← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

٥٢ / معنى التكبير وبيان مدلوله كان الحديث الماضي عن التكبير فضله وبيان مكانته من الدين، وسيكون الحديث عن معنى التكبير والمراد به؛ إذ إنَّ فقه الأذكار الشرعية وفهم المراد بها يُعدّ أساساً عظيماً ومطلباً جليلاً لا بدّ منه. والتكبير هو تعظيم الربّ ﵎ وإجلاله، واعتقاد أنّه لا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، فيصغر دون جلاله كلُّ كبير، فهو الذي خضعت له الرقاب وذلَّت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كلَّ شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوّه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره المخلوقات. قال الإمام الأزهري في كتابه تهذيب اللغة: "وقول المصلي: الله أكبر، وكذلك قول المؤذِّن، فيه قولان: أحدهما: أنّ معناه الله كبير، كقول الله جلّ وعزّ: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ ١، أي هو هيّنٌ عليه، ومثله قول مَعنِ بن أوس: لعمرك ما أدري وإني لأوجلُ. معناه: وإني لوجلٌ. والقول الآخر: أنّ فيه ضميراً، المعنى: الله أكبرُ كبيرٍ، وكذلك الله الأعزّ، أي: أعزُّ عزيزٍ، قال الفرزدق:

стр. 282

إنّ الذي سَمَكَ السماءَ بنى لنا ... بيتاً دعائمُه أَعَزُّ وأطولُ معناه: أعز عزيز، وأطول طويل"١. اهـ. والصواب من هذين القولين اللذين ذكرهما ﵀ هو الثاني، بمعنى أن يكون اللهُ عند العبد أكبرَ من كلِّ شيء، أي لا أكبرَ ولا أعظمَ منه، أما الأول فهو غيرُ صحيحٍ وليس هو معنى الله أكبر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "التكبير يُراد به أن يكون (الله) عند العبد أكبر من كلِّ شيء، كما قال ﷺ لعديِّ بن حاتم: "يا عديّ ما يُفرُّك؟ أيُفرُّك أن يُقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم مِن إله إلاّ الله؟ يا عديّ ما يفرُّك. أيُفرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل من شيء أكبر من الله؟ "، وهذا يُبطل قولَ من جعل أكبر بمعنى كبير"٢. اهـ. وحديث عديٍّ هذا رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم بإسناد جيّد٣. وبه يتبيّن أن معنى الله أكبر أي من كلِّ شيء، فلا شيء أكبرُ ولا أعظمُ منه، ولهذا يُقال إنَّ أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال هي: الله أكبر، أي صِفْهُ بأنّه أكبرُ من كلِّ شيء، قال الشاعر: رأيتُ الله أكبر كلِّ شيء ... محاولةً وأكثرهم جنوداً٤

стр. 283

والتكبير معناه كما تقدّم التعظيم، لكن ينبغي أن يُعلم أنّ التعظيم ليس مرادفاً في المعنى للتكبير، فالكبرياء أكمل من العظمة؛ لأنّه يتضمّنها ويزيد عليها في المعنى، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وفي قوله "الله أكبر" إثبات عظمته، فإنّ الكبرياء تتضمّن العظمة، ولكن الكبرياء أكمل، ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الصلاة والأذان بقول: "الله أكبر" فإنّ ذلك أكمل من قول الله أعظم، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنّه قال: "يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما عذّبته"١، فجعل العظمة كالإزار والكبرياء كالرداء، ومعلوم أنّ الرداء أشرف، فلمّا كان التكبيرُ أبلغَ من التعظيم صرّح بلفظه، وتضمّن ذلك التعظيم"٢. اهـ. وها هنا أمرٌ ينبغي التنبّه له وعدم إغفاله، وهو أن المسلم إذا اعتقد وآمن بأنّ الله أكبر من كلِّ شيء، وأنّ كلَّ شيء مهما كبر يصغر عند كبرياء الله وعظمته، علمَ من خلال ذلك علم اليقين أن كبرياءَ الربِّ وعظمتَه وجلالَه وجمالَه وسائرَ أوصافه ونعوته أمرٌ لا يمكن أن تحيط به العقول أو تتصوّره الأفهام أو تدركه الأبصار والأفكار، فالله أعظم وأعظم من ذلك، بل إنّ العقولَ والأفهامَ عاجزةٌ عن أن تدركَ كثيراً من مخلوقات الرب ﵎، فكيف بالرب سبحانه. ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنّه قال: "بين السماء الدنيا

стр. 284

والتي تليها خمسمائة عام، وبين كلِّ سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسيِّ خمسمائة عام، وبين الكرسيِّ والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم"١. وروي عن زيد بن أسلم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما السموات السبع في الكرسي إلاّ كدراهم سبعة أُلقيت في ترس"٢. وقال أبو ذر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما الكرسي في العرش إلاّ كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض"٣. وليتأمّل المسلم في عظم السماء بالنسبة إلى الأرض، وعظم الكرسيِّ بالنسبة إلى السماء، وعِظم العرش بالنسبة إلى الكرسيِّ، فإنّ

стр. 285

العقولَ عاجزةٌ عن أن تدرك كمال هذه الأشياء أو أن تحيط بكُنْهِها وكيفيتها وهي مخلوقة، فكيف بالأمر إذاً في الخالق سبحانه، فهو أكبر وأجلُّ من أن تعرف العقولُ كُنْهَ صفاته أو تدرك الأفهامُ كبرياءَه وعظمتَه، ولهذا جاءت السنةُ بالنهي عن التفكّر في الله؛ لأنّ الأفكار والعقول لا تدرك كنه صفاته، فالله أكبر من ذلك، قال ﷺ : "تفكّروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله "١. والتفكّرُ المأمور به هنا كما يبيّن ابن القيّم ﵀ هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهما معرفة ثالثة٢، وهذا يتضح بالمثال، فالمسلم إذا أحضر في قلبه كبر هذه المخلوقات من سموات وأرض وكرسي وعرش ونحو ذلك، ثم أحضر في قلبه عجزه عن إدراك هذه الأشياء والإحاطة بها حصل له بذلك معرفة ثالثة وهي عظمة وكبرياء خالق هذه الأشياء وعجز العقول عن أن تدرك صفاته أو تحيط بنعوته سبحانه، يقول سبحانه: ﴿وقُلِ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ٣، فالله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.

стр. 286

٥٣/ التلازم بين الكلمات الأربع تحدثتُ فيما سبق عن الكلمات الأربع "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر" وما ورد في فضل هذه الكلمات إجمالاً وتفصيلاً، وما يتعلّق كذلك بمعاني هذه الكلمات ومدلولهنّ، ولعلَّ من الحسن في ختام الحديث عن هؤلاء الكلمات أن أشير إلى ما بينهنَّ من ترابط وتلازم، وقد علمنا من خلال ما تقدّم أنَّ هؤلاء الكلمات هنَّ أفضل الكلام بعد القرآن الكريم وهنَّ من القرآن الكريم، وتقدّم معنا أيضاً الإشارة إلى جملة كبيرة من النصوص الدالة على عظم شأن ذكر الله تعالى بهؤلاء الكلمات الأربع وما يترتّب على ذلك من أجور كثيرة وفضائل وفيرة وخير مستمر في الدنيا والآخرة، ولا شك أنَّ هذا فيه أوضح إشارة على قوة الارتباط بين هذه الكلمات الأربع وشدة الصلة بينهنَّ. ثمَّ إنَّ هؤلاء الكلمات كما أوضح أهل العلم "شطران فالتسبيح قرين التحميد، ولهذا قال النبي ﷺ : "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"، أخرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة١. وقال ﷺ فيما رواه مسلم عن أبي ذر: "أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده"٢، وفي القرآن يقول الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ

стр. 287

بِحَمْدِكَ﴾ ١، وقال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ٢، فكان النبي ﷺ يقول في ركوعه: "سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي "، يتأوّل القرآن، هكذا في الصحاح عن عائشة رضي الله عنها٣، فجعل قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك" تأويل ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ، وقد قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ ٤، وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٥، والآثار في اقترانهما كثيرة. وأمَّا التهليلُ فهو قرينُ التكبيرِ كما في كلمات الأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاَّ الله أشهد أنَّ محمداً رسول الله، ثم بعد دعاء العباد إلى الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلاَّ الله، فهو مشتملٌ على التكبير والتشهد (في) أوله وآخره، وهو ذكر لله تعالى، وفي وسطه دعاء الخلق إلى الصلاة والفلاح، فالصلاة هي العمل، والفلاح هو ثواب العمل، لكن جعل التكبير شفعاً والتشهد وتراً، فمع كلِّ تكبيرتين شهادة، وجعل أوله مضاعفاً على آخره، ففي أول الأذان يكبر أربعاً، ويتشهّد مرّتين، والشهادتان جميعاً باسم الشهادة، وفي آخره التكبير مرتان فقط مع التهليل الذي لم يقترن به لفظ الشهادة.

стр. 288

.. وكما جمع بين التكبير والتهليل في الأذان جمع بينهما في تكبير الإشراف، فكان على الصفا والمروة، وإذا علا شرفاً في غزوة أو حجة أو عمرة يكبر ثلاثاً ويقول: "لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلاَّ الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده" يفعل ذلك ثلاثاً، وهذا في الصحاح١، وكذلك على الدابة كبّر ثلاثاً وهلّل ثلاثاً فجمع بين التكبير والتهليل، وكذلك حديث عدي بن حاتم الذي رواه الترمذي فيه أنَّ النبي ﷺ قال له: "يا عدي ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك أن يقال: لا إله إلاَّ الله، فهل تعلم من إله إلاَّ الله؟ يا عدي ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك أن يقال: الله أكبر فهل من شيء أكبر من الله" فقرن النبي ﷺ بين التهليل والتكبير"٢") ٣. ثم إنَّ أفضل هؤلاء الكلمات هو التهليل لاشتماله على التوحيد الذي هو أصل الإيمان، وهو الكلام الفارق بين أهل الجنة وأهل النار، وهو ثمن الجنة، ولا يصلح إسلام أحد إلاَّ به ومن كان آخر كلامه لا إله إلاَّ الله دخل الجنة، ومنزلة التحميد والتسبيح منه منزلة الفرع من الأصل، فالتهليل أصل وما سواه فرع له وتابع، ولهذا قال ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: " الإيمان بضع

стр. 289

وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلاَّ الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "١. فجعل صلوات الله وسلامه عليه التهليل أعلا وأرفع شعب الإيمان، وفي المسند عن أبي ذر ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله أفمن الحسنات لا إله إلاَّ الله؟ قال: هي أفضل الحسنات"٢، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جداًّ، وقد تقدّم معنا جملة كبيرة منها. ولا يعارض هذا ما ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: "أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده"٣؛ إذ لا يلزم منه ـ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن يكون أفضل مطلقاً بدليل أنَّ قراءة القرآن أفضل من الذكر، وقد نهى النبي ﷺ عنها في الركوع والسجود وقال: "إني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، أما الركوع فعظموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يستجاب لكم"٤. وها هنا أصل عظيم نبّه عليه شيخ الإسلام ﵀ وهو أنَّ الشيء إذا كان أفضل من حيث الجملة لم يجب أن يكون أفضل في كل حال ولا لكل أحد، بل المفضول في موضعه الذي شرع فيه أفضل من الفاضل المطلق، كما أنَّ التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة

стр. 290

القرآن ومن التهليل والتكبير، والتشهد في آخر الصلاة والدعاء بعده أفضل من قراءة القرآن، فالتفضيل مختلف باختلاف الأحوال فقول النبي ﷺ لما سئل أي الكلام أفضل فقال: "سبحان الله وبحمده"، هذا خرج على سؤال سائل، فربما علم النبي ﷺ من حال السائل حالاً مخصوصة. وعلى كلٍّ فالتفضيل مختلف باختلاف الأحوال، وإن كان التهليل أفضل مطلقاً والأحوال ثلاثة: حال يستحب فيها الإسرار ويكره فيها الجهر لأنَّها حال انخفاض كالركوع والسجود، فهنا التسبيح أفضل من التهليل والتكبير، وكذلك في بطون الأودية، وحال يستحب فيه الجهر والإعلان كالإشراف والأذان فهنا التهليل والتكبير أفضل من التسبيح، وحال يشرع فيه الأمران١. نسأل الله الكريم أن يوفقنا وجميع المسلمين لكل خير يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 291

٥٤ / فضل لا حول ولا قوة إلاَّ بالله فإنَّ من الكلمات العظيمة التي جاءت النصوصُ بتفضيلها وبيانِ عِظم شأنها، الحَوْقَلة، وهي قول لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وقد جاءت في بعض الأحاديث مضمومة إلى الكلمات الأربع التي سبق الحديث عنها مفصَّلاً فيما مضى، ومن النصوص التي وردت فيها هذه الكلمة مضمومة إلى أولئك الكلمات ما رواه الترمذي والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما على الأرض رجل يقول لا إله إلاَّ الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، إلاَّ كُفِّرت عنه ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر "١، وأيضاً ما رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم عن ابن أبي أوفى ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني لا أستطيع أن أتعلّم القرآن فعلِّمني شيئاً يجزيني قال: "تقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله"، فقال الأعرابي هكذا وقبض يديه فقال: هذا لله فمالي، قال: "تقول: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واهدني"، فأخذها الأعرابي وقبض كفيه فقال النبي ﷺ : "أما هذا فقد ملأَ يديه بالخير"٢.

стр. 292

وروي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله "، رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرُه١، وفي إسناده أبو السمح دراج بن سمعان صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف٢، وهذا منها. لكن جاء عد لا حول ولا قوة إلاَّ بالله في جملة ﴿الباقيات الصالحات﴾ ٣ عن غير واحد من الصحابة والتابعين، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أنَّ أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ سُئل عن "الباقيات الصالحات" ما هي؟ فقال: " هي لا إله إلاَّ الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله"٤. وروى ابن جرير عن ابن عمر ﵄ أنَّه سئل عن "الباقيات الصالحات" فقال: لا إله إلاَّ الله، والله أكبر، وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله. وروى مالك عن سعيد بن المسيب قال: "الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاَّ الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله".

стр. 293

وروى ابن جرير الطبري عن عمارة بن صياد قال: "سألني سعيد ابن المسيب عن "الباقيات الصالحات"، فقلت: الصلاة والصيام، قال: لم تُصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلاَّ الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله". وأثر ابن المسيب هذا يوهم أنَّ "الباقيات الصالحات" محصورة في هؤلاء الكلمات الخمس، والذي عليه المحققون من أهل العلم أنَّ "الباقيات الصالحات" هنَّ جميع أعمال الخير، كما جاء عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿والباقيات الصالحات﴾ قال: هي ذكر الله قول لا إله إلاَّ الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات، التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السموات والأرض. وقد ورد في فضل هذه الكلمة وبيان عظم مكانتها عند الله وما يترتّب عليها من أجر وثواب نصوصٌ خاصة عن رسول الله ﷺ ، منها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فكنا إذا علونا كبّرنا، وفي رواية: فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نعلو شرفاً ولا نهبط في واد إلاَّ رفعنا أصواتنا بالتكبير، فقال النبي ﷺ : "أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً ولكن تدعون سميعاً بصيراً"، ثم أتى عليَّ وأنا أقول في نفسي:

стр. 294

لا حول ولا قوة إلاَّ بالله فقال: "يا عبد الله بن قيس، قل: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله فإنَّها كنزٌ من كنوز الجنة"، أو قال: "ألا أدلُّك على كلمة هي كنزٌ من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلاَّ بالله" ١. قال بعض أهل العلم في التعليق على هذا الحديث: "كان ﵇ معلِّماً لأمته فلا يراهم على حالة من الخير إلاَّ أحبَّ لهم الزيادة، فأحب الذين رفعوا أصواتهم بكلمة الإخلاص والتكبير أن يضيفوا إليها التبري من الحول والقوة فيجمعوا بين التوحيد والإيمان بالقدر، وقد جاء في الحديث: "إذا قال العبد لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، قال الله: أسلم عبدي واستسلم"، رواه الحاكم بإسناد قال عنه الحافظ ابن حجر: "قوي" ٢. وفي رواية: "ألا أدلُّك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة؟ تقول: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، فيقول الله : أسلم عبدي واستسلم" رواه الحاكم وقال: "صحيح ولا يحفظ له علة" ووافقه الذهبي. وروى الإمام أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنَّ النبي ﷺ ليلة أسري به مرَّ على إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال: "يا محمد مُرْ أمَّتَك أن يكثروا

стр. 295

من غراس الجنة، قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله"١. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: "أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلاَّ بالله فإنَّها كنزٌ من كنوز الجنّة"٢. وروى أحمد والترمذي والحاكم وغيرهم عن قيس بن سعد بن عبادة أنَّ أباه دفعه إلى النبي ﷺ يخدمه قال: فمرَّ بي النبي ﷺ وقد صلّيت فضربني برجله وقال: "ألا أدلُّك على باب من أبواب الجنة؟ قلت: بلى، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله"٣. فهذه بعض الأحاديث المشتملة على بيان فضل هذه الكلمة العظيمة وما يترتّب عليها من أجور عظيمة وخيرات جليلة وفوائد متنوعة في الدنيا والآخرة، وقد نظم ابن العراقي ﵀ جملة من الفضائل الواردة لهذه الكلمة في أبيات لطيفة فقال: يا صاح أكثر قول لا حول ولا ... قوة إلاَّ فهي للداء دوا وإنَّها كنزٌ من الجنة يا ... فوز امرئ لجنّة المأوى أوا له يقول ربنا أسلم لي ... عبدي واستسلم رضياً هوا وأنشد أيضاً لنفسه:

стр. 296

تبرّأ من الحول والقوة ... تنل أيَّ كنز من الجنة وسلم أمورك لله كي ... تبيت وتُصبحَ في جنَّة ولا ترج إن مسَّ خطب سوى ... إلهك ذي الفضل والمنَّة وواظب على الخير واحرص على ... أداء الفرائض والسنة وكن سالم الصدر للمسلمين ... من غلٍّ وحقدٍ ومن ظنَّةٍ١ فنسأل الله الكريم أن يوفِّقنا لكلِّ خير يحبُّه ويرضاه، وأن يقينا من الزَلَل في القولِ والعمل، فلا حول لنا ولا قوة إلاَّ به، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 297

٥٥ / حقيقة لا حول ولا قوة إلاَّ بالله تقدّم الكلامُ على فضل قول: "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله" تلك الكلمة العظيمة ذاتِ المعاني الجليلة والدلالات العميقة، وقد تنوّعت الأحاديث في الدلالة على تشريف هذه الكلمة وتعظيمِها، حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه أنَّها من أبواب الجنّة، وأنَّها من كنز تحت العرش، وأنَّها غِراس الجنَّة، وأنَّها من الباقيات الصالحات التي ينبغي للعبد أن يستكثر منها، ومرَّ معنا أيضاً أمر النبي ﷺ بالإكثار من قول: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وكلُّ هذا يدلُّ بجلاء على عِظم فضل هذه الكلمة ورِفعة شأنها، وأنَّها كلمةٌ عظيمةٌ جليلةٌ ينبغي على المسلمين أن يعنوا بها وأن يكثروا من قولها، وأن يعمروا أوقاتهم بكثرة تردادها لعِظم فضلها عند الله، ولكثرة ثوابها عنده، ولما يترتَّب عليها من خيرات متنوّعة، وأفضال متعدّدة في الدنيا والآخرة. ومن الأمور اللازمة في هذا الباب والمتأكّدة على كلِّ مسلم أن يفهم مدلولَ هذه الكلمة ومعناها؛ ليكون ذكره لله بها عن علم وفهم وإدراكٍ لمدلول ما يذكر اللهَ به، أمَّا أن يردِّد المسلم كلاماً لا يفهم معناه، أو ألفاظاً لا يدرك مدلولها، فهذا عديمُ التأثير ضعيفُ الفائدة، ولهذا فإنَّه لا بدَّ على المسلم في هذا الذِّكر، بل وفي كلِّ ما يذكر الله به أن يكون عالماً بمعنى ما يقول، مدركاً لمدلوله؛ إذ بذلك يؤتي الذِّكرُ ثمارَه، وتتحقّقُ فائدتُه، وينتفع به الذاكر، وقد تقدّم معنا قولُ النبي ﷺ لأبي هريرة ﵁: "ألا أدلُّك على كلمة من تحت العرش من

стр. 298

كنز الجنَّة؟ تقول: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، فيقول الله : أسلم عبدي واستسلم "١. فهي كلمة إسلامٍ واستسلامٍ، وتفويض وتبرّؤٍ من الحَول والقوَّة إلاَّ بالله، وأنَّ العبدَ لا يملك من أمرِه شيئاً، وليس له حيلةٌ في دفعِ شرٍّ، ولا قوّةٌ في جلبِ خيرٍ إلاَّ بإرادة الله تعالى. فلا تحوّل للعبد من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا من وهنٍ إلى قوة، ولا من نقصان إلى كمال وزيادة إلاَّ بالله، ولا قوَّة له على القيام بشأن من شؤونه، أو تحقيق هدفٍ من أهدافه أو غاية من غاياته إلاَّ بالله العظيم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فأزِمَّةُ الأمور بيده سبحانه، وأمورُ الخلائق معقودة بقضائه وقدره، يصرفها كيف يشاء ويقضي فيها بما يريد، لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، فما شاء كان كما شاء في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدّم ولا تأخر، له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النِّعمة والفضل، وله الثناء الحسن، شملت قدرتُه كلَّ شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونَ﴾ ٢، ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ ٣، ومن كان هذا شانه فإنَّ الواجبَ الإسلامُ لألوهيته، والاستسلامُ لعظمته،

стр. 299

وتفويض الأمور كلِّها إليه، والتبرؤُ من الحول والقوة إلاَّ به، ولهذا تعبّد اللهُ عبادَه بذكره بهذه الكلمة العظيمة التي هي باب عظيم من أبواب الجنَّة وكنز من كنوزها. فهي كلمةٌ عظيمةٌ تعني الإخلاص لله وحده بالاستعانة، كما أنَّ كلمةَ التوحيد لا إله إلا الله تعني الإخلاص لله بالعبادة، فلا تتحقق لا إله إلا الله إلاَّ بإخلاص العبادة كلِّها لله، ولا تتحقّق لا حول ولا قوة إلاَّ بالله إلاَّ بإخلاص الاستعانة كلِّها لله، وقد جمع الله بين هذين الأمرين في سورة الفاتحة أفضل سورة في القرآن وذلك في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، فالأول تبرؤٌ من الشرك، والثاني تبرؤٌ من الحول والقوة والتفويض إلى الله ، والعبادة متعلّقة بألوهية الله سبحانه، والاستعانة متعلّقة بربوبيّته، العبادةُ غاية، والاستعانة وسيلة، فلا سبيل إلى تحقيق تلك الغاية العظيمة إلاَّ بهذه الوسيلة: الاستعانة بالله الذي لا حول ولا قوة إلاَّ به، ولهذا يخطئ من يستخدمها في غير بابها، أو يجعلها في غير مقصودها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وذلك أنَّ هذه الكلمة (أي: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله) هي كلمة استعانة لا كلمة استرجاع، وكثيرٌ من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعاً لا صبراً"١. وعلى هذا المعنى المُشار إليه يدور فهمُ السلف ﵏ لهذه الكلمة العظيمة، أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس رضي

стр. 300

الله عنهما في "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله" قال: "لا حول بنا على العمل بالطاعة إلاَّ بالله، ولا قوة لنا على ترك المعصية إلاَّ بالله". وأخرج أيضاً عن زهير بن محمد أنَّه سئل عن تفسير "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله"، قال: "لا تأخذ ما تحبُّ إلاَّ بالله، ولا تمتنع مما تكره إلاَّ بعون الله"١. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وقول: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله يوجب الإعانة؛ ولهذا سنَّها النبي ﷺ إذا قال المؤذِّن: حي على الصلاة، فيقول المجيب: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال المجيب: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وقال المؤمن لصاحبه: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ ٢، ولهذا يُؤمر بهذا من يخاف العين على شيء، فقوله: ما شاء الله، تقديره: ما شاء الله كان، فلا يأمن، بل يؤمن بالقدر، ويقول: لا قوة إلاَّ بالله، وفي حديث أبي موسى الأشعري ﵁ المتفق عليه أنَّ النبي ﷺ قال: "هي كنز من كنوز الجنَّة"، والكنز مال مجتمع لا يحتاج إلى جمع، وذلك أنَّها تتضمّن التوكّل والافتقار إلى الله تعالى، ومعلوم أنَّه لا يكون شيء إلاَّ بمشيئة الله وقدرته، وأنَّ الخلق ليس منهم شيء إلاَّ ما أحدثه الله فيهم، فإذا انقطع القلب للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذي لا يأتي بها إلاَّ هو ... ولهذا يأمر الله بالتوكّل عليه

стр. 301

وحده في غير موضع، وفي الأثر: "من سرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكّل على الله، ومن سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده"" اهـ١. ولا ريب أنَّ أنفعَ الدعاء وأفضلَه للعبد هو طلبُه من الله العونَ على مرضاته والتوفيقَ لطاعته، وهو الذي علَّمه النبي ﷺ لِحِبِّه معاذ ابن جبل ﵁ فقال: "يا معاذ، والله إني لأحبُّك، فلا تنسَ أن تقول دُبر كلِّ صلاة: اللَّهمَّ أَعِنِّي على ذكرِك وشكرك وحسن عبادتك"، وهذه كلمة استعانة كما هو الشأن في قول لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، استعانةٌ بالله لتحقيق أفضل الغايات وأجلِّ المطالب على الإطلاق، عبادة الله سبحانه التي أوجد الخلقَ لتحقيقها، وخُلقوا للقيام بها، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "تأمَّلتُ أنفعَ الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ "٢. فاللهمَّ إيَّاك نعبد ولك نصلِّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتَك ونخاف عذابك، ولا حول ولا قوة إلاَّ بك، فلا تكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقلَّ من ذلك، أنت ربُّ العالمين وإله الأولين والآخرين، لا إله إلاَّ أنت نستغفرك ونتوب إليك.

стр. 302

المجلد الثاني مقدمة ... فقه الأدعية والأذكار بقلم: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسَلين وخيرةِ ربِّ العالمين، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا القسم الثاني من كتاب فقه الأدعية والأذكار، وهو خاصٌّ بالدعاء، احتوى على جُملةٍ من الموضوعات المفيدة، والأبحاث النافعة والمسائل المهمَّة التي تَمسُّ الحاجةُ إليها لدى كلِّ مسلمٍ ومسلمة، ومِن أبرَزِ الموضوعات التي اشتمل عليها هذا القسم ما يلي: * بيانُ فضل الدُّعاء وأهميَّتِه ومكانتِه من الدِّين الإسلاميِّ الحنيف. * الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الدعاء ليكون مقبولاً عند الله . * الآدابُ التي ينبغي أن يتحَلَّى بها مَن يدعو اللهَ ؛ ليكمل دعاؤُه، وليتحقَّق رجاؤُه، ولينال سؤلَه. * فضلُ الأدعيَّة المأثورةِ وكمالها في مبانيها ومعانيها، وبيان اشتمالِها على غاية المطالب العالية، وكمال المقاصد النبيلة. * خطورة الأدعيَّة المنحرفة والأوراد المخترعة، وبيان عِظم جنايتِها على أهلها المستمسكين بها المحافظين عليها. * التحذير من الشِّرك في الدُّعاء، وبيان أنَّه أعظم انحرافٍ وقع في هذا الباب. بيان أنواع التوسُّل المشروع، والتحذيرُ من جملةٍ من الانحرافات

стр. 303

* التي وقعت في الدُّعاء تُسمَّى توسُّلاً، وهي في الحقيقة انحرافٌ وضلال. * بيان أوقات وأحوال للمسلم تكون فيها الإجابةُ لدعائِه أحرى من غيرها. * فضلُ الدُّعاء للمسلمين والاستغفار لهم، وبيان ما يترتَّب عليه من أجورٍ عظيمة وخيرات عميمة. * بيانُ أهميَّة تبصُّر المسلم فيما يدعو به، والحذر من الاستعجال بالدعاء على نفسِه أو غيره من المسلمين بالهلاك أو العذاب أو نحو ذلك. إلى غير ذلك من الموضوعات النافعة المتعلِّقة بالدُّعاء، وقد جعلته كالقسم الأول من حيث حجمُه وعددُ موضوعاته، فهذا القسم يشتمل على خمسة وخمسين موضوعاً متناسبة من حيث الحجم، وجعلتُ لكلِّ منها عنواناً خاصًّا يُرشد إلى مضمونه. وهي في الأصل حلقات إذاعيةٌ قُدِّمت عبر إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية، تلك الإذاعة المباركة التي يُقدم فيها من الجهود العظيمة والمساعي الحثيثة والأعمال المشكورة في سبيل نشر دين الله في أنحاء المعمورة ما لا يخفى عظم نفعه وكبر فائدته على كلِّ مسلم، فنسأل الله أن يَجزيَ القائمين عليها خير الجزاء، وأن يُسدِّدهم في أقوالهم وأعمالهم وأن يُبارك في جهودهم وأن يُوفِّقهم لكلِّ خير، وأسأله سبحانه أن يتقبَّل منِّي عملي هذا وسائر أعمالي وأن ينفع به ويُبارك فيه، إنَّه سميع مجيب.

стр. 304

٥٦ ـ فضل الدعاء الدعاءُ شأنُه في الإسلام عظيمٌ، ومكانتُه فيه ساميةٌ، ومنزلتُه منه عالية؛ إذ هو أجلُّ العبادات وأعظمُ الطاعات وأنفعُ القربات، ولهذا جاءت النصوصُ الكثيرةُ في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ المبيِّنةُ لفضله والمُنَوِّهةُ بمكانته وعظم شأنه، والمرغِّبةُ فيه والحاثَّةُ عليه، وقد تنوَّعت دلالاتُ هذه النصوص المبيِّنة لفضل الدعاء، فجاء في بعضها الأمرُ به والحثُّ عليه، وفي بعضها التحذير من تركه والاستكبار عنه، وفي بعضها ذكرُ عِظم ثوابه وكبر أجره عند الله، وفي بعضها مدحُ المؤمنين لقيامهم به، والثناءُ عليهم بتكميله، وغيرُ ذلك من أنواع الدلالات في القرآن الكريم على عظم فضل الدعاء. بل إنَّ الله سبحانه قد افتتح كتابه الكريم بالدعاء واختممه به، فسورة " الحمد " التي هي فاتحة القرآن الكريم مشتملةٌ على دعاء الله بأجلِّ المطالب وأكمل المقاصد، ألا وهو سؤال الله الهدايةَ إلى الصراط المستقيم والإعانةَ على عبادته، والقيامَ بطاعته سبحانه، وسورةُ " الناس " التي هي خاتمة القرآن الكريم مشتملةٌ على دعاء الله سبحانه، وذلك بالاستعاذة به سبحانه من شرِّ الوسواس الخنَّاس الذي يوسوسُ في صدور الناس من الجِنَّة والناس، وما من ريبٍ أنَّ افتتاحَ القرآن الكريم بالدعاء واختتامَه به دليلٌ على عِظم شأن الدعاء وأنَّه روحُ العبادات ولبُّها. بل إنَّ الله جلَّ وعلا سمَّى الدعاءَ في القرآن عبادةً في أكثر من آية،

стр. 305

مِمَّا يدلُّ على عِظم مكانته، كقوله سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١، وكقوله فيما حكاه عن نبيِّه إبراهيم ﵇: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَن لاَ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ ٢، ونحوها من الآيات، وسمَّى سبحانه الدعاءَ دِيناً كما في قوله: ﴿فَادْعُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٣، ونحوها من الآيات. وهذا كلُّه يُبيِّن لنا عِظمَ شأن الدعاء، وأنَّه أساسُ العبودية وروحُها، وعنوانُ التذلُّل والخضوع والانكسار بين يدي الربِّ، وإظهارِ الافتقار إليه، ولهذا حثَّ الله عبادَه عليه، ورغَّبهم فيه في آيٍ كثيرة من القرآن الكريم، يقول الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعًا إنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿هُوَ الحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٥. وأخبر سبحانه ـ مرَغِّباً عبادَه في الدعاءِ ـ بأنَّه قريبٌ منهم يُجيب

стр. 306

دعاءَهم، ويُحقِّقُ رجاءَهم، ويعطيهم سؤلهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ ٢. ولهذا فإنَّ العبدَ كلَّما عظُمت معرفتُه بالله وقويت صِلتُه به كان دعاؤُه له أعظمَ، وانكسارُه بين يديه أشدَّ، ولهذا كان أنبياءُ الله ورُسُلُه أعظمَ الناس تحقيقاً للدعاء وقياماً به في أحوالهم كلِّها وشؤونهم جميعِها، وقد أثنى الله عليهم بذلك في القرآن الكريم، وذَكَر جملةً من أدعيتهم في أحوالٍ متعدِّدةٍ ومناسبات متنوِّعةٍ، قال تعالى في وصفهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣. ومن أدعية الأنبياء ما ذكره الله عن نبيِّه إبراهيم ﵇ حيث قال: ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ﴾ ٤. وذكر سبحانه دعاءَ نبيِّه نوح ﵇ عندما سأل ربَّه أن ينصرَه على قومه الذين كذَّبوه وعادَوه، فقال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ

стр. 307

نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَن كَانَ كُفِرَ﴾ ١. وذكر سبحانه دعاء نبيِّه أيوب ﵇ عندما مسَّه الضرُّ فقال سبحانه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلعَابِدِينَ﴾ ٢. وذكر دعاءَ نبيِّه يونس ﵇ عندما التقمه الحوتُ فدعا ربَّه وهو في جوفِ الحوت في قعر البحر، واستجاب الله دعاءَه فقال سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَن نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي المُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وهكذا مَن يتأمَّلُ القرآنَ الكريم يجد فيه من أدعية الأنبياء وسؤالهم ربّهم واطِّراحهم بين يديه في جميع أحوالِهم ـ عليهم صلوات الله وسلامه ـ شيئاً كثيراً. وكما أنَّه سبحانه وصَفَ الأنبياء بالدعاء ونَعتهم به، وأثنى عليهم

стр. 308

بتحقيقه، فقد وصف بذلك سبحانه المؤمنين الصادقين وعبادَ الله الصالحين، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ٢، وقال سبحانه في وصف أهل الجنَّة عندما يدخلونها بسلام آمنين: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ٣. فالدعاء هو روحُ هذا الدِّين، وزادُ المؤمنين المتقين، وعنوانُ التذلُّل والخضوع لرب العالمين، جعلنا الله وإيَّاكم من أهله المحققين له، إنَّه سَميعٌ مجيبٌ.

стр. 309

من أدلة السنة على فضل الدعء وذكر ضابط في المفاضلة بين الذكر والدعاء ... ٥٧ ـ من أدلة السنة على فضل الدعاء وذكر ضابط في المفاضلة بين الذِّكر والدعاء تقدَّم معنا فضلُ الدعاء من خلال عرض جملة من نصوص القرآن الكريم الدَّالة على عِظم فضله وجلالة شأنه، وفي ما يلي ذِكرُ جملةٍ من نصوص السنة الدالَّة على فضل الدعاء، وكثرة عوائِدِه وثِمارِه وفوائده، والسنَّةُ مليئةٌ بالنصوص المشتملة على الحثِّ على الدعاء وبيان فضله وعِظم ثوابه وأجره عند الله. فمن ذلك ما ثبت في السنن عن النعمان بن بشير ﵁: أنَّ رسول الله قال: " الدعاء هو العبادة، ثمَّ قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١ "٢، فدلَّ ذلك على عِظم شأن الدعاء، وأنَّه أرفعُ أنواع العبادة وأفضلُها. وقد روى الحاكم بإسناد حسن عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً: " أفضل العبادة الدعاء، وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ "٣.

стр. 310

وروى الترمذي وغيرُه عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء "١. ففي هذه الأحاديث دلالةٌ على فضل الدعاء، وعظيم كرمه عند الله، ورفيع مكانته من العبادة، وأنَّه روحُها ولبُّها وأفضلُها، وإنَّما كان ذلك كذلك لأمور عديدة ذكرها أهل العلم: منها: أنَّ الدعاءَ فيه التضرُّعُ إلى الله وإظهارُ الضعف والحاجة إليه سبحانه. ومنها: أنَّ العبادةَ كلَّما كان القلبُ فيها أخشعَ والفكرُ فيها حاضراً فهي أفضلُ وأكملُ، والدعاء أقربُ العبادات إلى حصول هذا المقصود، فإنَّ حاجةَ العبد تدفعه إلى الخشوع وحضور القلب. ومنها: أنَّ الدعاءَ ملازمٌ للتوكُّل والاستعانةِ بالله، فإنَّ التوكُّلَ هو الاعتمادُ بالقلب على الله والثقةُ به في حصول المحبوبات واندفاع المكروهات، والدعاءُ يقويه، بل يعبر عنه ويصرح به، فإنَّ الداعي يعلم ضرورته التامة إلى الله، وأنَّ أمورَه جميعَها بيده، فيطلبها من ربِّه راجياً له واثقاً به، وهذا هو روحُ العبادة٢، إلى غير ذلك من الأمور التي تبيِّن عِظم قدر الدعاء ورِفعة شأنه، على أنَّه ينبغي أن يتنبَّه إلى أنَّ هذا لا

стр. 311

يعنِي تفضيل الدعاء على غيره من العبادات مطلقاً، بل جنس الذِّكر أفضلُ من جنس الدعاء من حيث النظر إلى كلٍّ منهما مجرَّداً، وقراءة القرآن أفضلُ من الذِّكر، والذِّكرُ أفضل من الدعاء، هذا من حيث النظر إلى الكلِّ مجرَّداً، وقد يعرض للمفضول ما يجعله أولى من الفاضل١. وهذا بابٌ شريفٌ من العلم ينبغي للمسلم أن يدركه وأن يعتني بفهمه تمام العناية؛ ليدرك الأفضل في كلِّ وقت وحال، وليحوز على الأكمل له في عبادته لربِّه وطاعته لمولاه في كلِّ زمان ومكان، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ضابطاً دقيقاً للتفاضل بين العبادات وتنوع ذلك بحسب أجناس العبادات وأوقاتها واختلاف أمكنتها واختلاف القدرة على القيام بها ونحو ذلك، وعلى ضوئه يُدرك المسلمُ الأفضلَ له بحسب تلك الاعتبارات المشار إليها. قال ﵀: " إنَّ الأفضل يتنوَّع: تارة بحسب أجناس العبادات، كما أنَّ جنسَ الصلاة أفضل من جنس القراءة، وجنس القراءة أفضل من جنس الذِّكر، وجنس الذِّكر أفضلُ من جنس الدعاء. وتارة يختلف باختلاف الأوقات كما أنَّ القراءةَ والذِّكرَ والدعاءَ بعد الفجر والعصر هو المشروع دون الصلاة. وتارة باختلاف عمل الإنسان الظاهر، كما أنَّ الذِّكرَ والدعاءَ في الركوع والسجود هو المشروع دون القراءة، وكذلك الذِّكرُ والدعاءُ

стр. 312

في الطواف مشروع بالاتفاق، وأما القراءة في الطواف ففيها نزاع معروف. وتارة باختلاف الأمكنة، كما أنَّ المشروعَ بعرفة ومزدلفة وعند الجِمار وعند الصفا والمروة هو الذِّكرُ والدعاء دون الصلاة ونحوها، والطواف بالبيت للوارد أفضلُ من الصلاة، والصلاة للمقيمين بمكة أفضل. وتارة باختلاف مرتبة جنس العبادة، فالجهاد للرجال أفضل من الحج، وأمَّا النساء فجهادهنَّ الحج، والمرأة المتزوجة طاعتها لزوجها أفضلُ من طاعتها لأبويها، بخلاف الأيِّمة فإنَّها مأمورة بطاعة أبويها. وتارة يختلف باختلاف حال قدرة العبد وعجزه، فما يقدر عليه من العبادات أفضلُ في حقِّه مما يعجز عنه، وإن كان جنسُ المعجوز عنه أفضلَ، وهذا بابٌ واسعٌ يغلو فيه كثيرٌ من الناس ويتَّبعون أهواءهم. فإنَّ من الناسِ مَن يرى أنَّ العملَ إذا كان أفضلَ في حقِّه لمناسبة له ولكونه أنفع لقلبه وأطوع لربِّه يريد أن يجعله أفضلَ لجميع الناس ويأمرهم بمثل ذلك. والله بعث محمداً ﷺ بالكتاب والحكمة، وجعله رحمة للعباد وهادياً لهم يأمر كلَّ إنسانٍ بِما هو أصلح له، فعلى المسلم أن يكون ناصحاً للمسلمين، يقصد لكلِّ إنسان ما هو أصلح له. وبهذا تبيَّن لك أنَّ من الناس من يكون تطوعه بالعلم أفضل له، ومنهم من يكون تطوُّعُه بالجهاد أفضلَ، ومنهم من يكون تطوُّعُه

стр. 313

بالعبادات البدنية كالصلاة والصيام أفضلَ له١، والأفضل المطلق ما كان أشبه بحال النبيِّ ﷺ باطناً وظاهراً، فإنَّ خيرَ الكلام كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ "٢. اهـ كلامه ﵀. وهو كما ترى مشتملٌ على تحقيق متقن، وتأصيل واف في هذا الباب العظيم لِمَن أراد لنفسه الأفضلَ والأكملَ في العبادات والأمور المُقرِّبة إلى الله ، وحاصلُه أنَّ الأفضلَ في كلِّ وقتٍ وحالٍ هو مراعاة سُنَّة النبي ﷺ في ذلك الوقت والحال والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته ومقتضاه، فبذلك يدرك المسلم الكمال، ويظفر بالأفضل والأكمل. على أنَّه ينبغي أن يعلم أنَّ الأعمالَ المتساوية في الجنس تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان بالله والمحبة له والتعظيم لشرعه وقصد وجهه بالعمل تفاضلاً لا يحصيه ولا يحيط به إلاَّ الله. فنسأله سبحانه أن يهدينا وإياكم إلى أحسن الأعمال لا يهدي إلى أحسنها إلاَّ هو، وأن يرزقنا جميعاً الإخلاصَ في القول والعمل.

стр. 314

٥٨ ـ ومن فضائل الدعاء لا يزال الحديث موصولاً بذكر الأدلَّةِ على فضل الدعاء، من خلال ما ورد من ذلك في سُنَّة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وقد مرَّ معنا طرَفٌ من هذه الأحاديث منها قوله ﷺ : " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء "١، وهو دالٌّ على كرمِ الدعاء وعِظم مكانته عند الله؛ وذلك أنَّ الدعاءَ هو العبادةُ وهو لبُّها وروحُها، والعبادةُ هي الغايةُ التي خُلق الخلقُ لأجلها وأُوجدوا لتحقيقها، وأكرمها عند الله هو الدعاء، كما تقدَّم. ومِمَّا ورد في فضل الدعاء في السنة ما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم بإسناد جيِّد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " مَن لَم يدعُ الله سبحانه غَضِبَ عليه " ٢، وهذا فيه دليلٌ على حبِّ الله للدعاء، وحبِّه سبحانه لعبده الذي يدعوه، ولذا فإنَّه سبحانه يغضب من عبده إذا ترك دعاءَه، ولا ريب أنَّ هذا فيه " دليل على أنَّ الدعاءَ من العبد لربِّه من أهمِّ الواجبات وأعظمِ المفروضات؛

стр. 315

لأنَّ تجنُّبَ ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبِه "١، وقد سبق ذِكرُ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ٢، وهو يدلُّ على أنَّ تركَ العبدِ دعاءَ ربِّه يُعدُّ من الاستكبار، وتجنُّبُ ذلك لا شكَّ في وجوبه. ومِمَّا ورد أيضاً في فضل الدعاء ما رواه البخاري في الأدب المفرد، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ موقوفاً، والطبراني في الأوسط عنه، عن النبي ﷺ مرفوعاً قال: " أعجزُ الناس مَن عجز عن الدعاء، وأبْخلُ الناس مَن بخل بالسلام "٣، فالدعاءُ أمرُه يسيرٌ جدًّا على كلِّ أحدٍ، فهو لا يتطلَّب جهداً عند القيام به، ولا يلحق الداعي بسببه تعبٌ ولا مشقَّةٌ، ولهذا فإنَّ العجزَ عنه والتواني في أدائه هو أشدُّ العَجز، وحَرِيٌّ بِمَن عجز عنه مع يُسرِه وسهولته أن يعجز عن غيره، ولا يَعجزُ عن الدعاء إلاَّ دنيُّ الهمَّةِ ضعيفُ الإيمان. ومِمَّا جاء في فضل الدعاء ما رواه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما عن ثوبان ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: " لا يردُّ القدرَ إلاَّ الدعاءُ "٤، فهذا فيه دليل على أنَّ الله سبحانه يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد،

стр. 316

وقد ورد في هذا المعنى أحاديثُ عديدة، وحاصل معناها أنَّ الدعاءَ مِن قَدَرِ الله ؛ إذ إنَّه سبحانه قد يقضي بالأمر على عبدِه قضاءً مقيَّداً بأن لا يدعوه، فإذا دعاه اندفع عنه، وفي هذا دلالةٌ على أنَّ الدعاءَ من أعظم الأسباب التي تُنال بها سعادة الدنيا والآخرة، خلافاً لبعض المتصوِّفة الذين يعتقدون أنَّ الدعاءَ لا تأثيرَ له في حصول مطلوبٍ ولا دفع مرهوبٍ، وإنَّما هو مجرَّدُ عبادةٍ محضةٍ، وأنَّ ما حصل به يحصل بدونه، ولا يقول هذا مَن عَرَفَ قدرَ الدعاء، " ولهذا أُمر الناسُ بالدعاءِ والاستعانَةِ وغيرِ ذلك مِن الأسباب، ومَن قال: أنا لا أدعو ولا أسألُ اتِّكالاً على القَدَرِ كان مخطئاً؛ لأنَّ اللهَ جعلَ الدعاءَ والسؤالَ من الأسباب التي ينال بها مغفرتُه ورحمتُه وهداه ونصرُه ورزقُه، وإذا قدَّر للعبد خيراً يناله بالدعاءِ لَم يَحصل بدون الدعاء، وما قدَّره اللهُ وعَلِمَه من أحوالِ العباد وعواقبِهم فإنَّما قدَّره الله بأسبابٍ يسوقُ المقاديرَ إلى المواقيت، فليس في الدنيا والآخرة شيء إلاَّ بسبب، والله خالقُ الأسباب والمسبَّبَات "١. قال الإمام ابن القيم ﵀: " أساسُ كلِّ خيرٍ أن تعلَم أنَّ ما شاء اللهُ كان وما لَم يشأ لَم يكن، فتيقَّن حينئذٍ أنَّ الحسناتِ مِن نِعمه فتشكرَه عليها وتتضَرَّعَ إليه أن لا يقطعَها عنك، وأنَّ السيِّئاتِ مِن خذلانِه وعقوبتِه، فتَبْتَهِلَ إليه أن يَحُولَ بينك وبينها، ولا يَكِلَكَ في فعلِ الحسنات وترك السيِّئات إلى نفسِك، وقد أَجْمع العارفون على أنَّ كلَّ

стр. 317

خيرٍ فأصلُه بتوفيقِ الله للعبد، وكلَّ شرٍّ فأصلُه خذلانه لعبده، وأجمعوا أنَّ التوفيقَ أن لا يكِلَك الله إلى نفسك، وأنَّ الخذلانَ هو أن يخلي بينَك وبين نفسك، فإذا كان كلُّ خيرٍ فأصلُه التوفيق وهو بيد الله لا بيد العبدِ؛ فمفتاحُه الدعاءُ والافتقارُ وصدقُ اللَّجَأ والرغبةِ والرهبةِ إليه، فمتى أعطى العبدَ هذا المفتاحَ فقد أراد أن يفتح له، ومتى أضلَّه عن المفتاح بقي بابُ الخير مُرْتَجًّا دونه ... وما أُتي مَن أُتي إلاَّ مِن قِبَل إضاعة الشكرِ وإهمالِ الافتقار والدعاء، ولا ظَفِرَ مَن ظَفِرَ ـ بمشيئة الله وعونِه ـ إلاَّ بقيامه بالشكرِ وصدقِ الافتقارِ والدعاء " اهـ١. إنَّ حاجةَ المسلم إلى الدعاء ماسَّةٌ في أموره كلِّها وضرورتَه إليه ملحَّةٌ في شؤونه جميعِها، وقد ضَرَبَ أَحدُ أهل العلم لِحال المسلم مع الدعاء مَثلاً بديعاً تستبين به شدَّةُ حاجته إليه، ويظهرُ به عظمُ ضرورته إليه، روى الإمام أحمد في كتاب الزهد عن قتادة قال: قال مُوَرِّقٌ ﵀: " ما وجدتُ للمؤمن مثلاً إلاَّ رجلاً في البحر على خشبة، فهو يدعو يا ربِّ يا ربِّ، لعل الله أن ينجيَه "٢. ومَن أقبل على الله بصدقٍ، وألَحَّ عليه بالدعاء، وأَكثَرَ من سؤالِه أجاب الله دعاءَه، وحقَّق رجاءَه، وأعطاه سُؤْلَه، وفتح له أبوابَ الخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 318

٥٩ ـ افتقار العبد إلى اللَّه وحاجته إلى دعائه إنَّ من فضائل الدعاء ودلائل عِظم شأنه أنَّ الله ﵎ يُحبُّه من عباده مع كمالِ غِناه عنهم، ووعدَ الدَّاعين له من عباده بالإجابة، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُم ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ١. وهذا من لُطف الله بعباده وعظيم إكرامه لهم وإحسانه بهم، فهو سبحانه لا يُخيِّب عبداً دعاه، ولا يرُدُّ مؤمناً ناجاه، يقول الله تعالى كما في الحديث القدسي: " يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَن هديتُه، فاستهدوني أهدِكم، يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلاَّ مَن أطعمته، فاستطعِموني أطعمكم، يا عبادي كلُّكم عارٍ إلاَّ من كسوتُه، فاستكسوني أكسُكم، يا عبادي إنَّكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم ... "، وقال فيه: " يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم قاموا على صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كلَّ واحد مسألتَه ما نقصَ ذلك مِمَّا عندي إلاَّ كما ينقص المِخيَطُ إذا أُدخل البحر "، رواه مسلم في سياق طويل من حديث أبي ذر رضي الله عنه٢. وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ اللهَ يحبُّ أن يسأله العبادُ جميعَ مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه

стр. 319

الهدايةَ والمغفرةَ والتوفيقَ والإعانةَ على الطاعةِ ونحوَ ذلك، ووعدَهم سبحانه على ذلك كلِّه بالإجابة. وفيه أيضاً دلالةٌ على كمال قدرةِ الله سبحانه وكمال ملكِه، وأنَّ ملكَه وخزائنَه لا تنفدُ ولا تنقصُ بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجنِّ والإنس جميعَ ما سألوه في مقام واحد، وفي ذلك حثٌّ على الإكثار من سؤاله وإنزال جميع الحوائجِ به، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " يدُ الله ملأى لا تغيضُها نفقة، سَحَّاءُ الليل والنهار، أفرأيتم ما أنفق ربُّكم منذ خلق السموات والأرض، فإنَّه لَم يَغِضْ ما في يمينه "١، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا دعا أحدُكم فلا يقُلْ اللَّهمَّ اغفر لي إن شئتَ، ولكن ليعزم المسألةَ وليُعظم الرغبةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمه شيءٌ "٢. وقال أبو سعيد الخدري ﵁: " إذا دعوتم اللهَ فارفعوا في المسألة، فإنَّ ما عنده لا ينفد منه شيء، وإذا دعوتم فاعزموا فإنَّ الله لا مستكره له "٣. وتأمَّل قوله سبحانه في الحديث المتقدِّم: " لَم ينقص ذلك ممَّا عندي إلاَّ كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر "، فإنَّ فيه تحقيقاً بأنَّ ما عند الله

стр. 320

لا ينقص ألبتة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ﴾ ١، فإنَّ البحرَ إذا غُمس فيه إبرة ثمَّ أُخرجت لَم تُنقص من البحر بذلك شيئاً، وكذلك لو فُرض أنَّ عصفوراً شرب منه فإنَّه لا يُنقص البحر ألبتة، وهو سبحانه إذا أراد شيئاً من عطاءٍ أو عذاب أو غيرِ ذلك قال له: كن فيكون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿إَنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ٣، فكيف يُتصوَّر فيمن هذا شأنُه أن ينقص ما عنده أو ينفد، ولقد أحسن مَن قال: لا تخضعنَّ لمخلوق على طمع ... فإنَّ ذاك مُضرٌّ منك بالدِّين واسترزق الله مِمَّا في خزائنه ... فإنَّما هي بين الكاف والنون٤ إنَّ العبدَ محتاجٌ إلى الله في كلِّ شؤونِه، ومفتقرٌ إليه في جميعِ حاجاتِه، لا يستغني عن ربِّه ومولاه طرفة عين ولا أقلَّ من ذلك، وأما الربُّ سبحانه فإنَّه غنيٌّ حميدٌ، لا حاجة له بطاعات العباد ودعواتهم، ولا يعود نفعُها إليه، وإنَّما هم الذين ينتفعون بها، ولا يتضرَّرُ بمعاصيهم وإنَّما هم الذين يتضرَّرون بها، ولهذا قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ إِن يَشَأْ يُذْهِبُكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا
следующие страницы →