← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ١، فإنَّ ابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبّه وفعل ما يحبّه، ثم قال: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ فذكر الحبّ والخوف والرّجاء٢، وكذلك في قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣. ولذا يجب أن يكون العبد في عبادته وذكره لله جامعًا بين هذه الأركان الثلاثة المحبّة والخوف والرّجاء، ولا يجوز له أن يعبد الله بواحد منها دون باقيها، كأن يعبد الله بالحبّ وحده دون الخوف والرّجاء، أو يعبد الله بالرّجاء وحده، أو بالخوف وحده، ولذا قال بعض أهل العلم: "من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالرّجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالحب والخوف والرّجاء فهو مؤمن موحّد"٤. وأعظم هذه الأركان الثلاثة وأجلّها هو الحبّ، حبُّ الله ﵎ الذي هو أصل دين الإسلام وقطب رحاه، والمحبّة منزلةٌ شريفةٌ فيها يتنافس المتنافسون، وإليه شمّر المسابقون، وهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرّة العيون، وروح الإيمان والعمل، ومن لم يظفر بها في هذه الحياة فحياته كلُّها شقاءٌ وألمٌ.

стр. 107

وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ أسبابًا عظيمة جالبة للمحبّة فقال: "إنَّ الأسباب الجالبة للمحبّة عشرة: أحدها: قراءة القرآن بالتدبّر، والتفهُّم لمعانيه وما أريد به. الثاني: التقرُّب إلى الله تعالى بالنّوافل بعد الفرائض. الثالث: دوام ذكره على كلّ حال باللّسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبّة على قدر هذا. الرّابع: إيثار محابّه على محابّك عند غلبات الهوى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها وتقلّبه في رياض هذه المعرفة وميادينها. السادس: مشاهدة برّه وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة. السابع: وهو أعجبها، انكسار القلب بين يديه. الثّامن: الخلوة وقت النزول الإلهي، وتلاوة كتابه ثمّ ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مجالسة المحبّين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، ولا تتكلّم إلاّ إذا ترجّحت مصلحة الكلام، وعلمت أنَّ فيه مزيدًا لحالك ومنفعةً لغيرك. العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله ". ثم قال: "فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبّون إلى منازل المحبّة"١.

стр. 108

ثم مع المحبّة يجب على العبد أن يكون خائفًا من الله راجيًا له راغبًا راهبًا، إن نظر إلى ذنوبه وعدل الله وشدّة عقابه خشي ربّه وخافه، وإن نظر إلى فضله العام والخاص وعفوه الشّامل رجا وطمع، إن وُفِّق لطاعة رجا من ربّه تمام النِّعمة بقبولها، وخاف من ردّها بتقصيره في حقِّها، وإن ابتلي بمعصية رجا من ربّه قبول توبته ومحوها وخشي بسبب ضعف التّوبة والالتفات للذّنب أن يعاقب عليها، وعند النّعم والمسارّ يرجو الله دوامها والزيادة منها والتوفيق لشكرها، ويخشى بإخلاله بالشكر من سلبها، وعند المكاره والمصائب يرجو الله دفعها وينتظر الفرج بحلّها، ويرجو أيضًا أن يثيبه عليها حين يقوم بوظيفة الصبر، ويخشى من اجتماع المصيبتين فوات الأجر المحبوب، وحصول الأمر المكروه إذا لم يوفّق للقيام بالصبر الواجب. فالمؤمن الموحّد ملازم في كل أحواله للخوف والرّجاء، وهذا هو الواجب وهو النّافع، وبه تحصل السعادة، لكن يخشى على العبد من خُلُقين مذمومين: إمّا أن يستولي عليه الخوف حتى يقنط من رحمة الله، أو يتجارى به الرّجاء حتى يأمن من مكر الله وعقوبته، ومتى بلغت الحال بالعبد إلى هذا فقد ضيّع واجب الخوف والرّجاء اللّذين هما من أكبر أصول الدّين ومن أعظم واجباته١. إنَّ الخوف المحمود الصادق هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه أن يقع صاحبه في اليأس من رَوْح الله والقنوط من رحمة الله، والرّجاء المحمود الصادق هو الرّجاء الذي يكون

стр. 109

مع عملٍ بطاعة الله على نور من الله، أمّا إذا كان الرّجل متمادياً في التفريط والخطايا، مُنْهَمِكا في الذنوب والمعاصي، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمنّي والرّجاء الكاذب، ولذا قال بعض السّلف: "الخوف والرّجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتمّ طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النّقص وإذا ذهبا صار الطائر في حدّ الموت". هذا واللهَ الكريمَ أسأل أن يوفِّقنا وإيّاكم لتحقيق هذه المقامات العظيمة المحبّة والخوف والرّجاء، وأن يجعلنا ممن عبد الله حبًّا فيه، ورجاءً لثوابه، وخوفًا من عقابه، وأن يعيننا على تكميل ذلك وحسن القيام به، إنَّه سميع الدعاء، وهو أهل الرّجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 110

٢٠/ ذكرُ الله بذكرِ أسمائه وصفاته إنّ من أجلّ الذكر وأفضله ذِكْرَ الربّ ﵎ بذكر أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة، والثناء عليه بما هو أهله، بما أثنى به على نفسه، وبما أثنى عليه به عبده ورسوله محمّد ﷺ من نعوت الجلال وصفات الكمال وأنواع المحامد ونحو ذلك. إذ إنَّ الذكر نوعان: أحدهما: ذكر أسماء الربّ الحسنى وصفاته العظيمة والثناء عليه بها، وتنزيهه سبحانه وتقديسه عمّا لا يليق به ﵎. وهذا أيضًا نوعان: أحدهما: إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث المشتملة على الحثّ على حمد الله وتكبيره وتسبيحه وحسن الثناء عليه، ومن ذلك قوله ﷺ : " أحبّ الكلام إلى الله بعد القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ١، وقوله ﷺ : "من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"٢، وكذلك قوله ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللّسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان للرّحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ٣، ونحو هذه الأحاديث.

стр. 111

وأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمُّه نحو قول: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، فهذا أفضل من مجرّد: سبحان الله. وكذلك قول: الحمد لله عدد ما خلق، والحمد لله ملء ما خلق، والحمد لله عدد ما في السموات والأرض، والحمد لله ملء ما في السموات والأرض، فهذا أفضل من مجرّد قول: الحمد لله. روى مسلم في صحيحه عن جويرية ﵂ أنَّ النبيّ ﷺ خرج من عندها بُكرةً حين صلّى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسةٌ فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي ﷺ : "لقد قلت بعدك أربعَ كلمات ثلاث مرّات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنَّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته"١. وروى الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وغيرهم بإسناد جيّد، عن أبي أمامة الباهلي أنَّ رسول الله ﷺ مرّ به وهو يحرّك شفتيه فقال: "ماذا تقول يا أبا أمامة؟ قال: أذكر ربي، قال: ألا أخبرك بأكثر أو أفضل من ذكر اللّيل مع النّهار والنّهار مع اللّيل أن تقول: سبحان الله عدد ما خلق، وسبحان الله ملء ما خلق، وسبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله

стр. 112

عدد كلِّ شيء، وسبحان الله ملء كلِّ شيء، وتقول: الحمد لله مثل ذلك"١. فهذا جميعه من ذكر أسماء الرب وصفاته. والنوع الثاني من هذا: هو الخبر عن الربّ تعالى بأحكام أسمائه وصفاته نحو قولك: الله يسمع أصوات عباده، ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه من أعمالهم خافية، وهو أرحم بهم من آبائهم وأمّهاتهم وهو على كلِّ شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد راحلته، ونحو ذلك من الثناء عليه بما هو أهله ممّا أثنى به على نفسه، وما أثنى به عليه عبده ورسوله محمّد ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل. وهذا النوع يندرج تحته ثلاثة أنواع: حمدٌ وثناءٌ وتمجيدٌ. فالحمد: الإخبار عنه بصفات كماله مع محبّته والرضى به، فلا يكون المحبّ الساكت حامدًا، ولا المثني بلا محبّة حامداً حتى يجمع له المحبّة والثناء، فإن كرّر المحامد شيئاً بعد شيء كانت ثناء، فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجداً. وقد جمع الله تعالى الأنواع الثلاثة في أوّل سورة الفاتحة، فإذا قال العبد: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجّدني عبدي.

стр. 113

إنّ ما تقدّم هو النوع الأوّل من أنواع الذِّكر، وهو ذكر الرب بذكر أسمائه وصفاته، وهو نوعان كما سبق، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا النوع من الذِّكر لاحقاً إن شاء الله. أما النوع الثاني: فهو ذكر أمر الربّ ونهيه وأحكامه، وهو أيضاً نوعان: ـ أحدهما: ذكره سبحانه بذلك إخبارًا عنه بأنَّه أمر بكذا ونهى عن كذا، وأحبّ كذا، وسخط كذا، ورضي كذا، فكلُّ هذا من ذكر الله ﵎، ولهذا فإنَّ مجالس العلم التي يبيَّن فيها الحلال والحرام، وتوضّح فيها الأحكام مجالس ذكر لله. قال عطاء الخرساني: "مجالس الذِّكر مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع، وتصلي وتصوم، وتنكح وتطلّق وتحجّ وأشباه هذا". وكان أحد السلف وهو أبو السُّوَار العدوي في حلقة يتذاكرون العلم ومعهم فتى شاب فقال لهم: قولوا: سبحان الله والحمد لله، فغضب أبو السُّوار، وقال: "ويحك في أيِّ شيء كنّا إذًا"١. فليست مجالس الذكر مختصّة بالمجالس التي يذكر فيها اسم الرّبّ بالتسبيح والتحميد والتكبير ونحو هذا، بل هي شاملةٌ للمجالس التي يذكر فيها أمره ونهيه وحلاله وحرامه، وما يحبّه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، بل ربَّما كان هذا الذكر أنفع من ذلك.

стр. 114

ـ والنوع الثاني: ذكره سبحانه عند أمره فيبادر إليه، وعند نهيه فيهرب منه، فامتثال العبد لأوامر الله وانقياده لشرعه وإذعانه لحكمه واجتنابه لنواهيه، كلُّ ذلك من إقامة ذكر الله تعالى، فذكر أمره ونهيه شيءٌ، وذكره عند أمره ونهيه شيءٌ آخر. وقد أوضح هذه الأقسام المتقدّمة ابنُ القيِّم ﵀ في كتابه الوابل الصيّب١، وذكر أنَّها إذا اجتمعت للذاكر فذِكْرُه أفضلُ الذكر وأجلّه وأعظمه. فنسأل الله الكريم أن يحقِّق لنا ولكم ذلك، وأن يعيننا جميعاً على ذكره وشكره وحسن عبادته إنَّه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ

стр. 115

٢١ / أهمّيَّةُ العلم بأسماء الله وصفاته لقد مرّ معنا بيانُ فضل ذِكر الله بذِكر أسمائه وصفاته الواردة في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وما من ريبٍ في فضل ذلك وعِظم شأنه وكثرة عوائده وفوائده، وكم للاشتغال بهذا الأمر من الفوائد المغدقة والثمار اليانعة، والأجر الدائم والخير المستمر في الدنيا والآخرة، وهذا الفضل يرجع إلى أسبابٍ عديدةٍ، أهمُّها: أوّلاً: أنَّ علم توحيد الأسماء والصفات أشرفُ العلوم وأفضلُها وأعلاها مكانةً وأجلُّها شأناً، وشرف العلم وفضلُه من شرف معلومه، ولا أشرف وأفضل من العلم بالله وأسمائه وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، ولهذا فإنَّ الاشتغال بفهمه والعلم به والبحث عنه اشتغال بأشرف المطالب وأجَلِّ المقاصد. ثانياً: أنَّ معرفة الله والعلم به تدعو العبد إلى محبّته وتعظيمه وإجلاله وخشيته وخوفه ورجائه وإخلاص العمل له، وحاجة العبد إلى هذا وتحصيله هي أعظمُ الحاجات وأفضلها وأجلها، قال ابن القيم ﵀: "وليست حاجة الأرواح قطُّ إلى شيءٍ أعظمَ منها إلى معرفة باريها وفاطرها ومحبّتِهِ وذِكره والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه والزلفى عنده، ولا سبيل إلى هذا إلا بمعرفة أوصافه وأسمائه، فكلَّما كان العبد بها أعلم كان بالله أعرف وله أطلب وإليه أقرب، وكلَّما كان لها أنكر كان بالله أجهل وإليه أكره ومنه أبعد، والله ينزِل العبد من نفسه حيث يُنزله العبدُ من نفسه"١. اهـ كلامه ﵀.

стр. 116

ولا سبيل لنيل هذا وتحصيله إلا بمعرفة أسماء الله وصفاته والتفقّه فيها والفهم لمعانيها. ثالثاً: أنَّ الله خلق الخلق وأوجدَهم من العَدَم، وسخّر لهم السموات والأرض وما فيهما ليعرِفوه ويعبدوه، كما قال سبحانه: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثَلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ١، وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينِ﴾ ٢، فهذه الغاية التي خُلق الخلقُ لأجلها وأوجِدوا لتحقيقها، فالاشتغال بمعرفة أسماء الله وصفاته اشتغال بما خُلق له العبد، وتركه وتضييعه إهمال لما خُلق له، ولا ينبغي لعبد فضلُ الله عليه عظيم، ونِعَمُه عليه متوالية أن يكون جاهلاً بربّه معرضاً عن معرفته سبحانه. رابعاً: أنَّ أحد أركان الإيمان الستة، بل أفضلها وأصلها الإيمان بالله، وليس الإيمانُ مجرّدَ قول العبد آمنت بالله من غير معرفته بربّه، بل حقيقة الإيمان أن يعرف ربّه الذي يؤمن به ويَبذل جهدَه في معرفة أسمائه وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب معرفته بربّه يكون إيمانُه، فكلما ازداد معرفة بأسمائه وصفاته ازداد معرفةً بربِّه، وازداد إيمانُه، وكلما نقص نقص، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ ٣ قال ابن كثير ﵀: "أي إنَّما يخشاه حق خشيته

стр. 117

العلماءُ العارفون به؛ لأنَّه كلَّما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفةُ به أتمَّ والعلمُ به أكملَ، كانت الخشيةُ له أعظمَ وأكثر"١. اهـ. وقد جمع هذا المعنى أحدُ السلف في عبارة مختصرة فقال: "من كان بالله أعرف كان له أخوف"٢. ولا ريب أنَّ معرفة الله ومعرفة أسمائه وصفاته الواردة في الكتاب والسنة تثمر في العبد أنواعاً كثيرةً من العبادة والطاعة وابتغاء الوسيلة إلى الله، وتقوي فيه جانب الخوف والمراقبة، وتعظم فيه الرجاء، وتزيد في إيمانه ويقينِه وثقتِه بربِّه سبحانه. خامساً: أنَّ العلم به تعالى أصلُ الأشياء كلِّها، حتى إنَّ العارفَ به حقيقة المعرفة يستدل بما عرف من صفاته وأفعاله على ما يفعله وعلى ما يشرعه من الأحكام؛ لأنَّه سبحانه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرةٌ بين العدل والفضل والحكمة، ولذلك لا يشرع ما يشرعه من الأحكام إلاّ على حسب ما اقتضاه حمده وحكمته وفضله وعدله، فأخباره كلُّها حقٌ وصدقٌ، وأوامره ونواهيه كلُّها عدلٌ وحكمةٌ؛ ولهذا فإنَّ العبدَ إذا تدبّر كتاب الله وما تعرَّف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نزّه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه، وتدبّر أيامه وأفعاله في أوليائه وأعدائه التي قصَّها على عباده وأشهدهم إياها ليستدلوا بها على أنَّه إلهُهُم الحق

стр. 118

المبين، الذي لا تنبغي العبادةُ إلا له، ويستدلوا بها على أنَّه على كلِّ شيء قدير، وأنَّه بكلِّ شيء عليم، وأنَّه شديد العقاب، وأنَّه غفور رحيم، وأنَّه العزيز الحكيم، وأنَّه الفعّال لما يريد، وأنَّه الذي وسع كلَّ شيء رحمةً وعلماً، وأنَّ أفعالَه كلَّها دائرةٌ بين الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة، لا يخرج شيءٌ منها عن ذلك، فإذا تدبّر العبدُ ذلك أورثه ولا ريب زيادةً في اليقين، وقوّةً في الإيمان، وتماماً في التوكّل. فهذه خمسةُ أسبابٍ عظيمةٍ١ تدلُّ على فضل العلم بأسماء الله وصفاته وشدّة حاجة العباد إليه، بل ليس هناك حاجةٌ أعظمَ من حاجة العباد إلى معرفة ربِّهم وخالقهم ومليكهم ومُدبِّر شئونهم ومُقدِّر أرزاقهم، الذي لا غنى لهم عنه طرفة عين، ولا أقَلّ من ذلك، ولا صلاح لهم ولا زكاء إلا بمعرفته وعبادته والإيمان به وحده سبحانه، ولهذا فإنَّ حظَّ العبد من الصلاح واستحقاقه من المدْح والثناء إنَّما يكون بحسب معرفته بربه سبحانه [وعمله بذلك] ، وذلك بتدبُّر أسمائه الحسنى وصفاته العليا الواردة في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وفهِمَها فهما صحيحاً سليماً دون أن يجحد شيئاً منها، أو يحرِّفه عن مراده ومدلوله، أو يُشبِّهه بشيءٍ من صفات الخلق تعالى الله عن ذلك وتنزَّه وتقدّس، فالله جلّ وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ٢ فله الحمد كلُّه على أسمائه الحسنى وصفاته العظيمة وآلائه الجسيمة، وله الثناء الحسن لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.

стр. 119

٢٢ / اقتضاء الأسماء والصفات لآثارها من العبوديّة لله لا يزال الحديثُ ماضياً بنا في بيان أهمِّية ذِكر الله بذكر أسمائه وصفاته الواردة في الكتاب وسنة رسوله ﷺ ، وقد مرّ بنا جملةٌ طيّبةٌ من الفوائد المترتّبة على ذلك، ومن هذه الفوائد أيضاً أنَّ معرفةَ أسماء الله الحسنى وصفاته العلى مقتضيةٌ لآثارها من العبودية كالخضوع والذلّ والخشوع والإنابة والخشية والرهبة والمحبة والتوكل وغير ذلك من أنواع العبادات الظاهرة والباطنة، بل إنَّ لكل صفة من صفات الربّ ﵎ عبوديةً خاصةً هي من مقتضياتها وموجبات العلم بها والتحققِ بمعرفتها، وهذا مُطَّرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح١. وبيان ذلك أنَّ العبد إذا علم بتفرّد الربّ تعالى بالضُرّ والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة فإنَّ ذلك يُثمرُ له عبودية التوكّل على الله باطناً، ولوازم التوكّل وثمراته ظاهراً. قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ ٥.

стр. 120

وإذا علم العبد بأنَّ الله سميعٌ بصيرٌ عليمٌ لا يخفى عليه مثقالُ ذرةٍ في السموات والأرض، وأنَّه يعلم السرَّ وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، وأنَّه ﵎ أحاط بكلِّ شيء علماً، وأحصى كلَّ شيء عددًا، فمن عرَّف نفسه باطلاع الله عليه ورؤيته له وإحاطته به، فإنَّ ذلك يُثمرُ له حفظ اللسان والجوارح وخطرات القلب عن كل ما لا يُرضي الله، وجَعْلَ تعلّقات هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصَادِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ٥، فلا ريب أنَّ هذا العلم يورث عند العبد خشيةَ الله ومراقبتَه والإقبالَ على طاعته والبعدَ عن مناهيه. قال ابن رجب: "راودَ رجلٌ امرأةً في فلاة ليلاً فأبت، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب فقالت: فأين مُكَوكِبُها"٦. أي أين الله ألا يرانا، فمنعها هذا العلم اقتراف هذا الذنب والوقوع في هذه الخطيئة. وإذا علم العبد بأنَّ الله غنيٌّ كريمٌ، بَرٌّ رحيمٌ، واسعُ الإحسان، وأنَّه ﵎ مع غناه عن عباده فهو محسنٌ إليهم رحيمٌ بهم، يريد

стр. 121

بهم الخيرَ، ويكشف عنهم الضرَّ، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا لدفع مضرة، بل رحمةً منه وإحساناً، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثّر بهم من قلّة، ولا ليعتزّ بهم من ذِلَّة، ولا ليرزقوه ولا لينفعوه، ولا يدفعوا عنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينِ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وُقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ٢، وقال تعالى فيما رواه عنه رسوله ﷺ : "يا عبادي إنَّكم لن تبلُغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلُغوا ضَرِّي فتضروني"٣. فإذا عَلِم العبد ذلك أثمر فيه قوَّةَ الرّجاء ـ قوَّةَ رجائه بالله ـ وطمعه فيما عنده، وإنزال جميع حوائجه به، وإظهار افتقاره إليه واحتياجه له ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمْ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٤، والرجاء يُثمر أنواعَ العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفة العبد وعلمه. وإذا علِم العبدُ بعدلِ الله وانتقامه وغضبه وسخطه وعقوبته فإنَّ هذا يثمر له الخشية والخوفَ والحذرَ والبعدَ عن مساخط الرب، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٥، وقال الله

стр. 122

تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمْ البَيِّنَاتِ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢. وإذا علِمَ العبدُ بجلال الله وعظمته وعلوِّه على خلقه ذاتاً وقهراً وقدراً فإنَّ هذا يثمر له الخضوعَ والاستكانةَ والمحبةَ وجميعَ أنواع العبادة، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِياًّ كَبِيراً﴾ ٤، وقال: ﴿عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الكَبِيرُ المُتَعَالِ﴾ ٥، وقال: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ٦، وقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٧. وإذا علِمَ العبدُ بكمال الله وجماله، أوجبَ له هذا محبّةً خاصةً وشوقاً عظيماً إلى لقاء الله "ومن أحبّ لقاء الله أحبّ اللهُ لقاءَه"، ولا ريب أنَّ هذا يُثمر في العبد أنواعاً كثيرةً من العبادة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٨.

стр. 123

وبهذا يُعلم أنّ العبودية بجميع أنواعها راجعةٌ إلى مقتضيات الأسماء والصفات، ولهذا فإنَّه يتأكّد على كلِّ عبد مسلم أن يعرف ربَّه ويعرفَ أسماءه وصفاته معرفةً صحيحةً سليمةً، وأن يعلم ما تضمّنته، وآثارَها، وموجبات العلم بها، فبهذا يعظُم حظ العبد ويكمل نصيبه من الخير. قال الإمام أبو عمر الطلمنكي ﵀: "من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسولُ الله ﷺ المعرفةُ بالأسماء والصفات وما تتضمّن من الفوائد وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماً لمعاني الأسماء ولا مستفيداً بذكرها ما تدل عليه من المعاني"١. اهـ. والله المرجو أن يوفِّقنا وإياكم لتحقيق ذلك والقيام به على أحسن حال، فهو سبحانه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 124

٢٣ / العلمُ بأسماء الله وصفاته ومنهج أهل السنة في ذلك إنَّ من مقامات الدين الرفيعة ومنازله العالية العظيمة، العلم بكمال الربّ الكريم، وما يجب له من صفاته العظيمة وأسمائه الحسنى الكريمة الواردة في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، والتي أثنى بها على نفسه وأثنى عليه بها عبدُه ورسولُه محمد ﷺ ، بل إنَّ هذا العلم والإيمان أصلٌ من أصول الدين، وركنٌ من أركان التوحيد، وأساسٌ من أُسُسِ الاعتقاد. ولهذا ندب الله عباده وحثّهم ورغّبهم في مواطن كثيرة من القرآن الكريم على تعلّم أسماء الرب وصفاته، ومعرفتها معرفةً صحيحةً سليمةً، دون مَيْل بها عن وجهها، أو صرفٍ لها عن مقصودها بتحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل أو نحو ذلك. يقول الله تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاًمَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلاَمُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهَ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٣، وقال تعالى:

стр. 125

﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضَ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢ وقال: ﴿وَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٣، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٤، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ٥، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٦، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٧، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٨، وقال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرِ﴾ ٩، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ ١٠، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ١٠، وقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ ١١، والآيات في هذا المعنى كثيرة. إنَّ هذه الآيات وما ورد في معناها لَتدلُّ أوضحَ دلالة على عِظم

стр. 126

شأن العلم بأسماء الله ﵎ الحسنى، وصفاته العظيمة على وفق ما جاء في النصوص، وعلى ضوء ما ورد في الأدلة، فلا يُتجاوز في ذلك القرآن والحديث؛ إذ أسماء الربّ وصفاته توقيفيةٌ لا مجال إلى العلم به ومعرفتها إلا من خلال ما ورد في الكتاب والسنة، كما قال الإمام أحمد: "لا يُوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يُتجاوز القرآن والحديث"١. وقال ابن عبد البر ﵀: "ليس في الاعتقاد كلِّه في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء به منصوصاً في كتاب الله أو صحَّ عن رسول الله ﷺ ، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كلِّه أو نحوه يُسلّم له ولا يُناظر فيه"٢. إنَّ وصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ يُعدُّ من أصول الإيمان الراسخة، وأسسِه العظيمة التي لا إيمان إلا بها، فمن جحد شيئاً من صفاته سبحانه ونفاها وأنكرها فليس بمؤمن، وكذلك من عطّلها أو شبَّهَها بصفات المخلوقين، سبحان الله عما يصفون، وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. قال نعيم بن حماد الخزاعي ﵀: "من شبّه الله بشيء من خلقه فقد كَفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسَه فقد كفر، فليس فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيه"٣.

стр. 127

ولهذا فإنَّ مذهب أهل السنة والجماعة يقوم في هذا الباب على أصلين عظيمين وأساسين متينين، هما: الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل، فلا يُمثِّلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يُمثِّلون ذاته سبحانه بذواتهم، ولا ينفون عنه صفات كماله ونعوت جلاله الثابتة في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، بل يؤمنون بأنَّ الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. والواجب على كلِّ مسلم في هذا الباب العظيم أن يقف مع نصوص الكتاب والسنة دون زيادة أو نقصان، بل يؤمن بما ورد فيهما، ولا يحرِّف كلام الله عن مواضعه، ولا يُلحد في أسمائه وآياته، ولا يُكيّف صفاته، ولا يمثل شيئاً بشيءٍ من صفات خلقه؛ لأنَّ سبحانه لا سَمِيَّ له ولا كفؤ ولا نِدّ، ولا يُقاس بخلقه، وهو سبحانه أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثاً من خلقه، وكذلك رسله الذين أخبروا عنه بتلك الصفات صادقون مصدوقون بخلاف الذين يقولون على الله ما لا يعلمون، ولهذا قال الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ١، فسبَّح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، وسلّم على المرسلين، لسلامة ما قالوه من النقص والعيب؛ ولهذا فإنَّ أهل السنة والجماعة المتَّبِعين لمحمّد وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه، يُثبتون ما أثبته رسل الله لربهم من صفات الكمال ونعوت الجلال، كتكليم الله لعباده ومحبّته لهم، ورحمته بهم، وعُلوِّه عليهم،

стр. 128

واستوائه على عرشه، ونحو ذلك مما ورد من نعوت الرب الكريمة وصفاته الجليلة، فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه وصحّ عن نبيّه ﷺ وأمرّوه كما جاء من غير تعرض لكيفيةٍ أو اعتقاد مشابهةٍ أو مثليةٍ، أو تأويلٍ يؤدي إلى تعطيل صفات رب البرية، بل وسعتهم السنةُ المحمدية والطريقة المرضية، ولم يتجاوزوها إلى ضلالات بدعية أو أهواء رديَّة، فحازوا بسبب ذلك الرتب السَّنية والمنازل العليَّة في الدنيا والآخرة١. رزقنا الله وإياكم حسن اتباعهم والسَير على نهجهم وترسّم خطاهم إنَّه سميع مجيب قريب.

стр. 129

٢٤ / وصفُ أسماء الله بأنَّها حسنى ومدلول ذلك لقد ورد في القرآن الكريم الترغيبُ في دعاء الله بأسمائه الحسنى العظيمة، والتحذيرُ الشديدُ من سبيل الملحدين في أسمائه، وأنَّ الله سيحاسبهم على ذلك الحساب الشديد، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، ولذا فإنَّه يتأكّد على كلِّ مسلم أن يُعنى بأسماء الله الحسنى، وفهمها فهماً صحيحاً بعيداً عن سبيل الملحدين في أسماء الله الذين توعّدهم في هذه الآية بقوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وتوعّدهم على ذلك في آية أخرى بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَونَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ القِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢، والإلحاد في أسماء الله إلحاد في آياته. وقد دلّت الآية الكريمة المتقدّمة على أنَّ أسماء الله كلَّها حسنى، إذ إنَّ الله ﵎ لكماله وجلاله وجماله وعظمته لا يُسمى إلا بأحسن الأسماء، كما أنَّه لا يُوصف إلا بأحسن الصفات، ولا يُثنى عليه إلا بأكمل الثناء وأحسنه وأطيبه، فأسماؤه جلّ وعلا هي أحسن الأسماء وأكملُها، وليس في الأسماء أحسنُ منها ولا يقوم غيرُها مقامها ولا يؤدي معناها، ولا يسدّ مسدّها، وقد وصف الرب ﵎ أسماءه بأنَّها حسنى في القرآن الكريم في أربعة مواضع، في الآية المتقدمة، وفي

стр. 130

قوله: ﴿قُلْ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاًمَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ١، وقوله: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ٢، وقوله: ﴿هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ ٣. فهذه أربعة مواطن في القرآن وُصفت فيها أسماء الله ﵎ بهذه الصفة العظيمة، والحسنى في اللغة: جمع أحسن، وليست جمع حسن، فهي أحسن الأسماء وأكملها وأعظمها، كما قال تعالى: ﴿وَللهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٤، أي له سبحانه الكمال الأعظم في ذاته وأسمائه وصفاته، ولذا كانت أسماؤه أحسن الأسماء. وأسماء الله إنَّما كانت حسنى لكونها قد دلت على صفة كمال عظيمة لله، فإنَّها لو لم تدل على صفة بل كانت علَماً محضاً لم تكن حسنى، ولو دلّت على صفةٍ ليست بصفة كمال لم تكن حسنى، ولو دلّت على صفةٍ ليست بصفة كمالٍ بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح لم تكن حسنى، فأسماء الله جميعها دالةٌ على صفات كمال ونعوت جلال للرب ﵎، وكلُّ اسم منها دالٌ على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر٥، فالرّحمن مثلاً يدل على صفة الرحمة، والعزيز يدل على صفة العزة، والخالق يدل

стр. 131

على صفة الخلق، والكريم يدل على صفة الكرم، والمحسن يدل على صفة الإحسان، وهكذا وإن كانت جميعها متفقةً في الدلالة على الرب ﵎، ولهذا فهي من حيث دلالتُها على الذات مترادفةٌ، ومن حيث دلالتُها على الصفات متباينةٌ؛ لدلالة كل اسم منها على معنى خاص مستفاد منه. قال العلامة ابن القيم ﵀: "أسماء الرب ﵎ كلُّها أسماء مدح، ولو كانت ألفاظاً مجرّدةً لا معاني لها لم تدل على المدح، وقد وصفها الله بأنَّها حسنى كلُّها فقال: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ فهي لم تكن حسنى لمجرّد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال، ولهذا لما سمع بعضُ العرب قارئاً يقرأ: ﴿والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ﴾ (والله غفور رحيم) . قال: ليس هذا كلامَ الله تعالى، فقال القارئ: أتُكذّب بكلام الله؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله، فعاد إلى حفظه، وقرأ: ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٢، فقال الأعرابي: صدقتَ، عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. ولهذا إذا خُتمت آية الرحمة باسم العذاب أو بالعكس ظهر تنافرُ الكلام وعدمُ انتظامه"٣. اهـ. وبهذا يتبيّن أنَّ فهم أسماء الله الحسنى والعلم بمعانيها أساس لا بد

стр. 132

منه لتحقيق قول الله: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١ فدعاء الله بأسمائه الذي أمر الله به في هذه الآية إنَّما يكون ويتحقق إذا علم الداعي معاني هذه الأسماء التي دعا الله بها، فإن لم يكن عالماً بمعانيها فإنَّه يجعل في دعائه الاسم في غير موطنه كأن يختم طلب الرحمة باسم العذاب أو العكس، فيظهر التنافر في الكلام وعدمُ الانتظام، ومن يتدبرّ الأدعية الواردة في القرآن أو في سنة النبي ﷺ يجد أنَّه ما من دعاء منها يختم بشيءٍ من أسماء الله الحسنى إلا ويكون في ذلك الاسم ارتباطٌ وتناسبٌ مع الدعاء المطلوب كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ٢، وقوله: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ﴾ ٤، ونحو ذلك من الآيات. ثم إنَّ دعاء الله بأسمائه يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبّد، وفي بيان ذلك يقول ابن القيم ﵀: "وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديّتها، وهو سبحانه يحبّ موجب أسمائه وصفاته، فهو عليمٌ يحب كلَّ عليم، وجوادٌ يحب كلَّ جواد، وِترٌ يحب الوتر، جميلٌ يحب الجمال، عَفُوٌّ يحب العفو وأهله، حَيِيٌّ يحبُّ الحياء وأهله، برٌّ يحب

стр. 133

الأبرار، شكورٌ يحب الشاكرين، صبورٌ يحب الصابرين، حليمٌ يحب أهل الحلم ... "١، إلى آخر كلامه ﵀. ثم أيضاً من أهم ما ينبغي أن يتنبّه له المسلم في هذا الباب العظيم أن يحذر أشدّ الحذر من سبيل الملحدين في أسماء الله الذين توعّدهم الله في هذه الآية بأنَّهم سيُجزون ما كانوا يعملون، وهم أصنافٌ وأنواع، جَمَعَهم وصْفُ الإلحاد وتفرّقت بهم طرقُه، وعن هذا الموضوع الهام سيكون الحديث الآتي إن شاء الله وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 134

٢٥ / التحذير من الإلحاد في أسماء الله كان الحديث في ما مضى عن قول الله ﵎: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، وقد بقي معنا من معنى الآية تحذيرُ الله من الإلحاد في أسمائه، وتوعّده الملحدين فيها بأنَّه سيجازيهم على أعمالهم، ويُحاسبهم عليها أشدّ الحساب، فهو سبحانه يُمهِل ولا يُهمِل. وقد تهدّد الله في هذه الآية الذين يلحدون في أسمائه بتهديدين: الأول: صيغة الأمر في قوله: ﴿وَذَرُوا﴾ فإنَّها للتهديد. الثاني: في قوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢. والإلحاد في اللغة هو الميل والعدول، ومنه اللّحد، وهو الشقّ في جانب القبر الذي مال عن الوسط، ومنه المُلحد في الدين، أي: المائل عن الحق إلى الباطل، قال ابن السِّكِّيت: "الملحد العادل عن الحق المُدخل فيه ما ليس منه"٣. والإلحاد في أسماء الله سبحانه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، وهو أنواع عديدة يجمعها هذا الوصف، ولما حذّر الله في هذه الآية من الإلحاد في أسمائه هذا التحذير كان متأكّداً على المسلم أن يعرف الإلحاد في أسمائه وأنواعَه؛ لئلا يقع فيه كما قال الله

стр. 135

تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ ١، أي: تتضحُ للناس فيكونون منها على حذر وحيطة، وقد قيل: ... تعلَّم الشرَّ لا للشرِّ ولكن لتَوَقِّيه ... فإنَّ من لم يعرف الشرَّ من النَّاس يَقَع فيه والإلحاد في أسماء الله كما تقدّم أنواع ٢: أحدها: أن يسمَّى الأصنام والأوثان بها، كتسمية المشركين اللاَّت من الإله، والعُزَّى من العزيز، ومنَاةَ من المنَّان، وتسميتهم الصنم إلهاً، قال ابن جرير في تفسير قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ : "يعني به المشركين، وكان إلحادهم في أسماء الله أنَّهم عدلوا بها عما هي عليه، فسمّوا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسمّوا بعضها اللاَّت اشتقاقاً منهم لها من اسم الله الذي هو الله، وسمّوا بعضها العزى اشتقاقاً لها من اسم الله الذي هو العزيز"٣. ثم روى عن مجاهد في معنى الآية أنَّه قال: "اشتقوا العزى من العزيز، واشتقوا اللات من الله". اهـ. فهذا إلحاد حقيقة فإنَّهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة. النوع الثاني: تسمية الله بما لا يليق بجلاله وكماله، وأسماءُ الله الحسنى توقيفيةٌ لا يجوز لأحد أن يتجاوز فيها القرآن والسنة، ولهذا فإنَّ من أدخل فيها ما ليس منها فهو ملحدٌ في أسماء الله، قال الأعمش

стр. 136

رحمه الله في تفسير الآية المتقدمة: "تفسيرها: يُدخلون فيها ما ليس منها"١. اهـ. ومن ذلك تسمية النصارى له أباً، وتسمية الفلاسفة إياه العلةَ الفاعلة بالطبع، وتسمية بعض أهل الضلال له بمهندس الكون ونحو ذلك، فكلُّ ذلك من الإلحاد في أسماء الله. النوع الثالث: تعطيل الأسماء عن معانيها وجَحدُ حقائقها، كما قال ابن عباس ﵄: "الإلحاد التكذيب"٢، ولا ريب أنَّ من أنكر معاني هذه الأسماء وجحد حقائقها فهو مكذبٌ بها ملحدٌ في أسماء الله، ومن ذلك قول من يقول من المعطلة: إنَّها ألفاظٌ مجرّدةٌ لا تدل على معاني، ولا تتضمّن صفات، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم، ويقولون: لا حياة له، ولا سمع له، ولا بصر له، ولا رحمة، تعالى الله عما يقولون، وسبحان الله عما يصفون، ولا ريب أنَّ هذا من الإلحاد في أسماء الله، ثم إنَّ هؤلاء المعطلين متفاوتون في هذا التعطيل، فمنهم من تعطيله جزئيٌّ، بمعنى أنَّه يعطّل بعضاً ويثبت بعضاً، ومنهم من تعطيله كليٌّ، بمعنى أنَّه يعطل الجميعَ فلا يُثبت شيئاً من الصفات التي تدل عليها أسماء الله الحسنى، وكلُّ من جحد شيئاً مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ فقد ألحد في ذلك، وحظّه من هذا الإلحاد بحسب حظِّه من هذا الجحد. النوع الرابع: تشبيه ما تضمّنته أسماء الله الحسنى من صفاتٍ

стр. 137

عظيمةٍ كاملةٍ تليق بجلال الله وجماله بصفات المخلوقين، تعالى الله عما يقول المشبّهون علوًّا كبيرًا، والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ﴾ ٢، فالله سبحانه لا سميّ له ولا شبيه ولا مثيل، فهو سبحانه لا يشبه شيئاً من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه، والمشَبِّه كما يقول الإمام أحمد ﵀ هو الذي يقول: "يد الله كيَدِي، وسمعه كسمعي، وبصره كبصري تعالى الله عن ذلك"٣، أما من يُثبت أسماء الله وصفاته على وجه يليق بجلال الله وكماله فهو بريء من التشبيه، وسالم من التعطيل. فهذه أنواعٌ أربعةٌ للإلحاد في أسماء الله الحسنى، وقد وقع في كل منها جماعات من المبطلين حَمَانا الله وإياكم، وَوَقَانا ووقاكم بمنّه وكرمه من كل ضلال وباطل، وقد برّأ الله أتباع رسله وورثته القائمين بسنته من ذلك كلِّه فلم يصفوا الله إلا بما وصف به نفسه ووصفه به نبيّه ﷺ ، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبّهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لا لفظاً ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات، فكان إثباتُهم برياً من التشبيه، وتنزيهُهم خليّا من التعطيل، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . وبهذه الآية الكريمة نختم الحديث هنا حامدين لله، مُثنين عليه بما هو أهله، وبما أثنى به على نفسه، حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى.

стр. 138

٢٦ / تدبّرُ أسماء الله وصفاته وعدم تعطيلها وعِظم أثر ذلك على العبد لا يخفى أنَّ حاجة العباد إلى معرفة ربهم وخالقهم ومليكهم هي أعظمُ الحاجات، وضرورتهم إلى ذلك هي أعظم الضرورات، وكلما كان العبدُ أعرفَ بأسماء ربه وما يستحقه من صفات الكمال ونعوت الجلال، وما يتنزّه عنه مما يضاد ذلك من النقائص والعيوب كان حظُّه من الثناء ونصيبه من المدح بحسب ذلك، والسبيل إلى تحقيق هذا المطلب الجليل والمقصد النبيل أن يتدبّر العبد أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، ويتأمّلها اسماً اسماً، ويثبت ما دلّت عليه من معنى على وجه يليق بجلال الرب وكماله وعظمته، ويعتقد أنَّ هذا الكمال والعظمة ليس له منتهى، ويؤمن أنَّ كلَّ ما ناقض هذا الكمال بوجه من الوجوه فإنَّ الله تعالى منزّهٌ مقدّسٌ عنه، ويبذل ما استطاع من وسعه في معرفة أسماء الله وصفاته، ويجعل هذه المسألة العظيمة الجليلة أهم المسائل وأولاها بالعناية وأحقها بالتقديم ليفوز من الخير بأوفر نصيب. روى البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ بعث رجلاً على سريّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: "سلوه لأي شيء كان يصنع ذلك؟ "، فسألوه فقال: لأنَّها صفةُ الرّحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ : "أخبروه أنَّ الله يحبّه"١.

стр. 139

فهذه السورة الكريمة أُخلصت لذِكر أوصاف الرّحمن ونعوت كماله وجلاله، فأحب هذا الصحابي ﵁ الإكثار من قراءتها، ولهذا لما سأله النبي ﷺ عن سبب ملازمته لقراءتها قال: لأنَّها صفة الرّحمن وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال: " أخبروه أنَّ الله يحبّه "، وفي رواية أنَّ النبي ﷺ قال: "حُبُّك إياها أدخلك الجنة ". فدل ذلك على أنَّ حب العبد لصفات الرحمن وملازمتَه تذكّرها واستحضار ما دلّت عليه من المعاني الجليلة اللائقة بكمال الرب وجلاله، والتفقّه في معانيها سببٌ عظيم من أسباب دخول الجنة، ونيل رضى الرب ﵎ ومحبته كما هو الحال في قصة هذا الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه. إنَّ الواجب على كل مسلم أن يقف مع جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة موقف الرضا والقبول والتسليم، كما قال الإمام الزهري ﵀: "مِن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم"١. ولا يجوز لمسلم قَدَرَ الله حقّ قدْرِه أن يُقابل شيئاً منها برَدٍّ أو استنكارٍ أو تعطيلٍ أو نحو ذلك. روى عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄: "أنَّه رأى رجلاً انتفض لما سمع حديثاً عن النبي ﷺ في الصفات استنكاراً لذلك، فقال: ما فَرَقُ هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه"٢.

стр. 140

وصفات الله في القرآن والسنة من المحكم، إلا أنَّ هذا الرجل لقلة علمه وضعف تفريقه اشتبه عليه الأمر فبادر إلى الاستنكار، فأنكر عليه ابن عباس ﵄ ذلك وأخبر أنَّ هذا الاستنكار سبيلُ هلكه. فتبيّن بذلك أنَّ الواجب في الأسماء والصفات هو التسليم والقبول، وأن يحذر المسلمُ أشدّ الحذر من سبيل من يُلحدون في أسماء الله وصفاته إما بتعطيل لها، أو تكذيب لبعضها، أو تحريف لمعانيها، أو تمثيل لها بصفات المخلوقين، أو نحو ذلك من سبل الضلال، تعالى الله وتقدّس عن ذلك. وأهل السنة والجماعة منهجهم في هذا الباب العظيم: هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال ونعوت الجلال، دون تحريف أو تعطيل، ودون تكييف أو تمثيل، ونفي ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسوله ﷺ من النقائص والعيوب، ولا يتجاوزون في ذلك القرآن والحديث. ولا ريب أنَّ لهذا المنهج العظيم آثاراً كثيرةً على العبد في صلاحه واستقامته وخوفه من ربّه ومراقبته له؛ إذ إنَّ العبد كلَّما كان بالله وبأسمائه وصفاته أعلم كان من الله أخوف، وله أطلب، وإليه أقرب. أما من خالف هذا المنهج وتَنَكَّبَ هذه الجادة وسلك طرقَ أهل الزيغ في أسماء الله وصفاته فما أبعده عن معرفة ربه وخالقه، بل إنَّه يكون أضعف الناس معرفة بالله، وأقلّهم خوفاً وخشيةً منه. ولذا يقول ابن القيم ﵀ بعد أن بيّن أنَّ تفاوت الناس في معرفة الله يرجع إلى تفاوتهم في معرفة النصوص النبوية وفهمها والعلم

стр. 141

بفساد الشبه المخالفة لحقائقها: "وتجد أضعف الناس بصيرة أهل الكلام الباطل المذموم، الذي ذمّه السلف لجهلهم بالنصوص ومعانيها، وتمكُّنِ الشُّبه الباطلة من قلوبهم". ثم بيّن ﵀ أنَّ العوام أحسنُ حالاً من هؤلاء وأقوى معرفة بربهم منهم فقال: "وإذا تأملت حال العامة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم ـ أي عند أكثر المتكلمين ـ رأيتهم أتمّ بصيرةً منهم وأقوى إيماناً وأعظم تسليماً للوحي وانقياداً للحق"١ اهـ. ولهذا وجب على كلِّ مسلم أن يكون في هذا الباب وفي جميع أبواب الدين على سنن أهل السنة والجماعة ووَفْق منهجهم، وأن يحذر سبل الضلال كلَّها وأبواب الباطل جميعها، والتوفيق بيد الله وحده، فنسأله سبحانه أن يوفّقنا وإياكم لكل خير يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، إنَّه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ.

стр. 142

٢٧ / أسماءُ الله الحسنى غيرُ محصورة بِعددٍ معيَّنٍ وبيانُ المراد بقوله: "مَنْ أحصاها دخل الجنّة " لقد صحّ عن النبي ﷺ فيما خرّجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: "إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً، مائةً إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة"١. ولا ريب أنَّ هذا الفضل العظيم ألا وهو دخول الجنة المترتِّب على إحصاء هذا العدد من أسماء الله ليحرك في النفس الجِدّ في نيل هذا المطلب العظيم والسعي في تكميله، والحرص الشديد على تحقيقه. ولقد ظن بعضُ النّاس خطأً أنَّ المرادَ بإحصاء أسماء الله المرغب فيه في هذا الحديث هو عدُّ ألفاظ تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله، واستظهارها في القلب، والتلفّظ بها في أوقات معيّنة مخصوصة، وربما جعلها بعضهم في جملة ذكره لله في صباحه ومسائه دون فقه من هؤلاء لهذه الأسماء الجليلة العظيمة، أو تدبّر لمدلولاتها، أو تحقيق لموجباتها ومستلزماتها، أو عمل بمقتضياتها ومتطلباتها. ولقد نبّه العلماء ﵏ أنَّه ليس المراد بإحصاء أسماء الله عدّ حروفها فقط، بلا فقه لها أو عمل بها، بل لا بد في ذلك من فهم معناها والمراد بها فهماً صحيحاً سليماً، ثم العمل بما تقتضيه. قال أبو عمر الطلمنكي ﵀: "من تمام المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاته التي يستحق بها الداعي والحافظ ما قال رسول الله ﷺ ،

стр. 143

المعرفة بالأسماء والصفات وما تتضمّن من الفوائد، وتدل عليه من الحقائق، ومن لم يعلم ذلك لم يكن عالماً لمعاني الأسماء، ولا مستفيداً بذكرها ما تدل عليه من المعاني"١. فنبّه ﵀ إلى أنَّ تمام المعرفة بالأسماء الحسنى والتي ينال بها الداعي لله بها هذا الثواب العظيم الوارد في الحديث إنَّما يكون بالمعرفة بالأسماء والصفات وبما تتضمّنه من فوائد وتدل عليه من الحقائق، لا عدّها فقط دون فهم لها أو علم بما تدل عليه. وقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ أنَّ لإحصاء أسماء الله الحسنى ثلاثَ مراتبَ بتكميلها وتحقيقها ينال العبدُ ثوابَ الله العظيم المذكور في حديث رسول الله ﷺ المتقدم: المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها وعددها. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولاتها. المرتبة الثالثة: دعاء الله بها، وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة٢. فبتحقيق هذه المراتب الثلاثة العظيمة يكون الإحصاء الصحيح لهذا القدر من أسماء الله الحسنى. ومما ينبغي أن يُعلم هنا أنَّ أسماء الله الحسنى ليست محصورةً في هذا العدد المعيّن المذكور في قوله ﷺ : "إنَّ لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة"، فالكلام في هذا الحديث جملة واحدة، فقوله:

стр. 144

"من أحصاها" صفةٌ، وليس خبراً مستقلاً، والمعنى أنَّ لله تسعة وتسعين من شأنها أنَّ من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينافي أن يكون له أسماءٌ غيرها، ولهذا نظائر كثيرة في لغة العرب كما تقول: إنَّ عندي تسعة وتسعين درهماً أعددتها للصدقة، فإنَّ هذا لا ينافي أن يكون عندك غيرها معدةً لغير ذلك، وهذا أمر معروف لا خلاف فيه بين العلماء. بل لقد ورد في السنة ما يدل على أنَّ أسماء الله غيرُ محصورة ولا تُحدّ بعدد معيّن، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"١، فأخبر ﷺ أنَّه لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى الثناء عليه. ومن ذلك أيضاً ما ورد في حديث الشفاعة الطويل أنَّه ﷺ قال: "ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحدٍ قبلي"، فدل الحديث على أنَّ هناك محامد من أسماء الله وصفاته يفتح الله بها على رسوله ﷺ في ذلك اليوم، وهي بلا شك غير المحامد المأثورة في الكتاب والسنة. وأيضاً فقد ثبت في المسند وغيره من حديث عبد الله بن مسعود

стр. 145

رضي الله عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبداً همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إنِّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همِّي، إلا أذهب الله همّه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً"١. قال ابن القيم ﵀: "فجعل أسماء الله ثلاثة أقسام: قسم: سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه. وقسم: أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده. وقسم: استأثر به في علم غيبه فلم يُطلِع عليه أحداً من خلقه، ولهذا قال: "استأثرت به" أي: تفردت بعلمه"٢. وبهذا يتبيّن أنَّ أسماء الله غيرُ محصورة في هذا العدد المعيّن، بل هي في القرآن والسنة أكثرُ من ذلك، وقصارى الحديث الدلالة على فضيلة إحصاء هذا العدد من أسماء الله. ومما ينبّه عليه هنا أنَّه لم يرد عن النبي ﷺ حديثٌ صحيحٌ في عدّ هذه الأسماء وسردها، وأما ما ورد في سنن الترمذي وسنن ابن ماجه وغيرهما من ذكرٍ لهذه الأسماء مسرودةً عَقِبَ حديث أبي هريرة
следующие страницы →