← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بفساد الشبه المخالفة لحقائقها: "وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم، الذي ذمّه السلف لجهلهم بالنصوص ومعانيها، وتمكُّنِ الشُّبه الباطلة من قلوبهم". ثم بيّن ﵀ أنَّ العوام أحسنُ حالاً من هؤلاء وأقوى معرفة بربهم منهم فقال: "وإذا تأملت حال العامة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم ـ أي عند أكثر المتكلمين ـ رأيتهم أتمّ بصيرةً منهم وأقوى إيماناً وأعظم تسليماً للوحي وانقياداً للحق"١ اهـ. ولهذا وجب على كلِّ مسلم أن يكون في هذا الباب وفي جميع أبواب الدين على سنن أهل السنة والجماعة ووَفْق منهجهم، وأن يحذر سبل الضلال كلَّها وأبواب الباطل جميعها، والتوفيق بيد الله وحده، فنسأله سبحانه أن يوفّقنا وإياكم لكل خير يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، إنَّه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ.

стр. 142

٢٧ / أسماءُ الله الحسنى غيرُ محصورة بِعددٍ معيَّنٍ وبيانُ المراد بقوله: "مَنْ أحصاها دخل الجنّة " لقد صحّ عن النبي ﷺ فيما خرّجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: "إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً، مائةً إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة"١. ولا ريب أنَّ هذا الفضل العظيم ألا وهو دخول الجنة المترتِّب على إحصاء هذا العدد من أسماء الله ليحرك في النفس الجِدّ في نيل هذا المطلب العظيم والسعي في تكميله، والحرص الشديد على تحقيقه. ولقد ظن بعضُ النّاس خطأً أنَّ المرادَ بإحصاء أسماء الله المرغب فيه في هذا الحديث هو عدُّ ألفاظ تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله، واستظهارها في القلب، والتلفّظ بها في أوقات معيّنة مخصوصة، وربما جعلها بعضهم في جملة ذكره لله في صباحه ومسائه دون فقه من هؤلاء لهذه الأسماء الجليلة العظيمة، أو تدبّر لمدلولاتها، أو تحقيق لموجباتها ومستلزماتها، أو عمل بمقتضياتها ومتطلباتها. ولقد نبّه العلماء ﵏ أنَّه ليس المراد بإحصاء أسماء الله عدّ حروفها فقط، بلا فقه لها أو عمل بها، بل لا بد في ذلك من فهم معناها والمراد بها فهماً صحيحاً سليماً، ثم العمل بما تقتضيه. قال أبو عمر الطلمنكي ﵀: "من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ ،

стр. 143

المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمّن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماً لمعاني الأسماء، ولا مستفيداً بذكرها ما تدل عليه من المعاني"١. فنبّه ﵀ إلى أنَّ تمام المعرفة بالأسماء الحسنى والتي ينال بها الداعي لله بها هذا الثواب العظيم الوارد في الحديث إنَّما يكون بالمعرفة بالأسماء والصفات وبما تتضمّنه من فوائد وتدل عليه من الحقائق، لا عدّها فقط دون فهم لها أو علم بما تدل عليه. وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنَّ لإحصاء أسماء الله الحسنى ثلاثَ مراتبَ بتكميلها وتحقيقها ينال العبدُ ثوابَ الله العظيم المذكور في حديث رسول الله ﷺ المتقدم: المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولاتها. المرتبة الثالثة: دعاء الله بها، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة٢. فبتحقيق هذه المراتب الثلاثة العظيمة يكون الإحصاء الصحيح لهذا القدر من أسماء الله الحسنى. ومما ينبغي أن يُعلم هنا أنَّ أسماء الله الحسنى ليست محصورةً في هذا العدد المعيّن المذكور في قوله ﷺ : "إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة"، فالكلام في هذا الحديث جملة واحدة، فقوله:

стр. 144

"من أحصاها" صفةٌ، وليس خبراً مستقلاً، والمعنى أنَّ لله تسعة وتسعين من شأنها أنَّ من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينافي أن يكون له أسماءٌ غيرها، ولهذا نظائر كثيرة في لغة العرب كما تقول: إنَّ عندي تسعة وتسعين درهماً أعددتها للصدقة، فإنَّ هذا لا ينافي أن يكون عندك غيرها معدةً لغير ذلك، وهذا أمر معروف لا خلاف فيه بين العلماء. بل لقد ورد في السنة ما يدل على أنَّ أسماء الله غيرُ محصورة ولا تُحدّ بعدد معيّن، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"١، فأخبر ﷺ أنَّه لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى الثناء عليه. ومن ذلك أيضاً ما ورد في حديث الشفاعة الطويل أنَّه ﷺ قال: "ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحدٍ قبلي"، فدل الحديث على أنَّ هناك محامد من أسماء الله وصفاته يفتح الله بها على رسوله ﷺ في ذلك اليوم، وهي بلا شك غير المحامد المأثورة في الكتاب والسنة. وأيضاً فقد ثبت في المسند وغيره من حديث عبد الله بن مسعود

стр. 145

رضي الله عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبداً همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إنِّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همِّي، إلا أذهب الله همّه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً"١. قال ابن القيم ﵀: "فجعل أسماء الله ثلاثة أقسام: قسم: سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه. وقسم: أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده. وقسم: استأثر به في علم غيبه فلم يُطلِع عليه أحداً من خلقه، ولهذا قال: "استأثرت به" أي: تفردت بعلمه"٢. وبهذا يتبيّن أنَّ أسماء الله غيرُ محصورة في هذا العدد المعيّن، بل هي في القرآن والسنة أكثرُ من ذلك، وقصارى الحديث الدلالة على فضيلة إحصاء هذا العدد من أسماء الله. ومما ينبّه عليه هنا أنَّه لم يرد عن النبي ﷺ حديثٌ صحيحٌ في عدّ هذه الأسماء وسردها، وأما ما ورد في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه وغيرهما من ذكرٍ لهذه الأسماء مسرودةً عَقِبَ حديث أبي هريرة

стр. 146

المتقدّم١ فإنَّ هذا باتفاق أهل المعرفة والعلم بالحديث ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنَّما هو مدرجٌ من بعض الرواة في حديث الرسول ﷺ ، ولذا خرّجه البخاري ومسلم دون ذكر لها لضعفها ولعدم ثبوتها عن النبي ﷺ ، وتفاصيل ذلك يجدها طالب العلم مبسوطة في مظانها من كتب أهل العلم٢. ثم إنَّ هذه الأسماء موجودة كما تقدّم في الكتاب والسنة، فمن قرأهما وعوّل عليهما في دينه، واجتهد في تدبر أسماء الله الحسنى الواردة فيهما فقد ظفر بالمراد، وحصل المقصود، وبالله وحده التوفيق.

стр. 147

٢٨ / تفاضلُ الأسماء الحسنى، وذكرُ الاسم الأعظم لقد مرّ معنا بيانُ أنَّ أسماء الله الحسنى غيرُ محصورةٍ في عدد معيّن، وأنَّ قول النبي ﷺ : "إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجَنَّة " لا يفيد حصر الأسماء الحسنى في هذا العدد، وأنَّ قصاراه الدلالةُ على فضيلة هذه الأسماء التسعة والتسعين، وأنَّها اختصت بأنَّ من أحصاها دخل الجنة. وفي هذا دلالةٌ على تفاضل الأسماء الحسنى خلافاً لمن نفى ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقول من قال صفات الله لا تتفاضل ونحو ذلك قولٌ لا دليل عليه ... ، وكما أنَّ أسماءه وصفاته متنوعة فهي أيضا متفاضلة كما دلَّ على ذلك الكتابُ والسنةُ والإجماعُ مع العقل"١. اهـ. ومما يدل على تفاضل الأسماء الحسنى ما ثبت عن النبي ﷺ في الأخبار الصحيحة أنَّ لله اسماً أعظم إذا سُئل به أَعطى، وإذا دُعيَ به أجاب، ولا ريب أنَّ هذه فضيلةٌ عظيمةٌ اختص بها هذا الاسم الذي وُصف بأنَّه اسم الله الأعظم، ولعلنا نستعرض بعض الأحاديث الواردة في ذلك، ثم نقف بعد ذلك على كلام بعض أهل العلم في تعيينه. روى الإمام أحمد في المسند، وأهل السنن الأربعة، عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ النبي ﷺ سمع رجلاً يقول: اللهم إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنانُ بديعُ السموات والأرض ذو الجلال والإكرام، فقال النبي ﷺ : "لقد سألتَ

стр. 148

الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى"، وزاد أبو داود والنسائي في آخره: "يا حيّ يا قيّوم" ١. وروى ابن ماجه، والحاكم وغيرهما عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب في ثلاث سور من القرآن، في البقرة، وآل عمران، وطه"٢. وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن أسماء بنت يزيد ﵂: أنَّ النبي ﷺ قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ٣، وفاتحة آل عمران: ﴿ألم اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ "٤. وروى أصحاب السنن، وابن حبان عن بريدة ﵁ قال: سمع النبي ﷺ رجلاً يقول: اللهمّ إنِّي أسألك بأنِّي أشهد أنَّك أنت الله لا إله أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال رسول الله ﷺ : "لقد سأل الله باسمه الأعظم

стр. 149

الذي إذا سئل به أعطى وإذا دُعي به أجاب"١. فهذه بعض الأحاديث الثابتة في ذكر اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، ولأجل ذا فقد كان لهذا الاسم ومعرفته والبحث عنه شأن عظيم عند أهل العلم، ولهم في هذا أبحاثٌ كثيرةٌ مطولةٌ ومختصرةٌ، قال الإمام الشوكاني ﵀ في كتابه تحفة الذاكرين: "وقد اختلف في تعيين الاسم الأعظم على نحو أربعين قولا، قد أفردها السيوطي بالتصنيف"٢ اهـ. ولم يذكر السيوطي في كتابه الذي أفرده في ذلك والذي أسماه "الدر المنظم في الاسم الأعظم" سوى عشرين قولاً، وكثيرٌ منها ظاهرٌ ضعفُه لعدم قيام دليلٍ صحيحٍ صريحٍ على صحته وثبوته، وبعض المتصوفة لهم في هذا الباب أباطيل كثيرةٌ لا يلتفت إلى شيءٍ منها، ويروون في ذلك أحاديثَ موضوعةً وآثارًا مخترعةً، وقصصاً منكرةً يخدعون بها عوام المسلمين ويغرون بها جهالهم، والواجب على كلِّ مسلم أن يكون في دينه على حيطة وحذر من الوقوع في إفك هؤلاء وباطلهم، فكم غرّ هؤلاء من عوام المسلمين، وكم خدعوا من جهالهم، وكم من ضلال وشر وباطل انتشر بسببهم، والله المستعان. إنَّ أشهر الأقوال في تعيين الاسم الأعظم وأولاها بالصواب وأقربها للأدلة هو أنَّ اسم الله الأعظم هو "الله"، وإلى هذا القول

стр. 150

ذهب جمعٌ كبيرٌ من أهل العلم. قال الإمام أبو عبد الله بن منده في كتابه التوحيد، وقد اختار فيه أنَّ اسم الله الأعظم هو الله، قال: "فاسمه الله معرفة ذاته، منع الله خلقَه أن يتسمّى به أحدٌ من خلقه، أو يدعى باسمه إله من دونه، جعله أول الإيمان وعمود الإسلام، وكلمة الحق والإخلاص، ومخالفة الأضداد والإشراك فيه، يحتجز القائل من القتل، وبه تفتتح الفرائض وتنعقد الأيمان، ويُستعاذ من الشيطان، وباسمه يفتتح ويُختم الأشياء، تبارك اسمه ولا إله غيره"١ اهـ. ولهذا الاسم الكريم من الخصائص ما ليس لغيره من الأسماء، ومن خصائصه أنَّ الله يضيف سائر الأسماء إليه كقوله: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ، ويقال: العزيز والرحمن والكريم والقدوس من أسماء الله، ولا يُقال: الله من أسماء الرحمن، بل إنَّ هذا الاسم الكريم مستلزمٌ لجميع معاني الأسماء الحسنى دالٌ عليها بالإجمال، والأسماء الحسنى تفصيلٌ وتبيينٌ لصفات الإلهية، فلهذه المعاني العظيمة وغيرها مما اختص به هذا الاسم صار غير واحد من أهل العلم إلى اختيار أنَّ الاسم الأعظم هو الله، ومما يُقوي هذا أنَّ هذا الاسم الكريم قد ورد في جميع الأحاديث التي فيها إشارة إلى الاسم الأعظم. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنَّ الاسم الأعظم هو "الحي القيوم"، قال ابن القيم ﵀ في كتابه زاد المعاد: "فإنَّ صفة الحياة متضمّنةٌ لجميع صفات الكمال، مستلزمةٌ لها، وصفة القيومية متضمّنةٌ لجميع

стр. 151

صفات الأفعال، ولهذا كان اسمُ الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى هو اسم الحي القيوم". اهـ١. وقد ورد هذا الاسم في أكثر الأحاديث التي فيها إشارةٌ إلى الاسم الأعظم، فهذا القول والذي قبله هما أقوى ما قيل في الاسم الأعظم٢، وعلى كلِّ حالٍ فهذه مسألة اجتهاد، لعدم ورود دليلٍ قطعي الدلالة على التعيين يجب أن يُصار إليه، إلا أنَّ من دعا الله بالأدعية المتقدّمة فقال في دعائه: "اللهم إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنانُ بديعُ السموات والأرض، ذو الجلال والإكرام"، أو قال: "اللهمّ إنِّي أسألك بأنِّي أشهد أنَّك أنت الله لا إله ألا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد"، فقد دعا الله باسمه الأعظم لإخبار النبي ﷺ عمّن دعا الله بذلك بأنَّه دعاه باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب. على أنَّه ينبغي أن نتذكّر أنَّ لقبول الدعاء شروطاً عديدةً وردت في الكتاب والسنة، وسيأتي لها بسط إن شاء الله. وفي الختام أسأل الله الكريم لي ولكم التوفيق لكل خير يحبه ويرضاه.

стр. 152

فضائل الكلمات الأربع: سبحان الله والحمد الله ولا أله إلا الله والله أكبر ... ٢٩ / فضائل الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر إنَّ خير الكلام وأفضل الذِكر بعد القرآن الكريم أربعُ كلمات، لهنَّ قدرٌ رفيعٌ وشأنٌ عظيمٌ ومكانةٌ عاليةٌ في دين الله، هنّ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وقد ورد في فضل هذه الكلمات الأربع نصوصٌ كثيرةٌ تدل دلالةً قويةً على عظم شأن وقدر هذه الكلمات، وما يترتّب على القيام بهنَّ من أجورٍ عظيمةٍ وأفضالٍ كريمةٍ، وخيراتٍ متواليةٍ في الدنيا والآخرة. ولعلنا نستعرض بعضَ فضائل هذه الكلمات من خلال بعض النصوص الواردة في ذلك: ١ ـ فمن فضائل هذه الكلمات: أنَّهنَّ أحب الكلام إلى الله، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أحب الكلام إلى الله تعالى أربع، لا يضرك بأيّهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ١، ورواه الطيالسي في مسنده بلفظ: "أربع هنَّ من أطيب الكلام، وهنّ من القرآن، لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"٢.

стр. 153

٢ ـ ومن فضائلهنَّ: أنَّ النبي ﷺ أخبر أنّهنَّ أحبُّ إليه مما طلعت عليه الشمس (أي من الدنيا وما فيها) ، لما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحبُّ إلي ممّا طلعت عليه الشمس" ١. ٣ ـ ومن فضائلهن: ما ثبت في مسند الإمام أحمد، وشعب الإيمان للبيهقي بإسناد جيّد عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: مرّ بي رسول الله ﷺ فقلتُ: إنِّي قد كبرتُ وضعُفت ـ أو كما قالت ـ فمُرني بعمل أعمله وأنا جالسة. قال: "سبّحي اللهَ مائة تسبيحة، فإنَّها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة، تعدل لكِ مائة فرس مُسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكَبِّري اللهَ مائة تكبيرة فإنَّها تعدل لك مائة بدَنة مُقلّدة متقبّلَة، وهلِّلي مائة تهليلة ـ قال ابن خلف (الراوي عن عاصم) أحسبه قال ـ: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحدٍ عملٌ إلا أن يأتي بمثل ما أتيتِ به" ٢. قال المنذري: رواه أحمد بإسناد حسن٣. وحسّن إسناده العلامة الألباني حفظه الله٤. وتأمَّل هذا الثواب العظيم المترتِّب على هؤلاء الكلمات، فمن

стр. 154

سبّح اللهَ مائة، أي قال: سبحان الله مائة مرّة فإنَّها تعدل عِتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، وخصَّ بني إسماعيل بالذِّكر لأنَّهم أشرفُ العرب نَسباً، ومن حَمِد الله مائة، أي من قال: الحمد لله مائة مرّة كان له من الثواب مثل ثواب من تصدّق بمائة فرس مسرجةٍ ملجمةٍ، أي عليها سراجها ولجامها لحمل المجاهدين في سبيل الله، ومن كبّر اللهَ مائة مرّة، أي قال: الله أكبر مائة مرّة كان له من الثواب مثلُ ثواب إنفاق مائة بدنةٍ مقلّدةٍ متقبّلةٍ، ومن هلّل مائة، أي قال: لا إله إلا الله مائة مرة فإنَّها تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يُرفع لأحدٍ عملٌ إلا أن يأتي بمثل ما أتى به. ٤ ـ ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّهنَّ مكفِّرات للذنوب، فقد ثبت في المسند، وسنن الترمذي، ومستدرك الحاكم من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما على الأرض رجل يقول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا كُفِّرت عنه ذنوبُه ولو كانت أكثر من زَبَد البحر"، حسنه الترمذي، وصححه الحاكم وأقرَّه الذهبي، وحسّنه الألباني١. والمراد بالذنوب المكفَّرة هنا أي الصغائر، لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفِّراتٌ

стр. 155

ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر"١، فقيّد التكفير باجتناب الكبائر؛ لأنَّ الكبيرة لا يُكفِّرها إلا التوبة. وفي هذا المعنى ما رواه الترمذي وغيره عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ مرّ بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاه فتناثر الورق، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر لَتُساقط من ذنوب العبد كما تَساقط ورق هذه الشجرة"، وحسّنه الألباني٢. ٥ ـ ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّهنَّ غرس الجنة، روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لقيت إبراهيم ليلة أُسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلامَ، وأخبِرهم أنَّ الجنةَ طيِّبةُ التربة، عذبةُ الماء، وأنَّها قيعان، غِراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر "٣، وفي إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق، لكن للحديث شاهدان يتقوى بهما من حديث أبي أيوب الأنصاري، ومن حديث عبد الله بن عمر. والقيعان جمع قاع، وهو المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء، فيمسكه ويستوي نباته، كذا في النهاية لابن الأثير٤، والمقصود أنَّ الجنة ينمو غراسها سريعاً بهذه الكلمات كما

стр. 156

ينمو غراس القيعان من الأرض ونبتها. ٦ ـ ومن فضائلهنَّ: أنَّه ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام يكثر تكبيره وتسبيحه وتهليله وتحميده، روى الإمام أحمد، والنسائي في عمل اليوم والليلة بإسناد حسن عن عبد الله بن شداد: أنَّ نفرًا من بني عُذْرَة ثلاثةً أتوا النبيَّ ﷺ فأسلموا قال: فقال النبي ﷺ : "من يكفينيهم" قال طلحةُ: أنا، قال: فكانوا عند طلحة فبعث النبي ﷺ بعثاً فخرج فيه أحدُهم فاستشهدَ، قال: ثم بَعَثَ بعثاً آخر، فخرج فيهم آخر فاستشهد، قال: ثم مات الثالثُ على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استُشهد أخيرًا يليه، ورأيت الذي استُشهد أولَهم آخرَهم، قال: فدخلني من ذلك، قال: فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، قال: فقال رسول الله ﷺ : "ما أنكرتَ من ذلك، ليس أحدٌ أفضل عند الله من مؤمن يُعمّرُ في الإسلام يَكثُر تكبيرُه وتسبيحُه وتهليله وتحميده"١. وقد دلّ هذا الحديث العظيم على عِظم فضل من طال عمرُه وحسُن عملُه، ولم يزل لسانُه رَطْباً بذكر الله ، وللحديث صلة وبالله وحده التوفيق.

стр. 157

٣٠ / فضائل أخرى لهؤلاء الكلمات الأربع لقد مرّ معنا ذكرُ جملة من الفضائل لكلمات أربع هنَّ أفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ونواصل هنا ذِكْر جملةٍ أخرى من فضائل هؤلاء الكلمات من خلال أحاديث رسول الله ﷺ الواردة في ذلك: ٧ ـ فمن فضائلهنَّ: أنَّ الله اختار هؤلاء الكلمات واصطفاهنَّ لعِباده، ورتّب على ذِكر الله بهنّ أجورًا عظيمةً، وثواباً جزيلاً، ففي المسند للإمام أحمد ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله كُتب له عشرون حسنة، وحُطّت عنه عشرون سيّئة، ومن قال: الله أكبر فمثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله فمثل ذلك، ومن قال: الحمد لله رب العالمين مِن قِبَل نفسِهِ كُتبت له ثلاثون حسنة، وحُطّ عنه ثلاثون خطيئة"١. وقد زاد في ثواب الحمد عندما يقوله العبد مِن قِبَل نفسه عن الأربع؛ لأنَّ الحمد لا يقع غالباً إلا بعد سبب كأكلٍ أو شُربٍ، أو حدوث نعمة، فكأنَّه وقع في مقابلة ما أُسديَ إليه وقت الحمد، فإذا

стр. 158

أنشأ العبد الحمد من قِبَل نفسه دون أن يدفعه لذلك تجدُّدُّ نعمةٍ زاد ثوابه. ٨ ـ ومن فضائلهنَّ: أنَّهنَّ جُنّةٌ لقائلهنّ من النار، ويأتين يوم القيامة مُنجيات لقائلهنّ ومقدّمات له، روى الحاكم في المستدرك، والنسائي في عمل اليوم والليلة، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خُذوا جُنَّتَكم"، قلنا: يا رسول الله من عدو قد حضر! قال: "لا، بل جُنَّتُكم من النار، قولوا: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنَّهنّ يأتين يوم القيامة منجيات ومقدّمات، وهنّ الباقيات الصالحات". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وصححّه العلامة الألباني حفظه الله١. وقد تضمّن هذا الحديث إضافة إلى ما تقدّم وصفَ هؤلاء الكلمات بأنَّهنَّ الباقيات الصالحات، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ ٢ والباقيات أي التي يبقى ثوابُها، ويدوم جزاؤُها، وهذا خيرُ أمَلٍ يؤمِّله العبد وأفضل ثواب. ٩ ـ ومن فضائلهنَّ: أنَّهنَّ يَنعَطِفْن حول عرش الرحمن ولهنّ دويٌّ كدويِّ النحل، يذكرن بصاحبهنّ، ففي المسند للإمام أحمد، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم عن النعمان بن بَشير ﵁ قال: قال

стр. 159

رسول الله ﷺ : " إنَّ مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد، يَنعَطِفْن حول العرش لهنّ دَوِيٌّ كدَوِيِّ النحل، تذكر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له، أو لا يزال له من يذكر به ". قال البوصيري في زوائد سنن ابن ماجه: إسناده صحيح، رجاله ثقات، وصحّحه الحاكم١. فأفاد هذا الحديث هذه الفضيلة العظيمة، وهي أنَّ هؤلاء الكلمات الأربع يَنعَطِفْن حول العرش أي يَمِلن حوله، ولهنّ دَوِيٌّ كدَوِيِّ النحل أي صوتٌ يشبه صوتَ النحل يُذَكِّرن بقائلهنّ، وفي هذا أعظم حضٍّ على الذِّكر بهذه الألفاظ، ولهذا قال في الحديث: "ألا يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به". ١٠ ـ ومن فضائلهنَّ: أنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّهنّ ثقيلاتٌ في الميزان، روى النسائي في عمل اليوم والليلة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم، وغيرهم عن أبي سلمى ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بَخٍ بَخٍ، ـ وأشار بيده بخمس ـ ما أثقلهنّ في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولدُ الصالح يُتوفى للمرء المسلم فيحتسبُه"، صححه الحاكم، ووافقه الذهبي٢، وللحديث شاهد من حديث ثوبان ﵁، خرّجه البزار في مسنده، وقال: إسناده حسن٣.

стр. 160

وقوله في الحديث: "بَخٍ بَخٍ" هي كلمة تُقال عند الإعجاب بالشيء وبيان تفضيله. ١١ ـ ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّ للعبد بقول كلِّ واحدة منهنّ صدقة، روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁: أنَّ ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يصلّون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضولِ أموالهم. قال: "أوَ ليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون؟ إنَّ بكلِّ تسبيحة صدقة، وكلِّ تكبيرة صدقة، وكلِّ تحميدة صدقة، وكلِّ تهليلةٍ صدقة، وأمرٍ بالمعروف صدقة، ونهيٍ عن منكرٍ صدقة، وفي بُضعِ أحدكم صدقة". قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ" ١. وقد ظنّ الفقراء أن لا صدقة إلا بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهم النبي ﷺ أنَّ جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقةٌ، وذكر في مقدّمة ذلك هؤلاء الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ١٢ ـ ومن فضائل هؤلاء الكلمات: أنَّ النبي ﷺ جعلهنّ عن القرآن الكريم في حقِّ من لا يُحسنه، روى أبو داود، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم عن ابن أبي أوفى ﵄ قال: جاء

стр. 161

رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنِّي لا أستطيع أن أتعلّمَ القرآنَ، فعلِّمني شيئا يُجزيني. قال: "تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". فقال الأعرابي: هكذا ـ وقبض يديه ـ فقال: هذا لله، فمَا لي؟ قال: "تقول: اللهمّ اغفر لي وارْحمني وعافِني وارْزقني واهْدِني"، فأخذها الأعرابيُّ وقبض كفّيه، فقال النبي ﷺ : "أما هذا فقد مَلأَ يديه بالخير" ١. قال المحدّث أبو الطيّب العظيم آبادي في تعليقه على سنن الدارقطني: سنده صحيح. وقال الألباني حفظه الله: سنده حسن٢. فهذه بعض الفضائل الواردة في السنة النبوية لهؤلاء الكلمات الأربع، وقد ورد لكلِّ كلمة منهن فضائلُ مخصوصةٌ سيأتي تفاصيلها إن شاء الله، ومن يتأمل هذه الفضائل المتقدّمة يجد أنَّها عظيمةٌ جدًا، ودالّةٌ على عظيم قدرِ هؤلاء الكلمات، ورِفعة شأنهنّ وكثرة فوائدهنّ وعوائدهنّ على العبد المؤمن، ولعلّ السر في هذا الفضل العظيم والله أعلم ما ذُكر عن بعض أهل العلم أنَّ أسماء الله ﵎ كلَّها مندرجةٌ في هذه الكلمات الأربع، فسبحان الله يندرج تحته أسماء التنزيه كالقدّوس والسلام، والحمد لله مشتملة على إثبات أنواع الكمال لله تبارك في أسمائه وصفاته، والله أكبر فيها تكبير الله وتعظيمه، وأنَّه لا

стр. 162

يُحصي أحدٌ الثناءَ عليه، ومن كان كذلك فـ لا إله إلا هو أي لا معبود حق سواه١. فلله ما أعظمَ هؤلاء الكلمات، وما أجلَّ شأنهنَّ، وما أكبرَ الخير المترتّب عليهنّ، فنسأل الله أن يوفقنا للمحافظة والمداومة عليهنّ، وأن يجعلنا من أهلهنّ الَّذين ألسنتهم رطبةٌ بذلك، إنَّه وليّ ذلك والقادر.

стр. 163

٣١ / فضائل كلمة التوحيد لا إله إلاّ الله كان الحديث فيما سبق حول ذِكرِ جملةٍ من النصوص النبوية الدالّة على فضل الكلمات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وفيما يلي سيكون الحديث في ذكر فضائل كلمة التوحيد لا إله إلاّ الله، التي هي أفضل هؤلاء الكلمات الأربع، وأجلّهنّ وأعظمهنّ؛ فلأجل هذه الكلمة خُلقت الخليقةُ، وأُرسلت الرسلُ، وأُنزلت الكتبُ، وبها افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار، فهي العروة الوثقى، وهي كلمة التقوى، وهي أعظم أركان الدِّين وأهم شعب الإيمان، وهي سبيل الفوز بالجنة والنجاة من النار، وهي كلمة الشهادة، ومفتاح دار السعادة، وأصل الدين وأساسه ورأس أمره، وفضائل هذه الكلمة وموقعها من الدين فوق ما يصفُه الواصفون ويعرفه العارفون ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ١. إنَّ لهذه الكلمة الجليلة فضائلَ عظيمةً، وفواضلَ كريمةً، ومزاياً جمّةً، لا يُمكن لأحد استقصاؤها، ومما ورد في فضل هذه الكلمة في القرآن الكريم أنَّ الله ﵎ جعلها زبدةَ دعوة الرسل، وخلاصةَ رسالاتهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً

стр. 164

أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، وقال تعالى في أول سورة النحل: ﴿يُنَزِّلُ المَلاَئِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَّشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٢، وهذه الآية هي أول ما عدّد الله على عباده من النعم في هذه السورة، فدلّ ذلك على أنَّ التوفيق لذلك هو أعظم نعم الله تعالى التي أسبغها على عباده كما قال سبحانه: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ٣. قال مجاهد: "لا إله إلا الله"٤. وقال سفيان بن عيينة: "ما أنعم الله على عبد من العباد نعمة أعظم من أن عرّفهم لا إله إلا الله"٥. ـ ومن فضائلها: أنَّ الله وصفها في القرآن بأنَّها الكلمة الطيّبة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حَينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ٦. ـ وهي القول الثابت في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٧.

стр. 165

وهي العهد في قوله تعالى: ﴿لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ١، روي عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: "العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرّأ إلى الله من الحول والقوة، وهي رأس كلِّ تقوى"٢. ـ ومن فضائلها: أنَّها العروة الوثقى التي من تمسّك بها نجا، ومن لم يتمسّك بها هلك، قال تعالى: ﴿فَمَن يَّكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ ٤. ـ ومن فضائلها: أنَّها الكلمة الباقية التي جعلها إبراهيم الخليل ﵇ في عقِبِه لعلهم يرجعون، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٥. ـ وهي كلمة التقوى التي ألزمها الله أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا أحقَّ بها وأهلَها، قال الله تعالى: ﴿إِذْ َجَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاِهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ٦.

стр. 166

روى أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون قال: ما تكلّمَ الناس بشيء أفضل من لا إله إلا الله، فقال سعد بن عياض: "أتدري ما هي يا أبا عبد الله؟ هي والله كلمة التقوى ألزمها الله أصحاب محمد ﷺ ، وكانوا أحقّ بها وأهلَها ﵃"١. ـ ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّها منتهى الصواب وغايته، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلاَئِكَةُ صَفاًّ لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ ٢. روى علي بن طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً﴾ أنَّه قال: "إلا من أذنَ له الربّ بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي منتهى الصواب"٣. وقال عكرمة: "الصواب: لا إله إلا الله"٤. ـ ومن فضائلها: أنَّها هي دعوة الحق المرادة بقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَآءُ الكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ ٥. ـ ومن فضائلها: أنَّها هي الرابطة الحقيقية التي اجتمع عليها أهل دين الإسلام، فعليها يُوالون ويعادون، وبها يُحبّون ويُبغضون، وبسببها

стр. 167

أصبح المجتمع المسلم كالجسد الواحد وكالبنيان المرصوص يَشُدُّ بعضها بعضاً. قال الشيخ العلاّمة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان: "والحاصل أنَّ الرابطة الحقيقية التي تَجمع المفترقَ وتؤلف المختلف هي رابطة لا إله إلا الله، ألا ترى أنَّ هذه الرابطة التي تجمع المجتمع الإسلامي كلَّه كأنَّه جسدٌ واحدٌ، وتجعله كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً، عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كَلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ١، فقد أشار تعالى إلى أنَّ الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم إنَّما هي الإيمان بالله جلّ وعلا. إلى أن قال ﵀: وبالجملة فلا خلاف بين المسلمين أنَّ الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض وتربط بين أهل الأرض والسماء هي رابطة لا إله إلا الله، فلا يجوز ألبتة النداء برابطة غيرها"٢ اهـ.

стр. 168

ـ ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّها أفضل الحسنات، قال الله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ ١. وقد ورد عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم: أنَّ المراد بالحسنة: "لا إله إلا الله"٢، وعن عكرمة ﵀ في قول الله : ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال: "قول: لا إله إلا الله. قال: له منها خير؛ لأنَّه لا شيء خير من لا إله إلا الله"٣. وقد ثبت في المسند وغيره عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله عَلِّمني عملاً يُقرّبني من الجنة ويُباعدني من النار. فقال: "إذا عملتَ سيّئةً فاعمل حسنةً فإنَّها عشر أمثالها". قلت: يا رسول الله، أفَمِنَ الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: "نعم هي أحسن الحسنات"٤. فهذه بعض فضائل هذه الكلمة العظيمة، من خلال ما ورد في القرآن الكريم، وسوف نستكمل ذكر بعض فضائلها من خلال ما وَرَد من ذلك في حديث رسول الله ﷺ والتوفيق بيد الله وحده.

стр. 169

٣٢ / فضائلُ أخرى لكلمة التوحيد لا إله إلاّ الله تحدّثنا فيما سبق عن فضائل كلمة التوحيد: لا إله إلا الله من خلال ما ورد من ذلك في القرآن الكريم، تلك الكلمة العظيمة التي لأجلها قامت الأرض والسماوات، وخُلقت جميعُ المخلوقات، وبها أُرسل الرسلُ، وأُنزلت الكتبُ، وشُرعت الشرائعُ، ولأجلها نُصبت الموازين، ووُضعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وانقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجّار، فهي منشأ الخلق والأمر، والثواب والعقاب، وهي الحق الذي أسست عليه الملّة ونُصبت القبلة، وعنها يُسأل الأولون والآخرون يوم القيامة، فلا تزول قَدَما عبدٍ بين يدي الله حتى يُسأل عن مسألتين: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسَلِين؟ فجواب الأولى: بتحقيق كلمة التوحيد لا إله إلا الله علماً وإقرارًا وعملاً. وجواب الثاني: بتحقيق أنَّ محمدا رسول الله علماً وإقرارًا وانقيادًا وطاعةً١. إنَّ فضائل كلمة التوحيد لا إله إلاّ الله لا يُمكن لمخلوق عدُّها، إذ يترتّبُ عليها من الأجر والثواب والفوائد الجمّة في الدنيا والآخرة ما لا يخطر ببال ولا يدور في خيال، ولعَلِّي أستعرضُ جملةً من فضائل هذه الكلمة من خلال ما ورد من ذلك في حديث رسول الله ﷺ .

стр. 170

ـ فمن فضائلها: أنَّها أفضلُ الأعمال وأكثرُها تضعيفاً، وتَعدِلُ عِتقَ الرِّقاب، وتكون لقائلها حِرزًا من الشيطان، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيء قديرٌ في يوم مائة مرّة كانت له عِدْل عشرِ رقاب، وكُتب له مائة حسنة، ومُحي عنه مائة سيّئة، ولم يأت أحدٌ بأفضل مما جاء به، إلا أحدٌ عملَ أكثرَ من ذلك" ١. وفيهما أيضاً عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قالها عشرَ مرات كان كمن أَعتقَ أربعة أنفس من وَلَدِ إسماعيل"٢. ـ ومن فضائلها: أنَّها أفضل ما قاله النبيّون، لما ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أفضل ما قلتُ أنا والنبيّون عشيةَ عَرَفَةَ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيء قدير"٣، وفي لفظ: "خيرُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلته أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيء قدير"٤.

стр. 171

ـ ومن فضائلها: أنَّها ترجحُ بصحائف الذنوبِ يوم القيامة كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ المُخرَّج في المسند، وسنن النسائي، والترمذي، وغيرهما بإسناد جيّد عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يُصاح برجل من أمّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامةِ، فيُنشرُ له تسعةٌ وتسعون سِجِلاً، كلُّ سِجِلٍّ منها مدّ البصر، ثم يقول الله ﵎ له: أَتُنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا ربّ. فيقول : أَلَكَ عُذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب. فيقول : بلى إنَّ لك عندنا حسنة، وإنَّه لا ظلم عليك، فتُخرجُ له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السِجِلاَّت؟ فيقول : إنَّك لا تُظلم، قال: فتُوضَع السجلات في كِفَّة والبطاقة في كِفَّة، فطاشت السِجِلاَّت وثقُلت البطاقة"١. ولا ريب أنَّ هذا قد قام بقلبه من الإيمان ما جعل بطاقته التي فيها لا إله إلا الله تطيش بتلك السِجلاّت، إذ الناس متفاضلون في الأعمال بحسب ما يقوم بقلوبهم من الإيمان، وإلا فكم من قائل لا إله إلا الله لا يحصل له مثل هذا لضعف إيمانه بها في قلبه، فقد ورد في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرةٍ من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برّة من خير، ويخرج من النار

стр. 172

من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير"١، فدلّ ذلك على أنَّ أهل لا إله إلا الله متفاوتون فيها بحسب ما قام في قلوبهم من إيمان. ـ ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّها لو وُزِنت بالسموات والأرض رجحت بهنّ كما في المسند عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ : " أنَّ نوحاً قال لابنه عند موته: آمُرُك بلا إله إلا الله، فإنَّ السموات السبع والأرضين السبع لو وُضعت في كفة، ووُضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهنّ لا إله إلا الله، ولو أنَّ السموات السبع في حلقة مبهمة لقصمتهنّ لا إله إلا الله"٢. ـ ومن فضائلها: أنَّها ليس لها دون الله حجاب، بل تخرق الحُجب حتى تصل إلى الله ، ففي الترمذي بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: " ما قال عبدٌ لا إله إلا الله مخلصاً إلا فُتحت له أبواب السماء حتى تُفضي إلى العرش ما اجتَنَب الكبائر"٣. ـ ومن فضائلها: أنَّها نجاة لقائلها من النار، ففي صحيح مسلم: أنَّ النبي ﷺ سمع مؤذِّناً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: "خرج من النار" ٤، وفي الصحيحين من حديث عِتبان ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله حرّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" ٥.

стр. 173

ـ ومن فضائل هذه الكلمة: أنَّ النبي ﷺ جعلها أفضل شُعب الإيمان، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"١. ـ ومن فضائلها: أنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّها أفضلُ الذِّكر كما في الترمذي وغيره من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الذِّكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله"٢. ـ ومن فضائلها: أنَّ من قالها خالصاً من قلبه يكون أسعد الناس بشفاعة الرسول الكريم ﷺ يوم القيامة، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قيل: يا رسول الله من أَسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : "لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك لما رأيت من حِرصك على الحديث، أَسعدُ الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه"٣. وفي قول النبي ﷺ في هذا الحديث: " من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" دليلٌ على أنَّ لا إله إلا الله لا تُقبل من قائلها بمجرّد

стр. 174

قوله لها بلسانه فقط، بل لا بدّ من استيفاء شروطها والإتيان بقيودها الواردة في الكتاب والسنة، إذ هي لا تُقبل من قائلها إلا بذلك، وعن هذا الموضوع الهام سيكون الكلام القادم إن شاء الله، والحمد لله رب العالمين.

стр. 175

٣٣ / شروط لا إله إلاّ الله لقد تقدّم معنا ذكرُ شيء من فضائل كلمة التوحيد لا إله إلا الله التي هي خير الكلمات وأفضلُها وأجلُّها، وذِكرُ ما يترتّبُ عليها من أجورٍ كريمةٍ، وفضائلَ عظيمةٍ، وثمارٍ نافعةٍ في الدنيا والآخرة، لكن يجب على المسلم أن يعلمَ أنَّ لا إله إلا الله لا تُقبل من قائلها بمجرّد نطقه لها باللسان فقط، بل لا بدّ من أداء حقّها وفرضها، واستيفاء شروطها الواردة في الكتاب والسنة، وكلُّ مسلمٍ يعلم أنَّ كلَّ طاعةٍ يتقرّب بها إلى الله لا تُقبل منه إلا إذا أتى بشروطها، فالصلاة لا تُقبل إلا بشروطها المعلومة، والحج لا يُقبل إلا بشروطه، وجميع العبادات كذلك لا تُقبل إلاّ بشروطها المعلومة من الكتاب والسنة، وهكذا الشأن في لا إله إلا الله لا تُقبل إلا إذا قام العبد بشروطها المعلومة في الكتاب والسنة. وقد أشار سلفُنا الصالح ﵏ إلى أهميّة العناية بشروط لا إله إلا الله ووجوب الالتزام بها، وأنَّها لا تُقبل إلا بذلك، ومن ذلك ما جاء عن الحسن البصري ﵀: أنَّه قيل له: إنَّ ناساً يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة. فقال: من قال لا إله إلا الله فأدّى حقّها وفرضَها دخل الجنة. وقال الحسن للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددتَّ لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة. فقال الحسن: نِعمَ العُدّة، لكن للا إله إلا الله شروطاً فإياك وقذف المحصنات. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس مفتاح الجَنَّة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن أتيت بمفتاح له أسنان

стр. 176

فُتح لك، وإلا لم يُفتح. يشير بالأسنان إلى شروط لا إله إلا الله١. ثم إنَّه باستقراء أهل العلم لنصوص الكتاب والسنة تبيّن أنَّ لا إله إلا الله لا تُقبل إلا بسبعة شروط وهي: ١ ـ العلم بمعناها نفياً وإثباتاً المنافي للجهل. ٢ ـ اليقين المنافي للشك والريب. ٣ ـ الإخلاص المنافي للشرك والرياء. ٤ ـ الصدق المنافي للكذب. ٥ ـ المحبّة المنافية للبغض والكره. ٦ ـ الانقياد المنافي للترك. ٧ ـ القبول المنافي للردّ. وقد جمع بعضُ أهل العلم هذه الشروط السبعة في بيتٍ واحدٍ فقال: علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقُك معْ ... محبّةٍ وانقيادٍ والقَبولُ لها ولنقِف وقفةً مختصرةً مع هذه الشروط لبيان المراد بكلِّ واحدٍ منها، مع ذِكر بعض أدلّتها من الكتاب والسنة٢. ـ أما الشرط الأول: وهو العلم بمعناها المراد منها نفياً وإثباتاً المنافي للجهل، وذلك بأن يعلم من قالها أنَّها تنفي جميع أنواع العبادة عن كلِّ من سوى الله، وتُثبت ذلك لله وحده، كما في قوله سبحانه

стр. 177

وتعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أي نعبدُك ولا نعبد غيرَك، ونستيعن بك ولا نستعين بسواك. قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِلاّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢ قال المفسِّرون: إلا من شهد بـ لا إله إلا الله، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: معنى ما شهدوا به في قلوبهم وألسنتهم. وثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من مات وهو يعلم أنَّه لا إله إلا الله دخل الجنة"٣، فاشترط ﵊ العلمَ. ـ أما الشرط الثاني: فهو اليقين المنافي للشك والريب، أي أن يكون قائلها موقناً بها يقيناً جازماً لا شك فيه ولا ريب، واليقين هو تمام العلم وكماله، قال الله تعالى في وصف المؤمنين: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٤، ومعنى قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي أيقنوا ولم يشكّوا. وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غيرُ شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة"٥.

стр. 178

وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : " من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلاَّ الله مستيقناً بها قلبه فبشِّره بالجنة" ١، فاشترط اليقين. ـ والشرط الثالث: هو الإخلاص المنافي للشرك والرياء، وذلك إنَّما يكون بتصفية العمل وتنقيته من جميع الشوائب الظاهرة والخفيّة، وذلك بإخلاص النية في جميع العبادات لله وحده، قال تعالى: ﴿أَلاَ للهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٣، وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أسعدُ الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"٤، فاشترط الإخلاص. ـ والشرط الرابع: هو الصدق المنافي للكذب، وذلك بأن يقولَ العبدُ هذه الكلمة صادقاً من قلبه، والصدق هو أن يواطئ القلبُ اللسانَ، ولذا قال الله تعالى في ذمِّ المنافقين: ﴿إِذَا جَآءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٥، فوصفهم سبحانه بالكذب؛ لأنَّ ما قالوه بألسنتهم لم يكن موجوداً في قلوبهم، وقال : ﴿ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا

стр. 179

أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ ١، وثبت في الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي ﷺ قال: " ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبده ورسوله صادقاً من قلبه إلا حرّمه الله على النار"٢، فاشترط الصدق. ـ الشرط الخامس: المحبَّة المنافية للبغض والكره، وذلك بأن يحب قائلُها اللهَ ورسولَه ودينَ الإسلام والمسلمين القائمين بأوامر الله الواقفين عند حدوده، وأن يُبغض من خالف لا إله إلا الله وأتى بما يُناقضها من شرك وكفر، وممّا يدل على اشتراط المحبة في الإيمان قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباًّ للهِ﴾ ٣، وفي الحديث: "أوثق عُرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله"٤. ـ والشرط السادس: القبول المنافي للردّ، فلا بدّ من قبول هذه الكلمة قبولاً حقاً بالقلب واللسان، وقد قصّ الله علينا في القرآن الكريم أنباء من سبق ممّن أنجاهم لقبولهم لا إله إلا الله، وانتقامه وإهلاكه لمن ردّها ولم يقبلها، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقاًّ عَلَيْنَا نُنجِ المُؤْمِنِينَ﴾ ٥، وقال سبحانه في شأن المشركين:

стр. 180

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ١. ـ الشرط السابع: الانقياد المنافي للترك؛ إذ لا بد لقائل لا إله إلا الله أن ينقاد لشرع الله، ويُذعنَ لحكمه ويسلمَ وجهه إلى الله إذ بذلك يكون متمسكاً بـ لا إله إلا الله، ولذا يقول تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾ ٢، أي فقد استمسك بـ لا إله إلا الله، فاشترط سبحانه الانقياد لشرع الله، وذلك بإسلام الوجه له سبحانه. فهذه هي شروط لا إله إلا الله، وليس المرادُ منها عدَّ ألفاظها وحفظَها فقط، فكم من عاميٍّ اجتمعت فيه والتزمها ولو قيل له: اعددها لم يُحسن ذلك، وكم من حافظ لألفاظها يجري فيها كالسهم، وتراه يقع كثيراً فيما يناقضها، فالمطلوب إذاً العلم والعمل معاً ليكون المرء بذلك من أهل لا إله إلا الله صدقاً، ومن أهل كلمة التوحيد حقاً، والموفَّق لذلك والمعين هو الله وحده، فنسأله سبحانه أن يوفِّقنا وإياكم لتحقيق ذلك، والحمد لله وحده.
следующие страницы →