وكما أنَّ أسباب الحمد وموجباته متنوِّعةٌ متعدِّدةٌ، فكذلك الحمدُ تنوَّع بتنوّعها وكثُرَ بكثرتها، وقد فصَّل ابن القيّم ﵀ الحديث عن هذا النوع في كتابه "طريق الهجرتين"، وذكر ﵀ أنَّ هذا النوع من الحمد حمد النِّعم والآلاء مشهودٌ للخليقة برِّها وفاجرِها، مؤمنِها وكافرِها من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته لهم، وبرّه ولطفه وحنانه وإجابته لدعوات المضطرّين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ورحمته للعالمين، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق، بل ابتداءً منه بمجرّد فضله وكرمه وإحسانه، ودفع المِحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهداية خاصّته وعباده إلى سبيل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبّب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، وسمّاهم المسلمين مِن قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبّب إليهم بنعمه مع غناه، وتبغضّهم إليه بالمعاصي وفقرهم إليه، ومع هذا كلِّه فاتّخذ لهم داراً، وأعدّ لهم فيها من كلِّ ما تشتهيه الأنفسُ وتلَذُّ الأعين، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النَّعيم والحَبرة والسرور والبهجة ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم أرسل إليهم الرّسل يدعونهم إليها،
стр. 247
ثم يسَّر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير في هذه المدّةِ القصيرة جدًّا بالإضافة إلى بقاء دار النعيم، وضَمِن لهم إن أحسنوا أن يثيبهم بالحسنة عشراً، وإن أساءوا واستغفروا أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جَنَوه من السيّئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات وذكّرهم بآلائه، وتعرَّف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحساناً، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عمّا نهاهم عنه حمايةً وصيانةً لهم لا بُخلاً منه عليهم، وخاطبهم بألطف خطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصّاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال، وصرّف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرقَ العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرّفهم الأسباب التي تدنيهم مِن رضاه، وتبعدهم عن غضبه، ويخاطبهم بألطف الخطاب، ويسمّيهم بأحسن أسمائهم، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ﴾ ١، ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ ٢، ﴿قُلْ لِعِبَادِي﴾ ٣، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي﴾ ٤، فيخاطبهم بخطاب الوِداد والمحبّة والتلطّف، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
стр. 248
تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ ٣، وأكثرُ القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودّد والتحنّن واللطف والنصيحة البالغة.
يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ ٤، قال ابن القيّم ﵀: "فتحت هذا الخطاب: إني عاديت إبليس وطردتُه من سمائي وباعدته من قربي؛ إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يا بنيه توالونه وذريّته من دوني وهم أعداؤكم، فليتأمّل اللبيبُ مواقع هذا الخطاب وشدّة لصوقه بالقلوب والتباسه بالأرواح.
ثم إنَّه سبحانه قد أعلمَ عباده بأنَّه لا يرضى لهم إلاّ أكرمَ الوسائلِ وأفضلَ المنازلِ، وأجَلَّ العلوم والمعارفِ، قال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنكُمُ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ٥، وقال: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ ٦، وقال:
стр. 249
﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ ٢.
ثم هو سبحانه لم يخلق عبادَه لحاجة منه إليهم، ولا ليتكثَّر بهم من قلّةٍ، ولا ليتعزَّز بهم من ذِلَّة، بل كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينِ﴾ ٣، وقال سبحانه عقِب أمره لعباده بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنَيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٤، فهو سبحانه غنيٌّ عما ينفقون أن ينالَه منه شيء، حميد مستحقٌّ المحامد كلّها، فإنفاق العباد لا يسدُّ منه حاجة ولا يوجب له حمداً، بل هو الغنيُّ بنفسه، الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته، وإنفاقُ العباد نفعه عائدٌ لهم وإحسانهم عائدٌ إليهم، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ٥، وقال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ
стр. 250
يَمْهَدُونَ﴾ ١، وقال: ﴿مَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ ٢") ٣.
هذا ومن أراد مطالعة أصول النِّعم وما توجبه من حمد الله وذكرِه وشكره وحسن عبادتِه فَليُدِمْ سرح الذِّكر في رياض القرآن الكريم، وليتأمّل ما عدّد الله فيه من نعمه وتعرّف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره ﴿فَلِلَّهِ الحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ العَالَمِينَ وَلَهُ الكِبْرِيَآءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٤.
стр. 251
٤٦ / حمدُ الله هو أفضلُ النِّعَم
لا رَيب في عِظم شأن الحمدِ وجلالة قدره وكثرةِ ثوابه، فهو من أجلّ الطاعات وأحسن القُربات، وهو أحقُّ ما تقرّب به العبد إلى ربّه سبحانه. ثبت في الصحيح أنَّ النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "ربّنا ولك الحمد، ملءَ السموات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجَد منك الجد"١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " هذا لفظ الحديث
"أحقُّ" أفعل تفضيل، وقد غلط فيه طائفةٌ من المصنِّفين فقالوا "حقٌ ما قال العبد" وهذا ليس لفظ الرسول، وليس هو بقول سديد، فإنَّ العبدَ يقول الحقَّ والباطل، بل الحقُّ ما يقوله الربُّ، كما قال تعالى ﴿فَالحَقُّ وَالحَقَ أَقُولُ﴾ ٢، ولكن لفظه "أحقُّ ما قال العبد" خبر مبتدأ محذوف، أي الحمدُ أحقُّ ما قال العبد أو هذا ـ وهو الحمد ـ أحقُّ ما قال العبد، ففيه بيّن أنّ الحمد أحق ما قاله العبد، ولهذا أوجب قولَه في كلِّ صلاة، وأَنْ تُفْتَتَحَ به الفاتحة، وأوجب قولَه في كلِّ خطبة وفي كلِّ أمر ذي بال"٣. اهـ.
стр. 252
والحمد هو أفضل نعم الله على عباده، وهو أجل من نعم الله التي أنعم بها على العبد من رزقه وعافيته وصحته والتوسعةِ عليه في دنياه ونحوِ ذلك، ويشهد لهذا ما رواه ابنُ ماجه عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنعم الله على عبد بنعمة فقال: " الحمد لله إلا كان ما أعطى أفضل ممّا أخذ "١.
وروي هذا أيضاً عن الحسن البصري موقوفاً عليه، رواه ابن أبي الدنيا في كتابه الشكر، وروى ابن أبي حاتم في تفسيره أنّ بعض عمال عمر بن عبد العزيز كتب إليه: إني بأرضٍ قد كثرت فيها النعم، حتى لقد أشفقتُ على أهلها من ضعف الشكر، فكتب إليه عمر: "إنِّي قد كنت أراك أعلم بالله ممّا أنت، إنَّ الله لم ينعم على عبده نعمة، فحمد الله عليها إلا كان حمدُه أفضلَ من نعمه، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ الحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ٢، وقال الله ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً حَتَى إِذَا جَآؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ ٣، وأيُّ نِعمة أفضل من دخول الجنة".
стр. 253
فهذا فيه أوضحُ دلالةٍ على أنَّ حمدَ الله على النِّعمة أفضلُ منَ النِّعمة نفسها، وقد استشكل هذا بعضُ أهل العلم وقال: لا يكون فعلُ العبد أفضلَ من فعل الربِّ ، أورد هذا الاستشكال ابنُ رجب في كتابه "جامع العلوم والحكم" وأجاب عنه جواباً وافياً مسدَّداً فقال ﵀: "المرادُ بالنِّعمِ النِّعمُ الدنيويةُ، كالعافية والرزق والصحة ودفع المكروه ونحوِ ذلك، والحمدُ هو من النعم الدينية، وكلاهما نعمةٌ من الله، لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده، فإنَّ النِّعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكرُ كانت بليَّة، كما قال أبو حازم: كلُّ نعمة لا تقرِّب من الله فهي بلية. فإذا وفَّق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر كانت هذه النعمة خيراً من تلك النعم وأحبَّ إلى الله منها، فإنَّ الله يحب المحامد، ويرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها، والثناء بالنعم والحمد عليها وشكرها عند أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذلونها طلباً للثناء، والله أكرمُ الأكرمين وأجودُ الأجودين، فهو يبذل نعمه لعباده، ويطلب منهم الثناء بها وذكرها والحمد عليها، ويرضى منهم بذلك شكراً عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غيرُ محتاجٍ إلى شكرهم، لكنَّه يُحبُّ ذلك من عباده، حيث كان صلاحُ العبد وفلاحُه وكمالُه فيه، ومن فضله أنَّه نسب الحمدَ والشكرَ إليهم، وإن كان من أعظم نعمه عليهم، وهذا كما أنَّه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال ثمَّ استقرض منهم بعضَه ومَدَحَهم بإعطائه، والكلُّ ملكه، ومن
стр. 254
فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك"١. اهـ كلامه ﵀.
وبه يتبين معنى الحديث المتقدم: "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ" فالعبد أعطى الحمد، وحمده نفسه نعمة من الله عليه، ولولا توفيقُ الله وإعانتُه لما قام بحمده، فنعمة الله على عبده بتوفيقه للحمد أفضل من نعمة الله عليه بالصحة والعافية والمال ونحو ذلك، والكلُّ نعمة الله، قال ابن القيم ﵀: "فنعمة الشكر أجَلُّ من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها"٢. اهـ.
ولهذا فإنَّ حمد الله وشكره على نعمه هو بحَدِّ ذاته نعمةٌ عظيمةٌ تستوجب حمداً آخر وشكراً متجدداً.
روى ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر عن بكر بن عبد الله قال: "ما قال عبد قط الحمد لله إلا وجبت عليه نعمة بقوله: الحمد لله فما جزاء تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول الحمد لله فجاءت أخرى، ولا تنفد نعم الله "٣.
ولذا قال الإمام الشافعي ﵀ في حمد الله: "الحمد لله الذي لا تؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها"٤.
стр. 255
أيْ إنَّ العبد إذا حمد الله فهذه نعمة أخرى حادثة تستوجب حمداً آخر.
قال ابن أبي الدنيا: أنشدني محمود الورّاق:
إذا كان شُكري نعمةَ الله نعمةً ... عَلَيَّ له في مثلِها يجبُ الشُّكرُ
فكيف وقوعُ الشكرِ إلاَّ بفضله ... وإن طالت الأيامُ واتَّصَلَ العُمْرُ
إذا مسَّ بالسرَّاء عَمّ سرورُها ... وإذا مسَّ بالضرَّاء أعقَبها الأجْرُ
وما منهما إلاَّ فيه منّةٌ ... تَضِيقُ بهَا الأَوْهامُ والبِرُّ والبحرُ١
وقال آخر في المعنى نفسه
لو كلُّ جارحةٍ منِّي لها لغةٌ ... تثني عليكَ بما أوْلَيْتَ من حَسَنِ
لكان ما زاد شكري إذ شكرتُ به ... إليك أبلغَ في الإحسانِ والمِنَنِ٢
فاللَّهمَّ لك الحمد شكراً، ولك المن فضلاً، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، لك الحمد بكلِّ نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، أو سر أو علانية، أو خاصة أو عامة، لك الحمد على ذلك حمداً كثيراً، اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد ربَّنا إذا رضيت.
стр. 256
٤٧ / أفضلُ صِيَغِ الحمد وأكملُها
تقدّم بيانُ فضل الحمد وعظم ثوابه عند الله، والإشارةُ إلى بعض صِيَغه الواردة في القرآن الكريم وفي أحاديث الرسول الكريم ﷺ ، كقول: ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ، وقول: "الحمد لله حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يحب ربّنا ويرضى"، ونحو ذلك مما ورد في القرآن الكريم مما حمد به الربُّ نفسه، وما ورد في سنة النبي الكريم ﷺ مما حمد به الرسول ﷺ ربَّه، وهي صيغٌ عظيمةٌ مشتملةٌ على أحسن الحمد وأكمله وأوفاه، وقد ذكر بعضُ أهل العلم أنَّ أفضل صيغ الحمد "الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده"، واحتجّ بما ورد عن أبي نصر التمّار أنَّه قال: قال آدم ﵇: يا رب شغلتَني بكسب يديّ فعلّمني شيئاً من مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله إليه يا آدمُ إذا أصبحت فقل ثلاثاً وإذا أمسيت فقل ثلاثاً: "الحمدلله ربِّ العالمين حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، فذلك مجامع الحمد".
وقد رُفع ذلك للإمام المحقق ابن قيِّم الجوزية ﵀ فأنكره على قائله غايةَ الإنكار وبيَّن ﵀ أنَّ ذلك لم يَرِد عن النبي ﷺ في شيء من الصحاح أو السنن أو المسانيد ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وبَسَط القول ﵀ في ذلك في رسالة مفردة.
قال ﵀: "هذا الحديث ليس في الصحيحين ولا في أحدهما ولا يُعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وإنَّما يُروى عن أبي نصر التمّار عن آدم أبي البشر، لا يَدري كم بين
стр. 257
أبي نصر وآدم إلا الله تعالى، وذكر الحديث المتقدّم ثم قال: فهذا لو رواه أبو نصر التمّار عن سيِّد ولد آدم ﷺ لما قبلت روايته لانقطاع الحديث فيما بينه وبين رسول الله ﷺ فكيف بروايته له عن آدم.
وقد ظنَّ طائفة من الناس أنَّ هذا الحمد بهذا اللفظ أكمل حمدٍ حُمِد اللهُ به وأفضله وأجمعه لأنواع الحمد، وبنوا على هذا مسألة فقهيّة فقالوا: لو حلف إنسانٌ ليحمدنَّ اللهَ بمجامع الحمد وأجلِّ المحامد فطريقه في برِّ يمينه أن يقول: "الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده" قالوا: ومعنى يوافي نعمه أي يلاقيها فتحصل النعم معه، ويكافئ ـ مهموز ـ أي يساوي مزيد نعمه، والمعنى: أنَّه يقوم بشكر ما زاد من النعم والإحسان".
قال ابن القيِّم ﵀: والمعروف من الحمد الذي حمد الله به نفسه وحمده به رسوله ﷺ وسادات العارفين بحمده من أمته ليس فيه هذا اللفظ ألبتة، وأورد بعض صيغ الحمد الواردة في القرآن ثم قال: فهذا حمدُه لنفسه الذي أنزله في كتابه وعلَّمه لعباده، وأخبر عن أهل جنَّته به، وهو آكد من كلِّ حمدٍ وأفضلُ وأكملُ، كيف يبرُّ الحالف في يمينه بالعدول إلى لفظ لم يحمد به نفسه، ولا ثبت عن رسول الله ﷺ ، ولا سادات العارفين من أمته، والنبي ﷺ كان إذا حمد الله في الأوقات التي يتأكّد فيها الحمد لم يكن يذكر هذا الحمدَ ألبتة كما في حمد الخطبة، والحمد الذي تستفتح به الأمور، وكما في تشهّد الحاجة، وكما في الحمد عقب الطعام والشراب واللباس والخروج من الخلاء، والحمد عند رؤية ما يسرّه وما لا يسرّه ... ".
стр. 258
ثم ساق ﵀ جملةً كبيرةً مما ورد عن النبي ﷺ من صيغ الحمد مما يقال في مثل هذه الأوقات، ثم قال: "فهذا جُملُ مواقع الحمد في كلام الله ورسوله وأصحابه والملائكة قد جُلِّيتْ عليك عرائسها وجُلِبَتْ إليك نفائسها، فلو كان الحديث المسؤول عنه أفضلَها وأكملَها وأجمعَها كما ظنّه الظانّ لكان واسطة عقدها في النظام، وأكثرِها استعمالاً في حمد ذي الجلال والإكرام"١. اهـ.
وبهذا التحقيق الذي ذكره ﵀ يتبيّن ضعف هذه الصيغة في الحمد من جهة الرواية، وأنها لو كانت صحيحةً ومشتملةً على أكمل الصيغ لما عدل عنها رسول الله ﷺ ، ولما آثر غيرها عليها، قالت عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يستحبّ الجوامع من الدعاء، ويدَعُ ما سوى ذلك"، رواه أبو داود وغيرُه.
وسبق أن مرّ معنا قول النبي ﷺ : "أفضلُ الدعاء الحمد لله"، وبهذا يُعلم أنَّ هذه الصيغة في الحمد لو كانت أكملَ لما تركها رسول الله ﷺ .
ثم إنَّه أيضاً لا يمكن للعبد أن يحمد الله حمداً يوافي نعمة واحدة من نعم الله، فضلاً عن موافاته جميع نعم الله، ولا يمكن أن يكون فعلُ العبد وحمدُه له مكافئاً للمزيد، قال ابن القيّم ﵀: "فهذا من أمحل المحال، فإنّ العبد لو أقْدَرَه الله على عبادة الثَّقلين لم يقم بشكر أدنى نعمة عليه ... فمن الذي يقوم بشكر ربِّه الذي يستحقه سبحانه فضلاً عن أن يكافئه"٢.
стр. 259
وقال ﵀: " ... ولكن يحمل على وجه يصح، وهو أنَّ الذي يستحقه الله سبحانه من الحمد حمداً يكون موافياً لنعمه ومكافئاً لمزيده وإن لم يَقدِر العبدُ أن يأتي به"١.
وأحسنُ من هذا وأكملُ ما ثبت في صحيح البخاري وغيره عن أبي أمامة الباهلي أنَّ النبيّ ﷺ كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه غير مكفيٍّ، ولا مودَّع، ولا مستغنى عنه ربّنا"٢، فلو كانت تلك الصيغة وهي قوله: "حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده" أكمل وأفضل من هذه لما عدل عنها رسول الله ﷺ ، فإنّه لا يختار إلاّ الأفضل والأكمل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معنى هذا الحديث: "المخلوق إذا أنعم عليك بنعمة أمكنك أن تكافئه، ونعمُهُ لا تدوم عليك، بل لا بدّ أن يودِّعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، والله لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمَه، فإنّه هو أغنى وأقنى، ولا يُستغنى عنه طرفة عين". اهـ٣.
وفيه بيانٌ لعظم دلالات الأدعية المأثورة والأذكار الثابتة وعمق معانيها وسلامتها من الخطأ الذي قد يعتري ما سواها، وبهذا تكون السلامةُ وتحصيل الكامل.
فالحمد لله بمحامده التي حمد بها نفسه، وحمده بها الذين اصطفى من خلقه حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه كما يحب ربّنا ويرضى.
стр. 260
٤٨ / تعريفُ الحمد، والفرقُ بينه وبين الشكر
لا يزال الحديث موصولاً في الكلام عن الحمد، حيث سبق الحديثُ عن فضل الحمد وبيان ثوابه وذكر الأوقات التي يُشرع فيها، وذكر بعض صيغه إلى غير ذلك من أمور مرَّت معنا تتعلّق بالحمد، وسيكون الحديث هنا عن معنى الحمد في اللغة والشرع، والكلام على الفَرق بينه وبين الشكر، والفرق بينه وبين المدح.
أما معنى الحمد في اللغة، فهو نقيض الذم، قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: "الحاء والميم والدال كلمةٌ واحدة وأصلٌ واحد يدل على خلاف الذمّ، يُقال: حمدتُ فلاناً أحمده، ورجلٌ محمودٌ ومحمدٌ إذا كثرت خصالُه المحمودة غير المذمومة.. ولهذا الذي ذكرناه سُمِّيَ نبيّنا محمداً ﷺ
"١. اهـ.
وقال الليث: أحمدت الرجل وجدته محموداً، وكذلك قال غيرُه: يُقال أتينا فلاناً فأحمدناه وأذممناه أي وجدناه محموداً أو مذموماً٢.
وقوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٣ فيه تنبيه على أنّه صلوات الله وسلامه عليه محمود في أخلاقه وأفعاله ليس فيه ما يُذمّ، وكذلك قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾ ٤ فمحمّدٌ ههنا وإن
стр. 261
كان اسماً له عَلَماً عليه ففيه إشارة إلى وصفه بذلك وتخصيصه بوافر معناه، وأما سواه فقد يُسمَّى بذلك ويكون له حظ من الوصف الذي دلّ عليه هذا الاسم وقد لا يكون، أما الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه فهو محمّدٌ اسماً ووصفاً.
فالحمد هو الثناء بالفضيلة وهو أخصُّ من المدح وأعمُّ من الشكر، فإنَّ المدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره ومما يكون منه وفيه بالتسخير، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يُمدح ببذل ماله وشجاعته وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، أي أنَّ الإنسان يُحمد على بذل المال والشجاعة والعلم ونحو ذلك مما يكون منه باختياره، ولا يُحمد على صباحة الوجه وطول القامة وحسن الخِلقة ونحو ذلك مما ليس له فيه اختيار.
والشكر لا يُقال إلاَّ في مقابلة نعمة، فكلُّ شكر حمد، وليس كلُّ حمدٍ شكراً، وكلُّ حمد مدح، وليس كلُّ مدح حمداً١.
قال ابن القيّم ﵀: "الفرق بين الحمد والمدح أن يُقال: الإخبار عن محاسن الغير إما أن يكون إخباراً مجرّداً من حبٍّ وإرادة أو مقروناً بحبّه وإرادته، فإن كان الأول فهو المدح، وإن كان الثاني فهو الحمد، فالحمد إخبارٌ عن محاسن الممدوح مع حبِّه وإجلاله وتعظيمه"٢. اهـ.
стр. 262
وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن الحمد والشكر ما حقيقتهما؟ هل هما معنى واحد أو معنيان؟ وعلى أيّ شيء يكون الحمد؟ وعلى أي شيء يكون الشكر؟
فأجاب ﵀ بقوله: "الحمد يتضمّن المدحَ والثناءَ على المحمود بذكر محاسنه سواء كان الإحسان إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلاّ على إحسان المشكور إلى الشاكر، فمِن هذا الوجه الحمد أعمّ من الشكر؛ لأنّه يكون على المحاسن والإحسان، فإنّ الله يُحمد على ما له من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ١، وقال: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الحَمْدُ فِي الآخِرَةِ﴾ ٢، وقال: ﴿الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ ٣، وأما الشكر فإنّه لا يكون إلاّ على الإنعام، فهو أخصُّ من الحمد من هذا الوجه، لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، كما قيل:
أفادتكم النَّعماءُ مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجّبا
ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ ٤، والحمد إنما يكون بالقلب واللسان، فمن هذا الوجه الشكر أعمّ من جهة أنواعه، والحمد
стр. 263
أعمّ من جهة أسبابه، ومن هذا الحديثُ: "الحمد لله رأس الشكر، فمن لم يحمد الله لم يشكره"١، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إنَّ الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها" ٢") ٣. اهـ كلامه ﵀.
وبه يتبيّن أن بين الحمد والشكر عموماً وخصوصاً من وجه، فيجتمعان فيما إذا كان باللسان في مقابلة نعمة، فهذا يُسمَّى حمداً ويُسمَّى شكراً، وينفرد الحمد فيما إذا أثنى العبد على ربّه بذكر أسمائه الحسنى ونعوته العظيمة فهذا يُسمَّى حمداً، ولا يُسمَّى شكراً، وينفرد الشكر فيما إذا استعمل العبد نعمة الله في طاعة الله فهذا يُسمى شكراً ولا يُسمَّى حمداً.
إنَّ حمدَ الله هو الثناءُ على الله بذكر صفاته العظيمة ونعمِه العميمة مع حبّه وتعظيمه وإجلاله، وهو مختصٌّ به سبحانه لا يكون إلاّ له، فالحمد كلّه لله رب العالمين؛ "ولذلك قال سبحانه: ﴿الحَمْدُ للهِ﴾ ب لام الجنس المفيدة للاستغراق، فالحمد كلُّه له إمّا ملكاً وإما استحقاقاً، فحمده لنفسه استحقاق، وحمد العباد له وحمدُ بعضهم لبعض ملكٌ
له ... فالقائل إذا قال: الحمد لله تضمّن كلامه الخبر عن كلِّ ما يحمد
стр. 264
عليه تعالى باسم جامع محيطٍ متضمّنٍ لكلّ فرد من أفراد الحمد المحققة والمقدَّرة، وذلك يستلزم إثبات كلِّ كمال يُحمد عليه الربُّ تعالى؛ ولهذا لا تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه وهو الحميد المجيد"١.
وإذا قيل: الحمد كلّه لله، فإنَّ هذا له معنيان:
أحدهما: أنّه محمودٌ على كلِّ شيء، وهو ما يُحمد به رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده ﵎، بل هو المحمود بالقصد الأول وبالذات، وما نالوه من الحمد فإنّما نالوه بحمده، فهو المحمود أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
والمعنى الثاني: أن يُقال: لك الحمد كلّه أي التامّ الكامل هذا مختصٌّ بالله ليس لغيره فيه شركه.
قال ابن القيّم ﵀ بعد أن ذكر هذين المعنيين: "والتحقيق أنَّ له الحمد بالمعنيين جميعاً، فله عمومُ الحمد وكمالُه، وهذا من خصائصه سبحانه، فهو المحمود على كلِّ حال، وعلى كلِّ شيء أكمل حمد وأعظمه"٢.
فالحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يحب ربُّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعِزِّ جلاله بمجامع حمده كلِّها ما علمنا منها وما لم نعلم.
стр. 265
٤٩/ فضل الشكر
لا ريب في عِظَم فضلِ الشُّكرِ ورِفعة شأنِه، شُكرِ الله على نعمه المتوالية وعطاياه المتتالية وأياديه السابغة، وقد أمر الله به في كتابه ونهى عن ضدِّه، وأثنى على أهله، ووصف به خواصَّ خلقِه، وجعله غاية خلقه وأمره، ووعد أهله بأحسن جزائه، وجعله سبباً للمزيد من فضله وعطائه، وحارساً وحافظاً لنعمته، وأخبر أنَّ أهلَه هم المنتفعون بآياته١، ونوّع سبحانه الدلالة إليه والحثَّ عليه.
فأمر به سبحانه في غير موطن من القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٤.
وقرنه سبحانه بالإيمان وأخبر أنَّه لا غرض له سبحانه في عذاب خلقه إن شكروه وآمنوا به فقال سبحانه: ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ ٥، أي إن أدّيتم ووفّيتم ما خُلقتم له وهو الشكرُ والإيمان فما أصنعُ بعذابكم.
стр. 266
وأخبر سبحانه أنَّ أهلَ الشُّكرِ هم المَحْضوضون بمنّته عليهم من بين عباده، فقال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلآءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ ١.
وعلّق سبحانه المزيدَ بالشكر، والمزيدُ منه لا نهاية له كما لا نهاية لشكره، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٢، فالشكر معه المزيدُ أبداً؛ ولذا قيل: "فمتى لم ترَ حالَكَ في مزيدٍ فاستقبل الشكرَ".
وقسّم سبحانه الناسَ إلى قسمين: شكورٌ وكفورٌ، فأبغضُ الأشياءِ إليه الكفرُ وأهلُه، وأحبُّ الأشياء إليه الشكرُ وأهلُه، قال تعالى في الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ ٦.
وأخبر سبحانه أنَّه إنَّما يعبدُه من شكَرَه فمن لم يشكُرْه لم يكن
стр. 267
من أهل عبادته فقال سبحانه: ﴿وَاشْكُرُوا للهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ١.
وأخبر أنَّ رضاه في شكره فقال تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ ٢.
وأوّلُ وصيّةٍ وصَّى بها الإنسانَ بعد ما عقل عنه بالشكر له وللوالدين فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ﴾ ٣.
وقد وقف سبحانه كثيراً من الجزاء في أنواعٍ كثيرةٍ من العبادات على المشيئة كقوله: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ﴾ ٤، وقولِه في الإجابة: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ ٥، وقولِه في الرزق: ﴿يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ ٦، وقولِه في المغفرة: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ ٧، وقولِه في التوبة: ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَآءُ﴾ ٨، أمَّا الشكر فقد أطلق جزاءَه
стр. 268
إطلاقاً حيث ذُكر، كقولِه: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ ١، وقولِه: ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢.
وأخبر سبحانه أنَّ عدوَّ الله إبليس قد جعل غايتَه أنْ يسعى في قطع النَّاس عن الشكر؛ وذلك لمّا عرف عِظم قَدْرِ مقام الشكر، وأنَّه مِن أجلِّ المقامات وأعلاها كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٣.
وأخبر سبحانه أنَّ الشاكرين هم القليلُ من عباده فقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ٥.
وأخبر سبحانه أنَّ الشكرَ هو الغايةُ من خلقه للخلق وتنويعه للنعم، قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٧، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا
стр. 269
تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١، والنصوصُ في هذا المعنى كثيرةٌ جداًّ.
ثمَّ إنَّ الشكر هو سبيلُ رُسُل الله وأنبيائه أخصِّ خلق الله وأقربِهم إليه صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين.
فقد أثنى الله سبحانه على أوَّل رسولٍ بعثه إلى أهل الأرض بالشكر، فقال تعالى: ﴿ذُرِيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ٢، وفي تخصيص نوحٍ ها هنا بالذِّكر وخطابِ العباد بأنَّهم ذريَّتُه إشارةٌ إلى الاقتداء به، فإنَّه أبوهم الثاني، فإنَّ الله تعالى لم يجعل للخلق بعد الغرَق نسلاً إلاّ من ذريّته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِيَّتَهُ هُمُ البَاقِينَ﴾ ٣، فأمر الذريّةَ أنْ يتشبّهوا بأبيهم في الشكر فإنَّه كان عبداً شكوراً.
وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤، فأخبر عنه سبحانه بأنَّه أمَّةٌ، أي: قدوةٌ يؤتمُّ به في الخير، وأنَّه قانتٌ لله، والقانتُ هو المطيع المقيم على طاعته، والحنيفُ هو المقبلُ على الله المعرضُ عمَّا سواهُ، ثمَّ ختم له هذه الصفات بأنَّه شاكرٌ لأنعُمِه، فجعل الشكرَ غايةَ خليله ﵇.
وأمر عبدَه موسى ﵇ أنْ يتلقّى ما آتاه من النبوّة
стр. 270
والرسالة والتكليم بالشكر فقال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١، والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ في بيان شكر الأنبياء ﵈ لله، وأنَّ ذلك هو سبيلُهم وطريقُهم٢.
أمَّا شكرُ خاتم النبيّين وسيِّد ولد آدم أجمعين محمدِ بن عبد الله عليه أفضلُ الصلاة وأزكى التسليم فبابٌ واسعٌ وبحرٌ خِضَمٌّ، فهو أعرفُ الخلق بالله، وأقومُهم بخشيته، وأشكرُهم لنعمه، وأعلاهم عنده منزلةً، ثبت في الصحيح عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: "قام النبي ﷺ حتى تورّمت قدماه، فقيل له غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر قال: أفلا أكون عبداً شكوراً "٣.
فصلّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤُه ورسلُه وجميعُ المؤمنين عليه كما وحّد اللهَ وعرّف به ودعا إليه وقام بشكره حقَّ القيام وسلّم تسليماً كثيراً.
стр. 271
٥٠/ حقيقة الشكر ومكانته عند السلف
كان الحديثُ فيما مضى عن فضل الشكر وعِظم مكانته عند الله وتنوّع دلالاته في القرآن الكريم، وسنتحدّث هنا عن أصل الشكر وحقيقتِه والإشارة إلى مكانته عند السلف الصالح ﵏.
أمّا أصل الشكر وحقيقتهُ فهو الاعتراف بإنعام المنعِم على وجه الخضوع له والذلِّ والمحبّة، "فمن لم يعرف النعمةَ بل كان جاهلاً بها لم يشكرها، ومن عرف النعمة ولم يعرف المنعِم بها لم يشكرها أيضاً، ومن عرف النعمة والمنعِم ولكن جحدها كما يجحد المنكرُ لنعمته المنعم عليه بها فقد كفرها، ومن عرف النعمة والمنعِم وأقرّ بها ولم يجحدها ولكن لم يخضع له ويحبه ويرضى به وعنه لم يشكرها أيضاً، ومن عرفها وعرف المنعم بها وخضع له وأحبّه ورضي به وعنه واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها"١.
وبهذا يتبيّن أنَّ الشكر مبنيٌّ على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور، وحبُّه له، واعترافه بنعمته، وثناؤه عليه بها، وأن لا يستعملُها فيما يكره، فهذه الخمسُ هي أساسُ الشكر، وبناؤه عليها، فمتى عدِم منها واحدةٌ اختلَّ من قواعد الشكر قاعدة، وكلُّ من تكلَّم في الشكر وحدِّه فكلامه إليها يرجع وعليها يدور٢. وهو يكون بالقلب واللسان
стр. 272
والجوارح، "يكون بالقلب خضوعاً واستكانةً [ومحبّة] ، وباللسان ثناءً واعترافاً، وبالجوارح طاعةً وانقياداً"١.
روى ابن أبي الدنيا في كتابه الشكر أنَّ رجلاً قال لأبي حازم سلمةَ ابن دينار: "ما شكرُ العينين يا أبا حازم؟ قال: إن رأيت بهما خيراً أعلنته، وإن رأيت بهما شراًّ سترته، قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيراً وعيته، وإن سمعت بهما شراًّ دفعته، قال: ما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقاًّ لله هو فيهما، قال: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفلُه طعاماً وأعلاه علماً، قال: ما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ﴾ ٢، قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إذا رأيت ميتاً غبطته استعملت بهما عمله، وإن رأيت ميتاً مقتّه كمقتهما عن عمله وأنت شاكرٌ لله ، فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجلٍ له كساءٌ فأخذ بطرفه ولم يلبسه، فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر"٣.
إنَّ نعمة الله على عبده في لسانه ويده وقدمه وجميع بدنه لا يمكن أن تحصى، وكلُّها تستوجب شكرَ المنعم بها، قال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم ﵀: "الشكر يأخذ بحزم الحمد وأصله وفرعه، فلينظر
стр. 273
في نعم من الله في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك، ليس من هذا شيءٌ إلاَّ وفيه نعمةٌ من الله، حقٌّ على العبد أن يعملَ بالنعم التي هي في بدنه لله في طاعته، ونعم أخرى في الرزق حق عليه أن يعمل لله فيما أنعم به عليه من الرزق في طاعته، فمن عمل بهذا فقد أخذ بحزم الشكر وأصله وفرعه"١.ا. هـ
ومن نعم الله العظيمة على عبده ما متّعه به من عافيته في سمعه وبصره وجميع بدنه، وكم لله في عبده من نعمة في عرق ساكن، والعافية نعمة تستوجب الشكر وتستحق الحمد، كان عبد الأعلى التيمي يقول: "أكثروا سؤال الله العافية فإنَّ المبتلى وإن اشتدَّ بلاؤه ليس بأحق بالدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء، وما المبتلون اليوم إلاَّ من أهل العافية بالأمس، وما المبتلون بعد اليوم إلاَّ من أهل العافية اليوم، ولو كان بلاءٌ يجرُّ إلى خير ما كنا من رجال البلاء، إنَّه رُبَّ بلاءٍ قد أجهد في الدنيا وأخزى في الآخرة، فما يأمن من أطال المُقام على معصية الله جلّ وعزّ أن يكون قد بقي له في بقيّة عمره من البلاء ما يجهده في الدنيا ويفضحه في الآخرة ثم يقول عند ذلك: الحمد لله الذي إن نعد نعمه لا نحصيها وإن ندأب له عملاً لا نجزيها وإن نعمر فيها لا نُبليها"٢.
بل لو أنَّ العبد أُوتي عُمُر الدنيا، وقطع ذلك العمر مستغرقاً في
стр. 274
طاعة الله وعبادته ولم يعصه في لحظة واحدة ولا لفظةٍ ما أدّى شكر عشر معشار نعمه سبحانه، بل لو أنفق كلَّ عمره مضاعفاً إلى ما لا نهاية من الأعمار ما أدّى شكر نعمة واحدة، كيف والشكر نعمة تحتاج إلى مثلها من الشكر، فلا سبيل إلى تأدية شكر عُشر معشار نعمه إلاَّ بالاعتراف بالعجز والتقصير، ولهذا جاء في سيِّد الاستغفار "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت". ولفظُ النعمة وإن كان مفرداً في هذا الدعاء لكنه مضاف فيعمّ كلَّ نعمة من الظاهرة والباطنة من نعمة الإيمان والوجود من العدم والسمع والبصر والعقل والعلم والصحة وغير ذلك من النعم اللاّتي أنعم الله بها على عباده١.
والنعمة نعمتان: نعمة مطلقة ونعمة مقيَّدة.
فأما النعمة المطلقة فهي المتصلة بسعادة الأبد وهي نعمة الإسلام والسنة، وهي النعمة التي أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط أهلها ومن خصّهم بها وجعلهم أهل الرفيق الأعلى حيث يقول تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيِهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ٢.
وأما النعمة المقيَّدة كنعمة الصحة وعافية الجسد وبسط الجاه وكثرة الولد وأمثال هذا، والنعمة المطلقة هي التي يُفرَح بها في الحقيقة،
стр. 275
والفرح بها مما يحبه الله ويرضاه وهو لا يحب الفرِحين، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١.
إنَّ الشكر لله على نعمه عموماً المطلقة والمقيَّدة واجبٌ على كلِّ مسلم ومتعيِّنٌ على كلِّ مؤمن، وهو السبيل لبقائها ودوامها ونموها، كما أنَّ عدم شكر النعمة سببٌ لزوالها واضمحلالها، وقد قيل: كلُّ شكرٍ وإن قلَّ ثمنٌ لكلِّ نوالٍ وإن جلّ، فإذا لم يشكر المرءُ فقد عرّض النعمة للزوال، وقيل أيضاً: الشكر قيدٌ للنعم الموجودة، وصيدٌ للنعم المفقودة، وقيل أيضاً: كفران النعم بوار، وهو وسيلة إلى الفرار، وكانوا يسمّون الشكر الحافظ؛ لأنَّه يحفظ النعم الموجودة، والجالب؛ لأنَّه يجلب النعم المفقودة٢. وقيل أيضاً: النعمةُ إذا شكرت قرَّت وإذا كُفرت فرّت.
نسأل الله أن يوزعنا شكر نعمه وأن يعيذنا من كفرانها، إنَّه سميع مجيب.
стр. 276
٥١ / فضل التكبير ومكانته من الدِّين
لا يزال الحديث ماضياً عن الكلمات الأربع التي هي خير الكلام وأحبه إلى الله وهي: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وسبق الحديث مفصلا بعض الشيء عن التسبيح والتحميد والتهليل وبقي الكلام عن التكبير، فضلِه ومعناه في اللغة والشرع وبعضِ الأمور الأخرى المتعلقة به.
إنَّ التكبير شأنُه عظيم وثوابُه عند الله جزيل وقد تكاثرت النصوص في الحث عليه والترغيب فيه وذكر ثوابه.
يقول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ١، وقال تعالى في شأن الصيام: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢، وقال تعالى في شأن الحج وما يكون فيه من نُسك يَتقرَّب فيه العبدُ إلى الله: ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ٤.
стр. 277
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو بصدد بيان تفضيل التكبير وعظم شأنه: "ولهذا كان شعائرُ الصلاة والأذان والأعياد والأمكان العالية هو التكبير، وهو أحد الكلمات التي هي أفضل الكلام بعد القرآن: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ ، ولم يجئ في شيء من الأثر بدل قول الله أكبر، الله أعظم ولهذا كان جمهور الفقهاء على أن الصلاة لا تنعقد إلا بلفظ التكبير، فلو قال الله أعظم لم تنعقد به الصلاة لقول النبي ﷺ " مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" ١. وهذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف وداود وغيرهم، ولو أتى بغير ذلك من الأذكار مثل سبحان الله والحمد لله لَم تنعقد به الصلاة.
ولأنَّ التكبيرَ مختصٌّ بالذكر في حال الارتفاع كما أن التسبيح مختص بحال الانخفاض كما في السنن عن جابر بن عبد الله قال: "كنا مع رسول الله ﷺ إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا فوضعت الصلاة على ذلك" ٢ ... "٣. اهـ.
ثم إنَّ التكبيرَ مصاحِبٌ للمسلم في عبادات عديدة وطاعات متنوعة فالمسلم يكبر الله عند ما يكمل عدَّة الصيام، ويكبر في الحج كما سبق الإشارة إلى دليل ذلك من القرآن الكريم، وأما الصلاة فإنَّ
стр. 278
للتكبير فيها شأناً عظيماً ومكانة عالية، ففي النداء إليها يشرع التكبير وعند الإقامة لها وتحريمها هو التكبير، بل إنَّ تكبيرة الإحرام ركن من أركان الصلاة، ثم هو يصاحب المسلم في كلِّ خفض ورفع من صلاة، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثمَّ يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلِّها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس" ١.
وبهذا فالتكبير يتكرر مع المسلم في صلاته مرات كثيرة، فالصلاة الرباعية فيها اثنتان وعشرون تكبيرة، والثنائية فيها إحدى عشرة تكبيرة، وكلُّ ركعة فيها خمسُ تكبيرات، وعلى هذا فالمسلم يكبر الله في اليوم والليلة في الصلوات الخمس المكتوبة فقط أربعاً وتسعين تكبيرة، فكيف إذا كان محافظاً مع ذلك على الرواتب والنوافل، وكيف إذا كان محافظاً على الأذكار التي تكون أدبار الصلوات وفيها التكبير ثلاثٌ وثلاثون مرة، فالمسلم إذا كان محافظاً على الصلوات الخمس مع السنن الرواتب وعددُها ثنتا عشرة ركعة مع الشفع والوتر ثلاث ركعات ومحافظاً على التكبير المسنون أدبار الصلوات ثلاثا وثلاثين مرة فإنَّ عدد تكبيره لله في
стр. 279
يومه وليلته يكون ثلاثمائة واثنتين وأربعين تكبيرة، ولا ريب أنَّ هذا فيه دلالة على فضيلة التكبير حيث جعل الله للصلاة منه هذا النصيب الوافر، فإذا ضُمَّ إلى ذلك التكبيرُ في الأذان للصلاة والإقامة لها ممّن يؤذِن أو يُحافظ على إجابة المؤذِن، زاد بذلك عدد تكبيره في يومه وليلته، فإنَّ عدد ما يكون فيهما من تكبيرات في اليوم والليلة خمسون تكبيرة، فإنَّ عدد التكبير بذلك يزيد.
ثم إنَّ المسلم إذا كان محافظاً على التكبير المطلق غير المقيد بوقت فإن عدد تكبيره لله في أيامه ولياليه لا يحصيه إلا الله سبحانه.
والتكبير ركنٌ من أركان الصلاة، فتحريمها لا يكون إلاّ به، وهذا يُشعِر ولا ريب بمكانة التكبير من الصلاة، وأنّ الصلاة إنما هي تفاصيل للتكبير الذي هو تحريمها، يقول ابن القيّم ﵀: " ... لا أحسن من كون التكبير تحريماً لها، فتحريمها تكبير الربّ تعالى الجامع لإثبات كلِّ كمال له، وتنزيهه عن كلِّ نقص وعيبٍ، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله، فالتكبير يتضمّن تفاصيل أفعال الصلاة وأقوالها وهيآتها، فالصلاة من أوّلها إلى آخرها تفصيل لمضمون "الله أكبر"، وأيّ تحريم أحسن من هذا التحريم المتضمّن للإخلاص والتوحيد! "١. اهـ.
وبهذا يتبيّن مكانةُ التكبير وجلالةُ قدره وعِظمُ شأنه من الدين، فليس التكبيرُ كلمةً لا معنى لها، أو لفظةً لا مضمون لها، بل هي كلمةٌ، عظيمٌ شأنها، رفيعٌ قدرها تتضمّن المعاني الجليلةَ والمدلولاتِ العميقةَ والمقاصد السامية الرفيعة.
стр. 280
قال ابن جرير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ١: "يقول وعظِّم ربَّك يا محمد بما أمرك أن تعظِّمه به من قول وفعل، وأطِعه فيما أمرك ونهاك"٢.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في تفسير الآية نفسها: "أي عظِّمه تعظيماً شديداً، ويظهر تعظيم الله في شدّة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه والمسارعة إلى كلِّ ما يرضيه"٣.
وفي هذا إشارةٌ إلى أنّ الدِّينَ كلَّه يُعدُّ تفصيلاً لكلمة "الله أكبر" فالمسلم يقوم بالطاعات جميعها والعبادات كلّها تكبيراً لله وتعظيماً لشأنه وقياماً بحقِّه سبحانه، وهذا ممّا يبيّن عظمةَ هذه الكلمة وجلالةَ قدرها، ولهذا يروى عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه قال: "قول العبد: الله أكبر، خيرٌ من الدنيا وما فيها"٤، فالله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.
стр. 281
٥٢ / معنى التكبير وبيان مدلوله
كان الحديث الماضي عن التكبير فضله وبيان مكانته من الدين، وسيكون الحديث عن معنى التكبير والمراد به؛ إذ إنَّ فقه الأذكار الشرعية وفهم المراد بها يُعدّ أساساً عظيماً ومطلباً جليلاً لا بدّ منه.
والتكبير هو تعظيم الربّ ﵎ وإجلاله، واعتقاد أنّه لا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، فيصغر دون جلاله كلُّ كبير، فهو الذي خضعت له الرقاب وذلَّت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كلَّ شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره المخلوقات.
قال الإمام الأزهري في كتابه تهذيب اللغة: "وقول المصلي: الله أكبر، وكذلك قول المؤذِّن، فيه قولان:
أحدهما: أنّ معناه الله كبير، كقول الله جلّ وعزّ: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ ١، أي هو هيّنٌ عليه، ومثله قول مَعنِ بن أوس: لعمرك ما أدري وإني لأوجلُ.
معناه: وإني لوجلٌ.
والقول الآخر: أنّ فيه ضميراً، المعنى: الله أكبرُ كبيرٍ، وكذلك الله الأعزّ، أي: أعزُّ عزيزٍ، قال الفرزدق:
стр. 282
إنّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لنا ... بيتاً دعائمُه أَعَزُّ وأطولُ
معناه: أعز عزيز، وأطول طويل"١. اهـ.
والصواب من هذين القولين اللذين ذكرهما ﵀ هو الثاني، بمعنى أن يكون اللهُ عند العبد أكبرَ من كلِّ شيء، أي لا أكبرَ ولا أعظمَ منه، أما الأول فهو غيرُ صحيحٍ وليس هو معنى الله أكبر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التكبير يُراد به أن يكون (الله) عند العبد أكبر من كلِّ شيء، كما قال ﷺ لعديِّ بن حاتم: "يا عديّ ما يُفرُّك؟ أيُفرُّك أن يُقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم مِن إله إلاّ الله؟ يا عديّ ما يفرُّك. أيُفرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ "، وهذا يُبطل قولَ من جعل أكبر بمعنى كبير"٢. اهـ.
وحديث عديٍّ هذا رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم بإسناد جيّد٣.
وبه يتبيّن أن معنى الله أكبر أي من كلِّ شيء، فلا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، ولهذا يُقال إنَّ أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال هي: الله أكبر، أي صِفْهُ بأنّه أكبرُ من كلِّ شيء، قال الشاعر:
رأيتُ الله أكبر كلِّ شيء ... محاولةً وأكثرهم جنوداً٤
стр. 283
والتكبير معناه كما تقدّم التعظيم، لكن ينبغي أن يُعلم أنّ التعظيم ليس مرادفاً في المعنى للتكبير، فالكبرياء أكمل من العظمة؛ لأنّه يتضمّنها ويزيد عليها في المعنى، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وفي قوله "الله أكبر" إثبات عظمته، فإنّ الكبرياء تتضمّن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل، ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: "الله أكبر" فإنّ ذلك أكمل من قول الله أعظم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنّه قال: "يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما عذّبته"١، فجعل العظمة كالإزار والكبرياء كالرداء، ومعلوم أنّ الرداء أشرف، فلمّا كان التكبيرُ أبلغَ من التعظيم صرّح بلفظه، وتضمّن ذلك التعظيم"٢. اهـ.
وها هنا أمرٌ ينبغي التنبّه له وعدم إغفاله، وهو أن المسلم إذا اعتقد وآمن بأنّ الله أكبر من كلِّ شيء، وأنّ كلَّ شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، علمَ من خلال ذلك علم اليقين أن كبرياءَ الربِّ وعظمتَه وجلالَه وجمالَه وسائرَ أوصافه ونعوته أمرٌ لا يمكن أن تحيط به العقول أو تتصوّره الأفهام أو تدركه الأبصار والأفكار، فالله أعظم وأعظم من ذلك، بل إنّ العقولَ والأفهامَ عاجزةٌ عن أن تدركَ كثيراً من مخلوقات الرب ﵎، فكيف بالرب سبحانه.
ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنّه قال: "بين السماء الدنيا
стр. 284
والتي تليها خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسيِّ خمسمائة عام، وبين الكرسيِّ والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم"١.
وروي عن زيد بن أسلم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما السموات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة أُلقيت في ترس"٢.
وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض"٣.
وليتأمّل المسلم في عظم السماء بالنسبة إلى الأرض، وعظم الكرسيِّ بالنسبة إلى السماء، وعِظم العرش بالنسبة إلى الكرسيِّ، فإنّ
стр. 285
العقولَ عاجزةٌ عن أن تدرك كمال هذه الأشياء أو أن تحيط بكُنْهِها وكيفيتها وهي مخلوقة، فكيف بالأمر إذاً في الخالق سبحانه، فهو أكبر وأجلُّ من أن تعرف العقولُ كُنْهَ صفاته أو تدرك الأفهامُ كبرياءَه وعظمتَه، ولهذا جاءت السنةُ بالنهي عن التفكّر في الله؛ لأنّ الأفكار والعقول لا تدرك كنه صفاته، فالله أكبر من ذلك، قال ﷺ : "تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله "١.
والتفكّرُ المأمور به هنا كما يبيّن ابن القيّم ﵀ هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة٢، وهذا يتضح بالمثال، فالمسلم إذا أحضر في قلبه كبر هذه المخلوقات من سموات وأرض وكرسي وعرش ونحو ذلك، ثم أحضر في قلبه عجزه عن إدراك هذه الأشياء والإحاطة بها حصل له بذلك معرفة ثالثة وهي عظمة وكبرياء خالق هذه الأشياء وعجز العقول عن أن تدرك صفاته أو تحيط بنعوته سبحانه، يقول سبحانه: ﴿وقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ٣، فالله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.