← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فالمكثرون من ذكر الله لهم الحظُّ الأوفر، والنَّصيب الأكمل من ذكر الله لهم، وصلاتِهِ عليهم وملائكتِهِ. روي عن ابن عباس ﵄ في معنى الآية أنّه قال: فإذا فعلتم ذلك ـ أي أكثرتم من ذكر الله ـ صلّى اللهُ عليكم هو وملائكتُه. وصلاةُ الله على عباده الذّاكرين له، هي ثناؤه عليهم في الملأ الأعلى عند الملائكة الكرام البررة، وصلاةُ الملائكة عليهم هي بمعنى الدعاء لهم والاستغفار، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كَلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيمِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ١. وقد حكى البخاري في صحيحه عن أبي العالية ﵀، أنّه قال في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَملاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ٢ "صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء"٣. ثمّ إنّ الله ﵎ بسبب رحمته بالذّاكرين الله كثيرًا، وثنائِهِ عليهم، ودعاءِ ملائكته لهم، يخرجهم من الظُّلمات إلى النُّور، ولهذا قال:

стр. 37

﴿هُوَ الّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ١ من ظلمات الجهل والضّلال إلى نور الهدى واليقين، ثمّ قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا فإنَّه هداهم إلى الحقِّ الّذي جهله غيرُهم، وبصّرهم الطريق الّذي ضلّ عنه وحاد عنه من سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة أو الباطل، وأمّا رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقّونهم بالبشارة بالفوز بالجنّة والنّجاة من النَّار، وما ذاك إلاّ لمحبّته لهم ورأفته بهم، جعلنا الله وإيّاكم منهم. ويقول الله تعالى في آية أخرى مبيِّنًا فضل الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات، منوِّهًا بشأنهم، معليًا لذكرهم، مبيِّنًا لعظيم أجرهم وثوابهم، ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَالقَانِتِينَ وَالقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ واَلصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالخَاشِعِينَ وَالخَاشِعَاتِ وَالمُتَصَدِّقِينَ وَالمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّآئِمِينَ وَالصَّآئِمَاتِ وَالحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ٢. أي: هيّأ لذنوبهم الصّفح والغفران، ولأعمالهم الصّالحة الأجرَ العظيم والدّرجات العالية في الجنان، ممّا لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب إنسان. إنّ الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات همُ المفرِدون السّابقون إلى الخيرات، المحظوظون بأرفع الدرجات وأعلى المقامات، روى مسلم في

стр. 38

صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكّة فمرّ على جبل يقال له جُمْدان فقال: سيروا هذا جُمدان، سبق المفرّدون. قالوا: وما المفرِّدون؟ قال: الذَّاكرون الله كثيرًا والذّاكرات "١. وقد فسّر رسولُ الله ﷺ المفردين بأنّهم الذّاكرون الله كثيرًا والذّاكرات، وأصلُ المفردين كما يقول ابن قتيبة وغيره: الّذين هلك أقرانهم وانفردوا عنهم فبقوا يذكرون الله تعالى. إنّ من يتأمّلُ هذه النصوص وغيرها من النصوص الكثيرة الواردة في بيان عظيم أجر الذّاكرين الله كثيرًا والذّاكرات، وجزيل ثوابهم، وما أعدّ الله لهم من النّعيم المقيم، والثّواب الكبير يوم القيامة لتتحرّك نفسه شوقًا وطمعًا، ويهتزُّ قلبُه حبًّا ورغبًا في أن يكون من هؤلاء، أهلِ هذا المقام الرّفيع والمنزلة العالية. ولكن بما ينالُ العبدُ ذلك؟ وهذا سؤالٌ عظيم يجدر بكلِّ مسلم أن يقف عنده ويعرف جوابه، وقد جاء عن السّلف في معنى الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات نقولٌ عديدةٌ منها: ما روي عن ابن عباس ﵄ أنّه قال: المراد: يذكرون الله في أدبار الصّلوات وغدوًّا وعشيًّا، وفي المضاجع، وكلّما استيقظ من نومه، وكلّما غدا أو راح من منزله ذكر الله تعالى. وقال مجاهد: "لا يكون من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات حتّى يذكر الله قائما وقاعدًا ومضطجعًا".

стр. 39

وقال عطاء: "من صلّى الصّلوات الخمس بحقوقها فهو داخلٌ في قول الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ١" ٢. ومن صفة هؤلاء: الصّلاةُ من الليل، فقد روى أبو داود وابن ماجه، والحاكم، وغيرهم، بإسناد صحيح، صحّحه الحاكم والذّهبي والنّووي والعراقي وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أيقظ الرّجل أهله من الليل فصلّيا أو صلّى ركعتين جميعاً كُتِبا من الذّاكرين الله كثيرًا والذّاكرات "٣. وقد سُئل أبو عمرو بن الصّلاح فيما نقله النووي ﵀ عنه في كتاب الأذكار عن القَدْر الذي يصير به العبد من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات فقال: "إذا واظب على الأذكار المأثورة المُثبتة صباحًا ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهارًا، وهي مبيّنة في كتاب عمل اليوم والليلة، كان من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات"٤. ويقول الشيخ العلاّمة عبد الرّحمن بن سعدي ﵀: "وأقلُّ ذلك أن يلازم الإنسان أوراد الصّباح والمساء وأدبار الصّلوات الخمس وعند العوارض والأسباب، وينبغي مداومة ذلك في جميع الأوقات على جميع الأحوال، فإنَّ ذلك عبادة يسبق بها العامل وهو مستريح،

стр. 40

وداعٍ إلى محبّة الله ومعرفته، وعونٍ على الخير وكفِّ اللّسان عن الكلام القبيح"١. اهـ كلامه ﵀. وأسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى أن يجعلني وإيّاكم من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات، ومن الذين أعدّ الله لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

стр. 41

٧/ تنوّع الأدلّة الدّالة على فضل الذِكر مرّ معنا فضيلةُ الذِّكر وعظيمُ أجره، وبيان ما أعدّه الله لأهله من جميل الثّواب، وكريم المآب، وحُسن العاقبة، وهناءة العيش، ومرّ معنا شيءٌ يسيرٌ من فوائده العطِرة، وثماره الكريمة اليانعة، وعواقبه الحميدة في الدنيا والآخرة. ولمّا كان الذِّكر بهذه المنزلة الرّفيعة والدّرجة العالية، فإنّ دلالات النصوص المبيِّنة لفضله جاءت متنوِّعة، وكان مجيئه في القرآن الكريم على وجوه كثيرة، وهي بمجموعها وأفرادها تدلُّ على عظيم شأن الذِّكر وجليل قدره. وقد ذكر الإمام ابن القيِّم ﵀ في كتابه مدارج السّالكين١: أنَّ الذِّكر ورد في القرآن الكريم على عشرة أوجه، ذكرها مجملة، ثمّ أورد بعد ذلك تفصيلها. قال ﵀: الأوّل: الأمرُ به مطلقاً ومقيّداً. الثاني: النّهي عن ضدّه من الغفلة والنسيان. الثالث: تعليق الفلاح باستدامته وكثرته. الرّابع: الثناء على أهله، والإخبار بما أعدّ الله لهم من الجنّة والمغفرة. الخامس: الإخبار عن خسران من لها عنه بغيره. السادس: أنّه سبحانه جعل ذكره لهم جزاءً لذكرهم له. السابع: الإخبار بأنّه أكبرُ من كلِّ شيء.

стр. 42

الثامن: أنّه جعله خاتمة الأعمال الصالحة، كما كان مفتاحها. التاسع: الإخبار عن أهله بأنّهم هم أهل الانتفاع بآياته، وأنّهم أولو الألباب دون غيرهم. العاشر: أنّه جعله قرين جميع الأعمال الصالحة وروحها، فمتى عدمته كانت كالجسد بلا روح. ثم قال ﵀ في بيان تفصيل هذه الأوجه العشرة: ـ أمّا الأوّل: وهو الأمر به مطلقاً ومقيّداً، فكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهََ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً، هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضُرُّعاً وَخِيفَةً﴾ ٢. ـ وأمّا النهي عن ضدّه فكقوله: ﴿وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ ٤. ـ وأمّا تعليق الفلاح بالإكثار منه فكقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٥. ـ وأمّا الثناء على أهله وحسن جزائهم فكقوله: ﴿إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ

стр. 43

أَعَدَّ اللهُ لَهْمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ١. ـ وأمّا خسران من لها عنه فكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ، وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ٢. ـ وأمّا جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له، فكقوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونَ﴾ ٣، وذكر العبد لربِّه محفوف بذكرين من ربِّه له: ذكر قبله به صار العبد ذاكراً له، وذكر بعده به صار العبد مذكورًا، فذكر الربّ لعبده نوعان: نوعٌ قبل ذكر العبد لربِّه، ونوعٌ بعده. ـ وأمّا الإخبار عنه بأنّه أكبرُ من كلِّ شيء، فكقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ ٤. ـ وأمّا ختم الأعمال الصالحة به، فكما ختم به عمل الصيام بقوله: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٥، وختم به الحجّ في قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكَمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكَمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ ٦، وختم به الصلاة بقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللهَ

стр. 44

قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ ١، وختم به الجمعة بقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٢، ولهذا كان خاتمة الحياة الدنيا، وإذا كان آخرُ كلام العبد أدخله الله الجنة. ـ وأمّا اختصاص الذّاكرين بالانتفاع بآياته، وهم أولو الألباب والعقول، فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِم﴾ ٣. ـ وأمّا مصاحبته لجميع الأعمال واقترانه بها وأنّه روحها، فإنّه سبحانه قرنه بالصلاة كقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ ٤، وقرنه بالصيام وبالحج ومناسكه، بل هو روح الحج ولبِّه ومقصوده، كما قال ﷺ : "إنّما جُعل الطواف بالبيت والسعيُ بين الصفا والمروة ورميُ الجمار لإقامة ذكر الله". وقرنه بالجهاد وأمر بذكره عند ملاقاة الأقران، ومكافحة الأعداء فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٥. فهذه وجوهٌ عشرةٌ ورد فيها الذِّكر في القرآن الكريم، وذُكِرَ لكلِّ

стр. 45

وجه منها بعضُ أمثلة من الآيات القرآنية، والقرآن الكريم مليءٌ بالآيات المندرجة تحت هذه الأنواع، وهي يسيرة الحصول، قريبة المتناول لمن قرأ القرآن الكريم وتدبّر آياته، وما أحسن وأروع ما قاله الإمامُ الشَّوكاني ﵀ في سياق آخر وهو ينطبق على سياقنا هذا تمام الانطباق حيث قال ﵀: "واعلم أن إيراد الآيات القرآنية على إثبات كلِّ مقصد من هذه المقاصد لا يحتاج إليه من يقرأ القرآن العظيم، فإنّه إذا أخذ المصحف الكريم وقف على ذلك في أيِّ موضع شاء، ومن أيِّ مكان أحبَّ، وفي أيِّ محلٍ أراد، ووجده مشحوناً به من فاتحته إلى خاتمته"١. اهـ كلامه ﵀. بل إنَّ القرآن الكريم كلّه كتابُ ذكرٍ لله، فذكر الله تعالى هو لبُّ القرآن وروحُه وحقيقته وغايةُ مقصوده، يقول الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهْمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿فَذِكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيد﴾ ٥، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

стр. 46

وقد سمّى الله كتابَه العزيز ذكرًا فقال: ﴿وَهَذَاذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿ص وَالقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَ يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٧.وفي هذا المعنى آيات كثيرة في القرآن الكريم. قال سفيان الثّوري ﵀: "سمعنا أنّ قراءة القرآن أفضلُ الذِّكر إذا عمل به"٨. وروى الطبري بإسناده إلى عون بن عبد الله قال: أتينا أمّ الدرداء نتحدّث إليها، قال: ثمّ قلتُ: يا أمَّ الدرداء لعلّنا أمللناكِ؟ قالت: "أمللتموني والله، لقد التمستُ العبادة في كلِّ شيء فما وجدتُ شيئاً أشفى لنفسي من مجلس ذكرٍ، قال: ثمّ اختبأت، ثمّ

стр. 47

قالت لرجلٍ: اقرأ ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القَولَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ١ ") . رحم الله أمَّ الدرداء، ورحم الله السّلف الصّالح أجمعين، كيف حفظوا أوقاتهم وأعمارهم وعمروها بذكر الله وما يقرِّب إليه، ولم تتردّد رحمها الله عندما سألها: لعلّنا أمللناك؟ أن تقول: نعم أمللتموني والله، فهي الحافظة لوقتها الحريصة على كمال دينها وتمامه، فلله ما أزكاها من ألفاظٍ صادقة، وأنفاسٍ عَطِرة، وإيمانيّات مؤَثِّرة، وخير متدفّق، والله المستعان وهو حسبُنا ونعم الوكيل.

стр. 48

٨/ ذمُّ الغفلة عن ذكرِ الله إنّ الله ﵎ لمّا أمر بذكره في القرآن الكريم، وحثَّ عليه ورغّب فيه في آيٍ كثيرةٍ منه، حذّر أيضا من الوقوع في ضدّه وهو الغفلة، إذ لا يتمُّ الذِّكرُ لله حقيقةً إلاّ بالتخلُّص من الغفلة والبعد عنها، وقد جمع الله بين هذين الأمرين في آية واحدة من القرآن ـ أعني الأمر بالذِّكر والنهي عن الغفلة ـ وذلك في قوله تعالى من آخر سورة الأعراف: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ ١. والمراد بقوله في الآية ﴿وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، فإنهم حُرِموا خيري الدنيا والآخرة، وأعرضوا عن مَن كلُّ السعادة والفَوز في ذكره وعبوديّته، وأقبلوا على مَن كلُّ الشقاوة والخيبة في الاشتغال به، وفي الآية أمرٌ بالذكر والمواظبة عليه وتحذيرٌ من الغفلة عنه، وتحذيرٌ من سبيل الغافلين. والغفلةُ داءٌ خطير إذا اعترى الإنسان وتمكّن منه لم يشتغل بطاعة الله وذكره وعبادته، بل يشتغل بالأمور الملهية المبعدة عن ذكر الله، وإن عمل أعمالاً من الطّاعة والعبادة فإنّها تأتي منه على حال سيِّئة ووضع غير حسن، فتكون أعماله عاريةً من الخشوع والخضوع والإنابة والطُمأنينة والخشية والصّدق والإخلاص. ولهذا جاء في القرآن الكريم في مواطن كثيرة منه التحذيرُ منها

стр. 49

وذمّها وبيان سوء عاقبتها، وأنّها من خصال الكافرين وصفات المنافقين المعرضين. يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ، لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْينٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ٣، والآيات في هذا المعنى كثيرة. إنّ مَثَل الغافل عن ذكر الله مثَلُ الميِّت، وقد تقدّم معنا أنّ الذِّكر هو حياةً القلوب حقيقةً، فلا حياة لها بدونه، وحاجتها إليه أعظم من حاجة السّمك إلى الماء، فالقلب الذَّاكر هو القلب الحيّ، والقلب الغافل هو القلب الميِّت. وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَثَل الذي يذكر ربّه والذي لا يذكره مَثَلُ الحيِّ والميِّت". ولفظ مسلم: " مَثَل البيت الذي يُذكر الله فيه والبيت الذي لا يُذكر الله فيه مَثَلُ الحيِّ والميِّت"٤. ففي هذا التمثيل كما يقول الشوكاني ﵀: "منقبةٌ للذَّاكر

стр. 50

جليلةٌ، وفضيلة له نبيلة، وأنّه بما يقع منه من ذكر الله في حياةٍ ذاتيةٍ وروحيّةٍ لما يغشاه من الأنوار، ولما يصل إليه من الأجور، كما أنّ التارك للذِّكر وإن كان في حياةٍ ذاتيةٍ فليس لها اعتبارٌ بل هو شبيه بالأموات"١. لقد جعل النبيُّ الكريمُ ﷺ في هذا الحديث بيت الذَّاكر بمنزلة بيت الحيّ، وبيت الغافل بمنزلة بيت الميِّت وهو القبر، وفي اللّفظ الأوّل جعل الذّاكر نفسه بمنزلة الحيّ، والغافل بمنزلة الميِّت، فتضمّن الحديثُ بمجموع لفظيه أنّ القلب الذّاكر كالحيِّ في بيوت الأحياء، والقلب الغافل كالميّت في بيوت الأموات، وعلى هذا فإنّ أبدان الغافلين قبورٌ لقلوبهم، وقلوبهم فيها كالأموات في القبور، ولهذا قيل: فنسيان ذكر الله موت قلوبهم ... وأجسامهم قبل القبور قبورُ وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشورُ وقيل: فنسيان ذكر الله موت قلوبهم ... وأجسامهم فهي القبور الدوارسُ وأرواحهم في وحشة من حبيبهم ... ولكنها عند الخبيث أوانسُ٢ ولهذا صحّ في الحديث عن النبي ﷺ النهيُ عن جعل البيوت قبورًا، أي: لا يصلّى فيها ولا يذكر فيها الله تعالى. ففي الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ أنَّ النبي ﷺ قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتّخذوها قبوراً"٣.

стр. 51

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإنَّ الشيطان يفرُّ من البيت الذي يسمع سورة البقرة تُقرأ فيه"١. وفي سنن أبي داود وغيره بإسناد حسن من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلّوا عليَّ فإنّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٢. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في بيان معنى قوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" قال: "أي لا تُعطِّلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحرّيها عند القبور عكس ما يفعله المشركون من النّصارى ومن تشبّه بهم"٣. اهـ كلامه ﵀. ولَمَّا كان القلب بهذه المثابة يوصف بالحياة وضدّها انقسمت القلوب بحسب ذلك إلى ثلاثة أقسام٤: الأوّل: القلب السليم، وهو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شركٌ بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى إرادةً ومحبّةً وتوكُّلاً وإنابةً وإخباتًا وخشيةً ورجاءً، وخلُص عملُه لله، فإن أحبَّ أحبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع

стр. 52

لله، ويكون الحاكم عليه في أموره كلّها هو ما جاء به رسول الله ﷺ فلا يتقدّم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل. الثاني: ضد هذا وهو القلب الميّت، الذي لا حياة به فهو لا يعرف ربّه ولا يعبده ولا يمتثل أمره ولا يفعل ما يحبّه ويرضاه، بل هو واقفٌ مع شهواته ولذّاته، ولو كان فيها سخطُ ربِّه وغضبُه، فهو متعبِّدٌ لغير الله حبًّا وخوفًا ورجاءً ورضًا وسخطًا وتعظيمًا وذلاًّ، إن أحبَّ أحبَّ لهواه، وإن أبغض أبغض لهواه، وإن أعطى أعطى لهواه، وإن منع منع لهواه، فهو آثَرُ عنده وأحبُّ إليه من رضا مولاه، فالهوى إمامه، والشهوة قائده، والجهل سائقه، والغفلة مركّبة. الثالث: قلب له حياة وبه علّة، فله مادّتان تُمدُّه هذه مرّة، وهذه تُمدُّه أخرى، وهو لما غلب عليه منهما، ففيه من محبّة الله تعالى والإيمان به والإخلاصِ له والتوكّلِ عليه ما هو مادة حياته، وفيه من محبّة الشهوات وإيثارها والحرص على تحصيلها، ومن الحسد والكبر والعجب وحب العُلُوِّ ما هو مادة هلاكه وعَطَبِه. فالقلب الأوّل حيٌّ مخبتٌ ليِّنٌ، والثاني يابسٌ ميِّت، والثالث مريض فإمّا إلى السلامة أدنى وإمّا إلى العطب أدنى، وعلى هذا فإن القلب لكي تبقى له حياتُهُ وتزول عنه غفلتُهُ وتتم له استقامتُهُ محتاجٌ إلى ما يحفظ عليه قوتَه وهو الإيمان وأوراد الطاعات والمحافظة على ذكر الله، والبعدُ عن كلّ ما يسخطه ﵎، ولا سعادة للقلب ولا لذّة ولا نعيم ولا صلاح إلاّ بأن يكون اللهُ وحده إلهه وفاطره ومعبوده وغاية مطلوبه، وأحبّ إليه من كلِّ ما سواه، فبهذا تكون نجاة القلب من الغفلة وسلامته من الهلَكة، وبهذا تسري فيه الحياة، والتوفيق بيد الله وحده.

стр. 53

٩/ من آداب الذِكر تقدّم معنا قولُ الله تبارك: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ ١ وبيان ما اشتملت عليه الآية الكريمة من الجمع بين الأمر بذكر الله والنّهي عن ضدِّه وهو الغفلة، وهذه الآية إضافة إلى دلالتها على ذلك فقد اشتملت على جملةٍ طيِّبةٍ من الآداب الكريمة التي ينبغي أن يتحلّى بها الذَّاكر. فمن هذه الآداب: أوّلاً: أن يكون الذِّكر في نفسه؛ لأنَّ الإخفاء أدخلُ في الإخلاص، وأقربُ إلى الإجابة وأبعدُ من الرِّياء. ثانياً: أن يكون على سبيل التضرُّع، وهو التّذلُّل والخضوع والاعتراف بالتّقصير ليتحقّق فيه ذِلَّة العبودية والانكسار لعظمة الرُّبوبيّة. ثالثاً: أن يكون على وجه الخيفة أي الخوف من المؤاخذة على التّقصير في العمل، والخشية من الرد، وعدم القَبول، قال الله تعالى في صفة المؤمنين المسارعين في الخيرات، السّابقين لأرفع الدّرجات: ﴿وَالَّذِينَ يُؤُتونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ ٢. وقد ثبت في المسند وغيره عن عائشة ﵂ أنّها سألت النبيَّ ﷺ عن هؤلاء فقالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق

стр. 54

ويشرب الخمر ويخاف أن يُعذَّب؟ قال: "لا، يا ابنة الصِّدّيق، ولكنَّه الرجل يصلّي ويصوم ويتصدّق ويخاف أن لا يقبل منه "١. رابعاً: أن يكون دون الجهر؛ لأنَّه أقرب إلى حسن التفكُّر، قال ابن كثير ﵀: "ولهذا قال: ﴿وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ وهكذا يُستحبُّ أن يكون الذِّكر، لا يكون نداءً وجهرًا بليغاً"٢، وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع النّاس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار فقال لهم النبي ﷺ : "ياأيُّها الناس أربعوا على أنفسكم، فإنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنّ الذي تدعونه سميعٌ قريبٌ أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته" ٣. خامساً: أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفادٌ من قوله: ﴿وَدُونَ الجَهْرِ﴾ لأنَّ معناه: ومتكلِّمًا كلامًا دون الجهر، ويكون المرادُ بالآية الأمرَ بالجمع في الذكر بين اللسان والقلب، وقد يقال: هو ذكره في قلبه بلا لسانه بقوله بعد ذلك: ﴿وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ إلاّ أنّ الأوّل هو الأصحّ كما حقّق ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيرُه من أهل العلم. وقد نظر له ﵀ بقوله ﷺ فيما روى عن ربّه أنَّه قال: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم"٤، قال: وهذا يدخل فيه ذكره باللسان في نفسه، فإنَّه

стр. 55

جعله قسيمَ الذكر في الملأ وهو نظير قوله: ﴿وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ ، والدليل على ذلك أنَّه قال: ﴿بِالغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ ، ومعلوم أنَّ ذكر الله المشروعَ بالغدوِّ والآصال في الصلاة وخارج الصلاة هو باللسان مع القلب، مثل صلاتي الفجر والعصر، والذِّكر المشروع عقب الصلاتين، وما أمر به النبي ﷺ وعلّمه وفعله من الأذكار والأدعية المأثورة من عمل اليوم والليلة المشروعة طرفي النّهار بالغدو والآصال١. سادساً: أن يكون بالغدوّ والآصال، أي في البكرة والعشيِّ، فتدلُّ الآية على مزيَّة هذين الوقتين، لأنَّهما وقت سكون ودعة وتعبُّد اجتهاد، وما بينهما الغالبُ فيه الانقطاع إلى أمر المعاش، وقد ورد أنَّ عمل العبد يصعد أوّل النّهار وآخره فطلبُ الذكر فيهما ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر. ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلّون وأتيناهم وهم يصلّون"٢. سابعاً: النهي عن الغفلة عن ذكره بقوله: ﴿وَلاَ تَكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ﴾ ٣، أي: من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلهون عنه، وفيه

стр. 56

إشعارٌ بطلب دوام ذكره تعالى والاستمرار عليه، وأحبُّ العمل إلى الله أَدْوَمُه وإن قلّ. فهذه سبعةُ آداب عظيمة اشتملت عليها هذه الآية الكريمة، ذكرها القاسمي في كتاب محاسن التأويل١، وللذكر آداب كثيرة أخرى سيأتي معنا شيء منها لاحقاً إن شاء الله. ثم إنَّ الله ﵎ لمّا حثّ على الذكر في هذه الآية ورغّب فيه وحذّر من ضدّه وهو الغفلة، ذكر عقبها في الآية التي تليها ما يقوي دواعي الذكر وينهض الهمم إليه بمدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ٢. والمراد بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ أي: الملائكة، وقد وصفهم الله في هذه الآية بعدم الاستكبار عن عبادة الله، وأنَّهم يسبّحونه وله يسجدون، وهذا فيه حثٌّ للمؤمنين وترغيب لهم في أن يقتدوا بهم فيما ذكر عنهم؛ لأنَّه إذا كان أولئك وهم معصومون من الذنب والخطأ هذه حالهم في التسبيح والذكر والعبادة فكيف ينبغي أن يكون غيرهم. ولهذا يقول ابن كثير ﵀: "وإنما ذكرهم بهذا ليُتشبَّه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، ولهذا شُرِعَ لنا السجودُ ها هنا لمّا ذكر سجودهم لله ، كما جاء في الحديث: "ألا تصفُّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها، يتمّون الصفوف الأُوَل ويتراصّون في

стр. 57

الصف"١، وهذه أوّل سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعيها السجود بالإجماع"٢. ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: "ثم ذكر تعالى أنَّ له عبادًا مستديمين لعبادته، ملازمين لخدمته وهم الملائكة لتعلموا أنَّ الله لا يريد أن يتكثر بعبادتكم من قلَّةٍ، ولا ليتعزّز بها من ذلَّةٍ، وإنما يريد نفع أنفسكم وأن تربحوا عليه أضعاف أضعاف ما عملتم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾ من الملائكة المقرَّبين وحملة العرش والكروبيين ﴿لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ بل يذعنون لها وينقادون لأوامر ربِّهم ﴿وَيُسَبِّحُونَه﴾ الليل والنهار لا يفترون ﴿وَلَهُ﴾ وحده لا شريك له ﴿يَسْجُدُونَ﴾ فليقتد العباد بهؤلاء الملائكة الكرام وليداوموا على عبادة الملك العلاّم"٣. اهـ كلامه ﵀. والمقصود أنَّ الله ﵎ لما نهى عباده عن أن يكون من الغافلين ذكر بعد ذلك مثالاً من اجتهاد الملائكة لِيُحْتَذَى ولِيَبْعَثَ على الجدِّ في طاعة الله وذكره، والحمد لله وحده.

стр. 58

أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبسُ به الألسن، ولا يشبعُ منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم. إنَّ قدر القرآن وفضله هو بقدر الموصوف به وفضله، فالقرآن كلام الله وصفته، وكما أنَّه ﵎ لا سميَّ له ولا شبيه في أسمائه وصفاته، فلا سميَّ له ولا شبيه له في كلامه، فله ﵎ الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته، لايشبهه شيء من خلقه، ولا يشبه هو ﵎ شيئًا من خلقه، تعالى وتقدّس عن الشبيه والنّظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ١، والفرق بين كلام الله وكلام المخلوقين هو كالفرق بين الخالق والمخلوقين. قال أبو عبد الرحمن السُّلمي ﵀: "فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الربِّ على خلقه، وذلك أنَّه منه"٢. وقد روي هذا اللفظ مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، إلاّ أنّ رفعه لا يثبت كما أوضح ذلك الإمام البخاري ﵀ في كتابه "خلقُ أفعال العباد"٣ وغيرُه من أئمّة العلم. وأما معناه فحق لا ريب فيه، ولا ريب في حسنه وقوّته واستقامته وجمال مدلوله، وقد استشهد أهل العلم

стр. 59

لصحّة معناه بنصوص عديدة، بل إنَّ الإمام البخاري ﵀ جعله عنواناً لأحد تراجم أبواب كتاب فضائل القرآن من صحيحه، فقال في الباب السابع عشر منه: "باب فضل القرآن على سائر الكلام"، وأورد تحت هذا الباب حديثين عظيمين: الأوّل: حديث أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مثلُ الذي يقرأ القرآن كالأترُجَّةِ طَعمُها طيِّب وريحُها طيِّب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيِّب ولا ريح فيها، ومَثَلُ الفاجر الذي يقرأ القرآن كَمَثَل الرَّيحانة ريحها طيّب وطعمها مُرٌّ، ومَثَل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرٌّ ولا ريح لها "١. قال ابن كثير ﵀ في كتاب فضائل القرآن، وهو عبارة عن شرح مختصر وعظيم الفائدة لكتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري: "ووجه مناسبة الباب لهذا الحديث أن طيب الرائحة دَارَ مع القرآن وجودًا وعدمًا، فدلّ على شرفه على ما سواه من الكلام الصادر من البر والفاجر"٢. والحديث الثاني: حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " إنما أجلُكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس، ومثلكم ومثل اليهود والنّصارى كمثل رجل استعمل عمّالا، فقال: من يعملُ لي إلى نصف النّهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود، فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت

стр. 60

النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين، قالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء، قال: هل ظلمتكم من حقّكم، قالوا: لا، قال: فذاك فضلي أوتيه من شئتُ"١. قال ابن كثير ﵀: "ومناسبته للترجمة أنَّ هذه الأمة مع قصر مدّتها فَضَلَت الأمم الماضية مع طول مدّتها، كما قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٢ وفي المسند والسنن عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم تُوفُّون سبعين أمّة، أنتم خيرُها وأكرمُها على الله "٣، وإنَّما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم: القرآن الذي شرّفه الله على كلِّ كتاب أنزله وجعله مهيمنًا عليه، وناسخاً له وخاتمًا له، لأنَّ كلَّ الكتب المتقدّمة نزلت إلى الأرض جملةً واحدةً، وهذا القرآن نزل مُنجَّماً بحسب بحسب الوقائع لشدّة الاعتناء به وبمن أنزل عليه، فكل مرّة كنزول كتاب من الكتب المتقدّمة. وأعظم الأمم المتقدّمة هم اليهود والنّصارى، فاليهود استعملهم الله من لدن موسى إلى زمن عيسى ﵉، والنّصارى من ثمّ إلى أن بعث محمّداً ﷺ ، ثم استعمل أمّته إلى قيام الساعة، وهو المُشَبَّه بآخر النهار، وأعطى المتقدّمين قيراطًا قيراطًا، وأعطى هؤلاء قيراطين قيراطين، ضعفي ما أعطى أولئك، فقالوا: أيْ ربَّنا، ما لنا أكثر عملاً

стр. 61

قل أجراً؟ فقال: هل ظلمتكم من أجرِكم شيئاً، قالوا: لا، قال: فذاك فضلي، أي: الزائد على ما أعطيتكم أوتيه من أشاء، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ ١") ٢. إنَّ الواجب علينا أن نعظّم القرآن الكريم، الذي هو مصدر عزِّنا وسبيل سعادتنا، ونحفظ له منزلته ومكانته، ونَقدرَه حق قدره، [ونعمل به] . يقول ابن مسعود ﵁: "من كان يحب أن يعلم أنَّه يحب الله فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحبّ القرآن فهو يحبُّ الله، فإنَّما القرآن كلام الله". ويقول ﵁: "القرآن كلامُ الله، فمن ردّ منه شيئاً فإنَّما يردّ على الله". والآثار في هذا المعنى كثيرةٌ، فنسأل الله الكريم أن يعمر قلوبنا بحب القرآن وتعظيمه وتوقيره [والعمل به] ، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصّته.

стр. 62

١٠/ أفضلُ الذكر القرآن الكريم إنَّ خير ما ينبغي للعبد أن يذكر الله به هو كلامه ﵎، الذي هو خيرُ الكلام وأحسنُه وأصدقُه وأنفعُه، وهو وحي الله وتنزيلُه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو أفضل كتاب أنزله الله ﵎ على أفضل رسول، على عبده ومصطفاه وخيرته من خلقه محمّد بن عبد الله ﷺ . يقول الله تعالى في بيان شرف هذا القرآن الكريم وفضله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ١، قال ابن كثير ﵀: "في هذا اعتناءٌ كبيرٌ لشرَفِ الرسول صلوات الله وسلامه عليه، حيث كان يأتيه الملَكُ بالقرآن، صباحاً ومساءً، سفراً وحضراً، فكلُّ مرّة كان يأتيه الملك بالقرآن لا كإنزال الكتاب مما قبله من الكتب المتقدّمة، فهذا المقام أعلى وأجل وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله، ومحمّد ﷺ أعظم نبيّ أرسله الله تعالى"٢.اهـ. إنَّ فضل القرآن الكريم وشرَفَه ورفيعَ قدره وعلُوَّ مكانته أمرٌ لا يخفى على المسلمين، فهو كتابُ الله ربِّ العالمين، وكلام خالق الخلق أجمعين، فيه نبأُ ما قبلنا، وخبرُ ما بعدنا، وحكمُ ما بيننا، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره

стр. 63

١١ / نزول القرآن في شهر رمضان لا ريب أنَّ [من] أجلِّ نِعم الله على الإطلاق وأشرفِها وأعظمِها نعمةُ إنزالِه الكتاب العظيم على عبده ورسوله نبيّنا محمد ﷺ ، فهذه نعمةٌ عظمَى ومنّة كبرى امتنّ الله بها على عباده وحمد نفسه عليها وتمدّح إلى عباده بها، وبيّن عظم شأنها في آيٍ كثيرة من القرآن. يقول الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلاَ للهِ الدِّينُ الخَالِصُ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِيُن عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ٣، ويقول تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ﴾ ٤. إنَّ لشهر رمضان الكريم شهر الصوم خصوصيةً بالقرآن، فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن الكريم هدى للنّاس. وقد امتدح الله تعالى في الآية الكريمة المتقدّمة شهرَ الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهنَّ لإنزال القرآن العظيم، بل قد ورد في الحديث بأنَّه الشهرُ الذي كانت الكتبُ الإلهيةُ تنزل فيه على الأنبياء، ففي المسند للإمام

стр. 64

أحمد، والمعجم الكبير للطبراني، من حديث واثلة بن الأسقع أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أُنزلت صُحُفُ إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراةُ لِسِتٍّ مضين من رمضان، والإنجيلُ لثلاث عشرةَ خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان"١. قال الهيثمي: "وفيه عمران بن داود القطان، ضعّفه يحيى ووثّقه ابن حبان. وقال أحمد: أرجو أن يكون صالح الحديث، وبقيّة رجاله ثقات"٢. وله شاهدٌ من حديث جابر ﵁ أخرجه أبو يعلى في مسنده٣ بنحو الحديث المتقدّم، وفي إسناده سفيان بن وكيع وهو ضعيف. وله شاهدٌ آخر يرويه ابن عساكر في تاريخه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس وهو منقطعٌ، فعليٌّ لم ير ابن عباس ﵄. فإن صحّ هذا الحديث فهو يدلّ على أنَّ شهر رمضان هو الشهر الذي كانت تنزل فيه الكتب الإلهية على الرسل ﵈. إلاّ أنّها كانت تنزل على النبيّ الذي أنزلت عليه جملةً واحدةً، وأمّا القرآن الكريم فلمزيد شرفه وعظيم فضله، فإنَّما نزل جملةً واحدةً إلى بيت العزّة من السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر من شهر رمضان

стр. 65

المبارك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ ٣، فدلّت هذه الآياتُ الثلاث على أنَّ القرآن الكريم أنزل في ليلةٍ واحدةٍ، توصف بأنَّها ليلةٌ مباركةٌ وهي ليلة القدر، وهي من ليالي شهر رمضان المبارك، ثم بعد ذلك نزل مفرّقًا على مواقع النّجوم يتلو بعضه بعضًا، هكذا روي عن ابن عباس ﵄ من غير وجه. فروى الحاكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النّجوم، وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض"٤. وروى أيضاً عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة. ثم قرأ: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناَكَ بِالحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ٥، ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلِى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ ٦") ٧. وروى ابنُ أبي حاتم عن ابن عباس أنَّه سأله عطيّة بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك في قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ

стр. 66

فِيهِ القُرْآنُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ، وقد أنزل في شوّال وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي المحرّم وصفر وشهر ربيع؟ فقال ابن عباس: "إنَّه نزل في رمضان في ليلة القدر، وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النّجوم ترتيلاً في الشّهور والأيّام"١. إنَّ الحكمة في هذا النزول هي تعظيم القرآن الكريم وتعظيم أمر مَن نزل عليه وهو رسول الله ﷺ ، وتعظيم الشهر الذي نزل فيه وهو شهر رمضان، واللَّيلة التي نزل فيها وهي ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القَدْرِ، لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ . ثم إنَّ ما تقدّم لَيدلُّ أعظم دلالة على عظم شأن شهر الصوم، شهر رمضان المبارك، وأنَّ له خصوصية بالقرآن الكريم، إذ فيه حصل للأمّة من الله هذا الفضل العظيم، نزول وحيه العظيم، وكلامه الكريم المشتملِ على الهداية ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ﴾ ٢ الهداية لمصالح الدين والدنيا، وفيه تبيان الحقِّ بأوضح بيان، وفيه الفرقان بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والظلمات والنّور. فحقيقٌ بشهرٍ هذا فضلُه وهذا إحسانُ الله على عباده فيه أن يعظِّمه العباد وأن يكون موسمًا لهم للعبادة وزادًا ليوم المعاد.

стр. 67

وهذا فيه دلالةٌ بالغةٌ على استحباب دراسة القرآن الكريم في شهر رمضان المبارك، والاجتهاد في ذلك، والإكثار من تلاوته فيه، وعرض القرآن على من هو أحفظُ له، والزيادة في مدارسته. روى البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: " كان النبيُّ ﷺ أجودَ النّاس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كلّ ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجودَ بالخير من الرّيح المرسلة"١. وقد كان ﷺ يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وهذا أمرٌ يشرع لكل من أراد أن يزيد في القراءة ويطيل وكان يصلّي لنفسه فليطوّل ما شاء، وكذلك من صلّى بجماعة يرضون بصلاته، وأمّا سوى ذلك فالمشروع التخفيف، قال الإمامُ أحمدُ لبعض أصحابه وكان يصلّي بهم في رمضان: "هؤلاء قوم ضعفى اقرأ خمسًا ستًّا سبعًا، قال فقرأت فختمتُ ليلة سبع وعشرين"٢. فأرشدَه ﵀ إلى أن يراعي حال المأمومين فلا يشقُّ عليهم. وكان السَّلفُ ﵏ يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها، فكان الأسود يقرأ القرآن في كلِّ ليلتين في رمضان. وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقيّة الشهر في ثلاث.

стр. 68

وكان قتادة يختم في كلِّ سبع دائماً وفي رمضان في كلِّ ثلاث، وفي العشر الأواخر كلَّ ليلة. وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنَّما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. وكان مالكٌ ﵀ إذا دخل رمضان يفرُّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ويُقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن. والآثارُ عنهم في هذا المعنى كثيرة١، رزقنا الله وإيّاكم حسن اتّباعهم والسير على آثارهم، ونسأله ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.

стр. 69

المطلوب من القرآن فهم معنيه والعمل به ... ١٢/ المطلوب من القرآن فهمُ معانيه والعمل به يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ١. إنَّ تلاوة القرآن وتدبّره هي أعظم أبواب الهداية، فإنَّ الله ﵎ قد أنزل كتابه المبين على عباده هدى ورحمة وضياءً ونورًا وبشرى وذكرى للذّاكرين، وجعله مباركًا وهدى للعالمين، وجعل فيه شفاء من الأسقام ولا سِيَما أسقام القلوب وأمراضها من شبهات وشهوات، وجعله رحمة للعالمين، يهدي للتي هي أقوم، وصرّف فيه من الآيات والوعيد لعلّهم يتّقون أو يحدث لهم ذكرى. قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرًى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي

стр. 70

هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالحِاَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ ٢. ولهذا فإنَّ الله ﵎ أمر عباده وحثّهم على قراءة القرآن وتدبُّره في غير آية من القرآن، قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ٤، وأخبر سبحانه أنَّه إنَّما أنزله لتُتدبر آياتُه، فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾ ٥، وبيّن سبحانه أنَّ سبب عدم هداية من ضلَّ عن الصراط المستقيم هو ترك تدبُّر القرآن والاستكبار عن سماعه فقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ، مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ، أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ﴾ ٦، أي: أنَّهم لو تدبّروا القرآن لأوجب لهم الإيمان، ولمنعهم من الكفر والعصيان، فدلّ ذلك على أنَّ تدبّر القرآن يدعو إلى كلِّ خير ويعصم من كلِّ شر.

стр. 71

ووصف الله القرآن بأنَّه أحسنُ الحديث، وأنَّه تعالى ثنى فيه من الآيات وردّد القول فيه ليفهم، وأنَّ جلود الأبرار عند سماعه تقشعرّ خشيةً وخوفاً فقال تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ، ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ١. وعاتب سبحانه المؤمنين على عدم خشوعهم عند سماع القرآن، وحذّرهم من مشابهة الكفّار في ذلك، فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلّذِينّ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢، وأخبر سبحانه عن القرآن أنَّه يزيد المؤمنين إيمانًا إذا قرأوه وتدبّروا آياته فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ٣. وأخبر عن صالح أهل الكتاب أنَّ القرآن إذا تلي عليهم يخرّون للأذقان سُجَّداً يبكون ويزيدهم خشوعاً وإيماناً وتسليماً، فقال سبحانه: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً، وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ٤.

стр. 72

وأخبر سبحانه بأنَّه لو أنزل القرآن الكريم على جبل لخشع وتصدّع من خشية الله ، وجعل هذا مثلاً للنّاس يبيِّن لهم عظمة القرآن وقوّة أثره فقال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١. ثم مع هذا فإنَّ الله تعالى قد حذّر عباده من الإعراض عن القرآن الكريم أشدَّ التحذير، وبيّن لهم خطورة ذلك، وما يجنيه مَن فَعلَ ذلك من الإثم والوزر الذي يحمله معه يوم القيامة بسبب إعراضه عن القرآن وعدم تلقّيه بالقبول والتسليم، يقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً، مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً، خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ِحْملاً﴾ ٢، فإذا كان القرآن ذكرًا للرسول الله ﷺ ولأمّته، فيجب تلقّيه بالقبول والتسليم والانقياد والتعظيم، وأن يُهتدى بنوره إلى الصراط المستقيم، وأن يُقبل عليه بالتعلّم والتعليم، وأما مقابلته بالإعراض والصدود، أو بما هو [أخطر] من ذلك من الإنكار والجحود، فإنَّه كفرُ لهذه النعمة يستحق فاعله العقوبة. ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيَامَةِ وِزْراً﴾ ٣، وقوله في الآية: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً﴾ فيه وصف للقرآن الكريم بأنَّه ذكر، وقد مرّ معنا آيات كثيرة في هذا المعنى، وهذا يعني أنَّ القرآن

стр. 73

الكريم فيه ذكر للأخبار السابقة واللاَّحقة، وذِكرٌ يُتَذكّرُ به ما لله تعالى من الأسماء والصفات الكاملة، ويتذكّر به أحكام الأمر والنهي وأحكام الجزاء، وهذا أيضا ممّا يدلّ على أنَّ القرآن مشتملٌ على أحسن ما يكون من الأحكام التي تشهد العقول والفطر بحسنها وكمالها. إنَّ كتاباً هذا بعض شأنه لحريٌّ بكل مسلم أن يعظّمه ويقدره حق قدره، ويتلوه حق تلاوته بتدبر آياته والتفكر والتعقل لمعانيه، وبالعمل بما يقتضيه، وكما يقول العلاّمة ابن القيِّم ﵀: "فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبّر والتفكّر فإنَّه جامعٌ لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبّر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مرّ بآيةٍ وهو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه كرّرها ولو مائة مرّة ولو ليلة، فقراءة آيةٍ بتفكّرٍ وتفهّمٍ خيرٌ من قراءة ختمةٍ بغير تدبّر وتفهُّم، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن"١. اهـ كلامه ﵀. وهو كما ترى واف الدلالة عظيم الفائدة، ومن كان في قراءته للقرآن على هذا الوصف أثّر فيه القرآن غاية التأثير وانتفع بتلاوته تمام الانتفاع، وكان بذلك من أهل العلم والإيمان الراسخين، وهذا هو

стр. 74

مقصود القرآن وغاية مطلوبه، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإنَّه إن لم تكن هذه همّة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين"١. اللهم وَفِّقنا لتحقيق ذلك على الوجه الذي يُرضيك عنّا يا ذا الجلال والإكرام.

стр. 75

١٣/ آدابُ حملة القرآن لقد مرّ معنا بيان فضل القرآن الكريم، كلام ربّ العالمين وعظم شأن تلاوته وتدبّره، وما يترتّب على ذلك من أجورٍ عظيمةٍ وأفضالٍ كريمةٍ وخيراتٍ عميمةٍ في الدنيا والآخرة، وسيكون الحديثُ هنا بإذن الله عن أخلاق حملة القرآن التي ينبغي أن يتحلوا بها، وآداب وصفات أهله التي ينبغي أن يتأدّبوا بها، ولا ريب في شرف هذا الموضوع وعظم شأنه وحاجتنا دائماً إلى تذاكره ومدارسته. وقد كان أهلُ العلم وأئمّة الفضل والخير يولون هذا الموضوع عنايةً خاصةً ويعتنون به عنايةً فائقةً، إذ به تأتي ثمرة القرآن، وينال ما يترتّب عليه من أجورٍ عظيمةٍ وثوابٍ وإحسانٍ، وبدون هذه الآداب لا ينال التالي الثمرة المرجوة، ولا يحصل الخير العظيم والثواب الجزيل المأمول، بل ربَّما كان القرآن حجّةً عليه، وخصيماً له يوم القيامة. فقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه قال: " إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع آخرين". وثبت عنه ﷺ أنّه قال: "والقرآن حجّة لك أو عليك "، وكلاهما في صحيح مسلم١. فالقرآن حجَّةٌ لمن عمل به وتأدّب بآدابه، وأمّا من ضيّع حدوده وأهمل حقوقه، وفرّط في واجباته فإنَّ القرآن يكون حجّةً عليه يوم القيامة. ولهذا يقول قتادة ﵀: "لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلاّ قام
следующие страницы →