ويقطع الأمر دونه، ولا يشهده ولا يؤامره، حتى بعث الله جل وعز نبيه ﷺ وأكرم به من ابتعه، فكانوا يرأسون من جاء من بعده، وأمرهم شورى بينهم، يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد، فإن أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الأمر أمرهم، والناس تبع لهم، وإن أصغوا إلى الدنيا وطلبوها بالتغالب سلبوا ذلك، ورده الله إلى من كان يرأسهم. وإلا فليحذروا الغير، فإن الله على البدل قادر، وله المشيئة في ملكه وأمره. إني قد خلفت فيكم شيخاً فاستوصوا به خيراً، وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك. ثم ودعهم ومضى. فقال علي: ما كنت أرى أن في هذا خيراً، فقال الزبير: لا والله، ما كان قد أعظم في صدرك وصدورنا منه الغداة.
وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودعه وخرج: يا أمير المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به، فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا، فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله ﷺ بشيء، وإن كان فيه قطع خيط عنقي. قال: فأبعث إليك جنداً منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك. قال: أن أقتر على جيران رسول الله ﷺ الأرزاق بجند تساكنهم، وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة، قال: والله يا أمير المؤمنين لتغتالن أو لتغزين، قال: حسبي الله ونعم الوكيل. وقال معاوية: يا أيسار الجزور، وأين أيسار الجزور، ثم خرج حتى وقف على النفر، ثم مضى. وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميع من أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم، واتعدوا يوماً حيث شخص أمراؤهم، فلم يستقم ذلك
стр. 702
لأحد منهم، ولم ينهض إلا أهل الكوفة، فإن يزيد بن قيس الأرحبي ثار فيها واجتمع إليه أصحابه، وعلى الحرب يومئذ القعقعاع بن عمرو فأتاه فأحاط الناس بهم وناشدوه، فقال يزيد للقعقاع: ما سبيلك علي وعلى هؤلاء، فوالله إني لسامع مطيع، وإني للازم لجماعتي، إلا أني أستعفي ومن ترى من إمارة سعيد، فقال: استعفي الخاصة من أمر قد رضيته العامة؟ قال: فذاك إلى أمير المؤمنين. فتركه والاستعفاء، ولم يستطيعوا أن يظهروا غير ذلك، فاستقبلوا سعيداً، فردوه من الجرعة واجتمع على أبي موسى، وأقره عثمان ﵁.
ولما رجع الأمراء لم يكن للسبئية سبيل إلى الخروج إلى الأمصار، وكاتبوا أشياعهم من أهل الأمصار أن يتوافوا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياء لتطير في الناس، ولتحقق عليه، فتوافوا بالمدينة، وأرسل عثمان رجلين: مخزومياً وزهرياً، فقال: انظرا ما يريدون، واعلما علمهم - وكانا ممن قد ناله من عثمان أدب فاصطبروا للحق ولم يضطغنا - فلما رأوهما باثوهما وأخبروهما بما يريدون، فقالا: من معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة نفر، فقالا: هل إلا؟ قالوا: لا، قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قررناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجاج حتى نقدم فنحيط به، فنخلعه فإن أبى قتلناه. وكانت إياها، فرجعا إلى عثمان بالخبر، فقال: اللهم سلم هؤلاء، فإن لم تسلمهم شقوا.
стр. 703
أما عمار فحمل على عباس بن عتبة بن أبي لهب وعركه. وأما محمد بن أبي بكر فإنه أعجب حتى رأى أن الحقوق لا تلزمه، وأما ابن سهلة فإنه لا يتعرض للبلاء. فأرسل إلى الكوفيين والبصريين، ونادى الصلاة جامعة، وهم عنده في أصل المنبر، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه وأخبرهم خبر القوم، وقام الرجلان، فقالوا جميعاً: اقتلهم، فإن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنة الله فاقتلوه". وقال عمر بن الخطاب: "لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا شريككم". فقال عثمان: بل نعفو، ونقبل، ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحداً حتى يركب حداً، أو يبدي كفراً. إن هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل الذي علمتم، ألا إنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها عليّ عند من لا يعلم.
وقالوا: أتم الصلاة في السفر، وكانت لا تتم، ألا وإني قدمت بلداً فيه أهلي، فأتممت لهذين الأمرين، أو كذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: وحميت حمى، وإني والله ما حميت حتى حُمِيَ قبلي، والله ما حموا شيئاً لأحد ما حموا إلا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رعية أحداً، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحداً إلا من ساق درهماً، وما لي
стр. 704
من بعير غير راحلتين، وما لي ثاغبة ولا راغبة، وإني قد وليت وإني أكثر العرب بعيراً وشاة، فما لي اليوم شاة ولا بعير، غير بعيرين لحجي، أكذلك؟
قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: كان القرآن كتباً، فتركها إلا واحداً. ألا وإن القرآن واحد، جاء من عند واحد، وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟
قالوا: نعم، وسألوه أن يقيلهم.
وقالوا: إني رددت الحَكَم وقد سيره رسول الله ﷺ ، والحكم مكي، سيره رسول الله ﷺ من مكة إلى الطائف ثم رده رسول الله ﷺ ، فرسول الله ﷺ سيره ورسول الله ﷺ رده، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم.
وقالوا: استعملت الأحداث، ولم أستعمل إلا مجتمعاً محتملاً مرضياً وهؤلاء أهل عملهم فسلوهم عنهم، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولى مَن قبلي أحدث منهم، وقيل في ذلك لرسول الله ﷺ أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم، يعيبون للناس ما لا يفسرون.
وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مائة ألف، وقد أنفذ مثل ذلك أبوبكر وعمر ﵄ فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك، فرددته عليهم وليس ذاك لهم، أكذلك؟ قالوا: نعم.
وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي فإنه لم يصل معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من
стр. 705
مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄ وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفني عمري ودعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا، وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلاً فيجوز ذلك لمن قاله، ولقد رددته عليهم، وما قدم علي إلا الأخماس، ولا يحل لي منها شيء، فولي المسلمين وضعها في أهلها دوني، ولا يتفلت من مال الله بفلس فما فوقه، وما أتبلغ منه ما آكل إلا مالي.
وقالوا: أعطيت الأرض رجالاً، وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتتحت، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له، فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب، فنقلت إليهم نصيبهم فهو في أيديهم دوني.
وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف، عشرة آلاف، فأخذوا مائة ألف، وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وبني حرب، ولانت حاشية عثمان لأولئك الطوائف، وأبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى إلا تركهم، فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجاج كالحجاج، فتكاتبوا وقالوا: موعدكم ضواحي المدينة في شوال، حتى إذا دخل شوال من سنة اثنتي
стр. 706
عشرة (١) ضربوا كالحجاج فنزلوا قرب المدينة" (٢).
٢٦ - قال الطبري: وأما سيف فإنه قال - فيما كتب - إليّ السري عن شعيب عنه ذكر عن بدر بن عثمان (٣) عن عمه (٤) قال: آخر خطبة خطبها عثمان ﵁ في جماعة: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة ولم يعطكموها لتركنوا إليها. إن الدنيا تفنى، والآخرة تبقى، فلا تبطرنكم الفانية؛ ولا تشغلكم عن الباقية، فآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله. اتقوا الله فإن تقواه جنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير والزموا جماعتكم، لا تصيروا أحزاباً واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً " (٥).
ورواه ابن عساكر (٦) من طريق السري به مثله.
стр. 707
٢٧ - قال الطبري: كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن بدر (١) بن عثمان عن عمه (٢) قال:
لما بايع أهل الشورى عثمان، خرج وهو أشدهم كآبة، فأتى منبر رسول الله ﷺ ، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ وقال: إنكم في دار قلعة، وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم، صبحتم أو مسيتم، ألا وإن الدنيا طويت على الغرور، فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور. اعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم. أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين آثاروها وعمروها، ومتعوا بها طويلاً، ألم تلفظهم؟ ارموا الدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلاً، وللذين هو خير، فقال : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٣) إلى قوله ﴿أَمَلاً﴾ (٤) وأقبل الناس يبايعونه" (٥).
стр. 708
٢٨ - قال الطبري: كتب إليّ السري (١) عن شعيب عن سيف عن رزيق (٢) بن عبد الله الرازي، عن علقمة بن مرثد (٣) عن حمران بن أبان (٤) قال: أرسلني عثمان إلى العباس بعدما بويع، فدعوته إليه، فقال: ما لك تعبدتني، قال: لم أكن قط أحوج إليك مني اليوم، قال: الزم خمساً، لا تنازعك الأمة خزائمها ما لزمتها، قال: وما هن؟ قال: الصبر على القتل، والتحبب والصفح، والمداراة، وكتمان السر" (٥).
٢٩ - روى ابن عساكر من طريق: السري بن يحيى عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل (٦) وسهل بن يوسف (٧) عن محمد بن سعد (٨) بن أبي وقاص قال:
стр. 709
"قدم عمار من مصر وابي شاك، فبلغه فبعثني إليه أدعوه، فقام معي ليس عليه رداء وعليه قلنسية من شعر معتم عليها بعمامة وسخة وجبة فراء يمانية؛ فلما دخل على سعد وهو متكئ، استلقى ووضع يده على جبهته ثم قال: ويحك يا أبا اليقظان، إن كنت فينا لمن أهل الخير، فما الذي بلغني من سعيك في فساد بين المسلمين، والتأليب على أمير المؤمنين، أمعك عقلك أم لا؟ فأهوى عمار إلى عمامته - وغضب - فنزعها وقال: خلعت عثمان كما خلعت عمامتي هذه. فقال سعد: إن لله وإنا إليه راجعون، ويحك حين كبر سنك ورق عظمك، ونفد عمرك فلم يبق منك إلا ظمء كظمء الحمار خلعت ربقة الإسلام من عنقك وخرجت من الدين عرياناً كما ولدتك أمك؟ فقام عمار مغضباً مولياً وهو يقول: أعوذ بربي من فتنة سعد. فقال سعد: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (١) اللهم زد عثمان بعفوه وحلمه عندك درجات، حتى خرج عمار من الباب. وأقبل عليّ سعد يبكي له حتى أخضل لحيته وقال: من يأمن الفتنة يا بني؟ لا يخرجن منك ما سمعت منه فإنه من الأمانة، وإني أكره أن يتعلق به الناس عليه فينالونه وقد قال رسول الله ﷺ : "الحق مع عمار ما لم تغلب عليه دلهة الكبر" فقد دله وخرف. وكان بعد يكثر أن يقول:
стр. 710
ليت شعري كيف يصنع الله بعمار مع بلائه وقدمه في الإسلام وحدثه الذي أحدث" (١).
٣٠ - روى ابن عساكر من طريق: السري بن يحيى عن شعيب قال: "نا سيف عن سهل بن يوسف (٢) عن عبد الرحمن بن كعب (٣) قال: "دفن عثمان ليلة السبت، لم يغسل؛ ولم يمتنع أحد أن يصلي عليه من شيء، وصلى عليه مروان، فخرجوا به حتى دفنوه مما يلي حشان كوكب من البقيع، ومنع القوم من غلاميه من الغد، فلما ذهبوا دفنوهما إلى جنب عثمان، وقد كانا أدخلا حين منعا حشان كوكب.
وكان القوم يتخذون الحشيش في ذلك الزمان كما يتخذ أهل هذا الزمان الأرياف، وأهل الأرياف القرط والفصافص، وحمل العبدين عشرة رهط ومعهم امرأة: فاطمة أم إبراهيم بن عربي" (٤).
٣١ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن سهل (٥) عن
стр. 711
القاسم (١) قال: كان مما أحدث عثمان فرضي به منه أنه ضرب رجلاً في منازعة استخف فيها بالعباس بن عبد المطلب، فقيل له: فقال: نعم، أيفخم رسول الله ﷺ عمه وأرخص في الاستخفاف به؟ لقد خالف رسول الله ﷺ من فعل ذلك، ومن رضي به منه" (٢).
٣٢ - روى ابن عساكر من طريق: السري بن يحيى أبنا شعيب بن إبراهيم نا سيف بن عمر عن الضريس (٣) معاوية بن صعصعة، عن هلال (٤) بن جاوان، عن صعصعة (٥) بن معاوية التميمي، قال: "أرسل عثمان وهو محصور إلى علي، وطلحة، والزبير، وأقوام من الصحابة فقال: احضروا غداً فكونوا حيث تسمعون ما أقول لهذه الخارجة، ففعلوا، وأشرف عليهم، فقال: أنشد الله من سمع النبي ﷺ يقول: "من يشتري هذا المربد ويزيده في مسجدنا وله الجنة، وأجره في
стр. 712
الدنيا ما بقي درجات له؟ " فاشتريته بعشرين ألفاً وزدته في المسجد، قالوا: اللهم نعم، وقال الخوارج: صدقوا، ولكنك غيرت. ثم قال: أنشد الله من سمع رسول الله ﷺ يقول: "من يجهز جيش العسرة وله الجنة" فجهزتهم حتى ما فقدوا عقالاً ولا خطاماً، قالوا: نعم.
فقال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت. قال: أنشد الله من سمع رسول الله ﷺ يقول: "من يشتري رومة وله الجنة" فاشتريتها، فقال: "اجعلها للمساكين ولك أجرها والجنة" قالوا: اللهم نعم. قال الخوارج: صدقوا ولكنك غيرت، وعدد أشياء وقال: الله أكبر، ويلكم خصمتم؛ والله كيف يكون من يكون هذا له مغيراً؟ يا أيها النفر من أهل الشورى، اعلموا أنهم سيقولون لكم غداً كما قالوا لي اليوم، فلما خرجوا بعد على عليّ جعل ينشد الناس عن مثل ذلك، ويشهد له به فيقولون: صدقوا ولكنك غيرت، فقال: ما اليوم قتلت، ولكن قتلت يوم قتل ابن بيضاء" (١).
ثم قال ابن عساكر عقبه: "هذا حديث غريب". ويلاحظ أن الخبر قد روي من وجوه كثيرة تقدمت وليس فيها قولة الخوارج "صدقوا ولكنك غيرت" (٢).
стр. 713
٣٣ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (١) عن شعيب عن سيف عن عاصم بن سليمان (٢) عن عامر الشعبي (٣) قال: أول خليفة زاد الناس في أعطياتهم مائة عثمان، فجرت. وكان عمر يجعل لكل نفس منفوسة من أهل الفيء في رمضان درهماً في كل يوم، وفرض لأزواج رسول الله ﷺ درهمين درهمين. فقيل له: لو صنعت لهم طعاماً فجمعتهم عليه، فقال: أشبع الناس في بيوتهم، فأقر عثمان الذي كان صنع عمر، وزاد فوضع طعام رمضان، فقال: للمتعبد الذي يتخلف في المسجد وابن السبيل والمعترين بالناس في رمضان" (٤).
٣٤ - قال الطبري: "وفي هذه السنة عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة، وولاها سعد بن أبي وقاص - في ما كتب به إليّ السري (٥) عن شعيب عن سيف عن المجالد (٦) عن الشعبي (٧) قال: كان عمر قال: أوصي الخليفة من بعدي أن
стр. 714
يستعمل سعد بن أبي وقاص، فإني لم أعزله عن سوء، وقد خشيت أن يلحقه من ذلك. وكان أول عامل بعث به عثمان سعد ابن أبي وقاص على الكوفة، وعزل المغيرة بن شعبة، والمغيرة يومئذ بالمدينة، فعمل عليها سعد سنة وبعض أخرى، وأقر أبا موسى سنوات" (١).
٣٥ - روى ابن عساكر من طريق: "السري بن يحيى، عن شعيب قال: "ونا سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت (٢) عن أبيه (٣) قال: دفن عثمان من ليلته، وحضره من أراد المقام؛ والخروج، وندم القوم، وسقط في أيديهم. ولما صلي عليه خرج من خرج، وأقام من أقام من أزواج النبي ﷺ يقلن: هجم البلاء وانكفأ الإسلام" (٤).
٣٦ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد (٥) بن ثابت، ويحيى بن سعيد (٦) قالا: سأل سائل سعيد بن المسيب عن محمد بن أبي حذيفة: ما دعاه إلى
стр. 715
الخروج على عثمان؟ فقال: كان يتيماً في حجر عثمان، فكان عثمان والي أيتام أهل بيته، ومحتمل كلهم. فسأل عثمان العمل حين ولي، فقال: يا بني لو كنت رضا ثم سألتني العمل لاستعملتك، ولكن لست هناك، قال: فاذن لي فلأخرج فلأطلب ما يقوتني، قال: اذهب حيث شئت، وجهزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر كان فيمن تغير عليه أن منعه الولاية.
قيل: فعمار بن ياسر؟ قال: كان بينه وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب كلام، فضربهما عثمان فأورث ذلك بين آل عمار وآل عتبة شراً حتى اليوم، وكنى عما ضربا عليه وفيه" (١).
ورواه ابن عساكر من طريق أبي بكر بن سيف عن السري (٢) به.
٣٧ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عبد الله بن سعيد بن ثابت (٣) قال: فسألت ابن سليمان بن أبي حثمة، فأخبرني أنه تقاذف" (٤).
стр. 716
٣٨ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عطية (١) عن يزيد الفقعسي (٢) قال: كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء أمه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام، فأخرجوه حتى أتى مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمد يرجع، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ (٣) فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، فقبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد، ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ، ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة، ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا
стр. 717
في هذا الأمر فحركوه، ابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر.
فبث دعاته، وكاتب من كان استفسد في الأمصار، وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب، يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون، فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية، مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة، فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس.
وجامعه محمد، وطلحة، من هذا المكان قالوا: فأتوا عثمان، فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ قال: لا والله ما جاءني إلا السلامة، قالوا: فإنا قد أتانا. وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم، قال: فأنتم شركائي وشهود المؤمنين، فأشيروا عليّ، قالوا: نشير إليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام، وفرق رجالاً سواهم، فرجعوا جميعاً قبل عمار، فقالوا: أيها الناس ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم، وقالوا جميعاً: الأمر أمر المسلمين إلا أنا
стр. 718
أمراءهم يقسطون بينهم، ويقومون عليهم.
واستبطأ الناس عماراً حتى ظنوا أنه قد اغتيل، فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عماراً قد استماله قوم بمصر، وقد انقطعوا إليه منهم عبد الله بن السوداء، وخالد بن ملجم، وسودان بن حمران، وكنانة بن بشر" (١).
وتقدم ما يشهد بثبوت شخصية ابن سبأ ولشيء من دوره الخطير في إشعال الفتنة وبثه العقائد الفاسدة في بعض المسلمين (٢).
٣٩ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (٣) عن شعيب عن سيف عن عطية (٤) قال: مات عثمان ﵁ وعلى الكوفة، على صلاتها أبو موسى، وعلى خراج السواد جابر بن عمرو المزني - وهو صاحب المسناة إلى جانب الكوفة - وسماك الأنصاري وعلى حربها القعقاع بن عمرو، وعلى قريقساء جرير بن عبد الله، وعلى أذربيجان الأشعث بن قيس، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وعلى ماه مالك بن حبيب، وعلى همذان النسير، وعلى الري سعيد بن قيس، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماسبذان حبيش، وعلى بيت المال عقبة بن عمرو. وكان على قضاء عثمان يومئذ
стр. 719
زيد بن ثابت" (١).
٤٠ - قال الطبري: "وفيما كتب إليّ السري (٢) عن شعيب عن سيف عن عمارة بن القعقاع (٣) عن الحسن البصري (٤) قال: كان عمر بن الخطاب قد حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان إلا بإذن وأجل، فشكوه فبلغه، فقام فقال: ألا إني قد سننت في الإسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعاً، ثم ثنياً، ثم رباعياً، ثم سدساً، ثم بازلاً؛ ألا فهل ينتظر البازل إلا النقصان، ألا فإن الإسلام قد بزل، ألا وإن قريشاً يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده، ألا فأما وابن الخطاب حي فلا. إني قائم دون شعب الحرة، آخذ بحلاقيم قريش وحجرها أن يتهافتوا في النار" (٥).
ورواه ابن عساكر (٦) من طريق أبي بكر بن سيف عن السري به مثله.
стр. 720
ورواية الحسن عن عمر مرسلة بلا شك قاله العلائي (١).
٤١ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (٢) عن شعيب عن سيف عن عمرو بن محمد (٣) قال:
بعثت ليلى ابنة عميس إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر، فقالت: إن المصباح يأكل نفسه ويضيء للناس، فلا تأثما في أمر تسوقانه إلى من لا يأثم فيكما، فإن هذا الأمر الذي تحاولون اليوم لغيركم غداً، فاتقوا الله أن يكون عملكم اليوم حسرة عليكم، فلجّا وخرجا مغضبين، يقولان: لا ننسى ما صنع بما عثمان، وتقول: ما صنع بكما؟ ألا ألزمكما الله فلقيهما سعد بن العاص وقد كان بين محمد بن أبي بكر وبينه شيء، فأنكره حين لقيه خارجاً من عند ليلى، فتمثل له في تلك الحال بيتاً:
استبق ودك الصديق ولا تكن … فيئاً يعض بخاذل ملجاجا
فأجابه سعيد متمثلاً:
ترون إذا ضربا صميماً من الذي … له جانب ناء عن الجرم معور" (٤)
ورواه ابن عساكر (٥) من طريق السري بن يحيى به نحوه.
стр. 721
٤٢ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عمرو (١) عن الشعبي (٢) قال:
لم يمت عمر ﵁ حتى ملته قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة وامتنع عليهم، وقال: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم في البلاد، فإن الرجل ليستأذنه في الغزو وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين، ولم يكن يفعل ذلك بغيرهم من أهل مكة، فيقول: فيقول: قد كان في غزوك مع رسول الله ﷺ مايبلغك، وخير لك من الغزو اليوم ألا ترى الدنيا ولا تراك. فما ولي عثمان خلى عنهم فاضطربوا في البلاد، وانقطع إليهم الناس، وكان أحب إليهم من عمر" (٣).
ورواه ابن عساكر (٤) من طريق أبي بكر بن سيف عن السري به مثله.
٤٣ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن عمرو (٥) عن
стр. 722
الشعبي (١) قال: كان أول ما نزغ به أهل الكوفة - وهو أول مصر نزع الشيطان بينهم الإسلام - أن سعد بن أبي وقاص استقرض من عبد الله بن مسعود من بيت المال مالاً، فأقرضه فما تقاضاه لم يتيسر عليه، فارتفع بينهما الكلام حتى استعان عبد الله بأناس من الناس على استخراج المال، واستعان سعد بأناس من الناس على استنظاره، فافترقوا وبعضهم يلوم بعضاً، يلوم هؤلاء سعداً ويلوم هؤلاء عبد الله " (٢).
٤٤ - روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى (٣) قال: "نا شعيب بن إبراهيم أنا سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم (٤) عن رجل، عن خنساء (٥) -مولاة أسامة بن زيد- وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان.
أنها كانت في الدار يوم يومئذ فدخل إليه محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته، وأهوى بمشقص معه ليجأ بها في حلقه، فقال: مهلاً يا ابن أخي، فوالله لقد أخذت مأخذاً ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه ونصرف مستحيياً
стр. 723
نادماً، فاستقبله القوم على باب الصفة، فردهم طويلاً حتى غلبوه، فدخلوا وخرج محمد راجعاً، فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم، حتى قام عل عثمان فضرب بها رأسه فشجه، فقطر دمه على المصحف حتى لطخه ثم تغاووا عليه، فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف فسقط، ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه، وقالت: يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين؟ فأخذت السيف فقطع الرجل يدها، وانتهبوا ماتع البيت، ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف، فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف، وقال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ولا مضجع كافر أكرم، فلا والله ما تركوا في داره شيئاً، حتى الأقداح إلا ذهبوا به" (١).
وتقدم ما يشهد لصحة انصراف محمد بن أبي بكر بعد وعظ عثمان ﵁ له (٢).
٤٥ - روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى قال: نا شعيب بن إبراهيم، أنا سيف بن عمر عن أبي القاسم الشنوي، عن نافع (٣) قال: "ورافقني بالساحل فسألته عن أمر عثمان، فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: أرسل إلي وهو محصور، وقد فتح الباب ودخل عليه الناس
стр. 724
فقال: ما ترى فيما يعرض هؤلاء وهؤلاء؟ الذين يأمرونه بالاستقتال والذين يحصرونه على الخلع أو القتل - فقال: وما يعرضون عليك؟ فقال: أم هؤلاء فالاستقتال، ووالله ما أجد ما أمتنع به، ولا أمنعهم منه، وأما هؤلاء فإنهم يعرضون علي أن أخلعها وألحق بمنزلي، فوالله لهي أهون عليّ إن لم أؤجر عليها من قتالي، فقلت له: إن يستقتل يقتل أعلام الدين، ولا يبقى أحد، فلا يفعل، وأما ما عرض هؤلاء فلا تفعل، أمخلد أنت إذا خلعتها؟ قال: لا، قلت: فقتلوك إن أنت لم تخلعها؟ قال: زعموا ذلك. قلت: يملكون تعجيل يومك أو تأخيره؟ قال: لا. قلت: أيملكون لك جنة أو نار؟ قال: لا. قلت: فلا أرى أن تخلع قميصاً قمصكه الله، فيكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو إمامهم خلعوه حتى لا يقوم لله دين، ولا للمسلمين نظام.
وأدخل معي في ذلك غير، ففعل، فأدخل في ذلك من شهده أو غاب عنه، فاجتمع الملأ أن الخير في الصبر. فقال: اللهم إني أشري نفسي في صلاح الدين. فجاد والله بنفسه نظراً لله ولدينه" (١).
وتقدم ما يشهد لحوار عثمان مع ابن عمر ﵄ في شأن عرض الخارجين على عثمان، على عثمان الخلع (٢)
стр. 725
٤٦ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (١) عن شعيب (٢) عن سيف عن القاسم ابن محمد (٣) عن عون بن عبد الله بن عتبة قال: خطب عثمان الناس بعدما بويع فقال:
أما بعد، فإني قد حملت وقد قبلت، ألا وإني متبع ولست بمبتدع، ألا وإن لكم عليّ بعد كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ ثلاثاً: اتباع من كان قبلي فيما اجتمعتم عليه وسننتم، وسن سنة أهل الخير فيما لم تسنوا عن ملأ، والكف عنكم إلا فيما استوجبتم. ألا وإن الدنيا خضرة قد شهيت إلى الناس، ومال إليها كثير منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا ولا تثقوا بها فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلا من تركها" (٤).
٤٧ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (٥) عن شعيب عن سيف عن القاسم بن الوليد (٦) عن المسيب بن عبد خير (٧) عن عبد الله بن عكيم (٨) قال: لما وقع بين
стр. 726
ابن مسعود، وسعد الكلام في قرض أقرضه عبد الله إياه، فلم يتيسر على سعد قضاؤه، غضب عليهما عثمان، وانتزعها من سعد، وعزله، وغضب على عبد الله وأقره، واستعمل الوليد بن عقبة - وكان عاملاً على ربيعة بالجزيرة - فقدم الكوفة فلم يتخذ لداره باباً حتى خرج من الكوفة" (١).
٤٨ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (٢) عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضل عن جابر قال: أجرى عثمان على أبي ذر كل يوم عظماً، وعلى رافع بن خديج مثله، وكانا قد تنحيا عن المدينة لشيء سمعاه لم يفسر لهما وأبصرا وقد أخطئا" (٣).
إسناده ضعيف بشعيب وسيف ومبشر.
٤٩ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن مبشر بن الفضيل
стр. 727
عن سالم بن عبد الله (١) قال: لما ولي عثمان، حج سنواته كلها إلا آخر حجة، وحج بأزواج النبي ﷺ كما كان يصنع عمر، فكان عبد الرحمن بن عوف في موضعه، وجعل في موضع نفسه سعيد بن زيد هذا في مؤخر القطار، وهذا في مقدمه، وأمن الناس، وكتب في الأمصار أن يوافيه العمال في كل موسم ومن يشكونهم. وكتب إلى الناس إلى الأمصار أن ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، ولا يذل المؤمن نفسه، فإني مع الضعيف على القوي ما دام مظلوماً إن شاء الله. فكان الناس بذلك، فجرى ذلك إلى أن اتخذه أقوال وسيلة إلى تفريق الأمة" (٢).
٥٠ - ابن عساكر: من طريق السري (٣) بن يحيى عن شعيب قال: "ونا سيف عن مبشر (٤) قال: "سألت سالم بن عبد الله (٥) عن محمد بن أبي بكر (٦) ما دعاه
стр. 728
إلى ركوب عثمان؟ فقال: الغضب، والطمع، فقلت: ما الغضب، والطمع؟ قال: كان من الإسلام بالمكان الذي هو به، وغره أقوام فطمع، وكانت له دالة، ولزمه حق فأخذه عثمان من ظهره، ولم يدهن، فاجتمع هذا إلى هذا، فصار مذمماً بعد أن كان محمداً" (١).
٥١ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن مبش عن سالم (٢) بن عبد الله، قال: لما ولي عثمان لان لهم، فانتزع الحقوق انتزاعاً، ولم يعطل حقاً، فأحبوه على لينه، فأسلمهم ذلك إلى أمر الله " (٣).
٥٢ - قال الطبري: "كتب إليّ السري عن شعيب عن سيف عن المجالد (٤) عن الشعبي (٥) عن المغيرة بن شعبة (٦) قال: قلت لعلي: إن هذا الرجل مقتول، وإنه إن قتل وأنت بالمدينة اتخذوا فيك، فاخرج فكن بمكان كذا وكذا،
стр. 729
فإنك إن فعلت وكنت في غار باليمن طلبك الناس، فأبى، وحصر عثمان اثنين وعشرين يوماً، ثم أحرقوا الباب، وفي الدار أناس كثير، فيهم عبد الله بن الزبير، ومروان، فقالوا: ائذن لنا، فقال: إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهداً، فأنا صابر عليه، وإن القوم لم يحرقوا باب الدار إلا وهم يطلبون ما هو أعظم منه، فأخرج على رجل يستقتل ويقاتل، وخرج الناس كلهم، ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده، فقال: إن أباك الآن لفي أمر عظيم، فأقسمت عليك لما خرجت؛ وأمر عثمان أبا كرب - رجلاً من همدان - وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال وليس فيه إلا غرارتان من ورق، فلما أطفئت النار بعدما ناوشهم ابن الزبير، ومروان، وتوعد محمد بن أبي بكر ابن الزبير، ومروان، فلما دخل على عثمان هربا، ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان، فأخذ بلحيته، فقال: أرسل لحيتي، فلم يكن أبوك لِيَتَنَاوَلَهَا.
فأرسلها، ودخلوا عليه، فمنهم من يجؤه بنعل سيفه، وآخر يلكزه، وجاءه رجل بمشاقص معه، فوجأه في ترقوته، فسال الدم على المصحف وهم في ذلك يهابون في قتله، وكان كبيراً، وغشي عليه، ودخل آخرون فلما رأوه مغشياً عليه جروا برجله، فصاحت نائلة، وبناته، وجاء التجيبي مخترطاً سيفه ليضعه في بطنه، فوقته نائلة، فقطع يدها، واتكأ بالسيف عليه في صدره وقتل عثمان ﵁ قبل غروب الشمس، ونادى منادٍ: ما يحل من دمه ويحرج ماله، فانتهبوا كل شيء ثم تبادروا بيت المال، فألقى الرجلان المفاتيح، ونجوا، وقالوا: الهرب الهرب، هذا ما طلب
стр. 730
القوم" (١).
ورواه ابن عساكر (٢) من طريق السري به نحوه.
وتقدمت شواهد صحيحة لبعض ما في هذه الرواية، فمن ذلك: أنه كان في الدار أناس كثير (٣) وأنه عرض على عثمان قتال الخارجين عليه فرفض وقال: إن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهداً فأنا صابر عليه" (٤).
وقراءته في المصحف قبل دخول القتلة عليه. وسيلان دمه ﵁ على المصحف، بعد ضربه (٥).
٥٣ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (٦) عن شعيب عن سيف عن مجالد (٧) عن الشعبي قال: "دفن عثمان ﵁ من الليل، وصلى عليه مروان بن الحكم، وخرجت ابنته تبكي في أثره، ونائلة ابنة الفرافصة، ﵏" (٨).
стр. 731
ورواه من طريقه ابن عساكر (١).
٥٤ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (٢) عن شعيب عن سيف عن محمد بن مسرقة عن عاصم بن كليب عن سلمة بن نباتة (٣) قال: خرجنا معتمرين، فأتينا الربذة فطلبنا أبا ذر في منزله، فلم نجده، وقالوا: ذهب إلى الماء، فتنحينا، ونزلنا قريباً من منزله، فمر ومعه عظم جزور يحمله معه غلام، فسلم ثم مضى حتى أتى منزله، فلم يمكث إلا قليلاً حتى جاء. فجلس إلينا وقال: إن رسول الله ﷺ قال لي: اسمع، وأطع وإن كان عليك حبشي مجدّع، فنزلت هذا الماء وعليه رقيق من رقيق مال الله وعليهم حبشي - وليس بأجدع، وهو ما علمت وأثنى عليه - ولهم في كل يوم جزور، ولي منها عظم آكله أنا وعيالي. قلت: ما لك من المال؟ قال: صرمة من الغنم، وقطيع من الإبل، في أحدهما غلامي، وفي الآخر أمتي، وغلامي حر إلى رأس السنة. قال: قلت: إن أصحابك قبلنا أكثر الناس مالاً، قال: أما إنهم ليس لهم في مال الله حق إلا ولي مثله. وأما الآخرون، فإنهم رووا في سبب
стр. 732
ذلك أشياء كثيرة، وأموراً شنيعة. كرهت ذكرها" (١).
إسناده ضعيف بشعيب، وسيف، كما أن سلمة لم يوثقه غير ابن حبان.
٥٥ - قال الطبري: "مما كتب إليّ به السري (٢) عن شعيب عن سيف عن المستنير (٣) بن يزيد، عن قيس بن يزيد (٤) النخعي، قال: لما رجع معاوية المسيرين، قالوا: إن العراق والشام ليسا لنا بدار، فعليكم بالجزيرة. فأتوها اختياراً، فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد، فسامهم الشدة فضرعوا له وتابعوه، وسرح الأشتر إلى عثمان، فدعا به، وقال: اذهب حيث شئت، فقال: أرجع إلى عبد الرحمن؛ فرجع. ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان في سنة إحدى عشرة من إمارة عثمان.
وقبل مخرج سعيد بن العاص من الكوفة بسنة، وبعض أخرى بعث الأشعث بن قيس على أذربيجان، وسعيد بن قيس على الري، وكان سعيد بن قيس على همذان، فعزل وجعل عليها النسير العجلي، وعلى أصبهان السائب بن الأقرع، وعلى ماه مالك بن حبيب اليربوعي، وعلى
стр. 733
الموصل حكيم بن سلامة الحزامي، وجرير بن عبد الله على قرقسياء، وسلمان بن ربيعة على الباب، وعلى الحرب القعقاع بن عمرو، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس، وخلت الكوفة من الرؤساء إلا منزوعاً أو مفتوناً.
فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان، فدخل المسجد، فجلس فيه وثاب إليه الذين كان فيه ابن السوداء (١) يكاتبهم، فانقض عليه القعقاع، فأخذ يزيد بن قيس، فقال: إنما نستعفي من سعيد، قال: هذا ما لا يعرض لكم فيه، لا تجلس لهذا ولا يجتمعن إليك واطلب حاجتك فلعمري لتعطينها. فرجع إلى بيته واستأجر رجلاً، وأعطاه دراهم وبغلاً، على أن يأتي المسيرين.
وكتب إليهم: لا تضعوا كتابي من أيديكم حتى تجيئوا، فإن أهل المصر قد جامعونا. فانطلق الرجل، فأتى عليهم وقد رجع الأشتر، فدفع إليهم الكتاب، فقالوا: ما اسمك؟ قال: بغثر. قالوا: ممن؟ قال: من كلب. قالوا: سبع ذليل يبغثر النفوس، لا حاجة لنا بك. وخالفهم الأشتر، ورجع عاصياً. فلما خرج قال لأصحابه: أخرجنا أخرجه الله، لا نجد بداً مما صنع إن علم بنا عبد الرحمن لم يصدقنا ولم يستقلها، فاتبعوه فلم يلحقوه، وبلغ عبد الرحمن أنهم قد رحلوا، فطلبهم في السواد، فسار الأشتر سبعاً، والقوم عشراً فلم يفجأ الناس في يوم الجمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول:
стр. 734
إني قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان، وتركت سعيداً يريده على نقصان نسائكم إلى مائة درهم، ورد أهل البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بال أشراف النساء وهذه العلاوة بين هذين العدلين، ويزعم أن فيئكم بستان قريش، وقد سايرته مرحلة فما زال يرجز بذلك حتى فارقته يقول:
ويل لأشراف النساء مني … صحمح كأنني من جن
فاستخف الناس، وجعل أهل الحجى ينهونه فلا يسمع منهم، وكانت نفجة، فخرج يزيد، وأمر منادياً ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد بن قيس لرد سعيد، وطلب أمير غيره فليفعل. وبقي حلماء الناس وأشرافهم ووجوههم في المسجد، وذهب من سواهم، وعمرو بن حريث يومئذ الخليفة، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً، بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، فلا تعودوا في شر قد استنقذكم الله منه. أبعد الإسلام وهديه وسنته لا تعرفون حقاً، ولا تصيبون بابه؟ فقال القعقاع بن عمرو: أترد السيل عن عبابه، فاردد الفرات عن أدراجه، هيهات لا والله لا تسكن الغوغاء إلا المشرفية. ويوشك أن تنتضي ثم يعجون عجيج العتدان، ويتمنون ما هم فيه فلا يرده الله عليهم أبداً، فاصبر، فقال: أصبر، وتحول إلى منزله؛ وخرج يزيد بن قيس حتى نزل الجرعة ومعه الأشتر، وقد كان سعيد تلبث في الطريق، فطلع عليهم سعيد وهم مقيمون له معسكرون، فقالوا: لا حاجة لنا بك. فقال: فما اختلفتم الآن إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلاً
стр. 735
وتضعوا إليّ رجلاً، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل، ثم انصرف عنهم، وتحسوا بمولى له على بعير قد حسر، فقال: والله ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع. فضرب الأشتر عنقه، ومضى سعيد حتى قد على عثمان، فأخبره الخبر، فقال: ما يريدون؟ أخلعوا يداً من طاعة؟ قال: أظهروا أنهم يريدون البدل. قال: فمن يريدون؟ قال: أبا موسى، قال: قد أثبتنا أبا موسى عليهم، ووالله لا نجعل لأحد عذراً، ولا نترك لهم حجة، ولنصبرن كما أمرنا حتى نبلغ ما يريدون. ورجع من قرب عمله من الكوفة، ورجع جرير من قرقيسياء وعتيبة من حلوان، وقام أبو موسى فتكلم بالكوفة فقال: أيها الناس لا تنفروا في مثل هذا، وتعودوا لمثله، الزموا جماعتكم والطاعة، وإياكم والعجلة، اصبروا فكأنكم بأمير، قالوا: فصل بنا، قال: لا، إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان، قالوا: على السمع والطاعة لعثمان" (١).
٥٧ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (٢) عن شعيب عن سيف عن المستنير (٣) عن أخيه (٤) قال: والله ما علمت ولا سمعت بأحد غزا عثمان ﵁ ولا ركب إليه إلا قتل، لقد اجتمع بالكوفة نفر، فيهم الأشتر، وزيد بن
стр. 736
صوحان، وكعب بن ذي الحبكة، وأبو زينب، وأبو مورع، وكميل بن زياد، وعمير بن ضابئ، فقالوا: لا والله لا يرفع رأس ما دام عثمان على الناس، فقال عمير بن ضابئ وكميل بن زياد: نحن نقتله، فركبا إلى المدينة، فأما عمير فإنه نكل عنه، وأما كميل بن زياد فإنه جسر وثاوره، وكان جالساً يرصده، حتى أتى على عثمان، فوجأ عثمان وجهه، فوقع على أسته، وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين. قال: أولست بفاتك؟ قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، فحلف وقد اجتمع عليه الناس، فقالوا: فتشه يا أمير المؤمنين، فقال: لا قد رزق الله العافية، ولا أشتهي أن أطلع منه على غير ما قال. وقال: إن كان كما قلت يا كميل فاقتد مني - وجئاً - فوالله ما حسبتك إلا تريدني، وقال: إن كنت صادقاً فأجزل الله، وإن كنت كاذباً فأذل الله، وقعد له على قدميه، وقال: دونك، قال: قد تركتك، فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما.
فلما قدم الحجاج، قال: من كان من بعث المهلب فليواف مكتبه، ولا يجعل على نفسه سبيلاً. فقام إليه عمير: وقال إني شيخ ضعيف، ولي ابنان قويان، فأخرج أحدهما مكاني أو كليهما.
فقال: من أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابئ، فقال: والله لقد عصيت الله منذ أربعين سنة، والله لأنكلن بك المسلمين، غضبت لسارق الكلب ظالماً، إن أباك إذ غل لهم، وإنك هممت، ونكلت، وإني أهم ثم لا
стр. 737
ورواه ابن عساكر (١) من طريق السري بن يحيى به، وفيه "حرك" بدل "حول".
٥٩ - روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى (٢) قال: نا شعيب بن إبراهيم نا سيف بن عمر قال: ونا أبو عمرو (٣) عن الحسن (٤) قال: "قلت: تعقل مقتل عثمان ﵁؟
قال: نعم، قلت: فهل تعرف أحداً قام بذلك؟ قال: نعم، قهر الرجل فلم يجد ناصراً، فجاء أبو هريرة وسعد ابن مالك فجئيا بحيالهم وناديا: أبدلنا صفحتك، فأشرف عليهما، وقال: والله لا تقتلان أنفسكما إن رأيتما الطاعة فانصرفا، فوالله ليضربنهم الله بذل ولا ينال إبليس مني أمراً، يدخل به على سلطان الله دخلاً" (٥).
وقد تقدم ما ينقض بعض ما في هذه الرواية، وذلك في قوله: "قهر الرجل فلم يجد ناصراً" فقد تقدم أن أعداداً كبيرة من الرجال استعدوا للدفاع عن عثمان ﵁ ولكنه رفض ذلك (٦).
стр. 738
ورواه ابن عساكر (١) من طريق السري بن يحي به، وفيه "حرك" بدل "حول".
- روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى (٢) قال: نا شعيب بن إبراهيم نا سيف بن عمر قال: ونا أبو عمرو (٣) عن الحسن (٤) قال: "قلت: تعقل مقتل عثمان ﵁؟
قال: نعم، قلت: فهل تعرف أحداً قام بذلك؟ قال: نعم، قهر الرجل فلم يجد ناصراً، فجاء أبو هريرة وسعد ابن مالك فجئيا بحيالهم وناديا: أبدلنا صفحتك، فأشرف عليهما، وقال: والله لا تقتلان أنفسكما إن رأيتما الطاعة فانصرفا، فوالله ليضربنهم الله بذل ولا ينال إبليس مني أمراً، يدخل به على سلطان الله دخلاً" (٥).
وقد تقدم ما ينقض بعض ما في هذه الرواية، وذلك في قوله: "قهر الرجل فلم يجد ناصراً" فقد تقدم أن أعداداً كبيرة من الرجال استعدوا للدفاع عن عثمان ﵁ ولكنه رفض ذلك (٦).
стр. 739
٦٠ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (١) عن شعيب عن سيف قال: حدثنا رجل من بني أسد، قال: كان من حديثه أنه كان قد غزا عثمان ﵁ فيمن غزاه، فلما قدم الحجاج ونادى بما نادى به، عرض رجل عليه ما عوض نفسه، فقبل منه، فلما ولي قال أسماء بن خارجة: لقد كان شأن عمير مما يهمني، قال: ومن عمير؟ قال: هذا الشيخ، قال: ذكرتني الطعن وكنت ناسياً، أليس فيمن خرج إلى عثمان؟ قال: بلى، قال: فهل بالكوفة أحد غيره؟ قال: نعم، كميل، قال: عليّ بعمير، فضرب عنقه، ودعا بكميل فهرب، فأخذ النخع به، فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكبر. فقال: أما والله لتحبسن عني لسانك أو لأحسن رأسك بالسيف. قال: أفعل، فلما رأى كميل ما لقي قومه من الخوف - وهما ألفا مقاتل - قال: الموت خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سببي وحرموا. فخرج حتى أتى الحجاج، فقال له الحجاج: أنت الذي أردت ثم لم يكشفك أمير المؤمنين، ولم ترض، حتى أقعدته للقصاص، إذ دفعك عن نفسه؟ فقال: على أي ذلك تقتلني؟ على عفوه أو على عافيتي؟ قال: يا أدهم بن المحرز، اقتله، قال: والأجر بيني وبينك، قال: نعم، قال أدهم: بل الأجر لك، وما كان من إثم فعلي.
стр. 740
وقال مالك بن عبد الله وكان من المسيرين:
مضت لابن أروى في كميل ظلامة … عفاه له والمستقيد يلام
وقال له لا أقبح اليوم مثلة … عليك أبا عمرو وأنت إمام
رويدك رأسي والذي نسكت له … قريش بنا على الكبير حرام
وللعفو أمن يعرف الناس فضله … وليس علينا في القصاص أثام
ولو علم الفاروق ما أنت صانع … نهى عنك نهياً ليس فيه كلام" (١).
٦١ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (٢) عن شعيب عن سيف عن أبي منصور (٣) قال: سمعت القماذبان (٤) يحدث عن قتل أبيه (٥) قال: كانت العجم (٦) بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمر فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد، فقال: آنس به، فرآه رجل فلما أصيب عمر قال: رأيت هذا مع الهرمزان، دفعه إلى فيروز.
فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: