← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... فقه الأدعية والأذكار بقلم: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمَّداً عبده ورسوله. ﴿يَأَيّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . ﴿يَأُيَّهَا النَّاسُ اتّقُوا رَبَّكمُ الَّذي خَلَقَكُمْ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً واتَّقُوا اللهََ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ . ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكمْ ويَغْفِرْ لَكمْ ذُنوبَكُمْ ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . أمَّا بعد: فلا ريب أنَّ ذِكر الله ودعاءه هو خير ما أُمضيت فيه الأوقات وصُرفت فيه الأنفاس، وأفضل ما تقرّب به العبدُ إلى ربّه ، وهو مفتاحٌ لكلِّ خير يناله العبد في الدنيا والآخرة "فمتى أعطى (الله) العبدَ هذا المفتاح فقد أراد أنْ يفتح له، ومتى أضلَّه بقي باب الخير مُرْتَجاً دونه"١ فيبقى مضطربَ القلب، مُشَوَّشَ الفؤاد، مُشَتَّتَ الفِكر، كثيرَ القلَقِ، ضعيفَ الهِمَّةِ والإرادةِ، أمّا إذا كان محافظاً

стр. 2

على ذِكر الله ودعائه وكثرةِ اللجأ إليه فإنَّ قلبَه يكون مطمئناً بذكره لربِّه ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ١، وينال من الفوائد والفضائل والثمار الكريمة اليانعة في الدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلاَّ الله تعالى. فذِكر إلَهِ العرشِ سرًّا ومعلناً ... يُزِيلُ الشَّقَا والهَمَّ عنك ويَطردُ ويجلبُ للخيراتِ دنيا وآجلاً ... وإنْ يأتِك الوَسواسُ يوماً يشَرَّدُ فقد أخبَر المختارُ يوماً لصحبِه ... بأنَّ كثيرَ الذِّكرِ في السَّبق مُفرِدُ ووَصَّى معاذاً يَستَعين إلهه ... على ذكرِه والشكر بالحسن يعبدُ وأوصى لشخصٍ قد أتى لنصيحةٍ ... وقد كان في حمْل الشرائِعِ يَجْهَدُ بأنْ لا يزالَ رطباً لسانُك هذه ... تُعينُ على كلِّ الأمورِ وتُسعِدُ وأخبَرَ أنَّ الذِكرَ غَرسٌ لأهلِه ... بجنَّاتِ عَدن والمساكنُ تُمْهَدُ وأخبَر أنَّ الله يذكرُ عبدَهُ ... ومَعْهُ عى كلِّ الأمرِ يُسَدِّدُ وأخبَر أنَّ الذِّكرَ يبقى بجنّة ... ويَنقطعُ التَّكليفُ حين يُخلَّدُوا ولو لَم يكنْ في ذِكره غيرَ أنَّه ... طريقٌ إلى حبِّ الإلَه ومُرشِدُ ويَنهَى الفتَى عن غِيبةٍ ونَميمةٍ ... وعن كلِّ قولٍ للدِّيانَةِ مُفسِدُ لكان لنَا حَظٌّ عظيمٌ ورغبةٌ ... بكثرةِ ذكرِ الله نعمَ المُوَحَّدُ ولكنَّنَا من جَهلِنا قلَّ ذِكرُنا ... كما قلَّ منَّا للإلَه التَّعبُّدُ٢ ولهذا فإنَّ الأذكارَ الشرعية والأدعية النبويّة لها منزلةٌ عاليةٌ في

стр. 3

الدِّين، ومكانةٌ خاصّةٌ في نفوس المسلمين، وكُتُبُ الأذكار على تنوُعها تلقى في أوساطهم اهتماماً بالغاً وعنايةً فائقةً، ولا يمكن إحصاءُ ما كتبه أهلُ العلم قديماً وحديثاً في الذِّكر والدعاء لكثرة ما أُلِّف في ذلك، فمنهم الراوي الأخبارَ بالأسانيد، ومنهم الحاذف لها، ومنهم المطوِّل المسهب، ومنهم المختصِر والمتوسِّط والمهذِّب، مع تفاوت بينهم في جمع النصوص، وعرض الأدلة، وطرق تبويبها وتصنيفها، والاهتمام بشرحها وتوضيحها، إلى غير ذلك. ناهيك أنَّ أهل الأهواء لهم في هذا الباب مؤلّفات كثيرة مشتملة على الشططِ والانحراف والبعدِ عن الحقِّ، بسبب عدم تقيّد مؤلِّفيها بالسنة وإعراضهم عن الالتزام بالمأثور. هذا وقد دلَّ الكتابُ والسنَّةُ وآثارُ السلف على جنس المشروع والمستحبِّ في ذِكر الله ودعائه كسائر العبادات، وبيَّن النبيُّ ﷺ لأمّته ما ينبغي لهم أن يقولوه من ذِكر ودعاء في الصباح والمساء، وفي الصلوات وأعقابها، وعند دخول المسجد، وعند النوم، وعند الانتباه منه، وعند الفزع فيه، وعند تناول الطعام وبعده، وعند ركوب الدابَّة، وعند السفر، وعند رؤية ما يحبّه المرء، وعند رؤية ما يكره، وعند المصيبة، وعند الهمِّ والحزن، أو غير ذلك من أحوال المسلم وأوقاته المختلفة. كما بيّن صلوات الله وسلامه عليه مراتب الأذكار والأدعية وأنواعَها وشروطَها وآدابها أتمَّ البيان وأكمله، وترك أمَّتَه في هذا الباب وفي جميع أبواب الدين على محجّة بيضاء، وطريق واضحة، لا يزيغ عنها

стр. 4

بعده إلاَّ هالك، و "لا ريب أنَّ الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الهوى والابتداع، فالأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحرّاه المتحرِّي من الذِّكر والدعاء، وسالكها على سبيل أمان وسلامة، والفوائد والنتائج التي تحصل لا يعبِّر عنه لسان، ولا يحيط به إنسان، وما سواها من الأذكار قد يكون محرَّماً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون فيه شرك ممَّا لا يهتدي إليه أكثرُ الناس، وهي جملة يطول تفصيلها"١. فالمشروع للمسلم هو أن يذكرَ الله بما شرع، وأن يدعوَ بالأدعية المأثورة، وقد نهى الله عن الاعتداء في الدعاء، فينبغي لنا أن نتبّع فيه ما شُرع وسنَّ، كما أنَّه ينبغي لنا ذلك في غيره من العبادات، وأنْ لا نعدل عن ذلك إلى غيره "ومن أشدِّ الناس عيباً من يتّخذ حزباً ليس بمأثور عن النبي ﷺ وإن كان حزباً لبعض المشايخ، ويَدَعُ الأحزاب النبوية التي كان يقولها سيِّد بني آدم، وإمام الخلق وحجّة الله على عباده"٢، فالخير كلُّه في اتباعه، والاهتداء بهديه، وترسُّم خطاه، فهو القدوة والأسوة صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان أكملَ الناس ذِكراً لله وأحسنَهم قياماً بدعائه سبحانه. ولهذا فإنَّه إذا اجتمع للعبد في هذا الباب لزومُ الأذكار النبوية والأدعية المأثورة مع فهم معانيها ومدلولاتها، وحضورِ قلبٍ عند الذِّكر فقد كمل نصيبُه من الخير.

стр. 5

قال ابن القيّم ﵀: "وأفضل الذِّكر وأنفعُه ما واطأ القلبُ اللسانَ، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذَّاكر معانيه ومقاصده"١. ولَمّا كان الأمر بهذه المنزلة وعلى هذا القدر من الأهمية نشأ عندي رغبةٌ في أنْ أعدَّ وأقدِّم ـ مع الاعتراف بالعجز وعدم الأهلية ـ دراسةً في الأذكار والأدعية النبوية في بيان فقهها وما اشتملت عليه من معان عظيمة، ومدلولات كبيرة، ودروس جليلة، وعِبرة مؤثّرة، وحِكم بالغة، واجتهدتُ في جمع كلام أهل العلم في ذلك، فاجتمع عندي من ذلك بحمد الله فوائدُ كثيرةٌ ولطائفُ عديدةٌ وتنبيهاتٌ دقيقةٌ من كلام أهل العلم المحقّقين، ولا سيما الإمامين الجليلين شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، ثمَّ نظَّمتُ ما اجتمع عندي من ذلك وألّفتُ بينه، وجعلته بعنوان: "فقه الأدعية والأذكار" وقد أُذيع جزءٌ كبير منه في حلقات عبر الإذاعة المباركة، إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية ـ حرسها الله ـ ولا يزال مستمرًّا عرضُه حتى الآن، وقد رغِب غيرُ واحد من مشايخي وإخواني أن أقوم بنشره مطبوعاً ليتنوّع مجالُ نفعه، ولتكثر فائدته، فأجريت عليه تعديلات يسيرة في أسلوبه ليكون مناسباً للنشر، وجعلتُ لكلِّ حلقة عنواناً خاصاً يدلُّ على مضمونها، ويُرشد إلى موضوعها، وسوف يصدر ـ بإذن الله ـ في مجموعات متناسبة الحجم والموضوع، وهذا هو القسم الأول منه، وإني لأرجو الله الكريم أن يتقبَّل مني هذا العمل

стр. 6

وسائر أعمالي، وأن يُبارك فيه، وأن يجعله نافعاً لعباده المسلمين، فهو سبحانه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، وهو حسبنا نِعم الوكيل. ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدّم بالشكر الجزيل لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله تعالى، الذي تفضَّل مشكوراً بقراءة هذا الكتاب والتعليق عليه١ والتقديم له على كثرة أعماله، وأسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في موازين حسناته وأن يجزيه عنَّا وعن المسلمين خير الجزاء، إنَّه سميع مجيب. وكتب: عبد الرزاق البدر غفر الله له، وعفا عنه، ورحمه، ووالديه وجميع المسلمين.

стр. 7

١ / أهميّةُ الذِّكر وفضله غيرُ خافٍ على كلِّ مسلم أهميّةُ الذكر وعظيمُ فائدته؛ إذ هو من أجلِّ المقاصد وأنفع الأعمال المقرِّبة إلى الله تعالى، وقد أمر الله به في القرآن الكريم في مواطن كثيرة، ورغّب فيه، ومدح أهله وأثنى عليهم أحسن الثناء وأطيبه. يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكَمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكَمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿وَالذَاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ٤. فأمر تعالى في هذه الآيات بذكره بالكثرة، وذلك لشدّة حاجة العبد إلى ذلك وافتقاره إليه أعظم الافتقار، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأيُّ لحظة خلا فيها العبدُ عن ذِكر الله كانت عليه لا له، وكان خسرانه فيها أعظمَ ممّا ربح في غفلته عن الله، وندم على ذلك ندماً شديداً عند لقاء الله يوم القيامة.

стр. 8

بل لقد ثبت عن النبي ﷺ كما في شعب الإيمان للبيهقي، والحلية لأبي نعيم من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنَّه قال: " ما من ساعة تمرُّ بابن آدم لا يذكر الله تعالى فيها إلاّ تحسّر عليها يوم القيامة"١. والسُّنّةُ مليئةٌ بالأحاديث الدّالة على فضل الذِّكر، ورفيع قدره، وعلوِّ مكانته، وكثرةِ عوائده وفوائده على الذّاكرين الله كثيرًا والذّاكرات. فقد أخرج الترمذي، وابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذّهبي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبِّئُكم بخير أعمالِكم، وأزكاها عند مَليكِكم، وأرفعها في درَجاتِكم، وخيرٌ لكم من إنفاق الذهبِ والورِق، وخيرٌ لكم من أن تلقَوا عدوَّكم فتضرِبوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله"٢. وروى مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنّه قال: "سبق المُفرِّدون، قالوا: وما المُفرِّدون يا رسول الله؟ قال: الذّاكرون الله كثيراً والذّاكرات" ٣.

стр. 9

وروى البخاري عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَثلُ الذي يذكُرُ ربَّه والّذي لا يذكرُ ربّه مثَلُ الحيِّ والميِّت"١. والأحاديث في هذا الباب كثيرةٌ، ولعلّ من المناسب هنا والحديث ماضٍ بنا في فضل الذكر أن ألخِّص بعض ما ذكره أهلُ العلم من فوائد لذكر الله تعالى يَجنيها الذّاكرون في حياتهم الدُّنيا ويوم القيامة، ومن أحسن من رأيتُه تكلَّم في هذا الموضوع وجمع أطرَافَه، ولمَّ شَتاتَه الإمامُ العلاّمةُ ابن القيِّم ﵀ في كتابه العظيم الوابل الصيِّب من الكَلِمِ الطيِّب، وهو مطبوعٌ طبعاتٌ كثيرةٌ، ومُتَداوَلٌ بين أهل العلم وطلاّبه، فقد قال ﵀ في كتابه المذكور٢: وفي الذِّكر أكثرُ من مائة فائدة ... ، ثمّ أخذ يعدِّد فوائد الذِّكر، فذكر ما يزيد على السبعين فائدة، كلُّ واحدة منها بمفردها كافيةٌ لحفز النُّفوس وتحريك الهِمم للاشتغال بالذِّكر، كيف وقد اجتمعت تلك الفوائد الكُثار والعوائد الغِزار، والأمر فوق ما يصفه الواصفون، ويعدُّه العادُّون ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهْمْ مِن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.

стр. 10

ولعلّي أذكر لك أخي المسلم هنا فائدةً واحدةً من فوائد الذِّكر مما ذكره ﵀، على أن أستكمل لك بعض هذه الفوائد إن شاء الله، مع وصيَّتي لك باقتناء الكتاب المذكور والانتفاع به، فهو حقًّا كتابٌ عظيم النَّفع، كبيرُ الفائدة. ـ فمن فوائد الذِّكر: أنّه يطردُ الشيطان ويقمعُه ويكسِرُه١، يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ ٣. وثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن الترمذي، ومستدرك الحاكم وغيرها بإسناد صحيح، من حديث الحارث الأشعري عن النبي ﷺ أنَّه قال: " إنّ اللهَ سبحانه أمر يحيى بن زكريّا بخمس كلمات، أن يعمل بها، ويأمُرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنّه كاد أن يُبطّئ بها، فقال له عيسى ﵇: إنّ الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمُرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها فإمّا أن تأمرهم وإمّا أن آمُرَهم. فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخسفَ بي أو أعذب، فجمع النّاسَ في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشُّرَف، فقال: إنّ اللهَ أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنَّ وآمرَكم أن تعملوا بهنَّ ... "٤.

стр. 11

فذكر أمرَهم بالتوحيد، والصلاة، والصيام، والصّدقة، ثمّ ذكر الخامسةَ فقال: "وآمُرُكم أن تذكروا اللهَ، فإنّ مَثَلُ ذلكَ كمَثَلِ رجُلٍ خرج العدوُّ في أثَرِه سراعاً حتى إذا أتى على حِصنٍ حصينٍ فأحرز نفسَه منهم، كذلك العبدُ لا يحرزُ نفسَه من الشَّيطان إلاّ بذكر الله تعالى ... "، إلى آخر هذا الحديث العظيم. وقد وصفه العلاّمةُ ابن القيِّم ﵀ بأنَّه حديث عظيمُ الشَّأن، وينبغي لكلِّ مسلم حِفظُهُ وتعقُّلُه١. فهذا الحديث مشتملٌ على فضيلةٍ عظيمةٍ للذِّكر، وأنّه يطرُد الشيطان، ويُنجي منه، وأنّه بمثابَة الحِصن الحصين والحِرز المكين الّذي لا يحرزُ العبدُ نفسَه من هذا العدوِّ اللّدود إلاّ به، وهذه ولا ريب فضيلة عظيمة للذِّكر؛ ولهذا يقول ابن القيّم ﵀: "فلو لم يكن في الذّكر إلاّ هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتُرَ لسانُه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهِجا بذكره، فإنّه لا يحرز نفسه من عدوِّه إلاّ بالذِّكر، ولا يدخل عليه العدوُّ إلاّ من باب الغفلة، فهو يرصُدُه، فإذا غفل وثب عليه وافترسَه، وإذا ذكرَ اللهَ تعالى انخنس عدوُّ الله وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذّباب، ولهذا سُمِّيَ (الوسواسُ الخنَّاس) ، أي: يوسوس في الصدور فإذا ذكرَ الله تعالى خنس أي كفَّ وانقبضَ.

стр. 12

وقال ابن عبّاس ﵄: الشَّيطان جاثِمٌ على قلب ابن آدم فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنَس"١. فنسأل الله تعالى أن يعيذنا من شرِّ الشيطان وشِركِه، ومن همزِه ونَفخِه ونفثِه، إنّه سميعٌ مجيبٌ قريبٌ.

стр. 13

مِن فوائد الذِكر لايزال الحديث موصولاً في بيان فوائد الذِّكر، وقد مرَّ معنا فيما سبق ذكرُ فائدةٍ واحدةٍ له وهي: أنّه حِرزٌ لصاحبه من الشيطان، فمن خلى من الذِّكر لازمه الشَّيطان ملازمة الظِّلِّ، والله يقول: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ١ ولا يستطيع العبدُ أن يُحْرِزَ نفسه من الشيطان إلاّ بذكر الله تعالى، وهذه فائدةٌ جليلةٌ من فوائد الذِّكر العديدة. وكما مرَّ بنا فإنّ الإمام العلاّمة ابن القيِّم ﵀ عدّ في كتابه القيِّم الوابلُ الصّيِّب ما ينيف على السَّبعين فائدة للذِّكر، ونستكمل هنا بعضَ تلك الفوائد العظيمة، ممّا أورده ﵀ في كتابه المُشار إليه آنفا٢. ـ فمن فوائد ذكر الله العظيمة: أنّه يجلُبُ لقلب الذَّاكر الفرَحَ والسرورَ والرَّاحةَ، ويورثُ القلبَ السكونَ والطُّمأنينةَ، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ ٣، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: يزول ما فيها من قلقٍ أو اضطراب، ويكون فيها بدَلَ ذلك الأنسُ والفرحُ والرَّاحة، وقوله: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ أي: حقيقٌ بها وحَرِيٌّ أن لا تطمئنَّ

стр. 14

لشيءٍ سوى ذكره ﵎. بل إنّ الذكرَ هو حياةُ القلب حقيقةً، وهو قوتُ القلب والرّوح، فإذا فقده العبدُ صار بمنزلة الجسم إذا حيلَ بينَه وبين قوتِه، فلا حياةَ للقلب حقيقةً إلاّ بذكر الله، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الذِّكرُ للقلب مثلُ الماء للسَّمك، فكيف يكون حالُ السَّمك إذا فارق الماء"١. ـ ومن فوائد ذكر العبد لِلَّه: أنّه يورثُه ذكرَ الله له، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ ٢. وفي الصّحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربِّه ﵎: "من ذكرَني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم" ٣. ـ ومن فوائده: أنّه يحطُّ الخطايا ويُذهبُها، ويُنجّي الذّاكرَ من عذاب الله، ففي المسند عن معاذ بن جبل ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما عمل آدميٌّ عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله تعالى"٤. ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه يترتّبُ عليه من العطاء والثّواب والفضل ما لا يترتَّبُ على غيره من الأعمال، مع أنَّه أيسرُ العبادات؛ فإنَّ حركة

стр. 15

اللسان أخفُّ حركات الجوارح وأيسرُها، ولو تحرّك عضو من الإنسان في اليوم والليلة بقدر حركة لسانه لشقّ عليه غاية المشقّة، بل لا يمكنُه ذلك، ومع هذا فالأجور المترتِّبة عليه عظيمةٌ والثّوابُ جزيلٌ. ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من قال لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يومٍ مائة مرّة كانت له عدلُ عشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيِّئة، وكانت له حِرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل ممّا جاء به إلاّ رجلٌ عمل أكثر منه"١. وفي الصّحيحين أيضاً عن النبي ﷺ أنّه قال: " من قال سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زَبَدِ البحر"٢. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَن أقول سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر أحبُّ إليَّ ممّا طلعت عليه الشّمسُ "٣، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه غِراسُ الجنَّة، فالجنّة كما جاء في الحديث قيعانٌ، وهي طيِّبةُ التُّربة، عذبة الماء، وغِراسُها ذكرُ الله، فقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال

стр. 16

رسول الله ﷺ : "لقيتُ ليلةَ أُسريَ بي إبراهيمَ الخليل ﵇ فقال: يا محمّد أَقرئ أُمَّتك منّي السلام، وأخبِرهُم أنّ الجنّة طيِّبةُ التُّربة، عذبةُ الماء، وأنّها قيعانٌ، وأنَّ غِراسَها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر"، قال الترمذي: حديث حسنٌ غريبٌ من حديث ابن مسعود١. ورواه الإمامُ أحمد من حديث أبي أيُّوب الأنصاري ﵁، ولفظه: " أنّ رسول الله ﷺ ليلة أُسري به مرَّ على إبراهيم فقال: مَنْ معك يا جبريلُ؟ قال: هذا محمّد، فقال له إبراهيم: مُرْ أمتك فليُكثروا من غِراس الجنّة، فإنّ تربتَها طيِّبة وأرضَها واسعةٌ، قال: وما غِراسُ الجنَّة؟ قال: لا حول ولا قوَّةَ إلاّ بالله". فهذا شاهدٌ للحديث الّذي قبله٢. وروى الترمذي من حديث أبي الزُّبير، عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ : "من قال: سبحان الله وبحمده، غُرِست له نخلةٌ في الجنَّة"، قال الترمذي: حديث حسن صحيح٣. ورواه الإمامُ أحمد من حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: "من قال: سبحان الله العظيم، نبت له غرسٌ في الجنّة"٤.

стр. 17

ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه يكون نورًا للذَّاكر في الدنيا، ونورًا له في قبره، ونورًا له في مَعَاده، يسعى بين يديه على الصِّراط، فما استنارَت القلوبُ والقبورُ بمثل ذكر الله تعالى. قال اللهُ تعالى: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ١. فالأوّل: هو المؤمن، استنار بالإيمان بالله ومحبَّته ومعرِفتِه وذكرِه. والآخرُ: هو الغافلُ عن الله تعالى، المعرِضُ عن ذكره ومحبَّته. والشَّأنُ كلُّ الشَّأن والفلاحُ كلُّ الفلاح في النّور، والشَّقاءُ كلُّ الشَّقاءِ في فَواتِه، ولهذا كان النبي ﷺ يُكثِرُ من سُؤال الله ﵎ ذلك بأن يجعَلَه في كلِّ ذرّاته الظّاهرة والباطنة، وأن يجعلَه محيطًا به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاتَه وجملَتَه نوراً. فقد خرّج مسلمٌ في صحيحه من حديث عبد الله بن عبّاس ﵄ في ذكر دعاء النَّبيّ ﷺ باللّيل قال: "وكان في دعائه اللهمّ: اجعلْ في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، وفوقي نوراً، وتحتي نوراً، وأمامي نوراً، وخَلْفي نوراً، وعظِّم لي نوراً "، قال كُرَيب ـ أَحَدُ رواة الحديث ـ: وسبعًا في التَّابوت. فلَقيتُ بعضَ ولَد العبّاس فحدّثني بهنَّ، فذكر: عصبي، ولحمي، ودمي، وشعري، وبشَري، وذكر خصلتين٢.

стр. 18

فالذِّكرُ نورٌ لِقلب الذَّاكر ووجهِه وأعضائِه، ونورٌ له في دنياه وفي البرزخ وفي يوم القيامة. ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه يوجبُ صلاةَ الله وملائكتِه على الذّاكر، ومن صلَّى اللهُ عليه وملائِكتُه فقد أفلح كلَّ الفلاح، وفاز كلَّ الفوز، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينِ رَحِيماً﴾ ١.

стр. 19

٣/ فوائدُ أخرى للذكر نواصل الحديثَ في عدِّ بعض فوائد الذِّكر، وذكر شيءٍ من منافعه وعوائده على الذَّاكرين في الدنيا والآخرة؛ وذلك من خلال ما ذكره الإمام العلاّمة ابن القيِّم ﵀ في كتابه الوابل الصيِّب١. ـ فمِن فوائده: أنّ الذِّكر سببٌ لتصديق الرّبِّ عبدَه، فإنّ الذَّاكرَ يُخبرُ عن الله تعالى بأوصاف كماله ونُعوت جلاله، فإذا أخبر بها العبدُ صدَّقه ربُّه، ومن صدّقه اللهُ تعالى لم يُحشَر مع الكاذبين، ورُجي له أن يُحشر مع الصّادقين. روى ابن ماجه، والترمذي، وابن حبّان، والحاكم، وغيرُهم عن أبي إسحاق، عن الأغرّ أبي مسلم، أنّه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنّهما شهدا على رسول الله ﷺ أنّه قال: "إذا قال العبدُ: لا إله إلاّ الله والله أكبر، قال: يقول الله ﵎: صَدَقَ عبدي لا إله إلاّ أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا وحدي، وإذا قال: لا إله إلا الله لا شريك له، قال: صدق عبدي لا إله إلاّ أنا لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملكُ وله الحمدُ، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا لي الملكُ ولي الحمدُ، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوَّة إلاّ بالله، قال: صدق عبدي لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوَّة إلاّ بي". ثمّ قال الأغرُّ شيئًا لم أفهمه، قلتُ لأبي جعفر: ما قال؟ قال:

стр. 20

"من رُزِقَهُنَّ عند موته لم تمسَّه النَّار". وقال الترمذي حديث حسن، وصحّحه الحاكم ووافقه الذّهبي، وقال الشيخ الألباني حفظه الله: وهو حديث صحيح١. ـ ومن فوائده: أنّ كثرةَ ذكر وسلم أمانٌ من النِّفاق، فإنّ المنافقين قليلو الذِّكر لله ، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٢. قال كعب: "من أكثر ذكرَ الله برئ من النِّفاق". ولعلّه لأجل هذا ختم اللهُ سورة المنافقين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ٣. فإنّ في ذلك تحذيرًا من فتنة المنافقين الّذين غَفَلوا عن ذكر الله فوقَعُوا في النِّفاق والعياذُ بالله. وقد سُئِل عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ عن الخوارج: منافقون هم؟ فقال: "المنافقون لا يذكرون اللهَ إلاّ قليلاً". فهذا من علامة النِّفاق، قلَّةُ ذكر الله ، وعلى هذا فكثرة ذكره تعالى أمانٌ من النِّفاق، واللهُ أكرمُ مِن أن يبتلي قلبًا ذاكرًا بالنِّفاق، وإنّما ذلك لقلوب غفلت عن ذكر الله .

стр. 21

ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه شفاءٌ للقلب، ودواءٌ لأمراضه، قال مكحول بن عبد الله ﵀: "ذكرُ الله تعالى شفاء، وذكرُ النّاس داء". ثمّ إنَّ الذِّكرَ أيضا يُذهبُ قسوةَ القلب، ففي القلب قسوةٌ لا يُذيبُها إلاّ ذكرُ الله تعالى، جاء إلى الحسنِ البصري ﵀ رجلٌ فقال: يا أبا سعيد: أشكو إليك قسوةَ قلبي، قال: "أَذِبْهُ بالذِّكر". ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّ الذَّاكرَ قريبٌ من مذكوره، ومذكورُه معه، وهذه المعيَّةُ معيَّةٌ خاصةٌ غيرُ معيَّة العلم والإحاطة العامّة، فهي معيَّةٌ بالقرب والولاية والمحبَّة والنُّصرة والإعانة والتَّوفيق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ١، وقولِه: ﴿وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ ٣، فالذَّاكرُ له من هذه المعيَّة النَّصيبُ الوافر، كما في الحديث الإلهي: "أنا مع عبدي ما ذكَرني وتحرَّكَتْ بي شفَتاه"، رواه البخاري تعليقاً، وأحمد، وابن ماجه، والحاكم، وغيرُهم٤. ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّه جَلاَّب للنِّعم، دافعٌ للنِّقم، فما استُجلِبت نعمة ولا استُدفِعت نِقمَة بمثل ذكر الله ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنّ اللهَ

стр. 22

يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ١، فدفاعُه ﵎ عنهم هو بحسَب قوَّة إيمانهم وكماله، ومادَّةُ الإيمان وقوَّتُه ذكرُ الله تعالى، فمن كان إيمانُه أكملَ، وذكرُه لله أكثرَ كان نصيبُه من دفاع الله عنه أعظمَ وحظُّه منه أوفرَ، ومن نَقَصَ نَقَص، ذِكْرًا بذكرٍ ونسيانًا بنسيانٍ. ـ ومن فوائد الذِّكر: أنّ إدامته تنوبُ عن الطّاعات، وتقوم مقامها سواءً كانت بَدَنيَّةً أو ماليّةً، أو بدنيَّةً ماليَّةً كحجِّ التَّطوُّع. وقد جاء ذلك صريحاً في حديث أبي هريرة ﵁ أنّ فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذهب أهلُ الدُّثور بالأجور والنَّعيم المُقيم، يُصلّون كما نُصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضلُ أموالهم يحُجُّون بها ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدَّقون، فقال: ألا أُعلِّمُكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدَكم، ولا أحدٌ يكون أفضلَ منكم إلاّ من صنع ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: تسبِّحون وتحْمدون وتكبِّرون خلف كلِّ صلاة ... " إلى آخر الحديث، وهو متّفق عليه٢. فجعل الذِّكر عوضًا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنَّهم يسبقونهم بهذا الذِّكر، فلما سمع أهلُ الدُّثور بذلك عملوا به، فازدادوا إلى صَدّقتهم وعبادتهم بمالِهم التعبُّدَ بهذا الذِكر، فحازوا الفضيلتين، فنافسهم الفقراء، وأخبروا رسول الله ﷺ بأنَّهم قد شاركوهم في ذلك، فانفردوا عنهم بما لا قدرة لهم عليه، فقال عليه

стр. 23

الصلاة والسلام: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ". وفي حديث عبد الله بن بُسر ﵁ الذي خرّجه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم قال: جاء أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله كثُرت عليّ خلالُ الإسلام وشرائعه، فأخبرني بأمرٍ جامعٍ يكفيني. قال: "عليك بذكر الله تعالى". قال: ويكفيني يا رسول الله؟ قال: "نعم، ويفضل عنك"١. فدلّه الناصح ﷺ على شيء يعينه على شرائع الإسلام والحِرص عليها، والاستكثار منها، فإنَّه إذا اتّخذ ذكرَ الله تعالى شعارَه، أحبّه وأحبَّ ما يحبّ، فلا شيء أحبُّ إليه من التقرّب بشرائع الإسلام، فدلّه ﷺ ما يتمكّن به من شرائع الإسلام، وتسهلُ به عليه، فالذِّكرُ من أكبرِ العونِ على طاعة الله، فإنَّه يحبّبُها إلى العبد ويسهِّلها عليه، ويلذِّذُها له بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجده الغافلُ، ثم هو أيضاً يسهل الصعبَ، وييسِّرُ العسيرَ، ويخفّفُ المشاقَّ، فما ذُكر اللهُ على صعبٍ إلا هانَ، ولا على عسيرٍ إلا تيسَّرّ، ولا مشقّةٍ إلا خفَّت، ولا شدّةٍ إلا زالت، ولا كُربَةٍ إلا انفرجت، فذكرُ الله هو الفرجُ بعد الشدّةِ، واليسرُ بعد العسرِ، والفرحُ بعد الغمِّ، فاللهم إياك نسأل، وبأسمائك وصفاتكَ نتوسّل أن تجعلنا من عبادِك الذاكرين، وأن تعيذَنا برحمتكَ من سبيل المُعرِضين الغافلين، إنَّك على كلِّ شيء قدير.

стр. 24

٤/ فضلُ مجالس الذكر لقد مرّ معنا شيءٌ يسيرٌ من فوائد الذِّكر، وأنَّها كثيرةٌ لا تُحصى، وعديدةٌ لا تُستقصى، يعجز عن إحصائها المحصون، ولا يقدر على عدّها العادون، ولا يحيط بها إنسانٌ، ولا يُعبِّر عنها لسانٌ، كيف لا وهو من أجلِّ القُرُبات، وأفضل الطّاعات. وكم للذِّكر من فوائد مغدقةٍ، وثمار يانِعةٍ، وجنى لذيذٍ، وأكلٍ دائمٍ، وخيرٍ مستمرٍّ في الدنيا والآخرة. ومجالسُ الذِّكر هي أزكى المجالس وأشرَفُها، وأنفعُها وأرفعُها، وهي أعلى المجالس قدراً عند الله، وأجلُّها مكانةً عنده. وقد ورد نصوصٌ كثيرةٌ في فضلِ مجالس الذِّكر، وأنّها حياةٌ للقلوب، ونماءٌ للإيمان، وصلاحٌ وزكاءٌ للعبد، بخلاف مجالس الغفلة الّتي لا يقوم منها الجالسُ إلاّ بنقصٍ في الإيمان، ووَهاءٍ في القلب، وكانت عليه حسرةٌ وندامة. وكان السَّلفُ ﵏ يهتمّون بهذه المجالس أعظمَ الاهتمام، ويعتنون بها غاية العناية، كان عبد الله بن رواحة ﵁ يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: "تعالوا نؤمن ساعةً، تعالوا فلنذكُر الله، ونزدادُ إيماناً بطاعته، لعلّه يذكرُنا بمغفرته". وكان عُمير بن حبيب الخطميُّ ﵁ يقول: "الإيمان يزيد وينقص، فقيل وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبَّحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا وضيَّعنا ونسينا فذلك

стр. 25

نقصانه"، والآثار عنهم في هذا المعنى كثيرةٌ١. إنَّ مجالسَ الذِّكر هي رياضُ الجنّة في الدنيا، روى الإمام أحمدُ والترمذي وغيرُهما، عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: حِلَقُ الذِّكر "٢. ورواه ابن أبي الدنيا والحاكم وغيرُهما، من حديث جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيُّها النَّاس ارتعوا في رياض الجنّة، قلنا: يا رسول الله وما رياض الجنّة؟ قال: مجالس الذِّكر"، ثمّ قال: "اغدوا وروحوا واذكروا، فمن كان يحبُّ أن يعلم منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلةُ الله تعالى عنده، فإنّ الله تعالى يُنزل العبدَ منه حيث أنزله من نفسه"٣. وهو حسنٌ بهذين الطريقين المذكورين٤. قال ابن القيِّم ﵀: "من شاء أن يسكن رياض الجنّة في الدنيا فليستوطن مجالس الذِّكر، فإنّها رياض الجنّة"٥. ومجالس الذِّكر هي مجالسُ الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم

стр. 26

مجلسٌ إلا مجلسٌ يُذكرُ اللهُ تعالى فيه كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ لله ملائكةً فُضُلاً، يطوفون في الطُّرق يلتمسون أهل الذِّكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى تنادوا: هلُمُّوا إلى حاجتكم، قال: فيحفُّونهم بأجنحتهم إلى السّماء الدنيا، قال: فيسألُهم ربُّهم تعالى وهو أعلمُ بهم: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يُسبِّحونك ويكبِّرونك ويحمدونك ويمجّدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشدَّ لك تحميداً وتمجيداً، وأكثرَ لك تسبيحاً، قال: فيقول: ما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنّة، قال: فيقول: هل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا ربّ ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو أنّهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنّهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حِرصاً، وأشدَّ لها طلبًا، وأعظمَ فيها رغبةً، قال: فيقول: فممَّ يتعوّذون؟ قال: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا ربّ ما رأوها، قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدَّ منها فراراً، وأشدَّ لها مخافةً، قال: يقول: فأشهدُكم أنّي قد غفرتُ لهم. قال: فيقول ملكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنَّما جاء لحاجة، قال: همُ الجلساءُ لا يشقى بهم جليسُهم"١. فمجالس الذِّكر مجالسُ الملائكة، ومجالس اللّغو والغفلة مجالس الشَّياطين، وكلٌّ مضاف إلى شكله، وكلُّ امرئ يصير إلى ما يناسبه،

стр. 27

فليختر العبدُ أعجبهما إليه، وأولاهما به، والذَّاكر يسعد به جليسه بخلاف الغافل واللاغي فإنّه يشقى به جليسه ويتضرّر١. ومجالسُ الذِّكر تُؤمِّنُ العبدَ من الحسرة والنّدامة يوم القيامة، بخلاف مجالس اللهو والغفلة، فإنَّها تكون على صاحبها حسرةٌ وندامةٌ يوم القيامة، فقد روى أبو داود بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "من قعدَ مقعدًا لم يذكُر اللهَ تعالى فيه، كانت عليه من اللهِ تعالى تِرَةٌ، ومن اضطجع مضطجعًا لا يذكر اللهَ فيه كانت عليه من الله تعالى تِرَة"٢، أي: نقصٌ وتبعةٌ وحسرةٌ. ومن شرَف مجالس الذِّكر وعلوِّ مكانها عند الله، أنَّ الله يُباهي بالذَّاكرين ملائكته، كما روى مسلمٌ في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاويةُ على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكرُ اللهَ تعالى. قال: آللهِ ما أجلسكم إلاّ ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلاّ ذاك، قال: أما إنّي لم أستحْلِفْكم تُهمَةً لكم، وما كان أحدٌ بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقلَّ عنه حديثًا منّي، وإنّ رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: "ما أجلسكم؟ "، قالوا: جلسنا نذكرُ اللهَ تعالى ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا. قال: "آللهِ ما أجلسكم إلاّ ذاك؟ "، قالوا: والله ما أجلسنا إلاّ ذاك، قال: "أما إنّي لم أستحْلِفْكم تُهمَةً لكم، ولكنَّه أتاني جبريل فأخبرني أنَّ الله تبارك يُباهي بكم الملائكة"٣.

стр. 28

فهذه المباهاةُ من الرّبِّ دليلٌ على شرف الذِّكر عند الله، ومحبّته له، وأنّ له مزيّةً على غيره من الأعمال١. ومجالس الذِّكر سببٌ لنزول السّكينة، وغِشيان الرَّحمة، وحفوف الملائكة بالذَّاكرين فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي مسلم الأغرّ، قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنّهما شهدا على رسول الله ﷺ أنَّه قال: "لايقعد قومٌ في مجلس يذكرون اللهَ فيه إلاّ حفَّتهم الملائكة، وغَشِيتهمُ الرَّحمة، ونزلت عليهم السّكينة، وذكرهم اللهُ فيمن عنده"٢. ومجالس الذِّكر سببٌ عظيم من أسباب حفظ اللِّسان، وصونه عن الغِيبة والنَّميمة، والكذب والفُحش والباطل، فإنّ العبدَ لا بُدَّ له من أن يتكلّم، فإن لم يتكلّم بذكر الله تعالى وذكر أوامره وبالخير والفائدة، تكلّم ولا بُدَّ بهذه المحرّمات أو بعضها، فمن عوّد لسانه على ذكر الله، صان لسانَه عن الباطل واللّغو، ومن يَبَسَ لسانُه عن ذكر الله نطق بكلِّ باطل ولغوٍ وفحش٣. واللهَ المسئول أن يعمرَ أوقاتنا وأوقاتكم بطاعته، وأن يشغلنا مجالسنا ومجالسكم بذكره وشكره وحُسن عبادته، وأن يقيَنا من مجالس الغفلة واللهو والباطل، فإنهّ خير مسئول، وهو وحده المستعان، ولا حول ولا قوَّة إلاّ به.

стр. 29

٥/ ذِكرُ الله هو أزكى الأعمال وأفضلُها إنَّ ذكرَ الله جلَّ وعلا هو أزكى الأعمال وخيرُها وأفضلُها عند الله ﵎، ففي المسند للإمام أحمد، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم، وغيرها من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أُنبِّئُكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مَليكِكم، وأرفعها في درَجاتِكم، وخيرٌ لكم من إعطاء الذهبِ والورِق، وخيرٌ لكم من أن تلقَوا عدوَّكم فتضرِبوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر "١. فهذا الحديث العظيم أفاد فضيلة الذِّكر، وأنّه يعدل عتق الرِّقاب، ونفقة الأموال، والحمل على الخيل في سبيل الله ، ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله . قال ابنُ رجب ﵀: "وقد تكاثرت النّصوص بتفضيل الذِّكر على الصّدقة بالمال وغيره من الأعمال"٢. ثمّ أورد حديث أبي الدرداء المتقدِّم، وجملة من الأحاديث الأخرى الدّالة على المعنى نفسه. وقد روى ابنُ أبي الدنيا كما في الترغيب والترهيب للمنذري٣، وقال: إسناده حسن، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل

стр. 30

لأبي الدرداء: إنّ رجلا أعتق مائة نسَمة قال: "إنّ مائة نسَمة من مال رجل كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنّهار وأن لا يزال لسانُ أحدكم رطباً من ذكر الله". فبيّن ﵁ فضل عتق الرِّقاب وأنّه مع عظم فضله لا يعدل ملازمة الذِّكر والمداومة عليه، وقد جاء في هذا المعنى آثارٌ كثيرةٌ عن السَّلفِ ﵏. يقول ابن مسعود ﵁: "لأَنْ أُسبِّح الله تعالى تسبيحات أحبُّ إليَّ من أن أُنفق عددهن دنانير في سبيل الله". وجلس عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مسعود ﵃ فقال عبد الله ابن مسعود: لأَن آخذ في طريق أقول فيه: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر أحبُّ إليَّ من أن أنفق عددهن دنانير في سبيل الله ، فقال عبد الله بن عمرو: "لأن آخذ في طريق فأقولهنّ أحبُّ إليَّ من أن أحمل عددهنّ على الخيل في سبيل الله ". وكذلك قال غيُر واحدٍ من الصحابة والتّابعين، إنّ الذِّكر أفضل من الصّدقة بعدده من المال١. والآثارُ في هذا المعنى عنهم كثيرةٌ، وهي لا تعني لا من قريب ولا من بعيد التّقليل من شأن النّفقة في سبيل الله، والحمل على الخيل في سبيله، وعتق الرِّقاب في سبيله، وإنَّما المرادُ بها تعليةُ شأن الذِّكر، وبيانُ عظيم قدره، ورِفعة مكانته، وأنّه لا يعدله شيءٌ من هذه الأمور، بل إنّ الأعمال كلَّها والطّاعات جميعها إنّما شرعت لإقامة ذكر الله،

стр. 31

والمقصودُ بها تحصيل ذكر الله تعالى. ولهذا يقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ ١، أي: أقم الصلاة لأجل ذكر الله جلّ وعلا، وهذا فيه تنبيهٌ على عظيم قدر الصلاة؛ إذ هي تضرُّعٌ إلى الله تعالى، وقيامٌ بين يديه، وسؤالٌ له ﵎، وإقامةٌ لذكره. وعلى هذا فالصلاة هي الذِّكر، وقد سمّاها الله تعالى ذكراً، وذلك في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ ٢، فسمّى الصّلاة هنا ذكراً؛ لأنّ الذِّكر هو روحُها ولُبُّها وحقيقتُها، وأعظمُ النّاس أجرًا في الصّلاة أقواهم وأشدُّهم وأكثرهم فيها ذكرًا لله تعالى. وهكذا الشّأنُ في كلِّ طاعة وعبادةٍ يتقرّب بها العبدُ إلى الله. روى الإمامُ أحمد، والطبراني من طريق عبد الله بن لهيعة، قال: حدّثنا زبّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجُهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنَّ رجلاً سأله فقال: أيُّ المجاهدين أعظمُ أجراً يا رسول الله؟ فقال: "أكثرهم لله ذكرًا". فقال: فأيُّ الصّائمين أكثرُهم أجراً؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا"، ثمّ ذكر الصّلاة والزكاة والحجّ والصّدقة، كلُّ ذلك يقول رسول الله ﷺ : "أكثرُهم لله ذكرًا". فقال أبو بكر لِعُمر ﵄: ذهب الذّاكرون بكلّ خير. فقال رسول الله ﷺ : "أجَل "٣.

стр. 32

قال الهيثمي ﵀: "وفيه زبّان بن فائد وهو ضعيف وقد وُثِّق، وكذلك ابن لهيعة"١. اهـ. لكن له شاهدٌ مرسلٌ بإسناد صحيح، رواه ابن المبارك في الزُّهد قال: أخبرني حيوةُ قال: حدّثني زُهرة بنُ معبَد أنّه سمع أبا سعيد المقبُري يقول: قيل: يا رسول الله أيُّ الحاج أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا"، قال: فأيُّ المصلّين أعظم أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا"، قال: فأيّ الصّائمين أعظم أجراً؟ قال: "أكثرهم لله ذكراً"، قال: فأيُّ المجاهدين أعظمُ أجراً؟ فقال: "أكثرهم لله ذكرًا". قال زُهرة: فأخبرني أبو سعيد المقبُري: أنّ عمر بن الخطّاب قال لأبي بكر: ذهب الذّاكرون بكلِّ خير٢. وله شاهدٌ آخر أورده ابن القيِّم في كتابه الوابل الصيِّب قال: وقد ذكر ابن أبي الدنيا حديثاً مرسلاً أنّ النبيَّ ﷺ سُئل أيُّ أهل المسجد خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله "، قيل: أيُّ أهل الجنازة خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله "، قيل: فأيُّ المجاهدين خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله "، قيل: فأيُّ الحُجّاج خير؟ قال: "أكثرهم ذكراً لله "، قيل: وأيُّ العوّاد خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله "، قال أبو بكر: ذهب الذّاكرون بالخيركلِّه٣. فالحديث بشاهديه صالحٌ للاحتجاج إن شاء الله، ومعناه الّذي دلَّ

стр. 33

عليه حقٌ لا ريب في صحّته. يقول ابن القيِّم ﵀: "إنّ أفضل أهل كلِّ عمل أكثرهم فيه ذكرًا لله ، فأفضلُ الصُّوَّام أكثرهم ذكرًا لله في صومهم، وأفضل المتصدّقين أكثرهم ذكرًا لله ، وأفضلُ الحجّاج أكثرهم ذكرًا لله ، وهكذا سائر الأعمال"١، ثمّ أورد الحديث المتقدّم، وأورد عقبه عن عبيد بن عُمير ﵀ أنّه قال: "إنْ أَعْظَمَكم هذا اللّيلُ أن تُكابدوه، وبَخِلتم بالمال أن تنفقوه، وجنبتم عن العدوِّ أن تقاتلوه، فأكثروا من ذكر الله ". فذِكرُ الله تعالى هو أفضل الأعمال، وهو أكبر من كلِّ شيء، يقول الله جلّ وعلا: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ ٢، أي: ذكرُ الله لكم أكبرُ من ذكركم له في عبادتكم وصلواتكم، وهو ذاكرٌ مَن ذَكَرَه، قال معناه ابنُ مسعود وابن عبّاس وأبو الدرداء وأبو قرَّة وسلمانُ والحسنُ، واختاره ابن جرير الطبري. وقيل: ذِكْرُكُم الله في صلاتكم وفي قراءة القرآن أفضلُ من كلِّ شيء. قال ابن زيد وقتادة: ولَذِكرُ الله أكبرُ من كلِّ شيء، أي أفضل من العبادات كلُّها بغير ذكر. وقيل المعنى: إنّ ذكر الله أكبر مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الصّحيح أنّ معنى الآية أنّ الصّلاة فيها مقصودان عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر، فإنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي مشتملة على ذكر الله تعالى، ولِمَا

стр. 34

فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر"١. اهـ كلامه ﵀. وقد سُئل سلمان الفارسي ﵁: "أيُّ الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن: ولذكرُ الله أكبر". وذكر ابن أبي الدنيا عن ابن عباس ﵄ أنّه سُئل: أيُّ العمل أفضل؟ قال: "ذكرُ الله أكبر"٢. فالله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، ملءَ سمواتِه، وملءَ أرضِه، وملءَ ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، لا ينقطع ولا يبيد ولا يفنى، عدد ما حمده الحامدون، وعدد ما غفل عن ذكره الغافلون، عدد خلقه ورضا نفسه وزِنة عرشه ومِدادَ كلماته، وصلّى الله وسلّم على نبيِّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 35

٦/ فضلُ الإكثار من ذكرِ الله لقد أمَرَ الله في كتابه عبادَه المؤمنين بالإكثار من ذكره قيامًا وقُعودًا وعلى الجنوب، بالليل والنّهار، وفي البرِّ والبحر، وفي السّفر والحضر، وفي الغنى والفقر، وفي الصّحة والسقم، وفي السّرِّ والعَلَن، وفي كلِّ حال، ورتّب لهم على ذلك جزيلَ الأجرَ، وعظيمَ الثّوابَ، وجميلَ المآبَ. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكْرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ ١. ففي هذه الآية الحثُّ على الإكثار من ذكر الله تعالى، وبيانُ ما يترتَّبُ على ذلك من أجرٍ عظيمٍ وخيرٍ عميمٍ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ فيه أعظمُ التّرغيب في الإكثار من ذكر الله، وأحسنُ حظٍ على ذلك، أي: أنّه سبحانه يَذْكُرُكُم فاذكروه أنتم، وهو نظيرُ قولِه تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعلِّمُكُمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ ٢ فالجزاء من جنس العمل، فمن ذكر اللهَ في نفسه ذكره الله في نفسه، ومن ذكر الله في ملأٍ ذكره الله في ملأٍ خير منهم، ومن نسي الله نسيه الله.

стр. 36

فالمكثرون من ذكر الله لهم الحظُّ الأوفر، والنَّصيب الأكمل من ذكر الله لهم، وصلاتِهِ عليهم وملائكتِهِ. روي عن ابن عباس ﵄ في معنى الآية أنّه قال: فإذا فعلتم ذلك ـ أي أكثرتم من ذكر الله ـ صلّى اللهُ عليكم هو وملائكتُه. وصلاةُ الله على عباده الذّاكرين له، هي ثناؤه عليهم في الملأ الأعلى عند الملائكة الكرام البررة، وصلاةُ الملائكة عليهم هي بمعنى الدعاء لهم والاستغفار، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كَلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ١. وقد حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية ﵀، أنّه قال في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَملاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢ "صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء"٣. ثمّ إنّ الله ﵎ بسبب رحمته بالذّاكرين الله كثيرًا، وثنائِهِ عليهم، ودعاءِ ملائكته لهم، يخرجهم من الظُّلمات إلى النُّور، ولهذا قال:

стр. 37

﴿هُوَ الّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ١ من ظلمات الجهل والضّلال إلى نور الهدى واليقين، ثمّ قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا فإنَّه هداهم إلى الحقِّ الّذي جهله غيرُهم، وبصّرهم الطريق الّذي ضلّ عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة أو الباطل، وأمّا رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقّونهم بالبشارة بالفوز بالجنّة والنّجاة من النَّار، وما ذاك إلاّ لمحبّته لهم ورأفته بهم، جعلنا الله وإيّاكم منهم. ويقول الله تعالى في آية أخرى مبيِّنًا فضل الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات، منوِّهًا بشأنهم، معليًا لذكرهم، مبيِّنًا لعظيم أجرهم وثوابهم، ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ واَلصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّآئِمِينَ وَالصَّآئِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ٢. أي: هيّأ لذنوبهم الصّفح والغفران، ولأعمالهم الصّالحة الأجرَ العظيم والدّرجات العالية في الجنان، ممّا لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب إنسان. إنّ الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات همُ المفرِدون السّابقون إلى الخيرات، المحظوظون بأرفع الدرجات وأعلى المقامات، روى مسلم في

стр. 38

صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكّة فمرّ على جبل يقال له جُمْدان فقال: سيروا هذا جُمدان، سبق المفرّدون. قالوا: وما المفرِّدون؟ قال: الذَّاكرون الله كثيرًا والذّاكرات "١. وقد فسّر رسولُ الله ﷺ المفردين بأنّهم الذّاكرون الله كثيرًا والذّاكرات، وأصلُ المفردين كما يقول ابن قتيبة وغيره: الّذين هلك أقرانهم وانفردوا عنهم فبقوا يذكرون الله تعالى. إنّ من يتأمّلُ هذه النصوص وغيرها من النصوص الكثيرة الواردة في بيان عظيم أجر الذّاكرين الله كثيرًا والذّاكرات، وجزيل ثوابهم، وما أعدّ الله لهم من النّعيم المقيم، والثّواب الكبير يوم القيامة لتتحرّك نفسه شوقًا وطمعًا، ويهتزُّ قلبُه حبًّا ورغبًا في أن يكون من هؤلاء، أهلِ هذا المقام الرّفيع والمنزلة العالية. ولكن بما ينالُ العبدُ ذلك؟ وهذا سؤالٌ عظيم يجدر بكلِّ مسلم أن يقف عنده ويعرف جوابه، وقد جاء عن السّلف في معنى الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات نقولٌ عديدةٌ منها: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنّه قال: المراد: يذكرون الله في أدبار الصّلوات وغدوًّا وعشيًّا، وفي المضاجع، وكلّما استيقظ من نومه، وكلّما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى. وقال مجاهد: "لا يكون من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات حتّى يذكر الله قائما وقاعدًا ومضطجعًا".

стр. 39

وقال عطاء: "من صلّى الصّلوات الخمس بحقوقها فهو داخلٌ في قول الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ١" ٢. ومن صفة هؤلاء: الصّلاةُ من الليل، فقد روى أبو داود وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم، بإسناد صحيح، صحّحه الحاكم والذّهبي والنّووي والعراقي وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أيقظ الرّجل أهله من الليل فصلّيا أو صلّى ركعتين جميعاً كُتِبا من الذّاكرين الله كثيرًا والذّاكرات "٣. وقد سُئل أبو عمرو بن الصّلاح فيما نقله النووي ﵀ عنه في كتاب الأذكار عن القَدْر الذي يصير به العبد من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات فقال: "إذا واظب على الأذكار المأثورة المُثبتة صباحًا ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهارًا، وهي مبيّنة في كتاب عمل اليوم والليلة، كان من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات"٤. ويقول الشيخ العلاّمة عبد الرّحمن بن سعدي ﵀: "وأقلُّ ذلك أن يلازم الإنسان أوراد الصّباح والمساء وأدبار الصّلوات الخمس وعند العوارض والأسباب، وينبغي مداومة ذلك في جميع الأوقات على جميع الأحوال، فإنَّ ذلك عبادة يسبق بها العامل وهو مستريح،

стр. 40

وداعٍ إلى محبّة الله ومعرفته، وعونٍ على الخير وكفِّ اللّسان عن الكلام القبيح"١. اهـ كلامه ﵀. وأسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى أن يجعلني وإيّاكم من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات، ومن الذين أعدّ الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.
следующие страницы →