراقي، والشامي بفتح أرمينية وأذْرَبيجان. وكان في هذا الجيش العظيم حذيفة بن اليمان ﵁ فرأى في صفوف الجيش وبين الجند اختلافاً في قراءة القرآن، حتى إنه سمع من

стр. 82

اختلافهم ما يكره (١). كما رأى أيضاً في البصرة نحواً من ذلك، فقد كان ذات يوم جالساً في حلقة مسجد من مساجدها، زمن ولاية الوليد بن عقبة عليها؛ فإذا هاتف يهتف: من كان يقرأ على قراءة أبي موسى فليأت الزاوية التي عند أبواب كندة، ومن كان يقرأ على قراءة عبدالله بن مسعود، فليأت هذه الزاوية التي عند دار عبدالله. فاجتمع القوم، واختلفوا في آية من سورة البقرة، قرأ أحدهم: ﴿وأتموا الحج والعمرة للبيت﴾ وقرأ آخر: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٢). فغضب حذيفة ﵁ حتى احمرّت عيناه، فقام وغرز قميصه في حجزته، وقال لرجل منهم: إما أن تركب إلى أمير المؤمنين، وإما أن أركب، فأقبل على الناس، وقال: إن الله بعث محمداً ﷺ ، فقاتل بمن أقبل من أدبر، حتى أظهر الله دينه، ثم إن الله قبضه، فطعن الناس في

стр. 83

الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف أبا بكر فكان ما شاء الله، ثم إن الله قبضه فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عمر فن-زل الناس وسط الإسلام، ثم إن الله قبضه، فطعن الناس في الإسلام طعنة جواد، ثم إن الله استخلف عثمان وأيم الله ليوشكنَّ أن تطعنوا فيه طعنة تحلقونه كله (١). وركب ﵁ إلى عثمان بن عفان (٢) فقال له: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى في الكتب، ففزع لذلك عثمان بن عفان، وجمع الصحابة - وفيهم علي بن أبي طالب ﵃ فقال: ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفراً؟. فقالوا: ما ترى؟ قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف، فقالوا: فنعم ما رأيت. فأرسل إلى حفصة ﵂ أن أرسلي إلينا بالصحف التي جُمع فيها القرآن؛ لننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها إليه. فقام يحث الناس على تسليم ما لديهم من القرآن قائلاً: أيها الناس،

стр. 84

عهدكم بنبيكم ﷺ منذ ثلاث عشرة سنة (١) وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون: قراءة أبيّ، وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، فأعزم على كل رجل منكم، ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به. فاستجاب الناس، فكان الرجل يجيء بالورقة، والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة. ثم دخل عثمان ﵁ فدعاهم رجلاً رجلاً، وناشدهم بالله: لسمعت رسول الله ﷺ وهو أمله عليك؟ فيقول: نعم. ثم قال: من أكتب الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص (٢) فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها، وقال للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا (٣) ونسخوا الصحف في المصاحف، ثم رد عثمان الصحف إلى حفصة.

стр. 85

وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق، فذلك زمان حرقت فيه المصاحف بالنار (١). وبعد أن سردت قصة جمع القرآن منذ بدايتها وحتى انتهائها، نعود إلى ما نُقل عن بعضهم من تحويل هذه الفضيلة من فضائل عثمان ﵁ إلى عيب يعاب به. فإنَّ عثمان ﵁ لم يبتدع في جمعه المصاحف؛ بل سبقه إلى ذلك أبوبكر الصديق ﵁ كما أنه لم يصنع ذلك من قبل نفسه، إنما فعله عن مشورة للصحابة ﵃ وأعجبهم هذا الفعل، وقالوا: نعم ما رأيت، وقالوا أيضاً: قد أحسن؛ أي: في فعله في المصاحف. فقد أدرك مصعبُ بن سعد صحابةَ النبي ﷺ ؛ حين مشق (٢) عثمان ﵁ المصاحف فرآهم قد أُعجبوا بهذا الفعل منه (٣). وكان علي ﵁ ينهى من يعيب على عثمان ﵁ بذلك ويقول: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً -أو

стр. 86

قولوا خيراً- فوالله ما فعل الذي فعل -أي في المصاحف- إلا عن ملأ منا جميعاً أي الصحابة … والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل (١). وبعد اتفاق هذا الجمع الفاضل من خيرة الخلق، على هذا الأمر المبارك، يتبين لكل متجرد عن الهوى، أن الواجب على المسلم الرضا بهذا الصنيع الذي صنعه عثمان ﵁ وحفظ الله به القرآن. ولم يثبت أن ابن مسعود ﵁ خالف عثمان في ذلك، وكل ما روي في ذلك ضعيف الإسناد، -حسب ما وقفت عليه من الروايات-. كما أن هذه الروايات الضعيفة التي تتضمن ذلك، تثبت أن ابن مسعود رجع إلى ما اتفق عليه الصحابة في جمع القرآن، وأنه قام في الناس وأعلن ذلك، وأمرهم بالرجوع إلى جماعة المسلمين في ذلك. وقال: إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً، ولكن ينتزعه بذهاب العلماء، وإن الله لا يجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، فجامعوهم على ما اجتمعوا عليه، فإن الحق فيما اجتمعوا عليه … وكتب بذلك إلى عثمان (٢). ولم يثبت أن عثمان ﵁ خص مصحف ابن مسعود

стр. 87

بالحرق، وعلى فرض صحة ذلك، فإن المحب الطبري يرى أن فعله ذلك دواء لمفسدة كبيرة في الدين، لكثرة ما في مصحف ابن مسعود من الشذوذ المنكر عند أهل العلم بالقرآن، وبحذفه المعوذتين من مصحفه مع الشهرة عند الصحابة أنهما في القرآن (١). ولعل سبب ذلك أن ابن مسعود كان يكتب ما يوحى من القرآن في مصحفه كلما بلغه نزول آيات منه، فاختلف ترتيبه عما امتازت به مصاحف عثمان من الترتيب بحسب العرض الأخير على رسول الله ﷺ بقدر ما أدى إليه اجتهاد الصحابة المؤيد بإجماعهم. ويحتمل أن يكون ابن مسعود فاته في مصحفه بعض ما استقصاه زيد بن ثابت ورفاقه من الآيات التي كانت عند آخرين من قراء الصحابة، زد على ذلك أن ابن مسعود كانت تغلب عليه لهجة قومه من هذيل، والنبي ﷺ رخص لمثل ابن مسعود أن يقرؤوا بلهجاتهم الخاصة. فكان من الخير توحيد الأمة على قراءة كتاب ربها باللهجة المضرية التي كان عليها رسول الله ﷺ ، وادعى الطحاوي، والباقلاني، وابن عبدالبر، أن قراءة القرآن على سبع لغات كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ، وكثرة الضبط، وتعلم الكتابة (٢).

стр. 88

وأما ما ذُكر من أن ابن مسعود ﵁ خطب بالكوفة فقال: "أما بعد: فإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وإني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل" (١). فإني لم أقف على إسناده، وأقدم من ذكره ابن العربي المتوفى سنة (٥٤٣) هـ، وبينه وبين الحادثة ما يزيد على خمسة قرون. وهل يتوقع حصول ذلك ممن ترك القصر في منى خشية من الخلاف والفتنة ومتابعة للخليفة؟ لا والله، لا يتوقع منه أن يصعد المنبر، ويحرض الناس على الخلاف. مع أن القصر في منى عليه أدلة واضحة، تؤيد مذهب ابن مسعود فيه، بخلاف جمع القرآن فإنَّ الصحابة أجمعوا عليه، فهل يعقل أن يتابع ابن مسعود عثمان ﵄ فيما يدل على خلافه دليل واضح خشية الخلاف، ثم يخالفه فيما أجمع عليه إخوانه الصحابة رضوان الله عليهم بل ويحرض الناس على الخلاف بواسطة منبر الكوفة، وهو القائل: "إن الخلاف شر". فما أوهن هذه القصة، وما أحمق من لفقها. وأما حرق أو خرق ما سوى مصحف عثمان ﵁، فإنه

стр. 89

جائز إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، وقد سلم بذلك الصحابة كلهم (١). فما أتمه عثمان ﵁ من جمع المصحف وتثبيته وتوحيد رسمه فإنَّ له به أعظم المنة على المسلمين، وبه حقق الله وعده في قوله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) وأقر على عمله، وأمضاه برسمه وتلاوته في جميع أمصار ولايته، وبذلك انعقد إجماع المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به من أعظم حسناته، كما أن البغاة أنفسهم الذين عابوا عليه ذلك، كانوا في خلافته وبعدها يقرؤون في مصاحف عثمان التي أجمع الصحابة عليها (٣) والمقصود من كان منهم على بعض الخير ممن غرر به، أما أولئك المغرضون الزنادقة أمثال ابن سبأ، فلا تتوقع منهم قراءة قرآن، ولا فعل أي عبادة إلا نفاقاً وتستراً بها، وتغريراً لمن لا يعرف حقيقتهم، فإنهم إن قرأوا القرآن فإنهم لا يتجاوز حناجرهم كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في وصفه للخوارج. ويظهر من قصة جمع القرآن في عهد عثمان ﵁ مدى فهم الصحابةرضي الله عنهم لآيات النهي عن الاختلاف، حيث إن الله

стр. 90

نهى عن الاختلاف وحذر منه، فلعمق فهمهم لهذه الآيات ارتعد حذيفة ﵁ عندما سمع بوادر الاختلاف في قراءة القرآن، فرحل فوراً إلى المدينة النبوية، وأخبر عثمان ﵁ بما رأى وبما سمع، فسرعان ما قام عثمان يخطب الناس؛ يحذرهم من مغبة هذا الخلاف، ويشاور الصحابة رضوان الله عليهم في الحل لهذه المحنة التي بدأت بالظهور، وفي مدة قصيرة يحسم الأمر ويغلق باب الخلاف الذي كاد أن ينفتح، بجمع الصحف ونسخها في مصحف واحد من المصادر الموثوقة جداً. وبإغلاق باب الفتنة هذه فرح المسلمون، بينما اغتاظ المنافقون الذين كانوا قد استبشروا ببوادر الخلاف التي كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر، ويسعون إلى تحقيقها. ولما حسم الخلاف، ولم يجد أولئك طريقاً إلى استنهاضه، ازداد حقدهم على حاسمه ومغلق بابه وسعوا في التشنيع عليه وتصوير حسنته هذه سيئة، وتلمسوا في سبيل إثبات ذلك خيوط العنكبوت الواهية، ليطعنوا فيه ويسوغوا خروجهم عليه بها، مظهرين للناس أن هذه الحسنة سيئة تستوجب الخروج عليه. وهذا ينبه المسلمين في كل زمان، ويعتبر به عقلاؤهم، فيسارعوا إلى رقع كل خلاف بينهم على أساس صحيح، مع المحافظة على أصول الإسلام، دون التنازل عن الحق، أو التسامح في شيء من الأصول عقيدة وشريعة. فإن الاتفاق إن لم يكن على العقيدة الصحيحة، فلا خير فيه، وهو

стр. 91

مظنة زيادة الخلاف، ورَقْعٌ يزيده فتقاً، فلا تترك أصول الإسلام تحت دعوى حسم ورقع الخلاف، ولكن على المخالف للعقيدة الصحيحة أن ينخلع من ربقة الانحراف إلى المعتقد الصحيح، ليحسم بذلك الخلاف؛ ومثل ذلك من يترك تصحيح العقيدة تحت دعوى جمع الشمل، وتوحيد الصف، وهذا كما تقدم يشتت الشمل، ويفرق الصف، أكثر مما كان عليه، والشواهد الحسية لا ينكر وجودها على الساحة الإسلامية اليوم إلا غافل أو متغافل. فلم يترك الصحابة رضوان الله عليهم كل قارئ، على قراءته الصحيحة، بل جمعوهم على قراءة واحدة، فاجتمع شملهم وتوحد صفهم. فهذا هو الطريق الصحيح إلى توحيد صف المسلمين، وجمع شملهم؛ فلا يتم ذلك إلا برجوعهم إلى الكتاب والسنة، وفهمهما فهماً صحيحاً مستمداً من فهم السلف الصالح لهما، وأن يعتصموا بهما، لتتحقق لهم الوحدة، فيجتمعون على عدوهم، ويرفع الله عنهم الفشل الذي استحقوه بسبب تنازعهم ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (١). وهذه ثمرة من ثمرات دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين، الحافل بالعبر ومواضع القدوة. وبعد توصلنا إلى هذه الحقيقة التي كان عليها سلفنا الصالح، يتبين لنا بُعد من يترك دلالة القرآن، والسنة وراءه ظهرياً ويحكم عقله، ويرفض

стр. 92

دعوة القرآن والسنة متأولاً أن في غيرهما المصلحة. إنه أولى ممن قرأ قراءة متواترة صحيحة بأن يعاد إلى الحق، وإلى دلالة الكتاب والسنة الصحيحة وإلى ترك كل ما يراه ويبتدعه عقله القاصر، إلى ما تدل عليه النصوص الصحيحة الصريحة، فلا يقدم بين يدي الله ورسوله أمراً ولا فكرة ولا وسيلة، بل يرجع إلى ما دعا إليه الله ورسوله ﷺ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١). ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٢). فانظر إلى كيفية المعالجة الصحيحة للأمور، فإن القراء كانوا يعلمون أن قراءتهم صحيحة، تلقوها عن رسول الله ﷺ ، ومع ذلك تنازلوا عنها، لأمر الخليفة، فاجتمعوا على قراءة واحدة في مصحف واحد. ويلاحظ أن عثمان وحذيفة ﵄ كانا يعلمان ذلك أيضاً، فلم يقولا لكل قارئ: أنت على حق، وعلى قراءة متواترة، فأنت على قراءة أبيّ، وأنت عل قراءة ابن مسعود، وكلاهما صحابيان أخذا القرآن من في رسول الله ﷺ فكل من قرأ على قراءة أحدهما فهو على حق.

стр. 93

ولكنهما تركا هذا الحق إلى ما هو أحق منه وهو الاجتماع، وعدم الفرقة، فكيف فيمن يُقرّ على خطأ أو شبهة تحت دعوى جمع الكلمة، وتوحيد الصف، وتحت شعار: "نجتمع على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه". بل يتجاوز ذلك بعضهم إلى دعوة أهل العقيدة الصحيحة إلى التخلي عن الحق الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة لمخالفة غيرهم لهم فيه، تحت تلك الشعارات المغرية في ظاهرها. فعجباً من هؤلاء! لم لا يتركون أهل الحق على الحق، وإن حصل الخلاف؟ ويطلبون من أهل الباطل أو الشبه على أقل الأحوال أن يتركوا ما هم عليه من أجل جمع الكلمة وتوحيد الصف على الحق وبالحق.

стр. 94

المبحث الثاني: ما روي في ذلك ولم يصح إسناده: أما المعايب التي رويت بأسانيد ضعيفة تفيد أن الخارجين على عثمان ﵁ سوغوا خروجهم بها عليه، فمنها: أولاً: إتمام الصلاة في منى. كان النبي ﷺ يصلي الرباعية في الحج في منى ركعتين، وتبعه على ذلك الخليفتان أبوبكر وعمر ﵄ أما عثمان ففعل ذلك في السنوات الست الأولى من خلافته، ثم اجتهد بعدها فأتهما أربعاً. وخالفه في ذلك عدد من الصحابة ﵃ منهم ابن عمر الذي أوضح أن السنة القصر، كما فعلها النبي ﷺ وأبوبكر وعثمان صدراً من إمارته (١). ورُوي أن الناس أنكروا على عثمان ذلك، فبيّن لهم سبب إتمامه (٢) وحجته في ذلك (٣) وتذكر الروايات عدة اعتذارات منها:

стр. 95

الأول: أنه اعتذر لذلك بأنه تأهل بمكة منذ أن قدم إليها، وقد سمع النبي ﷺ يقول: "من تأهل ببلد، فليصل صلاة المقيم"، فاعتبر نفسه متخذاً لمكة وطناً، فأخذ لنفسه حكم المقيم (١). وقد ورد لهذا الاعتذار عدة طرق عن عثمان ﵁ يقوي بعضها بعضاً، إلا أن المتن فيه نكارة؛ فإنَّ عثمان ﵁ مهاجريٌّ، والإقامة في مكة عليه حرام (٢). وهو -بلا شك- يعلم ذلك، فلما قال له المغيرة بن شعبة -أثناء الحصار-: "اركب رواحلك إلى مكة قال: لن أفارق دار هجرتي" (٣).

стр. 96

الثاني: أنه اعتذر بأنه اتخذ الأموال بالطائف، وأراد أن يقيم بها (١) وهذا ضعيف الإسناد، ويرد متنه بما رُد به القول الأول. كما أن أهل الطائف لا يُعتبرون من أهل مكة، فاتخاذ الأموال في الطائف لا يجعل صاحبه من أهل مكة، فلا يتوقع أن يعتذر عثمان بهذا العذر. الثالث: أنه اعتذر بأنه سمع بأن الأعراب الذين حجوا معه العام الماضي قصروا الصلاة في أوطانهم، واحتجوا بمنى فأتم ليعلمهم أن الصلاة أربع، وذلك خوفاً من أن يستنوا به، وخطب الناس، وأعلمهم بأن السنة سنة رسول الله ﷺ وسنة صاحبيه، ولكنه حدث من الناس فخاف أن يستنوا (٢). وذكر الحافظ ابن حجر: أن الزهري قال: "إنما صلى عثمان بمنى أربعاً؛ لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع" (٣). وعن ابن جريج أن أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين.

стр. 97

واختار ذلك الحافظ ابن حجر، ثم قال بعد أن ذكر بعض هذه الطرق: "وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام" (١). الرابع: قيل إن سبب إتمامه: أنه كان يرى القصر مختصاً بمن كان شاخصاً سائراً، وأما من كان أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم. واختاره الحافظ ابن حجر، واستدل له بما رواه عباد بن عبد الله بن الزبير قال: "لما قدم علينا معاوية حاجاً، صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك، لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان ﵁ حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر، والعصر، والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج، وأقام بمنى أتم الصلاة" (٢). ولم ير الحافظ أن اختياره لهذا القول معارض لاختياره للقول الثالث، بل يقويه من حيث إنّ حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، ثم قال: وهذا ما أدى إليه اجتهاد عثمان ﵁ (٣).

стр. 98

الخامس: قال ابن بطال: "الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة ﵄ كانا يريان أن النبي ﷺ إنما قصر؛ لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسهما بالشدة". قال الحافظ: "وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله (١) أولى لتصريح الراوي بالسبب". والذي يظهر لي -والله أعلم- أن اختيار الحافظ ابن حجر اختيار قوي تدل عليه الروايات المقبولة. وهو: أن عثمان ﵁ أتم ليعلم الأعراب أن الصلاة الرباعية أربعاً، وفعل ذلك في منى؛ لأنه مقيم فيها نوع إقامة، وغير جاد في السير، وبذلك يتوفق بين القولين الثالث والرابع. وقال الحافظ معلقاً على قول ابن مسعود: "فليت حظي من أربع ركعتان": قال الداودي: خشي ابن مسعود أن لا تجزئ الأربع فاعلها، وتبع عثمان كراهة لخلافه، وأخبر بما يعتقده. وقال غيره: يريد أنه لو صلى أربعاً تكلفها، فليتها تقبل الركعتان. والذي يظهر أنه قال ذلك على سبيل التفويض إلى الله، لعدم اطلاعه على الغيب، وهل يقبل الله صلاته أو لا؟ فتمنى أن يقبل منه الأربع التي يصليها ركعتين ولم يقبل الزائد. وهو يشعر بأن المسافر عنده مخير بين القصر والإتمام، والركعتان لا

стр. 99

بد منهما، ومع ذلك فكان يخاف أن لا يقبل منه شيء. فحاصله: أنه قال: إنما أتم متابعة لعثمان، وليت قُبل مني ركعتين من الأربع (١). إذاً: فعثمان ﵁ مجتهد، ومعه حجة، وهو فقيه من كبار فقهاء الصحابة خاصة في علم المناسك، حتى قال محمد بن سيرين: "كان أعلمهم بالمناسك ابن عفان، وبعده ابن عمر" (٢). وعلى فرض احتمال أن اجتهاده بغير حجة، فإن ذلك لا يسوغ الخروج عليه، فضلاً عن قتله.

стр. 100

ثانيًا: ضرب عمار بن ياسر: ومنها اتهامهم له بضرب عمار بن ياسر، فلم أقف على رواية صحيحة الإسناد تدل على أن عثمان ضرب عماراً، ولا أنهم سوغوا خروجهم عليه بذلك. وروي عن عائشة ﵂ أنها ذكرت: أن مما عتب الخارجون على عثمان ﵁ ضربه بالسوط، والعصا (١) فلعل المقصود ما أشيع من ضربه عماراً ﵄. ورُوي بإسناد ضعيف أن سعداً، وعماراً ﵄ أرسلا إلى عثمان ﵁ أن ائتنا، فإنا نريد أن نذكر لك أشياء أحدثتها، أو أشياء فعلتها، فاعتذر عثمان ﵁، عن المجيء لشغل كان مشغولاً به، وأمرهما بالانصراف، وعقد لهما موعداً، ليستعد فيه لخصومتهما، فانصرف سعدٌ، وأبى عمار أن ينصرف، فتناوله رسول عثمان ﵁ وضربه. فلما اجتمعوا مع عثمان ﵁ قالوا له: ننقم عليك ضربك

стр. 101

عماراً، فأخبرهم بالقصة وأنه لم يأمر بضربه، ولكن رسوله تناوله من غير أمره، ثم أقسم لهم أنه ما أمر، ولا رضي، وقال: فهذه يدي لعمار فليقتص (١). هذا ما ورد في ضرب عمار، وهو ضعيف الإسناد، وعلى فرض صحته، وأن عثمان ﵁ ضرب عماراً ﵁ فإن ذلك لا يقدح في أحد منهما، ونشهد أنهما في الجنة، وأنهما من أكابر أولياء الله المتقين، وولي الله قد يصدر منه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية فكيف بالتعزير. وقد ضرب عمر بن الخطاب ﵁ أبي بن كعب بالدرَّة، لمّا رأى الناس يمشون خلفه، فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟! قال: هذا ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع (٢). فإذا كان عثمان ﵁ أدب عماراً ﵁ فإما أن يكون مصيباً في تعزيره، لاستحقاق عمار ذلك، وإما أن يكون ذلك الذي عزره عليه تاب منه، أو كفّر عنه بالتعزير وغيره من المصائب، أو بحسناته

стр. 102

العظيمة، أو بغير ذلك. أما أن يقال: كان مظلوماً مطلقاً، فالقول في عثمان ﵁ كالقول فيه وزيادة، فإنه أفضل منه، وأحق بالمغفرة والرحمة. وقد يكون الإمام مجتهداً في العقوبة مثاباً عليها، وعمار مجتهد فيما فعله لا يأثم به، بل يثاب عليه لاجتهاده (١). وبذلك تبين أنه لم يصح أن عثمان ضرب عماراً، ولا أن الخارجين سوغوا الخروج عليه بذلك، وغاية ما في ذلك أنه رُوي بسند ضعيف أن رسول عثمان ضرب عماراً دون علمه، وأنه أخبر بأنه لم يأمر رسوله بذلك، ولم يرض عن فعله هذا، وطلب من عمار أن يقتص منه تنازلاً منه، ليكف الخلاف. فإذاً لا حجة في ضرب عمار على عثمان ﵄ ولو قدر أنه ضرب عماراً يعزره بذلك، فتقدم أن ذلك له، ولا يقدح فيه، ولا في عمار ﵄. ولو فرض أنه ضربه دون اجتهاد منه، فأسباب المغفرة كثيرة، وعثمان من الصحابة ﵃ الذين هم أولى الناس بها (٢). وذلك لا يسوغ الطعن فيه، ولا الخروج عليه فضلاً عن قتله.

стр. 103

وأما ما قيل: من أنه اجتمع خمسون من المهاجرين والأنصار؛ فكتبوا أحداث عثمان ﵁ وما نقموا عليه في كتاب، وقالوا لعمار: أوصل هذا الكتاب إلى عثمان ﵁، ليقرأه فلعله يرجع عن هذا الذي ينكر، وخوفوه فيه بأنه إن لم يرجع خلعوه واستبدلوا غيره. وأن عثمان ﵁ طرح الكتاب بعدما قرأه، فقال له عمار: لا ترم بالكتاب، وانظر فيه، فإنه كتاب أصحاب رسول الله ﷺ ، وأنا - والله - لك ناصح، وخائف عليك، فقال: كذبت يا ابن سمية، وأنه أمر غلمانه فضربوه حتى وقع لجنبه وأغمي عليه، وقام عثمان ﵁ فوطئ بطنه، ومذاكيره حتى أصابه الفتق، وأغمي عليه أربع صلوات ثم قضاها بعد الإفاقة، واتخذ لنفسه تباناً تحت ثيابه، وأنه أول من لبس التبان لأجل الفتق، وأن بني مخزوم غضبوا له، وقالوا: والله لئن مات عمار من هذا لنقتلن من بني أمية شيخاً عظيماً -يعنون عثمان ﵁ وأن عماراً لزم بيته إلى أن كان من أمر الفتنة ما كان (١). فإن كل ذلك لم أقف على إسناد له، لتنكشف به درجة صحته، والذي ذكر هذه التفاصيل هو المحب الطبري المتوفى سنة (٦٩٤) هـ، ولم يسندها ولم يعزها إلى أحد، بل طعن في صحتها، وقال: "سياق هذه القصة لا يصح". ثم ذكر بعض مضمون الرواية الضعيفة السابقة الذكر، التي فيها أن

стр. 104

عثمان ﵁ عرض على عمار ﵁؛ أن يقتص منه، ثم قال: "وهذا من أبلغ ما يكون في الإنصاف، وأنه روي أن عماراً رضي عن عثمان لما أنصفه بحسن الاعتذار"، ثم قال: "فما بال أهل البدعة لا يرضون، وما مثله فيه إلا كما يقال: رضي الخصمان، ولم يرض القاضي". واستدل على رضاء عمار عن عثمان ﵄ بما رواه أبو هريرة أن عثمان ﵄ لما حصر ومنع الماء قال لهم عمار ﵁: سبحان الله! قد اشترى بئر رومة وتمنعونه ماءها! خلُّوا سبيل الماء، ثم جاء إلى علي، وسأله إنفاذ الماء إليه، فأمر براوية ماء (١). وذكر ابن العربي: أنه مما نقم على عثمان ﵁ ضربه عماراً ﵁ حتى فتق أمعاءه (٢) ثم قال: "إن ذلك زور (٣) وإفك". ولو فتق أمعاءه ما عاش أبداً، إن العلماء اعتذروا عن ذلك بوجوه لا ينبغي أن يشتغل بها: لأنها مبنية على باطل، ولا يبنى حق على باطل، وعلى الإنسان أن لا يذهب الزمان في مُماشاة الجهال؛ لأن ذلك لا آخر له (٤). وصدق والله فإن ضرب عمار ﵁ لا أصل له، ولكن لما

стр. 105

كان هناك مروجون للباطل على عامة الناس، وسذاجهم الذين لا يميزون الصحيح من السقيم، وجب على أهل الحق والعلم كشف هذا الباطل، ليزداد الناس مناعة من أن يقبلوا باطلهم، ولينكشف أمرهم وينجلي، ويتضح بطلان معتقدهم لدى الناس؛ عالمهم وجاهلهم. وروى الطبري (١) بإسناد ضعيف أن سائلاً سأل سعيد بن المسيب عن السبب الذي دعا عمار بن ياسر إلى الخروج على عثمان فقال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان ﵁ فأورث ذاك بين آل عمار وآل عتبة شراً حتى اليوم، وكنى عما ضُربا عليه وفيه. وهذه الرواية كما أسلفت ضعيفة الإسناد غير صالحة للاحتجاج، فلا تدل على خروج عمار على عثمان ﵄ ولا على ضرب عثمان عمارا، ولا على سبب هذا الضرب.

стр. 106

المبحث الثالث: ما اشتهر من ذلك وليس له إسناد. تنفرد بعض الكتب التي لا تستند رواياتها بعدة معايب سوغ بها الخارجون على عثمان ﵁ الخروج عليه، وعدم وجود أسانيد لها يشكك في صحة صدورها من الخارجين عليه، ولعلها صدرت من أعداء عثمان ﵁ المتأخرين من الرافضة، وغيرهم؛ ومن هذه المعايب: أولاً: عدم إقامة الحد على عبيد الله بن عمر. أقدم من ذكر أن ذلك مما عيب على عثمان ﵁ هو المحب الطبري ١ ولم يسنده، والمحب الطبري متأخر توفي سنة ٦٩٤ هـ. ثم تلاه ابن المطهر الحلي الرافضي؛ المتوفي سنة ٧٢٦ هـ. فقد قال في كتابه "منهاج الاستقامة في إثبات الإمامة" عن عثمان بن عفان ﵁: "إنه ضيع حدود الله، فلم يقتل عبيد الله بن عمر حين قتل الهرمزان مولى أمير المؤمنين بعد إسلامه … "٢. وقبل طرح مناقشة المحب وابن تيمية لهذه المعيبة الملصقة بعثمان ﵁ أود أن أنبه إلى أن ما نقلته عن المحب لا يثبت أن الخارجين ١ الرياض النضرة (٣/ ٨٧، ١٠٠). ٢ ابن تيمية، منهاج السنة (٦/ ٢٧٦).

стр. 107

قد عابوا على عثمان ﵁ ذلك، وأنهم سوغوا خروجهم به، وقصارى ما يثبت من كلام المحب، أن هذا وقع فعلاً، دون الجزم بأصحابه ولا بعصرهم، فيحتمل أن يكون قد وقع من الرافضة بعد الفتنة بمئات السنين. وعدم إقامة حد القتل على عبيد الله بن عمر ﵄ لا يعد عيباً في عثمان ﵁ فإن ابنة أبي لؤلؤة؛ ابنة لمجوسي تابعة له، لا قود فيها، ومثلها جفينة، فإنه نصراني من أهل الحيرة، وقد اتهم بالمشاركة في قتل عمر ﵁ لما كان بينه وبين أبي لؤلؤة من مجانسة، وقد ذُكر لعبيد الله بن عمر: أنه رؤي عند الهرمزان حين قتل عمر، فاتهم بمشاركة أبي لؤلؤة وممالأته والمُعين على قتل الإمام العادل يرى جماعة من الأئمة قتله، بل أوجب كثير من الفقهاء القود على الآمر والمأمور. واعتذر عبيد الله بن عمر بذلك وقال: "إن عبد الرحمن بن أبي بكر أخبره، أنه رأى أبا لؤلؤة، والهرم-زان، وجفينة يدخلون في مكان يتشاورون، وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه، وقُتل عمر صبيحة تلك الليلة، فاستدعى عثمان ﵁ عبد الرحمن فسأله عن ذلك، فقال: انظرو إلى السكين، فإن كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله، فنظروا إليها فوجدوها كما وصف عبد الرحمن، فلذلك ترك عثمان ﵁ قتل عبيد الله بن عمر، لرؤيته عدم

стр. 108

وجوب القود لذلك، أو لتردده فيه لم ير الوجوب بالشك (١). ولو ثبت ذلك عند عثمان ﵁ وانتفى الشك، فلترك قتله عذر، وذلك خوفاً من أن يثير قتله فتنة عظيمة، فقد كان فريق من الصحابة ﵃ لا يرون قتله، حتى قال له عمرو بن العاص ﵁: قتل أمير المؤمنين بالأمس، ويقتل ابنه اليوم؟! لا والله لا يكون هذا أبداً، فقال عثمان ﵁: أمره إليّ وسأرضي أهل الهرمزان عنه (٢) فسكَّن بذلك الفتنة التي كادت أن تقع (٣). ولم يكن للهرمزان أولياء، وإنما وليه ولي الأمر، وقدر عثمان أن يعطى قدر الدية لآل عمر، لما كان على عمر من الدين، فإنه كان عليه ثمانون ألفاً، وأمر أهله أن يقضوا دينه من أموال عصبته؛ عاقلته بني عدي وقريش، فإن عاقلة الرجل هم الذين يحملون الدين كله، والدية لو طلب بها عبيد الله، أو عصبة عبيد الله إذا كان قتله خطأ، أو عفا عنه إلى الدية، فهم الذين يؤدون دين عمر، فإذا أعان بها في دين عمر كان هذا من محاسن عثمان التي يمدح بها. قد كانت أموال بيت المال في زمن عثمان كثيرة، وكان يعطي

стр. 109

الناس عطاءً كثيراً أضعاف هذا، فكيف لا يعطي هذا لآل عمر (١). وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر، كان من المفسدين في الأرض المحاربين، فيجب قتله لذلك، ولو قدر أنه معصوم الدم يحرم قتله، فإن عبيد الله بن عمر متأول يعتقد حل قتله وشبهته ظاهرة، فإن ذلك شبهة تدرأ عنه حد القتل، كما أن أسامة بن زيد لما قتل ذلك الرجل بعد أن قال: لا إله إلا الله، لاعتقاده أن هذا القول لا يعصمه، عزره النبي ﷺ بالكلام ولم يقتله؛ لأنه كان متأولاً. فهذه الشبهة يجوز للمجتهد جعلها مانعة من وجوب القصاص، فإن مسائل القصاص، فيها مسائل كثيرة اجتهادية (٢) وإذا ثبتت إعانته على قتل عمر وجب قتله على الأئمة وإليهم قتله. وعبيد الله بن عمر افتأت (٣) بقتله، وقتله كان إلى الخليفة، وليس إلى أبناء عمر ﵁، ولكن للإمام أن يعفو عمن افتأت عليه، وقد عفا عثمان ﵁ عن افتآت عبيدالله بن عمر عليه (٤). والهرمزان معصوم الدم قبل اشتراكه في مؤامرة قتل عمر ﵁ لأنه كان من الفرس الذين استنابهم كسرى على قتال المسلمين،

стр. 110

فأسره المسلمون وقدِموا به على عمر، فأظهر إسلامه، فمنَّ عليه عمر ﵁ فأعتقه، فأصبح مولى للمسلمين. ولما قال عمر لعبد الله بن عباس ﵃: " قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة لعبد الله، قال: إن شئت أن نقتلهم"، فهذا ابن عباس وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير يستأذن عمر ﵃ في قتل علوج الفرس مطلقاً الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، واعتقد جواز مثل هذا، فكيف لا يعتقد عبيد الله جواز قتل الهرمزان الذي تلبس بتهمة المشاركة في التخطيط لقتل الخليفة. ولعل سبب رفض بعض الصحابة ﵃ قتل عبيد الله، أن تكون وقعت لهم شبهة في عصمة الهرمزان، وهل كان من الصائلين الذين كانوا يستحقون الدفع؟ أو من المشاركين في قتل عمر الذين يستحقون القتل؟. وقد تنازع الفقهاء في المشتركين في القتل إذا باشر بعضهم دون بعض، فقيل: لا يجب القود إلاَّ على المباشر خاصة، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إذا كان السبب قوياً وجب على المباشر والمتسبب: كالمُكْرِهِ والمُكْرَهِ وكالشهود بالزنا والقصاص إذا رجعوا، وقالوا: تعمدنا وهذا مذهب الجمهور كمالك والشافعي وأحمد. قال شيخ الإسلام: "وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر جاز قتله في أحد القولين قصاصاً، وعمر هو القائل في المقتول: لو تمالأ
следующие страницы →