← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12048

فقه الأدعية والأذكار

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

Полный текст (885 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وروى ابن السني في عمل اليوم والليلة عن محمد بن المنكدر قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فشكا إليه أهاويلَ يراها في المنام، فقال: "إذا أَوَيتَ إلى فراشك فقل: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ، وَمِن شَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ"١. فهذا دعاءٌ عظيمٌ أرشَدَ النَّبِيُّ ﷺ مَن يُصاب في نومه بشيء من الفزع والخوفِ، بسبب ما قد يرى في منامه من الأشياء المخوفة أن يقوله ليذهب عنه فزعُه، ولتطمئنَّ نفسُه، وليسكنَ ويهدأَ في نومه، ولينصرفَ عنه خوفُه وروعُه، وهو دعاءٌ عظيم مبارَك، يعلن فيه العبدُ التجاءَه إلى الله واحتماءَه به وفرارَه إليه من غضبه وعقابه سبحانه، ومن شرِّ عبادِه، ومن همزات الشياطين ومن أن يحضروا العبد، سواء في نومه أو في كلِّ أحواله. وقد أخبر ﷺ أنَّ مَن قاله لا تضرُّه الشياطين، بل يكون في عافية وسلامة منها. وقوله: "أعوذ بكلمات الله التَّامَّة": أي: ألتجئُ، فالاستعاذةُ التجاءٌ إلى الله واعتصامٌ به، والعائذُ بالله فارٌّ من كلِّ ما يؤذيه إلى ربِّه سبحانه الذي بيده أزِمةُ الأمور وتدبيرُ الخلائق، وكلماتُ الله التَّامَّة أي: التي لا يلحقُها نقصٌ ولا عيبٌ كما يلحقُ كلامَ البشر. وقوله: "من غضبه وعقابه" الغضب صفةٌ فعليَّةٌ ثابتةٌ لله ﵎، وَصَفَ بها نفسَه في كتابه، ووصَفَه بها رسولُه ﷺ في سنَّته، وهو جلَّ وعلا يغضب ويرضى ويحبّ ويبغض، وله صفاتٌ فعليّةٌ كثيرةٌ وردت في الكتاب

стр. 667

والسُّنَّة، ومنهج أهل السنَّة وهو المنهجُ الحقُّ الذي ينبغي أن يكون عليه كلُّ مسلم تجاه هذه الصفات أنَّهم يُثبتونها لله كما أثبتها سبحانه لنفسه وكما أثبتها له رسوله ﷺ دون أن يخوضوا في شيء منها بتحريفٍ أو تعطيلٍ أو تكييف أو تمثيل، فهم يُؤمنون بأنَّ الرَّبَّ العظيم يغضبُ، ويتعوَّذون به سبحانه من غضبه ومن كلِّ شيءٍ يُغضِبه، ويُجاهدون أنفسَهم على البُعدِ عن كلِّ ما يُغضِبه سبحانه ويوجبُ عقابه. وإنَّ مِمَّا يُغضبُ الرَّبَّ ويوجبُ عقابه أن يلجأ العبدُ في مُلمَّاته وعند خوفه وفزعه إلى غيرِه سبحانه، وكيف يليقُ بالعبد الضَّعيف أن يلجأ إلى عبدٍ ضعيف مثلِه، وكيف يلجأ المخلوقُ إلى مخلوقٍ مثلِه ويَدَعُ ربَّ العالَمين وخالقَ الخلق أجمعين، وهنا ندرك ضَحالة عقولِ وتفاهةَ أفكارِ مَن يذهبون في مُلمَّاتِهم وعند فزَعهم إلى الكهنة والعرَّافين والدجاجلة والمشعوذين والسَّحرة والمنجِّمين وغيرِهم من إخوان الشياطين، يشكون إليهم حالَهم، ويُنزلون بأبوابهم حاجتَهم، ويطلبون منهم تخليصَهم من كربتِهم وإنجاءهم من فزعهم، إلى غير ذلك من الأمور التي لا تُطلبُ إلاَّ من الله ولا يُلجأ فيها إلاَّ إليه وحده ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ١، فهل يجيب المضطَرَّ الذي أقلقته الكروبُ وتعسَّر عليه المطلوب، واضطر للخَلاص مِمَّا هو فيه إلاَّ الله وحده وهل يكشف السوءَ الذي يُصيب الإنسانَ ويَحِلُّ به إلاَّ الله وحده ولكنْ تذَكُّرُ الناسِ لهذا الأمر قليلٌ، وتدبُّرُهم له ضعيف، وإلاَّ لَمَا أقبلوا على غير الله، ولَمَا لجاءوا إلى أحدٍ سواه.

стр. 668

وقوله: "من غضبه وعقابه" فيه جمعٌ بين الصفةِ وأثرها، فالصفةُ هي الغضب، وأثرُها هو حلولُ العقاب، نعوذ بالله من ذلك. وقوله: "وشرِّ عباده" أي: مِن كلِّ شرٍّ في أيِّ عبدٍ من عبادِك قام به الشرُّ، والعبوديةُ هنا المراد بها العبودية العامة؛ إذ المخلوقات كلُّها معبَّدةٌ مُذلَّلةٌ لله خاضعةٌ له سبحانه، كما قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ ١. وقوله: "ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" الهمزات جمع همزة، والهمزة النخس، والمراد نزغاتُ الشياطين ووساوسُهم وجميعُ إصاباتهم وأذاهم لبَنِي آدم. وقوله: "وأن يحضرون" أي: أن يحضرَ الشياطين عندي في جميع أحوالي، وعلى هذا فالعبدُ يستعيذ بالله من همزات الشياطين وأن يحضروه أصلاً ويَحوموا حولَه، فتضمَّنت الاستعاذةُ ألاَّ يَمسُّوه ولا يقربوه. فما أعظَمه من دعاء، وما أعظَم أثره، وما أجمعه للتعوُّذ من كلِّ ما قد يكون سبباً لفزع الإنسان وقلقه، والله وحده وليُّ التوفيق.

стр. 669

١٣١ / مَا يَقُولُهُ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يُحِبُّ أَوْ يَكْرَهُ ثبت في السُّنَّة أحاديثُ عديدةٌ عن النَّبيِّ ﷺ في بيان ما ينبغي أن يقولَه المسلمُ ويفعلَه عندما يرى في منامه ما يُحبُّ أو عندما يرى فيه ما يكره. ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه سمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: " إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحبُّهَا فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلاَ يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ"١. وفي الصحيحين عن أبي سلمة قال: "لَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا فَتُمْرِضُنِي حَتَّى سَمْعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمْعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفُلْ ثَلاَثاً، وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ "٢. وفي صحيح مسلم من حديث جابر ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثلاثاً، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ"٣. وقد دلَّت هذه الأحاديث على جملة من الفوائد تتعلَّق بالرؤيا وما ينبغي أن يكون عليه المؤمن تجاه ما يراه في منامه من أمور يفرح برؤيتها ويسُرُّ، أو

стр. 670

أمور يحزن لرؤيتها ويضجر، ومن فوائد هذه الأحاديث ما يلي: أوَّلاً: تعظيمُ شأن الرؤيا الصالحة يراها المسلم، وأنَّها من الله ، ساقها إلى عبده المؤمن في حياته بشارةً له بالخير، وتأنيساً لقلبه وطَمْأنةً لفؤاده، كما قال الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ١، قال غيرُ واحد من السلف: "هي الرؤيا الصالحة يراها الرّجلُ الصالح أو تُرى له". ثانياً: بيان أنَّ ما يراه المؤمن في منامه مِمَّا يكرهه إنَّما هو من الشيطان ليَحزُن الذين آمنوا، وليس بضارِّهم شيئاً إلاَّ بإذن الله، وما يراه الإنسانُ في منامه ينقسمُ إلى ثلاثة أقسام: الرؤيا الصالحة التي هي بُشرى من الله لِمَن رآها أو رؤيت له، والرؤيا التي هي من الشيطان وهي أهاويل يأتي بها الشيطان للإنسان في منامه وأمثالٌ مكروهة يضربُها بقصد التشويش على الإنسان وإدخال الحزن عليه والضَّجَر في قلبه، والقسم الثالث: هي الأحلام التي تجري على الإنسان في منامه مِمَّا يُحدِّث به الرَّجلُ نفسَه في اليقظة تجري عليه في المنام جريانها في اليقظة. ثالثاً: بيان ما ينبغي أن يفعلَه المسلمُ عندما يرى في منامه ما يُحبُّ ويتلخّصُ ذلك في عدَّة أمور. الأوّل: أنَّ المسلمَ ينبغي له أن يفرحَ ويستبشرَ بالرؤيا الصالحة يراها أو تُرى له، وأن لا يغترّ، فالرؤيا كما قال بعض السلف: "تسرّ المؤمن ولا تغرُّه". الثاني: أن يحمدَ اللهَ على هذا الخير الذي ساقه إليه والفضلِ الذي منحه إيَّاه حيث أكرمَه بهذه الرؤيا المبشِّرة.

стр. 671

الثالث: أن يُحدِّثَ بها مَن يُحبُّ من إخوانه وجُلسائه الذين شأنهم معه أنَّهم يتعاونون معه على الخير، ويتواصون معه على البرِّ والإحسان، فتكون الرؤيا التي رآها سبباً لزيادة الخير فيهم، وحافزاً للمُضيِّ في مجالاته. الرابع: أن لا يحدِّث بها من يكره درءاً لمفسدة حصول الأذى منه أو الحسد أو نحو ذلك. رابعاً: ومن الفوائد التي اشتملت عليها الأحاديث المتقدِّمة؛ بيان ما ينبغي أن يفعله المسلم إذا رأى في منامه ما يكره ويتلَّخص ذلك في الأمور التالية: الأول: أن يعلمَ أنَّ ذلك إنَّما هو من الشيطان يريد به تحزين المؤمن وإدخال الهمِّ والغمِّ والفزع عليه، فعليه أن لا يلتفت إلى مكر الشيطان وأن لا يشغل بالَه بذلك. الثاني: أن يتعوَّذ بالله من شرِّها وشرِّ الشيطان الرجيم، والتعوُّذ التجاءٌ إلى الله واعتصامٌ به سبحانه ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١. الثالث: أن يبصُق عن يساره ثلاثاً، وقد قيل: لأنَّ الشيطانَ يأتي ابنَ آدم مِن قِبَل يساره؛ لأنَّه يريد أن يُوسوس في القلب، والقلبُ قريبٌ من جهة اليسار، فيأتي الشيطان من جهته القريبة، والله أعلم. الرابع: أن يتحوَّلَ عن جنبه الذي كان عليه، وقيل في الحكمة من هذا أنَّ في ذلك تفاؤلاً بالتحوُّل من هذه الحال المسيئة المحزنة إلى حالٍ مُسِرَّة مُفرحة. الخامس: ألاَّ يحدِّث أحداً بما رأى في منامه من أمورٍ يكرهها، وقد جاء في صحيح مسلم عن جابر ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِي ﷺ فقال: يا رسول

стр. 672

الله، رأيتُ في المنام كأنَّ رأسي قُطع، قال: فضحك النَّبِيُّ ﷺ ، وقال: "إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يُحدِّث به الناَّسَ "١، وفي رواية أخرى قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله! رأيتُ في المنام كأنَّ رأسي ضُرب فتَدَحْرَجَ فاشتدَدتُ على أَثَره، فقال رسولُ الله ﷺ للأعرابيِّ: "لا تُحدِّث الناسَ بتلعُّب الشيطان بكَ في منامك"٢. ثم إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد أخبر أنَّ من فعل ما تقدَّم لا تضرُّه رؤياه، بل يكون فعلُه لهذه الأمور سبباً واقياً بإذن الله من شرِّ الرؤيا وشرِّ الشياطين. وعلى العبد مع ذلك كلِّه أن يكون متَّقياً، لله محافظاً على طاعته، بعيداً عن معاصيه؛ ليكون بذلك محفوظاً بحفظ الله مُحاطاً برعايته وعنايته سبحانه. وقد قال ابن سيرين ﵀: "اتَّق اللهَ في اليَقظة، ولا تُبالِ ما رأيتَ في النوم". والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم.

стр. 673

١٣٢ / أَذْكَارُ الخُرُوجِ مِنَ المَنْزِلِ لقد ثبت في السُّنَّة عن النَّبِيِّ ﷺ أذكارٌ مباركةٌ وأدعيةٌ نافعةٌ يقولها المسلمُ إذا خرج من مَنْزله، فإذا قالها حُفظ بإذن الله، وكُفي ما أهمَّه، ووُقي من الشرور والآفات، وهُدي إلى طريق الحقِّ والصواب، روى الترمذي وأبو داود وغيرُهما عن أنس بن مالك ﵁: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَيَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيَفَ لَكَ بَرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ "١. وهذا الذِّكر المبارك نافعٌ للمسلمِ أن يقوله في كلِّ مرَّةٍ يخرج فيها من بيته لقضاء شيء من مصالِحه الدينية أو الدنيوية، وذلك ليكون محفوظاً في سيره، ومُعاناً في قضاء مصالحه، مسدَّداً في وجهته وحاجته، والعبدُ لا غِنى له عن ربِّه طرفة عين، بأن يكون له حافظاً ومؤيِّداً، ومُسدِّداً وهادياً، ولا ينال العبدُ ذلك إلاَّ بالتوجُّه إلى الله في حصوله ونيله، فأرشد صلوات الله وسلامه عليه مَن خرج من مَنْزله إلى أن يقول هذا الذِّكرَ المبارك ليُهدى في طريقه، وليُكفى هَمَّه وحاجتَه، وليوقى الشرور والآفات. وقوله: "إذا خرج الرَّجلُ من بيته" أي: حال خروجه من بيته، ومثلُ البيت المنزل الذي يُسافر منه المسافر. وقوله: "بسم الله" أي: بسم الله أخرج، فكلُّ فاعل يقدر فعلاً مناسباً

стр. 674

لحالِه عندما يبسمل، والباء في "بسم الله" للاستعانة، أي: أخرج طالباً من الله العون والحفظ والتسديد. وقوله: "توكَّلت على الله" أي: اعتمدتُ عليه، وفوَّضتُ جميعَ أموري إليه، فالتوكُّلُ هو الاعتمادُ والتفويض وهو من أعمال القلوب، ولا يجوز صرفُه لغير الله، بل يجب إخلاصُه لله وحده، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١، أي: عليه وحده لا على غيره، فجعل ذلك شرطاً في الإيمان، والتوكلُ أجمعُ أنواع العبادة وأعلى مقامات التوحيد وأعظمُها؛ لِمَا ينشأ عنه من الأعمال الصالحة والطاعات المتنوِّعة، فإنَّه إذا اعتمد العبدُ على الله في جميع أموره الدينية والدنيوية دون مَن سواه صحَّ إخلاصُه، وقويت صلتُه بالله، وزاد إقباله عليه، وكفاه اللهُ همَّه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢، أي: كافيه، ومَن كان الله كافيه فلا مطمع فيه لعدوٍّ، ولو كادت له السموات والأرض ومَن فيهنَّ لجعل الله له فرَجاً ومخرجاً ورزقه الله من حيث لا يحتسب، وفي هذا دلالةٌ على عِظَمِ فضل التوكل وأنَّه أعظمُ أسباب جلب المنافع ودفع المضار. وقوله: "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله"، هي كلمة إسلامٍ واستسلامٍ وتفويضٍ إلى الله، وتبرؤ من الحول والقوَّة إلاَّ به، وأنَّ العبدَ لا يملك من أمره شيئاً، وليس له حيلةٌ في دفع شرٍّ، ولا قوَّةٌ في جلب خير لا بإرادته سبحانه، وقولُ لا حول ولا قوة إلاَّ بالله تُنال به الإعانة. ولو تأمَّل المسلم هذا الذِّكرَ لوجده من أوَّله إلى آخره مشتملاً على

стр. 675

الالتجاء إلى الله والاعتصام به والاعتماد عليه، وتفويض الأمور كلِّها إليه، ومَن كان كذلك حظي بحفظ الله له وعونِه وتوفيقِه وتسديدِه. وقوله: "يُقال حينئذ" وفي رواية: "يُقال له هُديتَ وكفيتَ ووُقيتَ" يجوز أن يكون القائلُ هو الله ويجوز أن يكون مَلَكاً من الملائكة. وقوله: "هُديتَ" أي: إلى طريق الحقِّ والصواب بسبب استعانتك بالله على سلوك ما أنت بصددِه، ومَن يهده الله فلا مُضِلَّ له. وقوله: "وكفيت" أي: كُفيت كلَّ همٍّ دنيوي أو أُخروي. وقوله: "ووُقيت" أي: حُفظتَ من شرِّ أعدائك من الشياطين وغيرهم. وقوله: "فيتنحّى عنه الشيطان" أي: يبتعد عنه الشيطان؛ لأنَّه مَن كان هذا شأنه فلا سبيل للشيطان عليه؛ لأنَّه قد أصبح في حِصنٍ حصين وحِرزٍ مكين يُحمى فيه من الشيطان الرجيم. وقوله: "فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي"، أي: يقول أحد الشياطين لهذا الشيطان الذي كان يريد إغواء هذا الشخص وإيذاءه: كيف لك برجلٍ قد هُدي وكُفي ووقي، أي: كيف لك السبيلُ إلى إغواء وإيذاء رجل نال هذه الخصال الهدايةَ والكفايةَ والوقايةَ. وهذا يدلُّنا على عِظَم شأن هذا الذِّكر المبارك وأهميَّةِ المحافظةِ عليه عند خروج المسلم من منْزله في كلِّ مرَّة يخرج فيها؛ لينال هذه الأوصافَ المباركةَ والثمارَ العظيمة المذكورة في هذا الحديث. ومن الأذكار العظيمةِ النافعةِ للمسلم عند خروجِه من منزلِه ما ثبت في سنن أبي داود وابن ماجه وغيرِهما عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: مَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلاَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إنِّي

стр. 676

أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عليَّ"١. وهو حديثٌ عظيمٌ ودعاءٌ مبارَك يجدر بالمسلمِ أن يُحافظَ عليه عند خروجه من منزله تأسِّياً بالنَّّبِيِّ ﷺ الذي كان يحافظ عليه عند كلِّ خروجٍ من مَنْزله كما يدلُّ على ذلك قول أمِّ سلمة ﵂: "مَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلاَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فقال"، ثم ذكرت هذا الدعاء. ولو تأمَّلتَ هذا الدعاء لوجدتَ أنَّه موافقٌ للحديث السابق في الغاية والمقصود، فقوله في الحديث السابق: "هديت" موافقٌ لقوله في هذا الحديث: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ"، وقوله: "كفيت" موافقٌ لقوله: "أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ"، وقوله: "ووُقيت" موافقٌ لقوله: "أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عليَّ"، فيكون العبدُ بذلك متعوِّذاً بالله مِمَّا يُبعده من الهداية والكفاية والوقاية، ولا بأس لو أنَّ العبدَ جمع بين هذين الدعاءين. ثم إنَّ في هذا الدعاء معانٍ جليلة ودلالاتٍ نافعة يأتي بيانها، وبالله وحده التوفيق.

стр. 677

١٣٣ / من أذكار الخروج من المنْزل لقد مرَّ معنا دعاءُ النَّبِيِّ ﷺ الذي كان يُواظبُ عليه ﷺ كلَّ ما خرج من منزله، وذلك في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه وغيرُهما عن أمِّ المؤمنين أمِّ سلمة هند المخزومية زوج النَّبِيِّ ﷺ ﵂ قالت: مَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلاَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عليَّ"١. وكلامُها ﵂ في أوَّل هذا الحديث فيه دلالةٌ ظاهرةٌ على مواظبة النَّبِيِّ ﷺ على قول هذا الدعاء في كلِّ مرَّة يخرج فيها صلوات الله وسلامه عليه من منْزله، وفي هذا دلالةٌ على أهميَّة مواظبة المسلم على هذا الدعاء في كلِّ مرَّة يخرج فيها من منزله تأسيًّا بالنبيِّ ﷺ ، وفي ذلك الخيرُ والبركةُ والسلامة والغنيمة. وقولها ﵂: "إِلاَّ رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ" فيه دلالةٌ على علوِّ الله على خلقه، وأنَّ الرَّبَّ الذي ندعوه ونسأله ونرجوه مستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ٢.

стр. 678

فَرَفْعُ الطرفِ إلى السماءِ فيه إيمانٌ بعلوِّ الله، كما أنَّ رَفعَ الأيدي إلى السماء فيه إيمانٌ بعلوِّ الله ، قال حافظُ المغرب أبو عمر بن عبد البر في كتابه التمهيد وهو بصدد ذكره الأدلَّةَ على علوِّ الله: "ومن الحُجَّةِ أيضاً في أنَّه على العرش فوق السموات السبع أنَّ الموحِّدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمرٌ أو نزلت بهم شِدَّةٌ رفعوا وجوهَهم إلى السماء يستغيثون ربَّهم ﵎، وهذا أشهر وأعرفُ عند الخاصَّة والعامة من أن يُحتاج فيه إلى أكثر من حكايتِه؛ لأنَّه اضطرارٌ لَم يُؤنبهم عليه أحدٌ ولا أنكره عليهم مسلم"١ اهـ. كلامه ﵀. والأدلةُ على علوِّ الله على خلقه كثيرةٌ لا تُحصَى، وقد دلَّ على علوِّ الله الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماع والفطرةُ والعقولُ، ولا مجال هنا لبسط هذه الأدلَّة. وفي رفع الطرف إلى السماء دلالةٌ على أهميّة استشعار مراقبة الله تعالى وأنَّه سبحانه مطَّلعٌ على عباده، عليمٌ بهم لا تخفى عليه منهم خافية، وأنَّ أزمّة الأمور بيده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله ﷺ في هذا الدعاء: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ ... " إلى آخره الاستعاذة سبق بيانُ معناها وأنَّها اعتصامٌ بالله والتجاءٌ إليه سبحانه، وفي هذا الدعاء التجاءٌ إلى الله بأن يَحميَ العبدَ من أن يقع في شيء من هذه الأمور المذكورة، وهي أنْ يَضِلَّ أَوْ يُضَلَّ، أَوْ يَزِلَّ أَوْ يُزَلَّ، أَوْ يَظْلِمَ أَوْ يُظْلَمَ، أَوْ يَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عليه. ومن المعلوم أنَّ مَن يخرجُ من بيته لا بدَّ له في خروجه من مخالطةِ الناس ومعاشرتِهم، والنّاصِحُ لنفسه يخاف أن يبتلى بسبب هذه المخالطة والمعاشرة

стр. 679

بالعدول عن الطريق القويم والمسلك المستقيم الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم، وذلك قد يكون متعلِّقاً بالدِّين بأن يَضِلَّ أو يُضلَّ، أو متعلِّقاً بأمر الدنيا بأن يَظلم أو يظلم، أو متعلِّقاً بشأن المخالَطين والمعاشَرين بأن يزِلَّ أو يُزَلَّ أو يَجهلَ أو يُجهَل عليه، فاستعاذ من جميع هذه الأحوال بهذه الألفاظ البليغة والكلمات الوافية الدقيقة. وقوله: "اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ" فيه تعوُّذٌ بالله من الضلال وهو ضِدُّ الهداية، وسؤاله ﵎ الإعاذة من الضلال متضمِّنٌ طلبَ التوفيق للهداية. وقوله: "أن أضلَّ" أي: أن أضلَّ في نفسي بأن أرتكب أمراً يُفضي بي إلى الضلال، أو أقترف ذنباً يجنح بي عن سبيل الهداية. وقوله: "أَوْ أُضَلَّ" أي: أن يضلنِي غيري من شياطين الإنس والجنِّ الذين لا همَّ لهم إلاَّ إضلالُ الناس وصدُّهم عن سواء السبيل. وقوله:: "أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ" من الزلَّة، وهي العَثرة، وذلك بأن يهويَ الإنسانُ عن طريق الاستقامة، ومن ذلك قولهم: زلَّت قدَم فلان، أي: وقع من علوٍّ إلى هبوط، ويُقال: طريقٌ مزلَّة أي: تزلُّ عليه الأقدامُ ولا تثبت، والمراد هنا الوقوعُ في الذنب من حيث لا يشعر تشبيهاً بزلّة الرِّجل. وقوله: "أَزِل" أي: من نفسي، وقوله: "أُزَلَّ" أي: أن يوقعنِي غيري في الزَّلَل. وقوله: "أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ" من الظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه. وقوله: "أو أَظلِمَ" أي: نفسي بإيقاعِها في الخطأ، وجرِّها إلى الإثم،

стр. 680

وغيري بأن أعتدي عليه أو أتصرَّف في ملكه بغير حقٍّ أو أناله بشيء من الأذى والسوء. وقوله: "أو أُظلَم" أي: أن يظلِمنِي أحدٌ من الناسِ في نفسي أو مالي أو عِرضي. وقوله: "أو أَجهل أو يُجهل عليَّ" من الجهل، وهو ضدُّ العلم. وقوله: "أجهل" أي: أفعلُ فِعل الجهلاء، أو أشتغل في شيء لا يعنِينِي، أو أجهلَ الحقَّ الواجب عليَّ. وقوله: "أو يُجهل عليَّ" أي: أن يجهل غيري عليَّ بأن يُقابِلَنِي مقابلة الجهلاء بالسفاهة والوقاحة والسِّباب ونحو ذلك. ومَن سلِم من الغلط مع غيره في شيء من هذه الخصال ومن أن يَغلطَ معه غيرُه في شيء منها فقد عوفِي وعوفي الناسُ منه، فالحديث فيه التعوُّذُ من هذه الأمور من الطرفين، من طرف المتعوِّذ نفسِه، ومن طرف الناس الذين يلقاهم ويحتكُّ بهم، وكان بعضُ السَّلف يقول في دعائه: "اللَّهمَّ سلِّمنِي وسلِّم منِّي"١، ومَن كان هذا شأنُه سالِماً من شرِّ الناس، والناسُ سالِمون من شرِّه فهو على خير عظيم. فهذا دعاءٌ عظيم ينبغي على المسلم أن يُحافظَ عليه كلَّما خرج من منزله؛ ليكون ملتجئاً إلى الله ومعتصماً به سبحانه من أن يناله شيءٌ من تلك الأمور، ثم عليه مع هذا الالتجاء أن يأخذَ بالأسبابِ فيحذرَ أشدَّ الحَذر من الضلال والزلل والظلم والجهل، فيكون بذلك جامعاً بين فعل الأسباب والاستعانة عليها بالله ﵎.

стр. 681

١٣٤ / أَذْكَارُ دُخُولِ المَنْزِلِ لقد ورد في السُّنَّة أذكارٌ عظيمةٌ متعلِّقةٌ بما ينبغي للمسلم أن يقوله عند دخول المنْزل، وفي الجملة يستحبُّ للمسلم أن يقول عند دخول المنْزل: بسم الله، وأن يُكثر من ذكر الله، وأن يسلِّم سواء كان في البيت أحدٌ أم لا. روى الإمام مسلمٌ في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵁ أنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبِيتَ وَالعَشَاءَ"١. وقد دلَّ هذا الحديثُ على أنَّ ذِكرَ المسلم لربِّه عند دخوله منزلَه، وعند طعامه وشرابه سببُ ِحفظِه ووقايتِه من الشيطان؛ إذ إنَّ الشيطانَ يتبع المسلمَ في أحواله كلِّها، عند دخول البيت وعند الطعام والشراب وغيرِ ذلك، فإذا ذكر المسلمُ ربَّه خنس الشيطانُ وأَيِسَ منه ولَم يقربه، وكان في حفظٍ منه ومن مكره وكيدِه، وأمَّا إذا غفل المسلمُ عن الذِّكرِ فإنَّ الشيطانَ يُلازمُه ويُشاركه في طعامه وشرابه ومبيته، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ ٢، أي: يُقارِنه ويُلازمه ويَؤزُّه إلى المعاصي أَزًّا. وذِكر الله طاردٌ للشيطان حافظٌ للإنسانِ، والذَّاكرُ لله محفوظٌ من

стр. 682

الشيطان بحفظ الله ، بل إنَّ الشيطانَ ييأسُ منه ويدرك أنَّه لا سبيل له عليه. ولهذا ورد في الحديث المتقدِّم أنَّ الشيطان عندما يسمع الإنسانَ يذكر اللهَ عند دخولِه منزله وعند طعامه يقول: لا مبيت لكم ولا عَشاء، أي: يقول ذلك لجنودِه وأعوانه، فييأس هو وأعوانُه من مشاركة هذا الذَّاكر لله في منزله وطعامه، وأمَّا الغافِلُ فإنَّه لا ينفكُّ عن هذه المشاركة ولا يسلم منها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ١، وهذا في حقِّ الغافلين، أمَّا الذَّاكرُون لله فأمرُهم كما قال الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ ٢. قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: "ذكر كثيرٌ من المفسّرين أنَّه يدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد تركُ التسمية عند الطعام والشراب والجِماع، وأنَّه إذا لَم يُسمِّ اللهَ في ذلك شارك فيه الشيطان كما ورد في الحديث". أي حديثنا المتقدِّم. ويُستحبُّ للمسلم عند دخول المنزل أن يسلِّم سواءٌ كان المنزلُ منزلَه أو منْزلَ غيره، وسواء كان فيه أحدٌ أم لا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ ٣، قال ابنُ سعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: " ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً﴾ نكرةٌ

стр. 683

في سياق الشرط، يشمل بيتَ الإنسان وبيتَ غيره، سواء كان في البيت ساكنٌ أم لا، فإذا دخلها الإنسانُ ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: فليُسلِّم بعضُكم على بعض؛ لأنَّ المسلمين كأنَّهم شخصٌ واحد، من توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، فالسلام مشروعٌ لدخوله سائر البيوت من غير فرق بين بيتٍ وبيت، ثم مدح هذا السلامَ فقال: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ أي: سلام بقولكم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ إذ تدخلون البيوت ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: قد شرعها لكم وجعلها تحيتكم، ﴿مُبَارَكَةً﴾ لاشتمالها على السلامة من النقص وحصول الرَّحمة والبركة والنَّماء والزيادة، ﴿طَيِّبَةً﴾ لأنَّها من الكلِم الطيِّب المحبوب عند الله، الذي فيه طيبُ نفس للمُحيَا، ومحبَّةٌ وجلبُ مودَّة". اهـ كلامه ﵀. وقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين عند دخول المنْزل ولا سيما غير المسكون ورد فيه حديث، لكنَّه لَم يثبت عن النَّبِيِّ ﷺ بسندٍ صحيح، ففي الموطأ للإمام مالك ﵀ أنَّه بلغه: "أنَّه يستحب إذا دخل بيتاً غير مسكون أن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"١، وورد فيه كذلك بعضُ الآثار عن قتادة ﵀ وغيره من السلف، لكنَّ الاقتصارَ على ما ثبتت به السُّنَّة وهو أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أسدُّ وأكملُ، سواء كان في البيت ساكن أم لا. وقول السلامُ عليكم عند دخول المنْزل فيه بركة على الإنسان وعلى أهل بيته كما دلَّت على هذا الآيةُ المتقدِّمة، وفي الترمذي عن أنس ﵁ قال: قال لي

стр. 684

رسول الله ﷺ : " يا بُنَيَّ إذا دخلتَ على أهلِكَ فسلِّم، تكُن بركةً عليكَ وعلى أهلِ بَيتِك"١. ومن سلَّم إذا دخل بيتَه فهو ضامنٌ على الله تعالى أيْ صاحبُ ضمان، ففي سنن أبي داود عن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثةٌ كلُّهم ضامنٌ على الله : رجلٌ خرج غازياً في سبيل الله، فهو ضامنٌ على الله ، حتى يتوفَّاه فيُدخلَه الجنَّة أو يَردَّه بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ، ورجلٌ راح إلى المسجد فهو ضامنٌ على الله تعالى حتى يتوفَّاه فيدخلَه الجنَّة أو يَردَّه بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ، ورجلٌ دخل بيتَه بسلامٍ فهو ضامنٌ على الله "٢. ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظُه: "ثلاثةٌ كلّهم ضامنٌ على الله، إن عاش رُزق وكُفي، وإن مات أدخله الله الجنَّة: مَن دخل بيتَه فسلَّم فهو ضامن على الله، ومَن خرَجَ إلى المسجد فهو ضامنٌ على الله، ومَن خَرَج في سبيل الله فهو ضامنٌ على الله"٣. وقوله: "ضامنٌ على الله" أيْ صاحبُ ضمان، والضمانُ الرعايةُ للشيء، ومعناه أنَّه في حفظ الله ورعايته وتوفيقه، فما أجلَّها من عطيَّةٍ وما أعظمه من فضلٍ، نسأل الله الكريم من فضله.

стр. 685

آداب الخلاء أذكاره ... ١٣٥ / آداب الخلاء وأذكاره لقد جاء في السُّنّة الغَرَّاء بيانُ الأدب الذي ينبغي أن يكون عليه المسلمُ عند دخولِه الخلاءَ وحال قضائه للحاجة وعند خروجه منه، وهي آدابٌ عديدة تدلُّ على كمال هذه الشريعة المباركة وتمامها، وما مِن ريبٍ في أنَّ المسلمَ يفرحُ غايةَ الفرح بتلك الآداب لِما فيها من كمال الحسن في التطهير والنظافة والتنقية والتزكية، بل إنَّها مفخرةٌ للمسلم وأكْرِم بها من مفخرة. روى الإمام مسلم في صحيحه عن سَلمان الفارسي ﵁ قال: "قيل له: قد علَّمكم نبيّكم كلَّ شيءٍ حتى الخِراءَةَ [أي: حتى كيفية قضاء الحاجة] فقال: أجَل، لقد نهانا أن نستقبلَ القبلةَ لغائطٍ أو بول، أو أن نستَنجِيَ باليمين، أو أن نستنجِيَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستَنجِيَ برَجيعٍ أو عظمٍ"١. وفي لفظ آخر للحديث عند مسلم عن سَلمان ﵁ قال: "قال لنا المشركون: إنِّي أرى صاحبَكم يُعلّمكم حتى يُعلِّمكم الخراءةَ، فقال: أجل، إنَّه نهانا أن يستنجيَ أحدُنا بيمينه، أو يستقبلَ القبلةَ، ونهى عن الرَّوث والعَظم، وقال: لا يستنجي أحدُكم بدون ثلاثة أحجار"٢. فهؤلاء المشركون أرادوا عيبَ الصحابة ﵃ بما اشتمل عليه دينهم من تعاليم متعلِّقة بكيفية قضاء الحاجة، فقالوا على وجه السُّخريَّة: قد علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيء حتى الخِراءةَ، فانبرى لهم سلمان الفارسيُّ ﵁

стр. 686

مُبطلاً انتقادَهم محطِّماً تهكُّمَهم، وقال بكلِّ افتخارٍ واعتزازٍ "أجل" أي: نعم، لقد علَّمنا هذا الأمرَ ونحن نفخر بذلك، ثم أخذ ﵁ يُعدِّدُ لهم مفتخراً شيئاً من الآداب الكريمة والتعاليم المباركة التي جاءت بها السُّنَّةُ في هذا الشأن، وهي بحقٍّ تعاليم مباركة لا يعرفها هؤلاء ونظراؤهم من أشباه الأنعام، وإنَّما يعرفها مَن منحه الله التوفيق وهداه لهذا الدِّين الحنيف، فالحمد لله على ما هدانا والشكر له على ما أولانا. وفيما يلي وقفةٌ في بيان شيء من هذه الآداب. يُستحبُّ أوَّلاً للمسلم عند دخول الخلاء أن يقول: بسم الله اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ؛ لِما ثبت في الصحيحين عن أَنَسٍ بن مالك ﵁ قال: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلاَءَ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ"١. والخُبث جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، وقد جاء في بعض طرق الحديث ذِكر البسملة في أوَّله، قال ابن حجر ﵀: "وقد روى العُمري هذا الحديثَ من طريق عبد العزيز بن المختار، عن عبد العزيز بن صُهيب بلفظ الأمر: إذا دخلتم الخلاءَ فقولوا بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، وإسنادُه على شرط مسلم"٢. ويشهد لهذا ما رواه ابنُ ماجه وغيرُه عن عليٍّ ﵁ مرفوعاً: "سِترُ ما بين الجِنِّ وعورات بَنِي آدم إذا دخل الخلاءَ أن يقول: "بسم الله"، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه٣.

стр. 687

ومن الأدب إذا كان في سفرٍ وذهب لقضاء الحاجة أن ينطلق حتى يَتَوَارى عن أصحابه؛ لِما رواه أبو داود عن المغيرة بن شعبة: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد البَرازَ انطلق حتى لا يراه أحد"١. ومن السُّنّة أن لا يرفع ثوبَه حتى يدنو من الأرض؛ لِما روى أبو داود عن ابن عمر ﵄: " أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد حاجة لا يرفعُ ثوبَه حتى يدنو من الأرض"٢. ومن السُّنَّة أن يستترَ عن الناس؛ لِما في صحيح مسلم عن عبد الله بن جعفر ﵁ قال: "كان أحبَّ ما استَتَر به رسولُ الله ﷺ لحاجَته هَدَفٌ أو حائِشُ نَخل"٣. ومن الأدب ألاَّ يبول في طريق الناس، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اتَّقوا اللَّعَّانَيْن، قالوا: وما اللَّعَّانان يا رسولَ الله؟ قال: الَّذي يَتَخَلَّى في طَريق النَّاس أو ظِلِّهم"٤. وروى أبو داود في سننه عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اتَّقوا الملاعِنَ الثلاثة: البَرازَ في الموارد، وقارعةَ الطريق، والظِّلَّ"٥. والمواردُ: طرقُ الماء.

стр. 688

ومن آداب قضاء الحاجة ألاَّ يستقبلَ المسلمُ القبلةَ بغائطٍ ولا بولٍ احتراماً لها، ولا يستَدْبِرْها، وألاَّ يستنجي بيده اليمنى، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّما أنا لكم بِمَنْزلة الوالد أعلِّمكم، فإذا أتى أحدُكم الغائطَ فلاَ يستقبل القبلةَ ولا يستدبرها، ولا يستطِب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الرَّوث"١. وتأمَّل ما في قوله ﷺ : "إنَّما أنا لكم بِمنْزلة الوالد أعلِّمكم" من تَمام الرعاية وحسن العناية وكمال النصح. ومن الأدب إذا استجمر المسلمُ بعد قضائه الحاجة ألاَّ يستجمر بأقلَّ من ثلاث؛ لِما في ذلك من تمام الإنقاء، ولا بأس أن يستعمل ما يقوم مقام الأحجار كالمناديل ونحوها، وله أن يستنجي بالماء وهو أفضل، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إدواةٌ من ماء، يعني يستنجي به"٢. وعلى المسلم عند قضاء الحاجة أن يحذر من رَشاش البول أن يُصيب بدنَه أو ثيابَه؛ لِما روى ابن عباس ﵄ قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ على قَبْرَين، فقال: "أمَا إنَّهما ليُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كَبير، أمَّا أحدُهما فكان يمشي بالنميمة، وأمَّا الآخر فكان لا يستترُ من بوله"، وفي رواية: "لا يَسْتَنْزه عن البول أو من البول"٣. ولا يجوز للمسلم أن يتكلَّم وقت قضائه الحاجة، ولا يشتغل بشيء من

стр. 689

الذِّكر والدعاء، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: "أنَّ رجلاً مرَّ ورسول الله يبول، فسلَّم عليه، فلَم يردَّ عليه" ١، وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ المسلمَ لا ينبغي له أن يتكلَّم وقت قضاء الحاجة؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يردَّ عليه بشيء، ولا ينبغي له كذلك أن يشتغل بشيء من الذِّكر والدعاء، والسلامُ ذِكرٌ ودعاء، والنبيِّ ﷺ لَم يردَّ السلام على هذا المسلِّم. فهذه جملةٌ من الآداب العظيمة لقضاء الحاجة ندب إليها الإسلامُ وحثَّت عليها الشريعة، وهي تدلَّ على كمال هذا الدِّين وحسنه وجماله. ثمَّ إنَّ المسلمَ يُستحبُّ له إذا خرج من الخلاء أن يقول: غفرانك؛ لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن عائشة ﵂ قالت: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ مِنَ الخَلاَءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ "٢. وقوله: "غُفْرَانَكَ" في هذا المقام قيل في معناه: أي "خوفاً من تقصيره في أداء شكر هذه النعمة الجليلة أن أطعمه ثم هضمه ثم سهَّل خروجه، فرأى شكره قاصراً عن بلوغ حقِّ هذه النعمة، فتداركه بالاستغفار"٣. اللَّهمَّ اغفر ذنوبنا وأعنَّا على طاعتك يا ذا الجلال والإكرام.

стр. 690

١٣٦ / أذكار الوضوء روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرُهم من حديث أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ، وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ "١، وهو حديث حسن بشواهده، وقد حسَّنه غيرُ واحد من أهل العلم، وهو دالٌّ على مشروعية التسمية في أوَّل الوضوء. وقد اختلف العلماء ﵏ في حكمها، فذهب الجمهور إلى أنَّها مستحبَّة، وذهب بعضُ أهل العلم إلى القول بوجوبها، إذا كان عالماً بالحكم ذاكراً لها، فإن جهل حكمها أو نسيها فلا حرج عليه ولا يلزمُه إعادة الوضوء. وقد سئل الإمام الشيخُ عبد العزيز بنُ باز ﵀ عن حكمِ مَن ترك التسمية في الوضوء ناسياً، فقال: "قد ذهب جمهورُ أهل العلم إلى صحَّة الوضوء بدون تسمية، وذهب بعضُ أهل العلم إلى وجوب التسمية مع العلم والذِّكر، لما روي عنه ﷺ أنَّه قال: "لا وضوء لمن لَم يذكر اسمَ الله عليه"، لكنْ مَن تركها ناسياً أو جاهلاً فوضوءه صحيح، وليس عليه إعادتُه ولو قلنا بوجوب التسمية؛ لأنَّه معذورٌ بالجهل والنسيان، والحُجَّة في ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ٢، وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنَّ الله سبحانه قد استجاب هذا الدعاءَ، وبذلك تعلم أنَّك إذا نسيتَ التسميةَ في أولِ الوضوء، ثم ذكرتها في أثنائه فإنَّك تُسَمِّي، وليس عليك أن تعيد

стр. 691

أوَّلاً؛ لأنَّك معذورٌ بالنسيان"١، اهـ كلامه ﵀. وأمَّا الدعاء على أعضاء الوضوء في أثناء الوضوء، كلُّ عضوٍ بدعاء مخصوص بأن يجعلَ لغسل اليدِ دعاءً ولغسل الوجه دعاءً ولغسل القَدم دعاءً ونحو ذلك، فهذا لَم يثبت فيه شيءٌ عن النَّبِيِّ ﷺ ، وليس للمسلم أن يعملَ بشيء من ذلك، ومن ذلك قول بعضِهم عند المضمضة: اللَّهمَّ اسقِنِي من حوض نبيِّك كأساً لا أظمأ بعده أبداً، وعند الاستنشاق: اللَّهمَّ لا تحرمنِي رائحةَ نعيمك وجنّاتك، وعند غسل الوجه: اللَّهمَّ بيِّض وجهي يوم تبيَّض وجوه وتسودُّ وجوه، وعند غسل اليدين: اللَّهمَّ أعطنِي كتابي بيميني، اللَّهمَّ لا تُعطنِي كتابي بشمالي، وعند مسح الرأس: اللَّهمَّ حرِّم شعري وبَشَرِي على النار، وعند مسح الأذن: اللَّهمَّ اجعلنِي من الذين يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه، وعند غسل الرِّجلين: اللَّهمَّ ثبّت قدمي على الصراط، فكلُّ ذلك مِمَّا لا أصل له عن النَّبِيِّ الكريم ﷺ . والواجبُ على المسلم الاقتصارُ على ما جاءت به السُّنَّة، والبُعدُ عمَّا أحدثه الناسُ بعد ذلك، قال ابن القيم ﵀: "وأمَّا الأذكار التي يقولها العامةُ على الوضوء عند كلِّ عُضوٍ فلا أصل لها عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أحدٍ من الصحابة والتابعين ولا الأئمَّة الأربعة، وفيها حديث كذب على رسول الله ﷺ " اهـ٢. ويُستحبُّ للمسلمِ أن يقول عقب فراغه من الوضوء: أَشْهَدُ أن لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ؛ لِما ثبت في صحيح مسلم عن عُقْبَةَ بنِ

стр. 692

عَامِرٍ ﵁ قال: " كَانَتْ عَلَيْنَا رِعَايَةُ الإِبِلِ، فَجَاءَتْ نَوْبَتِي، فَرَوَّحْتُهَا بَعَشِيٍّ، [أَيْ: رَدَدْتُهَا إِلَى مَكَان رَاحَتِهَا فِي آخِرِ النَّهَارِ] فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَائِماً يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَأَدْرَكْتُ مِنْ قَوْلِهِ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَجْوَدَ هَذِهِ! فَإِذَا قَائِلٌ بَيْنَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ ﵁ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُكَ حَينَ جِئْتَ آنِفاً، قَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أن لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ"١. ورواه الترمذي وزاد: "اللَّهمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِين واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَّهِّرين"٢، وهي زيادةٌ ثابتةُ كما بيَّن أهل العلم. وفي هذا الحديث يذكر عُقبة بن عامر ﵁ حِرصَ الصحابةِ ﵃ على أوقاتِهم وتعاونَهم بينهم التعاون الذي يُحقِّق الفائدةَ للجميع، ومِن ذلك أنَّهم كانوا يتناوبون رعيَ إبلِهم، فيجتمع الجماعةُ ويَضمُّون إبلَهم بعضَها إلى بعض، فيرعاها كلَّ يوم واحدٌ منهم، ليكون ذلك أرفقَ بهم، ولينصرفَ الباقون في مصالِحهم وحاجاتهم، وليتهيَّأ لهم فرصةٌ أكبرُ للاستفادة من النَّبِيِّ ﷺ وحضور مجالِسه، ولَمَّا كانت نوبةُ عقبة ﵁، وعندما عاد بالإبل إلى مراحها في آخر النهار وفرغ من أمرها، جاء إلى مجلس رسول الله ﷺ ليدرك شيئاً من فوائده ولينهل من معينه المبارك، فأدرك فائدة عظيمةً فرح

стр. 693

بها، وهي قول النَّبِيِّ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مُقْبِلٌ عَلَيْهَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إِلاَّ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ"، فقال ﵁ مُبدياً إعجابه بهذه الفائدة العظيمة: "ما أجودَ هذه"، فسمعه عمرُ بنُ الخطاب ﵁ وكان قد رآه حين دخل، فقال له: "الَّتِي قَبْلَهَا أَجْوَدُ" يُشير إلى فائدة قالها النَّبِيُّ ﷺ قبل دخول عقبة ﵁، وفي هذا دلالةٌ على ما كان عليه الصحابةُ ﵃ من الحِرصِ على الخير والتعاون في الدلالة على أبوابِ العلم وأمور الإيمان، فذكر له عمرُ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أن لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ". وفي هذا فضلُ إسباغ الوضوء بإكمالِه وإتمامه على الوجه المسنون، وفضل المحافظةِ على هذا الذِّكر العظيمِ عقِب الوضوء، وأنَّ مَن فعل ذلك فُتحت له أبواب الجنَّة الثمانية ليدخل من أيِّها شاء. ويُستحبُّ أن يضمَّ إليه: "اللَّهمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِين واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَّهِّرين"؛ لثبوت هذه الزيادة عند الترمذي كما تقدَّم، وله أن يقول كذلك: "سُبْحَانَك اللَّهمَّ وبِحَمْدِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إليك"؛ لِما رواه النسائي في عمل اليوم والليلة والحاكم في مستدركه وغيرُهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن توضَّأ ثم قال: سُبْحَانَك اللَّهمَّ وبِحَمْدِكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إليك، كُتب في رَقٍّ ثم طُبع بطَابَعٍ، فلَم يكسر إلى يوم القيامة"١، والطَابَع: الخاتم، يريد أنَّه يُختم عليه، ولا يُفتح إلى يوم القيامة.

стр. 694

فهذا جملةُ ما ثبت عن النَّبِيِّ ﷺ من الذِّكر المتعلَّقِ بالوضوء، قال ابن القيم ﵀: "ولم يُحفظ عنه [أي رسول الله ﷺ ] أنَّه كان يقول على وضوئه شيئاً غير التسمية، وكلُّ حديث في أذكار الوضوء الذي يُقال عليه فكذبٌ مختلق لَم يقلْ رسول الله ﷺ شيئاً منه"١، ثم استثنى ﵀ حديثَ التسمية وحديثَي عمر وأبي سعيد المتقدِّمين. والله وحده الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل.

стр. 695

أذكار الخروج من الصلاة, والدخول الى المسجد والخروج منه ... ١٣٧ / أذكار الخروج إلى الصلاة، ودخول المسجد والخروج منه ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي لِسَانِي نُوراً، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُوراً، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُوراً، وَمِنْ أَمَامِي نُوراً، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُوراً، وَمِنْ تَحْتِي نُوراً، اللَّهُمَّ اعْطِنِي نُوراً "١. وهذا الحديثُ يدلَّ على مشروعية قولِ هذا الدعاء عند التوجُّه إلى المسجد، وكلُّه سؤالٌ لله ﵎ بأن يجعلَ النورَ في كلِّ ذرَّاته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطاً به من جميع جهاته، وأن يجعلَ ذاتَه وجملته نوراً، وهذا مناسبٌ غاية المناسبة مع ما ثبت في صحيح مسلم أنَّه ﷺ قال: "والصَّلاةُ نُورٌ" ٢، فالصلاة نورٌ للمؤمن في دنياه وفي قبره وفي الآخرة، وفي حديث آخر قال ﵊: "مَن حافظَ عليها كانت له نوراً وبُرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لَم يُحافظ عليها لَم يكن له نور ولا بُرهان ولا نجاةٌ يوم القيامة" رواه أحمد٣، فكان في غاية المناسبة وتمام الحسن والمسلمُ متَّجهٌ إلى المسجد لأداء هذه الصلاة التي هي نور للمؤمن أن يسأل اللهَ أن يُعظِمَ حظَّه من النور في جسمه كلِّه، وأن يجعله محيطاً به من جميع جوانبه.

стр. 696

ثم إنَّ المسلمَ يُستحبُّ له إذا دخل المسجد أن يقول: بسم الله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ"، وأن يقول كذلك: "أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الكِرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". وإذا خرج أن يقول: بسم الله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ، اللَّهمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وقد دلَّ على ذلك مجموع أحاديث: فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجدَ قال: بسْمِ اللهِ، اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد، وَإذا خَرَجَ قال: بسْمِ اللهِ، اللَّهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ" رواه ابن السُّني في عمل اليوم والليلة١. وعن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إِذا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فليُسلِّم على النَّبِيِّ وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا خَرَجَ فليُسلِّم على النَّبِيِّ وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي مِنَ الشَّيْطَانِ" رواه النسائي وابن ماجه والحاكم٢، وجاء في بعض ألفاظه: "اللَّهمَّ باعدني من الشيطان". وعن أَبِي حُمَيْدٍ أو عن أَبِي أُسَيْدٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إِذا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذَا

стр. 697

خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ" رواه مسلم١. وعن عبد الله بن عَمروٍ بنِ العَاصِ ﵄، عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ قَالَ: "أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الكِرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ اليَوْمِ ". رواه أبو داود٢. وهذا مجموع ما ورد مِمَّا يُستحبُّ للمسلم أن يقولَه عند دخول المسجد وعند الخروج منه، وإن طال عليه ذلك اقتصر على ما في صحيح مسلم، وهو أن يقول عند الدخول: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، وعند الخروج: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ. قوله: "إذا دخل المسجد" أي حال دخوله المسجد، وقوله: "إذا خرج" أي حال خروجه منه. قوله: "بسم الله" عند الدخول وعند الخروج، الباء للاستعانة، وكلُّ فاعل يقدر الفعل المناسب لحاله عند البسملة، والتقدير هنا بسم الله أدخل أي: طالباً عونَه سبحانه وتوفيقه، وهكذا الشأن في الخروج. قوله: "والصلاة والسلام على رسول الله" فيه فضل الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عند دخول المسجد وعند الخروج منه، وهو من المواطن التي يُستحبُّ الصلاةُ فيها والسلامُ على رسول الله ﷺ ، وقد فصَّلها ابن القيِّم ﵀ في كتابه: جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام.

стр. 698

وفي قوله: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ، عند الدخول، واللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ، عند الخروج حكمة، فقيل: لعلَّ ذلك لأنَّ الداخلَ طالبٌ للآخرة، والرَّحمةُ أخصُّ مطلوبٍ له، والخارجُ طالبٌ للمعاش في الدنيا وهو المراد بالفضل، وقد أشار إلى ذلك قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ١، وقيل: لأنَّ مَن دخل المسجد فإنَّه ينشغل بما يقربه إلى الله ونيل ثوابه وجنَّته فناسبَ ذكرُ الرحمة، وإذا خرج من المسجد انتشر في الأرض ابتغاء فضل الله لرزقه الطيب والحلال فناسب ذكرُ الفضل٢، والله أعلم. وقد دلَّت النصوصُ المتقدِّمة على أهميَّة التعوُّذ بالله من الشيطان الرجيم والالتجاء إلى الله منه سواء عند دخول المسجد أو عند الخروج منه، وفي الدخول يقول كما في حديث عبد الله بن عَمرو المتقدّم: "أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الكِرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"، وأنَّ العبدَ إذا قال ذلك قال الشيطان: حُفظ منِّي سائر اليوم، أي جميعه. وفي الخروج يقول كما في حديث أبي هريرة المتقدِّم: "اللَّهمَّ اعصمني من الشيطان". وما مِن شكٍّ أنَّ الشيطان حريصٌ على الإنسان غاية الحرص عند دخول المسجد ليَصدّه عن صلاته، وليفوت عليه خيرها، وليقلل حظّه ونصيبه من الرحمة التي تنال بها، وحريص غاية الحرص على الإنسان عند خروجه من المسجد ليسوقه إلى أماكن الحرام وليوقعه في مواطن الريب، وقد صحَّ في

стр. 699

الحديث أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: " إنَّ الشيطان قاعدٌ لابن آدم بأطرقه"١، أي: في كلِّ طريق يسلكه الإنسان سواء كان طريق خير أو طريق شرٍّ، فإن كان طريق خير قعد له فيه ليُثبطه عنه وليُثنه عن المُضِيِّ فيه، وإن كان بخلاف ذلك قعد له فيه ليشجعه على المضيِّ فيه، وليدفعه على الاستمرار والمواصلة، نسأل الله أن يعيذنا وإيَّاكم وجميع المسلمين منه. وقوله: "أَعُوذُ بِاللهِ العَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الكِرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" فيه تعوُّذٌ بالله وأسمائه وصفاته، ومن صفاته سبحانه وجهُهُ الموصوف بالكرم وهو الحسن والبهاء، ومن صفاته السلطانُ الموصوف بالقِدم وهو الأوليَّةُ التي ليس قبلها شيء، وفي هذا دلالة على عظمة الله سبحانه وجلاله وكماله، وكمال قدرته وكفايته لعبده المستعيذ به الملتجئ إليه سبحانه.

стр. 700

١٣٨ / ما يقوله مَن سمع الأذان لقد ورد في شأن الأذان وهو النِّداءُ إلى الصلاة والإعلام بدخول وقتِها بألفاظ مخصوصة نصوصٌ كثيرة في سنَّة النَّبِيِّ الكريم ﷺ تدلُّ على فضلِه وعظَم شأنه وكثرةِ منافعه وفوائده، سواء على المؤذن نفسِه أو على من يسمع نداءه. فمن فضائل الأذان ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ إِلاَّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ "١، ومدى صوتِه: أي غايتُه ومنتهاه. وفي الحديث دلالة على أنَّ كلَّ مَن سمع صوتَ المؤذِّن من الإنس أو الجنِّ أو الشجر أو الحجر أو الحيوانات يشهد له بذلك يوم القيامة، وفي هذا دلالة على استحباب رفع الصوت بالأذان لِيَكثُرَ مَن يشهد له، ما لَم يُجْهِدْه أو يتأذى به. ومن فضائل الأذان ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لو يَعلم الناسُ ما في النّداء والصَّف الأول ثم لَم يجدوا إلاَّ أن يستهموا عليه لاستَهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العَتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْواً"٢. والاستهامُ: الاقتراعُ، والتَّهجيرُ: التبكير إلى صلاة الظهر، وقيل: إلى كلِّ صلاة، والعتمة: صلاة العِشاء.

стр. 701

ومن فضائل الأذان ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا نُوديَ للصلاة أدْبَرَ الشيطانُ له ضُراط، حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضي التأذين أَقْبَلَ، فإذا ثُوِّب بالصلاة أَدْبَر [أي: إذا أقيمت الصلاة] فإذا قُضي التَّثويبُ أَقْبَلَ، حتى يَخطرَ بين المَرء ونفسه، يقول: اذْكُر كذا، اذكُر كذا لِمَا لَم يكن يَذْكُر، حتى يَظلَّ الرَّجلُ لا يَدري كم صلَّى"١. وقد دلّ الحديث على أنَّ الأذان يطردُ الشيطان، وأنَّه إذا سمعه ولَّى هارباً حتى لا يسمع التأذين، فهو حينما يسمعه يهرب نفوراً عن سماعه، فإذا قضي يرجع موسوساً ليُفسد على المصلِّي صلاته. والنصوص في فضل الأذان كثيرة. ثم إنَّ المسلمَ إذا سمع النِّداء يُستحبُّ له أن يقول مثلَ ما يقول المؤذِّن؛ لِما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " إِذَا سَمِعْتُم النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ "٢. وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاَحِ، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ

стр. 702

قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الجَنَّةَ"١. وهذا فيه فضلُ سماع النِّداء وترديد كلماته مع المؤذن، بأن يقول مثلَ قوله في جميع الكلمات إلاَّ قوله: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، فيقول بدلهما: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله؛ لأنَّ قوله: حيَّ على الصلاة دعوةٌ للناس للمجيء لأداء الصلاة، وقوله: حيَّ على الفلاح دعوةٌ لهم للمجيء لتحصيل ثوابها، وفي قول المسلم عند سماع ذلك "لا حول ولا قوة إلاَّ بالله" طلب للعون من الله في تحقيق ذلك. ثم قوله ﷺ : "من قلبِه" فيه دلالة على اشتراط الإخلاص؛ لأنَّه أصلٌ لا بدَّ منه في قبول الأعمال والأقوال. ومن السُّنَّة أن يقول المسلم عقِب سماعه للشهادتين: وأنا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً؛ لِما روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبِالإِسْلاَمِ دِيناً، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ"٢. ورواه أبو عوانة في مستخرجه بلفظ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، قال: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ رَضِيتُ بِاللهِ ... " الحديث، وهو صريحٌ في أنَّ السَّامعَ يقول ذلك بعد جواب المؤذِّن على الشهادتين، يقوله مرَّة واحدة٣.

стр. 703

ويُستحبُّ للمسلم بعد انتهاء الأذان أن يُصلِّي على رسول الله ﷺ وأن يسأل اللهَ له الوسيلة، ومن سأل له الوسيلة حلَّت له الشفاعة، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّه سمع النَّبِيَّ ﷺ يقول: "إِذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ"١. وأفضلُ صيغ الصلاة عليه هي الصلاةُ الإبراهيميَّة التي علّمها النَّبِيُّ ﷺ أمَّته بأن يقول: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". وروى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّداً الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ"٢. ثمَّ إنَّ للمسلم بعد ذلك أن يدعو اللَه لنفسه بما شاء من خيري الدنيا والآخرة، فإنَّ هذا الموطن من مواطن إجابة الدعاء، فقد روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: أنَّ رجلاً قال: يا

стр. 704

رسول الله، إنَّ المؤذِّنين يفضلونَنا فقال رسول الله ﷺ : "قُلْ كما يَقولونَ، فإذا انتهيتَ فسَلْ تُعْطَه"١. وروى أيضاً عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لاَ يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ"٢. فهذا جملةُ ما ورد في هذا الباب، وليحذر المسلمُ أشدَّ الحذر مِمَّا أحدثه الناسُ مِمَّا لَم تثبت به سُنَّة ولم يقُم عليه دليل، والله تعالى أعلم.

стр. 705

١٣٩ / أذكار استفتاح الصلاة لقد ثبت عن النَّبِيِّ ﷺ أنواعٌ من الأذكار والأدعيَّة يستفتحُ بها المسلمُ صلاتَه فرضَها ونفلَها، ولم يكن النَّبِيُّ ﷺ يُداومُ على استفتاحٍ واحد، بل كان يستفتحُ بأنواعٍ من الاستفتاحات، وهي في الجملة مشتملة على تعظيم الله وتمجيدِه وحُسن الثناء عليه ﵎ بما هو أهله، وسؤاله مغفرة الذنوب، ولا يلزم المسلمَ نوعٌ معيَّن من هذه الأنواع، بل بأيٍّ منها أخذ لا حرج عليه، والأوْلَى أن يفعل بعضَها تارة وبعضَها تارة؛ لأنَّ ذلك أكملُ في الاتِّباع. ومن هذه الاستفتاحات ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! بِأَبِي وَأُمِّي، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالمَاءِ وَالبَرَدِ"١. وفي هذا الاستفتاح سؤالٌ لله ﵎ أن يُباعِدَ بين العبد وبين خطاياه وهي الذنوب كما باعد بين المشرق والمغرب، وذلك بمَحو الذنوب وعدم المؤاخذة عليها والتوفيق للبُعد عنها، وأن ينقيه من خطاياه أي: ينظفه منها كما ينظف الثوب الأبيض من الدَّنَس بحيث لا يبقى فيه أيُّ أثَر، وأن يغسلَه من خطاياه بالثلج والماء والبَرَد، وفي هذا إشارةٌ إلى شدِّة حاجة القلب والبَدن إلى ما يطهِّرهما ويبردهما ويقويهما.
следующие страницы →