← История

История · id 12047

فتنة مقتل عثمان بن عفان

محمد بن عبد الله غبان الصبحي

Полный текст (883 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

صوحان، وكعب بن ذي الحبكة، وأبو زينب، وأبو مورع، وكميل بن زياد، وعمير بن ضابئ، فقالوا: لا والله لا يرفع رأس ما دام عثمان على الناس، فقال عمير بن ضابئ وكميل بن زياد: نحن نقتله، فركبا إلى المدينة، فأما عمير فإنه نكل عنه، وأما كميل بن زياد فإنه جسر وثاوره، وكان جالساً يرصده، حتى أتى على عثمان، فوجأ عثمان وجهه، فوقع على أسته، وقال: أوجعتني يا أمير المؤمنين. قال: أولست بفاتك؟ قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، فحلف وقد اجتمع عليه الناس، فقالوا: فتشه يا أمير المؤمنين، فقال: لا قد رزق الله العافية، ولا أشتهي أن أطلع منه على غير ما قال. وقال: إن كان كما قلت يا كميل فاقتد مني - وجئاً - فوالله ما حسبتك إلا تريدني، وقال: إن كنت صادقاً فأجزل الله، وإن كنت كاذباً فأذل الله، وقعد له على قدميه، وقال: دونك، قال: قد تركتك، فبقيا حتى أكثر الناس في نجائهما. فلما قدم الحجاج، قال: من كان من بعث المهلب فليواف مكتبه، ولا يجعل على نفسه سبيلاً. فقام إليه عمير: وقال إني شيخ ضعيف، ولي ابنان قويان، فأخرج أحدهما مكاني أو كليهما. فقال: من أنت؟ قال: أنا عمير بن ضابئ، فقال: والله لقد عصيت الله منذ أربعين سنة، والله لأنكلن بك المسلمين، غضبت لسارق الكلب ظالماً، إن أباك إذ غل لهم، وإنك هممت، ونكلت، وإني أهم ثم لا

стр. 737

ورواه ابن عساكر (١) من طريق السري بن يحيى به، وفيه "حرك" بدل "حول". ٥٩ - روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى (٢) قال: نا شعيب بن إبراهيم نا سيف بن عمر قال: ونا أبو عمرو (٣) عن الحسن (٤) قال: "قلت: تعقل مقتل عثمان ﵁؟ قال: نعم، قلت: فهل تعرف أحداً قام بذلك؟ قال: نعم، قهر الرجل فلم يجد ناصراً، فجاء أبو هريرة وسعد ابن مالك فجئيا بحيالهم وناديا: أبدلنا صفحتك، فأشرف عليهما، وقال: والله لا تقتلان أنفسكما إن رأيتما الطاعة فانصرفا، فوالله ليضربنهم الله بذل ولا ينال إبليس مني أمراً، يدخل به على سلطان الله دخلاً" (٥). وقد تقدم ما ينقض بعض ما في هذه الرواية، وذلك في قوله: "قهر الرجل فلم يجد ناصراً" فقد تقدم أن أعداداً كبيرة من الرجال استعدوا للدفاع عن عثمان ﵁ ولكنه رفض ذلك (٦).

стр. 738

ورواه ابن عساكر (١) من طريق السري بن يحي به، وفيه "حرك" بدل "حول". - روى ابن عساكر: من طريق: السري بن يحيى (٢) قال: نا شعيب بن إبراهيم نا سيف بن عمر قال: ونا أبو عمرو (٣) عن الحسن (٤) قال: "قلت: تعقل مقتل عثمان ﵁؟ قال: نعم، قلت: فهل تعرف أحداً قام بذلك؟ قال: نعم، قهر الرجل فلم يجد ناصراً، فجاء أبو هريرة وسعد ابن مالك فجئيا بحيالهم وناديا: أبدلنا صفحتك، فأشرف عليهما، وقال: والله لا تقتلان أنفسكما إن رأيتما الطاعة فانصرفا، فوالله ليضربنهم الله بذل ولا ينال إبليس مني أمراً، يدخل به على سلطان الله دخلاً" (٥). وقد تقدم ما ينقض بعض ما في هذه الرواية، وذلك في قوله: "قهر الرجل فلم يجد ناصراً" فقد تقدم أن أعداداً كبيرة من الرجال استعدوا للدفاع عن عثمان ﵁ ولكنه رفض ذلك (٦).

стр. 739

٦٠ - قال الطبري: "كتب إليّ السري (١) عن شعيب عن سيف قال: حدثنا رجل من بني أسد، قال: كان من حديثه أنه كان قد غزا عثمان ﵁ فيمن غزاه، فلما قدم الحجاج ونادى بما نادى به، عرض رجل عليه ما عوض نفسه، فقبل منه، فلما ولي قال أسماء بن خارجة: لقد كان شأن عمير مما يهمني، قال: ومن عمير؟ قال: هذا الشيخ، قال: ذكرتني الطعن وكنت ناسياً، أليس فيمن خرج إلى عثمان؟ قال: بلى، قال: فهل بالكوفة أحد غيره؟ قال: نعم، كميل، قال: عليّ بعمير، فضرب عنقه، ودعا بكميل فهرب، فأخذ النخع به، فقال له الأسود بن الهيثم: ما تريد من شيخ قد كفاكه الكبر. فقال: أما والله لتحبسن عني لسانك أو لأحسن رأسك بالسيف. قال: أفعل، فلما رأى كميل ما لقي قومه من الخوف - وهما ألفا مقاتل - قال: الموت خير من الخوف إذا أخيف ألفان من سببي وحرموا. فخرج حتى أتى الحجاج، فقال له الحجاج: أنت الذي أردت ثم لم يكشفك أمير المؤمنين، ولم ترض، حتى أقعدته للقصاص، إذ دفعك عن نفسه؟ فقال: على أي ذلك تقتلني؟ على عفوه أو على عافيتي؟ قال: يا أدهم بن المحرز، اقتله، قال: والأجر بيني وبينك، قال: نعم، قال أدهم: بل الأجر لك، وما كان من إثم فعلي.

стр. 740

وقال مالك بن عبد الله وكان من المسيرين: مضت لابن أروى في كميل ظلامة … عفاه له والمستقيد يلام وقال له لا أقبح اليوم مثلة … عليك أبا عمرو وأنت إمام رويدك رأسي والذي نسكت له … قريش بنا على الكبير حرام وللعفو أمن يعرف الناس فضله … وليس علينا في القصاص أثام ولو علم الفاروق ما أنت صانع … نهى عنك نهياً ليس فيه كلام" (١). ٦١ - قال الطبري: "وكتب إليّ السري (٢) عن شعيب عن سيف عن أبي منصور (٣) قال: سمعت القماذبان (٤) يحدث عن قتل أبيه (٥) قال: كانت العجم (٦) بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمر فيروز بأبي، ومعه خنجر له رأسان، فتناوله منه، وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد، فقال: آنس به، فرآه رجل فلما أصيب عمر قال: رأيت هذا مع الهرمزان، دفعه إلى فيروز. فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال:

стр. 741

يا بني هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله، فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم - وسبوا عبيد الله - فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا، وسبوه فرتكه لله ولهم. فاحتملوني فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال، وأكفهم" (١).

стр. 742

القسم الثامن: مرويات محمد بن عمر الواقدي عن الفتنة

стр. 743

١ - قال ابن سعد: "أخبرنا محمد بن عمر (١) حدثني إبراهيم بن جعفر (٢) عن أم الربيع (٣) بنت عبد الرحمن بن محمد بن مسلمة، عن أبيها (٤) قال: وحدثني يحيى بن عبد العزيز (٥) عن جعفر بن محمود (٦) عن محمد بن مسلمة (٧) قال: وحدثني ابن جريج (٨) وداود (٩) بن عبد الرحمن

стр. 744

العطار، عن عمرو بن دينار (١) عن جابر (٢) بن عبد الله، أن المصريين لما أقبلوا من مصر يريدون عثمان، ونزلوا بذي خشب دعا عثمان محمد بن مسلمة فقال: اذهب إليهم فارددهم عني، وأعطهم الرضى، وأخبرهم أني فاعل بالأمور التي طلبوا، ونازع عن كذا من الأمور التي تكلموا فيها. فركب محمد بن مسلمة إليهم إلى ذي خشب. قال جابر: وأرسل معه عثمان خمسين راكباً من الأنصار أنا فيهم. وكان رؤساؤهم أربعة: عبد الرحمن بن عديس البلوي، وسودان بن حمران المرادي، وابن البياع، وعمرو بن الحمق الخزاعي، لقد كان الاسم غلب حتى يقال: جيش عمرو بن الحمق. فأتاهم محمد بن مسلمة فقال: إن أمير المؤمنين يقول كذا ويقول كذا، وأخبرهم بقوله، فلم يزل بهم حتى رجعوا، فلما كانوا بالبويب رأوا جملاً عليه ميسم الصدقة، فأخذوه، فإذا غلام لعثمان، فأخذوا متاعه ففتشوه فوجدوا فيه قصبة من رصاص فيها كتاب في جوف الإدارة في الماء إلى عبد الله بن سعد، أن افعل بفلان كذا، وبفلان كذا من القوم

стр. 745

الذين شرعوا في عثمان، فرجع القوم ثانية، حتى نزلوا بذي خشب، فأرسل عثمان إلى محمد بن مسلمة فقال: اخرج فارددهم عني، فقال: لا أفعل. قال: فقدموا، فحصروا عثمان" (١). ورواه من طريقه ابن عساكر (٢). وهذا الإسناد لا يعلل بغير الواقدي. ٢ - قال الطبري: قال محمد (٣): وحدثني إبراهيم بن سالم (٤) عن أبيه (٥) عن بُسر (٦) ابن سعيد، قال: وحدثني عبد الله بن عياش (٧) بن أبي ربيعة، قال:

стр. 746

دخلت على عثمان ﵁ فتحدثت عنده ساعة، فقال: يا ابن عياش، تعال، فأخذ بيدي، فأسمعني كلام من على باب عثمان، فسمعنا كلاماً، منهم من يقول: ما تنتظرون به؟ ومنهم من يقول: انظروا عسى أن يراجع، فبينا أنا وهو واقفان إذ مر طلحة بن عبيد الله، فوقف على. فقال: أين ابن عديس؟ فقيل: ها هو ذا، قال: فجاءه ابن عديس فناجاه بشيء، ثم رجع ابن عديس فقال لأصحابه: لا تتركوا أحداً يدخل على هذا الرجل، ولا يخرج من عنده. قال: فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة بن عبيد الله. ثم قال عثمان: اللهم اكفني طلحة بن عبيد الله، فإنه حمّل عليّ هؤلاء وألبهم، والله إني لأرجو أن يكون منها صفراً، وأن يسفك دمه، إنه انتهك مني ما لا يحل له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه فيقتل، أو رجل زنى بعد إحصانه فيرجم، أو رجل قتل نفساً بغير نفس" ففيم أقتل؟ قال: ثم رجع عثمان. قال ابن عياش: فأردت أن أخرج، فمنعوني حتى مرَّ بي محمد بن أبي بكر، فقال: خلوه، فخلوني) " (١).

стр. 747

وهذا الإسناد ليس فيه ما يعله غير الواقدي. ٣ - قال الطبري: "ذكر محمد بن عمر الواقدي (١) أن أسامة بن زيد (٢) حدثه عن داود بن الحصين (٣) عن عكرمة (٤) عن ابن عباس (٥) قال: لما حصر عثمان الحصر الآخر، قال عكرمة: فقلت لابن عباس: أو كانا حصرين؟ فقال ابن عباس: نعم، الحصر الأول، حصر اثنتي عشرة - وقدم المصريون، فلقيهم عليّ بذي خشب، فردهم عنه، وقد كان والله عليّ له صاحب صدق، حتى أوغر نفس عليّ عليه، جعل مروان وسعيد وذووهما يحملونه على عليّ، فيتحمل، ويقولون: لو شاء ما كلمك أحد، وذلك أن علياً كان يكلمه وينصحه، ويغلط عليه في المنطق في مروان وذويه، فيقولون لعثمان: هكذا يستقبلك وأنت إمامه وسلفه وابن عمه وابن عمته، فما ظنك بما غاب عنك منه، فلم يزالوا بعليّ حتى أجمع ألا

стр. 748

يقوم دونه، فدخلت عليه اليوم الذي خرجت فيه إلى مكة، فذكرت له أن عثمان دعاني إلى الخروج، فقال لي، ما يريد عثمان أن ينصحه أحد، اتخذ بطانة أهل غش ليس منهم أحد إلا قد تسبب بطائفة من الأرض، يأكل خراجها، ويستذل أهلها، فقلت له: إن له رحماً وحقاً، فإن رأيت أن تقوم دونه فعلت، فإنك لا تعذر إلا بذلك. قال ابن عباس: فالله يعلم أني رأيت فيه الانكسار والرقة لعثمان، ثم إني لأراه يؤتى إليه عظيم. ثم قال عكرمة: وسمعت ابن عباس يقول: قال لي عثمان: يا ابن عباس، اذهب إلى خالد بن العاص، وهو بمكة، فقل له: يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام، ويقول لك: إني محصور منذ كذا وكذا يوماً، لا أشرب إلا من الأجاج من داري، وقد منعت بئراً اشتريتها من صلب مالي رومة، فإنما يشربها الناس ولا أشرب منها شيئاً، ولا آكل إلا مما في بيتي، منعت أن آكل مما في السوق شيئاً، وأنا محصور كما ترى، فأمره، وقل له: فليحج بالناس، وليس بفاعل، فإن أبى فاحجج أنت بالناس. فقدمت الحج في العشر، فجئت خالد بن العاص، فقلت له ما قال لي عثمان، فقال لي: هل طاقة بعداوة من ترى؟ فأبى أن يحج وقال: فحج أنت بالناس: فأنت ابن عم الرجل، وهذا الأمر لا يفضي إلا إليه - يعني علياً - وأنت أحق أن تحمل له ذلك، فحججت بالناس، ثم قفلت في آخر الشهر، فقدمت المدينة وإذا عثمان قد قتل، وإذا الناس يتواثبون على رقبة

стр. 749

عليّ بن أبي طالب. فلما رآني عليّ ترك الناس، وأقبل عليّ فانتجاني، فقال: ما ترى فيما وقع؟ فإنه قد وقع أمر عظيم كما ترى لا طاقة لأحد به، فقلت: أرى أنه لا بد للناس منك اليوم، فأرى أنه لا يبايع اليوم أحد إلا اتهم بدم هذا الرجل، فأبى إلا أن يبايع، فاتهم بدمه" (١). وهذا الخبر معلٌ بغير الواقدي فإن حديث داود عن عكرمة فيه ضعف. ٤ - قال الطبري: "قال محمد (٢): وحدثني أسامة بن زيد (٣) الليثي عن يحيى بن عبد الرحمن (٤) بن حاطب، عن أبيه (٥) قال: أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي ﷺ التي كان يخطب عليها أبوبكر وعمر ﵄، فقال له جهجاه: قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر، وأخذ العصا، فكسرها على ركبته اليمنى، فدخلت شظية منها فيها، فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة،

стр. 750

فرأيتها تدود، فنزل عثمان، وحملوه، وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين حتى حصر، فقتل. حدثني أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن جهجاهاً الغفاري أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرمي في ذلك المكان بأكلة" (١). وليس في هذا الخبر ما يعلله غير الواقدي، وما في أسامة من وهم. ٥ - قال الطبري: قال محمد (٢) وحدثني إسحاق بن يحيى (٣) عن موسى بن طلحة (٤) قال: رأيت عروة بن شييم ضرب مروان يوم الدار بالسيف على رقبته، فقطع إحدى علباويه، فعاش مروان أوقص، ومروان الذي يقول: ما قلت يوم الدار للقوم حاجزوا … رويدا ولا استبقوا الحياة على القتل ولكنني قد قلت للقوم ماصعوا … بأسيافكم كيما يصلن إلى الكهل" (٥) وهذا الخبر معلول بغير الواقدي، ففي إسحاق ضعف.

стр. 751

٦ - قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر (١) قال: حدثني الحكم بن القاسم (٢) عن أبي عون (٣) مولى المسور بن مخرمة، قال: ما زال المصريون كافين عن دمه وعن القتال حتى قدمت أمداد العراق من الكوفة ومن البصرة ومن الشام، فلما جاءوا، وشجع القوم؛ حين بلغهم أن البعوث قد فصلت من العراق من عند ابن عامر، ومن مصر من عند عبد الله بن سعد، فقالوا: نعاجله قبل أن تقدم الأمداد" (٤). ورواه من طريقه ابن عساكر (٥). ورواه الطبراني عن محمد بن عمر به نحوه، وفيه: "فلما جاءوا شجعوا القوم وبلغهم … " وبزيادة: "ولم يكن ابن سعد بمصر قبل ذلك، وكان هارباً قد خرج إلى الشام، فقالوا: … " (٦). إسناده ضعيف جداً بالواقدي، كما أن باقي رجاله مجهولون.

стр. 752

٧ - قال الطبري: "قال الواقدي (١): وحدثني داود بن خالد (٢) عن عبد الملك بن عمرو (٣) بن أبي سفيان الثقفي، عن عمه (٤) قال: صلى عثمان بالناس بمنى أربعاً، فأتى آت عبد الرحمن بن عوف، فقال: هل لك في أخيك؟ قد صلى بالناس أربعاً، فصلى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين، ثم خرج حتى دخل على عثمان، فقال له: ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله ﷺ ركعتين؟ قال: بلى، قال: أفلم تصل مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى، قال: أفلم تصل مع عمر ركعتين؟ قال: بلى، قال: ألم تصل صدراً من خلافتك ركعتين؟ قال: بلى، قال: فاسمع مني يا أبا محمد، إني أخبرت أن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إن الصلاة للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين، وقد اتخذت بمكة أهلاً، فرأيت أن أصلي أربعاً لخوف ما أخاف على الناس، وأخرى قد اتخذت بها زوجة، ولي بالطائف مال، فربما اطلعته فأقمت فيه بعد الصدر. فقال عبد الرحمن بن عوف: ما من هذا شيء لك فيه عذر، أما قولك: اتخذت أهلاً، فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت، وتقدم بها إذا شئت، إنما تسكن بسكناك. وأما قولك: ولي مال بالطائف، فإن بينك

стр. 753

وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال، وأنت لست من أهل الطائف. وأما قولك: يرجع من حج من أهل اليمن وغيرهم فيقولون: هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو مقيم، فقد كان رسول الله ﷺ ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإسلام فيهم قليل، ثم أبوبكر مثل ذلك، ثم عمر، فضرب الإسلام بجرّانه، فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين. فقال عثمان: هذا رأي رأيته. قال: فخرج عبد الرحمن فلقي ابن مسعود فقال: يا أبا محمد، غير ما يعلم؟ قال: لا، قال: فما أصنع؟ قال: اعمل أنت بما تعلم، فقال ابن مسعود: الخلاف شر، قد بلغني أنه صلى أربعاً فصليت بأصحابي أربعاً، فقال عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنه صلى أربعاً، فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول - يعني نصلي معه أربعاً" (١). إسناده ضعيف جداً بالواقدي، كما أن عبد الملك وعمه مجهولان. ٨ - قال الطبري: "قال محمد بن عمر (٢): حدثني ربيعة بن عثمان (٣): جاء المؤذن - سعد القرظ - إلى عليّ بن أبي طالب في ذلك اليوم، فقال: من يصلي

стр. 754

بالناس؟ فقال عليّ: ناد خالد بن زيد، فنادى خالد بن زيد، فصلى بالناس - فإنه لأول يوم عرف أن أبا أيوب خالد بن زيد - فكان يصلي بهم أياماً، ثم صلى عليّ بعد ذلك بالناس" (١). إسناده ضعيف جداً بالواقدي؛ كما أنه منقطع أيضاً، فربيعة ولد سنة (٧٧) هـ أي بعد الفتنة باثنتين وأربعين سنة، فروايته عنها منقطعة. ٩ - قال ابن سعد: وأخبرنا محمد بن عمر (٢) قال: حدثني الزبير بن عبد الله (٣) عن جدته (٤) قالت: لما ضربه بالمشاقص قال عثمان: بسم الله توكلت على الله، وإذا الدم يسيل على اللحية يقطر والمصحف بين يديه، فاتكأ على شقه الأيسر وهو يقول: سبحان الله العظيم، وهو في ذلك يقرأ المصحف والدم يسيل على المصحف، حتى وقف الدم عند قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وأطبق المصحف، وضربوه جميعاً

стр. 755

ضربة واحدة، فضربوه والله، بأبي هو يحيي الليل في ركعة، ويصل الرحم، ويطعم الملهوف، ويحمل الكل، فرحمه الله" (١). ورواه من طريقه ابن عساكر (٢). وهذا الإسناد ضعيف جداً بالواقدي، كما أن جدة الزبير مجهولة. ١٠ - قال الطبري: "قال محمد (٣): وحدثني الزبير بن عبد الله (٤) عن يوسف بن عبد الله (٥) بن سلام، قال: أضرف عثمان عليهم وهو محصور، وقد أحاطوا بالدار من كل ناحية. فقال: أنشدكم بالله - جل وعز -، هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن يخير لكم، وأن يجمعكم على خيركم؟ فما ظنكم بالله أتقولون: لم يستجب لكم، وهنتم على الله سبحانه، وأنتم يومئذ أهل حقه من خلقه وجميع أموركم لم تتفرق، أم تقولون: هان على الله دينه، فلم يبال من ولاه، والدين يومئذ يعبد به الله، ولم يتفرق أهله، فتوكلوا أو تخذلوا، وتعاقبوا، أم تقولون: لم

стр. 756

يكن أخذ عن مشورة، وإنما كابرتم مكابرة، فوكل الله الأمة إذا عصته لم تشاوروا في الإمام، ولم تجتهدوا في موضع كراهته، أم تقولون: لم يدر الله ما عاقبة أمري، فكنت في بعض أمري محسناً، ولأهل الدين رضا، فما أحدثت بعد في أمري ما يسخط الله وتسخطون مما لم يعلم الله سبحانه يوم اختارني وسربلني سربال كرامته. وأنشدكم بالله هل تعلمون لي من سابقة خير وسلف خير، قدمه الله لي، وأشهدنيه من حقه، وجهاد عدوه، حق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها. فمهلاً، لا تقتلوني، فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إسلامه، أو قتل نفساً بغير نفس، فيقتل بها، فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفعه الله عنكم إلى يوم القيامة. ولا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني لم تصلوا من بعدي جميعاً أبداً ولم تقسموا بعدي شيئاً جميعاً أبداً، ولن يرفع الله عنكم الاختلاف أبداً. قالوا له: أما ما ذكرت من استخارة الله الناس بعد عمر ﵁ فيمن يولون عليهم، ثم ولوك بعد استخارة الله، فإن كل ما صنع الله الخيرة، ولكن الله - سبحانه - جعل أمرك بلية ابتلى بها عباده. وأما ما ذكرت من قدمك وسبقك مع رسول الله ﷺ ، فإنك كنت ذا قدم وسلف، وكنت أهلاً للولاية، ولكن بدّلت بعد ذلك، وأحدثت ما قد علمت. وأما ما ذكرت مما يصيبنا إن نحن قتلناك من البلاء، فإنه لا ينبغي ترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاماً قابلاً. وأما قولك: إنه لا يحل إلا

стр. 757

قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت، قتل من سعى في الأرض فساداً، وقتل من بغى، ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق، ومنعه، ثم قاتل دونه، وكابر عليه، وقد بغيت، ومنعت الحق، وحلت دونه، وكابرت عليه، تأبى أن تقيد من نفسك من ظلمك عمداً، وتمسكت بالإمارة علينا، وقد جُرت في حكمك وقسمك، فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليه، وأن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون بغير أمرك، فإنما يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو أنك خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال دونك" (١). إسناده ضعيف جداً بالواقدي والزبير، قال عنه الحافظ ابن حجر: "مقبول" ولم يتابع في روايته هذه، فإذاً يصبح لين الحديث. وفي سماع الزبير من يوسف نظر، فالزبير من الطبقة السادسة، ويوسف صحابي صغير؛ فيبعد سماعه منه، والله أعلم. ١١ - قال الطبري: "وأما الواقدي (٢) فإنه ذكر أن سعد بن راشد (٣) حدثه عن صالح ابن كيسان (٤) أنه قال:

стр. 758

لما قتل عثمان ﵁ قال رجل: يدفن بدير سلع مقبرة اليهود، فقال حكيم بن حزام: والله لا يكون هذا أبداً وأحد من بني قصي حي، حتى كاد الشر يلتحم، فقال ابن عديس البلوي: أيها الشيخ، وما يضرك أين يدفن؟ فقال حكيم بن حزام: لا يدفن إلا ببقيع الغرقد حيث دفن سلفه وفرطه، فخرج به حكيم بن حزام في اثني عشر رجلاً، وفيهم الزبير، فصلى عليه حكيم بن حزام. قال الواقدي: الثبت عندنا أنه صلى عليه جبير بن مطعم" (١). إسناده ضعيف جداً؛ الواقدي متروك، وسعد مجهول، وصالح بن كيسان روايته عن الفتنة منقطعة. قال العلائي: "رأى ابن عمر وابن الزبير، واختلف في سماعه منهما، وأثبته يحيى بن معين، ولم يدرك عقبة بن عامر بل هو عنه مرسل" (٢). قلت: من لم يدرك عقبة بن عامر ﵁ الذي توفي في خلافة معاوية (٣) لم يدرك الفتنة التي كانت سنة (٣٥) هـ. ١٢ - قال الطبري: "قال محمد (٤): وحدثني سعد بن راشد (٥) عن صالح بن كيسان (٦) قال:

стр. 759

قتل عثمان ﵁ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر" (١). إسناده ضعيف جداً: فيه عدة علل سبق بيانها في الرواية السابقة. ١٣ - قال الطبري: "قال محمد بن عمر (٢): وحدثني شرحبيل (٣) بن أبي عون، عن يزيد بن أبي حبيب (٤) عن أبي الخير (٥) قال: لما خرج المصريون إلى عثمان ﵁، بعث عبد الله بن سعد رسولاً أسرع السير، يعلم عثمان بمخرجهم. ويخبره أنهم يظهرون أنهم يريدوه العمرة. فقدم الرسول على عثمان بن عفان يخبرهم، فتكلم عثمان، وبعث إلى أهل مكة يحذر من هناك هؤلاء المصريين، ويخبرهم أنهم قد طعنوا على إمامهم. ثم إن عبد الله ابن سعد خرج إلى عثمان في آثار المصريين - وقد كان كتب إليه يستأذنه في القدوم عليه، فأذن له - فقدم ابن سعد، حتى إذا كان بأيلة بلغه أن المصريين قد رجعوا إلى عثمان، وأنهم قد حصروه، ومحمد بن أبي حذيفة بمصر، فلما بلغ محمداً حصر عثمان وخروج عبد الله

стр. 760

ابن سعد عنه غلب على مصر، فاستجابوا له، فأقبل عبد الله بن سعد يريد مصر، فمنعه ابن أبي حذيفة، فوجه إلى فلسطين، فأقام بها حتى قتل عثمان ﵁، وأقبل المصريون حتى نزلوا بالأسواق، فحصروا عثمان، وقدم حكيم ابن جبلة من البصرة في ركب، وقدم الأشتر في أهل الكوفة، فتوافوا بالمدينة، فاعتزل الأشتر، فاعتزل حكيم بن جبلة، وكان ابن عديس وأصحابه هم الذين يحصرون عثمان، فكانوا خمسمائة، فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يوماً، حتى قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين" (١). إسناده ضعيف جداً بالواقدي، وبجهالة شيخه، وباقي رجاله ثقات، وأبو الخير ت سنة (٩٠) هـ. ١٤ - قال الطبري: "قال محمد بن عمر (٢): وحدثني شرحبيل بن أبي عون (٣) عن أبيه (٤) عن أبي حفصة اليماني (٥) قال: كنت لرجل من أهل البادية من العرب فأعجبته - يعني مروان - فاشتراني واشترى امرأتي وولدي، فاعتقنا جميعاً،

стр. 761

ابن سعد عنه غلب على مصر، فاستجابوا له، فأقبل عبد الله بن سعد يريد مصر، فمنعه ابن أبي حذيفة، فوجه إلى فلسطين، فأقام بها حتى قتل عثمان ﵁، وأقبل المصريون حتى نزلوا بالأسواق، فحصروا عثمان، وقدم حكيم ابن جبلة من البصرة في ركب، وقدم الأشتر في أهل الكوفة، فتوافوا بالمدينة، فاعتزل الأشتر، فاعتزل حكيم بن جبلة، وكان ابن عديس وأصحابه هم الذين يحصرون عثمان، فكانوا خمسمائة، فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يوماً، حتى قتل يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين" (١). إسناده ضعيف جداً بالواقدي، وبجهالة شيخه، وباقي رجاله ثقات، وأبو الخير ت سنة (٩٠) هـ. ١٤ - قال الطبري: "قال محمد بن عمر (٢): وحدثني شرحبيل بن أبي عون (٣) عن أبيه (٤) عن أبي حفصة اليماني (٥) قال: كنت لرجل من أهل البادية من العرب فأعجبته - يعني مروان - فاشتراني واشترى امرأتي وولدي، فاعتقنا جميعاً،

стр. 762

أبيه (١) قال: سمعت عبد الرحمن بن الأسود (٢) بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم فقال: قبح الله مروان خرج عثمان إلى الناس، فأعطاهم الرضا، وبكى على المنبر، وبكى الناس، حتى نظرت إلى لحية عثمان مخضلة بالدموع، وهو يقول: اللهم إني أتوب إليك، اللهم إني أتوب إليك، اللهم إني أتوب إليك، والله لئن ردني الحق إلى أن أكون عبداً قِناًّ لأرضين به، إذا دخلتُ منزلي فادخلوا علي، فو الله لا أحتجب منكم، ولأعطينكم الرضا، ولأزيدنكم على الرضا، ولأنحين مروان وذويه. قال: فلما دخل أمر بالباب، ففتح، ودخل بيته، ودخل عليه مروان، فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتى فتله عن رأيه، وأزاله عما كان يريد، فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ما خرج استحياء من الناس، وخرج مروان إلى الناس، فقال: شاهت الوجوه إلا من أريد ارجعوا إلى منازلكم، فإن يكن لأمير المؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه، وإلا قرَّ في بيته. قال عبد الرحمن: فجئت إلى عليّ، فأجده بين القبر والمنبر، وأجد عنده عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر، وهما يقولان: صنع مروان بالناس وصنع، قال: فأقبل عليّ علي: فقال: أحضرت خطبة عثمان؟ قلت: نعم،

стр. 763

قال: أفحضرت مقالة مروان للناس؟ قلت: نعم، قال عليّ: عياذ الله يا للمسلمين، إني إن قعدت في بيتي، قال لي: تركتني وقرابتي وحقي، وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان، فصار سيقة له يسوقه، حيث شاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله ﷺ . قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم يزل حتى جاء رسول عثمان: ائتني، فقال عليّ بصوت مرتفع عال مغضب: قل له: ما أنا بداخل عليك ولا عائد. قال: فانصرف الرسول. قال: فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين خائباً، فسألت ناتلا غلامه: من أين جاء أمير المؤمنين؟ فقال: كان عند عليّ. فقال عبد الرحمن بن الأسود: فغدوت، فجلست مع عليّ ﵇، فقال لي: جاءني عثمان البارحة، فجعل يقول: إني غير عائد، وإني فاعل، قال: فقلت له: بعدما تكلمت به على منبر رسول الله ﷺ ، وأعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك، وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم، قال: فرجع، وهو يقول: قطعت رحمي، وخذلتني، وجرأت الناس علي. فقلت: والله إني لأذب الناس عنك، ولكني كلما جئتك بهنة أظنها لك رضا جاء بأخرى، فسمعت قول مروان علي، واستدخلت مروان. قال: ثم انصرف إلى بيته. قال عبد الرحمن بن الأسود: فلم أزل أرى علياً منكباً عنه لا يفعل ما كان يفعل إلا أني أعلم أنه قد كلم طلحة حين حصر في أن يدخل عليه الروايا، وغضب فيذلك غضباً شديداً، حتى

стр. 764

دخلت الروايا على عثمان" (١). إسناده ضعيف جداً: بالواقدي، كما أن شيخه وشيخ شيخه مجهولان. ١٦ - قال الطبري: "قال محمد بن عمر (٢): حدثني شيبان (٣) عن مجالد (٤) عن الشعبي (٥) قال: قدم سعيد بن العاص الكوفة، فجعل يختار وجوه الناس؛ يدخلون عليه، ويسمرون عنده، وإنه سمر عنده ليلة وجوه أهل الكوفة، منهم مالك بن كعب الأرحبي، والأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس النخعيان، وفيهم مالك بن الأشتر في رجال، فقال سعيد: إنما هذا السواد بستان لقريش، فقال الأشتر: أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك؟ والله ما يزيد أوفاكم فيه نصيباً إلا أن يكون كأحدنا، وتكلم معه القوم.

стр. 765

قال: فقال عبد الرحمن الأسدي - وكان على شرطة سعيد: أتردون على الأمير مقالته؟ وأغلظ لهم، فقال الأشتر: من هاهنا لا يفوتنكم الرجل، فوثبوا عليه فوطئوه وطأً شديداً، حتى غشي عليه، ثم جُر برجله فألقي فنُضح بماء فأفاق، فقال له سعيد: أبك حياة؟ فقال: قتلني من انتخبت - زعمت - للإسلام، فقال: والله لا يسمر منهم عندي أحد أبداً، فجعلوا يجلسون في مجالسهم وبيوتهم يشتمون عثمان وسعيداً، واجتمع الناس إليهم، حتى كثر من يختلف إليهم، فكتب سعيد إلى عثمان يخبره بذلك، ويقول: إن رهطاً من أهل الكوفة، سماهم له عشرة - يؤلبون ويجتمعون في عيبك وعيبي والطعن في ديننا، وقد خشيت إن ثبت أمرهم أن يكثروا، فكتب عثمان إلى سعيد: أن سيِّرهم إلى معاوية - ومعاوية يومئذ على الشام - فسيَّرهم - وهم تسعة نفر - إلى معاوية، فيهم مالك بن الأشتر، وثابت بن قيس بن منقع، وكميل بن زياد النخعي، وصعصعة بن صوحان. ثم ذكر نحو حديث السري، عن شعيب (١) إلا أنه قال: فقال صعصعة: فإن اخترقت الجنة أفليس يخلص إلينا؟ فقال معاوية: إن الجنة لا تخترق، فضع أمر قريش على أحسن ما يحضرك. وزاد فيه أيضاً: إن معاوية لما عاد إليهم من القابلة، وذكرهم، قال فيما يقول: وإني والله ما آمركم بشيء إلا قد بدأت فيه بنفسي وأهل بيتي

стр. 766

وخاصتي، وقد عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها، إلا ما جعل الله لنبيه نبي الرحمة ﷺ ، فإن الله انتخبه وأكرمه، فلم يخلق في أحد من الأخلاق الصالحة شيئاً إلا أصفاه الله بأكرمها وأحسنها، ولم يخلق من الأخلاق السيئة شيئاً في أحد إلا أكرمه الله عنها ونزهه، وإني لأظن أن أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازماً، قال صعصعة: كذبت، قد ولدهم خير من أبي سفيان، من خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البر والفاجر، والأحمق والكيِّس. فخرج تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم القابلة، فتحدث عندهم طويلاً، ثم قال: أيها القوم، ردوا عليَّ خيراً أو اسكتوا، وتفكروا، وانظروا فيما ينفعكم، وينفع أهليكم، وينفع عشائركم، وينفع جماعة المسلمين، فاطلبوه تعيشوا ونعش بكم، فقال صعصعة: لست بأهل ذلك ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله. فقال: أوليس ما ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعته وطاعة نبيه ﷺ وأن تعتصموا بحبله جميعاً ولا تفرقوا؟ قالوا: بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي ﷺ ، قال: فإني آمرك الآن، إن كنت فعلت فأتوب إلى الله، وآمركم بتقواه وطاعته وطاعة نبيه ﷺ ولزوم الجماعة، وكراهة الفرقة، وأن توقروا أئمتكم، وتدلوهم على كل حسن ما قدرتم، وتعظوهم في لين ولطف في شيء إن كان منهم. فقال صعصعة: فإنا نأمرك أن تعتزل عملك، فإن في المسلمين من هو أحق به منك، قال: من هو؟ قال: من كان أبوه أحسن قدماً من

стр. 767

أبيك، وهو بنفسه أحسن قدماً منك في الإسلام، فقال: والله إن لي في الإسلام قدماً ولغيري كان أحسن قدماً مني، ولكنه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني، ولقد رأى ذلك عمر بن الخطاب، فلو كان غيري أقوى مني لم يكن لي عند عمر هوادة ولا لغيري، ولم أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزل عملي، ولو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة المسلمين لكتب إلي بخط يده، فاعتزلت عمله، ولو قضى الله أن يفعل ذلك لرجوت ألا يعزم له على ذلك إلا وهو خير، فمهلاً فإن في ذلك وأشباهه ما يتمنى الشيطان، ويأمر، ولعمري، لو كانت الأمور تقضي على رأيكم وأمانيكم ما استقامت الأمور لأهل الإسلام يوماً ولا ليلة، ولكن الله بقضيها، ويدبرها، وهو بالغ أمره، فعادوا الخبر، وقولوه. فقالوا: لست لذلك أهلاً، فقال: أما والله إن لله لسطوات ونقمات، وإني لخائف عليكم أن تتابعوا في مطاوعة الشيطان حتى تحلكم مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن دار الهوان من نقم الله في عاجل الأمر، والخزي الدائم في الآجل. فوثبوا عليه، فأخذوا برأسه ولحيته، فقال: مه، إن هذه ليست بأرض الكوفة، والله لو رأى أهل الشام ما صنعتم بي وأنا إمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم، فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضاً، ثم أقام من عندهم، فقال: والله لا أدخل عليكم مدخلاً ما بقيت. ثم كتب إلى عثمان:

стр. 768

بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عثمان أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان، أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنك بعثت إلي أقواماً يتكلمون بألسنة الشياطين وما يملون عليهم ويأتون الناس - زعموا - من قبل القرآن، فيشبهون على الناس، وليس كل الناس يعلم ما يريدون، وإنما يريدون فرقة ويقربون فتنة، قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم، وتمكنت رقى الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيراً من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة، ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم وفجورهم، فارددهم إلى مصرهم، فلتكن دارهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم، والسلام. فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردهم إليه فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم؛ حين رجعوا. وكتب سعيد إلى عثمان يضج منهم، فكتب عثمان إلى سعيد أن سيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان أميراً على حمص. وكتب إلى الأشتر وأصحابه: أما بعد، فإني قد سيرتكم إلى حمص، فإذا أتاكم كتابي هذا، فاخرجوا إليها، فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شراً، والسلام. فلما قرأ الأشتر الكتاب، قال: اللهم أسوأنا نظراً للرعية، وأعملنا فيهم بالمعصية، فعجل له النقمة. فكتب بذلك سعيد إلى عثمان، وسار الأشتر وأصحابه إلى حمص،

стр. 769

فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل، وأجرى عليهم رزقاً " (١). إسناده ضعيف جداً بالواقدي، كما أنه منقطع؛ لأن الشعبي يتوقع عمره حين الفتنة سبع سنوات؛ لأنه توفي سنة (١٠٥) هـ وله (٧٧) سنة، فإذً سنة ولادته سنة (٢٨) هـ (٢). ١٧ - قال الطبري: "قال محمد بن عمر (٣): وحدثني الضحاك (٤) بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان الوالبي (٥) قال: قتل عثمان ﵁ يوم الجمعة ضحوة، فلم يقدروا على دفنه، وأرسلت نائلة ابنة الفرافصة إلى حويطب بن عبد العزى وجبير بن مطعم، وأبي جهم بن حذيفة، وحكيم بن حزام، ونيار الأسلمي، فقالوا: إنا لا نقدر أن نخرج به نهاراً، وهؤلاء المصريون على الباب، فأمهلوا حتى كان بين المغرب والعشاء، فدخل القوم، فحيل بينهم وبينه. فقال أبو جهم: والله لا يحول بيني وبينه أحد إلا مت دونه، احملوه

стр. 770

فحمل إلى البقيع، قال: وتبعتهم نائلة بسراج استسرجته بالبقيع وغلام لعثمان، حتى انتهوا إلى نخلات عليها حائط فدقوا الجدار، ثم قبروه في تلك النخلات، وصلى عليه جبير بن مطعم، فذهبت نائلة تريد أن تتكلم، فزبرها القوم، وقالوا: إنا نخاف عليه من هؤلاء الغوغاء أن ينبشوه، فرجعت نائلة إلى منزلها" (١). إسناده ضعيف جدا: بالواقدي، كما أنه منقطع، مخرمة ت سنة (١٣٠) هـ فيبعد أن يكون قد أدرك عثمان ﵁. ١٨ - قال الطبري: "محمد بن عمر (٢) وحدثني الضحاك (٣) بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان الوالبي (٤) قال: قتل عثمان ﵁ وهو ابن اثنتين وثمانين سنة" (٥). إسناده ضعيف جداً بالواقدي، كما أنه منقطع، فيبعد إدراك مخرمة للحادثة (٦). ١٩ - قال الطبري: "قال محمد: وحدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز (٧) عن عبد الله بن

стр. 771

أبي بكر بن حزم (١)، قال: جاء المؤذن إلى عثمان، فآذنه بالصلاة، فقال: لا أنزل أصلي، اذهب إلى من يصلي، فجاء المؤذن إلى علي، فأمر سهل بن حنيف، فصلى اليوم الذي حصر فيه عثمان الحصر الآخر، وهو ليلة رئي هلال ذي الحجة، فصلى بهم، حتى إذا كان يوم العيد صلى علي العيد، ثم صلى بهم، حتى قتل ﵁" (٢). إسناده ضعيف جداً: بالواقدي، ومنقطع أيضاً؛ عبد الله ولد سنة (٦٥) هـ فلم يدرك الحادثة بل كانت قبل مولده بثلاثين عاماً. ٢٠ - قال ابن سعد: "أخبرنا محمد بن عمر (٣) حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز (٤) عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد، أن محمد بن أبي بكر تسور على عثمان من دار عمرو بن حزم، ومعه كنانة بن بشر بن عتاب، وسودان بن حمران، وعمرو بن الحمق، فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة، وهو يقرأ في المصحف سورة البقرة، فتقدمهم محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحية عثمان، فقال: أخزاك الله يا نعثل، فقال عثمان: لست بنعثل، ولكن عبد الله

стр. 772

وأمير المؤمنين، فقال محمد: ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان، فقال عثمان: يا ابن أخي دع عنك لحيتي، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه، فقال محمد: ما أريد بك أن أشد من قبضي على لحيتك، فقال عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به، ثم طعن جبينه بمشقص في يده، ورفع كنانة بن بشر بن عتاب مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل أذن عثمان، فمضت حتى دخلت في حلقه، ثم علاه بالسيف حتى قتله. قال عبد الرحمن بن عبد العزيز: فسمعت ابن أبي عون يقول: ضرب كنانة بن بشر جبينه، ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبه، وضربه سودان بن حمران المرادي بعدما خر لجنبه فقتله، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان، فجلس على صدره وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فإني طعنتهن لله، وأما ست فإني طعنت إياهن لما كان في صدري عليه" (١). ورواه من طريقه ابن عساكر. ورواه الطبري عن محمد بن عمر به إلى قوله: "لجبينه فقتله". ثم ذكر رواية أخرى ثم قال: "قال: وأما عمرو بن الحمق فذكره". إسناده ضعيف جداً بالواقدي. وعبد الرحمن بن محمد مجهول، كما أنه لا تتوقع معاصرته للحادثة، لأن الراوي عنه هنا ولد سنة (٩٠) هـ تقريباً.

стр. 773

٢١ - قال الطبري: "قال محمد بن عمر (١) حدثني: عبد الرحمن بن أبي الزناد (٢) عن عبد الرحمن بن الحارث (٣) قال: الذي قتله كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، وكانت امرأة منظور بن سيار (٤) الفزاري تقول: خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالعرج (٥) سمعنا رجلاً يتغنى تحت الليل: ألا إن خير الناس بعد ثلاثة … قتيل تجيب الذي جاء من مصر قال (٦): وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان، فجلس عل صدره

стр. 774

وبه رمق، فطعنه تسع طعنات. قال (١) عمرو: فأما ثلاث منهن فإني طعنتهن إياه لله، وأما ست فإني طعنتهن إياه لما كان في صدري عليه" (٢). وذكره ابن كثير من طريق الواقدي (٣). إسناده ضعيف جداً: فيه محمد بن عمر الواقدي وهو متروك، كما أنه منقطع؛ فعبد الرحمن لم يعاصر الفتنة إنما يروي عن الصحابة بواسطة شيوخه الذين منهم: الحسن البصري، وعبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد ابن مسلم بن شهاب الزهري، وطبقتهم، وتوفي سنة (١٤٣) هـ عن ثلاث وستين سنة، فتكون سنة ولادته هي سنة (٨٠) هـ أي بعد قتل عثمان بخمس وأربعين سنة؛ فروايته عن فتنة قتل عثمان ﵁ منقطعة. ٢٢ - قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر (٤) قال: حدثني عبد الرحمن (٥) بن أبي الزناد، عن محمد بن يوسف (٦) قال:

стр. 775

خرجت نائلة بنت الفرافصة تلك الليلة وقد شقت جيبها قبلاً ودبراً ومعها سراج وهي تصيح: وا أمير المؤمنيناه! قال: فقال لها جبير بن مطعم: أطفئي السراج لا يفطن بنا، فقد رأيت الغواة الذين على الباب. قال: فأطفأت السراج وانتهوا إلى البقيع، فصلى عليه جبير بن مطعم، وخلفه حكيم بن حزام، وأبو جهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، ونائلة بنت الفرافصة، وأم البنين بنت عيينة - امرأتان - ونزل في حفرته نيار بن مكرم وأبو جهم بن حذيفة، وجبير بن مطعم، وكان حكيم بن حزام وأم البنين ونائلة يدلونه على الرجال حتى لحدوا له، وبني عليه، وغبوا قبره، وتفرقوا" (١). ورواه من طريقه ابن عساكر (٢). إسناده ضعيف جداً بالواقدي. كما أنه يستبعد أن يدرك محمد بن يوسف الحادثة، ثم يتوفى سنة (١٤٠) هـ أو نحوها. ففي الإسناد انقطاع إما بين عبد الرحمن ومحمد بن يوسف على احتمال أن يكون محمد بن يوسف آخر غير الكندي، كأن يكون مولى عثمان أو غيره، أو بين محمد بن يوسف والخبر.
следующие страницы →